الفصل 93 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل العشرون 20 - بقلم سينابون

المشاهدات
11
كلمة
7,998
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

*القطعة العشرون*


خاتمة الجزء الأول


**********


عودة للحاضر ...


========


أفاق من شرود ذكرياته على صوت آذان الفجر ...


هز رأسه لا يصدق كيف مرت به الليلة هكذا دون أن يشعر ...


نهض من نومته لتتعلق عيناه برمزهما الأثير على وسادتها لحرف الياء بهذه الطريقة المميزة خاصتها ...


فالتمعت عيناه ببريق حنين وهو يتحسسه بأنامله متمهلاً باشتهاء كأنه يسترجع شعورها بها بين ذراعيه ...


لقد سافرت مع أبيها !


هو الذي ظن أنها لن تفعلها أبداً ...


_علاقة متلخبطة...متناقضة...مابفهمش نفسي معاه...يمكن عشان كده واقفة في النص.


_وإيه ممكن يخليكِ تقربي؟!


_معرفش...بس أعتقد اللحظة الوحيدة اللي ممكن ألجأ له فيها لو حسيت إني اتكسرت...وإني خلاص ماعدتش قادرة أسند نفسي بنفسي زي مااتعودت طول عمري.


_طول ما أنا عايش مش هاسمح إنك تعيشي الإحساس ده ثانية واحدة.


تأوه بخفوت عند الذكرى الأخيرة مدركاً أنه لم يستطع الوفاء بعهده لها ...


فهل كان ذنبه وحده ؟!


لماذا لم تعلمه بالحقيقة ؟!


لماذا -وهي سيدة العطاء- التي طالما احتوت عيوبه عجزت عن فعلها هذه المرة ؟!


السؤال هنا ...هل كان ليصدقها لو فعلت ؟!


هل يأمن هواجس وساوسه التي تدفعه كل ليلة لمشاهدة ذاك الفيديو وكأنه يجلد نفسه به !!!


وكأنه يذكر نفسه أنه لم يخسرها دونما سبب!!


وكأنه يتعمد تشويه صورتها في عينيه بعدما يأس من فعلها في قلبه !!


انقطعت أفكاره عندما رن هاتفه فانعقد حاجباه مدركاً أن اتصالاً في وقت كهذا لا يعني سوى كارثة ....


وقد كان ...ماذا؟!


داليا ...ومحاولة انتحار!


=========


_للأسف الألعاب الاليكترونية من النوع ده انتشرت كتير اليومين دول ...بتعتمد على حس المغامرة عند المراهقين...بتبدأ في الأول كلعبة تحديات.... تطلب منهم أوامر ...يسمعوا موسيقا كئيبة...يتفرجوا على أفلام رعب ...يأذوا نفسهم جسدياً بآلات حادة ...ده غير إن بعضها بيطلب منهم معلومات عن أهلهم وبيهددوهم بيها لو ما نفذوش أوامرهم ...وفي النهاية اللاعب بيلاقي نفسه بينفذ أوامرهم لحد ما توصل للانتحار .


قالها الطبيب ليامن خارج غرفة داليا التي أنقذوها للتو من محاولة فاشلة للانتحار عبر تناول بعض الأقراص السامة ...


الفتاة كادت تفقد حياتها فدية للعبة سخيفة ...


لكن هل كان هذا حقاً هو السبب ؟!


_أنا ممكن أفهم شعور واحد يائس مكتئب ممكن يستسلم للعبة زي دي ...لكن اللي مش قادر أفهمه إزاي أهله واللي حواليه ما يلاحظوش انشغاله...وحدته بالساعات...تغيير مواعيد نومه...الجروح اللي بيسببها لنفسه ؟!! إزااااي؟!


لا يزال الطبيب يلقي سهام لومه على يامن الذي لم يكن ينقصه اللوم ...


منذ عرف الخبر وهو في عالم آخر !!


داليا؟!


طفلته التي لم ينجبها؟!


من ظن أنه يحميها بعزلها عن العالم بعدما رآه من أفكارها وأفعالها المتطرفة ؟!


كيف غفل عنها حتى وصلت لهذه الدرجة من الإحباط واليأس؟!!


ذنبها في رقبته !


هذا تقريباً ما ختم به الطبيب حديثه وهو يغادره بنظرة نارية ليجلس هو مكانه دافناً رأسه بين كفيه ...


دقات صدره الهادرة تعوي في صدره وهو عاجز حتى عن رؤيتها هكذا ...


شعر بيد تربت على كتفه فرفع عينيه ...


_هتبقى كويسة .


قالها مروان بنبرة مطمئنة فوقف يامن مكانه ليقابله بعينين ضائعتين بين حزن وذنب ...


دقيقة كاملة مرت به وهو ينظر لمروان عاجزاً عن الكلام ...


مروان الذي كان قد قطع علاقته به تماماً منذ تلك الليلة التي علم فيها عما بينه وبين داليا ...


ليفاجأ به اليوم يهرع ليكون معهم هنا دون أن يطلب أحدهم مساعدته!


غشاوة تسدلها على ذهنه أفكاره وهو لا يدري ماذا يفعل ولا ماذا يقول...


ها هو ذا صديق عمره...ضحية من ضحايا ظنونه وهواجسه ...


يقف أمامه الآن فلا يدري بأي وجه يراه !


لكنه يختزل الطريق أخيراً بعناقه له!


عناق يحتاجه الآن ...


هو الذي لم يشعر في حياته كلها بالضياع كما يشعر في هذه اللحظة !


هذا الذي شعر به مروان وتفهمه جيداً وهو يربت على ظهره مؤزراً ...


قبل أن يرفع وجهه نحوه ليتنحنح قائلاً:


_هي فاقت دلوقت...أنا هامشي .


تشبث يامن بذراعه في دعوة صامتة منه للبقاء لكن مروان هز رأسه قائلاً بابتسامة شاحبة :


_أنا جيت بس أطمن عليها...


ثم تنحنح مصححاً:


_عليكم...لكن مش هينفع أفضل أكتر من كده.


قالها قارناً قوله بفعله قبل أن يغادره بخطوات سريعة تاركاً إياه خلفه يتجرع مرارة خذلانه !


========


_يا بنت كلي...جننتيني...ده جيلي الفراولة اللي بتحبيه.


قالتها نبيلة في المشفى لداليا التي هزت رأسها لتقول بصوت واهن:


_مش قادرة أحط حاجة في بطني.


ربتت نبيلة على رأسها برفق وهي تزيح الطبق جانباً لتنظر إليها بعينين دامعتين ...


كيف تعفي نفسها من مسئولية ما وصلت إليه الفتاة ؟!


