بعد مُضي خمسة أيام وها هو اليوم السادس. كان وما زال، رغم ذلك، خبر زواج سراج وثريا هو المفاجأة التي أذهل دوي صداها ليس البلدة فقط، بل المدى كان واسعاً، بين حاسد وحاقد، وغير مستوعب كيف حدث هذا فجأة، بالأخص العريس لم يسبق له الزواج سابقاً ليتزوج من أرملة أحد أقاربه، وربما هذا هو السبب. والأغرب هو احتفال العُرس الذي امتد سبع ليالٍ تقترب على الانتهاء. وها هو اليوم السادس، أو كما يُلقب "ليلة الحناء". صباحاً بمنزل ثريا.
فتح ممدوح عينيه بانزعاج بسبب تلك الأصوات العالية لأغاني الأعراس المرحة التي تصدح بالمنزل. يصفع الوسادة على أذنيه متأففاً، لكن لا فائدة. نهض جالساً يتنفس بضجر، ومن ثم نهض من فوق الفراش وخرج من الغرفة، كان ما زال يشعر بالنعاس.
لكن لوهلة انتفض بخضة حين قامت إحدى النساء بإخراج صوت عالٍ وهي على مقربة منه. فاق من الخضة على تلك الضحكة التي جلجلت. نظر نحوها، سرعان ما ابتسم بانشراح قلب عكس ما يشعر به من عدم قبول لزواج ثريا من شخص آخر من عائلة العوامري. لكن لم يبدِ اعتراضاً، هي صاحبة الشأن وهي من عانت بسببهم.
ما زال يتذكر أن لولا دماؤه لما كانت ما زالت تعيش إلى الآن، ولا يعلم بذلك السر سواه هو وخالته سعدية فقط. وهي من تعود لبراثنهم مرة أخرى، ولا يعلم سبب ذلك. يعلم جيداً أن ثريا ليست ممن يستهويهن لا المال ولا السلطة. اقتربت تلك التي ضحكت تقول بحياء: "صباح الخير يا أستاذ ممدوح، معلش صوت الزغاريت صحاك من النوم." تبسم لها قائلاً بمرح: "صباح الخير يا رغد، فعلاً مش بس صحاني من النوم، ده كمان خضني." بابتسامة عذبة تفوهت:
"عقبالك." لأول مرة يلاحظ عذوبة بسمتها فوق ثغرها وذاك الحياء الواضح على وجنتيها اللتان شبه ظهر عليهما احمرار فاتن. سرعان ما غض بصره، لائمًا نفسه، وتنحنح قائلاً: "هروح أخد دش وأسيب البيت كله ستات." تبسمت له نفس البسمة، وتتبعته بعينيها تنظر له بهيام. في نفس اللحظة كانت تدلف سعدية ولاحظت ذلك. تبسمت لذلك وتمنت أن تكون تلك رغد، كاسمها. تعود برغد الحياة لقلب ممدوح البائس التعيس الحظ.
كذلك تمت لثريا أن يكون سراج هو العوض. بداخلها شعور مختلف من ناحية سراج، لكن رغم ذلك عارضت، وتتمنى أن لا يخيب حدس قلبها. *** ظهراً. بمنزل رحيمة. فتحت باب الدار بادعاء الزعل قائلة بلوم: "مش معاك مفتاح للدار؟ ليه مدخلتش من غير إزعاج؟ وبعدين إيه اللي آخرك كده؟ الحنة فاضل عليها كام ساعة؟ "أنا قلت أبوك جالك، بلاها خالتك تحضر الحنة." ضحك إسماعيل قائلاً:
"والله أنا كنت مناوب في المستشفى، وجاي منها عليكِ، حقك عليا، ومتخافيش، معايا العربية، هنوصل بدري." تبسمت بحنان له قائلة: "أنا اللي هحنّي العروسة بإيدي. قول لي يا لا." "هي حلوة زي ما سراج قالي؟ حسيت إنه مش بيقول الحقيقة." صمت، ثم عاودت الحديث بتقليد لطريقة رد سراج عليها: "آه حلوة، عادي يعني، أنا من إمتى بيفرق معايا الجمال؟ أهي زي أي ست والسلام." ضحك إسماعيل قائلاً:
"والله يا رورو، أنا ما خدتش بالي منها أوي، شوفتها مرة أو اتنين ومركزتش، بس كلها كم ساعة وتشوفيها وتحكمي بنفسك." ابتسمت بتوافق قائلة: "عقبالك يا واد يا إسماعيل. جلبي حاسس إنكم هتتجوزوا ورا بعض." "كر فر" (بسرعة) و"تفرحي جلبي بزينة الصبايا." أومأ لها موافقاً. فهو الآخر اتخذ القرار، وبقي التنفيذ في أقرب وقت. لن يتمهل كثيراً. *** مساءً بالحناء.
