القطعة التاسعة عشرة
**********
_عايزين نوضب الأوضة دي ...يامن هييجي يعيش معانا.
قالتها نبيلة بنبرة عجيبة مزجت سعادتها بعودة ابنها لحضنها مع حزنها على حاله ...
نفس الشعور الذي وجد صداه في قلب كل من هانيا ورانيا اللتين كانتا تدركان معنى قبول يامن بالإقامة هنا أخيراً !
يامن الذي لم يفعلها يوماً ...
طالما استقل بحياته مقدماً له دعمه لكن دون أن يسمح لأحد بالاقتراب من منطقته الخاصة ...
رضوخه للبقاء هنا يعني ببساطة أنه لم يعد قادراً على الصمود وحده ..
حتى ولو ادعى أنه يفعلها لمؤازرتهن في أحداث حياتهن التي ساءت مؤخراً !
_هيبيع بيته الثاني؟!
سألتها رانيا بأسى متذكرةً ما أخبرتها به نبيلة منذ قليل والتي تنهدت بحرارة لتجيبها :
_قالهالي كده في وسط الكلام...وما رضيتش أضغط عليه في تفاصيل.
_عين العقل.
قالتها هانيا وهي تزيح بعض الأغراض من مكانها في الغرفة مردفةً:
_لازم يقطع على نفسه الطريق ده ...لازم يرمي ورا ظهره أي حاجة تفكره بيها ...قصتهم خلصت خلاص .
ترمقها رانيا بنظرة غير مقتنعة لتبتسم نبيلة ساخرة وهي تقترب منها قائلة بتعجب:
_انتِ مصدقة فعلاً على ياسمين الكلام اللي اتقال ده ؟!
_مصدقة واللا مش مصدقة الفضيحة دلوقت أمر واقع ...يامن هيرفع وشه في عين الناس إزاي ؟! وبعدين مااصدقش ليه ؟! ياما ناس اتخدعنا فيهم والزمن كشف حقيقتهم ؟!
قالتها بمرارة تقطر من بين حروفها وهي تتحدث عن مأساتها الخاصة ...
لتهز نبيلة رأسها قائلة بثقة :
_أنا بقا مش مصدقة على ياسمين الافترا ده ...بكرة يامن يعرف إنه ظلمها ...
ثم تنهدت لتردف بأسى حقيقي:
_بس ياريت وقتها ما يكونش فات الأوان .
ومن بعيد كانت داليا تسمع حديثهم بنظرات خاوية ...
تتحرك كالشبح وهي تشعر أنها ما عادت تكترث بأي شيئ أو أي أحد ...
كلهم منخرطون في مشاكلهم الخاصة وهي في سجنها الانفرادي هذا بلا أي هدف ولا غاية ...
يامن لا يحدثها منذ تلك الليلة مكتفياً بالسؤال عنها من بعيد مع توصياته بعدم خروجها من البيت ...
عقابها الذي اختاره لها كما تراه هي ...
وحيلته هو الأخيرة بعدما استنفد كل سبله معها فلم يعد لديه ما يحميها به من عنفوان طبيعتها التي لا يفهمها !
تناولت القليل من الشراب لتعود لغرفتها تاركةً لهم ثرثرتهم عديمة المعنى كما صارت تراها ...
تناولت هاتفها تبحث عن رسالة جديدة من "المجهول" كما تفعل كل يوم ...
لا جديد ...
يبدو أنه فقد احترامه لها بعد ما روته ...
لكن ...لا ...
هو قال لها أن صورتها في عينه -كما هي في قلبه - لن تتغير!
إذن لماذا تخلى عنها كالآخرين ؟!!
دموعها الصامتة تسيل على بشرتها فلا تكترث حتى بمسحها ...
تعاود التلاعب بهاتفها لتصطدم عيناها ب"اللعبة" التي تركتها منذ فترة...
لماذا لا تعود إليها ؟!
لعبة سوداوية غريبة تناسب مزاجها الحالي لعلها تضيف المزيد من الإثارة لحياتها المملة هذه ...
صحيح أنها تطلب منها بعض الأوامر الغريبة التي تصل حد الأذى الجسدي أحياناً ...
لكنها تمنحها الكثير من المغامرة...التشويق ...
عالمٌ افتراضي تختاره لنفسها لتهرب فيه من رتابة عالمها ...
تمتد أناملها نحو الشاشة من جديد ...
ليبدأ اللعب!
===========
صباح جديد !
ومن يهتم؟!
فلتذهب صباحات العالم للجحيم مع لياليه ...
هو فقط عمر يمضي ...فليمضِ كيفما شاء!
هذه الأفكار التي صارت تعتنقها -أو تقنع نفسها أنها تعتنقها- بعد ما كان!
ابتسامتها الباردة تلتصق بشفتيها وهي تغادر الفراش ...
نظرة عابرة للمرآة تكشف لها عن وجه شاحب وجسد زاد نحوله حتى بدت عظمتا ترقوتيها كنتوءين شديدي البروز ...
ورغم أن المشهد لم يكن يستحق مبالغة التقدير لكنها ضحكت ضحكة منفعلة وهي تتحسسهما ببطء ...
لتصطدم عيناها بعقده الملون هناك !
ألا يزال هذا هنا ؟!
تنتزعه عن عنقها بقوة أدمته لكنها لم تبالِ وهي تلقيه بعيداً ليصلها صوت انفراط أحجاره الملونة...
ذاك الصوت الرتيب لتدحرجها على الأرض الصلبة يكاد يصم أذنيها وكأنه يذكرها بسقوطها هي ...
سقوطها الذي بدأ...ولم ينتهِ بعد ...
ألا رحمةً بي أيها القاع فمثلي لم تنتظر يوماً سقوطاً !
_يوم تاني ممل؟! عايزين شوية "ساسبينس" كده !
قالتها ساخرة باردة مريرة بصوت مسموع وهي تتجه نحو خزانة ملابسها لتستخرج منها ملابسها المحتشمة كلها والتي دأبت على ارتدائها بعد طلاقها من رامي مباشرة ...
وقتها كرهت جسدها كما لم تفعل من قبل ...
لهذا قصت شعرها الطويل وأخذت قرارها ب"الحجاب"...
لا لم يكن في عينيها مجرد خطوة إيمانية ...بل كان تغطية لما نفرت منه من جسدها ساعتها!
والآن تجد نفسها تميل للعكس!
فضيحتها الآن تتناقلها الألسنة !
المرأة التي كانت قبلة الأنظار لجمالها ونجاحها وتألقها الآن تلوك سمعتها الألسنة !
حصاد عمرها الذي بذلت فيه روحها الآن تشتعل فيه النيران ليضحى رماداً تذروه الرياح !
يصمونها بشرفها ؟! حسناً ...فلتمنحهم ما يريدونه إذن !
انتهت أفكارها بنظرة عزم أججها يأسها وهي تتناول ملابسها هذه قطعة قطعة...
تمزقها شر ممزق وكأنما تفرغ فيها كل انفعالاتها ...
من حسن الحظ أنها تركت ملابسها التي تحمل ذكرياتها مع يامن هناك في بيته ولن تستعيدها ...
بل ربما من سوء الحظ !
أجل...ليتها تستطيع تمزيقها الآن مع كل ذكرى ...مع كل نبضة حب ...مع كل لحظة عاشتها ناسكة في محرابه !
ستفعل!
قسماً بمن ابتلاها بعشق مريض كعشقه ...ستفعل!
ستقتله في قلبها حتى ولو قتلت نفسها قبله !
هنا حانت منها التفاتة لخاتمه في إصبعها ...
عجباً !
ألم تكن تعشق الألوان ؟!
ألم تكن تراها بهجة البالونات وسحر الزهور ...ورونق قوس قزح؟!
ما بالها تراه الآن كوجه مهرج مزركش تخيفها عيناه ؟!!
حقاً...الألوان مجرد وهم تسعى خلفه أحزاننا تستجدي بُهرجَه الخدّاع ولو صدقنا أنفسنا لارتضينا منها لونين فقط...
"بياض" عطائنا و"سواد" خذلاننا !
وبهذا الخاطر الأخير انتزعت الخاتم من إصبعها ...
لا لن تلقيه على الأرض كعقده الملون ...
_تستاهل نهاية أحسن يا صغنن!
بنفس السخرية الباردة همست بها وهي تتحرك نحو المطبخ وبالتحديد نحو نافذته التي زرعت أمام سياجها نبتة صغيرة ...
نبتة ذبلت الآن بعدما أهملتها وجفت تربتها لتمنحها مظهراً متشققاً يشبه شقوق روحها هي ...
تناولت دورق ماء لتسقي الطين الجاف الذي تشربه بنهم...
قبل أن تقلبه بملعقة خشبية طويلة لتغرس خاتمه فيه وتردم عليه الطين!
_إكرام الميت دفنه ...واللي بيننا مات خلاص...عايزة أفضل فاكرة المشهد ده وما يطلعش من دماغي أبداً!
تمتمتها الباردة بدت كرفرفة طير ذبيح وهي ترفع أناملها التي تلطخت بالطين أمام عينيها ...
تماماً كحياتها كلها الآن...ملطخة !
رنين جرس الباب يخدش أذنيها ...
من عساه يكون؟!
لقد طردت الخادمة...وأمرت حارس الأمن بالأسفل ألا يسمح لأحد ..أي أحد بزيارتها ...
ردود فعل معارفها بعد ما كان تؤذيها ...كلها تؤذيها !
سواءٌ المستنكر فيهم والمصدق ...
سواءٌ المتعاطف فيهم والشامت ...
كلهم غرباء...بعيدون ...شاذون عن نغمة حياتها ...
أو ربما هي الشاذة التي ظنت أن لحن العمر قد يتسع للمزيد من جنون القلب!
لا يهم!
