تحميل رواية «سراج الثريا» PDF
بقلم سعاد محمد سلامه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أغسطُس، أشد شهور السنة حرارةً، بأسيوط. تحت أشعة الشمس القاسية بوقت الظهيرة، تسير حافية القدمين فوق تلك الجذور القاسية المتبقية بعد حصاد القمح، جذور أقسى من الأشواك. كانت تقتلع تلك الجذور بيديها. توقفت تشعر بإنهاك وهي تمسح ذاك العرق المتسرب فوق جبينها من أسفل تلك العُصبة التي فوق رأسها. للحظة، ثم عاودت السير واقتلاع تلك الجذور. شعور الألم بكامل جسدها مصاحب كل خطوة، تدمي قدميها من قسوة تلك الجذور. رغم ذلك، هي تحاول دائمًا نسيان ذاك الألم. إلى أن وصلت إلى جسر للأرض فاصل بينها وبين الأرض المجاورة...
رواية سراج الثريا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سعاد محمد سلامه
ما سمعه مستحيل أن يتخيله عقله، والأصعب كيف مرت ثريا بكل هذا. تذكر تبلدها معه منذ بداية زواجهم، كان يظن أن هذا دلال، بل كان جفاف مشاعر بداخلها كأنها انساحقت. عاود ينظر إلى سعدية وسؤال برأسه، قبل أن يسأله أجابته سعدية:
"مكنش ينفع نبلغ الشرطة، الدكتورة نفسها خافت من سطوة عيلة العوامري."
تفهم ذلك، لكن سؤال آخر سأله:
"وليه ثريا وافقت ترجع تاني مع غيث وتعيش معاه؟"
توقف للحظات قبل أن يستطرد سؤاله بترقب بقلب يشعر بالغيرة:
"ثريا كانت بتحب غيث؟"
ضحكة مؤلمة في وجه سعدية، تغص في قلبها:
"ثريا بعد ما فاقت كانت عاوزة ترجع لدار أمها، وأنا وممدوح كنا مرحبين بكده. بس نجيه خافت عليها من حديث الناس الفارغ، ومحاولتش تضغط عليها. بس فجأة لقيناها هي اللي غيرت قرارها وقبلت ترجع تاني معاه ل داره. وقعدت حوالي تلات أسابيع مكنش حد بيزورها، حتى كان حديثها مع نجيه قليل. وأنا كنت زعلانه منها ومكنتش بكلمها. لحد يوم ما عرفنا إن غيث اتقتل. روحت أنا ونجيه نقدم واجب العزاء، بس طردونا ومحدش رضى يدخلنا. وتاني يوم طردوا ثريا كمان من الدار، وفضلت راقدة في السرير حوالي شهر ونص، كانت طول الوقت شبه نايمة، أو يمكن كانت بتدعي النوم."
استغرب سراج، يغص قلبه وهو يسأل بترقب:
"كانت بتحبه للدرجة دي؟"
تهكمت سعدية بسخرية واستهزاء قائلة:
"ثريا قلبها معرفش الحب. ثريا كانت زي اللي بتداري، مش عاوزة تقابل حد ولا حد يشوفها، زي اللي كانت بتتواري من وصمة عار. كنت بحس أنها بتعاقب نفسها على غلط وخايفة حد يعرفه. لحد ما وصل لنا المحامي بتاع أبو غيث إن لازم ثريا تعمل إعلام وراثة عشان يقدروا طبعًا يتصرفوا في الأملاك اللي كانت باسم غيث، وثريا كانت من ضمن الورثة ولازم غصب عنهم يعترفوا بده. وقتها ثريا اتبدلت تاني وحسيت إنها عاوزة تستقوي. وفعلاً استقوت، وغصب عن عينهم خدت حتة الأرض اللي متساويش واحد على ميه من ميراثها في غيث. وتنازلت عن بقية ميراثها. معرفش سبب ليه اتنازلت. واسمعنا حتة الأرض دي بالذات، وهما وافقوا غصب، لأن لو ثريا اتمسكت ووقفت قصادهم كانت هتنول أكتر منها. بس هما وافقوا، فكروا أنها مسألة وقت وجت والأرض هترجع لهم تاني. بس ثريا رفضت. حتى إنت كمان رفضت تبيع لي الأرض."
كل ما يسمعه يثير بعقله تساؤلات أكثر وترقب لإجابة واحدة يود معرفتها.
"هل ثريا كانت مغرمة بغيث؟"
والإجابة بالتأكيد ستكون غير مقنعة ولا مؤكدة.
تنهدت سعدية بأسف، ربما هذا جزء من جواب على سؤال عقل سراج:
"ثريا طول عمرها بتدور على السند اللي تتسند عليه وتحس بأمان. ولغاية دلوقتي السند ده مش حاسة موجود، حتى معاك يا سراج. ثريا زمان قبل موت أبوها كانت بتخاف تعدي من قدام شارع الترب (المقابر)، بس لما مات أبوها الخوف ده راح وبقت تروح كتير. ولما نتوه كنا ندور عليها ونلاقيها قاعدة جنب قبر أبوها. ولما كنا نمنعها كانت تقول إنها بتحس بالأمان لما بتسند ضهرها على جدار القبر، إن إيد أبوها بطبطب عليها. ولما كبرت بقت تقول إنها بتحس إن ده المكان الوحيد اللي مفيش فيه لا لمكانة ولا لفلوس."
"هنا الأماكن كلها شبه بعض، بعيد عن الصخب، الصمت له حالة خاصة..."
انفزع قلب سراج لوهلة، ثريا تعتقد أن الموت هو الراحة، لكن لن يسمح بذلك، تلك المحتالة. مازال هناك من ينتظر عودتها ليس لهدف سوى أن وجودها ذات أهمية كبيرة وخاصة.
بدأ في سؤال خلف آخر يسأله لسعدية، وهي تجيب حسب معرفتها، لكن ذُهل حين شعر بحياء وهو يسأل سعدية عن ذاك الأثر الذي بفخذ ثريا:
"وإيه السبب في علامة الحرق اللي في فخد ثريا؟"
ضيقت سعدية عينيها بعدم فهم قائلة:
"حرق إيه ده؟"
استغرب سراج عدم معرفتها، وفسر ذلك:
"ثريا عندها علامة كبيرة بفخدها الشمال، ومتهيأ لي إنها أثر لحرق واضح كده."
استغربت ذلك، وبتلقائية قالت:
"بعد موت غيث كانت بتعرج، ولما سألتها قالت إنها وقعت على رجلها ويمكن مجزوعة. يمكن ده السبب. بس لا إيه اللي هيحرق..."
نظرت سعدية وسراج لبعضهما، فمن يفعل وينتهك عرض سهل عليه الحرق.
خفق قلب سراج، هناك أسرار مازالت إجابتها لدى ثريا.
***
انتهى ظلام الليل وأعلنت الجوناء عن يوم جديد.
بمنزل قابيل.
لم يهتم بمرض زوجته هكذا، مثلما يشعر الآن بانشقاق في قلبه منذ أن علم بإصابة ثريا. وهو مثل الممسوس، عقله... يقف بحقد في شقته يهذي:
"أكيد سراج هناك، لازم أشوف طريقة أعرف بها حالة ثريا إيه بالظبط. لو وصلت أخطفها من المستشفى. مستحيل؟"
لم يستوعب عقله، فقط يهذي كأن له الحق بذلك. فكر وفكر، يزداد غليل قلبه وشيطان عقله... يهذي باسمها.
"ثريا، ثريا."
يتنفس كأنه يدخل إلى صدره دخانًا، يزفره لهبًا.
كيف أصيبت؟ لابد أن يبيد تلك العائلة. تتلاعب به الظنون وهو يحاول أن يصل إلى أحد ويسأله عن حالتها دون الشك في سبب سؤاله. لا يود أن يعلم أحد بمكانة ثريا في قلبه. لكن لا، لن يهتم. توجه نحو باب شقته، لكن توقف يلوم نفسه:
"بلاش تتسرع وتكشف نفسك يا قابيل. سراج مش زي غيث. غيث كنت بتعرف تسيطر عليه بحتة بت من بنات الليل تركع تحت رجليه، تنفذ رغباته ويتوه معاها. سراج مالوش في كده."
جلس بإنهاك فكري وقلبي على مقعد في الردهة، بيلوم نفسه:
"فضلت مستني فرصة عشان تقرب من ثريا، وفي لحظة خطفها سراج. زي ما عمل غيث قبله. دلوقتي لازم أفكر في طريقة أتخلص بيها من سراج. مش لازم أنتظر كتير."
تلاعب شيطانه به وهو يفكر، حتى رسم له بداية الخطة التي بنهايتها سينهي سراج.
***
بدار عمران العوامري.
رغم أنه للتو قد عاد إلى الدار، صعد مباشرة إلى شقته. دلف إلى غرفة النوم يشعر ليس بإرهاق بدني بل أيضًا بألم في ساقه يشتد. تفاجأ حين وجد حنان مستيقظة ونهضت من فوق الفراش. حين جلس على ذاك المقعد، اقتربت منه بقلق سائلة:
"آدم، ثريا أخبارها إيه؟"
أجابها وهو يخلع نعليه:
"لسه في مرحلة الخطر، ربنا يُلطف. أنا جاي أغير هدومي وأخد هدوم تانية عشان سراج. إسماعيل هناك معاه في المستشفى، مش هينفع نسيبه لوحده في الحالة اللي هو فيها. أول مرة أشوفه بالشكل المهزوز ده."
وضعت حنان يديها على كتفي آدم تمسد عليهم برتابة وتبسمت قائلة:
"عشان بيحبها. رغم إني الكام يوم اللي عشتهم هنا كنت بحس ثريا بتحاول تبعد عن الدار أكتر وقت. ولاحظت معاملة عمتك ولاء ليها فيها نوع من التكبر عليها. يمكن ثريا اللي مش من النوع الاجتماعي واللي بتاخد عالناس بسرعة، بس حاسة قلبها نضيف."
رفع آدم يديه وجذب حنان لتجلس على ساقيه وضمه مبتسمًا وهو يقبل وجنتها قائلاً:
"فعلاً بحس إن ثريا عندها شوية انطواء من اللي حواليها، حتى من سراج نفسه، رغم أنهم متجوزين. بحس أنها من النوعية اللي بتخاف تظهر مشاعرها فتتصدم، أو تتخذل. كمان بتحاول تبان قوية وهي هشة جدًا."
لمعت عين حنان ببسمة وهي ترفع يدها تضعها فوق وجنة آدم تتحدث بإعجاب:
"حبيبي، واضح إن هواية الكتابة ماثرة عليه. عنده فضول زايد يعرف دواخل الشخصيات ويحلل نفسياتها."
ابتسم وهو يقبل يدها يضمها أكثر له قائلاً:
"مش فضول زايد. أنا اتعودت متسرعش في الحكم على أفعال الناس. يمكن تكون دي ملكة ربنا عطاها لي من صغري، أو يمكن تكون موهبة مكتسبة بعد اللي مريت بيه. كان لازم يكون عندي طولة بال قبل الإرادة."
غص قلب حنان وضمت آدم وهمست جوار أذنه بنعومة:
"أنا بحبك يا آدم، وبحب قلبك الطيب."
ابتسم وضمها مستمتعًا، قبل عنقها، وكاد ينهض وهو يحملها، لكن شعر بألم في ساقه، ظل جالساً. شعرت حنان بآه خافتة خرجت من فم آدم، نظر لوجهه قائله:
"آدم، أنا حاسة إنك بتتألم من رجلك. المفروض تعمل عليها أشعة. كمان بتاخد مسكنات كتير في الفترة اللي فاتت."
ابتسم وهو يضم وجهها بين يديه قائلاً:
"أنا بخير صدقيني، هما شوية وجع بسيط فترة وهيروح."
تدللت ببسمة:
"وماله برضوا عشان خاطري اعمل أشعة وفحوصات حتى لو روتيني."
ابتسم وهو يضمها قائلاً:
"تمام، بس نطمن على ثريا وهعمل الفحوصات عشان قلب سيادتك يطمن."
تبسمت وهي تضمه بحب... لكن فجأة شعرت بغصة وهي تعلم أن بعودة حفظي للوعي سيكون هناك عواقب. تنهدت متمنية أن لا يحصل شيء يفسد عشقها لذاك الآدمي الذي يغمرها بعشق ومحبة ودلال لم تشعر به سابقًا.
***
بالمشفى.
غصبًا واقف كل من سعدية ونجيه المكوث بغرفة قام سراج بحجزها لهن، وتركهن كي لا يشعرن بالحرج منه. ذهب إلى مكان غرفة ثريا، لكن لاحظ حركة غريبة أمام الغرفة. خروج الممرضة وعودتها ببعض الأدوية، كذلك دخول أكثر من طبيب ومكثوا لوقت، سبب هاجس له وحسم أمره، سيدخل إلى الغرفة، لن يهتم بمنع الأطباء. لكن فتح باب الغرفة، كان هناك باب آخر زجاجي معتم. قبل أن يفتحه تفاجأ بفتح أحد الأطباء للباب. نظر له قائلاً:
"أنا مقدر حالة قلقك عالمريضة، بس ممنوع الدخول. والمريضة نقدر نقول عدت مرحلة الخطر، وإن شاء الله لو محصلش لها انتكاسة، ممكن بكرة تتنقل غرفة مجهزة بس عشان الأوكسجين، لأن إصابة الرئة هيبقى لها تأثير على التنفس الطبيعي، هياخد وقت على ما ينتظم بشكل طبيعي. فمن فضلك بلاش عدم انصياع. وبس الحالة تستقر بشكل أفضل أوعدك اسمح لك تدخل لها وده هيبقى لوقت صغير."
أومأ سراج له متفهمًا رغم قلقه وشعوره بالاشتياق.
***
بدار عمران العوامري ظهرًا.
وقفت زوجته تطلب منه باستحياء:
"مش المفروض إني أروح أنا وإيمان نزور ثريا عشان خاطر سراج؟"
كاد أن يسمح لها بالموافقة، لكن تلك الخبيثة ولاء قد جاءت وسمعت قولها تهكمت بسخط قائلة:
"مش بيقولوا الدكاترة مانعة الزيارات، لازمتها إيه؟ وبعدين ليه نتشحطط؟ كلها كام يوم وترجع هنا. عن نفسي بمرض لما بروح المستشفى. كفاية الأيام اللي فاتت كنت شبه مرافقة لإيناس، وجولت للدكتور تكمل علاجها بره المستشفى، وسمح بكده. هترجع النهاردة. مش عارفة إيه النحس اللي فجأة صابنا. هي أعتاب وأقدام، كنا بخير، بس هقول إيه على رأي المرحومة أمي: كترة النسوان في الدار بتجيب الخراب."
عن قصد كانت تتحدث ولاء حين رأت حنان تقترب من مكانهم. لم تبال حنان بحديثها الماسخ، وذهبت نحو عمران وتبسمت له ثم قالت:
"آدم من شوية وصل المستشفى وقالي إن حالة ثريا شبه مستقرة."
تبسم عمران كذلك، زوجته التي تمنت:
"ربنا يكمل شفاها يااارب."
بينما همست ولاء بحقد:
"عاملة كيف البِسس (القطط) بسبع أرواح..."
ثم نظرت إلى حنان قائلة بتصريح:
"وإنتِ لابسة أسود كده ورايحة فين؟"
أجابتها:
"رايحة دار أبوي."
اعترضت ولاء قائلة:
"لاه، إنتِ لسه عروسة والمفروض مكنتيش تروحي دار أبوكِ قبل شهر عالأقل. كفاية لبسك الأسود ده فال شؤم."
نظرت لها حنان بتحدي قائلة:
"ماله لبسي الأسود، ده حتى الأسود موضة. وكمان أنا أخدت الإذن من آدم جوزي وهو وافق، وهو اللي كلمته تمشي عليا. عن إذن حضرتك، لازم أفوت على دار مرات عمي الأوا عشان أعرف هنطلع المقابر امتى نزور عمي ونقرأ له الفاتحة وندعي له بالرحمة. الرحمة تجوز عالحي والميت."
لم تنتظر حنان وغادرت وتركت ولاء تشتعل، بينما فهيمة كانت تخفي بسمتها، وعمران لم يبالِ. إلا حين نظرت له ولاء وقالت باستهجان:
"الدار مربوطها ساب، بقى كل واحد بيعمل اللي هو عاوزه. امبارح ثريا عاندت وراحت الفرح اللي اتصابت فيه، والتانية رايحة عشان تطلع المقابر. إنت لازم يكون لك كلمة في الدار دي، كفاية دلع فاضي... الحريم لازم يتحكموا بقبضة جوية كده هيتمرعوا ومحدش هيعرف يمشي عليهم كلمة."
صمتت فهيمة، بينما تفوه عمران قائلاً:
"تمام هتكلم ويا آدم أقول لمرته تخف زيارات لدار أهلها. دلوك عندي ميعاد في مصنع الكتان ولازم ألحقه، والمسا هروح المستشفى عشان سراج. جهزي نفسك يا فهيمة إنتِ وإيمان هبعتلكم السواق ياخدكم."
أومأت فهيمة بقبول، بينما شعرت ولاء بالكيد لكن ضمرته في قلبها. بعد مغادرة عمران نظرت لفهيمة التي تبدلت ملامحها شعرت بغيظ قائلة:
"حلو دور الحنية اللي بترسميه ده، بس متنسيش، سراج مش ولدك، ده ابن جوزك، ومفيش مرات أب بتتمنى خير لولاد جوزها."
لم ترد فهيمة وتركتها وغادرت بعد أن نادت عليها عدلات التي لاحظت حديث ولاء معها. ذهبت نحو عدلات وسارتا إلى داخل المطبخ تفوهت عدلات:
"بتحدف طوب ومش حاسة بنفسها دي اتجوزت من هنا ابن جوزها اللي كان شاب زي الورد فجأة مات."
تفوهت فهيمة:
"بلاش نبقى زيها يا عدلات ومتنسيش لها ودان في كل مكان مش عاوزاهم يتكلم."
تنهدت عدلات:
"والله يا فهيمة إنتِ طيبة ومنكسرة، دي مينفعش معاها الطيب."
نظرت لها فهيمة نظرة تحذيرية، فصمتت لثواني ثم قالت:
"الحج عمران سمح لك تزوري ثريا في المستشفى."
أومأت لها بموافقة، تنهدت عدلات قائلة:
"هاجي معاكِ. ثريا غالية عندي والله ما تستاهل، اللي كانت تستاهل رصاصة في نص دماغها هي وباء على رأي الغلبانة ثريا."
عاودت فهيمة نفس النظرة التحذيرية فصمتت حيث دخلت إحدى الخادمات عليهن.
***
بالمشفى مساءًا.
سمح الطبيب لسراج بخمس دقائق فقط يدخل إلى غرفة العناية.
تعقم وارتدى كمامة ثم ذهب نحوها. وقف يتأمل ملامحها للحظات. لم ينكر جمالها سابقًا، لكن اليوم كانت شاحبة الوجه، كذلك تلك الأنابيب الطبية الموصولة بفمها وأنفها. خفق قلبه بألم، وهو يقترب أكثر إلى أن أصبح بجوارها. انحنى على يدها، غص قلبه من كم الإبر المغروسة بها. قبل راحة يدها ونظر لها قائلاً:
"تعرفي يا ثريا إنتِ فعلاً محتالة، عرفتي تحتلي قلبي. قلبي اللي كنت مفكر إنه من فولاذ وقادر أتحكم فيه. من أول مرة شوفتك، شئ كان بيجذبني ليكِ، تحديكي، عنادك."
"مش عارف، بس كنت ببقى عاوز دايمًا أبقى قريب منك. فاكرة يوم لما قولت لعصران يومه بالاغتصاب؟ حسيت بندم وغيرة. أيوه غيرت عليكِ منه، رغم إني كنت متأكد إنه مش هيقدر يقرب منك. لما دخلت ولقيتك بتنزفي قلبي اتخلع مني. إنتِ محتالة يا ثريا، في لحظة اتغلغلتي مني وبقيت مش عارف إيه بيجذبني ليكِ. دلوقتي عرفت إيه اللي كان بيجذبني تمردك وعصيانك."
"السراج الغاضب في لحظة حنين وقع في غرام الأرض."
***
بمركز الشباب.
بوقت راحة مستقطع بين التمرين جلست إيمان على إحدى المقاعد، كذلك جسار، بينما الأشبال يتهامسون فيما بينهم حول من الأفضل فيهم بإشادة المدربين.
تبسم جسار وهو ينظر إلى إيمان وبفضول لا يعلم سبب له:
"تعرفي إني بستغرب إن بنت هنا في الصعيد تهوى رياضة الكاراتيه."
اعتدلت في جلستها ونظرت له قائلة:
"وإيه الغريب في ده؟"
لمعت عيناه بوميض خاص وهو يجيب عليها:
"معروف بنات الصعيد بتتجوز بدري، حتى لو الزمن اتغير وبقوا يتعلموا بس مش اهتمام برياضة، ورياضة عنيفة زي الكاراتيه. اللي أعرفه إن الأهالي عندهم شوية تحفظ على البنات."
تنهدت حقًا، كان هناك اعتراض من والدها، لكنها لجأت لآدم صاحب القلب النقي، والذي لديه تأثير على والديها. وافق مرغمًا على أنها لفترة لن تطول، فقط بضع أشهر وستمل. لكن تلك الرياضة رغم عنفها، لكن شغلت عقلها وأدمنتها وأصبحت هي ملاذها، كي لا تفتعل المشاكل مع عمتها ولاء بسبب تحكماتها. رغم أنها حاولت كثيرًا أن تتلاعب بعقل والدها، لكنها لن تكون صورة أخرى من والدتها وتتقبل وتقبل أن تكون لها سطوة على قرارتها بشأن حياتها.
لمعت عين جسار بإعجاب.
جلسة صفو بين إيمان وجسار وأحاديث مرحة تنساق بينهم دون شعور، لكن قطع تلك الجلسة صوت رنين هاتف. إيمان نهضت وتوجهت إلى ذاك الركن التي تضع به متعلقاتها الخاصة. جذبت هاتفها وقامت بالنظر له، خفق قلبها لوهلة حين رأت رقم والدتها. لكن حاولت تمالك قلقها وبلطف ردت. سرعان ما تنهدت براحة حين أخبرتها والدتها قائلة:
"الحج عمران وافق نروح المستشفى لثريا وقال هيبعت لنا العربية كمان ساعة كده. بلاش تتأخري عشان ميتعصبش علينا."
أجابتها:
"تمام يا ماما، أنا مسافة السكة وهكون عندك في الدار."
أغلقت الهاتف ثم ضمت متعلقاتها الخاصة بتلك الحقيبة وذهبت نحو مكان جلوس جسار قائلة:
"أنا مضطرة أمشي دلوقتي، كمل انت بقية تمرين الأشبال. سلام."
لم تنتظر وغادرت. ود أن يسألها عن سبب مغادرتها، لكن وقف ينظر في أثرها بمشاعر تنساق وتتبدد النظرات وتزداد الخفقات.
***
بعد مرور يومين.
تحسنت حالة ثريا، خرجت من غرفة العناية الخاصة، إلى غرفة عادية، لكن مازالت تسبح بتلك الغيبوبة.
تنهد الطبيب ونظر إلى سراج قائلاً:
"المفروض إن إحنا وقفنا المخدر من الفجر ودلوقتي قربنا عالعصر، والمفروض كانت تفوق. لو مفقتش لوحدها لبكرة الصبح هنلجأ للإفاقة الخاصة."
شعر سراج بالأسى قائلاً:
"وإيه السبب لعدم إفاقتها؟"
أجابه الطبيب:
"مفيش سبب طبي، ده ممكن رد فعل من المريض. أوقات كتير بتحصل، إن العقل يتسبب في غيبوبة للجسم كله، بس طبيًا مفيش تفسير. الحالة أصبحت مستقرة وزي ما قولت هننتظر لبكرة. يوم فات أربعة وعشرين ساعة كاملة على وقف المخدر."
أومأ سراج برأسه قائلاً:
"تمام، بس ليا رجاء عندك، أكيد والدة المريضة أو خالتها هيسألوا عن حالتها، بلاش تقول لهم الكلام اللي قولته ليا دلوقتي، بس عشان منزودش قلقهم، إنت شايف حالتهم عاملة إزاي."
أومأ الطبيب موافقًا، ثم غادر الغرفة.
ظل سراج ينظر إلى ثريا وتنهد وهو يقترب منها وانحنى يقبل رأسها، ثم قبل وجنتيها واقترب من أذنها هامساً:
"مش كفاية نوم يا محتالة، اصحي بقى وحشتني عيونك."
***
باليوم التالي.
بمنزل عم حنان.
ظهرًا.
كانت تشعر بنظرات زوجة عمها التي تحتقرها، هي ووالدتها. نهضت قائلة:
"مش يلا يا ماما زمان أبويا راجع عشان يتغدى."
نهضت سناء بموافقة، وودعن تلك السيدة التي تنظر لهن بغليل، حتى أنها لم تتمسك ببقائهن لوقت قليل. لكن تفاجأن قبل أن يفتحن باب المنزل، بفتح الباب. وقفن مثل الصنم للحظات إلى أن تحدث ذاك الذي دخل يستند على أخيه قائلاً بنبرة شبه استهزاء وتقليل من شأن آدم:
"حنان بت عمي إهنه في دارنا، قصدي دارها. أمال المحروس آدم فين دلوقتي؟ لا يكون في الإسطبل نايم جنب الحصنة بينش العصافير عنهم."
كادت أن ترد لكن نكزتها سناء، تعلم أن ذاك الوغد مستفز. صمتت حنان لوهلة ثم أغاضته قائلة:
"حمد الله على سلامتك نورت دارك، يلا يا أمي."
كدن أن يُغادرن لكن قبل خروجهن تفوه حفظي:
"سلميلي على أبو نسب."
أجابته بهدوء:
"يوصل، يا حفظي."
***
بالمشفى.
خرج الطبيب مبتسمًا يقول:
"الحمد لله المريضة استجابت وفاقت، بس رجاءً يا جماعة بلاش إجهاد للمريضة."
تبسموا له وهم يندفعون إلى الغرفة.
شعروا بسعادة حين وجدوا ثريا قد فاقت من غفوتها. بحذر اقتربوا منها وظلوا يمرحون جوارها، وهي فقط تنظر لهم ولأفعالهم.
لم تستغرب من قبلة والدتها ولا خالتها لها، لكن شعرت بغرابة ممزوجة بسعادة حين اقترب ممدوح منها وقبل جبينها مبتسمًا، يقول:
"حمد الله على سلامتك يا ثريا."
بخفوت أجابته تشعر بسعادة:
"الله يسلمك يا ممدوح."
تقابلت عيناهما بحديث صامت، فقط مشاعر أخوية لأول مرة يشعر بها الإثنين، ودمعة تلألأت، لكن سرعان ما ابتسم ممدوح وقبل جبينها مرة أخرى مبتسمًا، ثم تنحى. ظهر سراج الذي يخفق قلبه بسعادة وتبسم واقترب منها فقط قائلاً:
"حمد الله على سلامتك يا ثريا."
أومأت برأسها صامتة، مازال هناك جزء من ذاكرتها لم يستوعب ما تراه، من لهفة وسعادة لعودتها.
***
بعد مرور عدة أيام.
بالمشفى ظهرًا.
حاولت ادعاء القوة قائلة:
"البتاعة اللي على وشي دي خانقاني أساسًا مش عارفة أتنفس."
تنهد بسؤال:
"تقصدي إيه بالبتاعة اللي على وشك دي؟"
أشارت بيدها إلى تلك الأنابيب على أنفها الخاصة بالتنفس الاصطناعي.
تبسم بخفاء قائلاً:
"دي أنابيب عشان تظبط التنفس عندك."
تذمرت قائلة:
"لأ دي خانقاني، مش كفاية الإبر المغروسة في إيديا دي، حاسة إني زي اللي متقيدة."
أغمض عينيه وسحب نفس عميق ثم فتحهما ونظر لها قائلاً:
"ثريا، بلاش دلع، وافتحي شفايفك لازم تاكلي... وإلا الدكتور هيلجأ للمحاليل."
لم تبال ثريا، تنهد سراج قائلاً:
"ثريا بلاش تبقي زي الأطفال... اللي أمهم بتتحايل عليهم عشان ياكلوا."
نظرت لذاك الطبق بامتعاض قائلة:
"أولاً أنا مش طفلة ومش بعند، وفعلاً جهاز الأوكسجين ده مضايقني وأقدر أتنفس من غيره."
"ثانيًا مش هاكل من أكل العيانين ده هستنى لما خالتي تيجي أنا قولت لها على كام صنف وقالت هتجيبهم بس هي اتأخرت، يمكن الطريق زحمة."
تنهد سراج باسمًا:
"على فكرة خالتك جت وإنتِ كنتِ نايمة والأكل ده هي اللي جابته. ثريا انسى الأكل اللي طلبتيه منها، مستحيل."
زفرت ثريا بضجر قائلة:
"يعني خالتي جابت الأكل ده ومشيت، ومجبتش اللي قلت لها عليه ليه؟ وأيه اللي مستحيل؟ أنا نفسي جوعت وبطني نشقت من أكل المستشفى والمسلوق."
تبسم سراج قائلاً:
"للأسف مفيش أكل غير كده، وكفاية دلع."
تنهدت بضجر قائلة:
"مش بدلع، خلاص هشيل جهاز الأوكسجين، وهاكل بإيدي."
تنهد سراج باستسلام قائلاً:
"تمام هشيل لك أنابيب الأوكسجين لحد ما تاكلي وبعدها..."
قطعت حديثه بضجر:
"بعدها إيه؟ أنا اتخنقت من الأنابيب دي حاسة إن عيني احولت وإنها بضيق نفسي."
ضحك سراج. نظرت له بضجر قائلة باستياء:
"بتضحك على إيه، أكيد كان نفسك أموت، وتلاقي إنت اللي بتقول لخالتي تستخسر فيا الأكل اللي طلبته منها."
ابتسم وهو يقوم بإزاحة تلك الأنابيب عن أنفها. شعر بأنفاسها فوق ساعديه، نظر لوجهها وبلا انتظار وضع قبلة ناعمة خاطفة فوق شفتيها. شعر كأن تلك القبلة "قبلة بمذاق الحياة".
رواية سراج الثريا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سعاد محمد سلامه
في مقهى مطل على النيل،
نهض إسماعيل واقفًا يقترب من سياج حديدي فاصل عن تلك الحديقة الصغيرة الخاصة بالمقهى. نهضت قسمت هي الأخرى واقتربت منه، وقفت بجواره تنظر له وهو صامت عكس صخب بداخله. تعمدت السؤال كأنه عتاب:
"بقالك كام يوم غايب عن المستشفى، لعل السبب خير، وكل ما أتصل عليك ترد كلمتين وتقفل."
قطع صمته وتأمله لمجرى تلك المياه التي تهتز بموجات هادئة:
"كنت مداوم في مستشفى تانية، مرات سراج أخويا، أصبت برصاصتين."
انخضت لوهلة سائلة:
"رصاصتين ليه؟"
أجابها ببساطة:
"كانت في فرح عندنا في البلد وأصبت بالغلط."
تنهدت قسمت براحة قائلة:
"طب الحمد لله وأخبارها إيه دلوقتي؟"
أجابها بإيجاز:
"الحمد لله حالتها اتحسنت."
"يعني إيه؟"
هكذا سألت قسمت التي تشعر أن إسماعيل به شيء مختلف في طريقة رده على أسئلتها بإيجاز.
بنفس الإيجاز:
"يعني حالتها بقت كويسة وخرجت لأوضة عادية."
زفرت نفسها وشعرت بأسف قائلة:
"مالك يا إسماعيل، حاسة إنك متغير معايا."
نظر نحوها، شعر بشعور غريب، كأن قلبه تبلد... أو ربما شعور آخر من اللامبالاة في عقله. بينما لمعت دمعة في عين قسمت، بسببها عاد قلب إسماعيل، يخفق وازدادت تلك الخفقات حين أخفضت وجهها تقول بنبرة:
"عارفة إنك مضايق من اللي عمله بابا، بس بابا والله قد ما هو شخص عصبي بس سهل والله هو طيب جدًا."
غصبًا تذكر نعته له بـ "سليل البرجوازي" فضحك سائلًا:
"هو يعني إيه برجوازي اللي زي النغمة في لسانه؟"
ابتسمت قسمت قائلة:
"أنا مكنتش أعرف يعني إيه برجوازي زيك كده، بس بابا فسرها لي وفهمت إنه الشخص اللي عنده مصانع وبيشغل عمال تحت إيديه."
ضحك إسماعيل قائلاً:
"طب وده فيه إيه بقي؟"
فسرت قسمت:
"ما هو البرجوازي اللي بيستغل احتياج العمال ويتحكم في أجورهم وكمان وقت شغلهم ممكن يجبرهم يشتغلوا ساعات أكتر بأجور قليلة."
ضحك إسماعيل قائلاً:
"استغلالي يعني، وهو باباكِ مش استغلالي وطمع في الشيكولاته؟"
ضحكت قسمت، فعقب إسماعيل:
"وانتِ كمان طمعتي في بوكيه الورد."
نظرت له بسخط قائلة باستقلال:
"تلات وردات هتحسبهم عليا بوكيه، دول حتى كانوا دبلانين، إنت كنت جايبهم منين؟"
تذكر قائلاً:
"الدبلانين دول وقفوا عليا بربع مرتبى من المستشفى، كنت ماشي بالعربية أدور على محل ورد، أو حتى مشتل، لقيت بيت مزروع فيه ورد في البلكونة، كان فيه عيل غتت واقف وساومني على حق الوردة، وعشان أرضيكي وافقت، لقيت أمه وأبوه كمان استغلوا الموقف، كان ناقص يساوموني عالبدلة، عالم استغلالية.. وفي الآخر باباكِ يقول لي برجوازي."
ضحكت قسمت وهي تشعر بامتنان قائلة:
"استغلالية عشان طلبت ورد شيكولاته؟"
أومأ رأسه مبتسمًا ثم تنهد قائلاً:
"هو ينفع نتجوز من ورا أبوكِ أصله شكله كده مش طايقني."
أجابته برفض:
"طبعًا لاء مستحيل، وبعدين إنت هتستسلم من أول لقاء بينك وبين بابا، إنت لو شاريني هتحاول معاه تاني، وعلى فكرة بابا مش ديكتاتوري... سهل يقتنع ويوافق على جوازنا، إنت اللي شكلك عاوز تتلكك و..."
قاطعها بذهول قائلاً:
"لو كنت عاوز أتلكك مكنتش فكرت في الجواز من أساسه وانتِ عارفه إن فكرة الجواز دي مكنتش في بالي أساسًا."
ابتسمت بدلال قائلة:
"خلاص بلاش تستسلم وحاول مرة تانية مع بابا ومتاكدة لما يلاقيَك شاريني هيوافق بابا شخص متفهم وعمره ما كان ديكتاتوري معايا أنا أو واحدة من أخواتي، هو بس بيخاف علينا أوي عشان بنات."
غمز إسماعيل بعينه قائلاً:
"هو بصراحة عنده حق في حكاية خوفه دي، بس نسيت أسألك هو باباكِ بيشتغل إيه."
ابتسمت واجابته:
"بابا طلع معاش، كان بيشتغل مدرس "لغة فرنسية" دلوقتي بقى بيشتغل في مدرسة خاصة."
ذُهل إسماعيل قائلاً:
"مدرس فرنسساوي وبيتكلم باللغة العربية الفصحى آخر شيء كنت أتوقعه."
ضحكت قسمت قائلة:
"بابا عنده عشق خاص للغة العربية بيقول عليها لغة لها "مفردات بديعية"... والحديث بها له متعة خاصة."
نظر لها بسخط قائلاً:
"متعة خاصة، أبوكِ ده محتاج...."
توقف للحظات ثم عاود الحديث:
"أنا عرفت مين اللي تقدر على غتاتة أبوكِ وهيوافق عالحوازة غصب عن ديكتاتوريته."
***
بالمشفى
ليلاً
آنت ثريا بألم طفيف، سمعتها سعدية التي كانت تمكث معها بالغرفة، نهضت سريعًا وأشعلت ضوء الغرفة كاملًا وذهبت نحوها سائلة بلهفة:
"ثريا مالك سمعت صوت تأوهك."
ابتسمت ثريا قائلة:
"أنا بخير، بس كنت بتحرك وإيدي شدت عليا شوية بسبب الإبر اللي فيها."
ابتسمت سعدية براحة وجلست على طرف الفراش بجوارها أمسكت يدها بحنو قائلة بمرح:
"وشك نور والدموية زادت فيه، صحتك جاية عالمستشفى."
ضحكت ثريا قائلة بغرور:
"طول عمري حلوة وموردة يا خالتي."
ضحكت سعدية قائلة:
"لاء يا بت المحاليل هي اللي نفخت وشك وردت الدموية في وشك، غير كده كنتِ سودة من نقرتك في الشمس طول اليوم."
ضحكت ثريا قائلة:
"كويس إن أمي أخيرًا رضيت وراحت تنام في الدار، هنا مش بتنام طول الليل بحس بيها، كل شوية تقرب مني."
تدمعت عين سعدية ببسمة قائلة بمرح:
"هي نجية أختي دايمًا إكده جلبها رهيف، عكسي تمامًا."
تبسمت ثريا قائلة:
"عارفة انتِ جامدة ومفترية يا خالتي."
تنهدت سعدية ببسمة قائلة:
"لاء يا بت أنا مش مفترية، بس أيوه جامدة. أم الصبيان لازم تكون جامدة، كفاية هو وعياله ضيعوا أنوثتي."
"أنوثتك."
قالتها ثريا ثم ضحكت فـ توجعت قائلة:
"لما بضحك صدري بيوجعني."
نغزتها في كف يدها بخفة قائلة بمرح:
"أحسن بتريقي عليا يا بت، مشوفتنيش وأنا صبية بنت خمسطاشر سنة كان عودي فاير وابان أكبر من سني كان أبوي يجول للعرسان دي لساها صغار هي اللي خراط البنات خرطها بدري."
ضحكت ثريا فتوجعت قائلة:
"صادقة يا خالتي، ماهما بيقولوا إني فيا شبه كبير منك، بس أنا على أحلى."
نغزتها سعدية مرة أخرى قائلة:
"أحلى من مين يا بت، أنا طول عمري مربربة كده مش زيك مسلوعة، زي اللي عندهم السُل."
ضحكت ثريا قائلة:
"مسمهاش مسلوعة، اسمها جسمي سمبتيك."
"سمبتيك."
قالتها بحنق وسخط وأكملت:
"ده حديث العيال بتوع اليومين دول، على أيامي كانت البنات بنات مش زي دلوق مفيش أي معالم للأنوثة الطبيعية، كله نفخ إشي شفايف وخدود وحاجات فوق وتحت ونحت وسط، تحسي حاجات مش راكبة على بعضها."
ضحكت ثريا قائلة:
"كفاية يا خالتي، إنتِ جايه تباتي معاي عشان تاخدي بالك مني ولا جايه تضحكيني عشان أتوجع."
تبسمت سعدية بحنان قائلة:
"إضحكي يا بت خلى وشك ينور، مش بيقولوا إضحك لها تضحك لك."
تبسمت ثريا بضحكة موجعة قائلة بحنق:
"والله ضحكت لها كتير هي اللي مش عاوزة تضحك لي."
تنهدت سعدية بآسي لكن حاولت بث الأمل فيها قائلة:
"وماله إفضلي أضحكي برضك يمكن تتكسف على دمها وتضحلك."
نهضت سعدية تتثائب قائلة:
"وكفاية رغي أنا منعوسة وعاوزة أنام، لكن إنتِ مجضياها نوم بمزاجك."
ضحكت ثريا قائلة:
"والله أنا زهجت من النوم عالسرير ده وعاوزة أطلع من هنا... كفاية كده أنا بجيت زينة."
تبسمت سعدية قائلة:
"أهو جلبك الحامي ده هو اللي هيضيع عافيتك بدري، خلي زيي كده بشتغل عالهادي، وبعدين إنتِ زعج(زعق)لك نبي نفدتي من الموت بأعجوبة بلاها شوية الحماسة دول... هقوم أمدد جُتتي عالسرير التاني، إياكِ تأني تاني بلاش إزعاج كتير."
ابتسمت ثريا قائلة بكيد مرح:
"ياريت أمي اللي باتت معاي... عالأقل مكنتش هتسخسر فيا الوكل، اللي كنتِ بعتيه لي، هو ده اللي طلبته منك، خليتي سراج اتمسخر عليا."
ضحكت سعدية وغمزت بعينيها قائلة:
"آه صحيح يا بت فكرتيني من اللي وكلك بيده... بالتوكيد الوكل كان طعمه يشهي."
تهكمت ثريا بإستهزاء:
"وكل ماسخ ومالوش طعم."
ضحكت سعدية قائلة:
"على خالتك يا بت، يلا كفاية رغي أنا صدعت هنام بقى، تصبحي على خير، ووش سراج اللي يدوب بيسيبك مسافة الليل، لو مش مستحي مني أنا وأمك كان بات هنا."
تهكمت ثريا بسخط وأغمضت عينيها مستسلمة وهي تتذكر معاملة سراج لها مؤخرًا بعد أن فاقت من الغيبوبة، رغم أنه مازال محتفظًا ببعض من جموده وتسلطه، لكن هناك شيء آخر تشعر به لا تفهمه... لم تفكر كثيرًا واستسلمت لغفوة إجبارًا بسبب تأثير بعض أنواع الأدوية.
***
بدار العوامري
تمدد سراج على الفراش يعقد يديه أسفل رأسه، ينظر إلى جواره تلك الوسادة التي كانت تضع ثريا رأسها عليها أثناء نومها، زفر نفسه يشعر باشتياق، تلك المحتالة استحوذت على جزء كبير من مشاعره، من كان يظن أنه بلا قلب أو وئد مشاعر قلبه، طغت عليه عاطفة قلبه، وضع إحدى يديه على موضع قلبه الذي الآن رغم اشتياقه لكن يشعر براحة وهدوء وسكينة عكس قبل أيام فقط.
عاش لحظات كأنها دهور من الزمن قبل أن تفتح ثريا عينيها.
بالعودة إلى قبل أيام، حين اضطر الأطباء لمحاولة إفاقة ثريا طبيًا بعد عدم استجابتها طبيعيًا، بالغرفة التي كانت بها، بالتأكيد لن تتحمل والدتها رؤيتها بذاك الأثناء، كذلك قد لا تستجيب للإفاقة، فضل الطبيب ذلك واستسلمت نجية غصبًا تنتظر بشارة بالخارج، بينما سراج ظل مع الأطباء، ينظر إلى ثريا يراقب كل جزء بجسدها...