للمرة الثانية تنجرف داليا في تيار وحدتها وتصرفاتها اللامسئولة بينما هي غافلة لاهية عابثة تعدو خلف سراب...


ما الذي تنتظره لتغير حياتها ؟!


ما الذي تسعى إليه بعد كل هذا العمر ؟!


_عارفة يا داليا لو قمتِ بالسلامة...هاعتزل الوسط كله....مش هاسيبك لوحدك أبداً...هنقضي اليوم كله سوا...يامن كمان وعدني يسفرنا...هنروح تركيا زي ما كنتِ حابة...بس شدي حيلك عشان خاطري ...عشان خاطرنا كلنا...يامن هيموت من يوم اللي حصل .


غمغمت بها بصوت أرجفته دموعه قبل أن تضم جسد داليا الواهن لصدرها لتطالعها نظرات الأخيرة بدهشة متأثرة...


هل هذه نبيلة تكاد تبكيها حقاً؟!


يبدو أن حادث انتحارها هذا كان محورياً كي تدرك قيمتها لديهم ...


كلهم لا يكادون يتركونها منذ أفاقت ...


لقد توقعت لوماً...تقريعاً...وصفاً لها بالمزيد من التمرد والغباء ...


لكنها لم تتوقع كل هذا الفيض من مشاعرهم !


ماذا حدث؟!


كيف أوصلتها هذه اللعبة لهذا الحد من الاستهانة بحياتها ؟!


إنها لا تستوعب سوى رغبة المغامرة التي اتحدت مع تيار وحدتها واكتئابها لتودي بها في هذه الهاوية ...


_أنا آسفة...خللي يامن يسامحني...أنا عارفة إنه زعلان.


تمتمت بها داليا بندم حقيقي وهي تتذكر كيف لايزال يامن عاجزاً عن التواصل معها رغم وجوده الدائم حولها ...


لتجيبها نبيلة بنفس الانفعال :


_يامن مش زعلان منك...يامن زعلان من نفسه...حاسس إنه بيضيع كل حاجة من إيده وهو واقف يتفرج .


أسبلت داليا جفنيها بألم دون رد وهي لا تعلم ماذا تقول ...


قبل حادث انتحارها هذا كانت تشعر بالحنق على الجميع ...


رغبة عارمة في تحميلهم هم ذنب إخفاقاتها ووحدتها ...


بل إنها لا تنكر أن جزءاً منها كان يريد الموت فقط نكاية بهم كي يعيشوا يحملون وزرها !


لكنها الآن وهي ترى لهفتهم الصادقة ...


اجتماعهم حولها...الخوف الذي يسكن نظراتهم وهم يتشبثون بها وكأنهم لا يصدقون أنها حقاً قد نجت ...


تجد نفسها تدرك كم كانت حمقاء !


_مساء الخير .


والتحية الودود كانت تنطلق هناك عند باب غرفتها ...


بلسان المرأة الوحيدة التي لا ترغب داليا في وجودها الآن بالذات ....


من ؟!


=========


_بجد كويسة ؟!


سألها مروان بمزيج من قلق ولهفة وهو يستقبلها في بيت عمه عقب رجوعها من المشفى لتجيبه بابتسامة واهنة:


_والله كويسة....


ثم ضحكت لتجلس على أول كرسي قابلها مردفة ببعض المرح:


_صحيح وشها جاب ألوان أول ما شافتني بس بعد شوية اتكلمت معايا عادي.


_قالت لك إيه ؟! وانتِ شايفة وضعها إزاي؟! لسه مكتئبة ؟!


سألها بلهفة تحمل الكثير من ندمه وهو يشعر بالذنب نحوها ...


_هل ستتركني أنت الآخر؟!


يتذكر أنها كانت كلماتها قبل أن يقرر هو الابتعاد لعله يتمالك صراع مشاعره...


كيف هانت عليه هكذا؟!


كيف لم يتنبأ أنها ستفعلها بحالتها السوداوية التي أشهدته عليها في آخر مكالمة بينهما؟!


لن يسامح نفسه أبداً حتى يسترضيها ...


لكن متى ؟! وكيف؟!


هو لا يستطيع الظهور لها ك"مروان" من جديد ...


"الأصلع القبيح" الذي لن ترضى به ولو كان آخر رجال الكون ...


لكن يمكنه دوماً أن يظهر لها ك"حبيب مجهول" يتواجد متى تحتاجه ...


خداع؟!


لا...هذا ليس خداعاً...


إنها فقط طريقته الوحيدة لمنحها ما ترفض أخذه !


_يعني...طبيعي تبقى متاخدة...وشها مخطوف...وجودي هناك في الأول كان نقطة ضعف ليها ...بس أنا حاولت ألطف الموضوع على أد ما قدرت....تعرف ؟! أول مرة النهارده أحس إنها فعلاً غلبانة وتصعب عليّ.


قالتها زوجة عمه بنبرة هادئة فظهر التأثر على وجهه وقلبه يكاد يقفز بين ضلوعه ...


لتربت هي على كتفه مردفة :


_البنت صحيح طاقّة وصواميل مخها تلفانة بس النهارده حسيت إن جواها حاجة تانية غير اللي بتتعمد تظهره...إثبات تاني لقاعدة إن الظاهر غير الباطن ...علاقة زي دي مشاكلها كتير ...مش عارفة هتحلها إزاي بس أنا واثقة فيك يا دكتور .


======


استيقظت من نومها صباحاً لتتأمل غرفتها التي عادت إليها بعد تماثلها للشفاء ببعض الرضا...


إيلاف النعم هو أكثر ما يفعله البشر جحوداً نحو رب العالمين...


ها هي ذي غرفتها التي كانت تضيق بها ذرعاً تتحول بنظرها لجنّة مقارنةً بما كانت تعانيه في المشفى !


ضاقت عيناها بدهشة عندما وجدت صندوقاً صغيراً على الكومود الخاص بها ...


فنهضت من رقادها لتفتحه باهتمام ...


قبل أن تشهق بفرحة وهي تتبين محتواه ....


آداتها الموسيقية المميزة مع الكثير من الكريات البلاستيكية الصغيرة الملونة ...


_"هارمونيكا ...و...."بلْيْ"!


هتفت بها بسعادة طفولية وهي تضمها لصدرها بقوة ...


قبل أن تنظر للبطاقة بداخلها ...


_ليتني هلكت وما أصابتكِ أنتِ شكة إصبع!


خفق قلبها بجنون وهي تحاول التعرف على هوية مرسل الهدية...


هذا ليس خط يامن حتماً ولا هي طريقة تعبيره ...


ولا أحد -حتى هيثم- يعرف عن هوسها ب"الهارمونيكا" و"البلي " منذ كانت طفلة ...


فمن أرسلها ؟!