هي لا تريد أحداً...لا تحتاج أحداً...
لا تنقصها شماتتهم المزينة بشفقة مزيفة !
لهذا تجاهلت صوت الباب لما يقارب ربع الساعة حتى تشارك القرع العالي لخشبه مع رنين الجرس ...
تأففت بضجر عالٍ غريب على طبيعتها الهادئة لتعدو نحوه وقد أقسمت أن تفرغ في الطارق غضبها ...
فتحت الباب بعنف لتصطدم عيناها بعيني الطارق الذي رمقها بنظرة غريبة طويلة سبقت صمته المطبق ...
_جاي ليه ؟!
لم تكد تفيق من دهشتها حتى هتفت بها بخشونة لم يعتدها من طبعها الحليم رغم كل ما فعله بها قديماً...
لهذا ما كاد يسمعها حتى انعقد حاجباه بقلق ...
قلق ...لا غضب يُفترض من ردة فعل كهذه !
_جاي تتأكد من اللي بيتقال؟! جاي تسألني إن كنت خاينة واللا لأ ؟! جاي تطمن على سمعة بنتك اللي بقت في الوحل ؟!
كان صوتها يعلو تدريجياً مع كل سؤال تسأله بينما تلوح بذراعيها بانفعال وهي تتراجع عنه ...
تبتعد...تهرب ...في سابقة لم تعرفها من قبل معه !
كان يدرك بشعور الأب بداخله أنها لم تسامحه يوماً على ما فعل ...
لكنها كانت تداري هذا خلف قناع مرحها ...لباقتها...لطفها المهذب معه...
والآن يسقط القناع لتبدو من خلفه ندوب روحها المشوهة التي كانت تجيد مداراتها !
_واللا جاي شمتان فيّ عشان أنا اللي اخترت غلط المرة دي ...معلش...مرة عليك ومرة عليّ...انت اخترت رامي وانا اخترت ...
انتهت عبارتها بشهقة مكتومة وانهيارها المتوقع يأتي حتماً بعد كل هذه الثورة العارمة ...
الأرض تهتز تحت قدميها لكنها تشعر به يتلقفها ...
عناقه البارد يزداد دفئه لحظة بعد لحظة ...
لتجد نفسها تستسلم له مخفية وجهها في صدره كما كانت تفعل وهي صغيرة خائفة لا تدري أنها ستفقد لذة أحضانه هذه غدراً !
_لا جاي شمتان ...ولا محتاج أسأل...أنا عارف بنتي كويس...يمكن مش أنا اللي تعبت وربيت لكن عارف والدتك الله يرحمها ربتك إزاي...أنا أكدّب عيني ومااكدّبش ثقتي فيكِ.
كلماته الواثقة الحنون تخترق أذنها وتزيد حرارة بكائها ...
هذا بالضبط ما كانت تحتاج سماعه الآن !
واحد...واحد فقط يشعرها أنه معها ...يثق بها ...يؤمن بها ...
واحد فقط يُكذّب ألف عين وألف أذن ...ويصدق يقينه ببراءتها ...
واحد كانت تتمنى لو كان "الحبيب" الذي نذرت له عمراً ...
لكن لا بأس...لعل القدر يدخر ل"الأب" كفارة عن ذنبه القديم !
_لو مش عايزة تتكلمي دلوقت براحتك...بس أنا مش هسيبك غير لما أفهم ده حصل إزاي ...أكيد الفيديو ده مش حقيقي ...ولو حقيقي أنا واثق إن له بقية تبرأك !
من بين غياهب ظلماتها تتلقى عبارته كطوق نجاة !
كقبس ضعيف...ضعيف جداً...يزداد وهجه حتى يملأ ناظريك !
الثقة التي يتحدث بها ...اليقين الذي ينتقل منه إليها ...الأمان الذي يتسرب إليها بين حروفه ...
حسناً...هو على الأقل لم يخذلها هذه المرة !
ربما لهذا السبب تخلت عن وعدها لنفسها بكتمان تفاصيل هذا الأمر ...
حذرها المعهود -معه هو بالذات- ينهار أمام رغبتها الحقيقية في مشاركته حملها !
كلماتها مقتضبة...
تارة خجول وتارة غاضبة وأخرى عاتبة ....
لكنها كانت صارخة في كل حالاتها ...
صارخة بهذا البركان الذي دفنته في صدرها طوال هذه الأيام ليخرج فجأة عن قشرته ويهدر بلا رادع!
_كل ده كان بيحصل من ورايا ؟! كل ده استحملتيه لوحدك ؟! ليه ؟!
هتف بها أخيراً بمزيج من ذهول واستنكار قبل أن يهز كتفيها بعنف مردفاً :
_كنتِ مستنية إيه عشان تعرفيني؟! عشان تسمحيلي أكون أب بجد مش مجرد اسم في بطاقتك ؟! إيه اللي كان في دماغك الناشفة دي وانتِ بتخبي؟! كنتِ بتعانديني واللا بتعاندي نفسك ؟!
لتكتسب كلماته المزيد من الحسرة باستطراده:
_للدرجة دي كنتِ شايفاني بعيد ؟!
عادت دموعها تنهمر غزيرة وهي تنتفض بين ذراعيه ...
هاقد تهاوت آخر سدود كبريائها !
حتى تماسكها المزعوم ما عادت قادرة عليه !
وهاهي ذي تقف -بعد طول مكابرة- بلا حول ولا قوة !
كل ما فيها يجثو على ركبتي يأسها فكيف تدعي الوقوف برأس مرفوع؟!
بينما ظل هو مصدوماً لدقيقة كاملة يتفحص ملامحها بمزيج من غضب وندم !
_المهزلة دي لازم تقف...جوزك لازم يعرف الحقيقة .
هتف بها بحزم لتتمتم هي بين دموعها :
_طلقني!
اتسعت عيناه بصدمة للحظة قبل أن يكز على أسنانه محاولاً كظم غضبه بقوله :
_أي راجل مكانه كان هيعمل كده خصوصاً إنك ما عرفتيهوش الحقيقة.
_ومش هاعرفه !
قالتها بإصرار بدا غريباً وسط حالة الوهن التي تملكتها ...
لكنه لم يكن في حالة تسمح له بمزيد من عنادها الغبي!
لهذا هتف بها بنفاد صبر :
_برضه لسه هتمشي بدماغك ؟! برضه هتقوليلي كرامتك مانعاكِ تقفي في موقف دفاع؟!
_يمكن تشوفها كرامتي اللي ماسمحتليش ادافع عن اتهام بشع زي ده مادام ادى لنفسه فرصة يصدقه ...ويمكن تشوفها حسرة على حبي اللي ماقدروش ...اللي ماساواش فرصة يسمعني قبل ما يتخلى عني في المصيبة دي لوحدي ...
قالتها بنبرة جامدة وسط فيضان دموعها الصامت الذي لم يجف ...
لتردف بنبرة أقسى:
_ويمكن ...مجرد ذكاء ...اني ما بحبش أراهن علي حصان خسران ...بعد اللي حصل كل اللي بيننا انتهى...يامن اللي اعرفه ممكن يبيع اي حد قصاد لحظة شك ...أي حد مهما كان رصيده .
_ولما انت عارفة كده اتجوزتيه ليه بعيبه ده؟!
سألها بعتاب لم يغادره حنانه وقلبه يتآكل حسرة على تلك التي انطفأت فجأة كنجم أسر العيون بريقه قبل أن يهوي فجأة محترقاً ...
لتجيبه بنزف كلماتها الموجع:
_عشان لما الدنيا اسودت في عيني ...لما كرهت نفسي وكرهت الناس ...هو بس...هو بس اللي كان فاضل له في قلبي مكان ..هو بس اللي كنت واثقة إنه هيقدر يرجع لي عمري اللي فات ...ويرجع لي نفسي اللي ضاعت مني .
أغمض عينيه تأثراً وهو لا يدري بماذا يصف شعوره الآن ...
جزء من أبوته يشعر بالغيرة على قلب ابنته الذي وجد في غيره ملاذاً عندما ضاقت به السبل ...
وجزء آخر يشعر بالحسرة على ما آل إليه حالها ...
لكنه وسط هذا وذاك لا يملك شعوره -كرجل بعيداً عن قلب الأب- بأن يعذر يامن !
لهذا عاد يسألها بغضب مكتوم :
_ولما انتِ عارفة طبعه ليه كدبت عليه لما سألك عن زين ده؟!
_مكنتش أعرف إن فيه فيديو زي ده متصور ...كنت فاكراها مجرد حكاية وخلصت ...وبعدين كنت عايزني أقولله إيه ؟! وحتى لو كنت قلت له الحقيقة تفتكر كان هيصدقني؟! ولو حصلت المعجزة وصدقني تفتكر شكل حياته معايا كان هيبقى إيه ؟! ده بني آدم بيشك في خياله ...لو كنت اعترفت له كنت هاعيش معاه في جحيم .
هتفت بها مدافعة وهي تتراجع عنه بظهرها ملوحة بذراعيها ...
عيناها الزائغتان تفضحان تشوشها ما بين حقيقة وخيال ...
ربما لو كانت في وعيها الكامل لما سمحت لنفسها أن تظهر أمامه ...أو أمام أي أحد بهذا الضعف...
لكنها كانت حقاً تتهاوى ...تتآكل ...
كيانها المميز الذي يرنو للكمال ...الذي كان يجيد ترميم نفسه بنفسه كل مرة ليقوم من عثرته ...الذي اعتاد نظرات الفخر والإعجاب ممن حوله...الآن يتساقط أمام فضيحة ليست كأي فضيحة...
الآن يخجل من الاعتراف بخطيئة -لم يتمها- لكن تكفيه مجرد النية ليكره هذا الشعور بضآلته !
زفر بقوة وهو يشيح بوجهه لتقع عيناه على غرفتها المفتوحة حيث ملابسها التي مزقتها ...