"يديها، قدميها، وجهها" ينتظر إشارة من أي منهم تدل على استجابتها للإفاقة، لم يطول الوقت، لكن مع ذلك الثانية تمر كأنها ساعات، لاحظ أحد الأطباء رمشة عين من ثريا، فأخبر الطبيب الآخر، تبسم فهذا أمل... ما زالوا يحاولون، لاحظ سراج حركة يد ثريا التي تحرك أحد أصابعها ثم ارتخي مرة أخرى، كانت مؤشرات جيدة بدايةً، ثم نهايةً فتحت عينيها، أزعجها الضوء الذي تسلط عليها فجأة فأغمضت عينيها ثم فتحتها تدريجيًا، ترا بغشاوة في البداية إلى أن اتضحت الرؤية، لم تتعرف على تلك الوجوه، لكن ابتسامة الطبيب حين قال لها:
"أهلاً برجوعك تاني يا مدام، يا ريت تقرب يا سيد سراج... بالفعل اقترب سراج من وجهها وأصبحت تراه في البداية كان ما زال عقلها غافيًا، بصعوبة نطقت:
"إنت مين؟"
استغرب سراج ونظر للطبيب، الذي تفهم، فـ ثريا ظلت لأيام بغيبوبة ما زال عقلها لم يعد لاستيعابه الكامل... أومأ لـ سراج مبتسمًا يقول:
"متقلقش ده رد فعل طبيعي، عقل المدام لسه بيفوق من الغيبوبة، وعلى العموم هننتظر لوقت لو استمرت الحالة كده هنعمل أشعة عالمخ..."
من حسن حظ سراج لم تستمر حالتها كذلك حين خرج الطبيب وبشر بقية عائلة ثريا أنها قد استجابت وعادت للوعي، وسمح لهم برؤيتها، وبالفعل دخلت نجية ومعها سعدية ومعهن ممدوح التي تبسمت له ثريا، هو الآخر تبسم لها، تعرفت عليهم جميعًا مما سبب لـ سراج إحساس بالضجر، لكن تغاضى عن ذلك يكفي أنها عادت للوعي أخيرًا... مر يوم وفي اليوم الثاني تذكرت ثريا سراج.
عاود من تلك الذكرى مبتسمًا وهو يتذكر مشاغبته مع ثريا على إقناعها بأن تتناول الطعام مثل الأطفال، تنهد مبتسمًا، ثريا بداخلها طفلة تود بعض من الدلال.
***
باليوم التالي
بالمشفى
بغرفة ثريا
تبسمت نجية لـ رغد ورحبت بها بإمتنان لسبب زيارتها لـ ثريا بالمشفى، جلست معهن تبتسم وتحدثت بود... إلى أن دخل عليهن ممدوح الذي جاء صدفة، أو ربما كان من حسن قدرهما...
جلس قليلًا، بعد وقت وقفت رغد وتبسمت قائلة:
"الحمد لله اطمنت على ثريا، ربنا يكمل شفاها على خير، لما قولت لابوي أني هزورك قال لي متتأخرش عشان الموصلات، هستأذن أنا، ومرة تانية حمد الله على سلامتك يا ثريا."
تبسمت لها ثريا بود، بينما نهضت نجية قائلة:
"قربنا عالمغرب صحيح والموصلات هتبقى قليلة، إنت كمان يا ممدوح ارجع للدار وفوت على خالتك أقول لها بلاش تتعب نفسها أنا هبات الليلة مع ثريا."
تبسم وهو ينهض قائلاً:
"تمام يا أمي."
تبسمت له بحنان:
"روح مع رغد أهو ونس لها في الطريق."
أومأ موافقًا.
غادر الاثنين بينما نظرت نجية لـ ثريا قائلة:
"رغد بنت حلال."
أومأت لها مبتسمة قائلة:
"فعلاً."
لمعت عين نجية بأمنية لاحظت ثريا تلك اللمعة وفهمتها وتبسمت ثريا، ثريا علمت أن ممدوح لم يفكر للحظة ودخل خلفها يعطيها من دمائه ما يجعلها تعود للحياة، ممدوح مثلها هُزم، وهزيمته كانت أقسى من هزيمتها، فهزيمة الرجل معناها انكسار واندثار، وهذا ما حدث معه لكن ما زال لم يندثر، ربما هناك معركة أخرى في انتظاره وقد ينتصر بها.
سارت رغد جوار ممدوح بينهم مسافة لكن عقلها كان مشغولًا، لم تنتبه لسيارة الإسعاف الخاصة بالمشفى والتي كادت تصطدم بها لولا أنه انتبه ونظر نحوها صدفة فجذبها بعيدًا عن السيارة...
انتبهت وبوله انخضت لكن سرعان ما تبسمت لـ ممدوح الذي قال لها:
"مش تاخدي بالك."
شعرت بحرج وكذلك رعشة بجسدها من لمسة يده... سرعان ما سحبت يدها منه وتبرجل عقلها بخجل صامتة وأكملوا سيرهما معًا إلى أن وصلا إلى مكان تلك الحافلات وصعدا معًا إلى إحدى سيارات الأجرة جلس هو بالداخل، لكن لاحظ أن هناك آخر صعد للسيارة واحتك بـ رغد والتي تضايقت منه بسبب ذلك، فهم أنها متضايقة، فنهض قائلاً:
"رغد تعالي اقعدي إنتِ جنب الشباك."
وافقت ببسمة واعتدلت جالسة مكانه وهو مكانها جوار ذاك السخيف... شعرت بنسمة هواء خريفية منعشة تدخل إلى روحها تزيدها انشراحًا، مشاعر تخشى لو أباحت بها لنفسها قد يدمرها القدر.
***
بعد مرور عدة أيام
صباحًا بـ دار عمران العوامري
نهض سراج من خلف طاولة الطعام مبتسمًا بعدما سأله آدم:
"هي ثريا هتخرج النهارده من المستشفى."
تبسم قائلاً:
"أيوه الدكتور قال حالتها بقت كويسة وتقدر تخرج من المستشفى وإن احتاجت لأوكسجين وممكن نجيب لها أنبوبة هنا."
ابتسم آدم كذلك حنان التي قالت بمحبة:
"ربنا يكمل شفاها على خير."
ابتسم سراج لها وهو يغادر لكن توقف مع عدلات بردهة الدار وسألها:
"كل حاجة بقت جاهزة."
ابتسمت له قائلة:
"تمام يا سراج بيه، وفرحانة إن ربنا خد بيد ثريا وربنا كتب لها عمر جديد، ربنا يسعد جلبها وجلبك يارب وتتهنوا سوا."
أومأ لها مبتسمًا... وغادر.
بينما بغرفة السفرة تفوهت ولاء عن عمد:
"وانتِ يا حنان مش ناوية بقى تخلعي لبسك للعبايات السودة دي، إنتِ المفروض لسه عروسة، معرفش إيه فجأة اللي حصل في الدار ده، نحس وصابنا، من بداية جواز سراج وبعدها آدم، يظهر الناس حسدونا مفكرين إننا الفرح عندنا زايد."
كادت أن ترد عليها حنان، لكن نظرة آدم منعتها حتى هو الآخر ظل صامتًا، لكن قطع صمته صوت رنين هاتفه، أخرجه من جيبه ونهض قائلاً:
"دي خالتي رحيمة هطلع أكلمها من الجنينة لو خلصتي فطورك تعالي معايا يا حنان."
ابتسمت حنان ووضعت يدها في يده الممدودة ونهضت معه وغادرا، مما سبب ضيق لـ ولاء التي التزمت الصمت فيكفي ما تشعر به من غِل وحقد.
بينما خرجا آدم وحنان إلى حديقة المنزل وتحدثا مع رحيمة التي صدفة علمت بإصابة ثريا من حنان لامت عليهما أنهما أخفيا عنها ذلك فـ ثريا لديها مكانة بقلب رحيمة وطلبت من آدم إرسال سيارة خاصة كي تأتي بها، أغلق آدم الهاتف ونظر إلى حنان التي تبسمت له قائلة:
"هتتأخر بالليل."
ابتسم مجاوبًا:
"معرفش."
ابتسمت بدلال قائلة:
"لاء متتأخرش وارجع بدري عشان أنا بقلق عليك لما تتأخر... ومش بعرف أنام غير لما ترجع الدار قلبي بيطمن."
ابتسم لها قائلاً:
"تمام، هحاول، إنت هتروحي بيت أبوكِ النهاردة."
هزت حنان رأسها بـ لا قائلة:
"لاء، هفضل في استقبال ثريا."
ابتسم آدم وهو يغادر، ربعت حنان يديها حول صدرها تتنهد بعشق تنظر في أثر آدم، لكن قطع نظرتها صوت هاتفها... أخرجته من جيبها ببسمة لكن سرعان ما انسأم وجهها وهي ترى هوية مرسل تلك الرسالة، في البداية كادت تتجاهل الرسالة، لكن بالخطأ فتحت الرسالة وقرأت فحواها وارتجف قلبها... تخشى على سعادتها مع آدم أن تنتهي سريعًا، بل الأسوأ تخشى على آدم نفسه.
***
مساءً
بمنزل قابيل
بشقته مع إيناس دخل وجدها تجلس أرضًا تقوم بتوبيخ صغيرتها بسبب أنها قامت بسكب محتوى كأس العصير، تضايق منها وجذب صغيرته التي تبكي وحاول تهدئتها، بينما إيناس نهضت بغضب تخفي إحساسها بالنقص أمام قابيل، ذهبت إلى غرفة النوم وتمددت على الفراش، بعد دقائق دخل خلفها وجدها ما زالت مستيقظة، فقام بعتابها قائلاً:
"على فكرة دي بنت صغيرة والمعاملة القاسية دي معاها ممكن...."
نهضت إيناس من فوق الفراش بتعسف قائلة:
"عارفة إنها بنت صغيرة بس لازم تتربي مظبوط مش كل شوية تغضب وترمي أي حاجة في ايديها أنا زهقت من دلعها الزايد."
استغرب قابيل ذلك ولم يتحدث وذهب نحو شرفة موحودة بالشقة، ليته ما خرج ألا يكفي غباء تلك الجاحدة، ليرى ما يجعله يشعر بغضب زائد.
حين رأى تلك السيارة التي توقفت وترجل منها سراج أولًا ثم خلفه والدة ثريا وخالتها، ثم هي ليزداد غضبه وهو يرى سراج يحمل ثريا يدخل بها إلى الدار... دلف إلى الداخل وأغلق باب الشرفة الزجاجي، كم ود تكسير ذاك الزجاج، لكن حاول تمالك غضبه الذي هدأ بعدما نظر إلى شاشة هاتفه وتبسم، وكاد يغادر الشقة، لكن أوقفنه إيناس بسؤال:
"إنت خارج؟"
أجابها وهو يعطيها ظهره:
"أيوه، وخفي شوية من القسوة على بنتك."
غادر وتركها تشعر بجحود، وهي تسمع عن اهتمام سراج الفترة الماضية بتلك الحمقاء المتسلقة ثريا والتي لا تقارن بها فهي ذات أصل ونسب عالي عنها، بينما هي تجاهل قابيل مرضها منذ أن كانت بالمشفى قام بزيارتها مرة واحدة كأنها بلا أهمية، خسارتها لرحمها والذي معه فقدت فرصة أن تكون أم مرة أخرى وتنجب أطفال أكثر قد توطد علاقتها بـ قابيل.
قابيل التي عشقتها منذ أن وعيت على الحياة أصبح لها هوسًا ظنت بالزواج منه أنها وصلت إلى مبتغى السعادة، لكن...
لكن ماذا؟
لن يتخلى عنها هو فقد حزين على ما أصابها وجفائه هذا مجرد وقت فقط.
***
قبل دقائق
توقفت سيارة سراج هرول منها سريعًا ذهب نحو الباب الخلفي فتح باب السيارة لـ ثريا التي تحاملت على نفسها وترجلت هي الأخرى.
نظرت لها نجية قائلة:
"الدكتور قال بلاش توقفي كتير على رجليكِ."
جاءت من الخلف سعدية هي الأخرى موافقة نفس حديث نجية، استسلمت لهن ثريا قائلة:
"تمام أنا دوب نزلت من العربية، والمسافة من هنا للأوضة مش كبيرة وهقدر..."
نظر لها سراج قائلاً:
"مش هتقدري تمشيها يا ثريا، بلحظة كان يحملها رغم اعتراضها، لكن هي حقًا لن تستطيع السير حتى لبعض خطوات، كما أنها آنت بألم بسبب حمل سراج لها، لكن لم تظهر ذلك لسببين:
السبب الأول عنادًا وأنها أصبحت بخير...
والثاني مراعاةً لخوف والدتها قد تفزع وتطلب من سراج إعادتها للمشفى وهو لن يعترض ليس حبًا فيها بل لأنه يعلم أنها مثل المقيدة بتلك المشفى... صمتت دون اعتراض بينما أخفى سراج بسمته حتى لا تضجر ثريا، كذلك يترقب رد فعلها بعد لحظات.
صعد سراج بـ ثريا وخلفه سعدية ونجية، لكن استغربت ثريا حين تخطى سراج مكان غرفتهما وصعد إلى أعلى وكادت تسأل لكن تفاجئت بـ رحيمة تقف أمام باب تلك الشقة المفتوح تقول بحنية ممزوجة مع عتاب:
"إكده يا سراج تخفي عليا اللي حصل لـ ثريا، أنا كنت بسألك عنها تقولي إنها بخير، تقولي علي إيه دلوقتي إني معبرتهاش."
تبسم سراج قائلاً:
"معلشي يا خالتي حقك عليا، وسعي خليني أدخل ثريا ونتعاتب بعدين."
ابتسمت له رحيمة، مع ذلك ثريا ما زالت غير متفهمة، حتى دخل سراج بها إلى تلك الشقة التي أصبحت مجهزة بأثاث كامل، تجولت عينيها دون فهم، حتى حين دخل سراج إلى إحدى الغرف التي كانت مجهزة بأثاث غرفة نوم جديدة، وضعها على الفراش بهدوء وحذر، نظر إلى عينيها التي تضخ بسؤال، لم تنتظر وسألته:
"إيه اللي جابنا هنا، ليه مروحناش الأوضة اللي تحت."
تبسم مجيبًا:
"دي شقتنا وأخيرًا جهزت، الأوضة كانت وضع احتياطي بسبب إن جوازنا تم بسرعة."
تهكمت ثريا بسخط قائلة باعتراض:
"شقتنا..."
أومأ سراج مؤكدًا:
"أيوه وخلاص انتهت من التشطيب وكمان الفرش."
اتسعت عين ثريا بغباء وهي تنظر إلى بسمة سراج، لكن بداخلها اندهاش، قبل إصابتها لم تدخل تلك الشقة وكانت تعلم أنها شبه منتهية التشطيبات الأساسية، وبها بعض الأثاث، لم تهتم رغم معرفتها أن تلك الشقة خاصة بـ سراج حتى ليالي حين كان يتشاجران كان يبيت بها ليلاً، ما الذي تغير...
سؤال إجابته لدى سراج، لكن بسبب بعض الألم صمتت حين دخلن والدتها مع سعدية ورحيمة، التي تبسمت لـ ثريا وجلست بجوارها على الفراش بهدوء تتحدث لها بحنو، وثريا تطمئنها أنها أصبحت بخير وأنها ليست عاتبة ولا آخذة بخاطرها من تجاهل رحيمة بل التمست لها المحبة التي دائمًا كانت تراها منها.
بينما غادر سراج الشقة وتركهم مع ثريا لا تعلم إلى أين ذهب وتركهم معها لتلك الأسئلة برأسها، لماذا الآن جاء بها إلى هنا... ما الذي تغير عن السابق.
***
باليوم التالي قبل سطوع الشمس
بأحد دهاليز سفح الجبل، كان الظلام، دخل قابيل إلى ذاك المكان، لكن سرعان ما انخض حين أشهر ذاك المتوحش سلاحه نحوه، شعر بهلع قائلاً:
"أنا قابيل."
أشعل الآخر ضوء هاتف خلوي وسلطه نحو سراج، فأخفض سلاحه، التقط قابيل نفسه الغائب قائلاً:
"قطعت خلفي يا أخي، هو في حد يعرف إنك هنا غيري."
تحدث الآخر بغلظة:
"عايز إيه يا قابيل."
جلس قابيل إلى جواره قائلاً:
"جايلك في شغلانة مفيش حدا هيعرف يعملها غيرك."
سأله:
"وإيه هي الشغلانة اللي تخليك تتسحب لهنا دلوقتي؟"
أجابه ببساطة:
"اغتيال سراج العوامري... اللي لك طار عنده هو اللي صفي عدد كبير من رجالتك وخلاك تيجي مذعور كده ومتسخبي كيف الولاية."
لمعت عين الآخر فهو يشتهي دائمًا الإجرام، فكر للحظات ثم قال له:
"تمام سيبني كام يوم أفكر في طريقة وكمان أجمع رجاله معايا من اللي هربوا يوم مداهمة البوليس، تعرف لو أنا مش شايف سراج العوامري نفسه بين قوات الأمن مكنتش صدقتك، أنا بصعوبة هربت منه... دلوقتي لازم أفكر كيف آخد طار رجالتي منه."
***
ظهرًا
بشقة ثريا، ما زال بعقلها سؤال لماذا جاء بها سراج إلى تلك الشقة.
كانت نائمة فوق الفراش، حين صدح رنين هاتفها، جذبته وتبسمت، حين رأت رقم خالتها، تذكرت اتفاقهن صباحًا بأن تقوم بتجهيز قطعة أرضها لزراعة القمح فلقد تأخر الوقت، وكل ذلك كان بسبب إصابتها، أصبح لابد من تجهيز الأرض، اتفقن بأن تقوم هي وزوج خالتها بحرث الأرض وتجهيزها، ربما هناك شيء تود إخبارها به، بالفعل قامت بالرد لتسمع خالتها تقول:
"ثريا إنتِ كنتِ اتفقتي مع أُجرية يحرتوا الأرض ويجهزوه، أنا في الأرض وفي راجلين معاهم محراث بيحرتوا الأرض."
استغربت ثريا قائلة:
"كنت هتفق معاهم كيف يا خالتي وأنا في المستشفى، قربي منهم كده بس بحذر واسأليهم إيه اللي نزلهم أرضي، وخلّيكِ معايا عالموبايل متقفليش، جوز خالتي معاكِ."
أجابتها وهي تسير نحو ذاك الذي يحرث الأرض قائلة:
"أه معاي متقلقيش، دول اتنين وشكلهم مش شرانين، انتظرت ثريا معها على الهاتف حتى سمعتها وهي تسأل أحدهم:
"يا ريس جول لي مين اللي اتحدت وياك وجالك تحرت الأرض."
أجابها ببساطة:
"سراج بيه العوامري."
سمعت ثريا قول العامل، كزت على أسنانها بغيظ، تقول:
"ما شأنه ولما يفعل ذلك هل يظن أن يستغل مرضها ويسطو على الأرض لكن واهم،"
أغلقت الهاتف تشعر بغيظ مستعر وحسمت أمرها وتحاملت على ألم جسدها، وبدلت ثيابها بأخرى مناسبة لابد أن تذهب إلى أرضها لن تتركها له، فالبتأكيد أفعاله الحسنة معها بالأيام الماضية كانت خداعًا.
خرجت من غرفة النوم بغضب تتراقص الشياطين أمامها لعدم انتباهها تصادمت في سراج الذي جاء للتو، شعرت بألم بجسدها بسبب ذاك الاصطدام، انخض سراج حين رآها تأني بألم طفيف، هلع وضع يده فوق كتفها سائلاً:
"ثريا مالك، إيه اللي بيوجعك أتصل عالدكتور يجي يشوفك."
نظرت لـ سراج تشعر باندهاش من لهفته عليها وطريقة حديثه الهادئة معها مؤخرًا، فكرت أحقًا يخاف عليها أم هذا رياء... ثواني وأجابت نفسها:
بالتأكيد رياء، نفضت يده عنها بضعف وكزت على أسنانها تتحمل ذاك الألم ثم نظرت لـ سراج بغضب قائلة:
"إنت بعتت أُجرية يشتغلوا في أرضي."
أجابها ببساطة:
"أيوه، هو ده السبب اللي قومك من السرير... فيها إيه؟"
صقّت أسنانها بغضب قائلة:
"إنت مين عطاك الحق تبعت أُجرية يشتغلوا في أرضي."
"سراج بلاش تلعب معايا دور الحنية ده مش لايق عليك إحنا عارفين بعض كويس، وإبعد عن أرضي مالكش دعوة بها، وأهو إنت شوفت في لحظة كان ممكن أموت وبرضوا مكنتش هتورث الأرض لوحدك."
ابتلع حديثها الجاف وهو ينظر لها وارسمت بسمة على شِفاهها قائلاً بعبث:
"مش أرض مراتي وجنب أرضي، قولت لهم يجهزوه عشان زراعة القمح والأرض متبقاش متأخرة عن جيرانها."
شعرت بغيظ من رده البارد وكادت تتحدث لكن سراج ضمها بين يديه قائلاً:
"على فكرة الدكتور قال بلاش تتعصبي عشان نفسك ميضقش، وكمان لازم تفضلي راقدة في السرير لأن الجرحين اللي في جسمك لسه ما التئموش، وممكن ده يؤدي لمضاعفات تاني."
جذب يدها للسير معه، لكن هي شعرت بعصبية وحاولت نفض يده لكن تألمت، رجف قلب سراج لكن امتثل بالهدوء قائلاً:
"العصبية مش هتفيدك، وبلاش عناد يا ثريا، عنادك ده كلفك خسارة كبيرة قبل كده."
نظرت له بغيظ وسأل عقلها:
"وهل تعلم شيئًا عن خساراتي السابقة؟" حين غصب ذاك المجرم غيث بالعودة إلى براثن إجرامه... لكن لا هي ليست تلك الفتاة الضعيفة التي كانت تشبه الرمال الهشة التي أقل عاصفة هواء تجرفها، هي أصبحت صخرًا في
"صحراء جرداء"
رواية سراج الثريا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مرور أسبوعين.
صباح في منزل نجيه.
فتحت باب المنزل للطارق وأخذت من ذاك الشخص ذاك المغلف المرسل باسم "ممدوح".
أغلقت الباب، يدها ترتعش بشعور مريب، عن ماذا بذاك المغلف يخص ممدوح...
رفعت نظرها عن المغلف حين سمعت صوت ممدوح الذي خرج من غرفته يتثائب قائلًا:
"صباح الخير يا أمي، مين اللى كان بيخبط على باب الدار."
بيد مرتعشة رفعت ذاك المغلف قائلة:
"ده واحد عطاني الظرف ده وجال إنه لك."
ضيق ممدوح عينيه وأخذ من يدها المغلف قائلًا:
"فى إيه الظرف ده؟"
لوهلة خفق قلبه بيأس حين أخذ منها المغلف ورأى مطبوع عليه شعار خاص بإحدى المدارس الخاصة، توقع أن يكون كالمعتاد اعتذار منهم لعدم اجتيازه في اختبارات قبول التعيين لديهم، لكن بقايا أمل بداخله جعلته يفتح ذاك المغلف، وقرأ تلك الورقة المرفقة بالمغلف، اندهش وعاود مرارًا قراءة تلك الورقة عن تأكيد، سرعان ما انشرح قلبه وابتسم، واقترب من نجيه وقبل يدها قائلًا:
"أخيرًا يا أمي، ربنا استجاب لدعواتك."
على فرحته انشرح قلب نجيه وزالت الريبة، وضعت يدها على رأسه بحنان سائلة:
"إيه اللى في الظرف ده بسطك أوي كده."
قبل يدها مرة أخرى قائلًا:
"ده جواب قبول إني أشتغل مدرس في مدرسة خاصة إنترناشونال ولها فروع في مصر كلها، أخيرًا يا أمي هيبقى لي قيمة وأنا بدرس للطلاب في المدرسة هشتغل بالمؤهل بتاعي وفي المهنة اللى طول عمري بحلم بها."
زاد انشراح قلبها وهي تضمه بحنان تدمع عينيها لفرحته هكذا، ربتت على ظهره بأمومة.
رفع وجهه وقبل رأسها مرة ومرات قائلًا:
"بعد كده مش هضطر أشتغل صبي في القهوة هأجرها، لا هسيبها نهائي."
ابتسمت له قائلة:
"إنت قيمتك عالية يا ولدي، وعقبال ما أفرح بجوازك يارب."
قبل يديها قائلًا:
"هيحصل يا أمي، بس واحدة واحدة كده، دلوقتي هيبقى لي مقام عالي، مدرس مش صبي قهوجي."
وضعت يدها فوق كتفه قائلة:
"ربنا يعلى من مقامك يا ولدي ويحقق لك كل أمانيك إنت وأختك يارب."
بعد قليل.
خرج ممدوح من المنزل بزي منمق، وذهب نحو محل البقالة ابتسم يلقي السلام:
"صباح الخير يا عم فتحي."
أجابه فتحي ببسمة سائلًا بفضول:
"صباح الورد يا ممدوح متشيك كده ورايح فين دلوقتي."
وضع يديه يضم طرفي معطفه يهندمه قائلًا:
"باركلي يا عم فتحي، أنا قبلت التعيين في المدرسة الخاصة اللى كنت جولت لي عليها قدمت وروحت الاختبارات والحمد لله جالي جواب قبولي أشتغل هناك... ورايح المدرسة ادعيلي يسهلوا معايا في إجراءات التعيين."
تبسم له فتحي بود قائلًا:
"ربنا معاك يا ولدي ويرفع من شأنك إنت إبن حلال وتستاهل كل خير."
بنفس الوقت جاءت رغد تحمل بيدها بعض الأكياس، خفق قلبها حين سمعت حديث والدها، ماذا يعني ولماذا هذا المديح...
نظرت نحو والدها قائلة:
"جبت الحاجات اللى طلبتها يا أبوي."
ابتسم لها، بينما نظر ممدوح لرغد مبتسمًا، زادت بسمته حين أخبرها والدها:
"مش بتباركي لممدوح ربنا كرمه والمدرسة الخاصة بعتوا له جواب قبول إنه يشتغل فيها مدرس."
في البداية ارتجف قلبها بريبة ثم انشرح بسعادة ونظرت نحو والدها وتبسمت كذلك هنأت ممدوح الذي تركهما بينما نظرت رغد في أثره ثم شعرت بانتباه والدها فنظرت له قائلة:
"كانت فكرتك هايلة يا أبوي إنك كلمت سراج العوامري يستخدم نفوذه."
❈-❈-❈
مساءً.
بمنزل والدة ثريا.
وقفت نجيه تذم ثريا بلوم قائلة:
"إنت ناسية الجروح اللى في جسمك، إزاي..."
قاطعتها ثريا بتطمين:
"أنا الحمد لله بقيت كويسة وبخير، والجروح تقريبًا طابت فاضل بس أثرها مع الوقت هتختفي..."
لكن سرعان ما همست لنفسها:
"أول يمكن تسيب ندوب في جسمي زي حرق غيث..."
لوهلة شرد عقلها أن بسبب ذاك الحرق توارت لفترة تزيد عن شهر ونصف عن العيون حتى لا يلاحظ أحد أنها لا تستطيع السير على قدميها، بسبب قسوة الألم الذي كانت تشعر به حين تحتك ساقيها ببعضهما، فسرت والدتها وخالتها أن سبب ذلك الإنزواء كان حتى لا ترى لا شفقة ولا لوم من أحد عليها، ليس حزنًا كما فسره البعض، كذلك كانت تعاقب نفسها بتحمل الألم حتى لا يضعف قلبها مرة أخرى وينسى مذاق الألم، تذكرت سبب اعتراضها على رغبة سعدية بعدم عودتها مع غيث بعد شبه أن تعافت من اغتصابهن لها بتلك الطريقة القذرة، كان تهديده لها بقتل والدتها وأخيها كذلك أبناء خالتها التي تغويها بالتمرد عليه، لم ترهب بحياتها مثلما خافت من غضب غيث الذي كان فيضانًا من الشر يدعم قلبه "قاتل، سادي" يستلذ بمنظر الدماء، كان ديوثًا مع النساء لا أخلاق لديه حتى وإن فرض على أحد رجاله أن يعاشر زوجته لمجرد إعجابه بجسدها وإذلالها بأن تراه معها وهي كانت عاهرة لم تمانع بل رغبت به وفعلت مثلما يريد، بالنهاية كانت عاهرة لا يفرق معها أفعال شاذة حلال من حرام، وهي تصرخ بمتعة مستلذة، كأنها ليست خائنة، ولا لوجود زوجها الموالي عليهم لتنتهي الليلة بقتل زوجها الذي كان يستحق تلك الرصاصة لمجرد أنه فتح الباب وقطع عليهم وصلة عُهرهم.
غاص قلبها بألم وخوف، غيث كان القتل هواية وغواية لديه، خافت على والدتها وأخيها كذلك خالتها وأبنائها استسلمت لطغيان غيث يغرقها بسيول جارفة جرفت لديها الإحساس وأصبحت متبلدة المشاعر.
على ذكرها تذكرت سراج الذي تبدل كثيرًا في معاملته معها، لكن ذمها عقلها:
ربما يفعل ذلك طريقًا آخر يسلكه كي ينال ما يبغي، سياسة الترغيب بعد أن فشل في الترهيب سابقًا، بالتأكيد ذلك خداع منه، مخطط آخر، فكيف تتغاضى عن مساواته الخسيسة لها سابقًا، وجود خطيبته السابقة كضيفة شرف ذات شأن حتى بعد أن كانت غادرت عادت مرة أخرى بعد أن قضت عِدة أيام سياحة بالأقصر وأسوان... لا لن تقع في الفخ مرة أخرى عليها دائمًا أن تحذر وتفترض أن الجزء الأسود دائمًا يضغي.
انتبهت لوالدتها حين ذهبت نحو ذاك الباب وكادت تغلقه، تفوهت بتسرع:
"سيبي الباب مفتوح يا أمي."
لم تستمع لها وأغلقته ثم عادت نحوها قائلة:
"كفاية عناد يا ثريا إصابتك مكنتش سهلة دايمًا بتعاندي وفي الآخر..."
أكملتها ثريا:
"في الآخر بنهزم، بس خلاص مش ناوية نهزم تاني، ولازم أرجع أشتغل الزباين اللى موكلني عنهم هيطفشوا لو فضلت إكده راقدة زي ما إنت عاوزة... محدش هيحن علينا لما نتحوج يا أمي."
تدمعت عين نجيه فهمت حديث ثريا غص قلبها هي أكثر من أنحنت من أجل الحاجة، تنهدت قائلة:
"ربنا ما يحوجك تاني يا بتي، ربنا يخلي جوزك وأخوكِ."
لوت ثريا شفتيها بتهكم وحسرة وشفقة وضحكة سخرية قائلة:
"جوزك... أخويا، جوزي... اللى كل هدفه حتة أرض، أخويا... نفسه محتاج اللى يساعده."
عارضتها نجيه:
"جوزك لو شفتي منظره في الأيام اللى كنتِ غايبة فيها عن الوعي، كنتِ عرفتي قد إيه هو بيعزك."
تهكمت ثريا بسخرية آلم قائلة:
"مفيش أسهل من التمثيل عند العوامرية، لكن في لحظة القناع بيختفي وتظهر حقيقة قلوبهم بس لمجرد يوصلوا لغايتهم."
عارضتها نجيه مرة أخرى:
"وسراج هيمثل ليه وإيه غايته منك."
تهكمت بحسرة:
"الأرض، كفاية يا أمي بلاش تتعبيني أنا بقيت كويسة وبخير، وهرجع أشتغل من تاني، كمان هراعي أرضي اللى هي تمن عمري."
تصعبت نجيه بآسي واقتربت من ثريا وكفت عن إقناعها تعلم أن ثريا لن تتراجع، هي لا تثق بسراج ولا أحد، كادت تخبرها أنها تعلم كم تآلمت بعد قتل غيث بسبب ذاك الحرق هي رأته صدفة حين دخلت عليها بإحدى الليالي كانت غافية، وانزاح الدثار من عليها رأت ذاك الحرق علمت لما كانت تتوارى حتى لا يشفق عليها أحد، لم تخبرها أنها رأت ذلك حتى لا تكذب عليها وتخترع سبب غير حقيقي، حولت دفة الحديث قائلة:
"إبقي باركي لأخوك في مدرسة خاصة بعتوا له جواب تعيين فيها وراح لهم ورجع مبسوط هيشتغل مدرس زي ما كان نفسه طول عمره."
سعد قلب ثريا قائلة:
"أخيرًا حد فينا ربنا حقق له اللى كان بيتمناه."
تبسمت نجيه بأمومة قائلة بدعاء:
"اللى يصبر ينال، وربنا إن شاء الله هيجبر بخاطري فيكم."
قبل قليل بدار عمران العوامري.
ابتسم لعدلات التي قابلته فسألها:
"ثريا نزلت من فوق."
أجابته ببسمة:
"ثريا خرجت من الدار جالت إنها رايحة دار الست نجيه."
زفر نفسه سراج بغضب قائلًا بعصبية ثم توعد:
"دي مجنونة ولا إيه ناسية إصابتها، تمام."
لم ينتظر وخرج مرة أخرى، ابتسمت عدلات قائلة:
"أنا غلبت فيها وهي عاندت، خلى بقى سراج بيه هو اللى يقنعها."
بعد وقت قليل.
كانت ثريا جالسة خلف ذاك المكتب الصغير تنكب على قراءة إحدى القضايا لديها، شعرت ببعض الألم، تركت قراءة ذاك الملف واضجعت للخلف بظهرها، وضعت إحدى يديها على جانبها تهمس لنفسها:
"الوجع رجع تاني، نسيت أجيب معايا المسكن، يلا هانت ساعة كده وأقوم أرجع لدار العوامري وأبقى أخد المسكن هرتاح من الآلم ده."
رفعت وجهها ونظرت نحو باب الغرفة الخارجي حين لاحظت ظل طيف يطل عليها من باب المكتب، زفرت نفسها وتغاضت عن ذاك الألم، من ملامح وجه سراج علمت أنه متعصب لم تهتم بعبوسه، واعتدلت وجذبت ذاك الملف وعاودت النظر به دون اهتمام.
بينما شعر سراج بالعصب أكثر واقترب منها صامتًا حتى أصبح جوارها، انحنى وقبض بيده على عضد يدها يجذبها للوقوف قائلًا يضجر:
"المدام يادوب لقت نفسها إتعافت شوية قالت أرهق نفسي، ناسية إصابتك، ومين سمح لك بالخروج من الدار."
غصبًا امتثلت وقفت تنظر له بتمرد:
"مالوش لازمة الحديث ده، وعادي خرجت من إمتي كنت باخد إذن من حد."
صق سراج على أسنانه بغضب قائلًا:
"تمام، أنا بقول كفاية تمرد وناتفضلي معايا ولينا كلام تاني لما نرجع الدار."
كادت أن تعترض ثريا، لكن بنفس الوقت دهبت نجيه من الباب الآخر، وتفوهت بأمر:
"ثريا كفاية إكده، بلاش عناد على حساب صحتك و..."
قطعت بقية حديثها حين تفاجئت بوقوف سراج جوار ثريا، تبسمت له قائلة:
"كويس إنك جيت يا سراج...، أنا حضرت الوكل تعالى نتعشى سوا."
ابتسم لها بود ورحب بذلك قائلًا:
"دايمًا عامر، أنا فعلًا جعان وعرفت من ثريا إن نفسك في الطبيخ لا يقاوم."
نظرت له ثريا ولوت شفتيها بحنق وسخط...
بينما جذبها سراج مبتسمًا ودخلا إلى المنزل، تناولوا مع نجيه وممدوح العشاء بجو صافٍ وود تجاذب الحديث معهم ببساطة حتى أنه هنأ ممدوح بتلك الوظيفة الذي كان يتمناها...
بينما ثريا بدأ الألم يشتد أكثر، رغم أنها معظم الوقت شبه صامتة تسمع فقط...
بعد وقت لاحظ سراج ملامح ثريا التي تغضنت، كذلك وضعها يدها على مكان أحد الجراح بجسدها وكذلك ضغطها على أسنانها كي تتحمل الألم، شعر بغضب مصحوب بلهفة ولم يتفوه حتى لا يلفت نظر نجيه وتشعر بالقلق على ثريا، نهض واقفًا يقول:
"القعدة معاكم يا جماعة ميتشبعش منها، بس أنا بصراحة مرهق ومحتاج أرتاح يلا بينا يا ثريا."
لولا الألم الذي تشعر به لكانت اعترضت، امتثلت تود تناول مسكن يخفف من حدة شعورها بالألم...
بعد قليل.
بداخل دار العوامري.
تبسمت عدلات حين استقبلت سراج وثريا تحدثت باحترام:
"العشا انتهى، أحضرلكم عشا وأجيبه عالشقة بتاعتكم."
أومأت ثريا رأسها بلا، بينما تفوه سراج:
"لا كتر خيرك، إحنا إتعشينا عند بيت حماتي."
تبسمت له قائلة:
"بألف خير."
أومأ لها مبتسمًا يقول:
"تصبحي على خير."
بعد لحظات كانت ثريا تسير أمامه صاعدة إلى تلك الشقة، لكن توقفت كأن الألم اندثر واستدارت له قائلة:
"ليه دلوقتي نقلت محل الإقامة من الأوضة للشقة."
نظر لها مبتسمًا وصعد بجوارها وضع يده على كتفها قائلًا:
"خلينا نطلع للشقة نتكلم براحتنا الوقفة كده مش كويسة عشان صحتك."
نظرت له بسخط قائلة:
"ليه،
الحمد لله صحتي بقت كويسة.
ابتسم وجذبها للصعود معه حتى دخلا إلى الشقة، أغلق سراج الباب ونظر إلى ثريا التي لوهلة انحنت قليلاً تشعر بألم...
تلهف سراج نحوها بغضب قائلًا:
عِنادك هيضرك يا ثريا.
نفضت يده عنها قائلة:
عاوز توصل لإيه يا سراج، دور النعومة ده مش داخل عليّا متعودتش على الاهتمام المبالغ.
نظر سراج لها قائلًا:
ثريا بلاش تفسري كل حركة على هواكِ، وياريت كفاية عِناد على حساب صحتك.
لم يقف أمامها مُتعمدًا ذهب نحو غرفة النوم متأكد ثريا ستأتي خلفه، هي تشعر بألم، هو سابقًا ذاق مثل إصابتها ويعلم أن الجرح يأخذ وقتًا قبل أن يلتئم، ويسبب وجعًا.
بسبب الوجع تبعته ثريا ودخلت إلى غرفة النوم، لم تتفاجئ حين وجدت سراج يقف بيده تلك الأدوية الخاصة بها يمد يده بها، أخذتها منه لم تعاند يكفي ألمها، تناولت الأدوية ثم نظرت لـ يده الممدودة بكوب ماء، أخذته وارتشفت القليل لكن لم تعطه كوب الماء ذهبت هي ووضعته وجلست فوق الفراش تنظر لـ سراج تنتظر أن يغادر كي تبدل ثيابها وتنظر إلى تلك الجروح التي بجسدها، لكن سراج تعمد الاقتراب منها ومد يده على مقدمة ثوبها وكاد يفتح الأزرار الأمامية.
لكن ثريا وضعت يدها فوق يده بغضب قائلة:
إنت هتعمل إيه؟.
أجابها ببساطة:
هساعدك تقلعي هدومك، مش عيب أنا جوزك.
تهكمت بغضب ونهضت بعيد عن يديه قائلة باستهزاء:
لاء مش عيب، بس متشكرة وفر خدماتك، أنا هاخد غيار وأروح أغير في الحمام.
ابتسم سراج باستفزاز لـ ثريا التي اغتاظت منه ولم تتحدث، ذهبت نحو خزانة الثياب أخذت لها ثيابًا، ومن ثم توجهت نحو الحمام بصمت، دخلت تقف خلف باب الحمام تشعر بزهق من أفعال سراج التي تراها زيادة عن الحد في الاهتمام بها، ضجرت من ذلك، زفرت نفسها تنفخ أوداجها بغضب قائلة:
إنتِ اللي لجمتي نفسك بخيوط حديدية مع سراج وهو اللي بقى متحكم في الخيوط دي، لو فضلتي على كده هو هيكسب ومتأكدة لما يوصل لغرضه هيفك هو الخيوط دي ويرجع للنسخة القديمة من تاني، فوقي لازم يكون ليكِ أسلوب شديد، وكفاية ضعف.
بدلت ثيابها، بنفس الوقت استغرب سراج وجودها بالحمام طرق على الباب سائلًا بقلق:
ثريا إنتِ كويسة، إيه...
قاطعته حين فتحت باب الحمام بغضب ونظرت له بعصبية قائلة:
أنا بخير وفر الرياء ده كفاية أنا اتخنقت منه، ومن فضلك بلاش تحسسني إني طفلة.
ببرود ابتسم سراج متقبلًا غضب ثريا، وابتعد عنها ذهب نحو الفراش وتمدد عليه صامتًا.
تنهدت ثريا بحنق وذهبت للناحية الأخرى من الفراش تمددت على الفراش سريعًا ما غفت بسبب ذاك المسكن الذي تناولته، بينما سراج شعر بانتظام أنفاسها، نظر لها وتبسم، لتلك الطفولية التي ظهرت عليها وهي تحدثه قبل قليل، سأل عقله:
منذ متى فلت اللجام من بين يديك لتعشق تبك العنادية المتمردة، ومتى احتالت على قلبك.
والجواب
منذ أن رأيت حورية الشمس سحرتك رغم بساطتها، احتالت عليه ولجمتك بخيوط من نور، في البداية كانت الضوء متوهجًا أكثر من اللازم فجعلك تغمض عينيك، لكن مع الوقت انجذبت لوهج الضوء وانكشف جزء من العتمة، ثريا هنالك ألغاز بحياتها
والسؤال الأول
لماذا عادت مع غيث
والجواب
بالتهديد أكيد
وإعتراض
أو ربما هي أرادت ذلك وخوض تجربة خاصة، هنالك من يعشق تلك الأفعال الشاذة
وإعتراض آخر
لا ثريا ليست هكذا، وإلا كان ظهر عليها، هي متبلدة المشاعر وبالتأكيد سبب ذاك التبلُد هو ما مرت به.
أسئلة وإجابات وإعتراضات بدأت تشغل عقل سراج وقلب عاد ينبض ويخفق وهي جوارَه فقط.
كانت حنان مستيقظة تنتظر عودة آدم الذي تأخر وأصبح الوقت منتصف الليل، قامت بالاتصال عليه قبل ساعة تقريبًا وأجابها أنه أمامه وقت قليل ويعود للمنزل، لكن تأخر، أو هكذا ظنت بسبب القلق.
انخضت فجأة حين سمعت رنين الهاتف، توقعت أن يكون آدم يخبرها بوصوله، لكن ارتجف قلبها وجسدها حين رأت هوية المتصل، تصلبت يدها على الهاتف ولم ترد حتى انتهى الرنين، لكن سريعًا ما ارتعش جسدها حين وصل رسالة إلى هاتفها فتحتها بيد مرتعشة...