كم كان حضورها الليلة لتلك الحناء أمراً صعباً عليها. تجلس بين النسوة ترسم بسمة قبول. ولو بيديها لنهضت وذهبت نحو تلك المحتالة ثريا وصفعتها، لا بل قامت بخنقها أمام النسوة دون اهتمام. لكن من وضعها بهذا الموقف هو إصرار سراج. عارضت في البداية، لكن تقبلت على مضض. تتلاعب حتى لا يفهم سراج نواياها البغيضة. أخفتها، لديها يقين أن ثريا لن تحصل على قلب سراج، هي مجرد زهوة أو رغبة شعر بها نحوها، بسبب إنقاذه لها، حين حملها بين يديه، ربما أثارت رغبة بداخله. سرعان ما ستزول بالحصول عليها. عناده واضح أنه ليس عشقاً. والتأكيد على ذلك هو إصراره على إقامة حناء وليلة عُرس يعرضها لتلامز وغامز النساء أنها ليست عروساً بِكر.
غامت عينيها بلمعة يقين ورسمت بسمة قبول أمام النسوة حتى لا تثير أنظارهن نحوها ويتركن النظر إلى ثريا يحرقنها بتلك النظرات. سرعان ما غامت نظرة عينيها بنظرة غِل وحقد حين رأت تلك السخيفة رحيمة تحمل إناء الحناء وذهبت نحو ثريا تبتسم لها. بادلتها ثريا البسمة. لأول مرة ترا تلك السيدة، لكن شعور بالألفة نحوها جعلها تبتسم لها رغم ضيقها من ذاك الموقف البغيض.
انزاحت والدة ثريا، جلست مكانها رحيمة وجذبت يد ثريا قائلة بإصرار وهي تنظر نحو ولاء بنظرة كيد وإغاظة قائلة: "مرت سراج، ولد أختي رحمة الله يرحمها، الليلة بعمل بوصيتها إني أحني مرته بإيدي."
كادت تعترض ثريا، لكن رغمًا عنها تركت يديها لرحيمة التي رسمت لها الحناء بعناية. ثم نهضت تحمل إناء الحناء وقامت بحركات راقصة تشغل عقل النساء عن التدقيق بالنظر نحو ثريا. أثارت حقد ولاء بعد أن نجحت بإلهاء النساء لبعض الوقت. وركزوا بالغناء والرقص غير منتبهين للعروس، مما جعل ملامحها تنفرج قليلاً. لكن عادت لمعة عين ولاء بعد أن هدأ الصخب وعادت تلك النظرات. لكن...
رأفت رحيمة بثريا التي تجلس بين النساء تشعر كأنها مسخُهن يتغامزن ويتلامزن عليها. سبب آخر كي يزيد حقد وكره قلبها لسراج هو من وضعها بهذا الموقف السخيف الغليظ على قلبها. كأن رحيمة شعرت بها. نهضت واقفة وسحبت يد ثريا وجذبتها كي تنهض معها. كانت نجاة لها. نهضت معها بطواعية، سارت خلفها إلى أن توقفن أمام صنبور الماء، وقالت لها: "الحنة نشفت، اغسلي يدك."