فاضطرب قلبه بجزع وهو يدرك أن أقسى ما يواجه ابنته الآن ليس فضيحتها ...
ولا حتى طلاقها ...
بل هي نفسها!
ياسمين التي يعرفها لم تكن لتكترث لألف فضيحة بل كانت ستسعى لانتزاع احترام الناس وإعجابهم من جديد كما كانت دوماً تفعل ...
لم تكن لتكترث لرحيل شخص...أي شخص...حتى ولو زعمت له حباً كهذا الذي تحكيه عن يامن...
لكن من أمامه الآن واحدة أخرى ...واحدة فقدت هويتها وصارت تتخبط بين جدران لا مرئية ...
تبدو مجنونة لكنها فقط ...مجروحة ...
الجرح هذه المرة أكبر كثيراً من تحملها !
لتكمل هي له نسيج أفكارها بقولها بنفس اللهجة المشتتة:
_أملي الوحيد كان فيه هو ...إن هو نفسه اللي يقول لا ...هي ماتعملهاش...إن رصيدي عنده كان يبقى أكبر من شكوكه ...لكن للأسف كانت حرب خسرانة...خسرانة.
انتهت كلماتها بدفقة أخرى من دموعها بينما تنكس رأسها وكأنه مجرد إشارة أخرى لهزيمتها في معركة لم تكن أهلاً لها ...
فتنهد الرجل بعمق ليقترب منها هذه الخطوات التي ابتعدتها ...
ذراعاه يطوقانها من جديد وأنامله تربت على رأسها برفق مع كلماته التي تعمدها بطيئة واثقة:
_أكدب عليكِ لو قلت لك إن مفيش حاجة بيننا اتغيرت ...من النهارده مش هاقدر أسيبك لوحدك...مش هآمن عليكِ زي زمان ...لكن الحاجة الوحيدة اللي مش ممكن تتغير هي ثقتي فيكِ انتِ...مهما حصل هتفضلي بنتي اللي بفتخر بيها وبنجاحها وبقوتها اللي ما بتتهزش أبداً.
======
فتح عينيه فجأة ليجد نفسه مقيداً على أحد الكراسي في غرفة حقيرة بلا نوافذ ...
شحب وجهه وهو يرى تلك الأفعى تزحف هناك بعيداً عنه قليلاً لكنها كانت كافية ليرتجف قلبه رعباً ...
ما الذي وصل به إلى هنا؟!
آخر ما يذكره أنه كان عائداً لبيته في سيارته قبل أن تقطع عليه الطريق سيارة أخرى ليصطدم بها ...
هل فقد وعيه ونقلوه إلى هنا ؟!!
السؤال هنا...من هم ؟!!
حاول النهوض من مكانه بسرعة فقد كانت قدماه حرتين لحسن حظه...
ليفاجئه الصوت الذي دخل لتوه من الباب :
_لا لا...ما تنرفزهاش بحركة عنيفة....شايف خضيتها إزاي؟!
ازداد شحوب وجهه وهو يراقب الأفعى التي توقفت عن الحركة فجأة لينساب لسانها بهذه الحركة المتراقصة المخيفة ...
والتي جعلت مفاجأته بصاحب الصوت تقل أثراً ليهتف برجاء مثير للشفقة :
_زين بيه ...احنا من امتى بننزل للمستوى ده ؟! لو جرالي حاجة انت هتبقى أول مشتبه فيه ...بعد الفيديو اللي نزل ...اعقلها كويس.
لكن زين ظل واقفاً مكانه ليقول بنبرته الواثقة الخالية تماماً من أي انفعالات :
_مشتبه فيه ؟! ليه تفكيرك يروح للحاجات الوحشة دي؟! هي فين الجريمة عشان ندور على المشتبه فيهم؟!
ارتخت ملامح رامي ببعض الارتياح لكنها عادت تتشنج عندما أردف زين بنفس النبرة :
_واحد سايق عربيته على طريق مهجور عطلت بيه وطلع له تعبان خلص عليه ...خلصانة بشياكة !
اتسعت عينا رامي بارتياع وهما تنتقلان من ملامح زين الباردة للأفعى التي بدأت زحفها الحثيث نحوه ...
_فكني يا زين ...خرجني من هنا وهاعملك اللي انت عايزه ...
صرخ بها بخوف وهو يحاول التراجع بكرسيه للخلف ...
لكن زين ظل ثابتاً مكانه وكأنه يستمتع بنظرات الخوف هذه في عينيه ...
قبل أن يقول بنبرته المهيمنة :
_اللي عايزه منك كتير ...هنبدأها بأنك تعرفني على التفاصيل...مين بعتلك الفيديو ؟! وليه دلوقت بالذات اخترت تنشره ؟! كل حاجة...كل حاجة عندك عن الموضوع ده عايز أعرفها ...وياريت بسرعة عشان مصلحتك.
امتقع وجه رامي وهو يراقب حركة الأفعى برعب لينطلق لسانه في البوح بكل تفاصيل اتفاقه مع سيلين ...
وكيف أرسلت له صورة زين مع ياسمين عن طريق مساعدة الأخيرة في المطعم والتي كانت تعمل لحسابها .
عقد زين حاجبيه للحظات ليسأله :
_ومين بعتلك الفيديو ده ؟!
_معرفش...يمكن حد من اصحابي اللي كانوا حاضرين الحفلة ...صدقني مااعرفش...كفاية كده يا زين ...فكني ...
هتف بها رامي بانهيار وهو يرى التفاف الأفعى حول قدمه ...
عيناه تتسعان بهلع وهو يراها ترفع رأسها في وضع الانقضاض قبل أن يغلقهما بقوة ...
صوت رصاصة مدوية يقتحم رأسه فيفتح عينيه بسرعة ليرى انتفاضتها الأخيرة تحت قدميه ...
تصبب العرق غزيراً على وجهه وهو ينهار ليجلس على الكرسي الذي اختل توازنه به للحظات قبل أن يستقر وهو فوقه عاجز عن تمالك أعصابه ...
بينما أعاد زين مسدسه لجيبه قائلاً بنفس النبرة الثلجية :
_كده خلصنا أول مرحلة....ندخل بقا ع التانية .
قالها وهو يشير للخارج نحو أحد رجاله الذي تقدم من رامي المذعور وقد تحفزت خلاياه للقادم ...
لتزداد ارتجافته وهو يرى الرجل يحل وثاقه ...
قبل أن يخلع زين سترته ليناولها إياه فيختفي من الغرفة تماماً ...
هنا تقدم زين منه وهو يفك زر إسورة قميصه قائلاً بصوته الذي ازدادت نبرته خطورة :
_إن جيت للحق...انت ليك عندي حق عرب ...أنا برضه اعتديت على بيتك في لحظة طيش...ما تيجي نصفي حساباتنا راجل لراجل...أنا قدامك أهه...
انتهت عبارته بلكمة مفاجئة صرخ لها رامي بألم بينما زين يردف بنبرة ظهرت أخيراً انفعالاتها الهادرة:
_انت عارف من امتى نفسي في اللحظة دي؟!...ما ترد ...رد ...واللا انت ما بتسترجلش إلا على الستات!
أتبع عبارته بلكمة أخرى حاول رامي ردها لكن زين كان يفوقه قوة واستعداداً...
ضرباته هذه التي تمناها من زمن ...
منذ كان يرى آثار اعتداءاته على ياسمين ...
ياسمين التي ود لو تنتفض لكرامتها من أول اعتداء لكنها كانت تعود للمحاربة في معركة خاسرة من اعتذاراته ووعوده !
_كفاية .. كفاية !
صرخ بها رامي بألم وهو ينثني على نفسه محاولاً اتقاء الضربات ...
ليتوقف زين لاهثاً للحظات قبل أن يقول له بين لهيب أنفاسه :
_ماشي...كفاية...
ثم مال عليه بحركة مفاجئة ليهمس أمام عينيه المذعورتين بصوته المخيف:
_زي ما عملت المصيبة دي تتصرف وتحلها...تنزل اعتذار على صفحتها...تقول إن الفيديو متفبرك ...تتنطط ...تتشقلب ...مش شغلي ...المهم تبرأها زي ما فضحتها ...وإلا ورب الكعبة ما هاخللي الدبان الأزرق يعرف لك طريق.
=======
_نصابين!
هتفت بها زميلتها في القسم حيث تجلسان معاً على أحد المكاتب وهي تلوح بهاتفها بعصبية لتسألها هانيا :
_فيه إيه؟!
_موقع على النت بيبيع لانجيريهات ...عارضين موديل عجبني ...طلبته وبعتوهولي...لقيته بشع...لا خامة...ولا شكل...غير الصورة خالص...شوفي!
اتسعت عينا هانيا بارتباك والحمرة تتسرب لوجنتيها مع مرأى القميص الفاضح -كما تراه - ...
تغمض عينيها تلقائياً بمزيج من خجل وغضب ...
قبل أن تفتحهما وهي تتأمل زميلتها بالكثير من الدهشة ...
فقد كانت منتقبة لا ترتدي سوى الأسود حتى كفاها مغطيان بالقفازين!
لم تتصور أبداً أن امرأة "فاضلة" مثلها يمكن أن ترتدي مثل هذه الأشياء ولو في بيتها!
ماذا حدث في هذا العالم ؟!
ألم تعد النساء يفكرن سوى في هذه الأشياء؟!!!
الاستنكار الذي ملأها جعلها تهتف في وجه صاحبتها دون تحفظ:
_معقول؟! انتِ تلبسي حاجة زي كده ؟!
_وفيها إيه ؟! وأنا بلبسها لحد غريب ؟! ده جوزي!
