القطعة الخامسة عشرة
==========
_مالك يا حبيبي ؟! بتسوق بسرعة كده ليه ؟!
سألته رانيا بقلق وهي تلاحظ اندفاعه المجنون في القيادة كما لم تعهده من قبل ...
لكنه كان يشعر باحتياجه الصارخ للعودة للمنزل...
كيف نسي إحضار هذه الأقراص "السحرية" معه؟!
تأثيرها الفعال في تسكين ألمه يدهشه حقاً ...
منذ أهداه إياها مساعده في المصنع وهو لا يكاد يستغني عنها .
_مصدع بس شوية وعايز آخد الدوا.
قالها بنفاد صبر نال من حلمه المعهود فرمقته بنظرة قلقة وهي تتشبث بمقعدها أكثر ...
تراقبه بعدم ارتياح وهي تراه يصل أخيراً فيوقف السيارة ليغادرها بخطوات مندفعة دون أن ينتظرها كما يفعل يوماً !
حاجباها ينعقدان بدهشة مرتابة لتغادر السيارة خلفه بخطوات متمهلة...
قلبها يشعر بأنه -كالعادة- يخفي عنها ما يسوؤها لكنها -كالعادة أيضاً- تجبن عن مطالبته بالبوح...
طالما بدا لها هذا العالم بحراً لا قبل لها بالخوض فيه ...
وحده أشرف هو "جدارها" الذي يحميها ...
هو أمانها ودعمها ...ليس لها فقط...للجميع!
ولو صدقت نفسها لأدركت أن هذا الجدار يوشك أن يتصدع من فرط ما صار يتحمله !
هل تسأله عما يشغله ؟!
سيخفي عنها كالعادة مكتفياً بابتسامة مطمئنة وعناق دافئ!
وحتى لو صارحها ...هي أوهن من أن تمنحه حلاً أو حتى دعماً...
شخصيتها المتواكلة لا تجيد سوى الاتكاء على عصيّ الآخرين!
تنهدت بعجز وهي تدخل البيت لتتردد قليلاً قبل أن تريح جسدها على الأريكة ...
شيئ من الفتور بدأ يتسرب لعلاقتهما المشتعلة...
هل يقتل الزواج الحب كما يزعمون؟!
أم هو فقط انشغال أشرف بعمله ومرض أمه ومسئولية شقيقته ؟!
الحل؟!
طفل!
أجل...هذا هو ما تفتق عنه ذهنها وقتها !
ربما فرحته بطفل تلهيه عن كل ما يؤرقه...
لاسيما لو كانت أنثى ومنحها اسم أمه الغالية...
ستكون فرحة لا تقدر بثمن !
أناملها تتحسس بطنها بأمل وهي ترفع رأسها للسماء فيما بدا كالدعاء ...
قبل أن تسمع صوت ضحكاته العالية يصلها من غرفتهما مع صوته يحدث أحدهم...
إذن فقد استعاد مزاجه الرائق!
ابتسامة طفولية ترتسم على شفتيها وهي تندفع نحو الغرفة لتراه جالساً على الفراش يحادث والدته...
هذه النظرة في عينيه والتي تمزج الحنان بالقلق والحزن لا يجتمعون معاً إلا لها .
_ابنك بقى زوج مصري أصيل ...بينام من العِشا ومفيش خروج مع أصحابه ....ناقصني بس البطيخة وأنا راجع...
تضحك لمرحه المناقض لحالته منذ قليل فيلتفت نحوها بملامح مرتاحة أخيراً ليغمزها بينما يردف محدثاً أمه:
_سهرنا النهارده بس شوية عشان كان عيد ميلاد يامن...وانتِ طيبة حبيبتي...لا ما تقلقيش مش ناسي...عارف إن عيد ميلاد نشوى كمان يومين ومجهز لها هديتها كمان...خللي بالك انتِ من نفسك...
يستمع قليلاً لتغيم عيناه بنظرة حزينة بينما يستطرد :
_حاضر يا حبيبتي...ما تشيليش همي بس خليكي في نفسك...حاضر...مش هنام من غير عَشا ...ومش هوطي حرارة التكييف...
ثم يغتصب ضحكة مفتعلة ليردف:
_رانيا جنبي تقول عليّ إيه بس ؟! اتجوزت عيّل أمه خايفة عليه ؟!
هنا تنتزع منه هي الهاتف لتحدثها بلهجتها الرقيقة:
_عيّل ده إيه ؟! ده سيد الرجالة ...إزيك انتِ يا حبيبتي وصحتك عاملة إيه ؟!
يراقبها بنظرة حانية وهو يتحسس جبهته بأنامله شاعراً بالتحسن تدريجياً...
مزاجه يتحسن لكنه لايزال عاجزاً عن التركيز ...
ذهنه مشوش.. مضطرب ...
هل هي أعراض اكتئاب؟!
أي اكتئاب؟! إنه يكاد يضحك بلا سبب!
تماماً كما الآن وهو يجذب رانيا ليجلسها بين ذراعيه غير آبه بنظرتها الرافضة وهي تكمل حديثها مع أمه ...
والذي أنهته سريعاً بقولها :
_وانتِ من أهله حبيبتي .
_انتِ احلويتي الليلة دي واللا أنا بيتهيألي؟!
بهمسه العابث بينما أنامله تزيح عنها حجابها لترمقه بنظرة دهشة...
كيف تنقلب انفعالاته بهذه السرعة ؟!
ما الذي يحدث له ؟!
هل يصالحها لأنه شعر بفظاظته معها منذ قليل ؟!
والخاطر الأخير جعل الغلبة لطبيعتها الأنثوية المتدللة فأبعدت رأسها عنه هامسة بعينين مغمضتين:
_زعلانة منك...عندك تلات مخالفات.
_ممممم...ثلاثة مرة واحدة ؟!
بنفس النبرة العابثة ينطقها بينما أنامله تحل أزرار قميصها ...
تداعب رقبتها وكتفيها ...تدلكهما بلطف وهو يجذبها لصدره مقبلاً طرف أذنها ...
_أولاً...زعقتلي في العربية...ثانياً...خرجت منها وجيت هنا من غير ما تستناني...وثالثاً سبتني قاعدة لوحدي بره وجيت تكلم مامتك لوحدك.
تنهيدة حارة خرجت منه يعقبها سيلٌ من قبلاته التي أغرقتها بعاطفته...
تشبث ذراعيه بها يزداد قوة وهو يعود بظهره للوراء ساحباً إياها معه...
عيناه مغمضتان وابتسامة غريبة ترتسم على شفتيه فلا تدري هل هي ابتسامة ارتياح أم سخرية...
_انتِ عارفة إنك عمرك ما زعلتِ مني؟!
تشرد ببصرها قليلاً مسترجعة تاريخهما المشترك لتبتسم بعد لحظات وهي تلصق وجنتها بوجنته هامسة:
_ماكنتش بتديني فرصة...طول عمرك فاهم إيه بيزعلني وما بتعملوش.
فيفتح عينيه ليطالعها بنظراته العاشقة التي تعرفها ..
أنامله تربت على رأسها ليهمس لها بنبرة متعَبة :
_وعمري ما هاعمل حاجة تزعلك...معلش استحمليني اليومين دول...أنا مش عارف مالي ...دماغي هتجنني...ما ببطلش تفكير كأني في دوامة ...ماعدتش مركز في أي حاجة...حتى الشغل بقيت حاسس إني طفل صغير واقف وسط الشارع لوحده .
ترفع رأسها قليلاً لتقبل جبينه ثم تعدل وضعها لتستلقي جواره محيطة وجنته بأناملها مع همسها:
_قل لي ممكن أساعدك إزاي...تحب أشتغل معاك ؟!
ابتسامة واهنة تعرف طريقها لشفتيه وهو يقترب بوجهه ليريحه في تجويف عنقها ...
يأخذ نفساً عميقاً معبقاً برائحتها التي طالما حملت له معنى "الهويّة"...
أجل...مهما كان متعباً...هاهنا يجد راحته !
_مراتي ما تشتغلش وتبقى فرجة للي رايح واللي جاي...مراتي تستريح في بيتها اللي بيها بيبقى جنة .
عجباً له كيف يفعلها ؟!
كيف يمكنه هكذا أن يبدل قلقها وخوفها في لحظات لأمان بلا حدود ؟!
لكن هذا ليس غريباً عليه...
هذا هو أشرف وهذا هو حبه ...
منحة السماء التي اكتنفتها وترعرع عليها قلبها يوماً بعد يوم !
لهذا وجدت نفسها تحتضنه بكل قوتها لتهمس له بتلعثم:
_طب قل لي أعمل إيه عشان ...
_وجودك لوحده كفاية.
يقاطعها بها صادقاً وهو يقربها منه أكثر ...
يتلو تراتيل عشقه على جسدها ...
ويغرس بين حناياها عاطفة من نور ونار !
حبٌ كهذا كيف نفقده يوماً ؟!
كيف نرضى عنه اغتراباً...وبماذا يمكن مقايضته ؟!
إلا إذا ...!
=======
فتح عينيه صباحاً بعد نوم متقطع التهمته كوابيسه المعتادة مؤخراً ...
ابنه -المزعوم-...بسنت...سيلين...بيللا ...وأخيراً ...ياسمين!
مدارات متشابكة يدورون فيها جميعاً لتنتهي به هو غريقاً في مركزها!!
هذا الذي تعجّبه بعد ليلتهما السابقة التي كانت أكثر جموحاً مما توقع...
أكثر بكثير!!
ربما كان هذا ما توقعه من نفسه بعد كبته مشاعره طوال الأيام السابقة لكن ما فاجأه حقاً هو ذوبانها المشتعل بين ذراعيه بعد طول جمود ...
عجيبةٌ هذه المرأة!
كل ما فيها سخي دافق وكأنها طاقة عطاء لا تنفد!
فقط لو تغادره كوابيسه بشأنها!!
تلك التي تؤجج وساوسه نحوها لينتهي به الحال أسير حرب بين قلبه وعقله!
التفت جواره لذاك الجانب المتكوم من الغطاء باحثاً عنها لكنها لم تكن هناك!
عقد حاجبيه بضيق وهو ينفض عنه غطاءه ليقوم باحثاً عنها ...
هبط الدرج نحو المطبخ لكنه كان هو الآخر خالياً منها!
انقبض قلبه بشعور مهيب بخشية فقدها جعله يهرع نحو الحديقة بخطوات راكضة ...
فراغ المكان حوله يزيد من اشتعال جحيم صدره...
ووساوسه تزرع ألغامها في حقول غرامها تكاد تبيدها!!
هل هجرته كما يخشى...وكما يتوقع؟!!
لماذا ؟! كيف؟!
مهلاً!
لا تزال هناك غرفتها السفلية...قد تكون هناك!!
الأمل الأخير جعله يركض نحو غرفتها ليفتح بابها المغلق بلهفة ...
تتوقف أنفاسه فجأة بصدره قبل أن تعاود جنون لهاثها وهو يراها هناك جالسة وسط بالوناتها الملونة !!
بقدر ارتياحه...بقدر سعادته...وبقدر خوفه ...
تدفقت نظراته تطوقها حتى جلس خلفها ليعانقها صامتاً ...صارخاً بكلام تبخل عنه الشفاه...