عقدت حاجبيها بشيئ من الضيق وهي تشعر بالتوتر الذي لا تحبه عندما يتعلق الأمر بشيئ تجهله...


لكنها ابتسمت بتفاؤل أصرت على التمسك به وهي تتناول هاتفها تطالع صفحتها على "الفيسبوك"...


هيثم بعث إليها بعشرات الرسائل والمنشورات بعدما عجز عن زيارتها في المشفى ...


الكثير من صديقاتها في الجامعة رغم وهن علاقتها بهن أرسلن لها الكثير من الدعوات أيضاً...


جميع المجموعات التي كانت تشارك بها كانت تطالب أعضاءها بالدعاء لها وتتمنى لها الشفاء العاجل ...


صفحتها عامرة بالكثير ...الكثير جداً من الحب الذي لا يحتاج لأن تكون "نجمة" كي يمنحوه لها ...


يكفيها أن تكون فقط "انسانة"!


بريد رسائلها يعج بالكثير لكن عينيها تتوقفان فقط عند رسالة واحدة ...


_ليتني هلكت وما أصابتك أنتِ شكة إصبع!


نفس العبارة المكتوبة على الهدية...


هو ؟!


هو مرسلها؟!!


هل عاد ليكلمها أخيراً!!!


إذن فقد علم بما حدث لها رغم سفره ؟! كيف؟!


رفرف قلبها سعادة وهي تكتب له سؤالها الأخير عامدة ألا تظهر فرحتها العارمة بعودته للتواصل معها ...


"التقل صنعة"..


و"الصنعة" هذه تبرع هي فيها كثيراً !!


_مهما ابتعدت...لكِ من قلبي دوماً عينٌ ترعى .


ضحكت ضحكة صافية لم تعرفها منذ زمن بعيد وكلامه "اللذيذ" هذا الذي لا تدري من أين يأتي به يخترق قلبها ...


لا الاختراق ليس اللفظ المناسب بل ..."الهدهدة"!


_كيف هانت عليك روحك يا كل روحي؟! كيف بخس في نظرك العمر يا كل العمر؟! لأي حياة كنتِ ستتركينني وحدي وأنتِ كل الحياة ؟!


اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقرأ كلماته مرة تلو مرة ...


الأولى صامتة...


والثانية هامسةً...


والثالثة يعلو فيها صوتها المرتجف بتأثره وكأنما تود لو تحفرها بقلبها !!


إلى الآن لا تدري أي سحر هذا في كلماته يختطفها هكذا؟!


هي ليست "محدثة نعمة" في شئون الغزل فلطالما أسمعها غيره إياه...


لكنها معه...هو بالذات ...تشعر بإحساس غريب ...متملك...نافذ ...حنون...مسيطر...


مزيج غريب من مشاعر لم تعرفه إلا معه هو!


ومع هذا استمرت بمبدأ "التقل صنعة" لتتجاهل عبارته بسؤالها التالي:


_كيف عرفت عن "الهارمونيكا" و"البلي"؟!


_طالما رأيتك صغيرة تلعبين ب "البلي" في الطرقات...تعزفين "الهارمونيكا" على الدرج...تأكلين "الذرة المشوية" بجانب فمك عبر أسنانك المكسورة...لو كنت أضمن ألا يفسد الذرة لأرسلت لكِ مع الهدية واحداً !


أطلقت صيحة فرحة مستمتعة وهي تقرأ عبارته لتكتب له بسرعة:


_كنت جارنا في البيت القديم؟!


_تقريباً.


_هل تكلمنا من قبل وجهاً لوجه؟!


_ليس كثيراً.


ارتفع حاجباها بصدمة للحظة من تصريحه الأخير لتغزوها الإثارة ...


حقيقة أنها كلمته من قبل وجهاً لوجه تثير جنونها ...


كيف هو؟! كيف شكله ؟! ما اسمه؟!


عبرت عن تساؤلاتها الأخيرة بسؤال مكتوب ليصلها رده :


_لا أريد أن تتعلقي بي وجهاً لوجه...بل قلباً لقلب...روحاٌ لروح...دعينا نكن قصة مميزة وسط كل هذا الهراء الذي يملأ أغاني العاشقين.


ورغم إعجابها بما يقول لكنها عادت تكتب بحنق:


_أنت تعرف شكلي...عنواني...كل شيئ عني تقريباً...هذا ليس عدلاً!


_تتحدثين عن "العدل" يا قاسية ؟! وهل من العدل أن أعيش طوال هذا العمر بقلب تملكينه بينما لا تعلمين أنتِ عني شيئاً ؟! تتحدثين عن العدل؟! وهل من العدل أن تكوني من روحي قريبة حد دفء أنفاسي وبعيدة عن يدي حد السماء؟! تتحدثين عن العدل؟! كفى تذمراً يا مدللتي...لو حاكمتك بالعدل فأنتِ مدينة بالكثيييير!


تنهدت بحرارة وهي تتشرب كلماته بنَهَم أرض شققها الجفاف وأخيراً تذكرها سيل الغمام ...


إنها حقاً تحتاجه ...


ويزداد شعورها بالاحتياج عندما يقترب أكثر!


هل هذا هو الحب الذي يروون عنه؟!


الحب؟!


الحب هو ما اختزله الآن بعبارته التي أنهى بها المحادثة ...


_اعتني بنفسك...اعتني بنفسك لأجل رجل يراك الدنيا وما فيها.


=========


_أنا عايز أشوف رانيا...زمانها منهارة بعد اللي حصل لداليا.


قالها أشرف وهو يتناول مفاتيحه ليهم بالخروج فاستوقفته نشوى بقولها :


_لسه باقي عليها بعد كل اللي حصل؟! دي واحدة قليلة الأصل.


_نشوى!


هتف بها زاجراً ليردف بنبرة أقوى:


_مادام ما تفهميش نفسية رانيا ما تتكلميش...


ثم ارتجف صوته باستطراده :


_أنا عارفها كويس...هي بتتعذب أكتر مني بس مش قادرة تقول...مش عارفة تقول...ماتعودتش تشتكي لحد غيري...


دمعت عينا نشوى بتأثر من حال شقيقها الذي لا يكف عن التفكير فيها ...


كلما خطا خطوة في طريق العلاج مدفوعاً بأمل الرجوع إليها يعود لينتكس مع يأسه من عودتها إليه...


وكأنها هي فقط سر حياته !


أشرف الذي كان سند الجميع ومصدر قوتهم انهار فجأة حتى ما عاد قادراً على دعم نفسه !


لكن من خذلها حقاً ...هي رانيا!


رانيا التي تخلت عنه في أول محطة توقف فيها قطار عطائه !