قالتها صاحبتها بدهشة لتستمر هي في هتافها المنفعل:
_وعشان هو جوزك تقللي احترامك قدامه ؟! هي دي الست من وجهة نظركم ؟! هو ده المطلوب منها؟! جارية بتعرض جسمها عشان شهريار يتفرج ويتبسط ؟! تفرق إيه الست اللي تعمل كده عن أي بنت ليل يتبص لها عشان شكلها وبعدين تترمي في الآخر للكلاب؟!
تجمدت ملامح المرأة التي لم تتوقع هذه الإهانة من شخصية كهانيا...
قبل أن تضيق عيناها بتفهم لتتمتم:
_آه...فهمت.
لكن هانيا لم تسمعها وقد غرقت في شرودها في ذكرى طفت لذهنها فجأة من ماضيها ...
_ضربتِ زميلتك بالقلم ليه ؟!
تقولها الأخصائية الاجتماعية في مدرستها الثانوية معنفة إياها لتهتف هانيا مدافعة :
_هي اللي بدأت...خلت البنات كلهم يتريقوا عليّ.
_ما اتريقتش...كنا بس بنتكلم على صورة خالتها في الفيلم الجديد...هو الحق يزعل؟!
تهتف بها زميلتها بسماجة وهي تلوح بصورة بيللا بثوبها المكشوف الذي زادته وقفتها الإغرائية جرأة ...
لتنقل المرأة بصرها بينهما للحظات قبل أن تنتزع من زميلتها الصورة لتهتف بنبرة زاجرة :
_ارجعي انتِ فصلك .
الفتاة ترمقها بنظرة مستهجنة متوعدة قبل أن تغادر لتجذبها الأخصائية من يدها فتجلسها أمامها قائلة :
_هي فعلاً بيللا تبقى خالتك؟!
تفرك كفيها بارتباك وهي تود لوتنشق الأرض وتبتلعها ...
تشد تنورتها الطويلة تتأكد أنها تغطي ساقيها ...
تعدل حجابها فتسدله ليغطي مقدمة صدرها...
سؤال المرأة لم يزد في عينيها عن "اتهام"...
اتهام دفعته بهتافها المنفعل:
_آه خالتي بس مالناش علاقة بيها .
ترمقها المرأة بنظرة مشفقة طويلة قبل أن تقول لها ب-ما ظنته نصيحة-:
_أنا ماليش أتكلم في حاجة عائلية...ولا هتكلم عن خالتك...بس هاتكلم عنك أنتِ...البنت المحترمة اللي زيك ماتمدش إيدها على حد...ما تخليش حد يستفزك بحاجة مالكيش ذنب فيها ...أنا مش هعاقبك لأني عارفة أخلاقك ...بس ياريت تثبتي على موقفك...
ثم وضعت الصورة على المكتب مقلوبة على ظهرها بحركة ذات مغزى لتردف بما ظل محفوراً في ذهنها:
_البنت المحترمة تلبس زيك كده وماتديش فرصة لأي حد يجيب سيرتها.
_هانيا!
انتزعتها بها زميلتها من شرودها وهي ترى بوضوح حركة صدرها المضطربة لتلتفت نحوها بحدة فتبتسم المرأة قائلة :
_شكلي نرفزتك وفكرتك بحاجة ضايقتك.
قالتها المرأة ببعض الإشفاق وقد أدركت أن طلاق هانيا قد يكون بسبب كهذا ...
هانيا التي أشاحت بوجهها وهي تشعر بالاشمئزاز من مجرد تصور المرأة ترتدي شيئاً كهذا !
المرأة التي كانت متفهمة كثيراً فيما يبدو وهي تقترب منها أكثر لتقول لها بنبرة ودود:
_مشكلة بعض الناس في مجتمعنا إنهم ساعات بيسرفوا في توجيه البنت للأخلاق للدرجة اللي ممكن يخلليها تتجاهل أنوثتها ...تتكسف منها وتعتبر اهتمامها بيها سفالة و قلة حياء حتى لو في إطار شرعي سليم...
ثم صمتت لحظة لتردف :
_مش عيب ولا حرام...ليه تبصيلها إنها قصة جارية وسيد...ليه ما تبصيلهاش إنك كده بتعفّي زوجك ...بتحميه من إنه يدور بره على اللي مش لاقيه جوه...بتسدي عليه طرق الشيطان اللي بيزينله الغواية...ليه ما تقوليش إنها صورة تانية للتعبير عن الحب...بالظبط زي ما بتزوقي الهدية قبل ما تقدميها ؟!
التفتت نحوها هانيا ببطء وحديث زميلتها يفتح لها ثغرة ضعيفة وسط جدار قناعاتها المصمت ...
ثغرة اتسعت شيئاً فشيئاً مع استطرادها:
_ده عمره ما كان قلة قيمة ولا عدم احترام...للأسف احنا في زمن فتن...الرجل بيشوف حواليه في كل حتة ستات من كل شكل ولون...لو غض بصره ألف مرة غصب عنه مرة عينه هتشوف...هتشتهي...هتقارن...ليه ما تساعديهوش إن المقارنة دايماً تكون في صالحك؟!
_فيه رجالة ما بيملاش عينها إلا التراب... وبعدين الراجل اللي يسمح لنفسه أصلاً يقارنني بغيري ما يستاهلنيش!
قالتها بقهر وعيناها تدمعان رغماً عنها ...
كل ما تدعيه من صلابة ينهار بداخلها عندما تتخيل أن رامز قد استبدلها بهذه البساطة...
وبمن؟! بصديقتها؟!
ربما كان شعورها بالإهانة...بالغدر...برثاء الذات هو ما يغلب عليها في البداية...
لكن رويداً رويداً...يوماً بعد يوم...تدرك أن هذه المرارة في حلقها أقوى من هذا...
إنها -وياللعار- تغار!
إنها -وياللمصيبة- تفتقده!
إنها -وياللخيبة- تحتاجه !
لكنها -وياللفخر- قادرة على تجاهل كل هذا لتمضي قدماً في حياتها وكأن شيئاً لم يكن !
وكأنها لا تجد بداخلها روحاً تتفتت...
كفاها انتصاراً أنها كانت على حق عندما كانت تكبل مشاعرها معه ...
على الأقل هي لم تخسر كبريائها معه بأي صورة ...
وهذا هو المهم !
فليذهب الحب للجحيم...
وليحمل معه "صداقة" لم يعد لها معنى في هذا الزمان!
_أكيد .
هتفت بها زميلتها موافقة لرأيها فانتزعتها من لجة أفكارها لتردف بابتسامة واسعة:
_بس الحب زي الحرب...كل الأسلحة مباحة عشان تضمني النصر.
_أنا ما بحاربش عشان حد ....أنا في حد ذاتي نصر!
هتفت بها بما بدا شديد الغرور لكن لمعة عينيها الدامعتين فضحت حقيقة وهنها ...
هنا شعرت زميلتها بعقم الحوار فقامت من مكانها لتقول لها بود :
_احنا مش مختلفين...الحكاية بس إن كل واحدة فينا شايفة الموضوع من وجهة نظر معينة...معلش هستأذنك أروح أشوف حاجة.
غادرتها زميلتها لتتابعها بنظرات بدأت متنمرة معاندة قبل أن ترق تدريجياً لتتلون بألم خالص...
صراع نفسها يشتد وهي تشعر بالحلقة حولها تضيق...
هل هي حقاً مخطئة ؟!
هل كانت هي من دفع رامز بعيداً عنها؟!
هل يقتصر الحب على بضع كلمات لعوب وثياب ساخنة ؟!
هل قيمة المرأة في مجرد دلال وميوعة ؟!
يبدو أن الإجابة "نعم" وإلا لما تركها رامز ليهرع لغادة !
غادة؟!!
غادة!!
هل تتخيل أم أنها حقاً تتقدم الآن نحوها من الباب المفتوح؟!
بخطوات ثابتة قوية ...
بنظرات حملت مع العتب شيئاً من الامتنان لعهد قديم...
وبمظهر متحفظ غريب على طبيعتها ...
هل ارتدت حجاباً ؟!
رامز جعلها تفعلها ؟!
هل يغار عليها إلى هذا الحد ؟!
الخاطر الأخير وحده جعل النار تشب فجأة في ضلوعها لتنتفض مكانها صارخة بحدة غير آبهة بالمكان :
_انتِ بتعملي إيه هنا؟!
والجواب أتاها هادئاً...
عاتباً...
ودوداٌ...ومؤلماً !
_جاية لصاحبتي!
========
صاحبتي!
الكلمة -على بساطتها- أشعلت براكين صدرها واحداً تلو الآخر !
جعلت دموعها -العزيزة- تتأرجح على ضفاف جفنين لايزالان متشبثين بعناد الكبرياء ...
هل افتقدت حب رامز فحسب؟!
ألم تفتقد شيئاً آخر؟!
صداقتها لغادة لم تكن مجرد صحبة عابرة ...
لم تكن مجرد تآلف امرأتين بمشاعر سطحية ...
صداقتهما كانت نوعاً من رمزية "اليين واليانج" الصينية الشهيرة...
حيث لا أبيض مطلق ولا أسود مطلق...
كلتاهما تكمل صاحبتها لتلتئم دائرة روحها كاملة !
ربما تبدو هانيا القوية المسيطرة الجافة بينما غادة تشكل الجانب الضعيف اللين الخانع...
لكن كلتيهما كانت تدرك أن خلف هذه "الدائرة الخارجية" الخادعة توجد روح أخرى مغايرة...
قد يبدو الأمر وكأن غادة كانت المستفيدة من دعم هانيا وقوتها لكن الحقيقة أن غادة هي الأخرى كانت تغذي بداخل هانيا شعوراً تحتاجه...
شعوراً أقرب للأمومة ...بمزيج المسئولية والحنان!
صداقتهما كانت مرآة لكلتيهما ترى فيها كل واحدة الصورة التي تنقصها...وتتمناها سراً !