خفق قلبها باضطراب وارتياب حين رأت الصورة كانت لـ آدم وهو يسير بالشارع يقترب من المنزل... زاد ذاك القلق والارتياب رسالة أخرى نصها:
"عريس الغفلة سايب العروسة وسهران بره لو أنا مكانه مكنتش هسيبك لحظة ياااا بنت عمي سابقًا مازال عندي أمل وهيتحقق قريب".
أغلقت الهاتف وألقته على الفراش تشعر بانهايار في خلايا جسدها، ماذا يقصد ذاك الوقح، هل سيضر آدم
الوقت تأخر والطريق بالتأكيد خالي قد يصطاد ذاك الوغد فرصته...
بسرعة فكرت أن تصعد إلى سراج وتخبره ربما
ربما ماذا
هل حدث سوء لـ آدم
لا قلبها يخفق بشدة لن تتحمل أذى عليه...
فكرت مرة أخرى
وارتدت عباءة فوق منامتها وجذبت وشاحًا للرأس لكن قبل أن ترتديه سمعت صوت فتح باب الشقة تلهفت بسرعة وخرجت من الغرفة تستقبل آدم بالردهة واحتضنته فجأة تشعر بخفقات قلبها تكاد تخترق مسمع آدم، تفوهت بتسرع:
قلقتني عليك، إيه اللي آخرك كده.
ابتسم وهو يختويها قائلًا:
أبدًا الزبون اللي كان جاي عشان يشتري الفرسة طلب مني يشوف بقية الخيول اللي في المزرعة، وأنا قلت ده زبون سخي يمكن يشتري غيرها وده اللي حصل فعلًا، مالك قلقانة عليّا كده ليه، حبيبتي اطمني مش بيقولوا عمر الشقي بقى، وأنا قبل كده وصلت للموت ورجعت تاني.
وضعت يدها على فمه قائلة:
بلاش السيرة دي يا آدم، أكيد جعان، هروح أحضرلك عشاء خفيف.
ابتسم وضمها قائلًا:
لاء مش جعان، أنا عطشان بس...
وكان العطش مصحوبًا بالارتواء من شفاهها قبلات، جعلتها تنسي القلق والخوف تمتد إلى دقائق عشق ذائبة بين يديه وهو يبثها أشواقه وتوقه إليها وهي مستكينة متشبثة به بقلب يخشى عليه من الأذى، وتكون هي سببًا لذلك.
بعد مرور يومين صباحًا
قد تكون صدفة أفضل من ترقُب
صدفة أثناء تواجد قابيل بمنزل عمران العوامري من أجل مناقشة بعض الأشغال الخاصة بهم، كذلك كان يشعر بترقُب فاليوم مهم جدًا، سيتم نقل تلك الآثار من ذاك المخزن الخفي إلى مخزن آخر لتسليمها لصائد ثروات بطريقة غير مشروعة...
لكن هدأ ذاك القلق حين سمع قول سراج لوالده:
أنا هاخد تالين أوصلها لمطار الأقصر والمسا هكون هنا.
فرصة، بل غنيمة وسينتهزها من كل الجوانب
حادث إرهابي على الطريق يصرف نظر الشرطة فتمر البضاعة بسلام
وغنيمة سيتخلص من سراج دون إثارة غضب الكبير... تخطيط ازدواجي...
بالفعل خرج من المنزل بحجة بعض الأعمال بالطريق توقف وفتح هاتفه، رد عليه الآخر بصوت ناعس زاد غضب قابيل الذي نهره قائلًا:
لساك نايم في العسل لاء فوق وإسمعني كويس
الخطة اللي رسمناها سوا عشان نغتال سراج العوامري دي تنساها
الخطة هتتبدل وهتم النهاردة قدامك فرصة
خلال أقل من ساعة تكون مجهز رجالتك وتعمل اللي هقولك عليه بالظبط، عاوز خبر سراج يوصل هنا قبل العصر، والليلة يكون ساكن في قبره.
صدفة كانت تفتح زجاج شرفة غرفة النوم
رأت ثريا سراج وهو يتوجه نحو باب السيارة يقف أمامها، يبدو أنه ينتظر أحدًا، لم يغيب عليها بل لم تغب، إنها تالين، التي تبسمت لها وهي تفتح باب السيارة ثم صعدت إليها، رفع رأسه لوهلة رأى ثريا لم يبالِ وصعد هو الآخر إلى السيارة متعمدًا إثارة غيرتها، أو بالأحرى يود معرفة رد فعلها لكن ليس الآن حين يعود مساء، لكن لا يعلم أن ذلك زاد من يقين يتسرب إلى قلبها، سراج يخدعها برسم خطة أخرى أكثر مفعولًا، أو هكذا يظن أن اللين قد يجعلها تصدقه.
بالمركز الرياضي
كان يقوم جسار ببعض الأعمال قبل موعد حضور الأشبال لتلقي التمرين
لكن فجأة صدح رنين هاتفه، نظر للشاشة سريعًا ما قام بالرد وقال:
تمام متقلقش هكون عندك في الوقت المناسب.
سريعًا بدّل ثياب الكارتيه وارتدى زي رسمي... وتوجه للخروج من المركز، لكن بسبب انشغاله ببعض الاتصالات الهاتفية... كاد يصطدم مع إيمان التي لاحظت لهفته للخروج حتى أنه لم يبالِ بتذمرها وغادر مسرعًا، استغربت فعلته لكن لم تهتم.
قبل قليل على الطريق
كان يسود الصمت بين سراج وتالين، كان عقله مشغولًا بمحتالته يود أن ينقضي الوقت ويعود لها، يعرف رد فعلها حين تعلم أن تالين غادرت إلى القاهرة.
رغم شعورها بألم قاسٍ يهتك بقلبها لكن قطعت تالين ذاك الصمت ونظرت نحو سراج تكبت دموع عينيها سائلة بلوعة قلب:
للدرجة دي بتحبها يا سراج.
مازال يلتزم الصمت رغم سماعه لها، لكن عقله مشغول وهو يتبادل النظر بين مرآة السيارة الجانبية والأمامية، يراقب سيارة النقل الصغير الذي لاحظ سيرها خلف سيارته منذ أن أصبح على الطريق الرئيسي، حاول التأكد من ذاك الهاجس وراوغ بالطريق سواء بزيادة السرعة ثم تبطيئها أو الدخول لمنعطفات أخرى على الطريق، لكن مازالت تتعقبه، تأكد حدسه، حين عاودت تالين الحديث لكن هذه المرة لم تستطع كبت دموع عينيها وهي تتحدث بنبرة عذاب:
كنت مفكرة قلبك فولاذ زي ما بابا كان بيقول
سراج قلبه من فولاذ، لكن واضح إن لأول مرة بابا يكون غلطان، لما قلت لي إنك اتجوزت مصدقتش، لأن كنت متأكدة إنك مستحيل قلبك يعشق وتجي واحدة تقنعك بالخطوة دي، فاكرة لما إنت فسخت خطوبتنا قلت لي إن عمرك ما بتخلي قلبك ياخد قرار، دايمًا بتحكم عقلك، وخطوة الجواز بعيدة عن تفكيرك، بس مع ثريا إنت لاغيت عقلك، من غير ما تفكر روحت أنقذتها، رغم إنك كان ممكن تنصاب زيها، حبيتها إمتى يا سراج.
سؤال لا يعلم هو نفسه له جواب
لا يعلم متى اخترقت تلك المحتالة قلبه بل وتمكنت من فولاذ قلبه وانصهر...
رغم ذلك مازال عقله مشغول بتلك السيارة التي زادت من سرعتها وتقدمت أمامه ثم أبطأت سيرها، لاحظ فتح زجاج شبابيك تلك السيارة، كذلك صندوق تلك السيارة الذي كان به بعض الأقفاص الخشبية وجزء مغطى بمفرش بلاستيكي انزاح ذلك ووقف بعض الرجال يشهرون أسلحتهم... سريعًا فهم، وعلم أن هنالك كمينًا لاصطياده، وتصفيته، سريعًا
وضع يده على رأس تالين قائلًا بأمر:
انزلي في دواسة العربية وأوعي ترفعي راسك.
انخضت تالين وشعرت بالهلع، حين سمعت صوت إطلاق رصاص، نفذت ما قاله لها، ثم سريعًا ما فتح صندوقًا بالسيارة وأخرج سلاحه الذي يحتفظ به دائمًا، تأكد من وجود الرصاص به، ثم سريعًا فتح هاتفه وضغط على أحد الأرقام سريعًا ما فتح الآخر الاتصال واستمع إلى سراج:
واضح إن أنا الطعم النهاردة، أنا على الطريق العام اللي بيودي لمطار الأقصر... حاول تجي بالدعم بسرعة هحاول أراوغهم، بس سلاحي مش هيسد معاهم... كمان عربيتي مش مصفحة...
أغلق الهاتف وتركه بالسيارة، ثم نطق بالشهادتين وهو يحاول المراوغة بالسيارة يتفادى تلك الرصاصات التي أصبحت تنطلق بغزارة نحو سيارته، مما سبب هلعًا لـ تالين أكثر حين سمعت أصوات اصطدام الرصاص بالسيارة.. حتى أنها كادت تخرج من دواسة السيارة لكن صرخ عليها سراج بأمر:
أوعي تتحركي من مكانك....
صمت حين اخترق جسده إحدى الرصاصات
مما جعل تالين تتلهف عليه ولم تمتثل لأمره وخرجت من دواسة السيارة كي تطمئن عليه، لكن كان هذا لسوء حظها فقد نالتها إحدى الرصاصات، رصاصة واحدة اخترقت جسدها بمكان قاتل
نظر لها مصعوقًا، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة
يسمع هزيانها...
وأصبح أمام قرار واحد
وكما تعلم أن هنالك دائمًا
«خطة بديلة»
رواية سراج الثريا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامه
زجرها بنظرة رعب متوعدًا بالشرر، ثم قهقه بضحكته الغليظة والمُخيفة. هلع قلبها وهي تسمع حديثه الشامت بنبرة جافة:
"فكرتي إنك هربتي مني لما رجعتي من الموت أنا جاثم إهنه على جلبك وساكن عقلك أنا بينك وبين روحك هتفضل متعذبه لحد ما نتلاجي تاني...والوجت مش بعيد يا ثريا."
اهتز جسدها وهي تشعر بيده فوق موضع قلبها، لكن لأول مرة تمتلك الشجاعة رغم رجفة قلبها. تحدته بشرر واستبياع:
"أنا مش خايفه منك يا غيث مش هتقدر تأذيني تاني، ثريا الضعيفه إنت جتلتها جوايا."
ضحكات شريرة وغليظة يطلقها وهو يقترب منها. عيناه تخترق جلد جسدها، تلمع عيناه مثل الثعلب المُتربص بدجاجة. فجأة قبض بيديه حول عنقها يضغط بقوة. تشعر باختناق من قبضة يده حول عنقها، ويديه تشتد قبضتها. تشعر بانسحاب الهواء من صدرها، تكاد تلفظ أنفاسها وهي تنظر إلى عينيه، لا تطلب استغاثة. كذالك يديها كأنهن تصنمن ولم تستطيع رفعهن. قد تستطيع إزاحة يديه عن عنقها، لكن هو يستلذ وهو يراها هكذا تلفظ أنفاسها بانقطاع.
لكن فجأة صدح صوت آمر يقترب هرولة حتى وقف أمام غيث. وبقبضة يديه وضع يديه حول عنق غيث يقبض عليها بقوة أكبر من قوته، يقول بغضب عارم:
"قبل روح ثريا ما تفارق جسمها هتكون سابقها لجهنم يا غيث."
بنظرة غلول وابتسامة استهزاء تهكم بإستفزاز:
"سراج واد عمي."
لم يهتم سراج بلهجته الساخرة المستفزة وهو يشعر بانقطاع أنفاسه. كذالك ضعفت يداه حول عنق ثريا، حتى أنها تخلصت من يديه وعادت للخلف تسعل بشدة. بينما غيث وضع يديه على يدي سراج يحاول تخليص نفسه. كادت يدي سراج تزهق روحه ويلفظ النفس الأخير. لم يستطع إزاحة قبضة سراج، لكن سراج نظر نحو ثريا التي تشهق. فك قبضة يديه من حول عنق غيث ودفعه بقوة بعيدًا، وتوجه ناحية ثريا بلهفة.
نظرت له لوهلة كأنها تستغيث به وهي تنظر إلى غيث الذي كاد يسقط أرضًا من قوة دفع سراج له. لكن فجأة اختفى وظل مكانه ضباب كثيف يشبه هالة الدخان. ذُهل عقل ثريا وهي تنظر نحو سراج الذي يقترب منه ذاك الضباب الذي فجأة خرج منه عينين غيث الدخانية ويدين تكاد تقترب تقبض على عنقه. وهي تحاول تحذيره لكن صوتها يخرج بلا صدى. لكن تلك العينان تحدقان بها وتقتربان منها، عينين مخيفه تشعان دخانًا وبداخلهما ينصهر فيضان هادر بل غادر.
فتحت عينيها فجأة حين وصل إلى أذنيها رنين هاتفها. هلعت واعتدلت جالسة لحظات غائبة عن الوجود تنظر حولها كأن عقلها يستكشف المكان حولها. لم يفسر عقلها المكان للحظات. شعرت كأنها بالشقة التي تزوجت غيث بها. رائحة عطره تسيطر على حاسة الشم لديها. تشعر بغثيان منها. جسدها كأنه التصق في الأريكة التي تجلس عليها.
لحظات طويلة تسحب من داخلها الدماء. تجف أوردتها وحلقها مثل الأرض التي جفت وأصبحت قاحلة. لحظات كفيلة بنزع روحها بقسوة. فاقت من ذاك التوهان العقلي على عودة رنين الهاتف. انفزعت مرة أخرى وعادت تستوعب بعض أن نفضت بصعوبة ذاك الشعور. ازدردت ريقها الجاف. جذبت الهاتف من فوق تلك المنضدة. نهضت تشعر بانسحاب خلايا جسدها كأنها هلام. لا تعلم كيف تسير إلى أن وصلت إلى المطبخ. قامت بملء كوب ماء وتجرعت منه كمية كبيرة حتى شعرت ببعض الارتواء. جلست على أحد المقاعد بالمطبخ تلتقط أنفاسها بهدوء رويدًا رويدًا.
انتبهت على رنين الهاتف. حاولت بث الشجاعة بنفسها وقامت بالرد لتسمع حديث سعدية باستهجان:
"إيه كل الرن ده ومش سامعه صوت الموبايل..."
توقفت للحظة ثم عاودت الحديث بخباثة وإيحاء مرحة:
"هو سراج رجع يتغدى في الدار وقال يتغدى في الشقة، ولا لاه إنتِ لساكِ في فترة نقاهة."
فهمت ثريا حديث سعدية وتفوقت بحنق:
"لاه سراج مش هنا في قنا كليات. سمعت إنه راح مع خطيبته السابقة الأقصر، أكيد عشان يفسحها."
زفرت سعدية نفسها بلوم قائلة:
"ما عشان إنتِ خايبة يا بنت أختي الهبلة، مش عارفة تحوطي على جوزك، وعاوزه بس تبهدلي نفسك في الغيط والمحكمة... أنا لو مكانك كنت استغليت إني عيانة واتسهوكت على الراجل قعدته جنبي، مش أضربها طناش."
تهكمت ثريا بنزق:
"اتسهوك عليه، ضحكتيني يا خالتي، سيبك من سراج قولولي متصلة عليا دلوك ليه."
زفرت سعدية باستهزاء:
"خليكِ خايبة زي أمك، كنت متصلة أقولك في ست جارتي بنتها أهل جوزها طردوها هي وجوزها من الدار، ومش عارفة تعمل إيه مش هيقدر يأجر لها شقة، يا دوب رزقه مكفيه معيشة هو وهي وولادهم، جوزها سأل إن ممكن لو اشتكى في المحكمة ياخد منهم الشقة تاني، بس مش حمل مصاريف محكمة."
فكرت ثريا قائلة:
"وموسطش ناس يحاولوا مع أبوه ليه يمكن يرضى يرجعه بالتراضي."
تهكمت سعدية قائلة:
"تراضي إيه، ده هيجوزوا أخوه في الشقة."
تهكمت ثريا:
"عشان يجوزوا واحد يطردوا التاني بمراته وعياله، عالعموم الشقة من حق الزوجة الحاضنة هي وأولادها وسهل تاخد من حماها الشقة لو اشتكت بمسكن حضانة لولادها، بس للأسف في ثغرة في القانون ده، وهي إن ممكن والد جوزها يقدم أنه كان ساكن معاهم في الشقة. القانون هيحكم له بأوضة، بس عالأقل هتلاقي مسكن لها ولولادها وجوزها اللي واضح مغلوب على أمره من الناحيتين، ناحية مراته وأبوه اللي معندوش مروة، خليها تفوت عليا بعد المغرب في المكتب."
تنهدت سعدية قائلة:
"بلاش تاخدي منها أتعاب يا ثريا جوزها على قد حاله كفاية مصاريف القضية اللي هيرفعها على أبوه الجاحد."
ابتسمت ثريا قائلة:
"هو أنا فاتحة المكتب ده سبيل لجيرانك وأصحابك، مفيش مرة يجيلي من وراكِ قضية كده متريشة."
ضحكت سعدية قائلة:
"الحق عليا بشغلك."
تبسمت ثريا قائلة:
"صح كتر خيرك... بس خفي عليا شوية نفسي في زبون ولا اتنين يدفعوا فلوس مش كله لاقف كده، سيبك من جيرانك وأصحابك الفقرا دول، صاحبي ناس غنية زي خالي ومراته كده."
تنهدت سعدية بآسف:
"خالك ده مش هيدخل الجنة بسبب أنه واكل حق الولايا، بس ربك يمهل ولا يهمل، عرفت إن الموكوس ابنه دخل في مشروع تربية فراخ والفره صابته كم مرة ورا بعض كسرته في مبلغ محترم وماضي على نفسه شيكات وهيبيع من الأرض عشان يسد له ديونه، يلا يا بتِ ربنا يغنينا بالحلال ويعفنا عن الحرام."
أغلقت الهاتف مع سعدية وضعته على طاولة المطبخ أمامها وجلست ترتشف بعض قطرات المياه. عاد لها جزء من ذاك الحلم، وتمركز عقلها على نظرة عين غيث لها، تلك العينان الثعلبية.
فجأة تذكرت شئ قد تنساه عقلها. يوم أن أصيبت بالرصاص بذاك العرس. رأت تلك العينان تحدق من ثم شعرت باختراق الرصاص لجسدها. في لحظة وصول سراج لمكانها، تلاقت عينيها مع عينيه. مهما غابت ملامحه عن عقلها لكن عيناه محفورة بعقلها، أكثر عينان كرهت نظراتهم لها.
هلع قلبها لوهلة. انكمش جسدها وشعرت ببرودة بتلقائية. ربعت يديها حول صدرها تستمد دفئ. لكن فاقت على صوت تكسير. انتبهت له كان كوب المياه الذي سقط بعد أن اصطدم بيدها ووقع من فوق الطاولة. نفضت ذاك الإحساس بالضعف ونهرت عقلها:
"واضح إن المسكنات اللي كنتِ بتاخديها يا ثريا أثرت على عقلك. هو في ميت بيصحى تاني."
على الطريق
نظر سراج نحو تالين التي أخفض جسدها بأسفل السيارة وهي تئن بسبب اختراق بعض الرصاص لجسدها، قائلاً بعصبية:
"قولتلك ممنوع تطلعي من الدواسة."
امتثلت تالين تئن بألم. بينما فكر سراج سريعًا:
"لابد من اللجوء لخطة بديلة."
بالفعل سريعًا أوقف تشغيل السيارة للتوقف فجأة تنتفض للحظات. يتلاعب بالوقت. لابد أن وقوف سيارته بهذا الوقت سيربك السيارة الأخرى بسبب سرعة سيرها. اكتسب دقائق من برجلة هؤلاء المجرمون بسبب توقف سير سيارة سراج فابتعد عن مرمى رصاصهم بمسافة. اضطروا لوقف الإطلاق للحظات وهم يعودون بالسيارة للخلف للاقتراب من سيارة سراج مرة أخرى. كان سراج في تلك اللحظات ترجل من السيارة واتخذ من باب السيارة درعًا له. ولحظة وأخرى كان قبل أن تقترب السيارة منه مرة أخرى. قام بالتصويب على أضعف شيء بالسيارة والوحيد القادر على ردع تقدم السيارة.
ركز بالتصويب نحو إطارات السيارة الخلفية وأطلق عليه الرصاص حتى سمع دوي صوت انفجار الإطارات. توقف عن الإطلاق وهو يرى تلك السيارة وهي تتأرجح على الطريق. بعد أن فقد السائق السيطرة عليها وهي تسير بتموجات غير محسوبة. مما سبب للمجرمين بلحظات ارتباك وهم يتأرجحون ويتخبطون.
توقف إطلاق الرصاص، مع وصول فرقة دعم من الشرطة تقترب من سيارة المجرمين الذين بدأوا يقفزون من السيارة في محاولة هرب من الشرطة. كأنهم لا يدركون أنهم على طريق سريع. وبوقت انشغال الطريق منهم من اندس تحت إطارات سيارات أخرى. ومنهم من استطاع تفادي الدهس لكن لسرعة السيارة وتأرجحها كانت إصاباته بالغة. كذالك سائق السيارة الذي كان أول من قفز ليصطدم جسده بدوشمة حجرية على جانب الطريق.
لتنتهي محاولة اغتيال فاشلة.
بعد قليل بأحد المشافي
فتح ذاك الوسيط باب إحدى الغرفة يتنهد براحة قائلاً:
"حمد لله على السلامة يا أفندم."
ابتسم سراج له قائلاً:
"أخيرًا وصلت يا سيادة المقدم. وصلت متأخر."
تبسم له قائلاً:
"طمني على إصابة سيادتك."
نظر سراج إلى عضد يده اليسرى قائلاً:
"إصابة خفيفة. رصاصة في عضد إيدي الشمال، والرصاصة مخترقتش العضم، يعتبر جرح سطحي."
ابتسم الوسيط قائلاً:
"طبعًا النسر الأشول يقدر يصطاد التعابين مهما كان سمهم قوي... بس نفسي أعرف سبب لمحاولة اغتيال سيادتك، رغم إن معروف إن سيادتك سبت الخدمة في الجيش. إيه الهدف من العملية الإرهابية دي في الوقت ده بالذات."
ابتسم سراج وهو ينهض من فوق تلك الأريكة قائلاً:
"انت قلتها الوقت ده بالذات... معروف غرضهم إيه."
لم يفهم الوسيط وتساءل:
"مش فاهم يا أفندم."
وضع سراج يده اليمنى على كتف الوسيط قائلاً:
"التمويه."
فهم الوسيط قائلاً:
"قصدك..."
قاطعه سراج بتأكيد:
"أيوه تمويه. بس أوعي تكون غفلت عن تتبع عملية نقل الآثار."
نفي الوسيط ذلك قائلاً:
"لاء يا أفندم إطمن الوضع تحت السيطرة وعرفت فين اتشوّنت الآثار وزي ما حضرتك أمرت أسهل لهم الطريق... طبعًا مقبضناش عليهم عشان نعرف نوصل للراس الكبيرة اللي بتدير عمليات سرقة الآثار، وتجارة المخدرات هنا... حتى الراجل بتاعنا نفسه لغاية دلوقتي ميعرفش مين الكبير، بياخد الأوامر من واحد من رجاله، رغم إني متأكد أن الشخص ده مش هو زعيمهم، ده الراجل التاني، الإيد اللي بتنفذ وبتدي الأوامر لبقية الرجالة."
أومأ له سراج قائلاً:
"عشان كده لازم نراوغ ونظهر أن عملية التهريب تمت بنجاح كمان عشان حماية الراجل بتاعنا اللي عندهم."
اومأ له متفهمًا.
تنهد سراج قائلاً:
"دلوقتي مش لازم الإعلام يعرف حاجة عن الحادثة اللي حصلت."
تنهد الوسيط بآسف قائلاً:
"للأسف يا أفندم إنت عارف الإعلام بس يشم خبر ويبقى صراع السبق بين القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية، بس طبعًا طلع تصريح من الداخلية بأن الحادث كان بسيط وتقريبًا مفيش خسائر في أرواح الأبرياء وإن تم التعامل مع العملية بشكل سريع، وطبعًا يا أفندم ده بسبب ذكاء سيادتك، فعلًا، تقريبًا مفيش أرواح بشرية اتأذت غير المجرمين، تقريبًا تلفيات في بعض العربيات وإصابات خفيفة، واضح أنهم كانوا مركزين معاك حضرتك، ميعرفوش إنهم بيتعاملوا مع 'النسر الأشول'."
ابتسم سراج قائلاً:
"تمام... متأكد إن هيبقى في تبعيات للي حصل ده، سواء في القيادة العامة للجيش وكمان للمجرمين اللي فكروا أن خلاص كده وصلوا لهدفهم بنقل بضاعتهم بسهولة. أنا لازم أرجع أسيوط الليلة طالما الإعلام ذاع الخبر أكيد هيبقى في قلق..."
قبل أن يكمل حديثه، كان هاتفه يصدح. أخرجه من جيبه ونظر له ثم للوسيط وتنهد قائلاً:
"زي ما توقعت الخبر وصل لسيادة اللواء والد تالين. هرد عليه أطمنه."
حدثه سراج بهدوء وأخبره بإصابة تالين بطلقة في أحد كتفيها وبأن الإصابة ليست خطيرة.
أغلق سراج الهاتف ونظر للوسيط قائلاً:
"هروح أطمن على تالين، عرفت إن إصابتها هي كمان مش خطيرة وباباها سيادة اللواء بيقوب هيجي على طيارة خاصة مش هياخد وقت لحد ما يوصل لهنا، لازم قبل المسا أكون في أسيوط."
بـ دار العوامري
كان ما حدث لها وفقدانها لأهم ما تمتلكه المرأة وهو "رحمها" كأنه جعلها تفقد الرحمة بقلبها. هي أول من رأت على الهاتف خبر تعرض سيارة سراج لحادث إرهابي. شعور بداخلها كأنه شخص لا تعرفه. تبسمت ولمعت عينيها تقول بهمس مسموع:
"واضح إنها فعلًا قدم النحس على الراجل اللي بتتجوزه يموت."
سمعت ذلك كل من ولاء ووالدتها الجالستين معها. تساءلت ولاء بفضول:
"تقصدي مين بحديثك ده."
رفعت عينيها ونظرت لفضولهن وأجابتهن بنبرة شماتة:
"هو في غيرها 'ثريا'."
"شوفوا في خبر على الموبايل وبيقول إن في عملية إرهابية وكان مقصود بها ظابط سابق في الجيش وقالوا اسم سراج العوامري."
انتفضت ولاء ونهضت واقفة تقول باستفسار:
"وسراج جراله إيه؟"
أجابتها إيناس ببرود:
"معرفش إنتِ خابرة الحكومة مش بتقول الحقيقة والأخبار أوقات بتهول الموضوع."
نظرت ولاء لبرودها وقالت:
"هطلع أغير هدومي وأروح دار عمران بالتوكيد زمان عنده خبر عن سراج."
تهكمت إيناس وظلت جالسة هي ووالدتها التي لا تقل عنها شماتة قائلة:
"ذنب غيث هيخلص من سراج... مش اتجوز أرملة ولدي أنا دعيت عليه ميشوفش الهنا معاها... زي ولدي."
لمعت عين إيناس بنظرة شامته وابتسامة تشفي.
بـالمدينه
أسفل تلك البناية الذي يقطن بها والد قسمت. ترجل إسماعيل وذهب للناحية الأخرى يساعد رحيمة على النزول من السيارة. تبسمت له بحنان وهي تعطيه يدها. رفع نظره لأعلى تبسم حين وجد قسمت تقف في شرفة شقتهم. أشار لها. تبسمت له، وهي تضع يدها فوق قلبها.
لاحظتهم رحيمة وتبسمت قائلة:
"إطمن يا واد إن شاء الله هتبقى من نصيبك، وهى اللي هتربطلك عقلك السارح."
آمن على قولها قائلاً:
"يسمع منك يا خالتي أنا معتمد عليكِ مع الراجل الديكتاتور ده، بيقول عليا برجوازي."
لم تفهم رحيمة كذلك لم تعرف نطق الكلمة وسألته:
"بر.."
"برجوازي... برجوازي يعني إيه يا إسماعيل."
أجابها:
"دي شتيمة يا خالتي معرفش معناها، نبقى نسأل آدم عليها هو المثقف اللي فينا."
أومأت له قائلة:
"تمام لما نخلص هنا تاخدني دار العوامري. الواد سراج جلبي متاخد من ناحيته من الصبح."
تهكم لها قائلاً:
"متقلقيش يا خالتي عليه ده نسر بيصطاد تعابين. خلينا مع الراجل الديكتاتور يارب بس أتجوز قسمت هكربه في راسه بأعلى فولت يمكن عقله يوزن."
بعد قليل فتحت قسمت باب الشقة ورحبت بـ رحيمة التي تبسمت لها قائلة:
"إنتِ قسمت."
أجابتها بهمس:
"أيوه يا طنط. حضرتك نورتي. إسماعيل حكالي عنك وقال إنك الوحيدة اللي هتقدر تقنعي بابا يقبل بجوازنا."
تبسمت لها رحيمة بحنان قائلة:
"حلوة كلمة طنط منك، وإنتِ كمان حلوة يحق للواد إسماعيل يتمسك بيكِ، إطمني أنا الحمد لله ربنا بيلين القاسية في إيديا."
تبسمت قسمت باطمئنان. بينما أتى والد قسمت سائلاً:
"مين اللي كان بيرن جرس الشقة يا قسمت."
انزاحت قسمت من أمام رحيمة التي تقدمت للداخل قائلة بمودة:
"أنا رحيمة، في أمانة عندك بتاعتي وجاية أخدها."
نظر لها باستغراب قائلاً:
"أمانة إيه يا حاجة."
تبسمت له قائلة:
"يسمعها منك وننجح سوا إن شاء الله، مش تقولي اتفضلي الأول وتضايفني بكوباية ميه."
شعر معها بالراحة والسكينة فقال بود:
"آمين، اتفضلي يا حاجة... هاتي عصير يا قسمت في الصالون."
شعرت قسمت براحة من استقبال والدها لـ رحيمة.
بعد قليل جلست رحيمة تنظر لـ والدة قسمت التي جاءت بفضول تتعرف على تلك السيدة التي أخبرتها عنها قسمت. لاحظت هدوء في الحديث بينها وبين زوجها لاول مرة يكون هكذا مع شخص غريب يتعامل معه لأول مرة، لكن رجحت ذلك ربما لبشاشة ورقي حديث تلك السيدة.
نظرت رحيمة نحو قسمت التي أعطاتها كوب العصير وتبسمت لـ والدها قائلة:
"بص بقي أنا الزمن علمني أدخل البيوت من أبوابها، أنت عندك أمانة وأنا جايه النهارده عشان آخدها لصاحب نصيبها."
نظر لها بفضول سائلاً:
"إيه الأمانة دي يا حاجة."
نظرت نحو قسمت وتبسمت:
"قسمت هي الأمانة، أنا جايه أخطبها لابن أختي، اللي في مقام ابني الصغير... وعارفه إنك مش هتكسفني وهتوافق... ده دكتور وقدامه المستقبل."
شعر بإحراج وتحنح قائلاً:
"مش لازم أشوفه الأول وأسأل عنه وأعرف أخلاقه."
ابتسمت رحيمة قائلة:
"انت شوفته قبل كده، وقسمت تشهد على أخلاقه، هو صحيح هوائي بس وقت الجد راجل ويسد، تربيتي."
زاد الحرج لدى والد قسمت وتبسم قائلاً:
"ميمنعش برضوا أشوفه تاني."
ابتسمت رحيمة وغمزت لـ قسمت التي شعرت بالخجل ونهضت خرجت من الغرفة قائلة:
"حقك... عشر دقايق وهتلاقيه هنا."
بالفعل قبل مرور عشر دقائق صدح رنين باب الشقة. فتحت قسمت الباب وتبسمت لـ إسماعيل الذي سأل بترقب:
"ها باباك مزاجه هادي، أنا جبت له بسبوسة تغير عشان ميقولش عليا برجوازي."
ضحكت قسمت قائلة:
"أيوه طنط رحيمة معاه في الصالون وشكلها أقنعته."
ابتسم إسماعيل وهو يدخل إلى غرفة الضيوف. تبسمت رحيمة وقالت بفخر:
"تعالى يا إسماعيل سلم على أبو قسمت."
نظر والد قسمت إلى إسماعيل بعد أن كان هادئًا انتفض واقفًا يقول:
"مستحيل أجوز بنتي لسليل البرجوازي."
نظر إسماعيل نحو رحيمة التي نهضت واقفة تسأل:
"هو إيه البر بر بزواجي ده يا أخويا، وبعدين إنت هترجع في كلامك معايا، مش من شوية كنت بتقول أنا أجهزها وأجيبهالك لحد عندك، أهو إسماعيل ده ابني كده هتكسفني جدامه."
تردد والد قسمت بحرج وهدأ قليلاً ثم قال باعتراض:
"يا حاجة..."
قاطعته رحيمة بنظرة عتاب قائلة:
"هتقول إيه، خلينا نفرح بالعيال وأنا أضمنلك إن إسماعيل هيصون بنتك في عيني."
تردد والد قسمت لكن بحنكة رحيمة أقنعته، فقال باندفاع:
"تمام أنا موافق، بس الجواز يكون خلال شهرين بالكتير، والعفش والشبكة وتجهيزات الشقة كمان عليه."
كاد إسماعيل أن يعترض لكن رحيمة قاطعته وقالت:
"أنا كنت هقول كده أنا عاوزة أفرح بالعيال."
نظر لها إسماعيل وصمت.
دقائق كان والد قسمت يتحدث وهو يتشرط وكلما حاول اسماعيل أن يعترض كانت رحيمة تنظر له فيصمت.
بعد وقت من المفاوضات. نهضت رحيمة بابتسامة قائلة:
"كده تمام قوي قوي... إحنا شارين قسمت."
تهكم إسماعيل وهو مازال متمسك بعبوة البسبوسة، حتى ذهب إلى خلف باب المنزل. مدت قسمت يدها تقول:
"مش إنت جايب البسبوسة دي لبابا هات ها."
تمسك بالعبوة قائلاً:
"أبدًا أنا هحتفظ بالسبوسة دي أكلها في السكة أبلع بها اللي شوفته وسمعته من أبوكِ، أبوكِ ده بيقول عليا برجوازي، وهو استغلالي..."
نظرت له قسمت باحتقان. فنظر نحو رحيمة التي تخرج من غرفة الضيوف ومازال والد قسمت ووالدتها يتحدثان معها يتمسكان أن تجلس معهما بعض الوقت. لكن حين رأى إسماعيل يقف مع قسمت شعر بالغضب وقال:
"نسيت يا حاجة أقولك أن إنتِ عارفه إني ربنا رزقني بتلات بنات وأخاف عليهم...."
قاطعته رحيمة:
"إسماعيل هيبقى أخوهم الكبير، وإحنا نكتب الكتاب مع الخطوبة."
تهكم إسماعيل بنزق هامساً لنفسه:
"أخوهم يا خالتي، هتسوي سمعتي من دلوقتي مع راجل استغلالي، بس أكتب كتابي على قسمت لأخليك تمسك سلك الكهربا عريان وأظبط لك فيوزات مخك يا راجل يا استغلالي."
مساءً
بـ دار العوامري
كان الجميع ينتظر عودة سراج بعدما اتصلوا عليه وعلموا أنه بخير. لكن مازال القلق يساور عمران، كذلك ثريا وإن كانت تظهر عكس ذلك بهدوئها.
بمجرد أن دخل سراج إلى المندرة نهضت ولاء برياء وقامت باحتضان سراج تمثل الحنان. لكن لابد أن تبخ سمها وقالت بقصد وهي تنظر نحو ثريا:
"زي ما يكون دخل عليا وافد جديد نحس للدار."
لم تبالي ثريا ونهضت رحيمة واقتربت من سراج وجذبته من ولاء. احتضنته قائلة:
"ربنا نجاك يا ولدي، مفيش حاجة اسمها نحس.. ده قدر، وربنا قدر ولطف عشان مش رايد يوجع قلب محبينك."
تبسم سراج وهو يحتضنها بقبول عكس ما فعل مع ولاء التي اشتعل قلبها حقداً، وهي ترى سراج عيناه ترافق ثريا التي كانت آخر من تحدثت باختصار:
"حمد الله على سلامتك."
أومأ لها مبتسماً، ربما كان يريد منها هي عناق وقبلة.
بعد وقت
نهضت رحيمة قائلة:
"كفاية كده قوم يا سراج اطلع شقتك مع مراتك كفاية كده إنت لازم ترتاح."
وافق سراج ونهض بينما ثريا كانت جالسة تتحدث هي وإيمان وحنان. لم تنتبه إلا حين وجهت رحيمة نظرها لها قائلة:
"قومي يا ثريا اطلعي مع جوزك، أكيد زمانه تعبان والست هي راحة جوزها."
أصابت خالته حين قالت ذلك حقًا. حضن من ثريا الآن هو راحته.
امتثلت ثريا وذهبت مع سراج، بينما جلست رحيمة بين إيمان وحنان وتبسمت لهن قائلة:
"قولولي يا زينة الحلوين كنتوا بتتحدثوا في إيه."
نظرت لها ولاء بغضب وانتفضت من قبولهن لها ونهضت قائلة:
"الحمد لله اطمنت على سراج أنه بخير هروح داري الحمد لله إن ليا دار مش عالة على حد."
سمعتها رحيمة ولم تبالي بحديثها وهي تندمج في الحديث بألفة معهن. تعلم أنها قصدت ذلك الحديث الماسخ، لكن لن تعطيها فرصة بالرد على تفاهتها. غادرت ولاء تلعن وتسب الجميع.
بشقة سراج
انشغلت ثريا بالحديث عبر الهاتف مع والدتها التي كانت تطمئن على سراج. كان سراج بذاك الوقت دخل إلى غرفة النوم بعد أن حدثها بنفسه ثم أعطى الهاتف لـ ثريا تستكمل حديثها مع والدتها. زفرت نفسها وهي تتجه إلى غرفة النوم. وجدت سراج كان قد خلع قميصه وأصبح نصف عاري. رأته يُجعد ملامحه دليلًا على شعوره بالألم. وهو يجذب زي منزلي كي يرتديه.
وبتلقائية منها اقتربت منه وأمسكت ذاك القميص قائلة:
"خليني أساعدك يا سراج مش هتعرف تلبس الفانلة دي بسبب وجع إيدك، هجيبلك ترنج بسوستة سهل اللبس عن الفانلة دي."
استسلم لها وانتظر عودتها بذاك الزي المفتوح من الأمام. وضعته فوق كتفيه وساعدته على ارتدائه. كان يشعر بألم طفيف، لكن كان لديه رغبة في ضم ثريا بين يديه. بالفعل فعل ذلك وحاوطها بيديه. رفعت ثريا نظرها ونظرت له. كانت نظرة صافية، أشعلت قلبه وقلبها. لم تشعر سوا بأنفاسه تقترب من وجهها وشفاه تلامس وجنتيها وهي تنتظر منه قبلة. وهو كان يود ذلك. ضم شفتيها بين شفتيه في قبلة كانت بطعم الدواء تسكن من آلامهما.
في سفح الجبل
دخل ذاك المجرم يلهث. توقف يشهر سلاحه حين رأى نيران مشتعلة بذاك المكان. لكن سرعان ما أخفض سلاحه وابتسم بحبور وهو يرحب بذاك الجالس قائلاً:
"الجبل نور بـ 'سيد كل الناس'. من زمان يا باشا مجتش للجبل."
نظر له الآخر وهو يقول بغرور:
"فعلًا من زمان مجتش الجبل من يوم الحادثة... بس أنا شوفت الأخبار، إنت طبعًا اللي نفذت عملية اغتيال سراج العوامري... مين اللي عطاك الأمر بكده."
توتر المجرم وتعلثم بالرد قائلاً:
"يا باشا.... أنا..."
قاطعه بأمر:
"مين اللي عطاك الأمر اللي فشلت في تنفيذه وسراج لسه حي وطلع بطل كمان... إنت بتنفذ أوامر مين من ورايا."
أجابه وهو يزدرد ريقه الجاف:
"إنت عارف يا باشا أنا ولائي كله لسيادتك، اللي طلب مني اغتيال سراج هو قابيل العوامري."
"قابيل العوامري"
الآن فهم لماذا أقدم على قتله سابقاً بل تيقن من ذلك.
السبب "ثريا".
كما كان يشك سابقاً قابيل يكن مشاعر لها.
ثريا تلك الخائنة.. التي حتى بموتها لن ينتهي إثمها. تلك الوضيعة التي كانت معه مثل قطعة الحجر ولانت مع سراج وتزوجت به. تستكمل حياتها، تظن أنها تخلصت من براثنه. واهمة.
عاود المجرم الحديث بلجلجة:
"بس إيه يا باشا اللي خلاك تيجي الليلة الجبل."
نظر له بنظرة استهزاء قائلاً:
"كان لازم أتأكد من شكي إن قابيل هو اللي ورا اللي حصل مع سراج، بس إنت إزاي توافق تعمل اللي طلبه منك بدون ما ترجع ليا وتقولي الأول."
توتر المجرم قائلاً:
"أنا قولت الأمر ممكن يكون مصلحة لسيادتك وقتل سراج يكون انتقام لك هو اتجوز مراتك."
نفخ بقوة في تلك النار حتى تجمر لهيبها واشتعل وظهر وجه الآخر مثل وجه شيطان ينصهر من تلك النيران.
هلع المجرم من ملامح وجهه وتعلثم بقلب مرتجف يقول:
"غيث باشا إنت أنا راجلك المخلص والوحيد اللي يعرف إنك لسه عايش أنا والدكتور اللي كان بيعالجك."
نظر له بنظرة شيطانية دموية قائلاً:
"الدكتور الله يرحمه، مبقاش في غيرك بس اللي يعرف إني الشيطان غيث لسه عايش..."
هلع قلب المجرم وشعر بالغدر. وكاد يصوب سلاحه نحو غيث لكن غيث كان الأسرع.
رصاصة واحدة اخترقت رأس المجرم بلحظة تردى أرضاً. وقف غيث بعدها يقترب من جثة ذاك المجرم ينظر إلى تلك الدماء يدهسها أسفل قدميه بنظرة شريرة وهو يتمنى رؤية اثنين تسيل دماءهما هكذا يدهسها بقدميه.
الأول... قابيل... ذاك الخائن الذي غدر به من أجل امرأة.
الثاني... سراج... السارق الذي استحل امرأة كان وما زال يتمناها ولم ينالها لسوء حظه. لكن كان ذلك بالماضي.