امتثلت ثريا، وغسلت يديها. كان أثر الحناء واضحاً بيديها. تبسمت لها رحيمة وجذبتها معها وذهبن إلى تلك الغرفة الصغيرة التي تستخدمها ثريا، غرفة مكتب المحاماة. كان الباب الآخر مفتوحاً. قبل أن تسألها ثريا عن سبب مجيئهم إلى هنا، كان الجواب هو دخول سراج إلى الغرفة عبر الباب الخارجي. عبس وجهها، بينما تبسم سراج لرحيمة التي جذبته من يده. نظر إلى ثريا.
كانت عابسة بوضوح. رغم ذلك كانت جميلة بزي الحناء. كأن عبوسها أعطاها جمالاً. بالتأكيد تخفض وجهها ليس حياءً منها، فهو على يقين هي لا تمتلك ذلك. بينما هي حقاً أخفضت وجهها ليس حياءً، بل كي تكبت دمعة عينيها التي من الجيد أنها ما زالت متماسكة بين أهداب عينيها. لا تود النظر لأي أحد، كل ما تود أن تنتهي الليلة. لكن جذبت رحيمة يدها اليسرى، كذلك يد سراج اليسرى.
ثم ضمتهما بين يديها للحظات، ثم أبعدت يديها عنهما، وضعتها بصدرها وأخرجت علبة صغيرة كانت تشبه علب الحلوى الصغيرة. وشعرت بغصة وهي تفتحها تنظر إلى ما بداخلها قائلة: "كانت آخر أمنية لـ رحمة هي تزور الكعبة، وتحققت قبل موتها بفترة صغيرة." "وجدتها بعد ما رجعت.
عطتني صندوق صغير وقالت لي: ده أمانة عندك يا رحيمة، أنا عارفة عمري هيجي قصير. دي دبل جبتها من الحجاز لولادي التلاتة. أمانة عندك تعطي لكل واحد منهم الدبلة اللي مكتوب عليها اسمه. كمان فيه تلات دبل دهب بتيجي لعرايسهم."
غصبًا سالت دمعة عينيها بمأساة. سريعاً جففتها بيديها وتبسمت حين ضمها سراج وقبل رأسها. بينما تفاجأت ثريا بفعلة سراج تلك، لكن لم تبالي. بالتأكيد هي لديها مكانة خاصة لديه، فهي مقام أمه الثانية. رفعت رحيمة وجهها وتبسمت لسراج وأعطته أحد الخاتمين قائلة: "خد، لبس عروستك الدبلة." نظر سراج إلى الخاتم ثم إلى رحيمة التي تبسمت له بإيماءة تحثه على فعل ما طلبته. تنهد بوضوح، كاد... لكن لم تعطيه رحيمة فرصة للاعتراض حين قالت:
"مش انكتب كتابكم؟ تيجي مراتك ومش حرام تمسك يدها." غصبًا عن ثريا انفلتت شفاها بضحكة، تهكمت بداخلها، فعن أي حرام تحدث هذا الحقير بنظرها. بينما لاحظ سراج بسمة ثريا، اغتاظ منها وبلا انتظار جذب يدها اليسرى مرة أخرى وقام بوضع الخاتم في بنصرها. لكن تحدثت ثريا: "الدبلة واسعة عليا." تبسمت رحيمة قائلة: "مفيش مشكلة، سراج ييجي ياخدها للصايغ يضيقها على مقاس صباعك، وبكرة بعد الجواز والخلفة هتربي، ومش بعيد تضيق عليكِ وجتها."
ضحكت ثريا غصبًا. ظن سراج أنها ضحكت من حديث رحيمة، بل هي كانت ضحكة حسرة في قلبها. بينما مدت رحيمة يدها بالخاتم الآخر لثريا قائلة: "لبسي سراج الدبلة وبلاش يدك ترتعش." تبسم سراج متهكماً وهي ترعش يد تلك الوقحة. بلا اعتراض أخذت الخاتم منها وتماسكت وهي تضعه ببصرها سراج بصعوبة لضيق الخاتم قليلاً. ضحكت رحيمة قائلة: "هي بالعكس، دبلتها واسعة وإنت دبلتك ضيقة. إن شاء الله ربنا هيعوضكم ببعض."