والآن ما عاد مجال للأسرار ...مرحباً بالمواجهة !
_إيه ؟! جاية تعزميني على الفرح؟!
هتفت بها هانيا ملوحةً بكفها بسخرية حادة وقد بادرت بالهجوم كما يتوقع ...
لكن غادة التي خلعت عنها رداء الخنوع لم تنكمش خوفاً كعادتها بل استمرت في التقدم نحوها لتقول بنفس النظرة غزيرة المعاني:
_انتِ مصدقة نفسك ؟! انتِ متخيلة إني فعلاً ممكن أعملها؟!
ولأول مرة في تاريخ صداقتهما تنقلب الأدوار!
خانة "الضعيف" التي طالما احتلتها غادة الآن تنحشر في زاويتها هانيا...
بينما تتولى غادة زمام المبادرة وقد صارت أمام هانيا تماماً ...
تناظر عينيها الزائغتين لتلقي برمية أخرى:
_واللا انتِ صدقتِ بس اللي كنتِ عايزة تشوفيه ؟! عشان تثبتي لنفسك إنك صح وإنه كان معاكِ حق لما قفلتِ على قلبك طول العمر ده ؟!
اتسعت عينا هانيا بصدمة ليتراجع رأسها للوراء ...
لتلقي غادة برمية جديدة وهي تشير بسبابتها نحو صدر هانيا مكان قلبها تماماً:
_ده عايز يحب...بس خايف يفقد اللي بيحبه بعد ما يتعلق بيه...
سبابتها تنتقل نحو رأس صديقتها لتلقي بالرمية التالية ...
_وده بيقول له لأ...الحب ده لعبة خسرانة...طموحك...كبرياءك...مكانتك...شغلك ...هو ده النجاح الحقيقي...
ثم تفرد كفيها في وجهها لتردف بنبرة أكثر شدة :
_يبقى إيه الحل ؟! رامز يطلع خاين...انتِ تطلعي صح...وتطلعي نفسك من الحرب دي .
لكن هانيا تسترد بعض قوتها لتهتف بمكابرة:
_أنتِ بتجادلي في إيه ؟! أنا سامعاه بوداني وهو ب...
_بإيه ؟! بيقوللي إني جميلة ؟! كام مرة قالهالي قدامك مجاملة وكنتِ بتعديها ؟! قاعد معايا في مكان عام ؟! كام مرة خللتيني أخرج معاكم وكنتِ ساعات بتسيبينا لوحدنا؟! كام مرة خللتيه يوصللني بالعربية واحنا راجعين من الشغل لوحدنا؟! فجأة حسيتِ بأن الوضع غلط ؟!واللا انتِ اللي كنتِ مستنية الفرصة عشان تشوفي الغلط غلط ؟!
آه...هدف!
يبدو أن غادة أحرزت أول هدف في هذه -المباراة الكلامية -...
وهاهي ذي هانيا تفقد أعصابها تماماً لتهتف بينما تغطي وجهها بكفيها :
_ده قاللي بمنتهى البجاحة إنه جايبك هناك عشان يعرض عليكِ الجواز !
ولازالت غادة سيدة الملعب بضرباتها المتوالية ...
حيث أزاحت كفي هانيا عن وجهها لتتوهج عيناهما المتقابلتان بشرر الحقيقة :
_ما تضحكيش على نفسك ...جزء جواكِ كان متأكد إنه مايقصدش اللي قاله ...وإنه اتهور كالعادة عشان يرد عِند بعِند...لكن كبريائك منعك تصدقي...كبريائك اللي خلاكي ما تشوفيش وقتها غير إنه بيقارن بينك وبين ست تانية...وهو هو كبريائك اللي خلاكي تدوسي على كل اللي بيننا عشان تشوهي صورتي وتفضحيني...لأنك وقتها ما كنتيش شايفاني أنا...ماكنتيش شايفة غير نفسك وبس...عموماً هاريحك وأقوللك إني كنت رايحة يومها أقابله عشانك...واحدة معنا في الشغل بترمي شباكها عليه...رحت أحذره منها وخفت أقوللك لأني عارفة دماغك...
الضياع الذي رسم أخاديده في عيني هانيا الشاردة يثير شفقتها فتتنهد بعمق لتردف :
_اطمني...رامز مابيحبش إلا انتِ...لا هي ولا غيرها.
الآن يتمكن الوهن من كلتيهما ...
"تعادلٌ " في دموع حارة تغشي الأحداق...
في ارتجافة الشفاه...
وجنون الخفقات !
يتبعه "انتصارٌ " ساحق لغادة فضحته عينا هانيا المذنبتين التي انسدل جفناها بينما تردف الأولى بهمس خفيض متوجع...وموجع:
_انتِ كتير وقفتِ جنبي...ساندتيني في أصعب مواقف حياتي...عملتيلي اللي محدش من أهلي عمله...كنتِ أختي وأمي وصاحبتي...ائتمنتك على اللي ماقلتوش لحد غيرك...وفي الآخر ...
قطعت عبارتها بما بدا مفهوماً ...
هذا الذي جعل هانيا تقرر "الانسحاب" تماماً لتعطيها ظهرها فجأة ودموعها تغرق وجنتيها بمزيج من ذنب وعجز...
دقيقة صمت تقتطع من وقت "المباراة"!
يتبعها هجوم جديد لغادة التي تحركت لتتملك هي زمام المواجهة من جديد ...
فتتلقى هانيا هجومها بآخر "خائب":
_وانتِ جاية النهارده عشان تعاتبيني؟!
_لأ...عشان أودعك قبل ما أسافر.
هجمة موفقة من غادة جعلت هانيا تتسمر مكانها قليلاً قبل أن تسألها بحمائية قلقة:
_تسافري فين ؟! اوعي تكوني هترجعي بورسعيد ؟!
ابتسامة شاحبة تتسرب لشفتي غادة ...
هانيا لا تزال هانيا رغم كل شيئ!
لهذا أطرقت برأسها قليلاً تتمالك صراع مشاعرها بين عتاب وامتنان ...
قبل أن تعاود رفعه لتقول بنبرة قوية راضية:
_لا مش بورسعيد...أنا سايبة مصر خالص.
نظرة القلق في عيني هانيا تتحول لذعر حقيقي...
أي غادة هذه التي تريد ترك مصر لبلد غريب وهي التي تغرق في شبر ماء ؟!
ستضيع حتماً!
وهي السبب؟!
الآن تنتبه أنها وسط غيمات علاقتها المتشابكة برامز لم ترَ في صديقتها سوى "وسادة قطنية" تفرغ فيها لكماتها الغاضبة ...
هي التي أخطأت عندما بالغت في إقحامها لحياتهما...
وعندما أرادت إخراجها اختارت الطريقة الأسوأ!
فضحتها بأسرارها كذباً وبهتاناً !
وبهذا الإدراك الأخير وجدت نفسها تمسك كتفي غادة تهزهما بقوة هاتفة :
_انتِ اتجننتي؟! هتسافري فين لوحدك ؟! انتِ فاكراها لعبة هتخاصميني وتستخبي !
هنا اتسعت ابتسامة غادة وهي ترفع كفيها تحتضن أنامل هانيا على كتفيها لتقول بنفس النبرة المتوازنة بين قوة وتسامح:
_أولاً...أنا لا مخاصماكي ولا رايحة أستخبى...أنا رايحة أشتغل....
ضاقت عينا هانيا بتساؤل لتردف غادة بتنهيدة ارتياح:
_وثانياً...مش لوحدي...عم أحمد الله يرحمه هيقابلني هناك...هو اللي دبر حكاية الشغل دي بعد ما والد أحمد طلب منه...والحمد لله جت في وقتها.
ورغم الارتياح العارم الذي كانت تتحدث به غادة لكن هانيا كانت تشعر بالعكس ...
ليس فقط خوفها على شخصية كغادة ....
لكنه أيضاً شعورها بالذنب لأنها توقن أنها السبب الرئيسي خلف هذا ...
وهو ما قرأته غادة بكل وضوح لتجيبها بينما تحرك كفيهما معاً لتضعهما أمام صدريهما في -حركة خاصة اعتادتا فعلها معاً منذ أيام الجامعة-...
_لو حاسة بالذنب ...ماتخافيش...أنا مش مسافرة هربانة...بالعكس...أنا مسافرة عشان ألاقي نفسي ...أبنيها من جديد زي ما أنا عايزة مش زي ما الناس عايزين يشوفوني...
ثم أخذت نفساً عميقاً لتردف :
_ولو خايفة عليّ...فأنا هسألك سؤال واحد بس...غادة اللي قدامك النهاردة غير غادة اللي تعرفيها ؟!
تفرست هانيا في ملامحها وهي تشعر بالإجابة تكاد تصرخ !
نعم ...
غادة هذه تختلف تماماً عن تلك الضعيفة المذعورة التي تتخبط بين عجز وخوف...
غادة هذه واثقة...راضية...تشع قوة وحيوية ...
لهذا عادت عيناها تدمعان وهي تومئ برأسها إيجاباً في رد قاطع لسؤالها ...
لتبتسم غادة وهي تعاود سؤالها :
_يتخاف عليها؟!
فتهز رأسها بالنفي وهي تجد نفسها تجذبها بقوة بين ذراعيها ...
تعانقها هذا العناق الذي ميز صداقتهما منذ عهد بعيد ...
عناق اختلط اعتذارها فيه بدموعها النادمة...
من هذا الذي اختزل الحب في علاقة رجل بامرأة ؟!
ها هي ذي أسمى معاني الحب في صداقة مزجت "ضعف"كل منهما ب"قوة" الأخرى!
عناقهما كان يكمل الصورة التي رسمها القدر لكلتيهما ...
متناقضان كسيران يجبر كلاهما صاحبه !
_خللي بالك من نفسك ...ابعتيلي أول ما توصلي .