لهذا اندفعت تهتف بانفعال:


_فوق يا أشرف...مش عشانها ...عشان نفسك...عشاني...عشان بنتي...عشان مصنع أبونا اللي لازم يرجع يرفع اسمه ...فوق بقا فوق!


كانت كمن تتحدث إلى شبح بهذه الهالات السوداء تحت عينيه ...


وهذه النظرة الغائمة بين جفنين متعبين...


وهذا الجسد الذي يزداد نحوله يوماً بعد يوم !


ومع هذا كان لديها أمل عميق أن ينهض بعد كبوته هذه !


هذا الأمل الذي تضاءل الآن مع عبارته المهتزة :


_هابقى كويس...أكيد هارجع زي الأول ...بس وهي معايا.


هزت رأسها بيأس من مجادلته لتتركه يخرج بعد صدام معتاد ...


خطواته المشتاقة تقوده لبيتها ...


يعاود الاتصال بها للمرة التي لا يذكر عددها ...


_طب بلاش تردي...بصيلي بس من الشباك...أنا تحت البيت...عشان خاطري يا رانيا...هاموت وأشوفك.


يرسلها لها بيأس وعيناه معلقتان بنافذتها المفتوحة...


قلبه يترنح بين ضلوعه بألم وهو يميز ظلها يقترب ...


وبغرفتها كانت هي عاجزة عن السيطرة على انفعالاتها وهي تقرأ رسالته...


هي الأخرى تكاد تموت شوقاً لرؤيته...


لكن أي أشرف هذا الذي ستراه ؟!


رفيق الطفولة والصبا وحب العمر؟!


أم ذاك "المسخ" الذي تسبب في هلاك طفلها بل وهلاكها هي الأخرى؟!!


مشاهد تلك الليلة تعود لتنساب في ذهنها كشريط متواصل قاسٍ...


بداية من منظر أشرف المثير للشفقة ...مروراً بانتهاك الوغد المريع لها...


وانتهاء ببقعة دم تحت جسدها كانت يوماً طفلها...


حلمها ...أملها للغد !


ماذا تفعل؟!


هل تستجيب لنداء قلبها وتعود إليه ؟!


أم تستمع لصوت العقل الذي يناشدها التريث كي لا تخسر أكثر؟!


الجواب صعب...


شديد الصعوبة لامرأة لم تعتد في حياتها كلها أن تتخذ أي قرار!


ضعفها يسلمها لأقرب منطقة آمنة...


نصيحة يامن ...


"لو شكيت ما تكملش"!


هذا هو الصواب!


أجل...هذا هو الصواب!


وبهذه الفكرة الأخيرة حسمت أمرها لتتوجه نحو نافذتها فتغلقها بأنامل مرتجفة...


قبل أن تنهار بدموعها ساقطة على الأرض!


البائسة لم تدرك أنه لن يحتمل منها هذه الحركة...


هذه الطعنة !


أنه كان ينتظر منها بادرة أمل...أي بادرة...


كي يكمل هذا الطريق الصعب ...


أنه مع زلّته كان يأمل في رصيد طوييييل اكتشف فجأة أنه يساوي صفراً لديها ...


لكن الخبر وصلها بعد قليل في مكالمة شقيقته التي صرخت بها :


_أشرف رجع من عندك مش شايف قدامه...أخد "أوفر دوز" من الزفت اللي بيبلعه ده ...كان هيموت فيها ونقلوه المستشفى ...لو جراله حاجة ذنبه في رقبتك .


======


أمسكت غادة بحقيبة مشترياتها تضمها لصدرها وهي تستقل إحدى الحافلات لبيتها ...


غداً موعد السفر ...


إعصار من مشاعر يجتاحها فلا تجيد التفريق بينها ...


مزيج من لهفة وترقب وفرحة خفية بعالم جديد يفتح لها ذراعيها ويمنحها بداية وليدة ...


مع خوف طبيعي يُفترض لأنثى مثلها ...


لكن عزاءها أن أحمد سيكون معها ...


أجل ...بروحه ...بدعم ذكرياته...بتشبثها بالنجاح لأجله ...وباقترابها أكثر من عمه هناك والذي طالما أخبرها كم يحبه ...


انقطعت أفكارها عندما شعرت بحركة الرجل الجالس جوارها ...


قبل أن يتذبذب جسدها كله وهي تشعر بأنامله المختلسة تحتك بباطن ساقها ...


جسدها يتجمد فجأة والخوف القديم يعاود إصابتها بالشلل ...


لقد جربت هذا الموقف من قبل في المواصلات مرتين ...


الأولى تجرأت لترفع صوتها باتهام المتحرش بها لتجده يرد بصفاقة أنه لم يفعل شيئاً وأنها "ترمي بلاءها عليه" لتصطدم بردة فعل الناس اللامبالية وقتها ...


والثانية لم تجد حلاً إلا الاستسلام المرتعب ومغادرة الحافلة في أقرب محطة ...


لكنها الآن لن ترضى بهذا أو ذاك ...


هي ليست ضعيفة لتصرخ أو خانعة لتستسلم وتهرب....


وبمنتهى الثبات مدت أناملها تنتزع دبوس حجابها الطويل ببطء حذر في حركة غير محسوسة...


وبكل الغضب الذي يملأها الآن غرسته في ذراعه !


صرخة الرجل المكتومة تكاد تسمعها وهو يبعد يده عنها بسرعة ...


فتلتقي نظراتهما لترمقه بنظرة متوعدة شرسة زاجرة جعلته يقف مكانه ليتحرك طالباً من السائق النزول في المحطة المجاورة ...


ابتسامة ارتياح ترتسم على شفتيها وهي ترى الرجل يختفي عن ناظريها ...


رويداً رويداً...


فتتابعه ببصرها وكأنها تشعر أنه لا يرحل وحده...


بل يرحل حاملاً معه كل ذكرياتها التعسة بهذا الشأن ...


لا ...لم تكن بهذا الحمق كي تفهم أنها تخلصت منها للأبد...


الأمر يحتاج لوقت ولصبر ...وهي لا تفتقد كليهما !


كفاها الآن شعورها أنها لم تعد خائفة...


أنها قادرة على المقاومة...على المواجهة...


أنها أبداً ليست "مدنسة"!


_حد نازل هنا؟!


عبارة السائق تنتشلها من شرودها لتبتسم وهي تضم حقيبتها لصدرها أكثر مغادرة الحافلة لتسير في الشارع بخطوات واثقة...


طفلة صغيرة في يد والدتها تسير أمامها مقابلة لها ...


تحتضن دباً قطنياً من "الفرو" مع علبة بلاستيكية بدت محتوياتها من "المكعبات"...


شيئ من الشجن يعتصر حناياها وهي تقاوم ذكراها البائسة المرتبطة بهذا المشهد ...