تهكمت ثريا، هي لم تعد تنتظر عوضاً بعدما نالت من خيبات أمل. بينما سراج أومأ غير مبالٍ، هو لا ينتظر سوى شيء واحد من ثريا، وهي تعلمه جيداً. *** بـ دار العوامري. بعد انتهاء الحناء. بالمندرة. جلست ولاء تزفر نفسها بغضب ساحق قائلة: "لاه، واللي غاظني أكتر رحيمة، بتتصرف كأنها أم العريس قدام النسوان. بس أقول إيه؟ كله من سراج، معرفش سبب لكده. لو عاشجها كنت عذرته، حاساه بيعمل كده عناد فينا." أومأ عمران يشعر بحسرة قائلاً:
"ومعرفش ليه بيعند، مع إن كان ألف بنت من أعيان تتمنى منه إشارة وهو... قاطعته ولاء بلوم عليه: "لو واحد غيره كان اتعظ منك. زمان عملت كده وفي الآخر... توقفت ولاء بعد أن أصابت هدفها وهي تذكره بما لم ينساه يوماً أنه كان فظاً مثل سراج، وتمسك بالزواج ممن دون المستوى، لكن هناك فرق بينهما. هو كان عاشقاً عن حق، سراج ليس مثله. والدليل حين تجادل معه قبل أيام وحاول إقناعه بالعدول عن ذلك الهراء، بل الغباء.
[بالعودة إلى صباح ثاني تلك الليلة الذي أخبرهم فيها بقرار زواجه من ثريا خلال أسبوع] كان الوقت باكرًا. شعر عمران بأرق، بسبب شبه عدم نومه طوال الليل. نهض وخرج من غرفته، ذهب إلى غرفة سراج، فتحها كما توقع. سراج قد استيقظ ويمارس بعض التمارين الرياضية. توقف عنها يلهث وهو ينظر إلى والده. لديه يقين عن سبب مجيئه إلى غرفته بهذا الوقت الباكر، فالكاد الشمس أشرقت. تفوه بلهث: "صباح الخير يا أبوي." أومأ له عمران قائلاً:
"كفاية تمارين لحد كده، وتعالى نقعد نتحدث شوية." ترك سراج تلك التمارين وذهب خلف عمران وانتظر أن يجلس أولاً ثم جلس خلفه. زفر عمران نفسه بضجر قائلاً: "بص يا ولدي، أنا مش هلف وأدور. إنت تنسي الحديث الماسخ اللي قلته عشية امبارح." رغم فهم سراج، لكن راوغ سائلاً: "أني مش فاهم قصدك. حديث إيه اللي ماسخ يا أبوي؟ نظر له عمران قائلاً بنهي:
"حديث جوازك من بت الحناوي. دي مش من مقامك ولا من مقام نسب عيلة العوامري. وإن كان عالأرض، أنا أقدر أجبرها تتنازل عنها غصب عنها. بلاش تعيس نفسك بجوازة... قاطعه سراج: "بس جوازي من ثريا مش هدفي الأرض. وطالما تقدر ترجع الأرض منها، ليه معملتش كده من زمان؟ زفر نفسه بضيق وضجر مفسراً: "مش راضي أفرض عليها غصب عشان الناس متقولش إني بستجوي (بستقوي) على ست." "لكن إنك تتجوزها عشان كده، لأ." نظر له سراج قائلاً:
"ومين اللي قال إني بتجوزها عشان كده؟ مش يمكن فيه سبب تاني؟ تساءل عمران: "وإيه هيكون السبب التاني؟ أجابه سراج وهو يركز بالنظر إلى عينيه: "واضح إنها وراثة يا أبوي." "ثريا..... توقف للحظة قبل أن يعاود القول بتلميح: "عجباني وداخلة مزاجي." فهم عمران تلميح سراج أن ثريا لا تفرق عن والدته، وهو لا يفرق عنه. لكنه لم يبح بعشقها. طريقة حديثه تثبت أنها مجرد اشتهاء لا أكثر. انتفض عمران واقفًا بغضب قائلاً بامتثال:
"إنت حر. أنا قلت أنصحك. متنساش إنها أرملة ولد عمتك اللي لما تعرف جلبها هينجرح، مهما كان كانت مرات ولدها الوحيد." خرج عمران مسرعاً يشعر بغضب، لكن سرعان ما هدأ وهو يعاود طريقة سراج في الرد عليه. تيقن أن ثريا ليست أكثر من نزوة وقت. وهو ليس ساذجاً ليقع بفخها، ليعثر منها على ما يريد وتنطفئ زهوتها لديه دون خسائر.