خرج من سفح الجبل وقف على القمة. ظلام دامس بجميع الأنحاء. لكن لمعت عيناه وهو يرى ضياءً يشق السماء يفرق النجوم الصغيرة. كان شهاباً يمر بلحظة خاطفة. اتسعت بسمته وهو يستمتع بأصوات زمجرة الثعالب وعواء الذئاب كأنهما مثل شياطين تتحدث لبعضها تتبارى بالأشرس منهما. مثل عينيه وقلبه المتوعد لعودة الشيطان إلى محرابه القديم.
أصوات مخيفة تبدل. الهدوء إلى صخب ليتلاشي "سكون الليل".
رواية سراج الثريا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامه
بعد مرور عِدة أيام.
أنه الظلام الذي يكسره ضوء القمر الشبه بدر مُكتمل وسكون الليل الذي قطعه قوة صفعة قويه وخلفها إستهجان وتعنيف بقسوة:
"سبق وجولتلك إن ممنوع تنفذ إغتيال سراج دلوق ليه خالفت أوامري، أوعاك تفكر إنك صاحب كلمة إهنه، إهنه أنا اللى أقول إيه اللى يحصل وميتي."
تفاجئ قابيل من تلك الصفعة وزاد الغضب بقلبه. لوهله فكر أن يُخرج سلاحة ويقتُل الذي قام بصفعه، لكن فكر هو مازال لا يعلم بقية الأوغاد الذي يتعامل معهم. وضع يده مكان الصفعة وتفوه بتبرير:
"أنا عملت إكده لما إتوكدت إن سراج لساه بيخدم فى الجيش، كمان انا كان هدفي نشغل الشرطة و..."
قاطعه الآخر بإستهجان أقوي:
"وده غباء منك، وفى الآخر خسرنا رجاله وكويس إن اللى إتقبض عليه ولساه عايش مقرش على اللى عطاه الآمر. ودلوك تطلع الجبل للراجل اللى كنت أمرته ينفذ وتسأله إذا كان حد من اللى نفذوا العمليه له معاه تعامل مباشر يفضل متخفي وياريت يختفي عن الدنيا نهائيًا، وده آخر إنذار لك مره تانيه هتتصرف من دماغي مالكش عندي غير رصاصة واحده زي اللى أنت ضربتها فى غيث..."
"وبعدين أنا متوكد إن فى سبب تاني فى دماغك من قتل سراج، مش حكاية إنه لساه بيخدم فى الجيش..."
إرتبك قابيل وبرر بتعلثم:
"هيكون إيه السبب، أنا كل اللى يهمني المصلحه، وجود سراج إهنه خطر كبير."
زفر الآخر نفسه بنفاذ صبر قائلًا بأمر:
"جولت شيل سراج من دماغك عمايلك ده هتخلي البوليس يفتح عينه أكتر، وإن كانت البضاعة وصلت المره دي بسلام للمخزن الحديد لسه لما هنرجع نبعتها للمُشتري، مش عاوزين أي شبطه مع الشرطه ولا الجيش دلوك، ولآخر بحذرك قتل سراج مش فى مصلحتنا ولا يضرنا حتى وجوده فى الخِدمة هو ميعرفش إحنا مين، لكن إنت بغبائك مفكرتش إن كان واحد من اللى نفذوا العمليه كان ممكن يقر عالراجل بتاعك وعلى مكانه وجتها كان ممكن يقر عليك. .. كمان هو بجي مكشوف ومش هنستني لحد ما يتقبض عليه ويقر."
فهم قابيل التلميح بضرورة التخلُص من ذاك المجرم. وبالفعل بعقله قرر ذلك، ليس فقط خوفًا أن يقع بيد الشرطه ويوشي به، كذالك لفشله فى قتل سراج. لو كان سراج قُتل ما كان شعر بالغضب من التوبيخ.
بعد وقت قليل.
بـ سفح الجبل بذاك الكهف.
دخل قابيل، لكن كان الكهف مُظلمًا الا من سرسوب ضوء القمر رغم ذلك مُظلم مجرد خط أبيض بالكهف. إستغرب ذلك، هو منذ أيام لم يتقابل مع ذاك المجرم كذالك لم يُهاتفه فقط كي لا يلفت الإنتباة. لكن سُرعان ما شعر بالغثيان حين إخترق أنفه رائحة كريهة للغاية. أخرج محرمه ورقيه وضعها على أنفه وهو يقول سب نابي بتوبيخ، ثم أشعل ضوء هاتفه. أضاء الكهف، سُرعان ما وقف مذهولًا حين رأي تلك الجُثه التي بدأت تتحلل. رغم شعوره بالغثيان إقترب من وجه ذاك المجرم الذي بدأ يتحلل. رأي أثار الدم الجاف تحت رأسه كذالك علامه بوسط رأسه دليل على وجود رصاصه. شعر بالهلع وهو يخرج من الكهف يشعر أيضًا بإختناق بسبب تلك الرائحه. وقف بمكان مفتوح يسعُل وهو يستنشق الهواء كي يطرد تلك الرائحه عن أنفه. ظل لوقت حتى شعر بهدوء تنفسه. سمع صوت الذئاب تعوي. لم يكُن سابقًا صوت الذئاب يُخيفه لكن الليله سبب له هلعًا فى قلبه وعقله بدأ فى السؤال من الذي علم مكان ذاك المجرم وقتله، والجواب كان واضحًا.... لابد أنه الكبير.
والسؤال ينفي ذاك الجواب.
إن كان الكبير هو الذى قتله لما لمح له قبل قليل بقتله. والجواب معدوم، وهنالك إحتمالات آخري ربما أحد رجال الجبل الفارين قتله، هذا الأرجح، لكن من ذاك المجرم الذي قتله. ربما ذهب معه الجواب الى القبر، ولا يهم التفكير كثيرًا يكفي أنه قُتل. وعليه الآن الحذر، لكن فكرة قتل سراج لم تختفي من رأسه ولن يهنئ قبل أن يقتله.
❈-❈-❈
صباحًا بـ دار عمران العوامري.
بالمندره.
وقفت ولاء بغضب بعدما سمعت إخبار إسماعيل لـ عُمران، أنه ينوي الزواج بل وتقريبًا إتفق على كل شئ وتبقي فقط إتمام عقد القران بعد يومين.
"ومين بجي العروسه اللى أختارتها إياك تكون أختارت نسب يشرف مش زي خواتك التنين."
شعر بالضيق والغضب منها قائلًا:
"إختارت اللى تناسبني يا عمتي، وأعتقد كل واحد حر فى إختياره شريكة حياته."
شعرت بالغيظ وسألت بضجر:
"مين بقي العروسه ومين يا ترى اللى راح طلبها لك."
أجابها:
"اللى طلبها لى خالتي رحيمه والعروسه زميلتي بتشتغل صيدلانيه فى المشتشفى اللى بشتغل فيها."
إزداد شعور الغضب وقالت بضيق:
"رحيمه... طبعًا واكله دماغكم ومسيطره عليكم كآنها ساحره لكم... والعروسه موظفه يعني وأهلها بجي..."
قاطعها إسماعيل:
"أهلها ناس طيبين، والدها كان مُدرس وطلع عالـمَعاش كمان والدتها إدارية فى مدرسة، وبعدين أنا مش بفكر فى الحسب والنسب أنا أختارت البنت اللى قلبي دق لها ومتأكد إن سعادتي معاها ومش هيفرق هي بتشتغل أو لاء ولا بنت مين، يهمني هي شخصيتها متوافقه معايا..."
أفحمها إسماعيل مما جعلها تكبت غيظها. ثم نظر لـ عُمران قائلًا:
"كتب الكتاب بعد يومين يا أبوي وهيكون عالضيق فى شقة والد قسمت" عروستي" يعني هيبقى مختصر علينا مش لازم يبقى فيه زحمه وهيصه الزفاف والفرح هيبقى قريب للهيصه."
أومأ له عُمران ببسمه وافقًا يقول له بأبوه:
"ألف مبروك يا ولدي."
كذالك فهيمه تبسمت بموده قائله:
"ألف مبروك وربنا يتمم بخير."
نظرت لها ولاء نظرة تحذيريه لكن تغاضت عن تلك النظره ولم تهتم بها. مما سبب إنزعاج لـ ولاء. بعد أن غادر إسماعيل نظرت الى عُمران بتجهم قائله:
"إزاي توافج على حديت إسماعيل... ده كانه بيدعينا ولا كآننا أهله وكان لازمن يخبرنا من الاول، وإحنا اللى كنا نروح نطلبها له ونشوف الناس اللى هيناسبهم دول شكلهم إيه، إنت عارف رحيمه طول عمرها بتفكر نفسها لها كيان وسط ولاد أختها، وهي بتضحك عليهم أنها تاخدهم على هواهم عشان تفضل ليها مكانه عِنديهم، زميفرقش معاها إن كان نسب يليق بمقام سيط عيلة العوامري ولا لاه، المهم انها تكون لها مكانه."
نظرت لها فهيمه قائله:
"إسماعيل بيجول هو اللى أختار عروسته وهو اللى هيعاشرها و...."
قاطعتها ولاء بغضب وتقليل شآن منها:
"إنتِ كان حد حشرك وقالك تتحدتي فى أمر ميخصكيش، إنتِ...."
تدمعت عين فهيمه. لكن قاطعها عمران لأول مره يقف بصف فهيمه زوجته:
"فهيمه عِنديها حق هو حر فى إختياره. وهو اللى هيعاشرها ويعيش معاها."
تبدلت دمعة فهيمه الى بسمه مُنشرحه. بينما غضبت ولاء بحقد قائله:
"إنت ضعيف جدام ولادك، زي ما كُنت ضعيف زمان جدام...."
قاطعها عُمران بعصبيه:
"كفايه يا ولاء، أنا مش ضعيف..."
قاطعته بتحريض:
"لاه ضعيف يا عمران كآنك خايف منيهم، سايبهم كل واحد يختار على مزاجه وبعد ما يتمم يچي يخبرنا كآننا معازيم و..."
قاطعها عُمران مره أخرى:
"إنتِ كمان زمان مش إتحديتي أمي ووافجتي على واد عمك اللى كلنا حذرناكِ منيه وجولنا لك إن ماشيه بطال مع قطاعين الطُرق مطاريد الجبل، وفى النهايه خدتى منيه إيه غير لقب أرمله قبل عُرسكم بأسبوع. كفايه كل واحد حر وعيتحمل نتيجة إختاره، انا مهمل لك الدار عشان ترتاحي."
غادر عُمران بغضب وترك ولاء تكاد انفاسها تحرق الدار بأكملها. نظرت الى فهيمه التى تنظر لها لاول مره تشعر بشماته بها. إغتاظت ولاء وإهتاجت غضبًا وهي تخرج من المندرة تلعن وتسب الجميع بالغباء.
❈-❈-❈
ليلًا.
فى الليل تتجمع الهموم كذالك الذكريات.
بغرفة إيمان.
أغلقت ذاك الكتاب التى كانت تدرُس به وشعرت ببعض التشنُج بعُنقها. تمطئت ببعض الحركات الرياضيه شعرت براحه قائله:
"بسبب إني بقالى مام يوم موقفه تمارين الكارتيه جسمي إتشنج، لازم أركز الفترة دي شويه فى الدراسه خلاص هلاقي نفسي فجأة داخله الامتحانات... لازم ألم المنهج عشان أتخرج بتقدير محترم يليق بيا زي السنين اللى فاتت."
فجأة جاء الى رأسها ما رأته ظهرًا بمحطة القطار.
[بالعودة الى ظهيرة اليوم]
تحدثت إيمان مع إحد زميلاتها بالجامعه وأخبرتها:
"هو الدكتور بتاع المادة قال إن الكتاب اللى نقدر ناخد منه معلومات للبحث اللى طلبه موجود فين؟."
أخبرتها زميلتها:
"المكتبه اللى قال عليها تقريبًا مكانه قريب من محطة القطر."
أومأت إيمان قائله:
"تمام خلينا نروح المكتبه بسرعه قبل ما تتزحم من زمايلنا."
أومأت زميلتها ببسمه.
بعد وقت قليل.
كُن تقفان أمام تلك المكتبه القريبه من محطة القطار، كما توقعت آيمان لقد شبه إزدحمت المكتبة ببعض زملائهم، لكن إستطاعن العثور على نُسخ من ذاك الكتاب وإشتريهن. تنهدت إيمان بصبر قائله:
"الحمد لله لحقنا لنا نسخ من الكتاب، تعالى أعزمك على قهوه فى الكافيه اللى هناك ده."
رفضت زميلتها قائله:
"لاء الوقت قربنا عالعصر وأنا مقولتش فى البيت إنى هتأخر، خليها لوقت تاني، يادوب أشوف تاكسي عشان أرجع للبيت، وإنتِ كمان إتصلي عالسواق بتاعكم يجي ياخدك."
تبسمت لها بموافقة.
غادرت صديقتها وظلت هى مُنتظره السائق بعد أن أخبرته بمكانها القريب من محطة القطار. لكن لفت نظرها أثناء إنتظارها للسائق ذاك المشهد.
حين رأت جسار يسير وهو يسحب خلفه حقيبة ملابس كبيره، لكن ليس هذا ما لفت نظره، لفت نظره تلك الأخري التى كانت تسير جواره، شابه رائعة الجمال ومحجبة، تمسك بيدها طفلًا يتعدي الخمس سنوات تقريبًا. نظرت نحوهم حتى إقتربوا منها لم يراها جسار بسبب إنشغاله بذاك الصغير الذي ترك يد السيدة وتوجه نحوه يقول "بابا".
لا تعلم لما خفق قلبها قويًا بتلك اللحظه، شعرت برودة تجتاح جسدها. بنفس الوقت آتى السائق لم تنتبه له وهي تنظر نحو جسار وتلك التى معه وذاك الطفل الذي يمرح حول جسار وهو يبتسم له. من الجيد أنه لم يُلاحظ وجودها بالمكان. فاقت من شرودها على صوت زامور السيارة، ذهبت نحوها، وعقلها مشغول دون عِلم السبب.
[عوده]
على صوت تنبيه هاتفها إنتبهت رغم مازال عقله لديه فضول معرفة المزيد عن جسار، هل تلك هي زوجته.
خفق قلبها بشعور غريب لما تشعر بإنقباضه فى قلبها، لماذا هذا الشعور.
الفضول. لمجرد المعرفه.
لا تأثير الفضول يكون بلا تلك الإنقباصة حتى لو كانت طفيفه.
صراع حميد لا تدري سببه.
جسار ليس أكثر من مجرد مدرب بالمركز الرياضي فقط. زميل لا أكثر.
لا تشغلي عقلك بشئ أكثر من ذلك.
لكن الفضول.
لا داعي منه.
لكن الرغبه لمجرد المعرفة فقط.
هكذا أقنعت نفسها أن ذاك الشعور ليس سوا فضول، رغم خفقات قلبها التى تتمرد وهي تعتقد أنها تتحكم بها ولكن التفكير الذي شغل عقلها وصراع محموم بين قلبها الشارد وعقلها البارد لا يهدأ. بل إبتدى الصراع نحو مسار غير متحكم.
❈-❈-❈
ليل الهموم لقلب بدأ يستسلم لأضغاث قلبه.
بشقة إيناس.
نظرت جوارها للفراش كان خاويًا، قابيل رغم ان الليل إنتصف منذ وقت لكنه لم يعود كعادته ليس ذلك بالجديد.
تذكرت قبل ساعات حين كانت تقف بالشُرفة.
كان آدم يدلف ومعه تلك المعتوه زوجته كان يُمسك بيدها ينظر لها وهو يبتسم، ربما كان ذلك صدفة أثناء دخلوهم حين تعرقلت حنان تلهف عليها، وأمسك يدها وهما يسيران بإنسجام، عكسها مع قابيل الذي تركها بالمشفى مجرد زيارة او إثنتين وتحجج بكثرة العمل وإنشغاله، كذالك منذ أن أجهضت رغم مرور وقت لم يقترب منها قابيل حتى ويُقبل إحد وجنتيها كنوع من الدعم، لكن هو يتجاهلها، أصبحت تكره كل شئ حولها وتحقد بقلبها، سابقًا من كانت هي من تُحسد الآن أصبحت ناقصه، يدخل الى عقلها هوس أن هنالك أخري تغزو عقل وقلب زوجها، بالتأكيد ربما يبحث عن من تعوض النقص الذي أصبح لديها، بنفس الوقت نفضت ذلك بعقل موهوم:
"لاء قابيل مستحيل يفكر فى غيري قبل إكده قالي مش عاوز عيال، وبعدين ما عندنا بنت."
-قد يرغب بولد يحمل إسمه ويرثه فيما بعد.
عقلها يقول ذلك وينفي بنفس الوقت:
"لاه مستحيل هو بيحبني من صغرنا ومش هيفكر فى إكده."
هو بس زعلان وعشان كده بيحاول يبعد عني عشان محسش بكده.
بين تعقل وهوس تهزي من حقد وحقد نفسها.
***
لمعت عين ثريا ببسمة وهي ترى سراج يقترب منها هو الآخر تلمع عيناه بوميض خاص وشغف. ضمها بين يديه وطبع قبلة على إحدى وجنتيها، ثم نثر قبلات على وجهها بالكامل. يداه عملتا على إزالة ذاك المئزر من فوق جسدها، أصبحت بين يديه شبه عارية وهو كذلك. تستمتع بقبلاته، تشاركه نفس الشغف بل تتلهف معه، تحثه على التوغل بلمساته الجريئة وهي تئن بلذة من لمساته وهو يتوغل شغفاً بها. يهمس ببعض الهمسات الناعمة وهو يستلذ من تجاوبها معه، يزداد الشغف بينهم، يشتعلان بالغرام.
فتح عينيه برفض سريعاً، ينظر حوله. هو في غرفة شبه مظلمة، يتنفس بلهث، جسده يتصبب عرقاً.
يشعر بحقد وعيون تقدح غلاً تتجمر، وذاك العرق يسيل من فوق أهدابه. أغمض عينيه لوهلة يعتصرهما، لكن عاد طيف من ذاك الحلم.
ثريا مستمتعة بين يدي سراج.
ما كانت ترفضه معه تفعله مع سراج وهي راغبة.
فتح عينيه سريعاً، يرفض ذلك بالتأكيد. نظر نحو شرفة الغرفة. كان هناك ضوء من خلف زجاجها الذي انزاحت عنه الستائر بسبب بعض الهواء المتسرب من ناحية باب الغرفة. نهض يسير بروية كالطفل الذي يسير لأول مرة. يشعر بألم حاد بإحدى ساقيه. توجه نحو باب الغرفة وخرج. اكتشف تركه لإحدى الشرفات مفتوحة، هي السبب بذاك الهواء الخريفي بالشقة. ذهب نحو تلك الشرفة، قام بغلقها ووقف خلف زجاجها يشاهد تلك السحب المعتمة التي تقترب من القمر شبه المكتمل بلحظة قد تطمسه. لكن القمر كأنه يتناور مع السحب، يبتعد عن ظلمتها. جذب الستائر، عتم المكان الذي يحفظ أركانه. هو يعيش بهذه الشقة منذ أكثر من سنة ونصف، هنا كان المخبأ أو الملجأ الذي ينزوي فيها مثل الممسوس بعدوى خطيرة.
هو فعلاً كذلك كان، لكن منذ أن علم بزواج ثريا وسراج انهار ذاتياً. وأقسم سيعود لهدف واحد هو التدمير.
وأولهم ثريا الذي يراقبها عن كثب ويتتبع خطواتها. رأى ذاك الآخر الذي يفعل مثله، بالتأكيد هذا الشخص تابع لسراج. ضحك باستهزاء، يتشاور عقله بين خيارين لسبب وضع سراج لشخص يتابع خطواتها.
هل السبب قلق وخوف عليها؟
أم
السبب أنه ما زال مهنته كضابط بالجيش تؤثر عليه وعليه فرض الحرص على من حوله؟
زفر نفسه وهو يمدد ساقيه أمامه، يشعر ببوادر ألم. سحب ذاك الدورق وجذب علبة البرشام، وضع برشامة بفمه ثم خلفها ارتشاف بعض قطرات المياه. واضطجع بظهره على المقعد، يرفع رأسه يزفر نفسه. عتمة حوله وهو يتذكر يوم أصابته.
بالعودة إلى ليلة إطلاق الرصاص عليه.
أثناء عودته من إحدى سهراته الماجنة، كان يسير بالسيارة على الطريق. رغم أنه شبه سكران، لكن كان يستطيع التركيز بالقيادة. لكن فجأة من العدم ولأن الطريق قريب من الجبل، سمع صوت إطلاق رصاص على سيارته. لم يتوقف، لكن أرغمت السيارة على التوقف غصباً بعدما انزلقت نحو إحدى الدوشم الخرسانية على الطريق واصطدمت بها. بسبب قوة الصدمة أثرت على رأسه الذي انخبط قوياً ونزف، شعر ببوادر غياب عن الوعي. بالفعل شبه يغيب عن الوعي، فقط يسمع بعض الأصوات كأنها بعيدة رغم أنها قريبة. وهو يهذي بخفوت أن يساعدوه. سمع همسات أحدهم.
"ده لسه فيه الروح بيتحرك." سمع همسة.
والآخر يقول بغضب:
"إنت بتفكر تنقذه ولا إيه؟ إحنا في مهمة ولازم نخلص منها ونخلص عليه. إنجز قبل ما عربية نقل كبيرة تمر عالطريق. هات السلاح."
بالفعل شعر كأن سيخ ناري يخترق ظهره بسبب إحدى الرصاصات. ربما القدر. رأى الاثنين ضوء عالي لسيارة نقل كبيرة، فهرعا بعد أن شبه تأكدا أن الرصاصة حقًا أصابت ظهره لكن بمكان قاتل. لن يتحمل لوقت طويل قبل أن يفارق الحياة. وهذا جيداً. يتعذب قبل أن تفيض روحه من جسده. ربما هذا شافياً لغليل القاتل. تركوه وتوجهوا إلى سيارتهم، غادروا. تركوه ينزف ويشعر بألم خروج الروح. لكن الشيطان ما زال له بقية. صدفة أو حظ شياطين. كان هناك دورية شرطة على الطريق ورأت السيارة وذهبوا نحوها. كان ما زال ببوادر نهاية خروج الروح. نقلوه إلى المشفى.
لكن صدفة أخرى كانت من حظ الشيطان. وهو يهذي سمع قول الطبيب لمن معه بغرفة الطوارئ: "ده مصاب برصاصة في ظهره غير الخبطة اللي في راسه. تقريباً ده في سكرة الموت." خرجت الممرضة لدقائق. كان غيث يهذي، سمع الطبيب هذيانه. اقترب من رأسه، يضع أذنه يسمع ماذا يقول. همس له غيث بترغيب:
"أنا عندي فلوس كتير لو عشت هتكون من نصيبك. ومش عايز حد يعرف إني عايش."
ظن الطبيب أنه يهذي، لكن طمع النفوس تمكن منه وأخذ يجادله. كان غيث يرد بهمس خافت.
بنفس اللحظة دخل مصاب آخر إلى غرفة الطوارئ. كان متوفي فعلاً بسبب شجار شوارع. كان مطعون ومضروب بالرصاص كذلك. وجهه كان مشوهاً بطعنات بارزة تخفي وجهه. كذلك مجهول الهوية، لا شيء معه يثبت هويته. فكر الطبيب. وملأ الطمع قلبه بنفس اللحظة. بدل الاثنين وضع متعلقات غيث بتلك الجثة. بينما أمر أحد المسعفين بأخذ غيث إلى غرفة العمليات، هو ما زال به الروح. بالفعل قام الطبيب بإخراج الرصاصة من ظهره. كذلك ضمد جرح رأسه. ظل غيث لأيام غائب عن الوعي، كذلك أصيب بفقدان ذاكرة مؤقت. حين استفاق مما جعل الطبيب يشعر بالندم، لكن خاف أن يفتضح أمره. فالجثة الأخرى قد سلمت لأهل غيث ودفن بالتأكيد. لكن اطمأن حين تذكر غيث لشيء واحد.
اسم امرأة. وحين سأله الطبيب أجابه:
"ثريا تبقى مراتي."
اطمأن الطبيب وعلم أن هذا ربما فقدان ذاكرة جزئي بسبب الحادث. لكن كان هناك مشكلة أخرى وهو مكان الرصاصة التي كانت بظهره. كانت بمكان حيوي بجسده قد تؤثر على سيره على قدميه. وليس هذا فقط، هناك تأثير آخر لم يقوله له الطبيب. ربما يكون مخطئاً. مرت الأيام وبدأ غيث يتعافى وهو يعود له هواجس من الماضي تجعله يتذكر. خرج من المشفى لتلك الشقة التي دبرها له الطبيب. ما زال على أمل أن تعود ذاكرة غيث ويعطيه المال.
وغيث فعلاً كانت الذاكرة تعود له. في يوم سمع صوت رنين جرس الشقة. ظن أنه الطبيب. كان في تلك الفترة يستخدم مقعداً متحركاً. ذهب وفتح الباب. تفاجأ بشخص يضع تلثيمة حول وجهه. سرعان ما كشف وجهه. في البداية كان غير متذكر، لكن تفوه له قائلاً:
"أنا عطوان يا غيث باشا يا سيد الناس. أنا اللي السبب إنك لسه عايش لدلوق. أنا اللي بلغت البوليس عشان ينقذك ومراقب سيادتك. بس..."
سريعاً جذب غيث عطوان إلى داخل الشقة وأغلقها بغضب سائلاً:
"إنت مين؟"
"وقصدك إيه؟ أنا مش فاكر حاجة. إنت بتقول إيه."
استغرب عطوان قائلاً:
"أنا عطوان يا باشا راجلك المخلص. وأنا اللي اتفقت مع الدكتور إنه ينقذ حياتك وأن حياتك غالية جوي. بس يا باشا في حاجة دلوق الكل مفكر إنك ميت. هترجع إزاي و..."
فكر عقل غيث بعقل إجرامي، وسأل عطوان:
"إنت شفت مين اللي حاول يقتلني؟"
تلجلج عطوان نافياً:
"لاه يا سيد الناس."
نظر غيث له بنظرة خبيثة. لديه يقين أنه يعرف من الذي حاول قتله، لكن هو لن يعترف بذلك. كما أن فكرة بقائه ميتاً ازدهرت برأسه. كما أنها ستجعله يفعل ما يشاء دون حساب أو عقاب وهو بالسجلات أصبح ميتاً. لكن هناك من أراد أن يعرف كل شيء عنها. كذلك الوحيدة الذي يود أن يعود للحياة من أجلها. لكن ماذا؟
زفر غيث بضجر قائلاً:
"اسمعني يا عطوان. أنا عاوزة تشوف راجل ويكون ملوش سوابق. عاوز أعرف كل حاجة عن مراتي."
ابتسم عطوان:
"عينيا..."
"معنى كده يا سيد الناس إنك فاكرني."
زفر غيث قائلاً:
"فاكرك ولا ناسيك. مفيش قدامي غيرك دلوق ينقل لي أخبار الجبل والجماعة. كمان زي ما أنت شايف رجلي هتاخد وقت على ما أرجع أمشي عليها. هتبقى عيني ورجلي مفهوم. بس لو وصل خبر إني لسه عايش عارف هقابلك في الجحيم بعد عمر طويل طبعاً."
ضرب عطوان على رقبته قائلاً:
"رقبتي يا سيد الناس. أنا خدامك."
بالفعل أصبح عطوان هو همزة الوصل بين غيث والعالم الإجرامي، كذلك يوصل له أخبار ثريا، وأنها عادت تذهب للعمل مع ذاك المحامي التي كانت تعمل معه قبل زواجه بها. بعث تهديد لذاك المحامي وقام بالتلكيك لها وأنهى عملها معه. لكن ثريا قررت أن تبدأ بمكتبها الخاص، غرفة صغيرة بمنزل والدتها. طال وقت حصولها على زبائن، لكن بمجرد أن استطاعت أخذ قطعة الأرض من عائلة العوامري أصبح لها شأن وبدأ الناس يثقون فيها كمحامية تستطيع مساعدتهم في الحصول على حقوقهم عبر الدفاع بالمحاكم. قضايا صغيرة لكن كانت تعطي لها مكانة تزداد، خصوصاً وأنها ليست مرتفعة المزايا المالية.
سؤال كان يحيره، لماذا ثريا لا تنفق من ذاك المبلغ الكبير الذي وضعه سابقاً باسمها. علم بمحاولات العائلة لاسترداد الأرض. كان مراقباً لها حتى النفس. بعد مدة استطاع أن يسير على قدمه بمساعدة عصا طبية. أخبار ثريا والعائلة والجماعة الإجرامية تصل إليه بوقت قليل.
سمع عن عودة سراج. لم يكن بينهما وفاق سابقاً. لديه فكرة أن سراج ضعيف، رغم زهو العائلة به كضابط. لكن هل لعائلة أن تفتخر بضابط وبين شبابها اثنين يعملان بكل إجرام. قابيل أخذ مكانته. دخل لعقله شك، قابيل هو الذي أطلق عليه الرصاصة طمعاً بمكانته الذي حصل عليها سريعاً.
أيام... شهور... سنة سنتين...
تحمل فيهم رحلة علاج شيطان عائد من الموت.
إلى فيضان بركان هو من سيفجره. لكن كانت الصدمة.
زواج ثريا وسراج.
كيف لم يفكر في حدوث ذلك وسراج منذ أن عاد إلى البلدة وهو يحوم خلف ثريا.
هل أحبها؟ أم مثلما يظهر أنها بلا أهمية. هو علم أنه هو من أرسل نساء لخطفها. لكن لم يعرف ماذا حدث بداخل ذاك الإسطبل. أوصله أن يحملها ويذهب بها إلى المشفى.
ظهر بمظهر حامي الشرف. وبعدها كيف وافقت ثريا على الزواج به؟ أفكار سوداء برأسه. فكر في أن يظهر ويعود لإفساد حياة ثريا، تلك الخائنة التي لم تنتظر ووافقت على الزواج من ألد أعدائه. سراج ومقارنات منذ الصغر. كان سراج ذو الأهمية. حتى أنه كان المنتظر أن يصبح كبير العائلة. عمله بالجيش كان إلهاء له. عاد الآن لاسترداد المكانة. ومعه
الزواج من ثريا... زوجته قانوناً.
وسؤال آخر متى تخلصت ثريا من رهابها منه لتتزوج بآخر وتبدأ حياة أخرى.
ثريا... ثريا... ثريا...
كرر اسمها بوعيد.
وهنا عاد من استعادة ما حدث معه بعد ذاك الحادث الذي جعله ميتاً.
لكن عاد الميت للقصاص.
وأول من كان لابد أن يقتص منهم هم الخونة.
وأولهم ثريا.
تذكر ليلة ذاك العرس التي كانت به ثريا. أخبره ذاك الذي يتتبع ثريا. كانت فرصة أخرى. يقضي بها على خائنة. كان هناك ورأى الجميع يهرولون إلى داخل المنزل احتماءً.
منهم ثريا. دخل خلفها وبلحظة أخرج سلاحه وكاد يطلق عليها الرصاص. لكن تراجع دون سبب. لكن حين رأى سراج يذهب نحوها ثار عقله وفارت الدماء بجسده. نظرة عين ثريا.
المستغيثة بسراج كانت مثل إشارة لقتلها. رفعت نظرها وتلاقت عينيها مع عينيه. تحولت نظرة عينيها إلى هلع. لكن تبدد ذاك الهلع حين اقترب منها سراج. نطقت اسمه.
لكن اتخذ القرار. رصاصة خلف أخرى. وكاد يطلق على سراج هو الآخر. لكن صمت الرصاص. كذلك سماعه لدوي سرينة الشرطة. خاف أن يتم القبض عليه وينكشف أنه ما زال حياً. استطاع الهرب وهو يزم عقله لعدم تركيزه أو ربما لأن ثريا أصبحت مثله وعادت للحياة. إذن ما زال هناك وقت للقصاص من خائنة وطامع.
***
بشفة سراج.
أثناء دخول ثريا إلى الشقة استمعت إلى حديث سراج عبر الهاتف. من نطق سراج لاسم "تالين". علمت أنه بالتأكيد يتحدث معها. لم تهتم بذلك ودخلت إلى غرفة النوم.
دخل سراج إلى غرفة النوم. كانت ثريا قد بدلت ثيابها بأخرى. نظر لها قائلًا بنبرة ضيق:
"مش ملاحظة إنك راجعة للدّار متأخر."
أجابته ببرود:
"كان فيه زبون والوقت طول. أنا مُرهقة، هنام. تصبح على خير."
نظر لها، وقبل أن تُزيح دثار الفراش كي تتمدد عليه، قبض على معصم يدها قائلًا:
"ثريا بلاش عناد، سبق وقولت لك بلاش تتأخري في الرجوع. الوقت خلاص مبقاش صيف والناس هنا بتنام بعد العشا و..."
قاطعته ببرود:
"قولت لك زبونة طولت في الرغي، أعمل لها إيه؟ وبعدين متقلقش، السكة أمان... أنا مُرهقة، هنام. تصبح على خير."
سحبت ثريا يدها من قبضة سراج وأزاحت الدثار وتمددت على الفراش. سحبت الدثار مرة أخرى فوق جسدها.
أطفأ سراج ضوء الغرفة، لكن لم تكن الغرفة مظلمة بسبب ضوء لمبة في الردهة متسرب من باب الغرفة المفتوح. تمدد على الناحية الأخرى، ينظر نحو ثريا التي تُغمض عينيها.
تنفس بهدوء وأغمض عينيه. سرعان ما غفى، وكذا ثريا. لكن أثناء نومها، رأت تلك العينين اللتين كانتا تنظران لها ليلة إصابتها. فتحت عينيها بفزع. حاولت التنفس بهدوء، وهي تنظر جوارها لسراج النائم. لوهلة، عقلها الباطن صوّر لها أن غيث هو النائم بجوارها. لوهلة، أرادت أن تصرخ، لكن الرعب الساكن داخلها جعلها تضع يدها فوق فمها تكتم الصرخة. أغمضت عينيها وهي تشعر بدقات قلبها تكاد تفجر صدرها. فتحت عينيها، وبتردد، عادت تنظر جوارها. تلاشت صورة غيث وعاد سراج. بدأت دقات قلبها تهدأ رويدًا رويدًا. شعرت ببداية اختناق. نهضت من جوار سراج، ذهبت نحو شرفة الغرفة، فتحتها بهدوء وخرجت تقف بالشرفة تتنفس من نسائم الخريف الشبه باردة حتى عاد تنفسها شبه طبيعيًا لوقت. سرحت في الظلام البعيد، رغم أن هناك أضواء، لكن قمم المنازل تشبه التلال المظلمة. وقفت تتنفس بلا تفكير، كأن عقلها فصل، فقط تتأمل في الظلام وتتنفس.
بينما قبل لحظات، تقلب سراج في الفراش بالخطأ، ضغط على جرح يده، فشعر بالألم. فتح عينيه، نظر نظرة خاطفة لجوارة، لم يجد ثريا. استغرب ذلك، لكن شعر بنسمة هواء دخلت إلى الغرفة. نظر نحو الشرفة، كانت مواربة. استغرب أكثر، ونهض من فوق الفراش، ذهب إلى الشرفة.
كانت ثريا ما زالت واقفة تتأمل.
قطع ذاك التأمل حين شهقت بخضة بعد سماعها لسراج ينطق اسمها:
"ثريا..."
قطع بقية حديثه ببسمة، ثم عاود مرة أخرى:
"كنتِ سرحانة في إيه كده؟ وإيه اللي مصحيكِ دلوقتي؟ وليه واقفة في البلكونة؟ الجو فيه نسمة ساقعة."
نظرت له بصمت للحظات. تبسم سراج ينتظر جوابها، لكن عاودت النظر أمامها. وكالعادة، لا تهتم بالإجابة عليه، وسألت بمفاجأة:
"إشمعنى دلوقتي؟ إيه اللي اتغير يا سراج؟"
لم يفهم مغزى سؤالها، فسألها بنظرة عين مستفسرة:
"قصدك إيه؟ مش فاهم؟"
استدارت بجسدها تستند بظهرها على سياج الشرفة، قائلة بتوضيح:
"رغم إن عندي شبه يقين إنك فاهم مغزى سؤالي، بس هوضح لك يا سراج..."
أومأ مبتسمًا.
بينما استطردت ثريا حديثها:
"ليه دلوقتي اتنقلنا للشقة دي؟"
ابتسم. حقًا لم يكن يفهم سؤالها. يغزو عقله بماذا يجيبها. أيقول أنه رأى إحدى الخادمات تتلصص وتتسمع على غرفتهم، فأراد أن يقطع الطريق على من يعطي أمر لتلك الخادمة بالتجسس والتنصت على شؤونهم الخاصة؟ كذلك أراد أن يكون لهما الخصوصية في مكان مغلق عليهما، وهي من تتحكم بشأن المكان. لكن أعطاها جوابًا آخر وهو يقترب منها:
"سبق وقولت عشان جوازنا تم بسرعة والشقة مكنتش جاهزة، كانت محتاجة لسه شوية تشطيبات."
تهكمت ثريا قائلة:
"والتشطيبات انتهت في عشر أيام."
أومأ لها رأسه بتأكيد.
نظرت له بعدم تصديق، فالجواب الذي قاله لا يناسب الحقيقة. ضحك سراج، يعلم أن جوابه لم يقنعها، لكن هو نفسه غير مقتنع بأي جواب لسؤالها. في البداية، كان زواجهما بغرفته القديمة كان لديه هدف، وهو عدم تحكمها بمكان خاص بها داخل الدار. كذلك عدم تمكنها من مكانه أكثر بقلب العائلة. مجرد غرفة تتشارك فيها معه كزوجين. ماذا كان سيحتاج أكثر من غرفة؟ لكن مع الوقت، شعر أنه أخطأ بذلك. كذلك مواجهتها له سابقًا جعلته يدرك أنها فهمت غرضه الحقيقي الذي تبدل مع الوقت. لام عقله: ماذا كنت تهدف وتعتقد أن ثريا كانت مجرد شيء عابر في حياتك؟ أردت وأد تمرّدها عليك، لكن فاز تمرّدها وأنت أصبح ذاك التمرّد يغزو قلبك من ناحيتها. كنت تعتقد أن قلبك فولاذ لا شيء يؤثر به، لكن من أجل نظرة عين ثريا التي تنظر له بها الآن...
هل لان الفولاذ... وأصبح قابلًا للالتواء والتشكيل مع تلك المشاعر الذي لم يكن عقله يصدق أن يمر بها يومًا. لم يكن يحكم قلبه سابقًا. علمته العسكرية التحكم بالعقل فقط.
شهقت ثريا مرة أخرى حين جذبها سراج من يدها لعدم انتباهها. طاوعته واصطدمت بصدره. ضمها، تلاقت عيناهما. جذبها للدخول إلى الغرفة. وقفا خلف ذاك الزجاج، لكن ثريا شعرت بضعف قديم ظنت أنها نسيته حين تمرّدت عليه، لكن يعود وهي ترى نظرة عين سراج الذي ترك النظر لعيونها وانصب نظره على شفتيها وكاد يقبلها. لكن هي لفتت رأسها ونظرت إلى السماء عبر الزجاج. رأت تلك الثريات كأنها تسير في السماء، أو ربما السحاب هي التي تسير من حولها فتظهر أنها تتحرك معها.
تكون بداخلها أمنية، أن تكون إحدى الثريات وتسير في ملكوت مثل تلك الثريات التائهة في السماء.
«تائهة وسط غيوم سابحة»
رواية سراج الثريا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سعاد محمد سلامه
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بالصباح الباكر
فتح سراج عينيه كما تعود يصحوا باكرًا
نظر الى تلك النائمه جواره على الفراش بمسافة صغيره تُعطيه ظهرها العاري، تتهد مُتحير العقل، ثريا
مازالت لُغز له رغم إقترابهم الفترة الأخيرة، وجود أكثر من علاقة بينهم، لكن أحيانًا رغم إنسجامها معه بتلك اللحظات يشعر ببعض التبلُد يتملك منها، وللغرابه لا يشعر أنه نفور منها، بل كآنها تخشي أن تنجرف بفضيان يُجرفها ويُظهر قشرتها الهشة...
تنهد حائر العقل فى نفسه هو الآخر، مشاعر يخوضها لأول مره فى حياته، لأول مره يختبر الصبر مع ثريا، ثريا "المُتمردة" "والعاصيه"
لم يكن بحياته شئ آخر غير الخدمة بالجيش ظن أن قلبه قطعة فولاذ لم يشتهي إمرأة سابقًا ، وظنها مجرد رغبات يستطيع كبتها بسهوله، لكن مُخطئ فأنفاس ثريا وهو يُقبلها مثل نسائم الحياة، إتخذ عقله قبب قلبه القرار وإقترب بجسده من ثريا، ضمها لصدرهُ يُقبل كتفها العاري متوغلًا بقُبلاته نحو عُنقها مُشتهيًا عبقها...
بينما ثريا تغط بنوم عميق، ترا نفسها كآنها بمكان مُظلم تسمع عواء الذئاب وزمجرة الثعالب، تشعر بفحيح أنفاس ثُعبان تقترب من وجهها بحرارة سامه، أغمضت عينيها لوهله وهي تبتعد عن تلك الانفاس الحاره، ثم فتحت عينيها، الثُعبان يقترب من وجهها عيناه الصغيره أصبحت تحتل وجهه بالكامل عينان تعرفهم جيدًا تُشعان برذاذ سام وهو يلتف حول عُنقها كآنه يخنقها ومازالت عيناه ترتكز بعينيها يستمتع وهو يراها تختنق،تحولت عيني الثعبان الى عينين تكرههما وهي تلفظ نفسها بإنقطاع تهمس بإستحالة ما ترا
"غيث"....
تشنج جسدها وهي تحارب بفتح عينيها...
شعر سراج بتشنج جسد ثريا، إستغرب ذلك، كذالك لم يكُن نُطقها لإسم
" غيث"
مجرد همس فلقد سمعه سراج بوضوح وشعر بالعضب، ظنًا أنها تحلم به هو من يتودد لها هكذا... سُرعان ما تردد لعقله قول سعديه له
"غيث ملمسش ثريا"
إذن لماذا تهمس بإسمه وهي نائمه
حِيرة عقل تجتاحه يود الإفصاح عن ما يجتاح قلبه لكن بسبب بلادتها وهمسها بإسم آخر يؤجل ذلك، لكن قُبلة على عُنق ثريا جعلتها تنتفض جالسه على الفراش تسنشق الهواء يظن عقلها الباطن أنه ذاك الغدار "غيث"
فتحت عينها وإبتعدت بجسدها لمسافة تشهق.