لكنها وحدها تسمعه!
_بتنهج كده ليه؟!
همست بها بقلق وهي تلاحظ اضطراب أنفاسه لكنه لم يستطع مصارحتها بمخاوفه ...
فقط شدد ضغط ذراعيه حولها صامتاً للحظات قبل أن ينتبه لجلستها هنا و"رمزية" ما تعنيه ...
فأدارها بين ذراعيه ليسألها بقلق:
_للدرجة دي اتضايقتِ من اللي حصل امبارح؟!
لكنها هزت رأسها نفياً لتمرغ وجهها في صدره بهذه العادة التي صارت تعشقها بقدر عشقها له ...
وكأنها من هاهنا تنفذ لداخل روحه ...
فرفع ذقنها نحوه ليتطلع لعينيها هامساً :
_امال ليه قاعدة هنا وسط البالونات ؟!
اشتعلت وجنتاها بخجل مع ذكريات ليلتهما الماضية التي انسابت لذهنها هادرة صاخبة...
كيف تخبره عن حقيقة ما شعرت به معه؟!
كيف تحكي عن ثورة أنثى لم يسعها سوى ميدانه ؟!
عن ترنيمة جسد لم يُجد العزف عليه سواه ؟!
عن نشوة قلب لم يمنح لغيره شفرة دخوله ؟!
بالأمس فقط استعادت مفاتيح مدينتها كاملة لتعود لها ثقتها بنفسها كامرأة !!
لكن...
ماذا عن تلك الغصة في حلقها وهي تدرك أنها لم تروِ له ماضيها كاملاً؟!
احتفظت ب"حقها" في دفن بعض التفاصيل ...
فليست كل ذنوبنا قابلة للعرض على -أرصفة البوح- ولو مع الأحبة !
هذا ما كان يصرخ به عقلها مدافعاً باستماتة...
لكن قلبها كان ينحني بحمل وزره و...خوفه...وخزيه!
لهذا تلألأت نظراتها بالدموع التي أساء هو فهمها ليزداد انعقاد حاجبيه بقوله:
_أنا آسف لو ...
لكنها قاطعت كلماته بأناملها على شفتيه لتهمس له بفيض عاطفتها:
_شكراً يا طيب.
التمعت عيناه للحظة وهو يشعر أنه يسمع عبارتها -المكررة-بنغمة خاصة هذه المرة...
نغمة عشق راضية مثقلة بالعشق...هائمة بالشغف!
لهذا افتر ثغره عن ابتسامة اتسعت تدريجياً لتمحو عنه ظلال وساوسه ...
بينما حلقت أنامله فوق جنان بشرتها مع همسه الذي مزج مكره بجموح عاطفته:
_يعني عجبتك حواديتي؟!
ضحكة قصيرة خجول منها كانت جواب سؤاله قبل أن تخفي وجهها في صدره ...
لكنه فاجأها عندما مال بثقل جسده عليها بينما يزيح البالونات جانباً ليخلي الفراش ..
قبل أن يهمس وهو يشرف عليها من علوّ:
_قرار ديكتاتوري مش فاكر رقمه...مفيش خروج قبلي من أوضتي الصبح ...عايز أصحى ألاقيكِ أول حاجة عيني تشوفها .
ازداد اشتعال وجنتيها وهي تومئ برأسها في طاعة لتهمس بصوت مرتجف:
_يادوب دلوقت ألحق أحضر لك الفطار ...عشان ما تتأخرش على مواعيدك.
_لو قدرتِ تقنعيني أخرج النهارده من البيت ...تبقى معجزة!
تمتم بها بين غزو شفتيه الناعم فازداد ارتجاف صوتها وهي تحاول دفعه برفق:
_انت غبت كتير عن العيادة الأيام اللي فاتت...مش هينفع كده !
_قوليها!
همس بها بعينين متقدتين وأنامله تتلمس نعومة قميصها الوردي لتذوب حدقتاها في لهيب نظراته مع تساؤلها المشتت:
_أقول إيه؟!
_قولي...اخرج... وسيبني ...اوعى ...تهمل ...في ...شغلك!
كان يهمس بها متقطعة ببطء ولمساته الخبيرة تدرك مواطن قصفها الصائب لحصونها فتتهاوى دون أي مقاومة ...
همساتها تعانق لهيب أنفاسه محاولةً مجاراته فيما يقول:
_اخرج...وسيبني...اوعى..
_همممم...
همهمته المترقبة بمكر ترافق تصاعد وتيرة عزفه الصاخب فتجد نفسها تهمس أخيراً دون مقاومة :
_اوعى ...اوعى ...تخرج!
ضحكته الراضية تملأ أذنها قبل أن تغيب معه في دوار لذيذ صارت مدمنته معه...
وهو -للعجب- أكثر إدماناً!
لم تكن أول أنثى يكتشف مواقع خرائطها ...
لكنها كانت أول وطن يقبل لجوءه بعد طول اضطهاده في منافي البشر!
لهذا كانت لذة وصالها أشهى مما توقعه وهو يراها بتوهج ألوان بالوناتها التي تناثرت حولهما...
سحر أصباغها يتسرب عبر شقوق روحه السوداء ليمنحها وهجاً يشبهها...
وهو لا يخشى الاعتراف أنه يود التشبه بها !
_بحبك!
همست بها أخيراً وسفن عواطفهما الثائرة ترسو على شاطئ الرضا فأغمض عينيه بقوة وعناق ذراعيه يكاد يعتصرها اعتصاراً...
قبل أن يفتح عينيه ببطء يتفحص ملامحها التي غاب عنها ذعرها القديم ليحل محله شعورٌ آخر يشبه شعوره هو الآن...
شعور بالاكتفاء...بالاكتمال!
لهذا داعبت ثغره ابتسامة حانية وشفتاه تحطان على جبينها باعتراف لم يكن لمثله أن يتفوه به ...
_لسه مش عايز تقوللي إنك بتحبني؟!
همست بها بعتابها الحنون وهي تداعب شعيرات لحيته بأناملها بينما تستند بمرفقيها على صدره الذي استلقت عليه ،لتلتقي عيناهما في حديث طويل سبق قوله الشارد:
_أنا عمري ما قلت لحد إني بحبه...نبيلة دايماً تقول عليا إني ماليش عزيز...ورثت قسوة القلب من والدي .
_مش صحيح!
همست بها بثقة وهي تمر بسبابتها على وجهه لتردف:
_إحساسك بالمسئولية ناحية والدتك وبنات خالتك بيبهرني...بيحسسني بالأمان معاك...حرام نختزل الحب في كلمتين ...بس ده مايمنعش إني محتاجة أسمعها منك ..
_ما اوعدكيش!
ورغم فظاظة عبارته التي لم يقصدها لكنها نظرت في عمق عينيه لتهمس بيقين:
_لكن أنا أوعدك...أوعدك أخليك تحبني زي ما بحبك وأكتر!
=======
جلس رامز ينتظرها في أحد المطاعم المطلة على النيل وهو يشعر بمزيج من السخط والترقب ...
لقد فوجئ بها بالأمس تقتحم عليه مكتبه بجرأة غريبة على طبعها المتردد الخانع لتطلب منه الحديث في أمر مهم لكنها اشترطت أن يكون هذا بعيداً عن العمل ...
والواقع أنه هو الآخر كان يفضل هذا بعدما نالهما من إشاعات وصله صداها وأكدها تصرف هانيا الطائش ليلة زفاف زميليهما !
ترى ماذا تريد؟!
هل تركت له هانيا معها رسالة ما تريد إيصالها له دون أن تخدش كبرياءها بالحديث معه هو شخصياً؟!
أم تراه مجرد اجتهاد شخصي منها هي تريد الإصلاح بينهما؟!
أو ...لعله لا هذا ولا ذاك !!
لعلها ...!!
خاطر غريب انتابه وهو يتذكر غضبة ملامح غادة وقتها عقب رحيل يارا من مكتبه ...
هل تشك في وجود علاقة ما بينهما ؟!!
_مساء الخير يا رامز!
انتزعتها بها غادة من شروده فالتفت نحوها لتتخذ عيناه رحلة متفحصة سريعة على ملامحها التي حملت هذه المرة أيضاً وهجاً طفيفاً من شراسة فتية ...
ربما لهذا السبب ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يرى فيها "المزيج" الذي طالما تمناه من ضعفها الآسر وقوة "صديقتها" الجاذبة!
_أهلاً غادة...خير؟!
_من غير مقدمات ...فيه حاجة بينك وبين اللي اسمها يارا دي؟!
هتفت بها بصوت مرتجف وهي تلقي حقيبتها على المائدة بحركة عصبية قبل أن تجلس أمامه ...
فاتسعت ابتسامته التي حملت شيئاً من السخرية...والكثير ...بل الكثير جداً من المرارة ...وهو يتمنى لو كانت من تلقي هذا السؤال امرأة أخرى سواها !
امرأة لم تهتم بفقده طوال هذه الأيام وكأنها تصرخ بكل ما أوتيت من قوة أنه لا يعنيها!!
لكنها أساءت فهم ابتسامته فشحبت ملامحها لينخفض صوتها رغماً عنها مع استطرادها:
_أرجوك قول لا ...قول لا..
ظلت تتمتم بها برجاء التهمه شرودها القلق على صديقتها ...والذي قطعه هو بقوله:
_ولو قلت لك أيوة ...هتعملي إيه...هتقولي لصاحبتك ؟!
ازداد شحوب ملامحها ووهج قوتها يتراجع من جديد خلف خوف مبهم عاد يسكن روحها ...
هانيا آخر ما تبقى لها هي من "جدران" هذا العالم ...
لو تهاوت ...فستكون بعدها مجرد ريشة في مهب الريح!
خيانة رامز ستكون طعنة في صدر كبريائها ربما يمكنها مداراة ألم نزفها لكنها ستموت بها في كل يوم ألف مرة !
_تفتكري هتفرق معاها؟!
سؤاله الذي تسربت فيه مرارته عبر كبرياء رجولته يعاود اختراق سمعها وسط هواجسها فتهتف بتشتت:
_انت بتقول إيه ؟! أكيد هتفرق ...هانيا بتحبك ومش ...
_بتحبني؟! بذمتك ؟! عمرها قالتهالك ؟! عمرك حسيتِ بيها منها؟!
كانت نبرته تزداد انفعالاً مع كل سؤال يلقيه ...
هانيا حقاً لم تخبرها يوماً أنها تحبه !
كل حديثها عنه كان في إطار "عمليتها" المعهودة !
مجرد زوج مناسب لامرأة لا ترى في الزواج أكثر من مكمّل لمظهرها الاجتماعي!
لهذا ازدادت انكماشاً في مقعدها وعيناها المذعورتان تعودان لخوفهما القديم بينما طلقات أسئلته لاتزال تصيب صدر إدراكها:
_عندك تفسير لتصرفها يوم الفرح ؟! تقدري تقوليلي ليه مشيت بالطريقة دي ؟! ليه أحرجتني وأحرجتك بالشكل ده ؟!
ثم صمت لحظة ليلتقط أنفاسه بينما تغيم عيناه بنظرة مرارة قاتمة ناسبت غمغمته الخافتة:
_وليه طول الفترة دي ما كلفتش نفسها حتى تسأل عليّ؟!