بينما نهض سراج وتوجه ناحية شباك الغرفة. داعبت قسوة أشعة شمس الشروق عينيه. لوهلة أغمض عينيه ثم فتحها وعاد ينظر أمامه. من بعيد كان هناك طيف سرعان ما اختفى. لم يهتم بذلك وزفر نفسه وعاد مرة أخرى لممارسة تلك التمارين الشاقة. [عودة] عاد عمران من ذلك على ذم ولاء لزوجة عمران قائلة بتوبيخ: "جيب لي شربات؟ فرحانة جوي؟ روحي هاتي لي قهوة سادة، راسي هتتفرتك."
امتثلت زوجته لذلك تكبت دمعة عينيها، بينما لم يبالي عمران بذلك، وظل الصمت لدقائق إلى أن دلفت إيمان تحمل صينية صغيرة بين يديها وتوجهت نحو عمتها قائلة عن قصد: "أمي، فيه ستات لسه في الدار بيباركوا فرحانين بحنة أخوي سراج. قولت أجيب لحضرتك القهوة، عشان أكيد الصداع واجع راسك."
تبسم عمران لها بمودة، بينما زغرت لها ولاء بضيق. تلك الصغيرة تثير غضبها الذي ازداد إلى شياط حين ادعت إيمان رعشة يدها وهي تمد يدها بصينية القهوة وعمداً سكبتها على فخذ ولاء التي انتفضت واقفة بغضب تسب إيمان التي ادعت بالكذب أنها لم تقصد وبررت ذلك كثيراً، تثير غضب ولاء، تخطئ أمام عمران الذي احتوى الموقف قائلاً: "حصل خير، معلش يا ولاء. خلاص يا إيمان روحي هاتي أي دهان مرطب لعمتك."
وافقت إيمان وهي تعتذر بكذب قبل أن تخرج من الغرفة، ثم وقفت على جانب الغرفة تركت عنان ضحكاتها. رداً على استقلال ولاء من شأن والدتها. بينما قسوة ألم فخذ ولاء جعلها تقول بغضب: "يوم أسود من أوله، من الصبح أصحى على نواح أختك على ولدها وجباحة أرملته اللي هتتجوز من العيلة، ودلوقتي على حرق القهوة." تنهد عمران قائلاً:
"هدي أعصابك يا ولاء، بلاش تتعصبي كده. جلبي حاسس إن الجوازة دي مش هتستمر كتير، وسراج هيزهق منها زي ما غيث ندم. ولو عمره القصير كان طلقها قبل ما تكمل أربعين يوم. اللي زي ثريا ميُعمرش." *** بمنزل ثريا. كعادتها حين تشعر بأرق تجلس خلف ذاك الشباك تسند يديها فوق الحرف تضع رأسها فوق يديها، تنظر نحو ذاك القمر الذي أصبح يتقلص حجمه لاقتراب نهاية الشهر وبداية شهر آخر. كان رغم ذلك هلالاً بازغاً. تذكرت ليلة حنائها الأولى.