إندهش سراج رد فعلها ذلك، بالأخص حين إستدارت بوجهها تنظر له بملامحها الذي لا يعلم لها تفسير، إن كانت متجهمه أو مُندهشه، بينما بالحقيقة كانت مرتعبة من ذاك الكابوس،ثواني عقلها يستوعب أن من جوارها هو سراج،لكن سؤال آخر برآسها الى متى ستظل ترا ذاك الكابوس بحياتها ألم ينتهي بعد مقتله
والجواب عقلها هو يجعلها حبيسة أضغاث يحتلها ذاك الغدار.
وعقلها يزمها... متى ستتحررين من إستعمار ذاك الفيضان الغادر الذي جرف قلبك
وقلبها يشتهي التحرُر وقبول أنها بعد ذاك الفيضان مازال قلبها خِصبًا
"خِصبًا"
ضحكة إستهزاء مؤلمة بروحها
ما بكِ مازال خِصبًا يا ثريا
لقد تصحر كل شئ بداخلك، أصبحتي جافة مثل الصحراء المُتحركة، رمال سهلة الإنطياع والتبعثُر من أقل نسمة هواء،رمال تسير لا تتحكم بأي أي أرض ترسوا...
هكذا هي،تشعر لا مكان ولا مرسي لها والأفضل أن تظل هكذا حتى لا تنخدع مرة أخري،وعليها فقط أن تتكيف مع المكان لا أكثر من ذلك.
بينما رسم بسمة صافيه بشوشه عكس حيرة عقله قائلًا:
صباح الخير.
أومأت برأسها تجذب تلك القطعه من منامتها وإرتدتها تحكمها على جسدها وهي تنحي دثار الفراش عنها وتنهض من فوقه قائله بتهرُب:
صباح النور، عندي قضية مهمة فى المحكمة فى أول رول، يادوب إجهز عشان الحق وقتي.
-قضية إيه؟
هكذا سأل سراج وهو يشعر بضجر.
نظرت له ثريا قائله بتفسير بسيط:
قضيه مهمه، يادوب أستحمي عشان الوقت.
لم تنتظر وذهبت الى الحمام، بينما سراج هو الآخر نهض من فوق الفراش يشعر بآسف من تبلُد ثريا، كآنها تبدلت لأخري عكس التى كانت معه ببداية ليلة أمس... كآنها تُلجم مشاعرها وقتما تشاء... لو فكر سيشعر بالغضب، وقف يقوم ببعض التمارين الرياضة حتي عادت ثريا كانت ترتدي مئزر حمام قُطني ثقيل وطويل،بنفس الوقت توقف سراج عن ممارسة تلك التمرينات وتوجه ناحيتها عيناه لها بريق خاص يلمع وهي هكذا بخصلات شعرها النديه،كذالك ذاك المئزر رغم أنه مُحكم لكن يحد جسدها،هو ليس مهوس ولا شهواني،يُحركه شعور آخر إقترب منها تفاجئت حين
وضع يديه يطوق خصرها قائلًا عن قصد ومغزى:
ليه لما بقرب منك بحس إنك زى اللى متجوزتش قبل كده.
رغم تفاجئها بما فعل، إرتبكت ولم تفهم مغزى حديثه وتسائلت بإستفهام:
قصدك أيه، لاء إنت إتأكدت أن جوازي السابق كان كامل الأركان.
رغم أنه يعلم أنها لم تكُن زوجه ل غيث بالمعني الكامل... لكن ضغط بقوه على خصرها للحظه شعر بالغِيره انها إقترنت بذاك الوغد قبلهُ،بداخله يود مسح ذلك من رأسهُ ونظر الى عينيها سائلًا بإستخبار:
وكُنتِ بتحبيه،اللى عرفته إنه كان بيحبك ؟.
مازال عدم الفهم يُسيطر عليها، لكن شعرت بغصه قويه... فـ عن أي مفهوم للحب يتحدث،إن ذاك هو مفهوم الحب لديه هو الآخر فلا تريدهُ وقالت بلا إهتمام، أو بتلقائيه:
آه كان بيحبني حُب الدبه اللى قتلت صاحبها.
لم يفهم مغزى ردها وإقترب بأنفه يزفر نفسه على وجنتها، شعرت بنفسه أغمضت عينيها لا تعلم سببً لتلك الدموع التى تتجمع بعينيها ودت أن يبتعد عنها ويدعها تختفتي من أمامه ترثي حالها بعيدًا عن عينيه حتى لا يرى إنهزامها الدائم، لكن هو كان العكس يعلم ما الذى أصبح يجذبه إليها من شدة الكُره الذى كان يشعر به إتجاهها هنالك شعور ينجرف نحوه لا يعلمه... سابقًا أخبره عقله الجواب أنها ليست سوا شهوة رجُل بإمرأة يود السيطره على عِصييانها ويحوله الى خضوع تام،
لكن ذلك ليس صحيحً...
بينما هى حاولت الفكاك من حصر يديه واقترابه منها بتلك الحميمية التى تُضعف مشاعرها التى مازالت مثل العذراء، حقًا ليست عذراء الجسد، لكن عذراء القلب.. حين حاولت الابتعاد عنه تمسك بخصرها وضغط عليه بقوه ورفع وجهه ينظر لها ،وهى مازالت تُغمض عينيها تصغط على شِفاها بقوه حتى تستطيع السيطره على تلك الدموع وتلك الذكريات المريره التى أفقدتها روحها
حقًا مازالت على قيد الحياة لكن بلا روح،روحها إنتُهكت حين رفضت الخضوع لـ زوج قاتل،إنتُهكت بأبشع طريقه،تذكرت نزيفها الذى ظل لليله كامله وهو مُرحب بذلك لولا زيارة خالتها لكان تركها حتى تصفى آخر قطرات دمائها دون أن يشعر بعذاب ضمير،لو كان القرار لها لاختارت الموت ورحلت لكن القدر شاء لمن توعدها بالموت البطئ هو من قُتل سريعًا مثلما قَتل،لكن تركها موصومه بلقب أرمله أو بمعني أصح"عَزبه".
برغبة منه تشوق لتلك الشِفاة التى تضمهم، بإراده منه إلتقم شِفاها بقُبله تزداد شغف
إنتِ بتبكي!.
عادت للخلف تنظر خطوه تُجفف دموعها قائله بصوت مُختنق:
لاء، وهبكي ليه، كل الحكايه عندي حساسيه فى عيني بتسيل دموع.
تهكم وهو يضع يديه أسفل عينيها يتلمس تلك الدموع قائلًا بعدم تصديق:
متأكده أنها حساسية فى العين.
إبتعدت عنه بغضب صامته تشعر بشتات وسقم بقلبها،لكن جذبها من ساعد يدها وألتصق بظهرها يدفس رأسه بين كتفها وعُنقها هامسًا لنفسه بإستخبار:
فيكِ أيه بيجذبني ليكِ زى المغناطيس... ليه حاسس إنى بقيت مُشتاق لقُربك.
بينما هي تشعر بإرتباك وتبرجل عقلها كذالك ذاك الأسلوب الذي
لكن ماذا يا ثريا... سابقًا وقعتي بخدعة رِقة ومعسول كلام غيث وكان فيضان ساحق مازال تأثيرهُ يسكُن خيالك بأسوء الكوابيس... زفرت نفسها وأغمضت عينيها ثم فتحتهما بقرار وحاولت فك حصار يدي غيث قائله:.
هتأخر على ميعاد الجلسه.
كاد سراج أن يضمها أكثر لولا رنين هاتفه، هربت منه قائله:
موبايلك بيرن.... تنفس سراج برويه وذهب يجذب هاتفه نظر له ثم نظر ل ثريا التى تجذب لها بعض الثياب، فكر بعدم الرد... لكن ثريا إنتبهت لعودة رنين الهاتف، نظرت نحو سراج:
موبايلك بيرن ليه مش بترد.
أجابها بهدوء:
الشبكه هنا مش قويه هروح أرد من بلكونة الأوضه التانيه.
أومأت برأسها، لكن فضول منها أو شعور الأنثي عدم رد سراج خلفه سبب، خرجت من الغرفة وقفت قريبه من تلك الشُرفه، كان نُطق
سراج لـ "تالين" كافيًا، بأن تعود لطبيعتها الجافة يكفي تهاونًا... مكانتك لدى سراج معروفه... عادت الى الغرفه وأكملت تصفيف شعرها سريعًا وإرتدت ثيابها، بذاك الوقت عاد سراج ونظر لها قائلًا:
جلسة آيه اللى عندك مهمه أوي كده ومستعجله تروحي للمحكمه.
ردت بتلقائيه:
قضية إثبات جواز.
إستغرب سراج ذلك سائلًا:
يعني إيه.
كان جوابها بسيط:
زواج قاصر.
فهم سراج، ولم يهتم وهو يقترب منها وكاد يضع يديه حول خصرها، لكن عادت للخلف قائله:
لازم أمشى يادوب على ما أوصل للمحكمة.
لم يهتم وبالفعل عاود وضع يديه يحاول ضمها لكن ضاقت ثريا من ذلك ونفضت يديه عنها قائله بزهق:
هتأخر... كفايه تمثيل يا سراج.
لم يفهم سراج لكن لاحظ عصبيتها فسألها:
تمثيل إيه؟
أجابته بلا تردد:
تمثيل الحِنيه والرومانسيه... إحنا الإتنين عارفين بعض كويس، يبقى مالوش لازمه الدور الجديد، خليك زي ما كنت واضح من البداية، بلاش الأسلوب الجديد ده، عشان مش لايق علي قصتنا، إحنا الإتنين من البدايه مكشوفين قدام بعض.
"مُحتالة"
هل وصفها بهذا الوصف سابقًا
كان مغفلًا... هى أنسب وصف لها
"حمقاء"
تظن أن ما يفعله تمثيلًا.... إذن لن يُبرر مشاعره، لتظن ما تشاء، تحكم بعقله شخصيته القديمة وتفوه بشدة:
تمام يا ثريا... نوقف تمثيل ونرجع لشخصياتنا الحقيقيه.
أومأت ثريا برأسها بموافقة تنهد سراج بجمود قائلًا:
طبعًا عارفه إن كتب كتاب إسماعيل النهارده بعد المغرب فى شقة والد عروسته، وإحتفال بسيط وطبعًا بصفتك زوجتي المصون هتحضري كتب الكتاب، بس طبعًا بحذرك يا ثريا ترقصي.
ضحكت مُتهكمه تقول:
لاء متخافش، مش هرقص، مش عشان تحذيرك لاء عشان لسه وجع الرصاصتين فى جسمي... أشوفك المسا.
لم تنتظر ثريا وغادرت تركت سراج يزفر أنفاسه بضجر من تلك الحمقاء المُتبلدة.
❈-❈-❈
ظهرًا
بالمركز الرياضي
دلفت إيمان قبل قليل.. تبسم لها الأشبال وهم يقتربون منها يرحبون بعودتها بعد أيام من غيابها... بنفس الوقت كان جسار بغرفة مدير المركز لمناقشة بعض الشئون الإداريه خاصه بأشبال المركز ومدى تطورهم الرياضي, كذالك مشاركتهم فى بعض البطولات الإقليمية، مدح المدير به قائلًا:
رغم إنك هنا من فترة قصيرة بس مستوي أبطال المركز إرتفع ودخلنا فى بطولات إقليمية وفوزنا بمراكز متقدمة، وفى منهم وصل لتصفيات منتخب مصر، كل ده بفضلك وخبرتك.
مديح المدير له لو كان لشخص آخر لشعر بزهو لكن هو يعلم أنه ليس السبب الوحيد فى تقدُم مستوي الأشبال،هنالك من سبقته وربما لها التقدير الأكبر فهي من ساهمت بإنشاء ذاك الأشبال تفوه عن قصد:
الكابتن إيمان هي صاحبة الفضل الاكبر،أنا يادوب طورت حاجات بسيطه،لو مش تأسيس كابتن إيمان للأشبال،كان زماني يادوب لسه ببدأ معاهم بالتمهيد،لكن دول شبه محترفين.
واقفه المدير قائلًا:
طبعًا كابتن إيمان لها فضل كبير مش بس هى،كمان والدها الحاج عُمران العوامري،من أكبر المساهمين هنا فى المركز الرياضي،حتى مكنش عندنا هنا مكان لتدريب الكارتيه هو اللى جهزه مخصوص عشانها،بنت وحيدة على تلات شباب أكيد لها مكانه خاصه عنده،لو مكنش كده كان قِبل إزاي إنها تمارس رياضة عنيفه واضح إنها مُتأثره بأخواتها الشباب،لو واحده غيرها كانت تبقى مدلعه،لكن كابتن إيمان مُتمردة.
"مُتمردة"
حقًا هي كذالك وربما ذلك ما يجذب لها العيون،لا بل القلب...
لمعت عيناه ببسمة هو حقًا لا يُفضل الشخصيه المُدللة،تذكر إشتياقه لرؤية إيمان منذ عِدة أيام لا تأتي للتدريب،فكر أن يُهاتفها لكن بأي صفه...تنهد مُشتاقًا... كن سُرعان ما فاق ونهض قائلًا:
تمام كده،دلوقتي عندي تمرين لازم أطلع للـ الأشبال عشان كمان وقتهم فى منهم قرب مواعيد إمتحانتهم،ولازم يكون عندهم وقت للتركيز فى دراستهم،لازم جنب التفوق الرياضي يكون تفوق دراسي،الإتنين يكملوا بعض.
أومأ له المدير موافقًا... غادر جسار صاعدًا الى قاعة التدريب، لكن سمع أصوات عاليه، كآنهم يقومون بالتمرين، بالفعل إبتسم حين وقع بصره على من تهتف لهم بالتشجيع، شعر بخفقات قويه، كآن ما كان يُفكر فيه حقيقة، إقترب من مكانهم، لم تُبدي أي ردة فعل وإستمرت بالهتاف والتدريب، لكن كان بعقلها أو قلبها شعور آخر غير معلوم لها، لكن تذكرت قبل يومين وذاك الطفل الذي ناد عليه"بابا"
مازال بداخلها فضول لمعرفة بعض المعلومات عن جسار، لا تعلم لما يتملكها ذاك الفضول هي بطبيعتها عكس ذلك، أكملت تدريب الأشبال الى أن شعرت بإرهاقهم، فتوقفت قائله:
عشر دقايق راحه وهنرجع نكمل من تاني.
ذهبت الى آريكه بمكان جانبي بالقاعه، جلست تستريح، إقترب جسار منها وجلس جوارها لحظات صمت فقط إختلاس النظر لبعضهم، الى أن صدح رنين هاتف جسار... تبسم وهو ينظر الى الشاشه، لوهله إختلست إيمان نظره الى الهاتف دون قصد، قرأت الإسم بوضوح
"أمينه"
بينما جسار نهض وإبتعد قام بالرد، لم يمُر سوا لحظات ودخل الى القاعه ذاك الطفل ومعه الأخري، عاد نفس المنظر
الطفل يهرول ناحية جسار بمرح، وجسار يضمه بقبول وحنان، وفضول يشتعل بعقل إيمان، لكن لم تهتم، او هكذا أظهرت... بينما أمينه تبسمت لـ جسار قائله:
قال لازم يشوفك وأنت بتدرب الأشبال، مفكر أن أطفال الصعيد مختلفين عن أطفال القاهرة.
إبتسم لها جسار بترحيب وهو يضم الصغير، بينما لاحظت أمينة نظرة إيمان نحوهم فتبسمت لها بإيماءة رأس، أومأت لها إيمان ونهضت نحو الأشبال لكن قبل أن يبدأ التدريب مره أخري، صدح رنين هاتفها، توجهت نحوه ونظرت الى الشاشه، سُرعان ما زفرت نفسها قائله بهمس مسموع:
دي ماما، إزاي نسيت أكيد هتفكرني بميعاد كتب الكتاب... قامت بالرد عليها الى أن قالت لها:
تمام يا ماما ساعه ونص بالكثير هكون فى الدار،إنتِ عارفه إنى مش باخد وقت على ما أجهز، متقلقيش.
كانت أمينه قريبه من إيمان، وسمعت همسها كذالك جزء من حديث إيمان مع والدتها، دون قصد...
بينما عادت إيمان الى تدريب الأشبال بمشاركة جسار وأمينه وصغيرها يجلسان يشاهدان ذلك، بعد وقت توقفت إيمان تلهث، ثم قالت:.
أنا كفايه كده النهارده، أنا مُرتبطة بميعاد مهم، ولازم أمشي، الكابتن جسار هيكمل معاكم.
بالفعل دقيقه وغادرت إيمان، بينما جسار أكمل بقية التمرين الى أن إنتهي، تبسم للأشبال، ثم ذهب يلتقف ذلك الذى جري نحوه مُهللًا، وقف جوار أمينه التى تبسمت له قائله بإعجاب ثم سؤال:
بصراحه مكنتش مصدقاك لما كنت بتقولى إن الصعيد إتغير، فعلًا وبنت بتقوم بتدريب الكارتيه... كمان جميلة، وسمعتها وهي بتتكلم عالموبايل، باين كتب كتابها النهاردة.
نظر جسار لـ أمينه يشعر بخفقات زائدة قائلًا بتفاجؤ:
سمعتي إيه!؟.
لاحظت أمينة نبرة جسار المُنزعجه فأجابته:.
معرفش سمعتها بتقول إنها هتكون فى الدار قبل ميعاد كتب الكتاب.
إزدادت خفقات قلب جسار وشعر بتوتر لاحظت أمينة ذلك لكن بسبب حديث صغيرها الذي قال:
أنا جعان يا بابا، إنت قولت لى إننا هنتغدى فى مطعم كبير.
أخفي مشاعره وتبسم بمودة لذاك الصغير.
❈-❈-❈
مساءًا
بـ دار العوامري
بشقة سراج...
شعرت ثريا بآلم بسيط ببطنها، وضعت يدها على بطنها ظنت أن هذا الآلم ربما من بقايا تأثير الرصاص بجسدها، تجاهلت ذلك بالتأكيد وقت وسيزول، جذبت ذاك الفستان ذو اللون اللنفسجي الغامق المُطعم ببعض القطع الكريستاليه الملونه الامعه، وقامت بإرتداؤه ثظ وضعت وشاح رأسها،لم تضع أي مُستحضرات تجميلية سوا كُحل بعينيها، بنفس الوقت دخل سراج الى الغرفه نظر بإعجاب لـ ثريا لكن أخفي ذلك وإقترب منها وعاود تحذيرها:
ثريا ممكن بلاش تتصادمي مع عمتي ولاء حاولى تتحملي على نفسك ، وكمان ممنوع ترقصي.
زفرت نفسها بضجر قائله:.
أولًا أنا مش بتصادم مع عمتك هي اللى دايمًا بتبدأ يعني أنا ببقى رد فعل، وقولتلك مش هرقص، فى أوامر تانيه، ولا الأفضل إني محضرش كتب الكتاب.
نظر لها سراج سائلًا بإستفسار:
وليه متحضريش كتب الكتاب.
زفرت نفسها وأجابته:
يمكن مش قد المقام و....
قاطعها سراج قبل أن تُكمل بقية حديثها الذي يجعله يتعصب، وضمها من عضدي يديها لصدره، إنخضت من ذلك وشهقت ترتعش شِفاها، تبسم سراج وقبل أن تتفوه قبلها برغبة فى ذلك ليس فقط ليُسكتها، بسبب المفاجأة والخضه إستكانت ثريا، لكن شعرت بعودة ذاك الآلم أسفل بطنها، آنت منه وضعت إحد يديها فوق يد سراج، واليد الأخري وضعتها أسفل بطنها مكان الآلم.
لاحظ سراج ذلك وشك حاول إخفاء لهفته سائلًا:
مالك...إنت تعبانه.
ضعطت على أسنانها تتحمل الآلم كذالك شعور آخر بالغثيان،إبتلعت ريقها ونفضت يديه عنها وسارت نحو باب الغرفه قائله:
لاء كويسه،خلينا ننزل عشان منتأخرش وعمتك تبوء وتنفخ،وهي نفسها كتب الكتاب ميتمش أساسًا.
إبتسم سراج وهو يتعقب ثريا.
بالأسفل بردهة الدار
كانت الفرحه مُرتسمه على وجه عُمران وفهيمه كذالك إيمان وهم يقفون ، الى أن إقتربت منهم إيناس تشعر بالمقت، إزداد حين رأت ثريا وسراج قادمون ثم من خلفهما آدم وحنان، شعرت بغضب وغِيره منهن وهي تراهن جوار ازواجهن عكسها الذي تحجج قابيل وذهب لقضاء بعض الأشغال رغم إتصالها عليه قبل قليل وأخبرها أنه قادم،لكن تأخر، كانت تود أن يهتم ويكون جوارها مثلهن.
بينما إيمان إقتربت من إسماعيل الذي نزل الى التو ومعه رحيمه تضع يدها بيده مُبتسمه، مزحت إيمان قائله:
كده إنتم التلاته بقيتوا متجوزين... مبقاش فاضل غيري.
إبتسم سراج قائلًا:
خلصي دراستك الأول.
كذالك وافقه آدم، الذي وضع يده على كتفها بأخوه قائلًا بتدليل لها:
أنا مع سراج إنك تخلصي دراستك الأول، مع إنى من دلوقتي مُشفق على الشخص اللى هيرتبط بيك هيلاقي له أكتر من ضُره،إنت مش أي بنت.
ضحك الجميع،كذالك إيمان التى نظرت له بإمتنان قائله:
طبعًا ما أنا أخت الفرسان التلاته على رأي خالتي رحيمه...
تبسمت لها رحيمه قائله:
إن شاء الله لو كان ليا عُمر هحنيكي بيدي للعريس اللى هيفوز بزينة الصبايا.
تبسمت لها فهيمه وقالت بموده:
ربنا يديكِ طولة العُمر بصحه.
حوارات بسيطه بمودة، بينهم كانت تشق سهامً مسمومه بقلب ولاء كذالك إيناس.
كذالك مزح مع إسماعيل الذي يخشي أن يفتعل والد قسمت بعض الإعتراضات كي يُفسد عقد القران، لكن هنالك رحيمه الوحيدة التى تستطيع السيطرة عليه، هذا ما طمأنه قليلًا.
أثناء خروجهم من المنزل تصادموا مع قابيل الذي وصل للتو، يقدم إعتذار عن تأخيره لسبب إنشغاله بالعمل، إنشرح قلب إيناس وذهبت تتآبط ذراعه كآنها تتباهي به أمام عيونهم، وهو كانت عيناه مُنصبه على ثُريا التى تسير جوار رحيمه وإيمان يتحدثن بود بينهن.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل
بـ شقة والد قسمت بغرفة المعيشه كان الرجال يجلسون مع والد قسمت وبعض من أقاربه
فى إنتظار المأذون
بينما بغرفه أخري
كانت جلسة النساء، وبعض الاغانى تُرددها رحيمه وهم خلفها عدا ولاء وإيناس فقظ يسخران وبداخلهم آستحقار لتلك العروس البسيطه كذالك الشقه التى بنظرهن ليست سوا، مكان صغير لا يليق بهم، غصبً تحملن تلك المظاهر السخيفه، كذالك والدة قسمت التى شعرت بالراحه بينهن عدا ولاء وإيناس اللتان تعاملن معها بتعالي... لكن البقيه كُن ودودات ومرحات...
بالغرفه الأخري
دلف المأذون إستقبله والد قسمت يشعر بضجر من إسماعيل
بينما يشعر بإعجاب بكل من سراج وآدم وتحدث معهم بألفه تعجب لها إسماعيل، لكن كل ما يوده هو إتمام عقد القران وبعدها تصبح زوجته شرعًا ويقتص من أفعاله معه.
بالفعل جلس المأذون بالمنتصف بين إسماعيل ووالد قسمت...
تسأل المأذون:
ما قيمة المهر والمؤخر.
قبل أن يتحدث إسماعيل الذي ظن بتأكيد أن والد قسمت سيُبالغ بهما، لكن كانت المفاجأة:
أنا عارف لو طلبت ملايين مهر وزيهم مؤخر مش هيبقوا عقبه قدام إسماعيل العوامري،
أنا لا عاوز مهر ولا مؤخر
مش دول اللى هيخلوا إسماعيل يراعي ربنا فى بنتي، أنا هأتمنه على بنتي بدون مُقابل غير أنه يصونها وميفكرش فى يوم يكسر بخاطرها أو يزعلها...بس مش معني كده إنى برخص بنتي بالعكس إنت بس لو فكرت تضايقها هتلاقي شخص تاني قدامك وإنت عارف بنتي مش هتعصى لى كلمه.
نظر الجميع نحوه بإعجاب عدا قابيل نظر بسخط، بينما تفاجئ إسماعيل من ذلك وإبستم فى البدايه ثم سرعان ما همس لنفسه بضجر:
مش بتكمل للنهايه يا حمايا، بس وماله بس أتجوزها وأول ما تدخل داري....
توقف إسماعيل ثم فكر قائلًا:
ولا بلاش قسمت بنت أبوها، يلا الطيب أحسن.
تم عقد القران وإعتلت أصوات الفرح والزراغيط المصحوبه بالتهانى سواء لـ إسماعيل أو قسمت
لكن عاود ذاك الآلم يضرب أسفل بطن ثريا وشعور بالغثيان نهضت تسأل عن المرحاض دلتها أخت قسمت، ذهبت نحوه، دخلت وقفت دقائق تقاوم ذاك الآلم وشعور الغثيان الكاذب
زفرت نفسها قائله:
ربنا يستر لحد ما الليله تخلص بطني وجعاني أوي وكمان عاوزه أتقيأ معرفش السبب إيه، ياريتني كنت خدت أي مُسكن قبل ما أجي، بس دخول سراج نساني... ربنا يسهل ويمُر الوقت.
غسلت ثريا وجهها كذالك فكت حجابها ونثرت بعض المياه حول عُنقها ربما تنتعش ويزول الآلم قليلًا، ثم عاودت هندمة حجابها... وخرجت من الحمام، تُخفض وجهها كادت تصتطدم بـ قابيل الذي تعمد ذلك، لكن توقفت ثريا ورفعت وجهها نظرت لـ قابيل نظرة إستحقار ثم لم تنتظر حتى سماع إعتذار قابيل أنه المُخطئ ولم ينتبه، لاحظ ذلك آدم الذي كان يرد على هاتفه بالصدفه، لم يهتم ظن انها مجرد تصادف.
بعد قليل تأففت ولاء كذالك إيناس من طول الوقت ونهضن ربما كانت أول من تريد فعل ذلك ثريا لكن ليس بسبب حقدها، بل بسبب ذاك الآلم التي تتحمله وتخشي أن يزداد أكثر وتُفسد الليله.
بالفعل
غادر الجميع عدا إسماعيل فقط ظل فى جلسه خاصه مع قسمت، لكن لم يهنئ كثيرًا بسبب تحكمات والد قسمت الذي شبه قام بطرده وتجاوبت قسمت مع قرار والدها.
توعد لها إسماعيل قائلًا بهمس وهو يميل عليها:
ماشي يا قسمت بتسمعي كلام أبوكِ ماشي بس تدخلى دار العوامري.
تبسمت بهمس قائله بتبرير:
إسماعيل ده بابا، كمان فعلًا الوقت إتأخر.
-ماشي... ماشي...
قال هذا إسماعيل وتوجه لوالدة قسمت وصافحها بهمس قائلًا:
تسلم إيدك يا طنط بصراحه العيله دي مفيش فيها حد يتعاشر غيرك،إنتِ هتدخلي الجنة.
تبسمت له بود قائله بهمس هي الاخري:
آمين آجمعين.
❈-❈-❈
بتلك الشقه التى يمكث بها غيث
كانت تلك الغانيه تتدلل بإستمتاع وهو يقهرها بلمسات فاحشه بالسوط وهي تتلذذ من ذلك بإستمتاع، بينما هو كان يرا صورة ثريا أمامه يزداد فى ضراوة الضرب بالسوط، الى أن شعر بالإرهاق سريعًا لم يعُد يتحمل وتلك الغانيه تصرخ وتُصرح له بإمتلاكها الآن لكن هو جلس على المقعد يلهث مُرهقًا بغضب... فاقت تلك الغانيه من لذة ذاك السوط ونظرت له وإستهزأت بداخلها، لم تهتم بآلم جسدها ولا انها عاريه إقتربت منه وجلست راكعه أمام قدميه تضع يدها بجرآة على جسده تخاول إثارته، لكن هو أمسك يدها قبل ان تصل الى جسده ضغط بقوة وبعضب ساحق على يدها تألمت وتأوهت،تهكم غيث تتألم من قبضة يده بينما قبل قليل من لسعات السوط كانت مُتلذذة،زفر نفسه بغضب ساحق
يخبره عقله أن هكذا كان مع ثريا تهاون فتمردت...لكن لم يفوت الوقت...بقدمه دفع تلك الغانيه ونهض واقفًا يقول لها:
أنا مسافر الفتره الجايه.
سالته بفضول:
هتسافر فين وليه يا باشا.
أجابها بسخط:
عاوزه تقرير بخط سيري ولا إيه،إنتِ عارفه إنتِ إيه،متفكريش فى مكانه أكتر من حقك.
صمتت وهي تنظر له بينما هو بعقله خيال ثريا يتمناها أسفل قدميه مثل تلك العاهره،لكن قبل ذلك لابد من رحله خاصه يستعيد بها كامل رجولته.
❈-❈-❈
قبل قليل
أثناء عودة آدم وحنان بالطريق، صدح رنين هاتفه
قام بالرد قائلًا:
إتصل عالدكتور البيطري وأنا جاي فى السكه نص ساعه واوصل للمزرعه.
أغلق آدم الهاتف نظرت له حنان سائله:
فى إيه؟.
اجابها آدم:
فرسه بتولد بس واضح ولادتها مُتعثرة شويه، قولت لهم يتصلوا على دكتور المزرعه، هوصلك للدار وأروح لهم.
بشوق تبسمت حنان قائله:
تصدق نفسي أشوف الإستطبل بتاعتكم دي، فرصه خدني معاك.
تبسم لها بموافقه قائلًا:
تمام.
بعد قليل داخل أحد غرف الإستطبل، رغم ان الفرسه كانت تُعاني قبل قليل
لكن حين وضعت وِلدها بدأت تلعق فيه وتداعبه بحنان، كآنها أخري غير التى كان صوت صهيلها مُرعبًا كآنها تصرخ من شدة الآلم
الآن نسيت ذلك وفقط تداعب صغيرها...
كل ذلك إلتقطه عين حنان وهي تضع يدها فوق بطنها.
❈-❈-❈
بـ دار العوامري
لم تنتظر ثريا وصعدت الى الشقه فورًا، لفت ذلك إنتباه سراج ظنه أنها تفعل ذلك تجنُبًا لـ عمته ولاء كما طلب منها وحذرها، لكن كان السبب هو الآلم، دلفت الى غرفة النوم سريعًا فتحت إحد الادراج تبحث عن نوع برشام قائله :
الدكتور كان كاتب نوع مُسكن للآلم، كان هنا.
بالفعل عثرت عليه وضعت برشامه بفمها ثم تناولت بعض الماء... وقفت تستشعر زوال الآلم
تحررت من ثيابها بسبب سخونه تشعر بها، ربما بسبب صعودها بهروله زادت حرارة جسدها...
ظلت بقميص داخلي قصير... وذهبت نحو دولاب الملابس لتُخرج لها منامه.. لم تنتبه الى فتح باب الشقه، حتى أنها تفاجئت بـ سراج فى الغرفة معها، إرتبكت وبشعور الضيق جذبت طرف ذاك القميص الى أسفل كي تُخفي تلك العلامه التى بفخذها، لاحظ سراج ذلك فتبسم وهو يقترب منها بعين لامعه، بينما ثريا متوتره تكره أن يرا أحد تلك العلامه، جذبت مئزر وكادت ترتديه لكن يد سراج منعتها، وعيناه تنظر لوجهها لا لتلك العلامة التى لا يراها مشوهه، سريعًا ضم ثريا قائلًا بصدق:
شكلك مريضه يا ثريا.
حاولت الإبتعاد عنه قائله بغضب:
إنت هتحس بيا أكتر من نفسي، قولت لك بلاش الاسلوب ده معايا.
إبتسم بمراوغه وهو يُحكم يديه حولها يضع رأسه فوق عُنقها يُلثمه بقُبلات ناعمه
كادت ثريا ان تستسلم لتلك المشاعر وإستكانت لكن فجأة عاود شعور الغثيان... دفعت سراج بعيد عنها وهرولت ناحية الحمام، بينما رغم قلق سراج لكن تبسم وهو ينزع ثيابه عنه بنتظر خروج تلك
« المحتالة التى أحتلت قلبه»
رواية سراج الثريا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سعاد محمد سلامه
بإحدى غرف نوم الاستراحة الملحقة بالإسطبل، تمددت حنان على الفراش تضع يدها فوق بطنها. رغم شعورها ببعض التقلصات الطفيفة، إلا أنها كانت سعيدة وهي تتذكر صباح ذلك اليوم بمنزل والدها.
شعرت بغثيان وهبوط وذهبت إلى الحمام أكثر من مرة في وقت قليل. لاحظت والدتها ذلك، وفي البداية انزعجت بلهفة، لكن سرعان ما ابتسمت حين عادت لتجلس بجوارها بالمطبخ. شعرت بوهن، فسألتها بعض الأسئلة. أجابتها حنان، ومن إجاباتها أصبح لديها شبه يقين، وقالت لها:
"هبعت حد الصيدلية يجيب اختبار حمل."
"اختبار حمل"، همست بها حنان وفهمت بسمة والدتها. انشرح قلبها وهي تتمنى صدق ذاك التوقع. بالفعل، بعد قليل، كانت الاثنتان تبتسمان بفرحة غامرة بعدما تأكدن. كذلك أرادت حنان التأكيد من طبيبة متخصصة.
بالفعل، هاتفت والدتها زوجها وأخبرته، ثم ذهبت هي وحنان إلى الطبيبة التي أكدت حملها. فرحة كبيرة غزت قلبها.
بينما بمحلج الكتان الخاص بوالدها، كان يجلس مع حفظي يتناقشان سويًا بشأن أحد الأعمال. إلى أن صدح هاتفه، لم يتجنب وقام بالرد على زوجته وهو جالس مع حفظي دون أن ينتبه لتركيز حفظي معه. شبه استمع إلى حديث عمه وفهم أن زوجة عمه تأخذ منه الإذن للذهاب إلى الطبيبة مع حنان.
انشغل عقله بالسبب، لكنه لم يسأل كي لا يلفت نظر عمه. كذلك لا يود منه أن يخبره أن كل شيء قدر، وأنه لم يفضله عليه. يود إكمال بقية خطته، أنه تقبل القدر كما يقول، وصرف نظره عن حنان وأنها أصبحت ابنة عمه فقط. يكبت ذاك الغضب بقلبه، يمارس أسلوبًا آخر بالضغط على حنان نفسها. لديه يقين أنها لا تخبر زوجها بتلك الرسائل الذي يرسلها لها من رقم آخر احتياطيًا. حتى لو أفصحت بتلك الرسائل، يستطيع نفيها بسهولة. الرقم مسجل باسم شخص آخر. لكن لديه يقين أن حنان تعلم أنه هو من يرسل لها الرسائل والصور. يعلم شخصية حنان المهزوزة والشبه جبانة، بفضل معاملة عمه الصارمة. ربما تلك نقطة رابحة له يستغلها.
بينما بعد قليل بعيادة الطبيبة النسائية، أكدت نتيجة ذاك الاختبار وأخبرتهم أنها حامل تقريبًا منذ ليلة زفافها.
بعد وقت، بمنزل مجدي السعداوي، امتثل حفظي لمطلب عمه لتكملة بقية النقاش الخاص بالعمل في المنزل لشعوره بالإجهاد. كذلك تناول العشاء سويًا. بنفس وقت دخولهم إلى المنزل، كانت سناء تدخل المنزل. سألها مجدي:
"كنتِ فين لدلوق."
أجابته ببسمة وهي تنظر إلى حفظي:
"هبجي أجولك بعدين."
تعصب مجدي ونظر إلى حفظي. فهم أن زوجته لا تود البوح أمامه، فقال بغضب:
"حفظي مش غريب، بجولك كنتِ فين."
شعرت بالحرج وعدم الراحة، لكن أجابت:
"مش كنت كلمتك عالموبايل وجولت لك هروح مع حنان للدكتورة."
تنهد مجدي بنرفزة قائلًا:
"آه، والسبب إيه؟ ولا هو دلع ساعة ما تكح تجري عالدكتورة."
نظرت سناء نحو حفظي والتزمت الصمت، مما ضايق حفظي أكثر. لكن تغاضى مجدي قائلًا:
"خلي الحديت لبعدين دلوق هاتي لينا الوكل وفين أحمد؟"
ردت سناء ببساطة:
"أحمد زمانه رجع من الدرس، ربع ساعه بالكتير والوكل يكون جاهز."
أومأ لها بصمت وأشار لحفظي أن يتبعه إلى غرفة الضيوف.
ما زال لدى حفظي فضول معرفة ما تخفيه سناء عمد، دون انتباه من مجدي، ضغط على زر رنين هاتفه. نظر له وتنحنح قائلًا:
"ده إتصال من أخوي، هطلع لبره أرد عليه الشبكه إهنه بتبقى ضعيفه."
أومأ مجدي له. خرج لوقت قليل ووقف بحديقة المنزل. عاد مرة أخرى، لكن توقف على جانب باب الغرفة. كانت سناء تتحدث مع مجدي، الذي تُبرر له سبب ذهابهم إلى الطبيبة.
تصنم مكانه على جانب باب الغرفة حين سمع قولها:
"الدكتورة قالت لينا إن حنان حِبله من ليلة فرحها."
لمع وجه مجدي بسعادة قائلًا:
"الحمد لله، كنت خايف الحديت اللى كان بيتقال عن آدم إنه ناقص رجوله."
فهمت حديثه وقالت بتذكير:
"فاكر لما جولتلى، جولت لك بس هى تِحبل الحديت ده كلياته هيبجي إشاعات، لو عارف إنه معيوب مكنش هيتجوز ويفضح نفسه."
أومأ رأسه موافقًا على حديثها قائلًا:
"بحمل حنان إكده ثبتت أقدامها عند دار العوامري، ويا سلام لو ولد وكمان يبجي الحفيد الأول، بكده الرابط بينا وبيناتهم هيزيد متانة."
فهمت سناء مغزى طمع قلب مجدي، كأن ما يهمه فقط هو المكسب من ذلك النسب، لا سعادة ابنته. تنهدت قائلة:
"الأهم ربنا يتمم لها وتقوم بخير هي واللي في بطنها، هروح أجول لـ أحمد أن الوكل جاهز، يكون رجع حفظي."
أومأ لها بعيون لامعة. بينما سريعًا توجه حفظي نحو باب المنزل كأنه يدخل الآن، لكن بقلبه بركان مشتعل من الغضب.
عادت حنان تضع يدها على بطنها تمسدها بحنان وسعادة. وبسمة ارتسمت على وجهها وهي تعتدل جالسة على الفراش حين دخل آدم الغرفة. يظهر على وجهه الإرهاق، وهو يتوجه ويجلس على طرف الفراش متنهدًا بإرهاق. توجهت وجلست خلفه تضع يديها على كتفيه بحركات دائرية جعلته يشعر بالاسترخاء وتنهد. قائلًا:
"فكرت، قولت هرجع ألاقيكي نايمه. اليوم كان طويل ومرهق."
تبسمت وهي تدلك له كتفيه قائلة:
"فعلاً اليوم كان مرهق، بس الخبر اللي عرفته ضيع كل الإرهاق."
سألها بفضول:
"وخبر إيه اللي مفرحك أوي كده ومطير النوم من عينك."
تركت تدليك كتفيه ونزلت من على الفراش. وقف أمامها تنظر إلى كل ملامح وجهه، تنتظر رد فعله وهي تجذب إحدى يديه تضعها فوق بطنها تُخبره:
"الخبر هنا."
نظر لموضع يده ونظر لها بدون فهم. تبسمت على ذلك وأكملت:
"الخبر هنا إننا هتبقي تلاته بعد أقل من سبع شهور."
اتسعت عيناه وهو يفهم تلميحها، ثم نهض واقفًا يحتويها قائلًا باستفهام:
"قصدك..."
"أنا حامل."
ضمها بسعادة قائلًا:
"ده أحلى خبر عرفته، مش بس النهارده، لاء بعمري كله."
عانقته بمحبة قائلة:
"وأنا كمان يا آدم، ربنا استجاب لدعواتي إنك تكون من نصيبي وأبقى أم أولادك، وأهو البداية."
ضمه أقوى وهي تقبل وجنته بسعادة.
بعد قليل كانت مستلقية برأسها فوق صدره.
هنالك شعور بالألم يشعر به آدم بساقه، لكن فرحته بخبر حمل حنان قد أنساه ذلك. رفعت حنان رأسها عن صدر آدم ونظرت لوجهه. سرعان ما ابتسم لها. بادلته البسمة قائلة:
"بتمنى ربنا يرزقنا بولد يا آدم ويبقى فيه كل خصالك، الشهامة والشجاعة."
ابتسم لها بمودة، وجذبها على صدره مرة أخرى دون رد. بينما حنان عاودت الحديث:
"آدم، إنت ليه وقفت كتابة؟ من فترة مبتكتبش مقالات ولا قصص."
تنهد بضجر قائلًا:
"مش عارف ليه وقفت كتابة، مع إن دي هوايتي من زمان، بس الفترة دي دماغي مشغولة بالأحداث اللي بتحصل معانا، آخرها كتب كتاب إسماعيل. حاسس كمان بشعور مش فاهمه. خالتي رحيمة دايمًا كانت تزرع جوانا روح التحدي والأخوة وإننا لازم نكون سند لبعض، مع إني آخر واحد ممكن يكون سند."
"أنا 'المُعاق' زي ما بيقولوا عليا."
رفعت رأسها عن صدره نظرت له بعتاب قائلة:
"من فضلك بلاش تقول على نفسك كده، إنت فارس شجاع."
لمعت عيناه ببسمة وهو يجذبها للعودة إلى صدره. متنهدًا يقول:
"شوفتك إنتِ وإيمان وخالتي كنتم منسجمين وكمان معاكم ثريا."
تبسمت حنان قائلة:
"تعرف، ثريا حاسة إنها واخدة جنب لوحدها مش عاوزة تختلط باللي حواليها. بغض النظر عن إنها هي وعمتك ولاء مفيش بينهم مودة. بالعكس، ثريا بحسها بتتعصب بسرعة وده اللي بتضغط بيه عمتك ولاء عليها وتوقعها دايماً في الغلط. معرفش ليه عمتك بحسها بتتحامل على ثريا بدون سبب."
فكر آدم للحظات ثم تذكر قائلًا بتبرير:
"يمكن السبب إن ثريا كانت مرات ابن أختها ومش متقبلة إنها تبقى مرات شخص تاني، كنوع من إرضاء أختها."
وافقت حنان قوله قائلة:
"يمكن جايز."