ارتجفت شفتاها وهي تتأمل ملامحه ب"جهل" من تراه بهذا القرب لأول مرة!
طالما صنفت الرجال في معسكرين لا ثالث لهما ...
إما معسكر "الأعداء" المتربصين بأنوثتها المنتهكة ...
وإما معسكر "الأحبة" الذي لم يشغله سوى فرد واحد ...أحمد!
والآن لا تدري أين تضع رامز هذا فيهما...
هل هو الرجل الذي سلب أحمد حياته بتهوره ...والآن يبحث عن ذريعة ليخون زوجته ؟!
أم هو الرجل الذي ساندها في أشد لحظات حياتها قتامة سواء كانت تحت سقف بيته أم وحدها في شقتها ؟!
هل هو الصورة "الذئبية المعدلة" لزوج أمها ...لزميل دراستها...لجارها القديم ...لزميل عملها ؟!!
أم هو انعكاس آخر ل"رجولة " أحمد؟!
وكيف تجيبه عن كل هذه الأسئلة التي يلقيها الآن في وجهها وهي نفسها لا تفهم سر تغير هانيا وتباعدها مؤخراً ؟!
_عموماً ...هاريحك يا غادة !
قالها أخيراً وهو يتفحص ملامحها التي سكنها خوفها الآسر من جديد بإشفاق استنفر حميته الرجولية ...
فالتمعت عيناها بسؤال أجابه دون انتظار:
_مفيش حاجة بيني وبين يارا ...ولا هيكون!
تنهدت بارتياح لترتخي ملامحها بابتسامة شاحبة سبقت قولها :
_الحمد لله...صدقني ...هانيا مش زي ما انت شايفها ...هانيا بتخبي مشاعرها من كتر ما بتخاف من تأثيرها عليها ...قلبها عندها غالي قوي..
_بس كرامتها أغلى...طموحها أغلى ...أي حاجة في الدنيا تخسر قدام الاتنين دول.
قاطعها بها بسخرية مريرة فازدردت ريقها بتوتر وهي عاجزة عن الإنكار ...
لكن هذا لم يمنعها من القول بنبرة عادت إليها قوتها المستحدثة:
_لو هي مش قادرة تمشي خطوة ناحيتك امشيها انت...العمر أقصر من إننا نضيعه في عِند ومكابرة...اسألني أنا.
ارتجفت حروفها الأخيرة بنكهة شعورها بالفقد لتتكدس الدموع في عينيها اللتين غاب عنهما خوفهما لتحل محله مرارة حزن اجتذبت حنانه...
خاصة عندما أردفت بنفس الانفعال الصادق:
_عمرك ما هتلاقي زي هانيا ...ست قوية تحميك في ظهرك قبل ما يكون قدامك...ست مابتعرفش تزيف أو تخون...ست بتعرف تشيل مسئولية من غير ما تشتكي أو تمن عليك...ست الحب عندها مش كلمتين ...الحب عندها سند ...حماية...طوق ما بتخلعوش من رقبتها عمرها كله ...يا بختك بيها...يا بخت أي راجل عنده ست زيها .
كانت تلهث في آخر عبارة مع التماع عينيها بحماس جعله يبتسم ابتسامة حقيقية مع إعجابه بدفاعها المخلص عن صديقتها ...
دفاع من تدرك قيمة ما تتحدث عنه خاصة وهي نفسها تفتقده !
فصمت للحظات متفحصاً ملامحها التي اشتعلت بصدق مشاعرها نحو صديقتها ثم مال نحوها للأمام قائلاً :
_انتِ جميلة قوي.
_فعلاً!
والجواب "الساخر" لم يأتِه منها ...
بل من تلك التي كانت الآن تقف جوارهما تماماً ترمقهما بنظرة جوفاء تخفي اشتعال صدرها بحسرته...
أجل...هانيا !
======
لم تكن تعلم وهي تتقدم نحوهما أي قوة مستقلة كانت تمتلكها قدماها فيما يتفتت قلبها من الداخل ...
لم تكن تعلم وهي تتلقى وشاية بواب العمارة التي تقيم فيها غادة عن خروجها وحدها أنها ستتبعها نحو هاوية علاقتين...
لا علاقة واحدة !
أجل ...هي لم تخسر صديقتها فحسب بل خسرت حبيبها كذلك !
حبيبها؟!
الآن تعترف بها هكذا ببساطة دون تعقيدات؟!
وهل بقي لها إلا الاستسلام لهذه الحقيقة ؟!
وإلا بما تفسر هذه القبضة القاسية التي تعتصر قلبها وهي تراه يكاد يلتهم ملامح صديقتها ....عيناه معلقتان بابتسامتها ...
والآن تتدخل أذنها لتسمع بنفسها اعترافه بجمالها!
طوال الأيام السابقة وهي تكذب كل ما وصلها عنهما ...
تذكر نفسها بأن الرجل الذي كان يراها شمس عالمه الثانية لن يرتضي عنها بديلاً...
وبأن صديقتها التي ساندتها هي في أشد لحظات حياتها حلكة لن تخون ...
والآن ...؟!!!
الآن !!!
ماذا؟!
هل ستسمح لنفسها بالسقوط على مسرح خيانتهما أمام جمهور لا يرحم ؟!
هل ستركع أمام سلطان شعور الفقد الذي طالما حصنت نفسها ضده ؟!
لا!
حاشاها حاشاها!!
فيما كان إذن جدار صلابتها الذي تحصنت خلفه طوال هذا العمر؟!
ألم يكن هذا عدوها الذي بقيت تتربص له خلف قلاع جمودها ؟!
ابكِ يا قلب واتشح بالسواد ...وَلوِل كما الثكالى واصرخ كما شئت...
لكن أفسح المجال لكبرياء لن ينحني مثلك أبداً !!
لهذا ما كادت تسمعه يصفها بالجمال حتى أودعت كلمتها الوحيدة كل معاني برودها الساخر ...
فعلاً غادة جميلة!
جميلة ناعمة رقيقة كما -يُفترض- أن تكون الأنثى في نظر ذاك الخائن !
كان رامز أول من تمالك مفاجأته وهو يسمع ردها المقتضب البارد على إطرائه لغادة...
ورغم أنه لم يقصد وقتها سوى وصف إعجابه بإخلاصها لصديقتها لكن البرود الذي اتشحت به هذه "الجاحدة" أمامه بعد فترة القطيعة هذه جعلته ممن تأخذهم العزة بالإثم ...
ليجد نفسه يقف مكانه في مواجهتها قائلاً بنبرة متحدية :
_جمال غادة ما يختلفش عليه اتنين...بس ما أظنش وقت الدكتورة الغالي يستاهل تضيعه وتيجي هنا بس عشان تصدق على كلامي.
الوقح...الخائن ...المخادع...!!!
كيف يجرؤ على مواجهتها بكل هذا البرود بعدما اكتشفت خيانته أمامها هكذا؟!
كيف يلقيها في وجهها بهذه البساطة وكأنها مجرد نكرة ؟!!
كيف انقلبت الأوضاع بهذه الغرابة لترجح كفة غادة وتهوي كفتها هي في ميزان اهتمامه ؟!!
الأفكار السابقة جعلت الدموع تحتل عينيها لكن كبريائها كان لها بالمرصاد !!
لن تسقط عبرات خسارتها ...تماماً كما لن تسقط هي!!
وعلى المقعد كانت غادة تراقبهما بعينين ماتتا ذعراً !
لم تعد فقط منكمشة في مقعدها بل انسل جسدها رغماً عنها لتغوص في مكانها أكثر وكأنما تود لو تختبئ تحت المائدة ...
هانيا لم تتهمها بشيئ لكنها تفهم هذه النظرة في عينيها جيداً !
تفهمها فقط ؟! إنها تحفظها !!
وكيف لا وهي موصومة بها منذ طفولتها ؟!!
مدنسة!
مدنسة!
مدنسة !
_تقدري تقوليلي بتعملي إيه هنا مع جوزي لوحدكم ؟!
سؤال هانيا الذي اشتعلت حروفه بالبركان المنتظر كان أول خنجر عرف طريقه لقلبها ...
لكن مهلاً...ليس الأخير!
هانيا التي أدرك عقلها أن رامز ببروده الساخر المستفز هو الطرف -الأقوى- هنا فالتجأت للطرف -الضعيف- تغرس فيه نصال غضبها ...
الطرف الضعيف الذي ازداد انكماشه مع ارتجافة جسده ودموعه تسيل فيما بدا لهانيا أنه اعتراف بالذنب ...
_مش زي ما انتِ فاهمة والله...أنا جيت هنا عشان ...عشان...
كلماتها المبعثرة بين ارتباك وخوف كانت تغادر شفتيها بشق الأنفس!
ماذا عساها تخبرها؟!
أنها جاءت إلى هنا لتحافظ لها على ما تبقى من زوجها؟!
أنها كانت تخاف خيانته لها بقدر ما تكره لها أن يصيبها أذى ...أي أذى؟!
أن القدر الذي اختار لها أن تسمع فقط غزل رامز بخل عليها أن تسمع دفاعها هي عنها والذي سبق هذا ببضع ثوانٍ؟!
لماذا تعاندها الظروف هكذا؟!
لأنها مدنسة !
لأنها دوماً رمز للخطيئة تجتذبها كما تجتذب الفراش النار!
إثمها يلاحقها ..يسِم جبينها ...حتى يكاد يقرأها الجميع ...
آثمة...عاهرة...مدنسة !!
_عايزة تعرفي قابلتها هنا ليه النهارده ؟!
كبرياؤه الذبيح يعاود تناول دفة الحوار ...الجاحدة التي طالما رفضت كل أيادي الحب التي مدها نحوها ...
التي طالما أعلنت زهدها فيه ....
الآن تظهر فجأة من العدم تريد إثبات تهمة غير موجودة ...فقط كي تقلب الأمور لصالحها !!!
لا...وألف لا!!
سيحاربها بنفس سلاحها وليكن ما يكون!
إن كانت تفتخر بقوتها وزهدها فيه ...فلتثبت هذا الآن ...
ولترحل بعدها للأبد !!
فلا خير في أنثى تترك رجلها لغيرها ولا تقاتل دفاعاً عنه حتى آخر رمق!
لهذا أخذ نفساً عميقاً وهو ينقل بصره بين المرأتين أمامه....
كلتاهما نظراتها راجية وإن اختلف الرجاء...
كلتاهما تناشده الصدق لعله ينقذ السفينة الغارقة ...
لكنه...سيكذب!
لقد جرب معها كل الطرق التقليدية كي يكسب قلبها العنيد...
فليجرب هذه المخاطرة إذن ...
إما كسبها ...أو خسرها واستراح من عناء هذه الحرب للأبد !!
_طلبت أقابلها عشان...أعرض عليها الجواز!
وسط هذا الطنين الذي احتل أذنيها لم تستطع هانيا سماع الأصوات المتداخلة للناس حولهم وقد اجتذب مشهدهم الأنظار في حادثة مثيرة لامرأة تضبط زوجها متلبساً مع عشيقته ...
لم تستطع التقاط شهقة غادة الذبيحة التي شقت صدرها قبل أن تغطي وجهها بكفيها وكأنها بهذا تداري عارها في العيون...
لم تستطع تبين لهاث أنفاسه التي فضحت استشعاره خطورة ما تفوه به ...