هتفت بها هانيا وهي تبتعد أخيراً متجاوزة عن اعتذار تدرك -أحقيته- كما تدرك الآن -عدم جدواه-..
لتمنحها غادة ابتسامة ذات مغزى ناسبت قولها:
_وانتِ كمان ...ابعتيلي أول ما توصلي...
رمقتها هانيا بنظرة متسائلة عما تعنيه لتردف غادة بثقة :
_رامز طريق بدأتيه ولازم تكمليه.
وأخيراً تتركها خلفها مشتتة بأفكارها ...
ربما منحها القدر فرصة لترميم علاقتها بصديقتها ...
لكن يبقى الحب محظوراً ببطاقة حمراء خرجت بها من ملعب العاشقين !
=======
في مكانه المنعزل يقف مستنداً على مقدمة سيارته ...
هذا المكان الذي شهد كل انكساراته والآن يرى أعظمها ...
لم يكن يوماً شخصاً شاعرياً يكترث بالقمر والنجوم وهذا الهذيان عن جمال الليل وسحر السماء ...
لكنه في وقفته هذه على سطح هذا المرتفع...
وقد خلا المكان إلا منه...
لا يملك هذه الرجفة التي تسري في جسده وهو يرى القمر مقيداً بغمامة صفراء شاحبة جعلته يبدو كأسير حرب تنعيه نجومه حوله !
لقد كانت "الخائنة" تزعم أنها -مثله- تحب هذا المكان ...
تأتيه عندما تريد عزلة لأحزانها عن البشر ...
"كذبة" أخرى من كذباتها التي أجادت روايتها وأجاد هو الانخداع بها!
"الخائنة" التي لوثت ذكرياتها حياته كلها ...
بيته ...عيادته...عائلته...قريته...مدينته...عالمه كله !
كيف له أن يحتمل طيف خيانتها الذي لون كل شيئ حوله فلم يعد يرى أي شيئ إلا بسواد جرحها ؟!!
"الخائنة" التي نجحت أخيراً في إنهاء صراع نفسه حولها ...
لم يعد يعاني كوابيسه بشأنها بعدما تصالح مع هواجسه...
هو ألبسها ثوب "الشيطانة" وانتهى الأمر!
انتهى الأمر؟!
بهذه البساطة ؟!
معقول؟!
كل هذه التفاصيل التي شاركته فيها ؟!
النادي القديم ...ضفيرتها الطويلة ...عشقها المخفيّ خلف كتاب...خباياه الصغيرة التي كانت تحفظها ...مذاقات طعامها بنكهة حب لم تمنحه له سواها...
رمزها الفريد لحرف الياء المميز ..."عقدة ماضيهما" المشتركة التي تقاسما عناءها وحصادها....لذة عناقها الذي كان يشعره أن قلبيهما يتشاركان النبض ...
ابتسامتها ...دعاباتها...نظرة عينيها التي كانت تسع كوناً بأكمله ...
كل هذا كان فقط مجرد خداع ؟!
واجهة أنيقة تخفي خلفها امرأة لعوب تجيد تبديل الرجال كما تبدل ملابسها؟!
_مش قلت لك قبل كده ؟!...كلنا سينابون...دواير لافة حوالين بعضها ...واللي يحكم ع الدايرة الخارجية بس يبقى غلطان .
هل هذا ما كانت تقصده عندما قالتها تلك الليلة ؟!
لسانها انفلت فاضحاً خبيئتها وهو فقط المغفل الذي كان يتجاهل كل إشارات عقله ؟!
انقطعت أفكاره عندما رن هاتفه برقم غريب ...
قلبه "الخائن" ينتفض من رقاده الطويل مترنحاً بدعائه أن تكون هي !
لكنه يخرس نداءاته بزفرة ساخطة وهو يفتح الاتصال بعنف:
_أيوة أنا دكتور يامن ...مين ؟!
الصوت الذكوري على الجانب الآخر من الاتصال يخمد ما بقي من نداءات قلبه فيستمع قليلاً ليرد بنبرة مشتتة :
_آه...حضرتك بتتصل بخصوص إعلان بيع البيت...هو بيت دورين ...له جنينة حواليه ...الدور الأول ريسبشن ومطبخ وأوضة كبيرة...والدور التاني ...
تهدج صوته فجأة ليقطع عبارته وهو يرى نفسه رغماً عنه محاصراً بذكرياته معها ...
ربما تكون هي فاجرة لكن هذه الذكريات تبقى أطهر ما عاشه هو !
ربما لهذا السبب يجب أن يتخلص من كل ما يحمله قسراً إليها ...
سيبيع هذا البيت رامياً خلف ظهره ماضياً جارحاً لا يريد تذكره بعد الآن ...
_تتفرج؟!
قالها أخيراً بنفس النبرة المشتتة والرجل يطلب منه معاينة البيت قبل شرائه ليجد عروقه فجأة تشتعل بغيرة لا منطقية وهو يرى بعين خياله رجلاً غريباً يفتح باب غرفة كانت يوماً لها ...
تتجول عيناه على فراشها ...تصافحان نفس المرآة التي كانت تحتضن جسدها ...
تتناول أنامله أدوات مطبخها ...يشم أنفه رائحتها العالقة بين الجدران...
تصعد قدماه نفس الدرج الذي تراقصت عليه خطواتها...
_لا!
هتف بها بحدة ليصمت محدثه قليلاً وكأنما ألجمته المفاجأة خاصة عندما أغلق الاتصال بقوله:
_أنا آسف...غيرت رأيي...مش هابيعه .
لاريب أن الرجل الآن يتهمه بالجنون ...
ماذا يضيره ؟! هو يشعر أنه حقاً في سبيله لهذا!
مجرد وفائه لذكرى خائنة مثلها ...جنون !
جنون لا حيلة له فيه إلا تجاهله !
ومن مثله يمكنه العيش بقناع اللامبالاة ؟!!
أعاد هاتفه لجيبه لتصطدم عيناه بخاتمها ذي الفص الأسود في بنصره ...
_مش عايزاك تقوللي إنك بتحبني...هاكتفي مؤقتاً إنك تقوللي إنك مصدق إني بحبك...وإنه مهما حصل مش هتشك يوم في ده .
_مصدقك .
_طيب قوللي أمارة...عشان لو في يوم من الأيام شكيت في كده...أفكرك بيها.
_تعرفي ؟! أيام كتير كنت بصحى من النوم أفضل في السرير ...ماليش مزاج أقوم...أقوم ليه ؟! أشتغل ليه ؟! أقابل ناس ليه ؟! أعيش أصلاً ليه ؟! مؤخراً بس بقيت لما أسأل نفسي الأسئلة دي ...ما بلاقيش غير إجابة واحدة بتخليني نفسي مفتوحة إني أقوم من السرير وأكمل يومي ...
_خلاص..يبقى كلمة السر هي الخاتم بتاعي ...يوم ما تنسى هافكرك بيه.
_مش هانسى!
لا...لم يخلعه...ولن يفعل!
سيبقيه في إصبعه لعله يذكره بسواد غدرها !
لعله يظل شاهد عيان يمنعه السقوط في هذا الشرك من جديد ...
يوماً ما كان خاتمها "الأسود" هو ما يعطيه دافعاً للحياة "معها"...
والآن يبقيه ليظل دافعه للاستمرار في الحياة "دونها"!
فياللمفارقة !
انقطعت أفكاره من جديد عندما شعر بسيارة تقترب ...
التفت بوجهه نحوها بعنف ولازال يتوقع أن تكون هي ...
لكنها لم تكن !
سيارة فخمة سوداء بنوافذ معتمة تقترب الآن منه ليترجل منها من ظهرا كحارسين شخصيين ...
فتح أحدهما الباب الخلفي ليترجل منه سيدهما...
آخر من يود يامن رؤيته في هذه اللحظة ...
بل في هذا العالم كله !
=========
_انت؟!
قالها من بين أسنانه وهو يتابع تقدمه نحوه ...
ربما لم يلتقِ به من قبل لكن ملامحه حفرت بالنار على جدران روحه ...
هو الذي ظل اسمه يؤرق لياليه بكوابيسه قبل أن تحتكر مشاهده -المهلكة- معها أرض عالمه المظلمة كلها !
لماذا جاءه ؟!
وهنا؟! هنا بالذات؟!
هل كُتب عليه أن تلطخ خيانتها كل بقعة تشتهيها روحه؟!
_معلش...اضطريت أراقبك الكام يوم اللي فاتوا عشان أختار مكان مناسب ينفع نتكلم فيه براحتنا...وأظن مفيش أحسن من هنا.
قالها زين بنبرته الرصينة التي تجمع هيمنة لا يدعيها مع لمحة طفيفة من ود خفي !
هل هذه طريقته في كسب من أمامه؟!
هل كانت هذه بدايته في إغوائها؟!
وسيم...ثري...شخصيته القوية تنفذ كاسحة عبر عينين صارمتين ...
أنيق بتلك الطريقة التي يبدون فيها على شاشة التلفاز ...
لم يكن يوماً ممن يتصفون بقلة الثقة لكنه يشعر حقاً الآن أنه غير كفء للمقارنة معه !
هذا الشعور الذي أورثه المزيد من الغضب ...
خلاياه كلها تصرخ برغبتها في قتله !
لكنه وأد هذا الشعور بإرادة من فولاذ ...
غضبه يعني أنها لا تزال شيئاً لديه...
وهو أقسم لنفسه أنها لن تكون في حياته بعد الآن أي شيئ!
لهذا تجمدت ملامحه وهو يقول بنبرته الساخرة :
_خير؟! ما اظنش فيه حاجة بيننا تستاهل الكلام.
تفحصه زين ببصره للحظات وهو يقترب منه أكثر وكأنه يدرس انفعالاته ...