ابتسم آدم وهو يضم حنان متثائبًا. تبسمت حنان قائلة:
"واضح إنك مرهق أوي."
تنهد آدم قائلًا:
"الفرسة اللي ولدت بقالنا كام يوم مراقبينها، كانت تعبانة بس الحمد لله ولدت بسلام وجابت مُهرة شكلها هتبقى جامحة."
ابتسمت حنان قائلة:
"مهما كان جموحها حبيبي مراوض وهيقدر يراوضها ويخليها تنقاد له."
❈-❈-❈
بشقة ثريا. بدأ مفعول المسكن يهدئ ذاك الألم. بعد أن خرجت من المرحاض، كان سراج يبدل ثيابه بغرفة النوم. كان يقف نصف عارٍ بجذعه العلوي. رمقته نظرة خاطفة وذهبت نحو الفراش وتمددت عليه تُغمض عينيها بهدوء بعد زوال ذلك الألم. سرعان ما شعرت بهبوط الفراش، وبسبب تمدد سراج بجوارها، بقصد أعطت له ظهرها تنام على جانبها. تكاد تستجيب لتلك الغفوة التي تسحبها، لكن...
قبل لحظات، تمدد سراج على الفراش. نظر نحو ثريا التي استدارت وظهرها له. تنهد بصبر ولم يفكر سوى بذاك الشعور الذي يجذبه نحو ثريا وطوق للشعور بها قريبة منه. اقترب منها وسرعان ما ضم جسدها، يدس رأسه في عنقها يتنهد بتوق، يهمس اسمها بنعومة. أضعفتها رغم أنها تشعر برغبة في النوم. رغم عنها أيضًا، استدارت تنظر له قبل أن تحاول نفض تلك المشاعر وتعود لبرودها وتبلدها. أربكتها قبلات سراج التي تقبلتها بعفوية. سرعان ما تبسم سراج وهو يضم جسدها بعدما علم سبب سوء مزاجها المتقلب. ضمها لصدره وغفى. هي كذلك، رغم أنها حاولت التمرد والابتعاد عنه، لكن بسبب همس سراج لها، استسلمت لذاك القيد:
"ثريا نامي بلاش عِند."
قبل أن تتمرد، قبلها قبلة جعلتها تصمت وتهدأ.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين. صباحًا. أمام منزل والدة ثريا. تبسم فتحي لممدوح الذي يقترب منه يلقي عليه الصباح. مد فتحي يده له بإحدى عبوات السجائر قبل أن يطلب منه، لكن رفض ممدوح قائلًا:
"لاء سجاير إيه يا عم فتحي، دلوقتى أنا أستاذ لتلاميذ ولازم أبقى قدوة لهم. أنا الحمد لله شبه أقلعت عن التدخين."
ابتسم له فتحي قائلًا:
"عقبال ما تناساها نهائي."
تبسم ممدوح لرغد التي جاءت وقفت تلهث قائلة:
"صباح الخير يا أبوي، الفطور أها أمي بعتته معاي."
ابتسم وأخذ منها ذاك الطعام. تبسم أيضًا ممدوح ولمعت عيناه سائلًا:
"ومالك بتنهجي أكده ليه؟"
أجابته:
"عندي محاضرة كمان ساعتين، محاضرة مراجعة خلاص قربنا على امتحانات نص السنة، ومادة الأستاذ ده غلس زيه. وبفهمش لا منه ولا من الكتاب بتاعه زي ما يكون قاصد. هو قالها أنا بصفي الدفعة ونفسه يسقط أكتر من نص الدفعة."
تبسم لها قائلًا:
"عارف أنا الأستاذ ده، يمكن يبان غلس بس هو حقاني. هو الوحيد اللي اعترف إني كنت أستحق أبقى معيد في الجامعة."
تنهد ممدوح ونفض عن عقله ذاك الشعور البغيض. ربما كان يستحق مكانة أعلى، لكن ارتضى بما وصل له، لمجرد أن يعود له جزء من شأنه. يكفي أنه يعمل الآن بمدرسة لها صيت كبير. أعطت له مكانة أخرى غير صبي القهوجي.
تحدثا سويًا لوقت قليل بعد أن انشغل فتحي مع أحد الزبائن. تسلل الحديث بينهم، ذكرت اسم أحد المدرسين بالجامعة. خفق قلبه وتذكره. هو كان له تأثير بحالة البؤس الذي لو استسلم لها لكان أصبح معقدًا نفسيًا، وصاحب فشل أول قصة حب في حياته بعد أن اختطف منه أحد زميلاته التي كان بينهما قصة حب، لكنها كالعادة اختارت صاحب المقام وتزوجت منه. رغم ذلك، انفصلا بوقت قصير، لكن هو لم ينسى ذلك ليس لشعوره بالتدني، لكن لأن ذلك كان حافزًا له بوقت أن يصبح مثله ذا شأن.
بعد قليل. أمام المدرسة. توقف ممدوح حين سمع نداء باسمه. نظر إلى صاحبة النداء. شعور بعدم المبالاة وهو يرى تلك التي تقترب منه وبيدها طفلًا. رغم معرفته بها، لكن ادعى نسيانها. تبسمت حين اقتربت منه قائلة:
"إنت ممدوح الحناوي."
بدبلوماسية أجابها:
"نعم يا أفندم."
استغربت ذلك قائلة:
"ممدوح، إنت مش عارفني. أنا ندا اللي كنت زميلتك في الجامعة."
لم يراوغ وأجابها بتذكر:
"آه آسف بس اختلط الشكل عليا."
تبسمت له قائلة:
"إنت جاي هنا المدرسة دي ليه؟"
أجابها ببساطة:
"أنا بشتغل هنا مدرس في المدرسة دي، وإنتِ جايه هنا ليه؟"
أجابته بأسف:
"للأسف كنت مقدمة هنا في مسابقة المدرسين وللأسف مقبلتش. ولما سألت عن السبب قالوا لي إنهم بيختاروا المتميزين فقط واللي كانوا جايبين تقديرات عالية في الجامعة. إنت طبعًا قبلوك لأنك كنت من المتفوقين."
لأول مرة منذ زمن يشعر بقيمته. تبسم لها قائلًا:
"فعلاً للأسف هما بيدققوا في التفوق أوي."
أومأت له تشعر بخسارة. كانت تعلم بمشاعره نحوها لكن لم تهتم وقتها واختارت من اعتقدت أنه ذو امتيازات. ماذا جنت من امتيازاته؟ لا شيء سوى طفل هي وحدها ملزمة به. تبسمت بغصة قلب تقول:
"أنا بفكر أقدم وأكمل دراسات عُليا."
تبسم لها بعفوية قائلًا:
"موفقة."
حديثه المختصر جعلها تشعر أنه يود إنهاء الحديث معها. تنحنحت قائلة:
"هات رقم موبايلك عشان لو احتجت منك مساعدة."
بعفوية أعطاها رقمه الخاص، واستأذن منها حتى لا يتأخر. وقفت تنظر في أثره، بينما هو لم يبالي. بل ضحك على يومًا شعر فيه بكسرة قلبه كان وهمًا من ضمن الأوهام. هنالك أخرى تشغل عقله بقلبه. كان سابقًا يخشي البوح، فهو لا يناسبها. أم الآن لا بد من اتخاذ خطوة أخرى.
❈-❈-❈
مساءً بمنزل والدة ثريا. كانت جلسة نسائية بينها وبين والدتها وسعدية. تطرقت لحوارات كثيرة إلى أن صدمتها سعدية بقولها:
"إنتِ مش آن الأوان تتعالجي يا ثريا."
نظرت له نجية بفزع قائلة بتشدد:
"بعيد الشر عليها يا سعدية، مالها تتعالج من إيه؟ ما هي كويسة أهي."
نظرت سعدية لثريا وتلاقت عيناهما، وقالت بتوضيح:
"ثريا فاهمه أنا قصدي إيه يا نجيه."
أحنت ثريا وجهها للحظات ثم عادت تنظر إلى سعدية. وكالعادة بهذا الموضوع لا تود جدال. لكن سعدية لن تصمت ووضحت الأمر لنجية:
"المفروض ثريا تروح لدكتورة نسا تكشف. هتفضل كده من غير ما تخلف عيال."
نظرت لها ثريا وتنهدت قائلة:
"واللي خلفوا عملوا إيه بالخِلفه يا خالتي."
توقفت عن بقية الحديث ونهضت واقفة كي تتهرب من حديث سعدية:
"هقوم أدخل المكتب عندي قضية بكره هقرأ الملف بتاعها."
"بلاش تهربي يا ثريا... سراج مش زي غيث."
"غيث". رددها عقلها وهي تنظر نحو سعدية التي قالت ذلك. شعرت بغضب وتفوقت باستنفار:
"يفرق إيه سراج عن غيث؟ ليه بحس إنك ميالة لـ سراج رغم إنك قبل ما أتجوزه كنتِ معترضة عليه."
أجابتها سعدية بهدوء:
"غيث مخيبش إحساسي وطلع أسوأ كمان، لكن..."
قاطعتها ثريا باستهزاء:
"وسراج خيب إحساسك وطلع شهم. الإتنين..."
قاطعتها سعدية:
"لاء سراج مش زي غيث يا ثريا والدليل واضح."
"غيث بعد كام يوم سابك غرقانة (غرقانة) في دمك ولا اهتم... سراج دخل وسط ضرب النار عشان..."
"عشان إيه."
هكذا سألت ثريا وأجابتها سعدية:
"عشان ينقذك."
تهكمت ثريا بوجع قائلة:
"ياريته سابني أموت، يمكن كان أفضل."
تغرغرت الدمعة في عين نجية ونفت ذلك:
"بعيد الشر عنك، ليه عاوزة توجعي قلبي مش كفاية اللي اتحملته قبل كده."
نظرت لها ثريا بشفقة لا لوم. تعلم أنها ربما ضعيفة وتستسلم، لكن ليس برغبتها بل مجبرة دائمًا أن تفعل ذلك بسبب مسؤوليتها.
تهربت ثريا من حديثهن الملِح، قائلة:
"مالوش لازمة الحديث ده دلوقتي. كل شيء بوقته. أنا رايحة المكتب وهسيبكم تكملوا مع بعض رغي."
غادرت ثريا نحو تلك الغرفة. بينما نظرت سعدية لنجية قائلة:
"هنسكت ونسيبها كده بتضيع شبابها؟ مش المفروض يبقى لينا تأثير عليها."
تدمعت عيني نجية قائلة:
"هنع بعمل إيه، هي اللي زي ما يكون اللي مش هينال رحمة ربنا غيث قتل جواها الإحساس."
توعدت سعدية قائلة:
"منه لله، بس مش هنستسلم وخلينا نزن عليها، وقلبي حاسس هتوافق تروح للدكتورة وتتعالج وهييجي لها عيال كتير."
أومأت نجية بموافقة وتبسمت بأمل.
❈-❈-❈
مساءً. بدار عمران العوامري. بالمندرة. دخل آدم وجواره حنان يبتسمان. ألقى آدم عليهم السلام ثم تبعه بقول:
"العيلة كلها متجمعة، نتجمع عند النبي إن شاء الله."
آمن الجميع على دعائه. بينما نظرت له ولاء بخبث قلب قائلة:
"جاي منين دلوق إنت ومراتك، أكيد من دار أبوها، هي هناك دايمًا كأنها متجوزتش."
فهم آدم تلميح ولاء، ولم يهتم بنيتها الخبيثة، وقال:
"لاء أنا اللي لسه راجع من الإسطبل، حنان كانت في شقتنا."
تهكمت ولاء بتكذيب قائلة:
"غريبة مع إن الخدامة من شوية طلعت تخبط عليها عشان تنزل تتعشى، مردتش عليها."
بررت حنان ذلك قائلة:
"أنا مسمعتش حد خبط على شقتي، أنا كنت نايمة وصحيت على رن الموبايل."
تهكمت ولاء قائلة:
"كنتِ نايمة، نوم العوافي. إكده هتسهري بالليل."
ردت حنان بعفوية:
"لاء أنا مكنتش متعودة عالنوم في الوقت ده، بس بقالي كام يوم إكده، أكيد فترة وخم وهتعدي."
"وخم."
تهكمت ولاء قائلة:
"وإيه سبب الوخم ده؟ آدم بيسهرك طول الليل بتعوضي بالنهار."
شعرت حنان بتهكم ولاء وتضايقت، كذلك آدم الذي قال بصدمة لها:
"لاء يا عمتي سبب الوخم إن 'حنان حامل'."
جحظت عين ولاء كأنها مسها مس كهربائي وأعادت كلمة "حامل". أكدها آدم. انشرح قلب جميع الجالسين. تلقى آدم وحنان التهاني والدعاء لها بتمام حملها على خير. حتى ثريا، رغم أنها شعرت بغصة في قلبها، لكن هنأتها بود وألفة.
لكن ولاء صرحت بعد تهنئتها:
"المفروض كنا نهني سراج الأول بحبل مراته، هو الكبير واللي اتجوز الأول، بس يمكن في سبب."
قالت هذا وهي توجه نظرها ناحية ثريا التي شعرت بالغضب وصمتت. لكن ولاء زادت باستفزازها قائلة بتلميح مباشر:
"طبعًا سراج وكل ولاد العوامرية رجالة، مش معيوبين."
فهمت ثريا قصدها. نظرت لها بغضب:
"طبعًا رجالة بس مش بيستقو إلا عالستات المعيوبة. يبقى فين الرجولة بقى؟ بقترح عليكِ بلاش تربي ولادك الأفضل توديهم مدارس داخلية هيربوهم أفضل، أصل اللي بيتربي هنا على إيدين نسوان العوامرية بالأخص لو كان كمان أمهاتهم من العيلة بيطلعوا ناقصين تربية ميفرقوش عن الحيوانات اللي مش بتفكر بس غير في غرائزها اللي بتزرعها جواهم النسوان... إنهم مش رجالة غير بس بفرض غرائزهم القذرة."
لم تنتظر ثريا رد ولاء ونهضت مغادرة الغرفة. بينما استوحش عقل ولاء ونظرت لسراج بغضب قائلة:
"سامع بنفسك؟ إنت السبب من الأول جولت لك بلاش دي بالذات، دي عندها عقد نقص وغل كافي يدمر أي حد يقرب منها، لكن أقول إيه مفرقتش عن غيث اللي اتجوزها وحاول ينضفها قبلك بس هي كده بترد الطيب بقلة أصلها الواطي و..."
تعصب سراج من ولاء قائلًا:
"عمتي من فضلك بلاش تتكلمي بالطريقة دي، متنسيش إنها مراتي."
قاطعته متهكمة:
"مراتك اللي مش عارف توضع لقلة أدبها حد، طبعًا زي ما قالت بتعرف تسيطر عليك بإيه، زي ما كانت بتستغل غيث قبلك و..."
انتفض سراج يشعر بغيرة وغضب من استفزاز ولاء له قائلًا بغضب ونهي:
"كفايه."
قاطع عمران سراج قائلًا:
"مراتك فعلًا غلطانة في حديثها الفارغ، عمتك مكنتش تقصد شيء شين، بس هي دايمًا أكده، وكفاية حديث في الموضوع ده، مراتك وانت اللي تأدبها وتعرفها كيف تتحدث مع اللي أكبر منها إهنه ودلوق خلونا نفرح بالخبر السعيد."
صمت سراج ينظر إلى عيني ولاء التي تشعر بانتصار. ربما عمران بحديثه هكذا شبه ساندها.
❈-❈-❈
بعد قليل بغرفة عمران. وضعت فهيمة وسادة خلف ظهره. نظرت له كان وجهه مبتسمًا عكس ما توقعت بعد حديث ثريا التي دائمًا ما تستفزها ولاء وتنجح في إخراج صورة سيئة لها أمام الجميع.
اضطجع بظهره على الوسادة وأغمض عيناه. سكن طيف رحمة برأسه وذكرى إخبارها له بحملها الأول. كانت لحظة فارقة. وقتها كان قرر الانفصال عنها، لكن ذلك البشري كان مثل صاعقة أصابته، جعلته يتراجع عن الانفصال.
كان لماذا يفكر في الانفصال وقتها؟ لا يعلم سببًا. رحمة كانت مثل اسمها، لم تشعره يومًا بما يختلج بقلبها من ألم بسبب معاملة والدته لها بقسوة وتدني. تحملت وتحملت، وبالنهاية فاض قلبها بالألم. وقت أن قرر أن يُنحيها بعيدًا ويذهب للعيش بها بمكان آخر هو وأطفالهما، اختارت هي الرحيل نهائيًا. تركته بتذكر قسوته عليها وخذلانها الدائم من أن يعطي لها جزء ولو صغير من مكانته. لكن ليس كما بدأت الحكاية، انتهت. انتهت بفاجعة قلبه الذي لم يكن يتوقع أن يعيش مرارتها بالندم بقية حياته هكذا.
خيال سكن رأسه بسمتها وهي تخبره بحملها الثاني تود منه كلمة تهنئة واحدة، لكن هو استخسرها حولها لزوجة لمتعة الفراش ليلًا ونهارًا، مجرد امرأة تساهم بأعمال المنزل ترعى أبناءه.
متعة... لم تكن كذلك بل كانت شوقًا لا ينصب. كنت مخطئًا.
حتى مراعاة أبنائك... تركتها باكرًا تيتموا.
لم تستطع أن يتحمل قلبها.
فرحة آدم الليلة ذكرته بفرحتها الأولى، لكن اليوم شعور مختلف. وقتها لم يهتم، اليوم كان سعيدًا كأنه يراها هي تخبره بذاك الخبر الذي أسعد قلبه بغض النظر عن ما حدث فيما بعد. لكن الآن كأنه يرى رحمة سعيدة، وهذا ما يجعله صافي الذهن وسعيدًا هو الآخر.
لاحظت ذلك فهيمة. انبسط قلبها. لم تتفوه بشيء وهي تنظر له يغمض عيناه مبتسمًا.
❈-❈-❈
بالطريق بمكان شبه خالي. كان لقاء الشياطين. ترجلا الاثنان من سيارتهما يقتربان بالسير من بعضهما. رغم أن البغض يسكن قلبهما لبعض، لكن كما يقال: "عدو عدوي" ربما ليس صديق لكن "حليف".
تهكم قابيل قائلًا:
"خير يا واد السعداوي ليه اتصلت عليا وطلبت نتجابل الليلة."
نظر له حفظي بسخط قائلًا:
"كأنك نسيت الحديث اللي جولت عليه وأنا بالمستشفى. إيه خلاص مبقاش لك شوق لمرات سراج."
غضب قابيل. لو لم يحتاج لمساندة ذاك الحقير لما تردد بإفراغ سلاحه برأسه في التو. لكن ابتلع طريقه حديثه وقال:
"أنا جولت إنت اللي استسلمت وسلمت بأن آدم ولد العوامري يخطف منك بت عمك. آه متنساش تبارك لها عرفت إنها حبلى. ادعي لها ربنا يرزقها بواد من آدم أكيد هتسميه مجدي على اسم عمك."
"عمك اللي إنت بتلعب من وراه في الحسابات والتعاملات مع المصانع والتجار. الفلوس اللي بتصرفها ع الغوازي في مصر اللي بتسافر لهم من فترة للتانية بحجة تخليص الشغل، مش عارف هو عارف وساكت بمزاجه ولا إنت شاطر ومستغفله."
نظر له بغضب واحتقار وشياطين تتلاعب برأسيهما. لكن تقبلا استهجان بعضهما وجلسا يتفقان على ما يود كل منهم الوصول إليه وكيفية مساعدة الآخر.
❈-❈-❈
قبل قليل بشقة. سراج وثريا. دلفت ثريا تشعر بنيران بجوفها تشبه البركان الثائر. ذهبت مباشرة إلى غرفة النوم أغلقت الباب خلفها بعصبية كأنها بمصارعة. نزعت عن رأسها الوشاح ألقته أرضًا بعصبية مفرطة. ثم ألقت بجسدها فوق الفراش. عكس ضوء تلك اللمبة عيناها. أغمضتها سريعًا، مع دموع تحاول الانتزاع من بين أهدابها. تحاول بقسوة تلجيمها.
"يكفي انهزامًا."
"لا أنتِ دائمًا مهزومة وهذا قدرك."
دموعها فازت وخرجت من بين أهدابها. تتذكر قبل أيام بسبب شعورها ببعض الألم على فترات أسفل بطنها، قررت أن تستشير طبيبة متخصصة. ذهبت لها دون علم أحد. طلبت منها الطبيبة بعض الفحوصات الخاصة. فعلتها ثريا ثم ذهبت بها للطبيبة لتنصدم من قولها:
"إنتِ كنتِ حامل قبل كده وحصل إجهاض."
أغمضت عيناها ثم فتحتها ونفت ذلك، لكن لم تخبرها باغتصابهم لها بطريقة وحشية ونزيفها.
تنهدت الطبيبة قائلة:
"هقولك الصراحة الفحوصات بتأكد إن الألم اللي بتحسي بيه بسبب الرحم. كمان ده سبب يمنعك من الحمل بشكل طبيعي، بس مفيش حاجة مستحيلة والعلم بيتقدم. إنتِ محتاجة لعلاج لفترة غير معلومة ومنعرفش هيجيب نتيجة وتقدري تحملي طبيعي أو لأ. بس برجع وأقولك مفيش شيء مستحيل. الحقن المجهري بقى ناجح بنسبة كبيرة في ستات كتير كان مستحيل تحمل حملت بيه. بس خلينا نبدأ بالعلاج الأول يمكن يجيب نتيجة أو حتى يسهل علينا فيما بعد لو قررتي تحملي بالحقن المجهري."
ما زالت الإنهزامات تحاوطها حتى بأبسط الأماني أن تكون يومًا "أم". ليست ساخطة ولا ناقمة، فمن من ستنجب؟ من سراج الذي تعلم حقيقته جيدًا. والسؤال الأصعب: ماذا ستفعلين بأطفال في حياتك؟ ماذا ستعطين لهم؟ الإنهزامات أم الخيبات. لا داعي للتوق لشيء وأنتِ ضعيفة. لو كنتِ ذات قوة ربما كنتِ هنا بهذا الألم الذي ينهش جسدك من فترة لأخرى، وبالتأكيد معلوم سببه هو الإغتصاب الوحشي التي تعرضتي له على يد الحقيرين. ولاء وأختها. أختها نالت جزء من الجزاء، مقتل ابنها الوحيد، كذلك ما حدث لابنتها التي فقدت رحمها. لكن ولاء لم تحصل على أي عقاب. بل تزداد في جبروتها. لم تكرهي أحدًا بخيانتك أكثر منها، وهي وغيث الحقير المدنس السادي الذي رغم موته ما زال تبعات تأثيره على حياتك. رغم رحيله، زادت أوهامك بعدما تعرضتي للقتل. أضغاث يعيشها عقلك بأنه هو من أطلق عليك الرصاص. أضغاث لو استسلمت لها لفقدت عقلك.
أخرجها من خضم تفكيرها بمأساة حياتها، صوت فتح باب الغرفة. لوهلة نظرت لدخول سراج الغرفة ثم أغلق خلفه الباب بعصبية. سريعًا وجهت وجهها للناحية الأخرى تُجفف بقايا دموعها، لا تود أن يراها ويتشفى بها. ثم تنفست بقوة تحاول نفض ذاك الشعور البائس عنها.
بينما سراج لاحظ نظرتها له ثم إحادتها النظر سريعًا شعر بغيظ قائلًا:
"مالك تو ما شوفتيني بتديني ضهرك ليه؟ إيه وشي مش عاجبك؟ ولا مفكرة إني نسيت حديثك الأهبل الماسخ اللي قولتي من شوية؟ وهسيبك كده من غير ما أحاسبك عليه."
تهكمت بحسرة في قلبها وتمددت على الفراش تسحب الغطاء عليها قائلة بلا مبالاة:
"الحساب يوم الحساب... أنا هنام تصبح على..."
صمتت لم تكمل بقية حديثها حين جذب الغطاء من عليها بقوة وألقاه على طول ذراعه ينظر لها بغضب قائلًا:
"مش هتنامي قبل ما نتحاسب، على كلامك الأهبل اللي قولتي لـ عمتي اللي في مقام والدتي تقصدي بيه إيه؟"
بسبب جذبه القوي لغطاء الفراش انحسر طرف تلك العباءة عن ساقيها لوهلة. وقع بصره على تلك العلامة الواضحة بإحدى ساقيها. غص قلبه. بينما هي شعرت بحرج وسريعًا جذبت العباءة عليها تُخفيها. نهضت من فوق الفراش بغضب قائلة:
"حديثي كان رد على حديثها اللي مش بتسيب دقيقة غير وتفكرني بيه. طبعًا ما إنت زينة الشباب اللي كان يستحق صبية بكر، مش عازبة. لاء كمان عازبة وعاقر. إنت المفروض تتجوز مرة تانية عشان يكون لك ولد سند، بس يا خسارة وقتها هتخسر الأرض اللي بسببها عندك استعداد تقتلني بس بتأجل الوقت. عارف حديث عمتك صح، أنا فعلًا عاقر، بس أكيد ده من نعم ربنا عليا، إن حشايا يفضل نضيف ومشيلش من...."
صمتت للحظات تنظر إلى عيناه اللتان يظهر منهما الغضب، كذلك ملامح وجهه الموجومة. ينتظر بقية حديثها. وقد كان هذا نهاية الصبر حين قالت:
"من أشباه الرجال اللي اتجوزت منهم اتنين ميتخيروش عن بعض."
جذبها من عضد إحدى يديها بغضب يضغط عليه يكاد يسحقه بقبضة يده. اصطدمت بصدره الذي يفور غضبًا. أنفاسه الملتهبة تكاد تحرق صفحة وجهها. سمعت صوت صك أسنانه. كل شيء به غاضب وثائر. لحظة وإثنان وترك زمام العاصفة الذي بداخله. وهو يجذبها من عضد يدها متوجهًا نحو تلك الأريكة بالغرفة. للحظة ارتجف جسدها لكن أغمضت عيناه وتلك الذكرى تضرب عقلها. عقلها يخبرها:
"لا لن يكون أفضل من غيره. اتخذت القرار."
فتحت عينيها ورفعت يديها قامت بشق تلك العباءة من فوق صدرها إلى منتصف جسدها، ونظرت إلى عينيه كأنها فقدت روحها أو بالأصح هي بلا روح. لن تتألم بذلك مرة أخرى. قالت باستبياع:
"إيه هتغتصبني إنت كمان، ولا هتكويني بمية النار؟ عادي اللي داق مر الحنضل بيتعود على طعمه يا سراج."
عصف عقله بذهول مما قالت. ماذا تقصد؟ تحولت نظرة عينيه من متوحشة إلى مستفسرة. لكن يعلم أنها كعادتها فقط تعطيه شواهد حدثت ولا توضحها. يبدو أن هنالك أسرار بالماضي كذالك أسباب كثيرة لإصرارها بل استماتها على عدم التفريط في قطعة الأرض تلك. لكن هو لا يعد يهتم بقطعة الأرض. كذالك قول ثريا عن اغتصابها. هل فعل غيث ذلك ونالها بالاغتصاب؟ وسر ذاك الحرق بفخذها قالتها "تكويني بمية النار". خفق قلبه بشدة شفقًا عليها لهذه الدرجة فاقدة للروح. ماذا تتوقع أن يفعل بها؟ هل استسلامها له سابقًا كان لخوفها من ردة فعله معها لو رفضته؟ هل سر تبلدها أحيانًا أنها تمتثل غصبًا؟ هل... وهل... وهل ما زال هنالك ما لم تعترف به سابقًا تحتفظ به. كـ "أسرار مخفية".
رواية سراج الثريا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سعاد محمد سلامه
ذُهل سراج من حديث ثريا،هنالك أسرار مخفية،ربما آن آوان أن يعرفها منه تبدل الغضب الذي كان يمتلكه الى شعور آخر بالإستفسار مصحوب بالرآفة، أمسك ثريا من عضديها يجذبها ينظر الى عينيها اللتان تنهمر منهما الدموع لأول مره منذ أن رأها يشعر بلوعة فى قلبه حاول التماسُك بهسيس سائلًا:
مين اللى كواكي بمية النار،مين اللى إغتصبك يا ثريا...."غيث"
-غيث
وذكر إسمه يجعل عقلها يثور ونيران تنبش قلبها وخيالات تدور بعقلها وهي تترنح تنفض يدي سراج لكن هو مازال مُمسك بها يشعر بجسدها يتشنج ويتراخي تنسحب للأسفل وهو معها حتي أصبحت راكعه بعد ان كانت تدفع سراج تخلت عن ذلك ووضعت يديها حول أُذنيها وضحكة غليظه تطن صداحها بهما مثل طنين النحلة تنوش عقلها تبكي وعقلها يعيد ذكري إغتصاب غيث لها وبإرادتها، لا لم تكُن إرادتها كانت مثل مسلوبة العقل،
[بالعودة بالزمن]
لقبل مقتل غيث بليلة واحد فقط
كالعادة حين يدخل الى الشقه ترتعب وتتمني أن تنتهي الليلة بسلام أو بموتها وترتاح من ذاك الأسر والعذاب، وللغرابه كان مزاجه جيدًا على عكس الأيام السابقة، لكن مجرد، رؤيته تُدخل السأم الى قلبها،لو بإرادتها ما إهتمت بحديث الناس وطلبت الطلاق كما فعلت سابقًا،لكن هو ذو قلب جحود وشيطان يعلم نُقطة ضعفها مازال قوله الغليظ بعلانيه حين طلبت الطلاق قبل أن تخرج من تلك الوحدة الصحية وهددته باللجوء الى المحكمة... يطن بأذنيها
"متحلميش إنك تطلقي حتى لو رفعتي فضيه فى المحكمة قبل ما المحكمة تحكم هكون محسرك على أخوكِ وأمك وخالتك وولادها، ومش هتطلقي ومش هتعيشي حُره حتى على جُثثهم".
إدعت النوم لكن هو لا يهتم
فتح باب الغرفه بقوة إرتجت لها ونهضت جالسه فوق الفراش تنظر له بخفقات متصارعه لكن هو على غير العادة كان مُتزن الليلة، لكن نظرة عيناه الثعلبية الماكرة والتى تجعلها تشمئز منه، دخل الى الغرفة بخطوات ثابته يتجه نحوها يتسلي بنظرات عينيها المُرتعبه يشعر بالنشوة... بينما هي حين أقترب من الفراش نهضت من فوقه وقفت الناحية الأخري
نظر نحوها عيناه تفترسها بشغف قاتم، يستمتع برؤية الذعر بعينيها كآنها نظرة هيام منها،... تمدد على الفراش واضعًا قدمية بالحذاء غير مُباليًا، ينظر نحوها وهي تبتعد بخطوات وئيدة، لحظات صامتًا ثم تحدث وتراجع بألامر:
أنا جعان حضرلي العشا وهاتيه الأوضة التانيه... ولا أقولك خليه فى المطبخ... مع إني كنت عاوز عشا رومانسي.
لم تنتظر وفرت هاربه نحو المطبخ، فتحت الموقد بيد مُرتعشة وقفت تُحضر بعض الطعام
حتي شعرت به يدلف الى المطبخ سقطت منها المعلقة سهوًا... إنحنت تجذبها، تخشب جسدها حين رأت غيث يقف أمامها مباشرةً وهي محنيه رفعت رأسها تبتلع ريقها الجاف، نظرة عيناها تجعله يشعر بفخر وإعتزاز بجبروته، بصعوبه وقفت وعادت خطوات للخلف لم تهتم لذاك الموقد المُشتعل والتى سهوا لسع إحد يديها، سحبتها سريعًا بينما هو ينظر لها بتسليه، أجلت حلقها بصعوبه قائله:
حضرتلك الوكل أها عالطرابيزة.
نظر نحو الطعام قائلًا:
ويا ترا حطيتي فيه السم.
هلعت من نظرة عيناه وقالت بنفي:
لاه... أنا مش مجرمة يا غيث!.
تهكم ضاحكًا وهو يتخطاها وجلس على احد المقاعد قائلًا بغرور وتكبُر:
عارف إنك أضعف من إنك تجتليني... عاوز مخلل مفيش عالطرابيزة.
رغم شعورها بالمقت منه فعلًا تود قتله لكن بقايا ضميرها... أو حقًا هي ضعيفة... ذهبت نحو الثلاجه لم تُلاحظ ما وضعه غيث بالكوب وسكب فوقه الماء، عادت وضعت الطبق أمامه وكانت ستُغادر المطبخ لكن بمكر منه جذبها من خصرها، بسبب المفاجأة طاوعه جسدهت فجلست فوق ساقيه حاصرها بيديه قويًا، شعرت بالهلع كذالك تشردقت تسعُل بقوة... نظرة عيناه مُستمتعه من سُعالها وهي ترتجف بين يديه، بعطف ماكر وخباثه منه فك حصار إحد يديه وناولها كوب المياة فى البداية فضلت السُعال وهي تحاول النهوض من حصاره لكن غضبًا شربت من الكوب أكثر من مره حتى هدأ السُعال، كان ماكرًا تركها تنهض من فوق ساقيه وهي مازالت تسعُل بقوة... عادت ترتشف المياة... وعيناه تنظر بظفر لقد نجح ما كان يريده، خرجت من المطبخ وهي مازالت تسعل، دخلت الى الغرفه ما هي الا لحظات وتفاجئت بدخوله الى الغرفه، نظرتها له كفيله ببث النشوة فى قلبه، وهي تشعر بحرارة تغزو جسدها يكاد يشتعل كآنها بلا عقل وقامت بنزع تلك المنامه تقف أمامه بملابسها الداخليه تود خلعها هي الأخري لكن بقايا عقل يمنعها، وهو يقترب منها يفترسها بعينيه ونظراته الفجه الجائعة...
وضع يده على كتفها يجذبها إليه حاول تقبيلها وعقلها يرفض وجسدها يشتهي وهو يتلاعب برغبتها يوهما بتقبيلها ويبتعد يجعلها تتشوق لإقترابه يُشعلها رغبةً به وهو يتمنع، نوع آخر من الساديه يُمارسه عليها وهي تشعر
بصراع بين عقلها الذي يرفض ما تفعله وبين ورغبة تسري بجسدها لا تستطيع السيطرة عليها، وهو مُستمتع بذلك الصراع ودموعها تسيل قهرًا وهو يُلقيها فوق الفراش وينحني عليها وهي تدفعه بيديها وتعود لتخضع وهو يُلثم عُنقها بقُبلات حادة وقويه يكاد يغرس أسنانه بجلدها ويسمع تأوهها الذي يتمناه وهي أسفله تبكي قهرًا بلا إرادة،لكن جسدها يهوا أن يتلمسها وهو مستمتع بذلك،وهي تود أن تصرخ ويبتعد عنها،وهو يقترب أكثر قُبلاته على ذراعيها وكتفيها وعُنقها،علامات واضحه منها فوق وجنتيها أيضًا،لا تعلم متى إستسلمت لتلك الغفوة لم تعُد تشعر بشئ الا صباحً فتحت عينيها تشعر بآلم برأسها وجفاف حلقها وجع بقلبها كآنها مريضة عُضال،وضعت يدها على قلبها تحاول التنفس برويه الى أن شبه زال آلم قلبها،كادت تنهض لكن تصنمت حين سمع ذلك الصوت التى تمقته يقول بنبرة هادئه:
صباح الخير،ولا نقول صباحية مباركة يا....
فزعت ونهضت جالسه فوق الفراش كادت تقع لكن إنزوت على الطرف تنظر له،ضحكتة المُشئزة كذالك أنيابه البارزه كآنه ثعلب نال فريسته، بالفعل نالها، نظرت لنفسها كانت شبه عاريه سحبت غطاء الفراش تنفي ما حدث، وهو يخبرها بإستمتاع:
طالما كنتِ مشتاقة ليا إكده كان ليه تتمنعي من الأول، كنتِ وفرتي على نفسك العذاب.
لم يكتفي بالقول بل إقترب منها يمد يده نحو ذقنها، لكن هي إنتفضت واقفه تسحب معها غطاء الفراش تستتر به،لكن ذاك الغليظ يضحك وهو يتمدد فوق الفراش براحه مُستمتعًا بإنبساط يضع يديه على صدره العاري بل جسده بالكامل بعد أن سحبت غطاء الفراش وجهت وجهها للناحيه الأخري وهو ينظر الى تلك البُقعة الحمراء على الفراش يضحك يغلاظة تود صم أذنيها،وهو يقول:
كانت ليلة جامدة،طلعتي فارسة قويه،إختياري كان صح من البداية.
وهي تهز رأسها بنفي تود أن تتذكر ما حدث بالأمس وخيالات وهي راغبة به تنظر الى تلك العلامات الظاهرة بذراعيها وعنقها وجنتيها،شعور بالآلم يسكُن جسدها،وسؤال لا تود إجابته.
هل نالها بالامس كما رغب وآلم حرق فخذها هو الآخر،جلست أرضًا تبكي بحُرقة ضياعها بسبب مجرم مُدنس لديها يقين أن ما حدث ليس بإرادتها ذاك الغليظ إستغلها جسديًا،أزهق باقي روحها،وللآسف كانت هي من سهلت له ذلك برغبتها التى لا تعلم كيف وصلت الى تلك الحالة،بالتأكيد هو السبب،إغتصبها برغبتها الذي حركها...دموع قهر،وضحكات إستمتاع.
دموع قهر وضحكات إستمتاع
تطن بأذنيها وهي تنهار بالبكاء والهلوسة بين يدي سراج،تغمض عينيها تعتصرهما لا تود أن تفتح عينيها تود أن تهلك كآنها تجلد روحها...
وهمسات مُتألمة تهزي بجملة واحدة
"بكرهك يا غيث"
سمع سراج هزيانها، كذالك لاحظ لهاثها كآنها تُصارع لتتنفس، رجف قلبه وهو يُحدثها بإستجداء
ثريا.. ثريا
أفتحي عينيكِ إنتِ فى وهم.
وهي لا تمتثل له بل تمتثل لغفوة تسحبها نحو هاويه تود أن تسحقها وتتفتت مثل الرمال وتتبعثر وتتلاشي ويختفي أثرها...
إرتخي جسدها نهائيًا،نهض سراج يحملها بفزع وضعها فوق الفراش،وجذب هاتفه وإتصل سريعًا يقول بأمر:
إسماعيل ثريا تعبت إبعتلى دكتورة حالًا كمان معاها أنبوبة أوكسچين.
أغلق الهاتف ونظر نحو ثريا المُمددة فوق الفراش وجهها فقد رونقه كآنها أصبحت شبحً
شعر بإنخلاع فى قلبه،لكن سريعًا،نظر لجسدها الشبه عاري بسبب شقها لملابسها،سريعًا توجه نحو دولاب الملابس آتى بثياب أخري وبصعوبة بسبب تراخي جسدها إستطاع تبديل ثيابها،وهي مازالت غائبة عن الوعي يشعر بلوعة عقله ثائر يسأل
ما الذي مرت به وما قصدها وسبب هزايانها،هو ضغط عليها بقوله
أن عمته مثل والدته
هي ليست كذالك أبدًا
هو لم يكره فى حياته مثلما كره ولاء
هي كانت السبب بمرض والدته ورحيلها سريعًا كان طفلًا لكن كان يلاحظ إستقواء وإستعلاء ليس ولاء فقط بل أيضًا عمته الأخري وجدته على والدته،أراد من ثريا أن تبوح بما يهلك روحها يجعلها مُتبلدة،ربما ترتاح روحها وتهدأ وتعود كما أخبرته سعديه عنها
"ثريا كانت زي وردة الربيع اللى كانت مستنية الندا عشان ترتوي وتفتح بس إتقطفت وإدهست وهي لسه بُرعم"
حقًا هي كذالك، مشاعر لو كان رأها سابقًا ما كان صدق أنه قد يعيشها مع إمرأة، ظن بمكوثه لاوقات كثيرة بالصحراء وسط عواء الذئاب أنه أصبح بلا قلب يشعر، حياته وسط العمليات العسكريه فقد الكثير من زملائه كان يحزن عليهم لكن ينسي مع الوقت،يعلم أنه قد يكون القادم ويلحق بهم شهيدًا مثلهم، الآن يتهتك قلبه يود أن تفتح عينيها فقط ويرحل بهما
.بعد..وقت كان بالغرفه معه طبيبة تفحص ثريا،رأها وهي تحقنها بيدها، شعر بنغزة فى قلبه...
بعد قليل وقفت الطبيبه تدون بعض الأدويه ثم أعطتها لـ سراج قائله:
تقريبًا ده إنهيار عصبي زايد على المدام أنا عطتها حُقنه مُهدئه هاساعدها عالاسترخاء والنوم بهدوء لحد الصبح، كمان لاحظت إنها ضعيفة كتبت شوية ڤيتامينات ومعاهم مقويات، وبالنسبه للتنفس فهو رجع طبيعي مش هتحتاج لأنبوبة الاؤكسجين، بس هتحتاج للهدوء.
أومأ لها مُتفهمًا، ذهب معها الى خارج الغرفه أمر تلك الخادمة بإصطحاب الطبيبة الى السيارة... عاد مره أخري للغرفه ينظر الى ثريا مازالت شاحبه، تنهد بآسي يزم عقله يبدوا أن الضغط على ثريا كي تبيح بما حدث معها هي وذاك السفيه "غيث" كان فوق إحتمالها لوهله أراد ان يراه أمامه لن يتواني عن الفتك به... خفق قلبه وحسم أمره، لابد من تنازل من ناحيته.
❈-❈-❈
بالاسفل قبل قليل رأت ولاء تلك الطبيبة التى آتت مع إسماعيل،سألته فأجابها أنه من أجل ثريا...
أمر إحد الخادمات بإصطحابها الى شقة سراج
ثم تركها وغادر
همست يشرر طبعًا هتاكل عقلك وجلبه بسهوكتها،كويس إن عمران مش إهنه كان جلبه رق لها هو كمان،يارب عامله زي اللى بسبع أرواح مبتتهدش ابدًا،وربنا واعدها باللى يلهثوا وراها على إيه معارفش،أما اروح داري أرتاح من الواغش اللى إهنه.
غادرت ولاء،بعد وقت قليل كانت تدلف الى منزلها قابلها طفلين مراهقين لم تبالي بهما وصعدت نحو غرفتها،تنفست بنرفزة حين رات زوجها يجلس على الفراش يضم صورة وكعادته يبكى تفوهت بضجر وغضب:
مش رايقه لنواحك الليله،هِم أطلع بره إنزل كمل نواح.
نظر لها بشفقه قائلًا:
جسوة جلبك حتى على ولادك الاتنين...ولادك سقطوا فى امتحانات الشهر،لو تعطي لهم إهتمام يمكن يعوضوا اللى راح وهو فى كلية الطب.
نظرت له بسخط قائله:
أهو إنت جولتها...راح يعني فادته كلية الطب بأيه،أوعي جوم من السرير چتتي وجعاني عاوزه أمدد ومش عاوزه أسمع نواح.