لتتغلب عليه أخيراً باتساع ابتسامتها للصغيرة وهي تغمزها بحركة مداعبة...


تقترب أكثر فتعطيها الطفلة زهرة كانت في يدها دون أي تفكير ...


تمتزج ابتسامتهما معاً قبل أن تعاود كل منهما طريقها ...


بينما ترفع هي الزهرة لشفتيها تتشمم عبيرها بقوة...


رسالة أخرى من رسائل القدر أن القادم أجمل...


وهي تعلمت قراءة رسائله !


======


على السرير في بيتهما الذي عاد إليه أخيراً يجلس مسنداٌ رأسه إلى وسادته ...


بيتهما؟!


نعم ..جزء بداخله لايزال يراه بيتهما رغم كل ما حدث ...


هو نفس الجزء الذي ينتظر رجوعها إليه ...


وهل للإنسان إلا بيته ؟!


الألم الحارق في صدره يزداد وهو يئن اشتياقاً إليها ...


هي التي أدمنها حد الجنون ولا يريد منها شفاء ...


أنامله تمتد لهاتفه حيث داؤه ودواؤه ...


الفيديو اللعين لها مع زين والذي يجبر نفسه على مشاهدته كل مرة يشعر فيها بالاشتياق إليها ...


وكأن سلطان وساوسه يتجبر بحكمه على قلب موقن من براءتها ...


قلب يبرر بأنها ما نطقت اسم زين هذا للمرة الأولى إلا في موضع انتهكت فيه أنوثتها رغماً عنها ...


هذا يبدو منطقياً مع ما حكاه له ذاك الرجل...


لكن من يحميه من ظنونه السوداء التي ترسم لها أبشع الصور ؟!


لا...يجب أن يخرج من هذه الدائرة !


لكن كيف ؟!


كز على أسنانه يكتم وجعه وهو يأخذ قراراً خاطفاً بمسح هذا الفيديو !


هراء!


حتى لو مسحه من هاتفه ..كل صورة فيه محفورة بأعمق أعماقه ...


أما من دواء؟!


ولأول مرة منذ افترقا يجد الجرأة ليفتح حسابها الخاص على "الفيسبوك"...


هذا الذي طلب منها يوماً إغلاقه غيرةً بعد مغازلة دافئة منها استنكف أن يقرأها غيره...


تراها فتحته من جديد ؟!


نعم...فعلتها!


وكأنها تتحداه بفعل ما كان يكره...


أو وكأنها -هي الأخرى- تحاول استعادة مذاق حياتها قبله ...


غص حلقه بمرارته وهو يقرأ آخر منشوراتها ...


_كنت أنا أبحث عن "إبرة" حبك وسط كومة من "قشّ" عنادك ...


وكنت أنت تغمض عينيك عن "شمس" حبي قانعاً ب"عتمتك"..


فلا أنا وجدت "إبرتي" ...ولا أنت "رأيت" النور...


خاسران نحن بثوب عاشقين ...


وليس أقسى من لوعة الحب ...إلا خسارته!


التمعت عيناه ببريق حقيقي وهو يعيد قراءة حرفها المنغمسة بلوعتها ...


لا تزال تجيد التعبير عن مشاعرها المنطلقة...


تماماً كما لايزال هو عاجزاً عن فعلها !


_أنت الذنب الذي كلما اقتنعت بالتوبة عنه أمعنت في اقترافه أكثر ...


والدقيقة التي كلما ظننتني قضيتها تحولت ليوم ثم عام...ثم قرن من الزمان ...


أنت الحرب التي خرج منها كلانا مهزوماً ومنتصراً...


والموت الذي وقفنا على جسره حائرين بين بعث وعدم!


قلبه يترنح بين ضلوعه بألم وكلماتها التي يكاد يراها مرتجفة بدموعها تطعن صدره كألف رمح...


يستحضر صورتها بعينيها العسليتين اللتين رأى فيهما يوماً عشق العالم كله...


بشعرها الذي تمنى لو يراه طويلاً فأبى إلا أن تراه عيناه قصيراً كعمر هواهما...


وبشفتيها اللتين اختصرتا فنون الغرام بين ما يُقال وما يُحسّ!


_هاجر إليك قلبي .. طير نورس يتلقفه الشوق والترحال حتى احتواه دفء أرضك...


فلماذا أعدته لي دامعاً ملطخ الريش بسواد خذلانك؟!


يغمض عينيه بألم وهو يكاد يعتصر الهاتف بين أنامله ...


كيف هانت عليه ليبتعد هكذا بهذه البساطة...


وكأنه لم يترك معها روحه ؟!!


لكن سلطان وساوسه يعاود رمي سهامه ...


هل ستُخدع من جديد؟!


من أدراك أنها لا تتعمد وضع هذا الكلام لتستعطفك وتستعطف الناس قبلك ؟!


من أدراك أنها غادرت البلاد هرباً من جرحك ؟!


ألا يحتمل أنها فعلتها لتلتقي عشيقها هناك بحرية؟!


من أخبرك أنه كان يقول لك الحقيقة؟!


لماذا لا تكون خطة وضعها كلاهما بعدما انكشف أمرهما؟!


كيف تثق بها من جديد وهي التي كانت تكذب المرة تلو الأخرى بوجه بارد ؟!


أصدر آهة عالية وهو يخبط رأسه في ظهر الفراش لعدة مرات ...


سيصاب بالجنون حتماً لو ظل هكذا !!


فليصدق طهارتها ويسترضيها ...


أو فليصدق خيانتها ويطردها من حياته للأبد...


لكن هذا الجحيم الذي يصطلي به لا يُحتمل!!!


هنا اتسعت عيناه بقوة وهو يتابع شاشة هاتفه التي حملت له صورة لها شاركتها على حسابها للتو وكأنها شعرت بوجوده ...


رباه ؟!


هل هذه هي؟!!


صورة لها بشعرها المكشوف الذي ازداد طوله كما تمنى دوماً بضفيرة طالما اشتهاها على جانب كتفها وكأنها تغيظه بها ...


وكأنها تخبره أنها عادت -دونه- لعمرٍ قديم !


لقد خلعت حجابها !


كل العيون الآن ترى "ضفيرته" التي حلم بها ...


حلمه صار مكشوفاً مباحاً على أرصفة الناظرين؟!


الحسرة تقاتل الغيرة في قلبه...


يتنافسان على مركز الصدارة وهو يراها ترتدي قميصاً واسعاً رمادياً قاتماً زاده جسدها الذي ازداد نحوله كآبة...


منذ متى ترتدي "امرأة الألوان" هذا الرمادي؟!


ربما خشيت أن ترتدي "الأسود" فيذكرها به !