كان هنالك أمل بقلبها وقتها، لكن سرعان ما انطفئ مثل ذاك الهلال الذي ينطمس أسفل بعد السحاب قبل أن يبزغ مرة أخرى. ذكريات مريرة تمر برأسها. كذلك همس وتلامز النساء يطن بأذنيها. مواقف تفرضها عليها الحياة التي لا تعلم تسير بها إلى أين، مثل تلك الثريات التي تحاوط الهلال، تسير بلا معرفة لأي اتجاه منها، من يقترب من الهلال ويشكل منظراً رائع، وأخرى تنطمس خلف السحب المظلمة. هكذا مثلما يفعل معها القدر. بـ دار العوامري.
نظر سراج إلى ذاك الخاتم الذي ببنصر يده. حاول خلعه، لكن لضيقه استصعب ذلك. تركه دون محاولة أخرى. يستطيع خلعه بسهولة، لكن لم يبالي بذلك. وتذكر وعيده بتأديب ثريا عن ما تفوهت به بوقاحة حين أخبرها أنه سيتزوجها. [تذكر قبل أيام] في البداية لم تنتبه ثريا لقوله الآمر، لكن سرعان ما ضحكت بهستيريا قائلة: "أكيد بتهزر يا سراج." تنرفز سراج قائلاً: "لأ، مش بهزر يا ثريا." ضحكت أكثر قائلة: "تبقى اتجننت...
أو مخك طار يا سراج، راجع دكتور نفساني... قاطعها بغضب وهو يقبض على عضد إحدى يديها بقوة ينظر لها بغضب قائلاً: "ثريا." قطبت على ضحكتها ونظرت لعينيه بغضب من قبضة يده على عضدها وحاولت نفض يده بغضب قائلة: "إبعد عني يا سراج، بلاش... "بلاش إيه؟ عاوزة قد إيه مهر؟ حاولت نفض يده، لكن هو ما زال متمسكاً بعضدها. نظرت لعينيه شعرت بارتجاف في قلبها. كانت مثل نظرة عين "غيث" لها.
كأنها تراه أمامها. بسبب رياح قوية أثارت بعض الغبار، انطفأت عينيها، أغمضتهما. لحظات كانت مثل دهر من الزمن ترا نظرات بغيضة لها وهي تقف عارية بغرفة النوم والنوافذ مفتوحة بأوجع أيام البرد ترتعش.
حدث ذلك بعد أن جردها غيث من ثيابها عنوة، ينظر لها بنظرات ليست رجل لزوجته، بل لعاهرة أو صورة بغلاف مجلة فاحشة. نظرات تجعلها تشعر بالغثيان وتود لو تحترق في الحال وتصبح رماداً. شعرت بهزة في جسدها، كذلك دوخة طفيفة قبل أن تفتح عينيها وتجد سراج ينظر لها، وقد تبدلت نظرته وهو يشعر بارتجافها أسفل يده، كذلك عينيها اللتان توهجا باحمرار. لم يشفق بذلك وظل ينظر لها، بينما هي تفوهت بادعاء الوقاحة:
"عاوز تتجوز من ست سبق نامت في حضن راجل غيرك." ضغط بقوة فوق عضد يدها يكاد يسحقه قائلاً بنفس الوقاحة: "يمكن رغبة ولما أنولها تنتهي بسرعة، بس وقتها بأكد لك هتطلعي خسرانة يا ثريا."
عاودت الضحك غصبًا. أي رغبة لديه بها، هي هيكل أنثى فقط. وأي خسارة ستخسرها أكثر مما خسرته سابقاً. فكر عقلها سريعاً، لماذا لا تنتقمي مما فعله بكِ سابقاً حين أمر ذاك الوغد باغتصابك وخرج من ذلك بشهامة يتحدث عنها الجميع بعد أن تبدلت الحقيقة لصالحه. هو يستحق امرأة مثلك خاوية الإحساس والجسد، مجرد هيكل. نظرات كل منهم للآخر تحدي واحتداد وانتظار لرد فعل الآخر. خالفت ثريا توقع سراج وقالت باستبياع: "موافقة أتجوزك يا سراج."