نهض زوجها من على الفراش وتركها بالغرفه وهو ينظر لها بشفقه،متي ستعلم مكانة أبنائها وتنشعل بها،وتدع الآخرون،لكن هو كان تلك له بمثابة تكفير ذنوب،زوجة مُتسلطة على الجميع وساخطة وتود فرض هيمنتها فقط بقسوة قلب...بينما هي تمددت تشعر بسُحق فاللجام أصبح ينفلت من يديها
عُمران أصبح هو الآخر ينحاز ناحية أبناؤه،ويُنفي رغبتها بالسيطرة والهيمنه،وذلك يؤرقها ولابد من أن تعود لمكانتها العاليه،والسيطرة على عقول رجال قبل نساء العائلة.
❈-❈-❈
بأحد الدول الأجنبية
بغرفة بأحد المشافي
كان الوضع ليس فقط مُتعبًا بل مُخزيًا بعدما
إنتهي الطبيب من مُعاينة جسدهُ
ذهب وجلس خلف مقعدة يعدل من نظارته الطبيه مُتحدثًا بالإنجليزية:
سأتحدث بكل صراحة منذ أن وصلتني تقارير فحوصاتك الخاصة وكان لدي يقين بسوء الحالة، علمت أنها بسبب رصاصة إخترقت جسدك، بمكان ذو أهمية، كان من المُمكن أن تُصبح عاجزًا كُليًا، لكن كان قدرك لطيفًا سيد "مارون"
نظر له بغضب وإستياء قائلًا:
وهل يفرق ذلك عن ما أنا به؟.
أجابه الطيب بعملية:
أعلم مدى إستيائك من الأمر، لكن ذلك قد تعاج منه، فقط نحتاج لبعض الوقت، لا شئ اصبح مستحيلًا مع تطور العلم.
بعد قليل بغرفة بأحد الفنادق
شعر بالإرهاق النفسي والجسدي وهو يتمدد على الفراش، يزفر نفسه بإستياء وغيظ وغضب، وهو ينظر الى هاتفه يتأمل تلك الصورة الخاصة بـ ثريا... شعر بغضب جم...
ملامح ثربا بها توهج خاص لم يكُن يظهر على ملامحها سابقًا، هكذا شعر... القى الهاتف على الفراش بغضب ينفس عن صدره زفير هادر...
يجلد ذاته لما حين إقترب من إمتلاكها تراجع أو بمعني أصح أضطر لتأجيل ذلك
أغمض عينه يلوم نفسه وهو يتذكر تلك الليله
التي وضع فيها لـ ثريا برشام طبي مُثير جعلها لا تشعر بما تفعل من إغواء له، ما كان عليه تركها وهي بتلك الخالة الضائعة أمامه بل كانت مُطيعة له...
[بالعودة لتلك الليله]
بعدما توغل ذاك البرشام المُثير من جسد ثريا جعلها تواقه وتوده رغم أنها كانت تقاوم وتقاوح لكن أصبح يتغلب عليها وتمتثل لما يرغب،وتضعف أمام قُبلاته لحظة واحده نزع عنها باقي ثيابها كذالك هو،وضعها بالفراش وإنضم لها،يُقبل كتفيها بإستمتاع،لكن قطع اللحظة رنين الهاتف فى البدايه تجاهله وعاد يُقبل عُنقها قُبلاته كانت حادة تترك أثرًا واضح وهي عقلها يغيب، إستمتع بذلك، لكن رنين الهاتف المُستمر أزعجه، نهض من جوارها وجذب الهاتف، لوهله إرتبك حين علم هوية المُتصل عليه، رغمً عنه بشرز قام بالرد ليسمع من يحدثه بحِدة وأمر:
ساعة بالكتير وتكون عندي فى المكان اللى إتقابلنا فيه آخر مرة.
بضجر وغضب كاد يرفض لكن عاود الآخر بأمر:
هستناك بلاش تتأخر،مراتك مش هطير ولا البرشام.
تنهد بزهق مجبر بغضب وهو يسمع صوت إغلاق الآخر للإتصال...
نظر نحو ثريا التى أصبحت مُنهكة فرصته الليلة معها لن....
لن ماذا... ذاك الحقير الذي هاتفه من أين علم بقصة البرشام... هل يُراقبه لهذا الحد، هلع قلبه لو لم يُنفذ أمره قد يخسر مكانته أو ينكشف أمره... نظر نحو ثريا الذي بدأت تشعر بضربات قلبها العاليه تضع يديها فوق قلبها... إتخذ القرار لا مانع من إرجاء ذلك لفيما بعد، والتجربة مره أخري، بالفعل ذهب نحوها قاومته بضعف لكن مازالت تقاوم...لو بوقت آخر لاستمتع بذلك وهو ينالها بالنهايه لكن ذاك الامر البغيض لابد أن ينفذه... بقرار تركها وأغلق عليها باب الغرفة بالمفتاح...ذهب الى أحد الأماكن النائية من السكان،وقف ينتظر قليلًا،الى أن رأي ضوء سيارة ترجل من سيارته وذهب بإتجاة تلك السيارة وقف جوار أحد الابواب،تبسم حين أنزل زجاج شباك السيارة،لكن الآخر نظر له بإستهجان قائلًا بغضب:
فين الآثار يا غيث.
جاوبه بمراوغة:
آثار إيه؟.
نظر له الآخر بغضب قائلًا:
بلاش مراوغة يا غيث،هات من الآخر ليه نقلت الآثار من مكانها.
جاوبه بهدوء:
سألت وإنت مردتش عليا،آثار إيه؟.
تعصب الآخر:
إنت بكده بتعلن عِصيان أوامري،وده يعتبر غدر،وإنت عارف جزاء الغدر إيه.
ضحك غيث بغرور وعنجهية وثقه:
مين بس جاب سيرة الغدر،كل الموضوع إنى مش فاهم القصد إيه،أثار إيه اللى بتسأل عنها.
بغضب وإستياء تفوه الآخر:
أوعي تفكر إنك ممكن تعرف توزع الاثار دى بدون أمري،بلاش المراوغه،وهزود لك نسبتك فى البيعه.
ضحك غيث بإستنكار قائلًا:
نسبة إيه أنا مش فاهم،إنت طلبتني فى وجت متأخر،وإنت عارف إنى عريس جديد،قطعت عليا المزاج مع مراتي عشان تسألني على آثار أنا معرفش هي فين،أنت جولت لى أنقل البضاعه بتاعتك ونجلتها وأنا معرفش هي فيها إيه،آثار،سلاح،مخدرات
كل اللى عليا نفذته وإتحملت المُخاطرة ودلوق جاي تتهمني،لاه إكده أنا أزعل بجي.
تنرفز الآخر بعصبيه وإستهجان قائلًا:
إنت مُصر بجي،عالعموم حديتنا إنتهي،والحديت بعد إكده هيبجي مع الكبير بنفسه لما يعرف إنك غدار وطماع.
كان الرد بسمته،أغلق الآخر الزجاج وسارت السيارة من أمامه نظر فى آثرها باسمًا،ولم يهتم تذكر ثريا الذي تركها بعد أن كاد يصل الى هدفه،ليعود لها الآن يستكمل ما بدأه...بالفعل بعد وقت قليل عاد دخل الى غرفة ثريا مباشرةً لكن تفاجئ بها نائمه تهزي العرق يغزو جسدها تضع يدها فوق قلبها،تئن بآلم طفيف فكر فى إيقاظها بالفعل حاول لكن كآن عقلها فصل ولم تستجيب له لم يهتم وزفر نفسه بغضب لكن فكر بخباثه وبالفعل أوهم ثريا أنه تم بينهما علاقة وأنها كانت من تهفوا لذلك
وهي صدقت أنه بالفعل نالها غصبًا، فأسهل شئ هو أن تضع الوهم برأس ضعيف فيصدقه مُرغمًا.
[عودة]
عاد يزفر نفسه بغضب وهو يشعر بعجزهُ وأن سراج نال ما تشوق له هو،لكن يكفي لابد من عودة وعودة ثريا له غصبًا...لابد من عودة للإنتقام ممن سببوا له العجز المؤقت.
❈-❈-❈
ظهرًا
بشقة ثريا
دخل كل من إيمان وإسماعيل الى شقة سراج،يسألا عن صحة ثريا
قبل أن يُجيب سراج خرجت ثريا من الغرفة تقول لهما بود:
الحمد لله بقيت بخير شكرًا لسؤالكم عني
تبسم لها إسماعيل قائلًا:
إنت فى مقام إيمان أختي.
تبسمت له،كذالك إيمان تحدثت معها بأخوه،بينما نظر سراج لـ ثريا كآنها أخري غير تلك التى كانت مُنهارة بين يديه بالأمس...رغم الوهن الملحوظ علي ملامحمها كذالك جسدها،لم تقف كثيرًا وجلست على أحد المقاعد،جلس إسماعيل وحنان أيضًا يتحدثون بمودة كذالك ثريا،جلس معهم سراج أيضًا جلس مُستمعًا لهزار إيمان وإسماعيل مع ثريا...شعر براحة وسعادة من حديث ثريا معهم بألفة... وبسمتها الواهنة.
❈-❈-❈
ليلًا
بشقة والد قسمت، إقتربت الساعه من العاشرة والنصف، بغرفة النوم قطع والد قسمت الغرفة ذهابًا وإيابًا يشعر بضيق وضجر، كان معه زوجته تبتسم من حين للآخر تعلم لما هو كذالك، بينما نظر هو الى ساعة يده قائلًا:
لاء كده كتير، ده بقاله هنا ساعتين.
نهضت زوجته وتوجهت نحوه قائله:
وفيها إيه دول مخطوبين وكمان متنساش إنهم مكتوب كتابهم، يعني زي المتجوزين.
تعصب بفزع قائلًا:
زي المتجوزين،ليلته سودة،وكده كفايه أوي.
كادت زوجته تمنعه لكن هو ترك الغرفة بعصبية
وفتح باب غرفة الضيوف بعصبية أيضًا..
بينما قبل لحظات، ترك إسماعيل مقعده وجلس على مسند مقعد قسمت يقترب منها بقصد يشعر بالضجر قائلًا:
كل أما أقولك نتقابل بره فى أي مكان عام تتحججي وترفضي، هنا بحس ان أبوكِ عامل زي الناضورجي واقف ورا الباب.
ضحكت قسمت وتجنبت بالمقعد بعيد عن إسماعيل قائله:
قولتلك بابا واخد عليا عهد ووعد إن منتقابلش فى مكان غير هنا فى الشقه ومقدرش أخلفه أو أخذله، وبعدين هانت.
زفر نفسه بضجر قائلًا:
وأنتِ من إمتي بتسمعي لكلام أبوكِ ده، ولا كلامه جاي على هواكِ، وماله يا قسمتي هانت وانا اللى همنعك من إنك تردي على أبوكِ فى الموبايل.
نظرت له وكادت ترد أنها لن تفعل ذلك لكن سبقها فتح باب الغرفه بمفاجأة،
غصبًا نهضت قسمت من المقعد وقفت بعيد عن إسماعيل... بينما نهره والد قسمت بغضب قائلًا:
إنت قاعد جنب بنتي كده ليه، إنت فى بيت محترم مش كازينو يا دكتور، إنت مش عارف إن البيوت ليها حُرمه، وخلاص الوقت إتأخر وإحنا ببنام بدري.
نظر إسماعيل نحو قسمت التى توجهت تقف جوار والدها تخفي بسمتها إغتاظ إسماعيل من ذلك، وقال بتبرير:
على فكرة قسمت تبقي مراتي شرعً.
تهكم والد قسمت:
ده لما تبقى فى بيتك، لكن طول ما هي فى بيتي بنتي وكلمتي تمشي عليها حتى وهي فى بيتك كمان كلمتي تمشي على رقابتك قبل رقابتها ويلا إتفضل بالسلامه أنا بنام بدري.
إغتاظ إسماعيل لكن كبت ذلك وهو ينظر لـ قسمت التى وافقت والدها وهي تبتسم، نظر لها بوعيد لاحقًا، ثم ذهب نحو باب الغرفه قائلًا:
تمام يا عمي.
بينما والدة قسمت نظرت لـ إسماعيل بمؤازرة تبتسم.
تبسم لها هامسًا:
والله البيت ده ما فيه غيرك يا طنط، مش عارف متحملاهم إزاي، أكيد ده فى ميزان حسناتك،و ربنا بيحبك بعريس لبنتك زيي.
تبسمت له بتوافق قائله:
زي ما قولت يا حبيبي فى ميزان حسناتي، إنت والله زينة الشباب.
إبتسم لها هامسًا:
لما قسمت تبقي فى بيتي مش هستقبل غيرك يا طنط،إنما الاقرع اللى هناك ده هزنبه على باب الدار.
نظرت له بلوم مرح:.
عيب كده،برضوا عمك وحماك هو بس عصبي شويه.
تبسم لها موافقًا،بينما ضجر والد قسمت قائلًا بغضب:
الهمس بينكم مش هيخلص،أنا عاوز انام بدري.
نظر له إسماعيل قائلًا بهمس لنفسه:
تعرف لو وقعت تحت إيدي مش هخلي فيك حته سليمه.
بينما نظر لها والد قسمت قائلًا:
هيا إرحل أيها الابله.
نظر له إسماعيل بسخط هامسًا:
إرحل،وأبله
والله بس قسمت تدخل داري هنسيك اللغه العربيه وكل اللغات،يا أقرع.
نظر نحو قسمت التى تبتسم شعر غيظ وتوعد لها قائلًا:
وإنتِ كمان يا قسمت هعملك مسح ذاكرة وأفرمت لك عقلك انسيكي ابوكِ.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام
ليلًا
أثناء عودة آدم الى الدار
تأخر الوقت لمنتصف الليل
أثناء سيره لالطريق لاحظ بالمرآة الجانبيه سيارة تسير خلفه، تباطئ بالسير ثم توقف ثم أسرع بالسيارة مره أخرى...راوغ لكن سائق السيارة الأخري كان واعيًا ولديه هدف،بالفعل سبق سيارة آدم وقطع عليه الطريق.
❈-❈-❈
بشقة سراج
كانت ثريا تجلس على الفراش تعكف على قراءة إحد القضايا، إنتبهت حين دخل سراج الى الغرفة، أغلقت الملف ونحت الدثار عنها ونهضت من فوق الفراش تسير نحو خارج الغرفه، تنهد سراج قائلًا:
هو الشغل ده مش بيخلص فى المكتب.
توقفت ترد بهدوء:
دي قضية جلستها بكره وكنت براجعها وخلاص خلصت.
إبتسم سراج وإقترب من ثريا وضع يديه حول خصرها وقربها منه قائلًا:
ثريا أنا مسافر بكره...
خفق قلب ثريا لا تعلم سبب لذاك الشعور الذي إنتابها وبلا وعي سألته:
هتسافر فين؟.
أجابها وهو ينظر الى عينيها:
القاهرة
تبدلت ملامحها وسألته:
هتغيب قد إيه؟.
-معرفش
كانت إجابته التى إستغربت منها ثريا وسألته:
إزاي متعرفش عالعموم ترجع بالسلامة.
تهكم لنفسه حتى ذلك غير مضمون،لكن إقترب من ثريا قائلًا:
ثريا لازم نتكلم مع بعض عشان...
قاطعته ثريا:
نتكلم فى إيه...قصدك الارض إنت عارف قراري من قبل ما.....
قاطعها قبل أن تسترسل حديثها هو لم يعُد يهتم بتلك الارض وربما من البدايه لم يكُن يهتم بها،لكن كانت إحد الوسائل فقط،لو أراد الارض لكان أخذها منها بسهولة بجرة قلم وحقيقة يعلمها هو فقط....
ضمها لصدره،إرتبكت ثريا وقبل ان تنظر له كان يضم شفاها بين شفتيه بقُبلة عشق،هي الاخري،ذهب تبلُدها،وتقبلت قُبلته،وعانقته بيديها،زادت خفقات قلبيهما لحظات بغير وعي منهما قُبلات عاطفيه ومتشوقه...لمسات ناعمة ومتناغمة وقت غرام خالي من الأضغاث
بعد وقت كما بدأ اللقاء بقُبله إنتهي بقُبله بعدها
ترك سراج شِفاها يضع جبينه فوق جبينها يتنفس من أنفاسها الهادرة حتي هدأت أنفاسه هو الآخر رفع وجهه نظر لعينيها المُغمضة كآن أهدابها تقاوم كي تنشق وتفتح عينيها بصعوبه فازت وفتحتهما، تلاقت عيناهم معًا لم يكُن الحوار صامتًا بل تفوه بصوت دافئ:
أول مره شوفتك فيها كنتِ زي الحوريه اللى بتتغرل من خيوط شروق الشمس، لأول مرة حسيت إن المطر له طعم... زي اللى إرتوي بعد جفاف أكتر من عشر سنين قضتها بعيد عن هنا... بعترف يا ثريا
الأرض قدرت تبلع غضب السرج العاصف فى جوف قلبها إمتزج بترابها.... بس للآسف هو مقدرش يروي عطشها
أو يمكن هي اللى جف قلبها والسيل مش مكفي يرويها...
صمتها مواجهه لإعترافه لها:
أنا بحبك يا ثريا واللى إنت عاوزاه أنا هعمله ليكِ هسيبلك الإختيار
لو عاوزه نكمل حاتنا سوا أو....
صمت لا يود الإختيار الثاني، نظر الى عينيها المُندهشه من قوله، صمتها طال عقلها كان مذهولًا، أو ربما تنتظر خيار آخر منه أن يساوم على الأرض مقابل قبولها الإنسحاب، لكن هو لم يكن يفكر فى ذلك، فكر صمتها قبولًا، وتيقن قلبه يجاوبه
أنت وقعت بعشق
«مسلوبة الروح»
رواية سراج الثريا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد سلامه
قبل دقائق
أثناء وقت سيره على الطريق، صدح رنين هاتف آدم. تبسم وهو يعلم من التي تتصل عليه بالتأكيد حنان. بالفعل صدق توقعه، ابتسم وقام بالرد عليها. لاحظ لهفتها وقلقها عليه، وكذلك عتابها له أنه تأخر.
تبسم قائلًا:
حبيبتي، أنا سايق على الطريق. هركز دلوقتي في الطريق ولا في عتابك. خليه لما أوصل، كلها نص ساعة بالكتير وأكون قدامك وعاتبيني براحتك.
لا تعلم سبب لانقباضة قلبها، لكنها حاولت نفض ذلك الشعور السيئ وقالت بأمر مُحبب:
تمام، بس اعمل حسابك لو اتأخرت أكتر من نص ساعة هتنام عالكنبة في الصالة.
ضحك بإستمتاع قائلًا:
معتقدش أهون عليكِ أنام بعيد عن حضنك.
خفق قلبها قائلة:
بتستغل مشاعري، بس لأ. لو اتأخرت، هترجع تلاقيني نايمة وهقفل أوضة النوم بالمفتاح.
ضحك بمرح قائلًا بثقة:
معاكِ كل مفاتيح قلبي وحياتي يا "حنون". بقول كفاية نخلي شوية لما أوصل هيكون بينا حديث تاني... بعشقك.
ابتسمت حنان قائلة:
وأنا كمان بعشقك. هستناك يا حبيبي، بلاش تتأخر أكتر من كده. في أمان الله.
تبسم وهو يُغلق الهاتف، يضعه جواره على مقعد السيارة مُبتسمًا بنشوة حب. ما هي إلا لحظات، لاحظ بالمرآة الأمامية سير تلك السيارة خلفه. كلما دخل إلى منعطف على الطريق كانت خلفه. تأكد أنها تتعقبه. انتبه لها، حاول التمعن لمعرفة من يقودها. بنفس الوقت صدح هاتفه مرة أخرى. جذبه من جواره ورأى هوية المتصل. سمع صوته المتذمر:
إنت فين يا آدم؟ روحت لك الإسطبل قالوا لسه ماشي.
ما زال يراقب تلك السيارة التي تسير خلفه قائلًا:
خير يا إسماعيل.
أجابه بتذمر:
الراجل حمايا ده بيفكرني بـ" ماري منيب". طردني وكنت زهقان، قولت أروح الإسطبل يمكن نفسيتي تهدأ. بس معرفش السبب، ماليش مزاج لركوب الخيل. إنت أكيد لسه عالطريق، ما تيجي نسهر سوا زي زمان، تقعد تحكي لي كام قصة من قصصك الرومانسية، اهو يمكن نفسيتي تروق.
ضحك آدم قائلًا بمرح:
مش قصصي، دي اللي ما كانتش بتعجبك وكنت بتقول دي قصص خيال. أنا راجل مؤمن بالعلم.
زفر إسماعيل:
وما زلت عند رأيي، بس زهقان.
ضحك آدم قائلًا:
في دكتور تشريح بيزهق؟ خلي بالك....
توقف آدم عن الحديث حين لاحظ السيارة تتخطاه، وسرعان ما استدارت بالعكس بالمقابل له. لاحظ إسماعيل صمت آدم وكاد يسأله، لكن آدم أخبره:
إسماعيل، إنت فين بالظبط؟
أجابه إسماعيل على مكانه. تنهد براحة قائلًا:
إنت قريب من مكاني. كان في عربية ماشية ورايا من أول ما طلعت من الإسطبل، دلوقتي سبقتني وراجعة بوشها عليا.
تلهف إسماعيل بقلق قائلًا:
معاك سلاح في العربية يا آدم؟
أجابه:
أيوه معايا السلاح. حاول توصل بسرعة.
بالفعل، حين اقتربت تلك السيارة، وقفت بعرض الطريق الخالي بسبب الوقت المتأخر، فقد انتصف الليل تقريبًا. توقف آدم بالسيارة وجذب السلاح، قام بفك صمام الأمان. لاحظ نزول فردين من السيارة يقتربان منه، حتى وقف أحدهم بجوار باب السيارة، قام بالطرق على الزجاج الجانبي للمقود. لم يفتح آدم الزجاج، مما أغضب الآخر، فأخذ مطرقة من زميله وقام بالضرب على الزجاج الذي سرعان ما تهشم. في نفس اللحظة أطلق آدم رصاصة أصابت يد المتطفل، فعاد للخلف متألمًا. كذلك الآخر الذي كان معه، لوهلة هلّع، لم يتوقع أن يكون لدى آدم سلاح كما أخبرهم. لكن لديهم مهمة ولا بد من إنهائها. زاد عليهم ثالث ترجل من السيارة معه سلاح ناري. أطلق الرصاص نحو السيارة وهو يقترب من آدم. تحدث لمعاونيه:
أنتم الاتنين مش عارفين تنزلوه من العربية؟ أنا هنزله زي الأرنب المبلول.
لوهلة، ضحك آدم. ربما يعلم الجميع عنه أنه شخص مسالم، بل معاق، لكن لا يعلمون أن الفارس يمتلك خصال الخيل. وقت الخطر تصبح شرسة، وهكذا هو. لم يترجل من السيارة، ليس خوفًا بل مراوغة واكتسابًا للوقت قبل مواجهة الأوغاد.
دقيقة واثنتان، كان زجاج السيارة يتهشم بسبب الرصاص. كادت إحدى الرصاصات تصيب رأسه وهو جالس بالسيارة، لولا انحرافه برأسه فسكنت كتفه. انتهت المراوغة وترجل بالفعل من السيارة مع اقتراب ذاك المجرم المصاب الذي يضحك بغيظ واستفزاز. لكن يبدو أنها ضحكته الأخيرة، فقد صدح صوت رصاص، لكن ليس من المجرمين، بل من الداعم الذي أطلق الرصاص بغضب شديد ينفث به عن ما يعتريه من ضجر. يبدو أنها ساعة تنفيس الغضب. ليس لإسماعيل الذي وصل للتو، وهو يترجل من سيارته يقف خلف الباب يقوم بالتصويب نحو المجرم الذي يطلق الرصاص فأصاب يده مما جعله يترك سلاحه يقع أرضًا قبل أن ينحني ويجذبه مرة أخرى. كانت رصاصة أخرى تصيبه بساقه، يصرخ من الألم. بينما المجرم الثالث اتخذ الفرار قرارًا، لكن إسماعيل وآدم لاحظا ذلك فقاما بالتصويب نحو ساقيه برصاصتين أصابتا الهدف. والثالث أصبح في مواجهة مع آدم يكيل له بعض الضربات القوية يود معرفة من الذي قام باستئجارهم. راوغ المجرم في إخباره. بنفس الوقت كانت سارينة الشرطة تصدح، وكذلك إطلاق بعض الرصاص في الهواء. اقترب إسماعيل من آدم بعدما أصبح الثلاث مجرمين مهزمين. نظر له بقلق سائلًا:
آدم، إنت انصبت.
أومأ آدم بألم ثم أكمل مازحًا قائلًا:
إصابة خفيفة بكتفي، اطمن. وبعدين إيه الغل اللي كنت بتضرب بيه ده؟ يلا يا سيادة الدكتور الشرعي، جالك كام جثة تشرح فيهم.
نظر إسماعيل إلى المجرمين الذين أصبحوا بعهدة الشرطة قائلًا:
للأسف محدش فيهم مات، بس بقوا مهمين وبيحاولوا يغتالوك. اهو ده بقى اللي بيسموه قصف الأقلام. تعالى أما أشوف كتفك المصاب. يلا تصدق ممكن تكون فرصة أتصل على قسمت أقولها إني اتعرضت لشوية أوباش عالطريق، يمكن تقتل أبوها وتيجي تطمن عليا.
ضحك آدم، تحول المأزق إلى مزح بينهم قائلًا:
بعقلية حماك أنصحك بلاش، ده ممكن يكون رد فعله عكسي ويأجل الفرح.
أومأ إسماعيل ضاحكًا بموافقة.
❈-❈-❈
بشقة سراج
كان صمت ثريا يقابله مجرد نظرات غير مفهومة له. شعر بغصة في قلبه من صمتها. ربما لو تفوهت حتى بما يخالف ما يريد سماعه منها كان أفضل من صمتها. لم يشعر بيأس وانخفض برأسه، يضعها بحنايا عنقها، يزفر نفسه بصبر. لكن هي، رغم خفقان قلبها، لكن ارتبك عقلها. سراج يبوح بالعشق، هل حقًا عشقها؟
قلبه... يتمنى ذلك. تريد أن تشعر بقيمتها وأن هناك من يعشقها حقًا بدون أسباب أو أهداف.
والعقل... يعيش دائمًا بالنهاية السراب.
آه، وآه.
ينطقها القلب والعقل.
والروح عالقة بالماضي وأكاذيب صدقتها بالنهاية. وجدت سادي يتلذذ بعذابها، بل ويتفنن بإيلامها... وجملة قالها ذاك البغيض غيث ذات يوم هدمت روحها:
"إنتِ مفكرة إن في راجل زيي من عيلة كبيرة كان هيبص لبنت زيك ليه وهو قدامه بنات العائلات الكبيرة وأجمل الجميلات... أوقات النفس بتجزع فنفسك تشتهي أكلة رخيصة... اهو أنتِ كده بالنسبة لي 'رخيصة الثمن'. وقت ما هزهق منك هرميكِ. وجتها محدش هيرضي ياخد نفايات 'غيث العوامري' لأنك هتبقي غير صالحة لأي شيء. مفيش فيكِ شيء يغري أو يغوي. وش حلو بس باردة وسهل أشوه وشك ده كمان وتبقي شبه المسخ اللي يخوف الناس وهو ضعيف وهش."
"ضعيف وهش".
هي بالفعل حقًا دائمًا ما تدعي الصلابة وهي حقيقة قلبها. ليست مسخ بل ملاك منزوع الأجنحة، يستسلم للعواصف تقذفه أرضًا بل بجوف الأرض.
لوعة تشعر بها وسؤال بعقلها، لما الآن يقول سراج ذلك؟ حتى لو كان صادقًا... هل شبع منها واكتفى؟ أم مثلما قال غيث، هي لا تنفع زوجة تُطفئ وهج قلب رجل؟ هي مثل الصحراء جافة بل قاحلة...
أخذها عقلها إلى أخرى:
"تالين".
تلك الناعمة الرقيقة، واضح أنها تهيم بـ سراج. سمعته أكثر من مرة يتحدث معها بلطف. ربما حن قلبه لها، ويقول ذلك كي لا يتسبب لها في استقلال من شأنها، أو مساومة أخرى.
دمعة بعينيها تتحجر بين أهدابها. اعتصرت عينيها وشعرت بأنفاسه فوق عنقها كانت ساخنة عكس صقيع قلبها، لكن لم تُدفئ قلبها
البارد كطبيعتها.
رفع سراج رأسه مرة أخرى، نظر لوجهها. صمتها يُخيب توقعه. رأى اعتصار عينيها قبل أن تفتحهما مرة أخرى. بإستسلام تفوه:
قدامك لحد ما أرجع من القاهرة يا ثريا، وقتها أي كان قرارك واختيارك هنفذه. بس تأكدي من شيء واحد، حقيقي مر في حياتي وعمري ما كنت أتوقعه إني في يوم أحب وأعلن هدوء عصيان السرج الشارد.
كلمات واهية... أم مشاعر حقيقية... ومتاهة لا تستدل على حقيقة... والصمت ما زال يسيطر عليها كأن هناك لاصق فوق فمها، فقط نظرات.
وقلب يخفق، لكن عقل يُحذر... يكفي تذكري من البداية كان واضحًا.
أليس هو من أمر ذاك الضخم أن يغتصبك؟ أراد تركك مقيدة بالصحراء.
هو أيضًا من دخل إلى حلبة إطلاق الرصاص وأنقذك.
نقطة واحدة مقابل نقاط، والاعتراف نقطة ثانية. له أم عليه؟
له وتضعف وتعود إلى قلبها البريء الذي كان عطشانًا وظن أنه ارتوى، لكن بالحقيقة ارتوى ملح الأرض.
أم تعيش الواقع ويكفي تخاذلًا...
صمت وصمت، هذا أفضل قرار لتنظر الأيام تعطي القرار.
آسف وآسي.
ليتها حتى تضحك أو تستهزئ كعادتها. صمتها مُخزٍ ومُخيب للآمال... يود لو تقبلت ما أفصح به أنه مغرم بها حقًا.
أخرجهما من تلك المشاعر المتضاربة صوت هاتف سراج. تنحى عن ثريا وقام بالنظر إلى الهاتف. تحدث ببرود وهو يسمع لـ آدم الذي أخبره بجزء من ما حدث، كذلك طلب منه الذهاب له بالمشفى ومعه حنان.
أغلق الهاتف ونظر نحو ثريا التي تجذب الدثار حولها. لم تسأله حين توجه إلى الحمام. غاب لوقت كانت هي شبه غافية العقل. عاد يرتدي ثيابه وغادر بصمت، فلا يوجد ما يُقال. فتحت ثريا عينيها حين سمعت صوت إغلاق باب الشقة. نظرت بالغرفة، كانت فارغة. إذن سراج غادر، لكن إلى أين ولماذا غادر.
تغافل عقلها وهي تشعر بالتوهان.
تشعر أنها بين منحدرات الطرق المظلمة ولا تعلم أي اتجاه سيصل بها إلى الضوء.
❈-❈-❈
بعد وقت بغرفة المشفى
دَلفت حنان بلهفة وقلق.
نظرت إلى آدم الممدد على الفراش، شعرت بالهلع وهي تقترب منه. تبسم لها وجلس على الفراش قائلًا:
أنا بخير يا حنان.
بكت وهي تنظر له ولذاك الضماد الظاهر من أسفل زي المشفى... قائلة:
مين اللي عمل فيك كده؟
أجابها ببساطة:
قطاع طرق، وكنت عارف لو كنت كلمتك وقلت لك إني مصاب كان قلبك هيوقف، عشان كده طلبت من سراج يجيبك هنا.
أومأ له سراج قائلًا:
حمد الله على سلامتك... هروح أشوف إسماعيل.
أومأ له آدم وهو يغادر الغرفة. بينما اقتربت حنان من آدم وضمته. شعر بوجع منه. جذبته قائلة:
تعالى ارتاح عالسرير.
بالفعل، أجابها وذهب إلى الفراش، تمدد وهي فوق صدره تسأله. هي ليست مصدقة أن ما حدث كان صدفة. فجأة تذكرت رسائل "حفظي" وتهديداته وخُبثه. يرسل لها الرسائل برقم غير رقمه، لكن هل تتوه عن قذارته؟
فجأة...
ابتعدت عن حضن آدم ونهضت من فوق الفراش ترتعش أوصالها. دخلت بهستيريا بكاء قائلة بإنفعال تلقي اللوم على ما حدث:
أنا السبب صح؟ اللي حصلك بسببي. أكيد حفظي مش هيهدى، هو قالي في الرسايل إنه بحر الدم هيرجع يتفتح من تاني. سراج مكنش لازم يضرب عليه نار. حفظي ابن عمي وأكيد هينفذ تهديداته. هو مقهور إنه مأخدتش عزاء عمي.
اعتدل جالسًا على الفراش قائلًا:
سراج غلط في إيه؟ راجل انتهك حرمة الدار ودخل بين الستات، وياريت كده وبس، لأ كمان...
واخد مراته رهينة وحاطط السلاح براسها ويهدد كمان. كان لازم ينفذ له كمان اللي هو عاوزه.
بلغوم قالت:
برضوا مكنش لازم يضرب عليه نار كده. فتح باب الشر من تاني. أنا لازم أرجع لـ دار السعداوي، هو ده الحل اللي ممكن يوقف بحر الدم اللي هيسيل وهيبقى ضحاياه الأبرياء.
نهض من فوق الفراش مذهولًا واقترب منها بخطوات متعرجة قائلًا بأسف:
تهديدات إيه اللي حفظي بيهددك بيها وإزاي مخبية عني حاجة زي دي؟ وبعدين...
مفتكرة لما هترجعي لـ دار السعداوي هتخلص القصة؟ إنتِ كده.... لو عاوزة ترجعي لدار السعداوي، الباب قدامك أهو. بس بكده يبقى بتختاري تنهي اللي بينا... وابننا هو اللي هيدفع التمن يا حنان.
وضعت يدها على بطنها قائلة بأسى:
سامحني يا آدم، أنا...
جذبها يضمها بقوة قائلًا بأمر:
مش مسموح لكِ تبعدي عني. وحكاية إنك تخفي عني رسائل تهديدات حفظي دي لها عقاب عندي يا حنان، لأنك بكده بتستقلي بيا.
تدمعت عينيها بدموع سائلة:
أنا خايفة عليك يا آدم، حفظي ولد عمي شراني ومعندوش أخلاق.
أجابها بقوة:
حفظي استغل ضعفك. بعد ما كان المفروض توثقي فيا. بس الوقت لسه مبدأش يا حنان ولينا حديث تاني لما نرجع لدارنا.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام
بـ دار العوامري
بشقة سراج
دَلفت ثريا تشعر بإرهاق.
لكن زال ذلك الإرهاق وتبدل إلى ارتعاب وهلع وخفقان قلب يكاد يخرج من بين ضلوعها وهي تشتم تلك الرائحة.
رائحة تعلمها جيدًا ولو بعد أعوام.
تلك هي رائحة عطر غيث، منتشرة بقوة. ذهبت نحو غرفة النوم وهي تسعل بشدة. زاد سعالها وهي تشعر بزيادة تلك الرائحة... كذلك شعرت بالهلع حين نظرت إلى الفراش، كان هناك بقعة دم وفوقها رصاصة. كادت تصرخ لكن انحشر صوتها وإرادة البقاء جعلتها تفر من الغرفة بل من الشقة بأكملها. احتارت أين تذهب بهذا الوقت. ذهبت إلى غرفة سراج القديمة. دخلت وأغلقت خلفها باب الغرفة بالمفتاح وجثّت أرضًا تضع يديها فوق فمها تكتم صرخاتها... وعقلها يعيد ما رأته قبل قليل، تلك الرصاصة الموضوعة فوق الفراش، كذلك بقعة الدم. وبين تلك الليلة التي أصيبت بها...
كانت عين غيث.
غيث.
هل ما زال حيًا؟
وعقلها يكاد يشت من مكانه. لكن فكرت ربما من فعل ذلك أحدًا آخر بتحريض من ولاء وأختها كي يزرعن بقلبها الرعب. لن تستسلم.
يكفي خنوع.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر تقريباً
بشقة خاصة بـ أسيوط
وقف سراج خلف ذاك الشباك الزجاجي يراقب شروق الشمس من بعيد. لكن يبدو أن الشمس لا تود الشروق اليوم، محتجزة كأنها مخنوقة وسط تلك الغيوم. تذكر...
"حورية الشمس" شعاعها ضعيف قد يخفت بلحظة خلف تلك الغيوم.
أخرجه من تأمل ذاك المنظر حين سمع حديث من خلفه:
الفطور جاهز يا سراج.
ترك الستائر ونظر له قائلًا:
الجو شكله عاصف.
أجابه الآخر:
فعلاً الطقس فجأة تبدل. أنا حضرت الفطور.
تبسم له وذهب خلفه وجلسا بالمطبخ يتناولان الطعام... تحدث سراج إلى الوسيط:
وصلك أي أخبار من الراجل بتاعنا؟
أجابه وهو يهز رأسه بنفي:
لأ للأسف. عندي شك ممكن يكون شكوا فيه وتقريبًا كده مش عاوزين يصفوه كنوع من التمويه لينا. لكن وصلني من أفراد المراقبة اللي على مكان تخزين الآثار إن تم هجوم والآثار اتنقلت لمكان تاني وتم تصفية كل الحراس.
نظر له سراج سائلًا:
ومين اللي عمل كده؟
رد الوسيط بتوضيح:
للأسف مش عارفين الشخص ده مين. عامل زي الشبح ظهر وفجأة اختفى.
استغرب سراج سائلًا:
المهم الآثار عارف مكانها الجديد.
أومأ له قائلًا:
طبعًا يا أفندم... أنا حاسس إننا زي اللي في متاهة. تفتكر يا أفندم هما عارفين إننا بنراقبهم وتكون دي حركة تمويه منهم إنهم يشتتوانا؟
زفر سراج نفسه قائلًا:
ممكن ليه لاء. كل شيء وارد. وعاوزك تركز أوي عالـمراقبة. أكيد لو في شبح جديد هيظهر حقيقته قريب.
تنهد يزفر أنفاسه قائلًا:
أنا راجع تاني ومتأكد رجوعي هيبقى له أهمية.
خفق قلب سراج، فقد حان وقت عودته وعليه معرفة قرار ثريا آيًا كان، وعلى ضوء ذلك سيحدد إن كان يستمر أو ينهي عمله العسكري.
❈-❈-❈
ليلًا
انتهت ثريا من تلك القضية. دلفت إلى الداخل. ابتسمت حين وجدت سعدية مع والدتها يشاهدن إحدى المسلسلات. ابتسمت لها سعدية سائلة:
خلصتي الرغي مع الزباين.
أومأت ثريا وجلست تتنهد بإرهاق:
أيوه أخيراً خلصت... أنا قولت هتملي وتمشي وتسيبي أمي تكمل التمثيلية لوحدها.
ضحكت سعدية قائلة:
لأ التمثيلية دي حلوة.
ابتسمت وجلست تشاركهما بعض الوقت إلى أن سألت سعدية:
سمعت إن فرح سِلفك بعد كام يوم.
أومأت ثريا قائلة:
أيوه إسماعيل كلمني وقالي إن زفافه كمان يومين، وهيبقي مختصر بس على ليلة الفرح هيعملوه في أكبر قاعة أفراح في أسيوط.
كادت سعدية أن تسألها عن سراج، لكن سمعوا رنين جرس باب الدار. نهضت نجية قائلة:
مين اللي هيجي لنا دلوقتي.
لم تجب ثريا ولا سعدية، بينما فتحت نجية باب الدار وتبسمت بترحيب لذاك الزائر. دخل وهو خلفها.
بمجرد أن وقعت عيناه على ثريا تبسم بشوق، بينما هي وقفت مذهولة تهمس:
سراج.
رحبت به أيضًا سعدية التي قالت بلوم لـ ثريا:
إكده جوزك يرجع وإنتِ سهرانه هنا.
أجاب عنها سراج:
ثريا مكنتش تعرف، أنا لسه واصل.
تحدثت نجية:
أجيب لك تتعشى.
أومأ نافيًا عيناه على ثريا... قائلًا:
متشكر، كنت في السكة. كمان حاسس بشوية إرهاق.
تحدثت سعدية:
همي مع جوزك يا ثريا.
ابتسم سراج على ملامح ثريا التي شبه تبدلت إلى نزق.
بعد قليل بـ دار العوامري
أمام شقة سراج
توقف يضع المفتاح بمقبض الباب، بينما ثريا قلبها يرتجف تشعر بتوتر وارتباك، كذلك ترقب، لكن لا تشعر بخوف. حين فتح سراج باب الشقة وانزاح على جانب الباب يشير لها بالدخول قبله.
زادت خفقات قلبها وهي تدخل، لا تشعر بقدميها.
تخشي أن تشتم تلك الرائحة التي بسببها تركت الشقة الفترة الماضية وفضلت البقاء بمنزل والدتها دون إخبار سراج الذي بالتأكيد علم بذلك، وبالتأكيد سيكون له رد فعل.
للغرابة اليوم اختفت تلك الرائحة المقيتة، لكن...
ما زالت تشعر بتوتر وارتباك، كذلك...
بترقب.
دخلت إلى غرفة النوم، اختفت الرائحة أيضًا، لكن دخل سراج خلفها ينظر لوجهها وملامحها التي تنظر حولها كأنها تبحث عن شيء. لكن تهكم قائلًا:
أكيد الشقة وحشتك، مش بقالك أكتر من عشرين يوم سيباها وبتفضلي طول الوقت في دار والدتك.
نظرت له دون تفسير، فبماذا ستخبره؟ بالتأكيد لو أخبرته سيقول عنها فقدت عقلها. لكن امتثلت بقوة واهية وقالت ببرود:
أصل السقعة السنة دي شكلها هتبقى قاسية والشقة في العالي، قولت دار أمي دفا... كمان...
فهم تلميح ثريا، لكن تغاضى عن ذلك وقاطعها قائلًا:
فرح إسماعيل بعد يومين يا ثريا، أكيد عارفه.
أومأت برأسها. بينما هو اقترب منها ضمها إلى صدره بشوق لم يستطع التحكم فيه، وقبلة على عنقها. بسبب الغفلة ارتبك عقلها، لم تبدِ أي رد فعل، لكن بداخلها تود عناقه. لا يعلم أن ذلك العناق كانت تحتاجه بشدة كي يزيل عن قلبها ذاك الخوف الذي سكنه بالأيام الماضية. توغل بعناقه لها برغبة وبشوق. عاد برأسه للخلف نظر إلى وجهها. كانت تبتسم. خفق قلبه وضم شفتيها بقبلات عاشقة. تقبلتها منه بروية وهو يضمها يجذبها للسير معه بالقبلات إلى أن وصلا إلى الفراش بشوق منه. حملها وضعها فوق الفراش يضمها له بلحظات غرام. كانت تتقبلها منه، وهو الآخر منشرح القلب. إلى أن انتهى الغرام بينهم ضمها لصدره، وفمر قليلًا قبل أن يتحدث:
خدتي مهلة كافية يا ثريا للتفكير، وأنا منتظر قرارك. بس ليا عندك رجاء، أجليه لبعد فرح إسماعيل.