تبتسم ابتسامة باهتة تدعي التحدي...


وكأنه لن يفرق بينها وبين ابتسامة كانت يوماً تختزل الحياة في انفراجة شفاه!


تستند لكتف والدها الذي يضمها بحنان التمع في نظراته التي خالطها الإشفاق...


فيرتجف جسده تأثراً وهو يتخيل نفسه مكانه...


هذا الشوق الذي يعصف به أكبر كثيراً مما يحتمل...


ليته ما فتح حسابها هذا ...


ليته ظل على صراع حواسه عوضاً عن هذه الحمم التي تلقي لهيبها في صدره ...


ليته يدرك كيف يسبح في بحور أهلكته تيهاً بحثاً عن "عروس بحر" ضائعة!!


=======


لقد صارت حرة !


هكذا حدث زين نفسه وعيناه تتابعان صورتها على حسابها ...


عيناها مطفأتان...ذابلتان...


لم يرَها هكذا حتى في فورة خلافاتها مع رامي!


يبدو أن الجرح هذه المرة كان أكبر كثيراً من تحملها !


تنهيدة حارة صاحبت شروده وهو يتأكد من صدق حدسه بفشلها مع ذاك "الموسوس"!


كيف كانت تظن أن روحها الحرة التي لا تتبع عقلاً ولا منطق ستتناسب مع رجل يشك في ظله ؟!


إنه حتى لم يصدق روايته التي حكاها له رغم أنه لا مصلحة له في الكذب...


ورغم أن الوغد رامي نفذ وعده بأن يعلن اعتذاره وزيف هذا الفيديو !


لكن لا بأس...


هو منحها الفرصة للابتعاد...


وبعدها صارت كل الفرص له بالاقتراب !


وعندالخاطر الأخير ابتسم بمزيج شعوره من التحمس والإثارة قبل أن يتناول هاتفه وما إن فتح الاتصال حتى قال بنبرة آمرة لم تخل من جزل:


_احجز لي في أول طيارة رايحة ماليزيا...عايز أكون هناك الأسبوع ده.


========


_طلقتها ؟! ليه ؟!


هتف بها رامز باستنكار محدثاً صديقه المقرب الذي فوجئ بطلاقه هو الآخر لزوجته والذي أجابه بانفعال حاد :


_سطحية...تافهة...معندهاش أي طموح...يا بنت الحلال ذاكري عشان تاخدي معادلة ونعرف نهاجر ...لأ...طب حتى ارجعي شغلك خسارة تعب السنين دي كلها يروح ع الفاضي...لأ...طب فكري معايا ممكن نعمل إيه عشان مستقبلنا ...مابفكرش سيبها لله...خنقتني ...كل تفكيرها جمالها ولبسها وشياكتها وخروجات أصحابها ...وجابت آخرها بقا معايا لما أخويا طلب مني يسيب ابنه عندي عشان مراته محتاجة تسافر تعمل عملية ومالوش غيري قالت لي مابخدمش ولاد حد .


ابتسم رامز بتهكم وعبارات صديقه تحيي إذكاء جرحه القديم ...


صديقه هذا كان آخر من يتوقع طلاقه من شلّتهم ...


لماذا؟!


زوجته أنيقة جذابة لكن الأروع -من وجهة نظره- كان تلك الطريقة التي تجيد تدليله بها حتى وسط الآخرين ...


لم تكن تستحي أن تعبر عن حبها له بعبارات دافئة مغناج كأنه أول الرجال وآخرهم !


_ماكانتش شاطرة غير في الكلام...بحبك ...بموت فيك...انت حياتي...انت روحي ...وأنا ماتجوزتش واحدة أقضي معاها يومين والسلام...أنا اتجوزت عشان ألاقي واحدة دماغها كبيرة ...عندها طموح...عايزة تكبرني وتكبر معايا ...واحدة جدعة أثق أنها هتسندني في أي موقف .


قالها صديقه وكأنما قرأ أفكاره ليشرد رامز ببصره وهو يتعجب من المفارقة...


"محدش عاجبه حاله"!


قالها لنفسه بتهكم لكنه لم يستطع منع صورتها التي غزت ذهنه ...


تارة وهي دؤوب عاكفة على دراستها ...


تارة وهي تريه شهادات تفوقها طوال هذه السنوات...


تارة وهي تحكي له عن أحلامها للغد...


وأخرى وهي تقف مؤازرة لصديقتها في محنتها قبل أن يفسد هو الصورة !


عيوبها التي كان يراها بعين انتقاصه...


الآن يجد نفسه رغماً عنه يراها كمزايا ...


خاصة وصديقه يردف بتحسر :


_اللي يلاقي بنت أصول دماغها حلوة الأيام دي يمسك فيها بإيديها وسنانه !


هز رامز رأسه بشرود عندما استأذنه صديقه ليغادره تاركاً إياه وحده في هذا المقهى الذي اعتادا الجلوس فيه ...


والذي انطلقت منه الآن الأنغام الكلاسيكية بصوت "الست"...


انا وانت .. ظلمنا الحب بايدينا


وجينا عليه .. وجرحناه لحد ما داب حوالينا


ما حدش منا كان عايز يكون ارحم من التاني


ولا يضحي عن التاني


وضاع الحب ضاع .. ما بين عند قلب وقلب ... ضاع


ودلوقت لا انا بنساه


ولا بتنساه ...ولا بنلقاه .. أنا وانت...


تنهد بعمق شعوره...بقوة اشتياقه...


وبمذاق خسارته ...


لماذا خسر هذه الحرب التي ما تمنى في حياته مثل غنائمها؟!


لماذا تغافل عن أسرار منحتها له "جواسيس" عينيها بسخاء مقابل ما تواجهه به من جفاء؟!


لماذا تناسى أن "الضلع الأعوج" تكسره "الشدة" وماله إلا وضعه في مكانه الصحيح الذي يبدل عوجه لكمال؟!


هنا تناول هاتفه ليقلب في صوره...


لماذا نبدو دوماً في البعد أجمل؟!


أغلى؟! و....أقرب؟!!


شفتاه ترتجفان بابتسامة واهنة وهو يمرر سبابته بحرص على ملامح صورتها ...


ماذا لو كلمها الآن ؟!


لو أخبرها كم اشتاقها ؟!


"نبدأ من جديد؟!"


ببساطة يقولها ؟!


"عمري ما حبيت غيرك!"


بصراحة يعترف بها ؟!


لكن عناد كبريائه يقتحم الصورة ...


يجعله يغلق هاتفه ليعيده لجيبه بعنف!!


لا! كفاك تنازلاً !


لا خير في حبٍ تتساقط في خريفه أوراق كرامتنا !


========


خرجت من مبنى الجامعة لتقود سيارتها نحو البيت ...