لكن طبيعته العنيدة جعلته يلقي أوراقه كاملة على المائدة وكأنما فجرت هذه المواجهة كل ما كظمه غيظه طوال هذه الأيام ...
_عايزة تعرفي عايزة أتجوزها ليه ؟! عشان عايز ست بتحس ...عندها قلب خايف عليّ وفاهمني...عايز ست أحس إني فارق معاها مش كل شوية تقوللي إنها مش خسرانة حاجة لو سبتها...عايز ست تشاركني مش كل همها تثبت لي إنها مستغنية عني بنفسها...عايز ست بتتفنن تبين جمالها مش بتهرب منه ومني!
كان يلقي عباراته بانفعال صارخ أنساه الزمان والمكان وتجمهر الناس حولهم ...
قد يبدو الأمر في ظاهره وكأنما كان يثأر بكلماته لكبريائه الذي أهدرته بطول تجاهلها ...
لكنه وحده كان يسمع فيه صراخ قلبه اليائس بحقه فيها !!
التهور لم يكن يوماً صفة تنقصه ...لكنه أهلكه حقاً هذه المرة ...
لا...لم يهلكه وحده ...
اثنتان من ضحاياه كانتا الآن أمامه ...
إحداهما تغطي وجهها بكفيها وجسدها يرتجف كأنما هي انتفاضتها الأخيرة...
والثانية ...؟!!!
الثانية لم تكن لتسمح لنفسها أن تخسر أكثر!!
يظن أنه سيلبسها جلباب العار ويحملها هي ذنب خيانته ؟!
لا!
هي أقوى من أن تخرج من هذه المواجهة خاسرة كبرياءها ...
كفاها قلبها!!
لهذا عقدت ساعديها أمام صدرها وعيناها تناطحانه عناداً بعناد :
_مبروك...لو الست في نظرك وش حلو وقميص نوم رخيص فانت اخترت المرة دي الست الصح اللي تليق بيك...ست ماتقدرش ترد إيد راجل تتمد عليها ...وابقى اسأل عن تاريخها القذر قبل ما تديها اسمك ...مع جوز أمها وجيرانها وزمايلها ....واللا أقوللك بلاش تسأل... انت ما تستاهلش أحسن من واحدة زيها !
صفعته القاسية لها أعادت لها الشعور الذي ظنت نفسها وأدته بهذا الجمود الذي تدعيه...
فانهمرت دموعها غزيرة على وجنتيها وهي تدرك لتوها فداحة ما قالته...
هي لم تتورع أن تستغل ماضي صديقتها الذي ائتمنتها عليه لتطعنها به في "صدرها"..
لكن ما الضير هاهنا ...
ألم تطعنها غادة في "ظهرها"؟!!
غدر بغدر والبادي أظلم !!
_انتِ طالق!
هتف بها بكل ما أوتي من قوة وهو لا يرى في ملامحها إلا مسخاً مشوهاً من امرأة عشقها يوماً بكل جنون ...
فأعطته ظهرها لتركض مغادرة المكان بخطوات لم تفقد ثباتها رغم كل شئ ...
لم يكترث بصياح الناس حولهم وقد اندفع بعضهم يحاول إبعاده عنها بعدما نالها من صفعته ...
فقد بدا وكأن الزمن قد توقف في عينيه فلم يعد يرى سوى لسانها يقذف السم في وجهه ...
كيف تهينه بهذه الطريقة؟!
بل كيف تجرؤ على وصف غادة بهذه البشاعة ؟!
كيف سولت لها نفسها أن تنتقم بهذه الطريقة ؟!
ولو صدق نفسه لأدرك أن كليهما لم يرَ في هذه اللحظة إلا نفسه وجعل من البائسة غادة كبش فداء!!
غادة ؟!
أين غادة ؟!!
تلفت حوله بقلق محاولاً البحث عنها وسط الفوضى التي عمت المكان مدركاً لتوه عظم الفضيحة التي نالتهم هاهنا...
لكنها لم تكن هناك بل اختفت...اختفت تماماً !
=======
_سرحان في إيه ؟! لسه بتفكر في ست الحسن بتاعتك ؟!
قالتها شوشو بغيرة وهي تجلس معه في أحد المطاعم ليجيبها هيثم بعد شرود قصير:
_خايف عليها قوي...داليا مجنونة وسهل تضيع نفسها ...بقى لها كتير مش ظاهرة واختفاءها ده يعني مصيبة ...اسأليني أنا.
_هي رفضتك وقطعت علاقتها بيك ...وانت عملت اللي عليك وبلغت ابن خالتها ...وخدت علقة سخنة من الراجل التاني ده بسببها ...خللي عندك كرامة بقا وانساها .
هتفت بها بغيظ ليلتفت نحوها قائلاً بضيق :
_خلاص يا شوشو انتهينا ...
_لا ماانتهيناش...مافكرتش الراجل اللي ضربك ده عمل كده ليه ؟! ويقرب لها إيه ؟!
_قصدك إيه ؟!
سألها باستنكار لتجيبه بسرعة:
_أكيد واحد من اللي معشماهم ...داليا دي بنت مش مظبوطة ...كل يوم بحكاية...مرة دكتور ياسر ...ومرة انت...والراجل اللي ضربك ده ...فوق بقا يا هيثم واحمد ربنا إنك خلعت قبل ما تلبس!
قالتها بلغتها الدارجة لتغادره بخطوات مندفعة تلاحقها نظراته الضائقة ...
شوشو تحبه !
هذا ما تنطق به ملامحها دون أي تصريح منها ...
لكنه لا يزال يدور في فلك حبه اليائس لداليا ...
صحيحٌ أنه قد بدأ يشعر بالفتور نحوها ...
لكنه لايزال يترقب أخبارها من بعيد ...ينتظر رؤيتها حتى وإن تظاهر بتجاهلها ...
يتعمد إثارة غيرتها بنشره لصوره مع شوشو على حسابه الاليكتروني وهو يعلم كم يثير هذا ضيقها ...
هو ما عاد يفهم نفسه حقاً!
لو كان يريد داليا فلماذا لم يتمسك بها أكثر؟!
لماذا كان يتهاون معها عندما كانت تقوم بتصرفاتها الطائشة مكتفياً بنصيحة باهتة ؟!
ولو كان لا يريدها فلماذا يشعر الآن بهذا الفراغ في روحه ؟!
لماذا لا يستطيع فتح قلبه لأخرى؟!
زفر بقوة عند الخاطر الأخير ليغادر المطعم بدوره ...
استقل سيارته وما كاد ينطلق بها حتى تلقى اتصالاً من والده الذي بادره بقوله المرح:
_لوحدك واللا معاك "سكر"؟!
فابتسم وهو يرد دعابته :
_لا النهارده "ساده".
ضحكة والده تصله عالية ليرد بعدها :
_اخس! ما طلعتش ابن أبوك...هي الستات خلصت واللا انت اللي ماعندكش نظر .
فيضحك بدوره ليجاريه في مشاكساته المعتادة :
_ماشفتش في حياتي أب بيحرض ابنه على الفساد زيك.
_بذمتك عمرك شفت أب لارج كده زيي؟!
_كده اكس لارج ياسحس !
ضحكاتهما تمتزج للحظات قبل أن يقول والده بجدية هذه المرة :
_عايزك تعدي على ملجأ الأيتام تشوفهم لو محتاجين حاجة ...واتأكد إن كله تمام...عايز أطمن قبل ما أطلع العمرة.
_حاضر يا سحس...بارك الله فيك...المكالمة بدأت ب"سكر" وانتهت شرعي ...هيجيلي انفصام كده !
قالها مشاكساٌ لينتهي الاتصال بضحكاتهما المشتركة...
حسين رجائي!
والده الذي يعتبر نفسه محظوظاً بأب مثله !
حنانه ...نجاحه...تقواه وورعه رغم ثرائه ...
نموذج نادر هذه الأيام وسط حياة "اللا أخلاق" التي نعيشها ....
فقط لو يستمع لنصيحته ويهتم بصحته التي يتجاهلها رغم مرضه !
انقطعت أفكاره عندما عاد الهاتف يهتز في يده فابتسم تلقائياً وهو يرى اسم "شوشو" على الشاشة ...
هذا أكثر ما يعجبه فيها ...
فترة صلاحيتها للنكد تكاد تساوي الصفر!
تغضب في ثانية وترضى في التي تليها...على عكس داليا تماماً !
وعلى ذكر داليا تراجعت ابتسامته قليلاً لكنه أصر على تجاوز خيبته هذه المرة ففتح الاتصال بسرعة ليقول بمرح تعمده :
_أهلاً ....يا سكر!
=======
_مفاجأة!
هتفت بها ياسمين بنبرتها الحيوية وهي تدخل عليه غرفته في عيادته فارتفع حاجباه بدهشة قبل أن يفتح لها ذراعيه بابتسامة فرحة ناقضت فظاظة عبارته:
_هنبدأ حركات الستات بقا وألاقيكي تطبي عليّ كل شوية في العيادة !
لكنها قرأت مشاعره بعينيه العاشقتين لتهرع إليه بخطوات متراقصة...
قبل أن تجلس على ساقيه متعلقة بعنقه مع قولها بنفس النبرة:
_انت لسه ماشفتش حركات ستات...بكرة أوريك جنون الغيرة على أصوله !
_برئ يا بيه !
قالها وهو يرفع ذراعيه باستسلام مصطنع فضحكت بانطلاق لتداعب أنفه بأنفها هامسة بمشاكسة:
_اعترف ...عينيك شافت كام واحدة حلوة غيري النهارده ؟!
_بتعرفي تعدي لغاية كام؟!
قالها وهو يراقص حاجبيه مشاكساً فشهقت وهي تعود برأسها للخلف هاتفة :
_كده ؟! وبتقولها في وشي؟!
ضحك بانطلاق وهو يعيد تقريب وجهها من وجهه ليقول بنفس النبرة العابثة:
_مش عاملة لي فيها واثقة من نفسك وجوّ "سترونج اندبنت وومن" ده ؟!
_إلا في دي ...معنديش هزار!
قالتها ببعض الانفعال ملوحة بسبابتها التي نالت منها شفتاه بعضة خفيفة جعلتها تطلق آهة مرحة ...
فعاد يقبل وجنتها ضاحكاً لتتنهد هي بينما أناملها تحتضن وجنتيه مع همسها:
_وحشتك؟!
التمعت عيناه بنظرة عابثة تقسم أنه لن يمنحها جواباً شفهياً يريحها وإن كانت لغة جسده تمنحها جميع الأجوبة المرضية ...
فتوهجت عيناها هي الأخرى بعبث مشابه وهي تنثر قبلاتها على وجهه هامسة بدلال :
_انت وحشتني قوي...قوي...
ولا يزال عطر ياسمينها رغم هدوئه يشعل براكين عواطفه التي ظنها خمدت للأبد...
سحر حبها يجتاحه عاصفاً فلا يملك أمامه إلا التسليم !
أين كانت هي منه طوال هذا العمر؟!
وكيف يسامحها أنها ظلت طوال هذه السنوات تحرمه من هكذا حب؟!!
بل ...والأهم...
كيف يمكنه الشعور بالارتواء من هذا العشق الذي كلما نهل من بئره زاد ظمأه للمزيد ؟!