رفعت رأسها نظرت لوجهه. شخص آخر يتحدث معها الليلة. توقعت أن يثور بسبب تركها للمنزل الفترة الماضية. توقعت رد فعل آخر، أن تنتهي الليلة بقرارها ألا تعود لهنا مرة أخرى. لكن كل ذلك أصبح مؤجلًا الليلة.. ليلة يسودها هدوء حذر... وضمة سراج لها وشعورها بالأمان جعلها تغمض عينيها مستسلمة لغفوة غابت عنها لأيام. كذلك سراج استسلم لغفوة كان يشتاق إليها.
لكن على جانب آخر بشقة غيث.
نظر إلى ذاك الحاسوب الخاص به. في البداية شعر بغضب جم. زاد هدرًا حين رأى ثريا تبادل سراج القبلات وتلك اللمسات والغرام وهي مستمتعة معه. قبض بقوة على يده وهو يرى ذلك. سمع صوت طرقعة أصابعه التي تكاد تنفر العروق منها بسبب الغضب الساحق.
تلك العاهرة الخائنة لم تفعل ذلك معه لمرة واحدة. الآن هو عاجز، لكن لن تنال الراحة. سينهي ذاك الغرام بأقرب وقت.
❈-❈-❈
بذاك المكان القريب من الجبل
كان لقاءً هامًا للغاية بوكر الشياطين لمداولة ذاك الخبر المفزع.
تحدث ذاك الكبير بغضب جم:
إزاي بضاعة زي دي تتنقل من مكان تخزينها بالسهولة دي؟ إنت مكنتش مأمن عليها كويس.
أجابها برعب:
بالعكس، أنا كنت مأمن عليها كويس جدًا وكان عليها حراسة كبيرة. معرفش مين اللي قدر يخترق المكان وقتل كل الرجالة اللي كانت بتحرس المكان. قدر يسرق الآثار، مش بس الآثار، لاء كمان البودرة. أنا بقول البوليس هو اللي عمل كده.
نظرت له بسخط قائلًا:
غباء منك. متأكد إن اللي عمل كده مش البوليس. لو كان البوليس كان زمانه أعلن عن العملية دي عشان يتباهى. اللي عمل كده شخص عايز ينتقم. بس هو مين؟ ده اللي محيرني لحد دلوقتي. ومتأكد إنه شخص قريب منا. وهيظهر بالتأكيد مش هيضل مخزن البضاعة كتير، لازم هيصرفها. وجتها هعرف هو مين، وجتها مش هيكفيني دمه. وإنت هيبقى عقابك كبير قوي. إمامي وليك آخر فرصة لو فشلت فيها الأحسن لك تطخ رصاصة في راسك.
شعر بالرعب وهو يبتلع ريقه قائلًا بتوتر:
أنا... أنا...
قاطعه بحسم وتوعد:
إنت قدامك آخر فرصة لو فشلت.
ابتلع ريقه ينتظر الأمر وسرعان ما لمعت عيناه بتمني وهو يسمع:
"سراج العوامري".
فرصتك الأخيرة هي تصفيته في أقرب وقت.
تبسم بفرحة غامرة قائلًا:
كان لازم يتصفى من الأول، وعندي يقين إنه هو اللي سرق البضاعة.
نظر له بغيظ قائلًا:
هو أو مش هو اللي سرق البضاعة مش شبح وأكيد هيظهر. بس مهمتك دلوقتي هي تصفية سراج العوامري.
❈-❈-❈
بشقة غيث
كان يضحك باستماع وهو يتخيل رد فعل الكبير، كذلك موقف قابيل بعد أن استطاع السطو على تلك البضاعة وأخذها عنوة بعد مقتل جميع الحراس. ضربة قوية لـ قابيل، ربما بسببها يأمر الكبير بقتله شكًا به، أو حتى لا يقتله، لكن أصبحت مكانته على شفا الانهيار بلحظة. لكن بداخله رغبة أن ينهي هو حياته بعد أن يقتص منه على ما وصل إليه من عجز.
تنفس بغلول يزفر نفسه قائلًا:
آن أوان عودة الشبح اللي هيرعب الجميع.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
ظهرًا
بشقة والد قسمت
دخل إلى غرفتها والدها تبسم لها بحنان وهو يضمها يحاول كبت دمعة عينيه، وهي كذلك.
أباح لها بأبوة:
إنتِ أول فرحتي يا قسمتي، دايمًا كنت بفتخر بيكِ. ربيتك إنتِ وأخواتك على المحبة والاحترام. بصي يا بنتي، يمكن الكلمتين اللي هقولهم دول كان المفروض مامتك هي اللي تقولهم لكِ، بس مامتك خايبة. أه والله، دايمًا تعصبني وتقول لي دول بنات ولازم يكون عليهم شوية شدة. أنا عطيتك إنتِ وأخواتك حرية وعارف إن مفيش واحدة فيكم هتخون ثقتي فيها. عارف إنك بتحبي إسماعيل رغم ده، دايمًا قدامه تقفي معايا وتسانديني. بس هقولك على نصيحة يا بنتي، الست ملهاش غير جوزها.
تطلع عينه وعين اللي جابوه. آه والله، بالذات نوعية إسماعيل وعمته الحيزبون دي ابتلاء. الولية دي مش بتنزل لي من زور. المهم جوزك على ما تعوديه. شوفتي مامتك قبل كده بتعارضني في قرار؟ أنا بقى عاوزك العكس، أي قرار اعترضي عليه بدون سبب. لازم يكون لكِ شخصية منفردة ومختلفة. ولو في يوم الغبي اللي اسمه إسماعيل ده فكر بس يزعلك، أنا هنسيه اسمه سليل البرجوازية ده. أنا كنت معترض على قاعة العرس مش عشان فخمة أوي، لاء، معترض لمجرد الاعتراض.
ضحكت قسمت تفهم طبيعة والدها. هو كان لهن والدًا وصديقًا. طبيعته على الحفاظ عليهن جعلت منه ربما ديكتاتورًا يتمسك بهن، يخشى عليهن من مواجهة الحياة غير المناسبة لضعفهن. ربما لا يعلم أنه زرع بداخلها قوة خاصة من الانفراد بشخصيتها التي لا تخضع ولا تضعف بل تواجه وتفرض ما تريد، كما فعلت مع إسماعيل الذي كان لا يفكر بالزواج حين واجهته أنها ليست للتسلية وليست ممن يستمتعون بكلمات الحب والتنزه، بل تود رجلًا يقدر قيمتها ويعلم أنها ذات طبيعة تتأقلم سريعًا. والليلة وصلت معه إلى تنفيذ رغبتها أن تصير زوجته علانية، ليست للخروجات والهدايا. بل هي الهدية الكبرى.
❈-❈-❈
عصرًا
بغرفة إسماعيل...
كان ينتهي من تهذيب ذقنه وأصبح أكثر وسامة بشهادة تلك المرحة إيمان التي نظرت له تُصفر بمرح:
كده قسمت هتقول لك يا حليوة يا مجنني.
ضحك آدم وسراج، بينما سخر إسماعيل بمرح. بنفس الوقت جذبت إيمان فرشاة الشعر وبدأت بتهذيب خصلاته قائلة:
شعرك يا دكتور لازم يكون مساوي. أخويا قمر، كده هيوقف حالي بسببك إنت ومراتك، محدش في الزفاف هيبص ناحيتي بسبب حلاوتكم. هينشغلوا مع العرسان، وأنا من الآخر جاية الزفاف ده أشقط عريس.
ضحك ثلاثتهم. نهض آدم وضع يده على كتف إيمان يضمها أسفل كتفه بأخوة قائلًا:
هو القمر لما يظهر مش بيخزي النجوم. إنتِ قمر العوامرية وأنتِ أجمل وأحن وأقوى بنت شوفتها.
تبسمت له بمودة قائلة:
لأ، في حنان أجمل مني وثريا كمان وقسمت. بصراحة التلاتة أحلى من بعض على رأي خالتي رحيمة.
غص قلب سراج وهو يشعر بقرب نهاية قصته مع ثريا، فبعد الليلة ستعطي قرارها، ويتوقع أنه قد يكون على غير هواه. لكن ابتسم لـ إيمان التي اقتربت منه قائلة:
إمبارح في الحنة ثريا مرضيتش ترقص، أكيد إنت اللي محذر عليها طبعًا.
تهكم مبتسمًا بألم بقلبه.
ظلت جلستهم بين المرح والمزح والأخوة بينهم مع إيمان. حقًا ليسوا أشقاء بالكامل، لكن يشعرون إيمان بغير ذلك، هم سندها التي استقوت بهم. تذكرت حين يعارض عمران إحدى رغباتها تلجأ لأحدهم يقوم بإقناعه. حتى هواية رياضة الكاراتيه حين رأتها صدفة عبر التلفاز ورغبت ممارستها اعترض عمران. لكن آدم أقنعه أنها قد تكون رياضة لصالحها، تستطيع الدفاع عن نفسها لو تعرضت لمأزق. بالفعل، لم تحترف تلك الرياضة بشكل أكبر، مجرد هواية. رغم أنها وصلت إلى مرحلة من التقدم والإجادة بها، أصبح لديها طموح آخر أن تنشئ فريقًا تستطيع به إثبات قوة جديدة للمرأة الصعيدية جانب رجاحة العقل التي تتميز بها، لكن تنتهي تلك الرجاحة مع ذاك المتسلط المتباهي "جسار".
ضحكت وهي تتذكر شجاراتهم معًا. بنفس الوقت ذاك الشعور الآخر الذي توغل منها لأول مرة، شعور الاشتياق لرؤيته والتحدث الجانبي الذي يقومان به بوقت الاستراحة بين التدريب أو قبل وبعد التدريب. ضحك قلبها، وهي ترى المزاح بين أخواتها. كل منهم عثر على شريكة حياته، أصبح بالمنزل ثلاث جميلات غيرها، كانت وحيدة. لا تنكر شعورها معهن بالألفة عكس عمتيها، كذلك تلك الصفيقة إيناس ذات القلب المتكبر والغلول. حمدت ربها أنها لم ترث منهن تلك الصفات الوضيعة التي تسيطر عليهن. رغم ضعف شخصية والدتها، لكن هي استقوت بهؤلاء الثلاث وقبل منهم والدها الذي أحيانًا يقسو، لكن تعلم حقيقة قلبه الحنون. تنهدت تتمنى لهن كل السعادة.
❈-❈-❈
ليلًا
بأحد أكبر قاعات الأفراح بأسيوط
كان بداية ليلة الزفاف.
بداخل تلك القاعة.
كانوا ينتظرون دخول العروسين.
بهامسات خاصة ما بين لا مبالاة وأخرى تتحدث عن البذخ، وأخرى تشعر بالغل.
كانت مظاهر لا تروق لوالد قسمت، البذخ كذالك.
تلك الشخصيات البرجوازية الموجودة بالعُرس.
كان الزفاف هادئًا.
يتخلله المرح والمظاهر الخادعة بالابتسامات والتبريكات، لكن هناك الصادقون أيضًا.
سراج الذي جذب يد ثريا وذهب إلى مكان جلوس العروسين، قام بتهنئتهما. وكادت ثريا أن تعود إلى تلك الطاولة مرة أخرى، لكن سراج جذبها من يدها. توقفت بينما أشار سراج إلى فرقة الموسيقى. قاموا بتشغيل موسيقى خاصة. أصبح سراج يلف ويدور حول ثريا راقصًا وهي واقفة عيناها تتلاقى مع عيناه.
دموع تتجمع بعين كل منهما. رقصة مؤلمة.
كان هناك بين المعازيم ذاك الذي يرتدي معطفًا يرفع ياقته تُخفي نصف وجهه والنصف الآخر مُختفي أسفل نظارة نظر قديمة الطراز كبيرة الحجم. وجهه شبه مختفي. شعر بغضب ساحق وهو يرى رقصة سراج وهو يدور حول ثريا. رقصة من يراها يظنها رقصة حب. لكن كانت بالحقيقة...
«رقصة على أنغام الفراق المحتوم».
رواية سراج الثريا الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد سلامه
قبل قليل أمام بقالة فتحي.
تبسم لـ ممدوح الذي توقف أمامه وألقى عليه السلام.
نظر له فتحي بإعجاب ثم مدح:
"إيه الشياكه دي اللى يشوفك يقول عريس الليلة...عجبال ما أشوفك عريس."
إبتسم له ممدوح قائلًا بقبول:
"تسلم يا عم فتحي.. وإن شاء الله عن قريب هتشوفني عريس."
إبتسم له قائلًا:
"إن شاء يا ولدي محظوظه اللى هتبجي من نصيبك كفايه هتبجي حماتها الحجه نجيه أطيب قلب."
إبتسم له، بينما عاود فتحي الحديث:
"إنت رايح زفاف إسماعيل العوامري."
اومأ له موافقًا.
تبسم له فتحي وتنهد بإرتياح:
"إنت إبن حلال، خالتك ام رغد ورغد رايحين الفرح وأنا كنت هروح معاهم، لكن واحد من اللى بيجيبوا البضاعه إتصل عليا من شويه وجالى أنه فى الطريق ومش هينفع أقفل البقاله دلوق، خد خالتك ورغد أهم وصلوا أمانه وياك."
خفق قلب ممدوح وتبسم قائلًا:
"فى رقابتي يا عم فتحي."
نظرت زوجة فتحي له، تبسم لها، فهمت بسمته.
بعد قليل كان ممدوح ورغد ومعهم والدتها يدلفون إلى قاعة العُرس.
تبسمت والدة رغد قائله:
"عقبالك يا ممدوح."
إبتسم لها قائلًا:
"عن قريب إن شاء الله يا خالتي."
لم تلاحظ رغد نظرة ممدوح لها، خفق قلبها بإضطراب خشية أن يذهب ممدوح لغيرها.
بينما لاحظت والدة رغد نظرة ممدوح، التى لولا ثقتها هي وزوجها به وبأخلاقه ما كان سمح له بإصطحابهن.
بقاعة العُرس.
مازالت رقصة سراج تستحوذ على الإعجاب والتصفيق، لكن النظرات بينه وبين ثريا نظرات موجعة للإثنين.
لحظة وتبدلت نظرة عين ثريا التى كادت تدمع، تشعر بتردد فى إتخاذ قرارها.
لكن بلحظة اتخذت القرار حين رأت دخول تالين ومعها شخص آخر ذو هيئة ووقار، بالتأكيد والدها.
شعرت بحرارة تغزو جسدها وقلبها، أغمضت عينيها تبتلع تلك الغصة المريرة التى تشعر بجفاف حلقها.
حسمت قرارها، لم تعُد تستطيع الاستمرار بالوقوف.
تركت سراج يُكمل الرقص وعادت هي تجلس جوار والدتها التى تبسمت لها، وضعت يدها على إحدى كتفيها تبتسم، تشعر بسعادة عكس قلب ثريا البائس.
رغم تلك البسمة الكاذبة على شِفاها، لو برغبتها صرخت وبكت وواجهت لماذا يحدث لي ذلك، دائمًا ينتظرني الخذلان.
بينما سئم قلب سراج، مازالت بسمته مستمرة.
أنهى الرقصة، نظر نحو مكان جلوس ثريا.
ظنت أنه لم يبالي بها وهو يذهب نحو تالين ووالداها يستقبلهم بترحاب فاتر.
رغم عكس ذلك ما تشعر به ثريا، جلس معهم خلف إحدى الطاولات.
لكن كانت عيناه كانت مراقبة لـ ثريا.
لاحظ نهوضها مثل والدتها وخالتها.
نهض دون مبالاة، ذهب نحوها.
اقترب منها بحميمية وانحنى على أذنها سائلًا:
"رايحة فين يا ثريا."
أجابته ببساطة:
"أمي وخالتي مش متعودين عالسهر كمان أنا صدعت، هنمشي."
نظر لها بإحتقان قائلًا:
"تمام هكلم السواق يوصل والدتك وخالتك، لكن إنتِ معليشي تعالي على نفسك واستحملي شوية كمان."
كادت تعترض، لكن اقترب من وقفتهم ممدوح الذي تبسم لـ سراج، قام بتهنئته كذلك، استأذن للمغادرة بصحبة والدته وسعديه ورغد ووالدتها.
تبسم له مجاملًا.
ذهب معهم إلى الخارج.
لحظات وعاد، رأى ثريا تجلس جوار رحيمه.
توجه نحوهن وجلس جوار ثريا.
التى لا تشعر بصداع بل سأم.
انحنى على أذنها قائلًا بمزح:
"إفردي وشك، واتفرجي على رقص العِرسان، أكيد رقصتهم رومانسية وهتعجبك."
لوت شفتيها بسخط.
رغمًا عنه تبسم، تلمع عيناه بغرام.
قد تكون نهايته أو بدايته الليلة.
الليلة ليلة قرار ثريا وليلة قد تكون خميله ويلتف قلبيهما بخمائل الغرام أو...
لا داعي للتفكير آخر الآن.
مقابل بسمة ثريا له، رغم يقينه أنها مجرد بسمة خالية من المشاعر.
مع ذلك، رغم أن حقيقة نظرت لـ سراج ثريا كانت بسخافة تلك البسمة، رغم أنها استسخاف منها، لكن كانت مثل عاصفة رياح تضرب صواعق ليس بعقل "غيث" فقط الذي يراقبها مثل الثعلب الجائع الذي ينتظر فرصة وينقض على تلك الفريسة المستمتعة بوشوشات ذاك الوضيع.
يود انتزاعها بل تمزيقهما إرباً بنهاية الليلة.
أيضًا عقل قابيل الذي ترافقها عيناه عن كثب مثل الثعبان الخبيث الذي يترقب لفريسة لاصطيادها.
بنهاية الليلة ستكون له لدغة قاتلة.
عيناه مثل إعصار هادر، لكن يضبط نفسه كي لا يكشف عن نفسه.
لديه يقين أن كل الموجودين بالقاعة يستحقون الإبادة وهذا ما سوف يفعله.
بالفعل أخرج هاتفه وأرسل رسالة مختصرة فحواها:
"عاوز إبادة شاملة محدش يفلت منكم، عاوزها مجزرة."
أغلق الهاتف، ينظر إلى تلك السخافات الذي يشعر منها بالغضب.
لكن مني نفسه بنهاية الليلة سيقتص ليس ممن سببوا له العجز، بل من الجميع.
فالحسنة تخص والسيئة تعم، وهم ليسوا أسوياء ولا ملائكة، فمنهم من هم أسوأ من الشياطين.
بعد وقت قليل نظر قابيل لساعة يده.
زفر نفسه بضجر.
لاخظت ذلك إيناس، وزغرت هي الأخرى، لا تستهويها تلك السعادة التي تراها أمامها سواء من آدم لـ حنان، مرح إسماعيل مع تلك السخيفة التي أصبحت زوجته.
كذلك غريمتها الكبرى، ثريا ورقص سراج معها قبل قليل.
شعرت بالغل حين لفت انتباهها نظرة عين قابيل لهما ثم زفره لانفاسه.
دخل شك برأسها، لو كان حقيقيًا قد تقتل ثريا.
لا يعقل أن يكون قابيل مغرم بتلك الوضيعة.
تذكرت أكثر من مرة كانت ثريا تحاول الحديث معه، وهي حذرته أنها وضيعه تسعى لاسم وسطوة عائلة العوامري.
أخبرها كذباً أنها لا يراها سوى أرملة أخيه بالرضاعة.
لكن لغباء تفكيرها الليلة يعود الشك بقوة.
بالتأكيد تلك الوضيعة ثريا التي تسعى للسطوة قد تجذب زوجها أيضاً بعد فشلها مع سراج.
الواضح أنه بدأ يفيق من سطوة سحرها عليه.
عقلها كأنه بهزي بالشئ وعكسه تتملكها الغيرة من كل النساء حولها.
مالت على قابيل قائلة:
"أنا زهجت."
غمز لها بإغراء كاذب قائلًا:
"وأنا كمان، أنا بقول نكمل الليلة في دارنا في أوضة نومنا."
ذهب الهزيان عن عقلها وهي تشعر بالغبطة.
نهضت واقفة هي الأخرى.
لاحظت ولاء وقوفهم، نهضت سائلة:
"رايحين فين."
تبسمت إيناس قائلة:
"هنمشي الفرح ممل جوي."
شعرت ولاء بسخط، تلوي شفتيها بتبرم قائلة:
"عندك حق، أنا كمان زهجت، وإكده إكده الفرح وجت قليل وهينتهي، خلينا نمشي قبل الزحمة."
وافقهما قابيل وخرج ثلاثهم من قاعة العُرس قبل نهاية الفرح.
بعد وقت قليل.
ضجر والد قسمت من طول فترة الزفاف.
ذهب إلى آدم وأخبره بذلك.
بالفعل امتثل آدم لذلك وأخبر مدير قاعة العُرس بإنهاء العرس، ثم ذهب نحو إسماعيل وأخبره.
نظر له إسماعيل بإمتنان.
بعد قليل انتهت رقصة العرسان بنهاية الزفاف.
غادروا قاعة العُرس.
بالطريق أمام القاعة.
بمجرد صعد العروسين إلى السيارة، وكانت معهم رحيمه كذالك والدة قسمت.
انطلقت السيارة وما هي إلا دقيقة حين بدأ خروج المعازيم من قاعة العُرس.
اندفعت طلقات الرصاص عشوائية من سيارة نصف نقل، تطلق الرصاص.
هلع المعازيم وبدأ الهرج والمرج ومحاولة الابتعاد عن فوهات الرصاص.
بسبب تدافعهم سقط البعض وانداس.
لحظات كان هناك تدخل من الشرطة واشتبكت مع المجرمين.
قبل تلك اللحظات.
حين بدأ إطلاق الرصاص، جذب سراج ثريا سريعاً من يدها.
لمح الخوف على ملامحها، ضمها، حاول المرور بعيدًا عن إطلاق الرصاص.
أدخلها إلى ركن جانبي بالقاعة بعيدًا عن مرمى الرصاص.
كذالك آدم الذي جذب حنان خلفه سريعاً.
تقدم ناخية السيارة الخاصة به وأحنى رأسها، وأدهلها إلى السيارة أمرًا:
"ماترفعيش رأسك يا حنان."
لكن صرخت حين تلقى كتفه إحدى الرصاصات.
وضع يده على كتفه وانحنى هو الآخر قائلًا بتطمين:
"أنا بخير... أوعي تنزلي من العربية."
أنهى قوله وجذب سلاح من صندوق السيارة.
هلعت حنان وقبضت على يده قائلة بسؤال:
"إنت رايح فين يا آدم... إنت مصاب كمان الشرطة وصلت أهي... أرجوك..."
قاطعها قائلًا:
"إيمان ومرات أبوي، كمان أبوي... الحمد لله إن والدك ووالدتك مشيوا قبل نهاية الفرح."
ترجته حنان لكن لم يسمع لها وأمرها ألا تترجل من السيارة، وإلا انتهى بينهما غصباً.
امتثلت.
بينما ارتبكت إيمان حين رأت الرصاص يتطاير والمعازيم تهرول بهرجللة تحاول الابتعاد عن الرصاص.
كانت تسير مع والدتها التي ارتاعت هي الأخرى، وجذبت إيمان لحضنها.
لكن عادت الشجاعة لإيمان وجذبت يد والدتها تحاول المرور كي تنجو بوالدتها.
لكن تفاجئت بيد تسحبها خلفه، وبالتبعية هي تسحب والدتها إلى أن تجنبا خلف أحد الأركان.
نظرت بتفاجؤ لذلك الذي مازال يقبض على يدها.
ذُهلت حين رأت سلاح بيده، لكن تلجم لسانها من المفاجأة حين قال بأمر:
"ماتتحركوش من هنا."
قال هذا وعاد للخارج يقوم بالتصويب على المجرمين بمهارة.
هي بسبب فضولها أخرجت رأسها من خلف ذاك الجدار ترا ما يحدث.
رآها جسار.
عاد نحوهن مرة أخرى وجذبها خلف الجدار قائلًا بأمر:
"اتلمي يا إيمان، ده ضرب نار مش شوية أطفال بيلعبوا في الشارع واتخانقوا، هتتفرجي عليهم."
نظرت له بغضب سحيق سائلة:
"إنت مين يا جسار."
نظر لها بسخط قائلًا:
"أنا مدرب الأشبال."
ثم نظر نحو والدة إيمان قائلًا باحترام:
"لو سمحتِ يا حجة خليكم هنا أمان، وسيطري على عناد إيمان بلاش تطلع رأسها من ورا الجدار، الفضول مش هينفعها."
أومأت له فهيمة وهي مرتعبه تجذب يد إيمان تقبض عليها بقوة.
لوهلة ابتسم جسار من ملامح إيمان الواضح عليها الغضب والضيق.
لكن قالت بقلق:
"أبوي وأخواتي لازمن أطمن عليهم."
منعها جسار قائلًا:
"سراج أكيد مش جديد عليه اللي بيحصل ده، وحاولي بس دلوقتي تلتزمي، الشرطة بتتعامل مع المجرمين ومسألة وقت والوضع هيهدا وقتها اطمني عليهم، حافظي على نفسك انتِ ومامتك."
عاود تركهما مرة أخرى.
بينما بالخارج بدأ يهدأ الرصاص بعد أن شبه سيطرت الشرطة على المجرمين وقامت بتصفيتهم.
لكن خلف ذلك شبه مجزرة بالمكان، بسبب الإصابات سواء كانت بسبب الرصاص أو تدافع المعازيم تجنبًا للإصابة.
حتى عمران الذي استطاع سراج حمايته.
لطم فزع حين رأى آدم مصاباً.
كذالك قال بقل كبير:
"فهيمة وإيمان فين."
أجابه سراج وهو يرى جسار يرفع يده له أنهم بخير، قائلًا:
"اطمن يا أبوي بخير."
هدأ قلب عمران وأغمض عينيه بارتياح.
لكن حين فتح عيناه نظر أمامه ورأى على تلك البناية المقابلة ضوء أحمر صغير، وفوهة سلاح مصوبة نحوهم.
كان سراج أمامه بلحظة جذب سراج خلفه وسرعان ما ارتج جسده بقوة متلقياً رصاصة وخلفها أخرى.
قبل الثانية انتبه سراج لمكان إطلاق الرصاصة، سرعان ما صوب سلاحه نحو ذلك.
كذالك انتبه جسار وسريعاً تحرك معه بعض الأفراد من الشرطة إلى تلك البناية.
بنفس اللحظة انهار جسد عمران قبل أن يصل إلى الأرض.
تلقاه آدم الذي تدمعت عينيه.
كذالك سراج انحنى عليه ينظر إلى مكان الإصابة، حاول كتم تلك الدماء التي تندفع منه.
ثم نظر لـ آدم قائلًا بتسرع:
"هجيب العربية بسرعة."
أومأ له آدم، لكن عمران أمسك يد سراج بتحذير قائلًا:
"لاه يا ولدي بلاش تتحرك من اهنه لا يرجع ضرب النار تاني... محدش بيوصل عمر حد اللي بتيجي ساعته بيروح... أنا مش خايف من الموت كفاية إني هقابلها وهطلب منها السماح. أنا عارف إنك من البداية اخترت تروح الكلية الحربية عشان تبعد عني، إنت اللي شفت ووعيت على معاملتي القاسية لـ رحمة، بس صدقني عمري ما كرهتها ولا أنا ارتحت بموتها زي ما جلت لي يوم موتها. إنت كنت بتهرب من اهنه عشان مش طايق تشوف وشي، متأكد إن قلبك عشق ثريا، مع إنك اتجوزتها في البداية عند فيا، كنت عارف إن إصرارك إنك تتجوز ثريا بتتحداني إني في يوم كنت بلوم رحمة على إن كان في حياتها راجل غيري سبجني. بس صدقني أنا عشجتها يمكن لو كنت عرفت كده قبل ما أتجوزها كنت اتمسكت بها أكتر. ثريا مش زي رحمة يا سراج، ثريا حتى لو كانت ضعيفة بس بتعافر، لكن رحمة كانت مستسلمة دائمًا. وده اللي عجل بعمرها في الوقت اللي أنا فوحت فيه وكنت هعوضها عن قسوتي، هي استسلمت ورحلت. بسببها ظلمت فهيمة عايشة مع راجل قلبه وعقله ساكن مع اللي سكنت القبر، وهي مجرد ست واجهة لراجل عايش عالندم. إنت عشقت ثريا وعرفات قد إيه العشق لوعة قلب."
قاطعه سراج وهو يضع يده فوق فمه:
"بلاش تتحدت كتير يا أبوي، هتبجي بخير."
نظر له عمران وهو يتألم يلفظ أنفاسه بصعوبة قائلًا:
"متأكد إن كبير العوامريه من بعدي هيبجي عادل ومُتفهم."
قاطعه سراج:
"بلاش يا أبوي أرجوك وبلاش تكسر ضهري، إنت هتفضل الكبير."
قبل أن يعود عمران للحديث، سمعا صوت سارينة إسعاف.
نهض سراج غير مبالٍ، وأشار لسيارة الإسعاف أن تقترب من مكانهم.
بتلقائية من عمران مازال يخشي من الخطر على سراج وجذب يده بقوة ضعيفة حتى عاد ينحني عليه.
بينما آدم كان آلم إصابة كتفه زال، هناك ألم أقوى وأقسى بل قاصف للكيان وهو يسمع اعتراف والده.
يعلم القليل، لكن سراج رأى كل قسوة والده، حتى أنه كان قاسياً عليه بعض الأحيان.
اقتربت سيارة الإسعاف، وقف سراج ونزل أحد أفراد الإسعاف بسرير صغير.
سريعاً حمل جسد عمران ووضعه فوق ذاك الفراش، آمرًا آدم بعدما أخبره عن مكان ثريا:
"آدم حصلنا عالمستشفى وهات ثريا معاك."
أومأ له آدم وحاول تجفيف دموع عينيه وذهب نحو المكان الذي أخبره عنه سراج.
رأى ثريا منكمشة على نفسها.
بينما قبل لحظات أثناء اختباء ثريا بذاك الركن.
شعرت بقلق غريب على سراج رغم شبه اختفاء أصوات الرصاص.
حسم قلبها القرار، ستخرج للاطمئنان عليه أنه بخير.
لكن تصنمت مكانها حين رأت تلك العينان اللتان تشعان بالشرر.
قبل دقائق.
اختفى غيث بأحد الأركان الآمنة يشاهد ما يحدث.
خطته تنجح، مجزرة كما أراد، ليتها تحصد الجميع.
لكن شعر بالغضب الساحق حين رأى سراج يسحب ثريا يحاول حمايتها.
رأى ضمته لها بجسده، شعر بالغضب ود قتلهما الاثنين.
راقبهما حتى حين ترك سراج ثريا.
وقف لحظات تُذيب المياه الثائرة ما بقي من تعقله.
بالفعل راقب مغادرة سراج إلى أن ابتعد وحسم القرار.
لا مانع من فيضان يجرف بعقل ثريا الآن.
بالفعل اقترب من مكان وجود ثريا.
أزاح عن عينيه تلك النظارة، وكاد يخفض ياقة معطفه ويظهر كل وجهه، لكن بنفس الوقت رأى اقتراب آدم.
عاد للخلف وتوارى، لكن بنفس الوقت أصاب جزءً من هدفه وهو رعب وهلع ثريا التي رأته وتلجمت مكانها للحظة ثم عادت تسير للخلف وهي تنظر له بارتعاب.
عيناه كانت مثل شعاع مهلك.
تمركزت عينيها حولها تدور بالمكان استنجادًا.
ذهبت خلف حائط وجلست تنكمش على نفسها تخفض وجهها بين ساقيها، تحاول ألا ترى.
ربما عقلها يوهم لها ذلك، وأن ما تراه ليس سوى وهم كاذب.
لكن عقلها يعيد حادثة إطلاق الرصاص عليها سابقاً.
كذالك الرصاصة على الفراش، رائحة عطره.
كل ذلك يمر أمام عينيها، أصوات الرصاص تجعل قلبها يهجع.
وضعت يديها حول أذنيها تغمض عينيها.
"وهم... كل ذلك وهم يا ثريا."
وعقلها ينفي:
"كل ذلك ليس وهم، حقيقة."
"غيث مازال حيًا."
عقلها يسخر:
"حي في دماغك، مش قادرة تتحرري منه، فوقي الوهم ده هيقتلك."
"لاء جبروت غيث الهادر والغادر مازال موجود."
"لاء كل ذلك وهم وهل يعود الموتى... ليت ذلك يحدث كان عاد أباها الذي فقدت معه السند. رغم أنه كان بسيطًا، لكن ذكرى مازالت برأسها وهو يطعمها وهي تتدلل. لم يكن ذا ثراء، لكن كان حنون يضحك بوجهها. ذكرى مازالت محفورة لرجل رغم بساطته، لكن كان يحترم زوجته التي كانت تخفي عن أبنائها بعض الطعام من أجله. وهو حين يعود يأخذهم تحت ذراعيه ويطعمهم ويتناول هو القليل."
ذكرى جعلت الخوف للحظات يختفي ورفعت رأسها تفتح عينيها تنظر حولها بريبة.
لوهلة سُرعان ما زالت.
تنفست الصعداء واعتقدت أن ما رأته كان وهماً مخيفاً.
نهضت حين رأت آدم يقترب منها يضع إحدى يديه على كتفه النازف بلهفة سألته:
"سراج فين؟"
رغم ما يشعر به من أسى على والده، لكن تبسم.
لو رأى سراج تلك اللهفة في عينيها وطريقة حديثها لتيقن من عشقها له.
أجابها بتطمين:
"سراج بخير."
نظرت له برجاء قائلة بخفقان قلب:
"قولي الحقيقة يا آدم."
أجابها:
"والله سراج بخير، هو راح مع أبوي المستشفى."
انخضت قائلة:
"إيه اللي حصل له، وإنت كمان مصاب خلينا نروح المستشفى بسرعة."
وافقها.
بعد لحظات كانت ثريا تصعد جوار حنان، وأحد رجال الشرطة هو من قاد السيارة بهم إلى المشفى.
بعد قليل.
أمام أحد المشافي.
ترجل جسار من السيارة ثم خلفه فهيمة وإيمان التي نظرت له باستغراب:
"إنت جايبنا المستشفى دي ليه، وبعدين إنت مين أساساً."
أجابها بهدوء:
"أنا مين هتعرفي بعدين، بس أنا جبتكم هنا بناءً على أمر سراج."
"سراج!"
هكذا قالتها بتكرار ثم سألته:
"إنت تعرف سراج منين."
أجابها ببساطة:
"سراج يبقى رئيسي."
ذُهلت إيمان، لكن بسبب قلق فهيمة تغاضت عن بقية الأسئلة ونحت الذهول فيما بعد.
كل ما توده الآن معرفة سبب مجيئهم لهنا.
بعد دقائق.
بغرفة العناية كان عمران يوضع فوق طاولة العمليات، لكن طلب من الطبيب قبل أن يتعامل مع حالته وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
علم الطبيب أنها أنفاسه الأخيرة وأنه يحتضر، فنفذ رجاءه الأخير وخرج من غرفة العمليات.
نظر نحو سراج الذي اقترب منه مشدوهاً يسأل، لكن الطبيب قال له:
"هقولك على الحقيقة، واضح المريض بيحتضر وهو طلب مني إنك تدخل له، ولو كان حد معاه من أولاده يدخل هو كمان."
بنفس الوقت كانت إيمان وفهيمة بصحبة جسار يقتربون منه، قطعوا المسافة في لحظة.
سمعوا قول الطبيب، ودلفوا إلى الغرفة مباشرةً.
توجهوا نحو ذاك الفراش.
سالت دموع عيني فهيمة وإيمان التي لاول مرة تشعر بالضعف.
وانحنت على يد عمران تُقبلها، تقول:
"أبوي."
بينما عمران بالداخل أغمض عينيه بسبب قوة الألم الذي يشعر به، لكن جاءت أمامه صورة رحمة.
لأول مرة يراها تبكي كأنها لا تود لها الذهاب إليها.
همس اسمها، وهي تنظر لعينيه بدموع صامتة، لكن نظرة عينيها تتحدث بما عجزت عنه، كأنها تقول له:
"لا تأتي، ظل معهم."
لكن هو لا يستطيع ذلك، فقد نفذ الوقت.
فتح عيني عمران عيناه بتألم يلتقط أنفاسه، نظر إلى إيمان بصعوبة رفع يده وضعها على كتفها، وتفوه:
"كان نفسي أسميكِ رحمة... بس هي جائتني في المنام وقالت لي إيمان."
نظرت له بعدم فهم وسألته:
"بلاش تتحدت كتير يا أبوي هتبقي بخير."
تبسم لها قائلًا:
"لاه يا إيمان خلاص أنا شايف النهاية قريبة جوي، فين فهيمة."
بدموع اقتربت منه فهيمة تشعر باختناق.
نظر لها عمران قائلًا:
"سامحيني يا فهيمة عارف إني ظلمتك كتير، زي ما ظلمت غيرك، استحملتي جفاي معايا، سامحيني."
انحنت تُقبل رأسه قائلة:
"عمري ما شلت منك يا عمران، قلبي مسامحك بس..."
صمتت حين شعرت بسكون جسد عمران.
رفعت وجهها نظرت له كتمتصرخه بجوفها، وإيمان كذالك، لكن انحنت تتوسل له أن يفتح عينيه.
لكنها النهاية.
اقترب سراج من إيمان وجذبها له يضمها بقوة وهي تنتفض بالبكاء، وهو يحاول السيطرة على دموع عينيه.
يشعر بذنب، كان المقصود قتله هو، وعمران هو من فداه.
بغرفة الاستقبال أصرت حنان على آدم أن يداوي جرحه.
تركتهم ثريا وذهبت إلى غرفة العمليات بعد أن أخبروهم في الاستقبال.
امتثل آدم لذلك بسبب ضعفه بسبب نزيف كتفه.
خرج سراج يضم إيمان أسفل ذراعه.
نظر نحو جسار وتفوه:
"شكرًا لك يا جسار."
أومأ له قائلًا:
"العفو يا افندم ده واجبي، البقاء لله."
بنفس الوقت كانت ثريا تقترب وسمعت عزاء جسار له.
وقفت مكانها تصنمت لم تقترب كأنها التصقت بالأرض.
يطن برأسها قول ولاء لها سابقاً بعد مقتل غيث:
"إنتِ قدم الشؤم النحس."
فاقت من ذاك التصنم، وحسمت قرارها لابد من أن تفترق عن سراج.
يكفي ما أصابه من نحس بسببها.
استدارت بوجهها وحسمت قرار المغادرة.
لكن توقفت مرة أخرى حين رآها سراج.
خفق قلبه بلوعة تمنى أن تحتضنه، لكن هي كالعادة تود الفرار.
نطق اسمها، توقفت وعادت تنظر نحوه، لكن بدموع.
ربما لم يكن عمران بالمكانة القوية لديها، لكن بسبب سراج التي ترى بوجهه تلك النظرة الخافتة وكأنها احتياج.
هو فعلاً يحتاج، يحتاج أن تضمه فقط.
بالمشفى بغرفة آدم لم يعرف بوفاة عمران بسبب نزيف الدم.
أعطاه الطبيب مخدرًا.
لكن حنان علمت بوفاة عمران.
ظلت مع آدم مرافقة بالمشفى، تود مساندته حين يعود للوعي ويعلم بوفاة والده.
بعد وقت مازال آدم غافياً بسبب تلك المسكنات العلاجية.
نظرت له حنان تشعر كأن جسدها هو ما يتألم.
تذكرت كيف احتمت به وهو يجذبها خلفه، لكن تلك الرصاصة الغادرة أصابته.
ليتها أصابتها ما كانت شعرت بكل ذاك الألم.
سالت دموع عينيها وهي تنحني تضع قبلة على شفتي آدم.
بنفس اللحظة انفتح باب الغرفة.
استقامت ونظرت نحوه، سرعان ما جحظت عينيها بهلع وهي تشعر كأن صوتها انحشر بداخل حلقها.
تنحنت مرة واحدة ثم قالت بحشرجة صوت مرعب:
"حفظي!"
نظر لها حفظي بتشفى تلمع عيناه قائلًا:
"خدتي إيه من جوازتك من ابن العوامرية، قاعدة جنبه كل يوم والتاني في المستشفى تمرضيه. متقلقيش أنا هريحك من المهمة دي وهريحك من آدم نهائي، إنت مالكيش غيري ترجع له."
نهضت حنان من مكانها تشعر برعب وقلق وخوف على آدم.
بصعوبة نطقت:
"حفظي اطلع بره ومتفكرش هسمح لك تأذي آدم."
تهكم ساخراً يقول باستهزاء:
"حنان بت عمي اللي بتخاف من خيالها هتقف قصادي، للدرجة دي العشق واعر بقلبك."
نظرت له بغضب وعينيها تنظر حولها.
وقع بصرها على ذاك مبضع صغير، جوار إحدى قارورات الدواء الزجاجية.
استخدمته الممرضة قبل قليل بفتح عنق تلك القارورة الصغيرة حين خلطت محتواها ببعض الأدوية الأخرى ووضعتها بالمحلول الطبي المعلق بيد آدم.
ذهبت نحوه وجذبته من سلة المهملات، وسرعان ما توجهت نحو حفظي الذي ينظر لها باستخفاف.
لكن لا تستخف بالضعيفة وبالأخص إن كانت عاشقة.
بغضب وقوة كأنها نسيت أنها حامل.
أصبحت أمام حفظي الذي يضحك بغلاظة، لكن توقفت ضحكته حين شعر بألم بعنقه ثم إحدى وجنتيه والأخرى.
وأصبحت تقوم بقطع وجهه بذاك المبضع، كذالك عنقه.
ربما ليست جروح غائرة، لكن مؤلمة وتترك أثر.
رفع يده على وجهه، ينظر للدماء على يديه.
قبل أن يعطي رد فعل كانت حنان فتحت باب الغرفة قبل أن يفيق من ذهوله ويتهجم عليها.
وصرخت، مما أثار الموجودين بالمشفى وتدخل الأمن.
كذالك علم سراج الذي مازال بالمشفى، وتوجه إلى تلك الغرفة قلقاً.
بنفس الوقت وصل إسماعيل الذي علم بما حدث بعدما غادر هو وقسمت.
لكن وقف مصدوماً يشعر بإعصار يفتك به.
كذالك نظرة عيناه لـ سراج الذي سرعان ما ضمه مواسياً.
رغم أنه يشعر أنه المسؤول عن وفاة والده.
كأنه على شفا الانهيار.
«بإعصار يزلزل كيانه.»