خفف سراج من قبضة يده. توقع أن تساوم أو تدعي الرفض قليلاً تعزيزاً لنفسها. تبدلت نظرته إلى زهو. هو يعلم أنه تظن بزواجها منه لن يطالبها بإعادة قطعة الأرض. رياح عاصفة أخرى هبت جعلتهما الاثنين يغمضا أعينهما لحظات، ثم فتحا أعينهما. سحبت ثريا يدها من قبضة سراج، وسارت لبضع خطوات تعطيها ظهرها. قبل أن يقول سراج: "متفقناش على تفاصيل الفرح اللي بعد أسبوع يا ثريا، ولا إنت اتراجعتي."
توقفت تغمض عينيها للحظات ثم فتحتهما بغضب واستدارت تنظر له قائلة بسؤال: "فرح مين؟ اقترب بخطوات بطيئة: "فرحنا. أنا مش لازمه إشهار. أنا راجل عازب ومن حقي أهلي يفرحوا بيا بعُرس سبع ليالي." تهكمت بضحك واستقلت قائلة بقصد: "سبع ليالي بس؟ "إنت حفيد العوامري المفروض تعمل شهر بحاله، ولا أقوله تمانية وتلاتين ليلة كويس؟ هما نفس عدد الليالي اللي عشتها مع غيث." صك على أسنانه قائلاً: "بكفي سبع ليالي. أوفر الباقي مش يمكن...
أجابته هي: "يمكن تطلع جوازة خسرانة. بلاش أوهام. أنا وافقت على جواز مجرد إشهار، مش هيصة وفرح." أجابها بمكر: "وهو فيه إشهار أكتر من الهيصة والفرح." "قدامك سبع ليالي بحالهم قبل ما.... نظرت عينيه أكملت بقية حديثه الفج، وإن كانت أسوأ من الحديث. أومات رأسها وتبسمت بإغاظة:
"فهمت دماغك يا سراج. إنت عاوز تكمل دور الشهامة، وأنا موافقة. أهو الغلابة هيدعوا لي بعض ما ينوبهم نصيب من خير السبع ليالي. يا ريت غيث كان عمل كده، كان نفعه ثواب في آخرته يكفر عن سيئاته." "غيث." تتعمد ذكر اسمه كي يشعر أنه يأخذ فتات ما تبقى من غيره. بينما هو يشعر بغضب من ذكرها لـ غيت، كأنها كانت تكن له مشاعر. بالتأكيد كانت تخدعه، والدليل عدم مكثها بمنزله حتى انتهاء أيام العزاء، بل سارعت بالمغادرة، وكذا طلب ميراثها منه.
ابتلع كل منهم ريقه الجاف وأومأ برأسه بموافقة. [عودة] على صوت رنين هاتفه. عاد ينتبه، أخرج الهاتف من جيبه، ونظر إليه. تنهد بأسف وهو يقرأ تلك الرسالة الرومانسية. حسم أمره، كي ينهي آمالها الواهية. وأرسل لها رسالة مرفقة بصورة له وهو يجلس بين الرجال، ونص أسفلها: "لقد تزوجت بأخرى والليلة كانت الحناء والعُرس غداً."
لم يهتم بعد ذلك وأغلق هاتفه وألقاه على الفراش وتمدد عليه، يضع يديه أسفل رأسه، يشغل عقله صورة ثريا العابسة قبل قليل. *** انتهت الليلة. وسطع نهار آخر جديد. بنهاية اليوم سيتم الزفاف. بـ دار سهيلة. دلفت إحدى النساء تحمل صندوقاً كبيراً قائلة: "أنا 'عدلات'. بشتغل في دار عمران بيه العوامري. سراج بيه بعتني مخصوص بالصندوق ده ليكي." تبسمت لها قائلة: "عارفك يا عدلات. ناسيه إني كنت متجوزة من غيث العوامري والبيوت جنب بعضها."