ساحرة الألوان ألقت عليه تعويذتها ليتسلل عشقها بين جلده وعظامه فتكون منه ...ويكون منها !!
_وبعدين بقا في شقاوتك دي؟!
همس بها بعتاب مصطنع وأنفاسه اللاهثة تفضح تأثره بجموح عاطفتها لتبتسم هامسة بشقاوة لذيذة اكتسبتها مؤخراً معه:
_قل لي إني وحشتك وأنا هبطل شقاوة .
_ومين قاللك إني عايزك تبطلي؟!
همس بها بمكر لتنطلق صيحة دهشتها وسحرها ينقلب عليها مع هجومه الضاري الذي لم تتوقعه بهذه الخفة ...
وبهذا الاكتساح!
صيحات اعتراضها تنحبس في حلقها مع استسلامها لهذا الإعصار الذي لفهما معاً لدقائق ...
قبل أن تجد بعض الوعي والجرأة لتدفعه برفق هامسة بصوت مرتجف:
_وأنا اللي كنت مفكراك هتبقى عاقل في العيادة ؟!
فعقد حاجبيه ببعض الضيق وكأنما عاد إليه شعوره بالزمان والمكان هو الآخر ...
ليخبطها على رأسها بخفة هاتفاً :
_ماشي يا فصيلة!
ضحكت ضحكة قصيرة أخفت بها جذوة مشاعرها وهي تسند رأسها على صدره بشرود دام للحظات وقطعه هو بسؤاله :
_مالك؟!
قالها وهو يرفع ذقنها نحوه فالتوت شفتاها بابتسامة واهنة مع إجابتها:
_بفتكر أول مرة جيت لك فيها هنا...
ثم اكتسبت لهجتها نوعاً من الحدة مع استطرادها :
_وبحاول أنسى التانية !
ابتسم بدوره وهو يتذكر ما تحكي عنه عندما تجرأت عليه سيلين لتدخل ياسمين في نفس اللحظة وتسيئ فهم الموقف ...
ليرفع أحد حاجبيه قائلاً بغرور مصطنع:
_وأنا مالي ؟! هي اللي...
_خلاص يا يامن !
هتفت بها مقاطعة بغيرة صار يتلذذ بها فقرص وجنتها بخفة ليقول بنبرة تحذير لم تفقد مرحها:
_انتِ بتعللي صوتك عليّ واللا انا بيتهيألي؟!
لكنها أزاحت أنامله عن خدها لترمقه بنظرة عاتبة جعلته يقبل جبينها ليعاود تطويق خصرها بذراعيه قائلاً بشرود وهو يسترجع لقاءهما الأول:
_يومها حسيت إني شفتك قبل كده بس ما كنتش فاكر امتى ولا فين...نظرة عينيكِ كانت بتقول كلام كتير ماكنتش فاهمه...بس دلوقت بس حسيت معناه.
_إيه أول حاجة لفتت نظرك لي؟!
همست بها بابتسامة مشرقة ليلتفت نحوها مجيباً:
_"البرفيوم" بتاعك!
رفعت حاجبيها بدهشة فابتسم وهو يرفع راحتها نحو شفتيه اللتين استقرتا على معصمها مع نفس عميق منه سبق قوله:
_ريحتك عموماً مميزة ...مش بس "البرفيوم"...هي خليط كده من حاجات كتير ...يااااه...تعرفي؟! لي واحد صاحبي أكبر مني بكتير أصله بسيط بس ربنا فتحها عليه ولف العالم...مرة قال لي إنه بعد كل العمر ده وكل البلاد اللي راحها ...عمره ما عاش إحساس زي إحساسه وهو بيبوس إيد والدته وبيشم رائحتها ...توليفة كده بتاعتها لوحدها ...هي بس اللي كانت بتحسسني بشعور غريب...بكل أمان الدنيا وحبها ونعيمها...ولا أحسن "بيرفيوم" في الدنيا...
ابتسمت بتفهم وهي تشعر رغم بساطة حديثه بأنه يحمل لها أعمق معاني مشاعره ...خاصة عندما أردف بنفس النبرة الشاردة:
_يومها اتريقت عليه وزعل مني...عمري ما عشت الإحساس اللي كان بيوصفه ده وقتها ...بس النهارده لو قابلته هاعتذر له...هاقول له إن أنا كمان بقيت ألاقي ريحة مميزة مش شبه أي حد...ريحة معها بحس ب...
_بإيه؟!
هتفت بها تستحثه لإكمال عبارته التي قطعها فجأة لكنه بدا متحفظاً -كعهده- عن البوح بمشاعره فأشاح بوجهه ليسألها مغيراً الموضوع:
_ما قلتيش إيه سبب زيارتك هنا النهارده ؟!
ظهرت الخيبة على ملامحها للحظة وهي تتبين تهربه من مصارحتها بحقيقة أحاسيسه ...
لكنها تنهدت بكثير من التفهم مدركةً لطبيعته ...
لهذا صمتت للحظة ثم مدت أناملها نحو ياقة معطفه الأبيض هامسة :
_ممكن أقلعك البالطو؟!
_البالطو بس؟!
غمزها بها عابثاً فهزت رأسها متمتمة بابتسامة يأس:
_مفيش فايدة...على طول دماغك شمال!
قالتها ثم وثبت من على ساقيه لتقف مكانها ثم تناولت الحقيبة التي دخلت بها من على مكتبه لتستخرج منها ما رفعته أمام وجهه قائلة :
_وأنا برتب دولابي لقيت ده ! عارف عمره كام سنة ؟!
وقف بدوره ليتناول منها المعطف الأبيض الذي تزين جيبه العلوي برسم أنيق ل "ضرس" مفرغ وجواره كان أول حرف من اسميهما بالإنجليزية ...
ابتسم بإعجاب مشوب بالدهشة وهو يتوقع عبارتها التالية :
_ماعرفش إزاي نسيته طول الفترة دي...مع إنه كان أول حاجة أعملها لك بإيدي من سنين ...اتعلمت "الكانافا" مخصوص عشانه...عشت أيام وشهور أحلم باليوم اللي هالبسهولك فيه بإيدي ...مااخبيش عليك إني لما يأست خبيته في علبة في دولابي القديم في بيت ماما ...وبالصدفة النهارده لقيته ...يااااه أد إيه فرحت بيه !! ولقيت نفسي جاية جري على هنا .
ظل ينقل بصره للحظات بين عينيها الصارختين بعاطفتها ...وبين "قطعة قماش" وسعت الكون كله في ناظريه الآن!!
أجل ...هو لم يكن مجرد معطف!
بل نسيج من عاطفة وحنان وصدق و...سنوات لا يدري فيما مضت ولا كيف مضت ...لكنه يشعر برغبة حارقة في استعادة كنوزها معها هي...هي فقط !
آه...كم يود الآن لو يخبرها أن حياته قبلها لم تكن حياة ...
أنه يريد لو يعطل عداد العمر فيبدأه من جديد معها ...
أنه عاش عمره كله مشتاقاً لهذا الذي تمنحه الآن بسخاء ويتلقاه هو بنهم !
أنه يحبها ...
يحبها ؟!
بل يعشقها كما لم ولن يعرف يوماً !!
لكن حروفه احتبست خلف سدود كتمانه المعهود ...
فقط عيناه كانتا تفيضان بحبٍ اجتاحها وهي تنزع عنه معطفه برفق لتلبسه "معطف حلمها" مع قولها بلهجتها الحيوية :
_ما تقلقش ...عارفاك موسوس...غسلته قبل ما آجي .
ضحك ضحكة رائقة مستسلماً لحركات أناملها وهي تعدل له وضع المعطف لتنتهي بتربيتة حنون على صدره مع قولها بعينين دامعتين انفعالاً:
_زي ما حلمت بالضبط !
همست بها ونظراتها تحوطه كأنما فرغ الكون من كل ما فيه سواهما ...
قبل أن تقترب أكثر لتطوق خاصرته بذراعيها ملقيةً رأسها على صدره مع همسها الخاشع بعاطفته :
_سيبني في حضنك لحد ما أشبع يا يامن.
ماذا حدث له ؟!
لو كان ما يدور الآن بينهما مشهداً يراه لأشبعه سخرية واستهزاء !!
لكنه الآن -وهي بين ذراعيه ذائبة بعشقها- يشعر وكأنه مثلها غريق في نفس البحر!
قلبه يترنح ثملاً منتشياً بين ضلوعه ...
تارة تتسارع دقاته حد أنه يخشى على نفسه ...
وتارة تتجمد...تتباطأ...وكأنها تستجدي الزمن أن يفعل المثل!
قف هنا أيها العمر ...
لا تتقدم لحظة ولا تتأخر ...
هاهنا يحلو الخلود!!
رأسه ينحني ليستند لرأسها المزروع على صدره كقمر عاند حلكة ليله ...
وذراعاه يحوطانها برهبة طفل محروم امتلك فجأة علبة حلوى فلا يكاد يصدق خشية فقدها !
دقات قلبيهما تتعانق...تلتحم...تنصهر ...تقسم أن تتراقص على نفس الإيقاع...
والصمت يبسط سلطانه على أرض حب تبخسه الكلمات حقه ...
ترفع رأسها أخيراً تهم بالابتعاد وقد شعرت بأن وقفتهما قد طالت ..
لكنه يعاود جذبها نحوه هامساً بصوت متهدج :
_أنا لسه ما شبعتش.
ابتسامتها الآن تبدو ك"إكليل نصر" عادت به ملكة فاتحة بعد حرب طويلة...
فما كان أطول هذه الحرب ...ما كان أشقاها ...
والآن ما أجملها !
عيناهما تتبادلان كئوس الغرام وكلاهما يتشبث بصاحبه تشبثه بالحياة نفسها ...وربما أكثر....
صوت رنين مكتبه الداخلي يقطع عليهما سحر اللحظة لتنتفض مكانها فجأة بينما يزفر هو بضيق ليفتح الاتصال مع مساعدته وهو ينظر في ساعته ...
قبل أن ترتخي ملامحه بارتياح مفاجئ ليغلق الاتصال بقوله الذي عاد إليه مرحه المشاكس:
_حظنا حلو...الحالة اللي عليها الدور اعتذرت.
_عندك غيرها للأسف!
قالتها بنفس النبرة المرحة متحسسة وجنتها فعقد حاجبيه لتردف:
_حاسة بألم فيهم من الصبح...قلت آجي أطمن.
_ممممم يعني جاية تستغليني مش قصة بالطو وعواطف !
قالها مازحاً وهو يعاود الاقتراب منها ليقرص خدها بحركته المعهودة مردفاً:
_هاعديهالك بس عشان خاطر النوتيللا...مايخلصنيش نتحرم منها دي بقت طقس من طقوس قبل النوم.
ضحكت بخجل وهي تتذكر ما يعنيه بطقوسه هذه خاصة عندما أردف بنفس النبرة المشاكسة:
_ولو أني ما أضمنش ضميري المهني لو شفتك ممددة على الكرسي ده !
عادت تضحك بدلال وهي تتقدم لتستلقي على كرسي الكشف فتحرك بدوره نحوها ليستخرج أدواته من مكانها ...
قبل أن يجلس على كرسيه ويبدأ في فحص أسنانها ...
_هه...الألم فين بالظبط؟!