ليقول بعدها بحذر:
_متأكد؟!
_اللي بيننا كان واحدة ست ...وخلاص طلقتها .
يعلم الله كم جاهد نفسه لينطقها بكل هذا البرود المستهجن !
جسده كله كان متصلباً ...يابساً...قبضتاه مضمومتان جواره وكأنه سيفتك به في أي لحظة ...
أسنانه تكاد تتحطم من فرط ضغطه عليها...
لكنه لن يسمح لنفسه بالمزيد ...
_هدوءك ده كويس جداً...يشجعني أتكلم في اللي جاي عشانه.
قالها زين بنفس النبرة وهو يشير لحارسيه إشارة ذات مغزى جعلتهما يبتعدان قليلاً كي يتركا لهما حرية الحديث...
ليهتف يامن بنفس السخرية الباردة التي اكتسبت الآن رغماً عنه بعض العدائية :
_عايز إيه ؟!
هنا اقترب منه زين أكثر متفحصاً ملامحه بدقة مع قوله:
_جاي أقوللك الحقيقة اللي مايعرفهاش غيري أنا وياسمين...وإذا كنت مش هتصدقها هي فأظن أنا ماليش مصلحة أكدب.
مجرد جمعه لنفسه مع ياسمين في جملة واحدة استنفر كل الغضب الذي كان يحاول كظمه منذ بدأ اللقاء...
نسف كل ما كان يدعيه من برود ...
وأحيا كل وحوش همجيته وهو يستعيد مشاهدهما التي رآها بعينيه !
زمجرة غاضبة تشق صدره لتخرج هادرة بعنف مع صراخه:
_وفر كذبك لنفسك ...قلت لك سبتهالك خلاص!
قالها وهو يدفعه بعنف حتى كاد يلقيه أرضاً قبل أن يستدير وقد قرر المغادرة ...
لكن زين استعاد توازنه سريعاً ليشد ذراعه هاتفاً :
_انت سمعت كتير الفترة اللي فاتت...مش هتخسر حاجة لو سمعت مني اللي جاي أقوله !
توقف يامن مكانه وقد بدا وكأنه ينفث النار من فمه !
هل لا يزال هناك متسع للمزيد من الأكاذيب؟!
_لا خنتك ولا خنته...ليلتها كنت رايحة له عشان ...عشان...أنا بعمل إيه ؟! بعمل إيه؟! بدافع عن نفسي قدامك ؟! قدامك انت؟! عن شرفي؟! عن حبي؟! بعد كل اللي بيننا ؟!
كلماتها تظهر من العدم لتنير في ذهنه فجأة!
ما الذي أرادت قوله وقتها ؟!
هل تحتمل اللعبة المزيد من الألغاز ؟!
فليدلِ دلوه إذن ولنرَ!
_الفيديو حقيقي مش متزور...بس له بقية...وبقيته ببساطة دليل براءتها اللي هنا...
قالها زين مشيراً لحاجبه فتفحصه يامن ببصره ليجد ندبة اختفى من مكانها الشعر ...
عقد حاجبيه بشدة بينما زين يردف بنفس النبرة التي خالطها الآن الكثير من الندم:
_كانت غلطتي أنا...أنا اللي اتجرأت عليها ليلتها واستغليت صدمتها في اللي شافته بعد ما ظبطت رامي مع واحدة في الحفلة...كانت بتسمع كتير عن خيانته لكن دي كانت أول مرة تشوفها بعنيها ...
ثم أشاح بوجهه ليردف:
_مش هانكر إني وقتها ضعفت...بس هي ماضعفتش...أنا خنت الثقة اللي هي ادتهالي كصديق...لكن هي ما خانتش...لا خانت رامي ...ولا خانت نفسها...ضربتني بشنطتها وجريت...ودي كانت آخر مرة شفتها فيها ...
فازداد انعقاد حاجبي يامن وهو يعجز عن التصديق ...
ليستطرد زين باستدراك مدركاً خطأه:
_أقصد قبل الأخيرة...المرة الأخيرة كانت في مطعمها بعد ما رجعت من السفر ...كنت رايح أعتذر لها بس هي تقريباً طردتني .
رمقه يامن بنظرة فاحت منها شكوكه وعيناه تنتقلان بتوجس بين جرح حاجبه وعينيه النافذتين ...
ليقول زين بينما يبسط كفيه أمام وجهه :
_حقك تصدق او ماتصدقش...القرار قرارك .
ظل يامن يرمقه بنظراته العاصفة وذهنه يدور في دوامات شتى ...
قلبه الذي كان ينتفض بين ضلوعه يصرخ الآن بتصديقه لروايته...
هي الرواية الوحيدة التي تتسق وفكرته السابقة عنها ...
لكن عقله يقف له بالمرصاد ...
هل ستسلم رأسك لهذا الهراء من جديد ؟!
أما اكتفيت من جحيم خذلانك؟!
ويبدو أن زين قرأ صراعه هذا في عينيه فقد أخذ نفساً عميقاً ليقول بنبرته المتملكة:
_أنا جيت النهارده اقوللك الحقيقة عشان عارف إنها بتحبك وانها يمكن...يمكن ...تكون اختارت الراجل الصح المرة دي ...لكن لو هتفرط فيها فانا بقوللك ...مش هاسيب فرصة ...اي فرصة تخليني أكسب قلبها ...مش هاضيعها من ايدي تاني .
قالها ملوحاً بسبابته في تصميم أفقد يامن صوابه ليتوجه نحو وجهه بلكمة أوقفها زين بقبضته...
هنا تحرك الحارسان ليفاجأ بهما يامن وكأنهما قد ظهرا من العدم يطوقانه بعنف لكن زين أشار لهما ليعاودا ابتعادهما بنظرات حذرة...
انتزع يامن يده من قبضة زين الذي قال بهدوئه المسيطر:
_لو عايز نمشيها بالعنف معنديش مانع...بس انت الخسران...
ثم ابتعد عنه بخطوات ثابتة ليردف :
_أنا كده خلصت كلامي ...فرصة سعيدة يا دكتور.
كاد يامن ينفجر غيظاً وهو يراه يركب سيارته بهدوء لتنطلق به مع حارسيه تنهب الطريق نهباً...
ماذا؟!
هل سينصرف حقاً بهذه البساطة؟!
بعدما قلب عالمه رأساً على عقب؟!
ماهذا الذي يحدث؟!
هل يصدقه؟!
لا!
هل يكذبه؟!
لا!
رباه!
أما لهذه المتاهة من نهاية ؟!
لا...ليست متاهة ...بل جحيم يكتوي به ولا يدري له مخرجاً!
_مادام مصدق عليَّ كده مش هاناقشك...مادام كل اللي بيننا طلع ما يستاهلش حتى إنك تسألني قبل ما تحكم عليّ يبقى مالوش لازمة...عايز تصدق إني خاينة زي كل الستات اللي عرفتهم ؟! صدق! ارجع لدنيتك السودة اللي بترتاح لها...ارجع لوساوسك وشكوكك وعينيك اللي مابتشوفش أبعد من نفسك وبس...حتى لو عرفت الحقيقة ورجعت لي ندمان...مش هسامحك...من اللحظة دي اللي بيننا انتهى .
كلماتها تعاود اختراق أفكاره كشهب من نار!
يكاد يسمعها بصوتها...باهتزاز صدرها الخافق بحسرته...بنظراتها التي مات عشقها لتحل محله أشباح الوجع...
قلبه يئن بجرحه وهو يرجوه الاستماع إليها...مواجهتها بهذا الذي عرفه...
يكاد يصرخ أنه يصدق براءتها فمليكته لم تكن يوماً خائنة...
هذا الحب الذي رفعه لأعلى جنان السعادة لم يكن سراباٌ ...
لكن سلطان وساوسه لايزال يبذر الوهم في عروقه...
كاذبة !
كذبت يوم أنكرت معرفتها بذاك الرجل...ليس مرة واحدة بل اثنتان!
ومن تكذب مرة...تفعلها ألف مرة ...
اثبت مكانك يارجل ...
هاهنا أرضك الصلبة وما دونها سراب وتيه !
=======
_عجبك الأكل؟!
تسأله نبيلة وهي تجده شارداً عقب تناولهم للطعام ليرده سؤالها لآخر مشابه كانت تسأله -أخرى- له...
أخرى أفسدت عليه مذاق حياته بعدما اختلطت رائحتها بدمه وعظمه فما عادت حواسه تستشعر الوجود إلا بنكهتها هي ...
_حلو...جداً...شكراً.
كلماته المقتضبة رغم جمودها كانت أكثر من مرضية ل"أمومتها" التي تحاول استردادها معه ...
هي تعرف جيداً ما يعانيه ...
ما مر به ولايزال يحرق صدره أقوى بكثير من تحمل أي رجل ...
فما بالها برجل لا ينقصه احتلال الهواجس والظنون !
لهذا تنهدت بحرارة وهي تجلس جواره على الأريكة ليبادرها بسؤاله :
_البنات عاملين إيه ؟!
عادت تتنهد بحرارة لتحتضن كفه بأناملها مجيبة:
_كان نفسي أطمنك بس أحوالهم مش عاجباني...داليا دايماً حابسة نفسها في أوضتها ...رانيا على طول بتعيط...هانيا بتكابر وبتعمل نفسها مشغولة في دراستها بس أنا عارفة إن هي كمان مش مرتاحة.
فأغمض عينيه بألم وهو يستدير نحوها ليدفن وجهه في طيات عناقها بمذاق حنانها "المستحدث"...
نقطة الضوء الوحيدة التي وجدها وسط ظلام أحداثه السابقة ...
_أول مرة أحس إن إيدي فاضية معاهم...مش قادر أعمل لهم حاجة ...أنا اخترت لهم اللي يحميهم ...الغلط فين ؟! فيّ واللا فيهم واللا في الظروف؟!