موقف سخيف استجلب غضبها وجعل الدماء تغلي في عروقها ...


أحد زملائها في القسم أرسل لها من يلمح لها برغبته في خطبتها .


ورغم ما يُفترض أن تشعر به من فخر أنثوي وهي ترى نفسها محل إعجاب ورغبة ...


هذا الشعور الذي اضمحل كثيراً بعد تجربة زواجها الفاشلة...


لكنها على العكس كانت تشعر بالغضب ...


وكأنه تجرأ على سرقة ما ليس ملكه !


زفرت بسخط وهي تزيد سرعة السيارة ثم نظرت لنفسها في المرآة...


أمور رسالتها الدراسية تسير على خير وجه ...


أحوال العائلة استقرت نوعاً بعد "النكبة" الأخيرة...


ورب ضارة نافعة !


يامن بدأ يتأقلم مع حياته بعيداً عن ياسمين التي سافرت لأبيها...


داليا بدأت التعافي بعدما تعلمت درسها ...وتعلموه هم كذلك ..


رانيا كذلك...


رانيا؟!


وكأنما قفزت من أفكارها عندما رن الهاتف باسمها لتفتح الاتصال فتصطدم ببكائها الحارق:


_أشرف يا هانيا...أشرف بيموت بسببي !


شهقت بعنف وهي تستمع منها للتفاصيل لتهتف بنبرة باكية :


_اهدي بس ما تعيطيش...هايبقى كويس ...أنا جاية لك .


قالتها وهي تغلق الاتصال لتزيد من سرعة السيارة أكثر بينما تتخذ طريقاً آخر كي تصل أسرع...


الموت اللعين يوشك أن يختطف "عزيزاً" آخر !


عقدتها القديمة تعاود طفوها على السطح ..


"فوبيا الفقد" التي عاشت تخنقها لسنوات ...


هذا "الهوس" الذي يجعلها دوماً تخشى الحب...


لا علاج لألم الفقد إلا عدم التعلق!


هذا المبدأ الذي قيدت به خفقات قلبها لسنوات قبل أن تجده يتسرب من يدها غفلةً ليملكه من رحل ...


انقطعت أفكارها عندما اصطدمت سيارتها فجأة بجانب الرصيف ....


صوت الصرير الحاد يدوي في أذنها قبل أن تفقد وعيها جزئياً بتأثير المفاجأة ...


صرخاتها العالية تلتحم مع الانقلاب العنيف للسيارة...


رأسها ينزف بقوة والألم في جسدها ينبئها أنها النهاية !


ياللسخرية !


لقد عاشت عمرها تخشى فقد من تحبهم...


لم تحسب حساب هذه اللحظة...


أن تنقلب الأوضاع...


أن ترحل هي أولاً ...!!!


أن تغادرهم دون أن تؤدي حقوقهم نحوها ...


دون أن تنصح نبيلة بالابتعاد عن عالمها المبهرج الذي يزيدها كآبة رغم أنها تتوهم فيه العوض عن عمر مضى...


دون أن تكون جوار داليا التي كادت تهلك بوحدتها وضلالاتها...


دون أن تهتم برانيا التي تدرك مدى هشاشتها وضعفها ...


دون أن تقنع يامن بأن يصدق براءة زوجته دون اعتبار لرأي الناس ...


وغادة ؟!


غادة التي فضحت سترها واستغلت خبايا ماضيها لتشوه رسمها ...


بل وتركتها تسافر بضمير مستريح قانعةً بما رأته من تغير حالها ؟!


وأخيراً....رامز....


رامز الذي طالما بخسته قدر حبه وادعت فيه زهداً هي أبعد ما تكون عنه ؟!


لم تقدر رجولته...حنانه...دعمه لها في نجاحها ...صبره على سوء طباعها ...و...حبه الذي طالما هربت منه وهي التي لا ترجو غيره ؟!


تأوهت بخفوت ورائحة الدخان حولها تجعلها تسعل بوهن عدة مرات ...


السيارة تحترق...


تماماً كعمرها الذي ظنته طويلاً بطول طموحها ...


فقط لو يمنحها القدر فرصة لتقولها له ...


لآخر مرة ...


لتخبره أنها أحبته...أحبته حقاً...كما لم تحب أحداً...


أناملها تحاول استخراج هاتفها من حقيبتها لكن جسدها الصارخ بآلامه يعاندها ...


ثانية واحدة...


واحدة فقط تعترف له فيها بالكلمة التي بخلت بها عليه طوال هذه الأيام...


دموعها تسيل بحرقة...بحسرة...


عبر آلام جسدها لا تميز سوى قلب تعتصره قبضة الخيبة...


يود لو يُسمَع صوت خفقاته ولو مرة واحدة...


أخيرة!


وأخيراً تحارب أناملها وسط لهاث أنفاسها المتقطع لتمسك الهاتف...


الثواني تمر بطيئة متثاقلة والألم يشق صدرها أكثر ...


حتى تسمع صوته أخيراً فتشهق شهقة عالية حملت كل رغبتها في الحياة ...قبل أن تلفظها بقولها ..


_رامز...أنا....بحبك...


الصدمة تلجمه مكانه وقلبه ينتفض بين ضلوعه بقوة...


لا يصدق أنها أخيراٌ قالتها ...


هكذا ببساطة....دون مقدمات...!!!


لكن صوتها الغريب المختنق يجعله يسألها بقلق :


_مالك يا هانيا ؟!انتِ فين ؟!


لايزال يسألها مرة تلو مرة بصوت يعلو تدريجياً حتى وصل حد الصراخ في آخر مرة مع سماعه للأصوات المتداخلة من الجانب الآخر ...


والتي تزامنت مع صوت سارينة الإسعاف...


_هانيا...ردي...انتِ فين ؟!


يصرخ بها برعب دون جدوى وهو يخرج من البيت كالمجنون نحو سيارته لا يدري له هدفاً وهاتفه معلق بأذنه...


حتى يسمع أخيراً صوتاً يقول بأسى:


_البقاء لله !


==========


تأفف بضجر وهو يتقلب في الفراش الذي لم يغادره منذ الصباح...


فراشها هي في غرفتها بمنزله والذي صار يحتله مطارداً عليه سراباً يحمل اسمها ..


لا مزاج لأي شيئ يفعله!


فليحتفظ العالم بسخافته ليوم واحد دون أن يزعجه!


تناول "ريموت" التلفاز ليشغله على مباراة كرة القدم المنتظرة ...


لعل شغفه بالكرة يلهيه !


_شايف محمد


صلاح ده مثلاً؟! أراهنك في خلال سنة هيكون له مستقبل عظيم .


يسمعها بصوتها يأتيه من الماضي فترتجف شفتاه وهو يتابع المباراة بتشتت...