أشارت بسبابتها لموطن وجعها فانحنى ليبدأ عمله محاولاً التسرية عنها بالثرثرة كما يفعل مع مرضاه :
_قرأتِ اللي بعتهولك من شوية على الواتس؟! ...واحد نسبها لشكسبير بس مش عارف هو اللي قال كده واللا لأ .
أصدرت همهمة استحسان وهي تتذكر ما أرسله لها منذ قليل ...
والذي ناسب ما كانت تحاول والدتها تعليمها إياه ...
«لو رزقني الله ولداً، سأعمل جهدي أن يكون البالون أكثر ألعابه، وسأشتريه له باستمرار،
فاللعب في البالون يعلمه الكثير من أسرار الحياة والناس.
سيعلمه أن يصبح كبيراً بلا ثقل وغرور، حتى يستطيع الارتفاع نحو الأعلى.
وسيعلمه فناء ما بين يديه في لحظة وفقدانه بلا سبب أو مبرر، لذلك عليه أن لا يتشبث بالأمور الفانية، ولا يهتم بها أكثر من اللزوم.
وأهم شيء سيعلمه أن لا يضغط كثيراً على الأشياء التي يُحبّها، وأن لا يلتصق بها لدرجة يؤذيها ويكتم أنفاسها،
لأنه سيتسبب في انفجارها ويفقدها إلى الأبد...
.. فالحب يكمن في إعطاء الحرية لمن نحبهم.
وسيفهم، من خلال لعبة البالون، أن المجاملة والمديح الكاذب، وتعظيم الأشخاص للمصلحة يشبه النفخ الزائد في البالون، وفي النهاية سينفجر في وجهه، وسيؤذي نفسه بنفسه.
سيدرك أن حياتنا مرتبطة بخيط رفيع كالبالون المربوط بخيط لامع رفيع،
ومع ذلك تراها ترقص في الهواء، غير آبهة بقصر مُدّة حياتها، أو ضعف ظروفها وإمكانياتها.
«سأشتري له البالون باستمرار، وأحرص أن أنتقي له من مختلف الألوان، كي يحبّ ويتقبّل الجميع، بغض النظر عن أشكالهم وخلفياتهم الدينية والثقافيةوالاجتماعية !».
_عجبتني فلسفة البالونات دي ...واضح إنكم كتير!
قالها مازحاً وهو منهمك فيما يفعله قبل أن يضع ما بيده جانباً قائلاً:
_كله تمام...التهاب بسيط في اللثة ...هاكتب لك حاجة تجيب نتيجة سريعة...
ثم وقف فجأة لينحني عليها مردفاً بمكر :
_بس هنفتقد النوتيللا الليلة دي.
ابتسمت بخجل وهي تدفعه برفق لتنهض بينما هو يردف بنفس النبرة العابثة:
_رايحة فين ؟! طب شوية شقاوة ع الماشي!
_لينا بيت نتشاقى فيه يا طيب!
قالتها بدلال مرح وهي تقف مكانها لتردف بنبرة استئذان :
_ممكن أتأخر الليلة دي بس شوية ؟! انت عارف المطعم الجديد محتاج مجهود زيادة.
ظهر الضيق على وجهه للحظات قبل أن ترتخي ملامحه مع قوله :
_مفيش مشكلة ...ربنا معاكِ ...بس ما تتأخريش قوي عشان ...
قطع عبارته عامداً لتلتمع عيناه بجاذبيته التي تعشقها وهي تتوقع أن يكمل عبارته بأنه سيفتقدها ...
فضحكت وهي تكتف ساعديها بقولها المترقب:
_عشان إيه ؟!
_عشان...ما أوحشكيش!
قالها مغيظاً وهو يكزها بسبابته في أنفها فتنهدت بقليل من الخيبة التي لم تشفع لها ثقتها في عمق مشاعره ...
قبل أن تهز رأسها بيأس من رأسه الصلب فيما يخص تعبيره عن عواطفه بالكلمات ...
لهذا توجهت بخطى متثاقلة نحو الباب لتفاجأ به يضم ظهرها لصدره بحركة خاطفة مطوقاً إياها بين ذراعيه ...
والكلمة التي انتظرتها رغم همسه شديد الخفوت بها تدوي كزغرودة فرح في أعماقها ...
_هتوحشيني !
========
فارقٌ كبير سادتي بين ما نتوقعه وما نلاقيه !
هواجسك مهما بلغت ضراوتها لن تكون شيئاً أمام واقع تتلقاه جوارحك بكل قسوة!
ادّعوا ما شئتم من صلابة...
وتحصنوا خلف دروع تشاؤمكم كيفما شئتم ...
لكن تيقنوا أنه عندما تحين المواجهة فلن يعصمكم هذا من تلقي طعنات الألم !
هذا الذي أدركته هانيا وهي تفرغ دموعها على وسادتها ومشهده الأخير معها يتكرر لقطة لقطة لينتهي بجملته القاتلة ...."انتِ طالق"!
ألم تكن تتوقع شيئاً كهذا بعد قطيعتهما طوال هذه الأيام؟!
ألم تكن هي نفسها تخطط لهذا لو ثبتت لها خيانته؟!
ألم تكن لتطلبها بنفسها بعدما رأت بعينيها وسمعت بأذنيها؟!
أليست هي القوية المستكفية بنفسها عن كل من عداها والكافرة بهكذا حب؟!
لماذا إذن كل هذا الألم الذي يمزقها من الشريان إلى الشريان؟!
هل تبكي كبرياءها الذي أهانه على مرأى من صديقتها -أو التي كانت صديقتها- بل والكثير من الناس؟!
أم تبكي زواجهما قصير العمر الذي سيبقى ندبة في صحيفة حياتها؟!
أم تبكي انحدار نفسها لهذا السفح من هتك ستر امرأة ائتمنتها على أسرارها لتفضحها بالباطل؟!
أو لعلها تكون أكثر صدقاً وتعترف أنها تبكي خسارته هو!!
هو الذي احتل قلبها رغماً عن أنف "عقدتها" وكبريائها !!
طرقات خافتة على باب الغرفة قطعت أفكارها فانتفضت مكانها لتمسح دموعها بسرعة قبل أن تسمح للطارق بالدخول ...
خطوات نبيلة المترددة تصل لسمعها قبل أن تشعر بها تجلس جوارها على الفراش...
ما أثقل هذه الجلسة على قلبها!
نبيلة بالذات هاهنا لن تضيف لجرحها إلا المزيد من الوجع!
الغريب أنها لم تتوقع ردة فعلها على طلاقها حتى الآن!
هل ستلومها ؟!
ستتهمها بالتقصير في استغلال أنوثتها للاحتفاظ برجلها؟!
أم أنها على العكس ستذم رامز ببضع كلمات مجاملة لتمنحها سلوى زائفة؟!
لكن ما لم تتوقعه حقاً هو هذا العناق الذي منحته له "خالتها" والذي انفجرت معه دموعها من جديد !!
أجل ...لأول مرة تستشعر مذاق هذا العناق الدافئ الذي نقلها من خانة "النجمة" البعيدة لخانة "الخالة" ال...
ال...ماذا؟!
القريبة؟!
هل صارت قريبة حقاً؟!
الأمر يحتاج لما يفوق العناق !!
ربما يحتاج لمكاشفة...مواجهة...حديث من القلب ...
تماماً كهذا الذي تناله الآن ....
_قعدتك دي بتفكرني بنفسي من أكتر من عشرين سنة ... يوم ما طلقني عبد الرحيم والد يامن...وقتها كنت شبهك قوي ...صغيرة...حلوة...ذكية...طموحة...الدنيا كلها قدامي فاتحة لي دراعاتها ...إيه يعني راجل راح ...بكرة ييجي أحسن منه!! إيه يعني كام سنة عدّوا؟! ما العمر كله قصادي! إيه يعني بيت وابن ؟! يساووا إيه قصاد اسم وشهرة وفلوس وعالم بحاله ؟! أي ست بسهولة تبقى زوجة وأم لكن كام واحدة ممكن تبقى نجمة زيي ؟!
حملت عبارتها الأخيرة الكثير من سخريتها المريرة جعلت هانيا تحملق فيها فاغرة فاها وهي ترى منها هذا الوجه لأول مرة ...
عجباً...هل تشعر بيللا بالندم خلف قناع كبريائها هذا طوال تلك السنوات؟!
هل تحس الآن بظلم المقايضة بين ما باعته زهيداً وما لهثت خلفه ؟!
انقطعت أفكارها عندما تراخى ذراعا نبيلة حولها لتنهض من جوارها متجهة نحو النافذة لتعطيها ظهرها بينما تراقب السماء التي مالت شمسها للغروب :
_مش هاقوللك عبد الرحيم ما حبنيش...أنا عارفة إنه عاش ومات ومفيش ست في قلبه غيري...رغم كل اللي عمله فيّ...رغم إنه حرمني أشوف ابني قصاد إنه يطلقني ...رغم الكره اللي زرعه في قلب يامن...أنا بس اللي كنت فاهمة إن قسوته دي طبع مش كره ...طبع ما قدرتش أستحمله طول عشرتي معاه...
_ندمانة؟!
سألتها هانيا بخفوت وكأنها تخشى أن تفيق خالتها من نوبة صراحتها المفاجئة هذه فتعود للتخفي خلف قناعها من جديد...
لكنها أجابتها -لحسن الحظ -بشرود :
_إزاي ما أندمش؟! لما بشوف ست في عمري بتحسدني على شكلي...على عمري اللي مش باين عليّ...ببقى هاين عليّ أضحك في سري وأنا بلاقي نفسي أنا اللي بحسدها على لمة ولادها حواليها...على إيد جوزها اللي سانداها ...على كام شعراية بيضا وشوية تجاعيد بتحكي حكاية شقاها وتعبها اللي لقيت تمنه في الآخر ...دفَعِت حب وقبضِت حب...لكن أنا...
غص حلقها بدموعها أخيراً لتقطع عبارتها للحظات احترمت فيها هانيا صمتها ...
قبل أن تسألها بصوت غلبه إشفاقه :
_وليه بتقولي لي كده دلوقت؟!
_عشان ما تغلطيش غلطتي...أنا سبت عبد الرحيم بسبب عيلته اللي كانت مأثرة عليه...كانوا دايماً مفهمينه إني مش من توبه...وإني في أي وقت هاحن للفن والشهرة...كانوا بيشحنوه ضدي فاتحول الحب لسجن من وساوس وشكوك وقسوة ...وقتها كنت صغيرة ما استحملتش...يأست بسرعة واستسهلت أهد البيت ...لكن لو رجع بي الزمن عمري ما كنت هاسمح لهم ولا هاسمح له هو نفسه ... كنت هدافع عن بيتي وابني بكل طاقتي ومش هاخللي قوة في الدنيا تمنعني عنهم.
ثم استدارت نحوها لتردف بنبرة أكثر حدة :
_وانتِ دلوقتِ بتعيدي التاريخ تاني؟! بتسمحي لواحدة تاخد منك جوزك وبيتك من غير مقاومة وفرحانة قوي إنك بتنصري كرامتك؟! معشمة نفسك في شغلك وطموحك ومش هتاخدي بالك إلا لما العمر يجري بيكِ وتلاقي نفسك لوحدك ...تفتحي إيديكِ ما تلاقيش غير هَوا...هوا!