تبسمت لها قائلة بهمس: "أنا عارفة شوية عن طباع المرحوم غيث بيه. سراج بيه عكسها خالص، فرق السما من الأرض." ضحكت ثريا، فهي لا ترى فرقاً، بل غيث كان يخفي مساوؤه عنها، لكن سراج واضح جداً أمامها. تهكمت سائلة: "بس إيه اللي في الصندوق ده؟ أجابتها عدلات:
"والله ما أعرف، افتحيه وشوفيه. أنا لازم أرجع للدار. إنتِ عارفة زحمة شغل الفرح. أنا جلبي ارتاح لك والله. الست 'راضية' مرات عمران بيه زيك كده ملهاش في اللوع، وزي البلسم عالجرح. هتنوري الدار." تبسمت ثريا. بينما قبل أن تغادر عدلات قامت بالزغاريد كثيراً. لم تهتم ثريا وذهبت نحو ذاك الصندوق قائلة: "أما أشوف سراج باعت إيه في الصندوق. يمكن تكون قنبلة وتنفجر فيا وأرتاح منه." فتحت الصندوق. لها كانت قنبلة مثلما قالت. كان أهون.
ضيقت عينيها بغضب مستعر قائلة: "مفكرني بِت بنوت." "باعت لي فستان فرح، بالتأكيد قاصد يحرق في دمي، لما الخلق تسخر مني وتاخدني متله في لسانها. مش كفايه إني كنت مسخة النسوان عشية امبارح. وماله، إنت اللي اخترت يا سراج." *** مساءً. بـ دار العوامري. بشقة بمساحة المنزل الواسعة. كانت غير مجهزة بها سوى غرفة نوم فقط وبضع مقاعد بالردهة. كان الثلاث شباب مجتمعين معاً. تحدث آدم:
"خالتي رحيمة صحيت من بدري وطلبت مني أروح دار أهل مراتك." "مراتك." اهتز قلبه لتلك الكلمة التي تخصه بملكية لتلك المحتالة. بينما تساءل إسماعيل: "مش كنت تستنى شهر على الأقل وتجهز فرش الشقة دي وتتجوز فيها واسعة وكمان مش زي الأوضة بتاعتك اللي تحت." أجابه سراج: "أنا عجبتني أوضتي كمان واسعة، وبرتاح فيها أكتر." ضحك آدم وغمز بعينيه قائلاً: "براحتك، بس الشقة كانت هتبقى أوسع، ومقفولة عليك إنت ومراتك، محدش هيزعجكم."
نظر له سراج قائلاً: "بطل غمز منك له وكفاية رغي ويلا اتفضلوا شوفوا طريقكم. عاوز أجهز، خلاص بقينا العصر وقت الفرح قرب." غمز إسماعيل وهو يضع يده على وجنة سراج قائلاً: "متنساش تحلق دقنك عشان تبقى ناعمة تحت إيد العروسة." غمز آدم هو الآخر قائلاً: "وشعرك كمان ابقى سرحه. إحنا ممكن نساعدك ونـ... نظر لهما بغيظ. بنفس الوقت صدح رنين باب الشقة. ذهب إسماعيل وفتح الباب، رحب بـ إيمان التي دلفت تحاول إصدار أصوات مرحة قائلة:
"فين العريس؟ كنت عاوزة.... قاطع سراج قولها وهو يدفع كل من آدم وإسماعيل وجذب يد إيمان قائلاً: "وفري زغاريدك اللي شبه صوت السلعوة." "ويلا خدوا بعض كده وكل واحد يشوف طريقه. مش عاوز إزعاج، عاوز دماغي يبقى رايق." قام بدفعهم نحو باب الشقة حتى غادروا بضحك، وتركوه يستعد لليلة عرسه. بعد صلاة العشاء بوقت قليل. أمام منزل ثريا.
ترجل سراج من سيارته، نظر إلى تلك السيارات التي رافقته بالتهليل، ثم ذهب إلى نحو داخل المنزل. بمجرد أن دلف من الباب وقف مشدوهاً للحظات. بـ «صدمة مذهلة».
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!