لقد أفسدت عليه كل شيئ...


حتى هواياته !


عالمه كله اصطبغ بألوانها فما عاد قانعاً ب"سواده"!


لهذا أغلق التلفاز بعنف ليفتح هاتفه الذي ظل مغلقه طوال النهار ...


مكالمات فائتة عديدة من نبيلة وداليا ورانيا ...


لا ريب أنهم يشعرون بالقلق عليه بعد اختفائه هنا طوال النهار ...


كاد يضغط زر الاتصال بأمه لكن الهاتف أضاء فجأة باتصال من رقم غريب دولي...


الرعشة التي سرت في جسده فضحت أمنيته في أن تكون هي !


جعلته يفتح الاتصال بسرعة لكن الصوت الباكي الذي أتاه بلكنته الغريبة التي يحفظها جعلته يعقد حاجبيه بقوة قبل أن ينتفض مكانه بانفعال وهو يسمع مفاجأتها ...


_ابنك مات خلاص يا يامن....ما عدتش محتاج تخطط عشان تخلص مني ومنه...مات من غير ما تحضنه مرة واحدة ...خللي شكوكك تنفعك وانت بتتعذب كل يوم بذنبه .


خط الدموع الذي سال على وجنته مع كلمات سيلين يتزامن مع هذه الصعقة التي ضربت فؤاده من هول المفاجأة !!!


لم يعد يسمع صوت ولولتها ونحيبها وهي تروي له كيف أصابته عدوى قاتلة أودت بحياته في أيام قليلة...


بل صوت بكاء الصغير في آخر مرة رآه فيها ...


صوره التي كانت ترسلها له لترسم له كوابيس ليلية لا تنتهي...


مشاعره التي كان يحاربها بضراوة نحو هذا الجسد الصغير الذي استنكف يوماً أن يضمه ...


والآن ...ما عاد ينفع ندم !


تغلق هي الاتصال بعنف وصرخاتها الهستيرية تكاد تصم أذنيه لكن أنامله تظل متشبثة بالهاتف وكأنه ينتظر منها المزيد...


تكذيباً لهذا الذي يقال ...


لكن صوت الرنين الرتيب يؤكد له الحقيقة...


الموت!


هذه الحقيقة المجردة التي تكشف لنا زيف الدنيا...


هذا الزائر المهيب الذي يكشف اللثام عن وجه أفعالنا فيرينا حقيقتها...


هذه القبضة التي تنتزع منا أناساً شغلتنا عنهم الحياة لنكتشف فجأة قيمتهم لدينا...


هذا الدرس الذي نعيش عمرنا نحفظه وقل من ينجح في اختباره !


يتهاوى جالساً مكانه وهو عاجز عن منع دموعه...


دموعه التي كانت الآن توثق ألف معنى للخسارة...


سلطان وساوسه الذي طالما ظن أنه يحميه الآن يدرك أنه أضاع منه كل شيئ...


أفسد حياته وحياة كل من حوله بدعوى الأمان...


"لو شكيت ما تكملش"!


هذا المبدأ الذي نذر له عمره ليكتشف الآن كم كان مخطئاً...


ليدرك أن الطريق الذي بدأ برصيد من مشاعر وذكريات ومسئولية يستحق أن نحارب شكوكنا كي نكمله...


لكنه دفع الكثير كي يدرك هذه الحقيقة...


عجلة ظنونه حصدت في طريقها كل أحبته...


بداية من بنات خالته ومروراً بصديق عمره ...


والآن ...ابنه...


ابنه الذي كان مجيئه صدمة...ورحيله صدمة...


وكأنها صفعة القدر له أن يفيق!


ياسمين!


وسط كل هذا الدخان الذي يخنق روحه يذكرها...


تباً لعناده ...لكبريائه...


هو يحتاجها ...


يحتاجها أكثر من أي وقت مضى...


أي صدرٍ الآن يحتوي دمعه إلا صدرها ؟!


أي كتف يحمل معه وزره إلا كتفها ؟!


أي عين تشاركه الآن دمعه إلا عينها ؟!


لهذا لم يشعر بنفسه وهو يفتح حسابها الذي لا يعرف طريقة للاتصال بها سواه...


يتصل بها مترقباً وهو لا يعلم هل ستجيب اتصاله أم تتجاهله...


مرة تلو مرة تلو مرة...


لكنه لم يمل...


هي التي كانت طيفاً طالما طاردته ألوانه...


ماذا يضيره لو طارده هو الآن ؟!


الاتصال يفتح أخيراً دون رد إلا من أنفاسها التي عجزت عن منع تهدجها ...


شفتاه تنفرجان وهو لا يدري ماذا يقول...


ربما لو كانت تراه الآن...


لحكت لها عيناه حكاية لن تفهمها غيرها ...


_ابني ...مات !


لم يستطع إلا قولها...


مقتضبة...مختنقة...مذنبة...راكعة تحت قدمي الندم...


ليجيبه صمتها الطويل ....


صمتها الذي كان يزيد من عمق الجرح في قلبه لكنه -للعجب- كان كافياً ليؤنسه...


ليعزيه...


ليعيد إليه بعض الاتزان...


قبل أن يصله أخيراً صوتها بأقسى ما توقعه يوماٌ ...


_وانت مكلمني عشان أواسيك؟!


حاجباه ينعقدان بقوة مدركاً أن هذه القسوة المستحدثة قتلت الكثير من عرائس عشقه فوق غمامها ...


لتأتيه بقية كلماتها كطعنات في الصميم...


_للأسف مش هاقدر ...وعلى فكرة...انت ما خسرتش ابنك من سيلين بس...انت خسرت ابنك مني أنا كمان.


============


محدش فينا عارف


لسه بكره مخبي إيه...


لكن كل اللي فاتك


ممكن أحكيلك عليه...


أصعب أيام في عمري


مااقدرش أوصفها عمري


وأكيد حسيتي بيا وعشتي أيام زيها...


منا زيك برضه واكتر


اوقات بسرح وافكر


انا وانت بعدنا ليه...


مالقتش اجابة جيت لك


ما انا يمكن لو حكيت لك.


تقولي لي كسبنا إيه ..


==========


سينابون...


هكذا نحن مزيجٌ من مذاق "القرفة" اللاذع و"الصوص" الحلو والعجين "المتخمر" بماء الماضي..


==========


ولا تزال للحكاية بقية...


انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني بإذن الله بنفس الاسم ...


إهداء


إلى رجل يساوي كل العالم ...


إلى رجل دللني كابنته...


وتعلق بي كأمه...


واحترمني كمعلمته...


وأحبني كامرأته...


إلى رجل يستحق أن يقال عليه ..."رجل"!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...