ربما لو كانت تحدث امرأة أخرى بغير عناد هانيا لآتت نصيحتها ثمارها ...
لكن الأخيرة لم تكن تنظر للأمر من هذه الزاوية...
هي لم تكن ترى سوى ما تظنه خيانة فحسب...
والخيانة في عرفها لا تحتمل جملة جديدة بل تعد نقطة آخر سطر حُسِم مصيره !
لهذا غضت الطرف عن كل ما سمعته لتغير الموضوع بسؤالها:
_يامن عارف اللي حكيتيه ده ؟!
تنهدت نبيلة بحرارة وهي تطرق برأسها مع إجابتها بالنفي لتعاود هانيا سؤالها باستنكار:
_وليه ما قلتلوش ؟! ليه سايباه عايش طول السنين دي على الفكرة اللي زرعها فيه والده ؟!
_عشان هو ما سألش...عشان عارفة إنه مش هيصدقني...ويمكن عشان حاسة إني مااستاهلش صورتي في عنيه تبقى أحسن بعد ما فرطت فيه زمان .
غمغمت بها نبيلة بصوت مزج ندمه بصدى كبرياء لم يفارقه رغم كل شيئ ...
لتردف بعدها بنبرة أقوى بينما تعاود الاقتراب من ابنة شقيقتها:
_لما والدتك الله يرحمها ماتت ورغم زعلي عليها حسيت إن الدنيا بعتتلي فرصة تانية لما جمعتكم في حضني انت واخواتك ويامن...كنت عارفة إن طريقي خلاص بانت نهايته لكن كنت بشوف فيكم القصة اللي عايزاها تكمل صح...
ثم صمتت لحظة لتردف بضحكة مكتومة :
_الفيلم اللي عارفة إني عمري ما هاقدر أبقى "بطلته"!
عادت عيناها تمتلئان بالدموع في عبارتها الأخيرة فوقفت هانيا مكانها لتحتضن ساعديها بكفيها ...
هنا ابتسمت نبيلة وهي تشيح بوجهها لتستطرد بنفس النبرة:
_يمكن ما قدرتش أكون أم...لا ليامن ولا ليكم...لكن هانصحك دلوقت بحق حاجة واحدة بس ...حاجة اوعي تشكي فيها مهما حصل...إنكم أغلى حاجة في حياتي وإني مش عايزاكم تخسروا زي ما انا خسرت .
ظلت هانيا ترمقها بنظرة غريبة وهي تشعر أنها لأول مرة تراها من هذا الجانب الإنساني...
طالما بدت لها نبيلة مسخاً مشوهاً لامرأة فقدت هويتها فلم تعد ترى قيمة لنفسها أبعد من جمال جسد !
لم تتصور يوماً أن خلف هذه "الدائرة الخارجية" دوائر أخرى من مشاعر ندم وألم !
ورغم أن هذا كان من الأولى به أن يجعلها تستمع لنصيحتها التي استشعرتها بهذا الصدق الحار...
لكن عنادها ...كبرياءها...جرحها "الطازج"...كل هذا كان حائط صد أمام ما سمعته منها ...
لهذا أخذت نفساً عميقاً لتزيح كفيها ببطء عن ذراعي نبيلة مع قولها بنبرة مكابرة:
_ما تخافيش...مش هاخسر زي ما خسرتِ...مش عشان أنا أقوى واللا أذكى بس عشان أنا عارفة كويس أنا عايزة إيه .
هنا عادت نبيلة تلتفت نحوها بابتسامة ساخرة ناسبت قولها الذي حمل الكثير من المرارة:
_مش هاضغط عليكِ...فيه دروس لازم نتعلمها لوحدنا عشان ما ننساهاش بعد كده ...
قالتها ثم عاد إليها قناعها الذي تعرفه كلتاهما لتردف :
_أنا خارجة ...عندي معاد مهم في النادي .
ثم أعطتها ظهرها لتغادر وكأنما استكفت بما أبدته لها منذ قليل من ضعف أنوثتها ...
لكنها ما كادت تغادر الغرفة حتى اصطدمت به واقفاً جوار الباب ...
_يامن...انت هنا من امتى؟!
قالتها بارتباك وهي تتفحص ملامحه المتجهمة ...
هل سمع حديثها مع هانيا؟!
_لسه جاي.
كانت تعلم أنه يكذب!
وإلا فلماذا يتحاشى لقاء عينيها بهذا التصميم ؟!
حاجباه منعقدان بشدة وقطرات عرق خفيفة تظلل جبينه الغائم بعاصفته...
تماماً كما كانت تعلم أنه حتى لو سمعها فلن يعقب بشيئ!
صندوقه "الأسود" سيبقى مغلقاً على ما فيه !
لهذا تشبثت بقناع كبريائها من جديد لتقول بنبرة محايدة :
_هانيا صاحية لو عايز تكلمها ...أنا خارجة.
رمق ظهرها المنصرف عنه بنظرة طويلة وهو يستعيد ما سمعه منها لتوه...
الآن يكتمل الجزء الناقص من الصورة ليبدو له المشهد كاملاً...
بيللا لم تكن "شيطان" الحكاية كما كان يتصور ...
تماماً كما لم يكن والده "ملاكها" الجريح ...
كلاهما غلبته طباعه ليدور شقا الرحى طاحنين بينهما حباً كان أضعف من أن يصمد !
يكذب لو قال أن ما روته "نبيلة" لم يحرك بداخله شعوراً مغايراً نحوها بالشفقة...
بالرثاء...بل سيكون صادقاً مع نفسه أكثر ليعترف أنه لم يرها يوماً أكثر إنسانية من هذه اللحظة..
إنسانية...وليست أمومة!
والفارق بينهما عميق جداً لو تعلمون!
لهذا زفر زفرة قوية وهو يسمع باب الشقة يغلق معلناً عن استسلامها لدور "بيللا" من جديد...
قبل أن يعود ببصره لباب غرفة هانيا الذي تقدم منه أكثر ليطرقه منتظراً سماحها له بالدخول ...
عيناه اللتان امتزج حنانهما بحزنهما تراقبان ملامحها الذابلة بقلب يرتجف حزناٌ عليها ...
لكن لسانه يلفظ بفظاظته المعهودة :
_اوعي تعيطي تاني...حركات الستات الخايبة دي مش بتاعتك انتِ...انتِ أقوى من كده !
دمعت عيناها من جديد وكأنما لم تشفع ثقته السابقة في قوتها ...
فتنهد بحرارة ليجلس جوارها على الأريكة الجانبية قبل أن يردف بنفس النبرة :
_مش عايز كلام نبيلة يأثر فيكِ...انتِ صح...الراجل اللي يخون مرة يخون عشرة...واللي يبيعك رخيص تبيعيه ببلاش...حتى لو جالك زحف بعد كده -وأنا عارف إنه هييجي- مش هارجعك ليه .
ازدادت الدموع كثافةً في عينيها لكنها تصنعت التماسك بابتسامة مرتجفة ليستطرد هو مؤكداً بينما يلوح بسبابته :
_لو شكيت ما تكملش...ده مبدئي...لو الأثاث مضروب يفيد بإيه لو رفعت مِيت دور؟! مسيره هيقع!
ابتلعت غصة مرارتها وهي تومئ برأسها موافقة...
ثم تجاوزت الحديث عن الأمر لتسأله بتماسك مصطنع:
_انت سمعت كلام نبيلة كله ؟!
أطرق برأسه مدركاً ما تعنيه بسؤالها والذي أكدته بقولها بعدها:
_بعد كل السنين دي وبعد اللي عرفته أفتكر من حقها تديها فرصة تانية يا يامن...يمكن الحاجز اللي بينكم ده يتكسر .
ظل مطرقاً برأسه للحظات بعدها تجتاحه أفكاره بين مد وجزر ...
ثم رفع عينيه إليها ليقول بنبرة أكثر رفقاً:
_سيبك مني وخليكِ في نفسك...أنا عارف إن التجربة صعبة عليكِ...بس الضربة اللي ما بتكسرش بتقوي...والدنيا ما بتقفش بينا مهما حصل.
فأومأت برأسها موافقة لترسم على شفتيها ابتسامة تصميم ناسبت قولها:
_معاك حق...ماتخافش عليّ...الباب ده اتقفل خلاص...من النهارده مش هاشوف غير مستقبلي وشغلي وبس.
=======
_مبروك علينا.
همست بها بحب وهي تتأبط ذراعه في حفل افتتاح مطعمها الجديد...
أو بالأدق مطعمهما المشترك الذي حمل رمزها الأثير لحرف الياء بالعربية حيث ينثني طرفه بشكل القلب...
أخيراً تشهد الدنيا كلها على حبهما الذي توجه عمل مشترك...وزواج مشترك...
وليته يكتمل بثمرة أخرى تتمناها بكل جوارحها !
_ما تتصورش فرحتي بالمطعم ده ...رغم إن سينابون أول فرحتي وطعم نجاحي لكن هنا بحس إني كملت عمري بيك.
لاتزال مستمرة في انطلاقها الذي يغبطها عليه في التعبير عن مشاعرها بينما اكتفى هو بحديث عينيه اللتين كانتا تشاركانها فرحتها ...
رغم فظاظة عبارته المتوقعة :
_هاقفلهم لك الاتنين لو شغلوكِ عني!
ومن مثلها يمكنها أن تقرأ في عبارة جافة كهذه ما عجز لسانه عن البوح به ؟!
لهذا ضحكت ضحكة صافية وهي تلتصق به أكثر لترفع إليه عينيها بهمسها العاشق:
_معقول لسه مش مصدق إن مفيش حاجة في الدنيا تشغلني عنك ؟!انت في كفة والعالم كله في كفة تانية !
تزينت شفتاه بابتسامة راضية ليغمزها بينما يميل عليها بهمسه الماكر:
_صراحة انت تستاهلي مكافأة على الكلمتين دول بس مش هنا وسط الناس.
عادت تضحك للحظات قبل أن تستطيل على أطراف أصابعها لتهمس في أذنه بدلال:
_مستنياها بفارغ الصبر.
ارتفع حاجباه بدهشة من جرأتها المستحدثة فابتسمت برضا وكأنما أسعدها أن تفاجئه...
هنا التمعت عيناه بفيض عاطفته وهو يرمقها بنظرة عميقة سبقت همسه:
_كل ما أقرب أحس إني خلاص فهمتك تفاجئيني بوش جديد منك ما شفتوش قبل كده ...أول ما عرفتك قلت ست مسترجلة واثقة في نفسها ناجحة في شغلها دماغها ما تشيلش غير أرقام ...بعدها شفت وش تاني لست بتحب من غير حدود ولا عقل ...ساعات أشوفك مثالية لدرجة إني أرسمك في خيالي من غير عيوب...قوية...طموحة...حماسية...وساعات أشوفك هشة جداً...لدرجة ببقى خايف عليكِ من طولة لساني...مرة رقيقة ومكسوفة...مرة جريئة ودلوعة...حيرتيني معاكِ!
_وهو المطلوب يا دوك...عشان ماتزهقش مني وتحس إن معاك "كوكتيل" ستات مش ست واحدة !