ضمته لصدرها بحنوّ مستلذة هي الأخرى بشعورها به بين ذراعيها ...
لتقول له بحيرة :
_مش عارفة...ساعات بقول لو كنت مكانك كنت عملت زيك...وساعات بفكر فيها من ناحية تانية...بقول الخوف ممكن يحمينا بس برضه بيحرمنا من حاجات كانت تستاهل نحارب عشانها .
ابتلع غصة حلقه مدركاً أنه مثلها لا يعرف الجواب ...
هو اختار الأرض الصلبة التي اعتادها طوال عمره ...
فلماذا تتزلزل الآن تحت قدميه ؟!!
صوت رنين الجرس يقاطع أفكاره فيلتفت نحوها متسائلاً :
_مستنية حد ؟!
تهز رأسها نفياً فيقوم ليفتح الباب ...
للوهلة الأولى لا يميز أي شيئ سوى هذا "الوجه" الصغير الذي طالما احتل كوابيسه ...
ملامحه المنمنمة...عيناه الواسعتان ...ابتسامته البريئة التي رجت قلبه رجاً...
لكنه انتزع نفسه من كل هذا انتزاعاً ليرفع وجهه نحو سيلين التي بادرته بقولها :
_مفيش حمداً لله على السلامة ؟!
عقد حاجبيه بضيق لم يستطع كتمانه ...
هل تنقصه سخافات هذه الأخرى؟!
لماذا عادت ؟!
فكرة ساخرة تتسرب لعقله ...
ولماذا لا تعود ؟!
ألم تخلُ لها الساحة بخروج "الأخرى" منها ؟!
أو -هكذا- تظن ؟!
والآن ماذا؟!
هل سيبحث عن أخرى يتزوجها ليبعدها من جديد ؟!
المواجهة هي الحل!
_حمداً لله على السلامة...اتفضلي.
المفاجأة هذه المرة كانت من نصيب سيلين التي دلفت للداخل وهي ترمقه بنظرات متفحصة ...
يامن تغير !
شتات نظرته...ارتجافة شفتيه ...حتى لهجته التي طالما اعتادتها باردة ساخرة صارت تحمل مرارة شجن دافئة !
لا بأس ...هذا كله يصب في مصلحتها هي على أي حال!
_أهلاً سيلين .
هتفت بها نبيلة بلهفة وعيناها معلقتان بطفلها الذي تحمله ...
قلبها يكاد يقفز نحوه بل قفز فعلاً وهي تتلقفه منها لتضمه لصدرها بحنو ...
"أعز الولد ولد الولد"
هكذا تسمعهم يقولونها ...لكنها لم تشعر بحرارة معناها إلا الآن ...
ابتسمت سيلين برضا واستقبال نبيلة الدافئ يعزز الغرض من زيارتها ...
فألقت حقيبتها على مائدة قريبة لتجلس واضعة إحدى ساقيها فوق الأخرى قائلة بلكنتها المميزة بين عربية وغربية:
_أنا عرفت اللي حصل وجاية أديلك آخر فرصة...عشان خاطر ابنك .
قالتها مباشرة بمنهجها العملي الذي اعتاده لتعود لملامحه شراستها مع ابتسامته الساخرة :
_ابني؟! أفهم من كده إنك موافقة نعمل التحليل؟!
هنا انتفضت من مكانها لتواجهه بحدة هاتفة:
_مش هاعمل تحاليل ؟! انت فاكر كل الستات زبالة زي اللي كنت متجوزها ؟!
انقطعت عبارتها بصرخة قصيرة وأنامله تتوقف على بعد بضعة سنتيمترات من وجهها في صفعة لم تنلها ...
بينما احمر وجهه حتى كاد ينفجر منه الدم وجسده كله يرتجف واشياً بانفعاله الذي هدر كالرعد في كلماته :
_لو جاية فاكرة الدنيا اتغيرت فمفيش حاجة تخصك اختلفت ...رجوع مش هارجع لك ولو كنتِ آخر ست في الدنيا ...الولد ما عادش يهمني نسبه لأنه حتى لو ابني مش عايزه ...وعشان تعرفي أد إيه بحتقرك ومستحيل أرجع لك بقوللك إن جوازي منها كان لعبة ...مجرد طريقة عشان أطفشك وأخلص من زنّك...لكن خلاص ما عادش يهمني...أعلى ما في خيلك اركبيه !
ضمت نبيلة الصغير الذي انفجر في البكاء فجأة مع صراخ يامن العالي وهي تراقب الموقف بقلق ...
إذن هذا سبب زواجه السريع اللا منطقي من ياسمين !
لقد شكت في هذا وقتها لكن الحب الصارخ في عيني ياسمين بعدها جعلها تستبعد هذه الفكرة ...
يامن أخطأ بذكر هذا الآن !
سيلين لن تمررها له ...وهي ليست بهينة على أي حال !
_انت ما تعرفش انت بتكلم مين ؟! انت ...انت بتهرب مني أنا ؟
صرخت بها سيلين بجنون غرورها المعهود لتردف بينما تضربه بقبضتيها على صدره :
_أنا هاعرف إزاي أدمرك هنا زي ما عملت في لندن...كل اللي بنيته هنا هاهدّه ...هارجعك للصفر تاني .
هنا تدخلت نبيلة لتتشبث بالصغير بأحد ذراعيها بينما تجذب سيلين بالآخر :
_اهدي يا سيلين ...وتعالي معايا .
لكن سيلين ظلت واقفة تناطحه بنظراتها النارية لتردف نبيلة بنبرة آمرة:
_خللينا نتكلم بالعقل عشان خاطر الولد المفطور في العياط ده .
التفتت نحوها سيلين لتلتقط منها الصغير وتضمه إلى صدرها هي قبل أن تدفعها نبيلة للداخل برفق قائلة :
_تعالي نتكلم لوحدنا ...اهدي كده...اهدي.
كانت تحاول امتصاص ثورتها وهي تدرك أن تهديدها ليامن ليس بفارغ...
هي حقاً قادرة على فعل ما تقول وإلا لما اضطر ل"لعبة زواج" كي يتخلص منها !
بينما ظل هو واقفاً مكانه يحاول السيطرة على براكين غضبه دون جدوى!
صدره يغلي بوجع يسع الكون كله !
تعيّره بياسمين ؟!
هي التي "كنزه" .."شمسه"..."عالمه السحري" الذي لم يطأه أحد قبله...
الآن تصير "عاره"؟!!
انقطعت أفكاره عندما سمع صوت رنين هاتفها يدوي من حقيبتها المفتوحة التي تركتها خلفها ...
فالتفت نحوه بعدم اكتراث ليزداد فضوله مع إصرار المتصل...
تناوله بخفة لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى اسم "رامي"...
رامي؟!!
هل هي مصادفة أن تعرف سيلين رجلاً هنا في مصر بنفس الاسم ؟!!
فتح الاتصال دون أي رد يستمع لصوته الذي أكد له ظنونه قبل أن يغلقه بعنف!
إذن سيلين تعرف رامي؟!
ما الذي بينهما ؟!
هذان الاثنان لن يجمعهما إلا "ياسمين"!!
لهذا ظل يقلب في هاتفها قليلاً لتتسع عيناه بصدمة مع سجل مكالماتهما الطويل الفترة السابقة...
صورة ياسمين مع زين في مطعمها والتي أُرسلت لسيلين من رقم يحمل اسم مساعدة ياسمين في المطعم مع رسالة منها تطالبها بتحويل مبلغ ما لها على رقم حسابها البنكي.
هكذا إذن تتضح الخيوط !!
مساعدة ياسمين تصيدت لها هذه الصورة لترسلها لسيلين مقابل المال ...
سيلين التي استغلت الصورة مع الفيديو القديم الذي يحتفظ به رامي لتحكم الوثاق حول مؤامرتها !
إذن زين محق !
ياسمين بريئة !
لكن...الفيديو ؟!
صورها معه بين ذراعيه ؟!
هل كانت تبدو راضية ؟!
لا!
هل كانت تبدو مجبورة ؟!
الجواب أيضاً لا !!
إذن أين الحقيقة ؟!
من يصدق ومن يكذب ها هنا ؟!!
أما لهذه الدوامة من آخر؟!!
_سيليييييييييين!!
هدر بها بعنف وهو يندفع للداخل ليجذبها من ذراعها فيوقفها هاتفاً بحدة بينما يناولها هاتفها:
_رامي باشا بيتصل...طمنيه إن الخطة تمام وشربتها كويس.
امتقع وجه سيلين وهي ترى الشاشة تومض من جديد باسم رامي ...
ليردف يامن بنفس الحدة المنفعلة:
_اللعبة اتكشفت ...خدي ابنك واطلع بره .
_لعبة إيه ؟! الفيديو حقيقي والصورة حقيقية ...أنا كل دوري إني كشفتها لك ...انت بس اللي...
_بره...بره...
صرخ بها بجنون في وجهها لتندفع مغادرة المكان بخطوات شبه عادية تحمل صغيرها الباكي . ..
قبل أن يهرول هو نحو غرفته ليغلق الباب خلفه مستنداً عليه بظهره...
جحيم وساوسه يعاود التلذذ بعذابه....
مذنبة ...أم بريئة ؟!
خانته...أم لم تفعل؟!
"لو شكيت ما تكمللش؟!"
لماذا لا يحميه خوفه هذه المرة ؟!
لماذا لا يمنحه الشك مزية اختيار الشاطئ الآمن كما تعود ؟!!
لماذا يشعر أنه يتمزق ...يتمزق حقاً بين رغبته في تصديق براءتها...
وبين هواجس وساوسه التي تصورها بأبشع الصور !
متاهة...
دائرة حول دائرة حول دائرة ...
أما لهذه الحيرة من آخر؟!
=========
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!