قالتها بنبرة عابثة تشبه نبرته قبل أن يكتسب صوتها المزيد من الجدية مع شرودها بقولها:
_مش قلت لك قبل كده ؟!...كلنا سينابون...دواير لافة حوالين بعضها ...واللي يحكم ع الدايرة الخارجية بس يبقى غلطان .
انعقد حاجباه بشك وشرودها يزيد وقع كلماتها الغامض في أذنيه ...
ربما لايزال عاجزاً عن فهم فلسفتها الخاصة بالبشر في دوائرهم المتداخلة...
لكنه لايريد أن يصدق إلا هذا الوجه "المثالي" الذي يراه منها !
هذا "الدرع" الذي يحتاجه ليصد وساوسه وشكوكه التي تتصارعه مع كوابيس كل ليلة ...
هو يحتاج أن يراها كما يرسمها عقله ملاكاً لم تدنسه خطايا بشر!
لهذا تجاوز عن حديثها بهزة رأس سبقت همسه العابث:
_إيه رأيك بالمناسبة دي تعملي لي مفاجأة ؟!
رفعت حاجبيها بدهشة لتضحك وهي ترمقه بنظرة مترقبة فقد كانت تعرف أن هذه النبرة الماكرة منه تخفي شيئاً...
_ممممم...مفاجأة زي إيه ؟!
_يعني...تخطفيني مثلاً؟!
ضحكت بانطلاق وهي تخفى وجهها في صدره بينما هو يردف بنفس البراءة المصطنعة:
_يعني نخلص الحفلة مثلاً وألاقيكِ واخداني من إيدي على العربية مثلاً ...وتطلعي بينا لحتة ماعرفهاش ...
_مثلاً....وبعدين ؟!
_لا سيبي بعدين عليّ أنا ...أنا مهاراتي ك"مخطوف" هتبهرك !
عادت تضحك وهي ترفع إليه عينيها بقولها المرح:
_مش خايف تعجبني اللعبة وأفضل خاطفاك على طول ؟!
_ياريت.
ورغم العبث الذي كان يقطر بين حروفه لكنها قرأت صدق قلبه يكاد يصرخ بكلماتها ...
كانت لاتزال متأبطة ذراعه بينما امتدت أنامله لتحتضن كفها على ساعده وعيناه تنتقلان بضيق بين نظرات الحضور التي تعلقت بهما وجعلتها وساوسه تخصها هي وحدها ...
رغم يقينه أن شمس عينيها لا تشرق ولا تغرب إلا على واديه وحده ...
لكن ما حيلته في غيرته عليها والتي تدفعه دفعاً لإخفائها عن هذا العالم بأسره؟!
بينما كانت تشعر هي وكأنما ملكت العالم كله بين كفيها ...
نجاحها يزين ناظريها أمامها بينما يحتويها هو بين ذراعيه ...فهل بقي من نعيم العالم المزيد؟!!
_تعال نشوف بوكيهات الورد اللي وصلت...شكلها يجنن!
قالتها وهي تتحرك معه نحو ذاك الجانب من قاعة المطعم الذي تراصت فيه أكاليل الزهور المهداة كما يتوقع في مناسبة كهذه...
_مامتك بعتت ده...رهيب...شايف فخم إزاي؟!
التوت شفتاه بابتسامة باهتة كانت تفهمها هي جيداً خاصة مع إجابته المقتضبة:
_بيللا دايماً ذوقها ملفت !
رمقته بنظرة مشفقة وهي ترى تعمده مناداتها بلقبها "بيللا" دون "أمي"!
وكأنما هذه فقط مكانتها في قلبه ...
لكنها تدرك جيداً أن خلف هذا القناع الساخر يكمن طفل منبوذ ينتظر العودة لحضنها ...ربما وقتها فقط يمكنه استعادة اتزانه !
حسناً...ستكون هذه قضيتها القادمة معه...أن تعيد له هذا الحجر المفقود كي يتم تشييد بنائه الذي ترتجيه له ...
لهذا تجاوزت عن هذا لتكمل رحلتها بين باقات الزهور وهي تقرأ بطاقاتها بصوت عالٍ وكأنما تفتخر بنجاحهما معاً...
ولم تكد تتم قراءة آخر بطاقة كانت منشغلة بها حتى فوجئت بسؤاله الغاضب خلفها:
_مين زين؟!
===========
استدارت نحوه بدهشة حاولت فيها السيطرة على صدمتها بكل قوتها لترد سؤاله بسؤال:
_مين زين؟!
انعقد حاجباه بحدة وهو يجذبها من كفها نحو الركن الآخر من القاعة والذي استقرت فيه باقة ضخمة مميزة وصلت لتوها فبدت وهي تقف وحدها هكذا كصرخة عالية في فراغ روحه ...
خاصة مع البطاقة المميزة التي حملتها بكلمتين فقط :
_"مبروك....زين"!
زين؟!
هذا الاسم اللعين الذي يطارده في كوابيسه يحرمه لذة الهناءة معها ...
هو يكاد يقسم أنه سمعها تتفوه به تلك الليلة وسط اسمه واسم طليقها بما بدا كالهذيان لكنها أنكرت....
تماماً كما تفعل الآن :
_ما اعرفش حد بالاسم ده ...يمكن حد صاحب بابا ...أو زبون متحمس شوية...أو يمكن حد تبعك انت!
كانت تحتاج الكثير من رباطة الجأش وهي تتحدث بهذه البساطة محاولة إقناعه...
ملامحها الهادئة كانت تخفي بركان غضب وخوف لو أطل على العالم لأحرقه !
لماذا يصر زين على التواجد في محيطها ؟!
لماذا الآن يظهر ليلوث سعادتها التي بالكاد نالتها؟!
لكن...لا!
لن تسمح له ولا لغيره أن ينال من غنيمتها التي منحتها لها الأيام بعد طول عناء!
يامن حب حياتها الذي ستفتديه بآخر قطرة دم...بآخر دقة قلب لو اقتضى الأمر!
لهذا رسمت ابتسامة متقنة على شفتيها وهي تسأله ببراءة مصطنعة :
_انت ليه متضايق كده ؟! تعرفه ؟!
ظل يتفحص ملامحها للحظات وهو يشعر بالاختناق مع لهاث أنفاسه الثائرة...
هل هذه ملامح امرأة كاذبة ؟!
قلبه يصرخ بألف لا ...وحده عقله يعيد تذكيره بما كان ...
وهواجس شكوكه تلقي رياحها على نيرانه فتزكيها أكثر!
الحرب بينهما تعتصره بين شقيها والحكم أولاً وأخيراً له...
فماذا يختار؟!
يصدقها مع قلبه...أم يكذبها مع عقله وظنونه ؟!!
العجيب أنه اختار هاهنا أن ...
يصدقها!
أجل...ذاك الطفل الذي يختبئ بين ضلوعه لم يجد سوى أن يتعلق بجلبابها هي راسماً لها أكثر الصور مثالية !
هي لن تكون أبداً "خصماً" في صراعه مع نفسه...بل هي "السلاح" الذي سيحارب به كل هواجسه !
أجل...أجل...
هذه السعادة الخالصة التي يتنعم بها معها تستحق أن يهزم طبيعته الوسواسية لأجلها !
ياسمين لا تكذب...ياسمين لا تخطئ ...ياسمين تعشق ...تعشق فحسب!
_مالك بس يا طيب؟!
عادت تسأله بنفس الهدوء الخادع الذي تداري به جحيماً بداخلها لا يقل عن جحيمه هو ...
لتلين ملامحه تدريجياً مع إشاحته بوجهه ...
_مفيش!
_يعني مستعد أخطفك دلوقت؟!
هتفت بها بضحكة انتزعتها انتزاعاً وسط الحرب هذه ليرمقها بنظرة أخرى طويلة وكأنه يحاول استجواب عينيها من جديد...
لكنها كانت أذكى من أن تقع في هذا الشرك عندما تأبطت ذراعه لتسير به خارج المكان مع ثرثرة مرحة استهلكت المزيد والمزيد من قوتها ...
حتى وصلا إلى سيارته فاستدارت نحوه لتهتف بنفس المرح المصطنع:
_تحب أخطفك فين ؟! أنا "مجرمة" ديمقراطية ولازم أسألك!
ملامحه المشتتة بين تصديق وتكذيب لم تمنحها سوى ابتسامة شاحبة سبقت قوله المحايد:
_عشان بس أول مرة أتخطف هاعمل معاكِ واجب وأسوق أنا...لو عجبني النظام هابقى زبونك .
ضحكت ضحكة عالية أوردتها كل انفعالاتها وهي تستقل السيارة جواره لتلقي رأسها على كتفه بينما ينطلق بهما ...
قبل أن تستسلم لصمت طويل محاولة إعادة شحن طاقتها ...
ستتجاوز هذا الموقف ...
ستتجاوزه كما تجاوزت ما هو أقسى!
لن تسقط من على هرم عشقها بعدما وصلت قمته !!
_يامن!
_ممممم؟!
_انت عارف أنا بحبك أد إيه ؟!
أحست بتصلب عضلة ذراعه الذي تتأبطه بينما تريح رأسها مغمضة العينين على كتفه وقد كانت هذه الإجابة الوحيدة التي نالتها لبضع ثوان فتنهدت بحرارة لتردف دون أن تفتح عينيها:
_يمكن أكون غير ستات كتير بتتكسف تعبر عن مشاعرها...بتخاف تاخد الخطوة الأولى وبتستنى حبيبها هو اللي ييجي الأول...بتعمل حساب كرامتها لو في يوم قال لها إنتِ اللي جريتِ ورايا...بس ...
_بس إيه؟!
قالها مستحثاً حديثها الذي قطعته بصمت قصير وقد نجح كلامها في الاستحواذ على اهتمامه لتفتح عينيها أخيراً وترفعهما إليه بقولها :
_بس أنا ما بحسبهاش كده...أنا ماحبتكش عشان عايزاك تحبني...أنا حبيتك عشان انت تتحب...عشان انت نُصّي التاني اللي مش هيكمله حد غيرك ...مش بمزاجي...غصب عني ...انت مش اختيار.. انت قدر!
يالله !!
هل من الممكن ألا يصدقها بعد هذه الكلمات؟!
هل بقي مجال لحرب يراها بين قلب غدا منتصراً وعقل تراجع مدحوراً؟!
لهذا حارب نفسه -بنفسه- هذه المرة لأجلها في سابقة تعد الأولى من نوعها في حياته ...
ليقبل جبينها المرفوع نحوه هامساً :
_ليه بتقولي لي كده دلوقت؟!
_انت عارف إني بحب أقولها كل وقت...بس الليلة دي بالذات حاسة إني لازم أقولها لك.
_اشمعنا؟!
_عشان نجاحي الليلة دي طعم تاني غير أي نجاح حققته قبل كده ...نجاح باسمي واسمك سوا.
ابتسم وهو يعاود تقبيل جبينها وقد نجحت مشاعرها الصادقة في نسف كل شكوكه ليعاود التركيز في الطريق بقوله :
_أتمنى خطة الخطف دي تعجبك ...أصلها كلفتني كتير من مبادئي الحقيقة .
_ليه ؟! هنروح فين ؟!
هتفت بها ضاحكة بفضول ليجيبها بغمزة لعوب:
_المخطوف المؤدب يتخطف وهو ساكت !
========
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!