الفصل 99 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سينابون

المشاهدات
14
كلمة
12,596
وقت القراءة
63 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

القطعة الرابعة عشرة


=======


_حمداً لله على السلامة يا عريس؟!


قالها مساعده في الشركة وهو يدخل عليه مكتبه فقام له أشرف مصافحاً بحرارة وهو يشعر بود حقيقي نحو الرجل الذي يتولى أمور المصنع منذ عهد أبيه ...


ليقول بعدها ببعض الضيق :


_الله يسلمك يا عمي...طمني...عرفت توصل لحاجة ؟!


جلس الرجل مكانه مصطنعاً الأسف مع قوله :


_ولا أي حاجة يا أشرف ياابني...ده حتى المصنع عامل أرباح ممتازة الشهر اللي فات ..والطلبيات وصلت في معادها من غير أي مشاكل...أنا مش قادر أحط إيدي على غلطة.


زفر أشرف بقوة ليجلس بدوره مغمغماً بعجز:


_أنا بفكر أبيع المصنع.


_تبيع المصنع؟! شقا أبوك الله يرحمه؟!


قالها الرجل باستنكار مصطنع ليجيبه بنفس النبرة العاجزة:


_ما انا مش قادر أعمل حاجة...ولا عارف أتصرف لوحدي .


ضيق الرجل عينيه وهو يسأله بحذر متفحصاً ملامحه:


_بتفكر تبلغ البوليس؟!


_هابلغ البوليس إزاي من غير دليل؟! هتبقى شوشرة على المصنع


وخلاص...حتى سيدة اللي كان ممكن تشهد معايا اتقتلت والقضية اتظبطت إنها بغرض السرقة...مش عارف أعمل إيه...بجد مش عارف...


قالها أشرف بقنوط وهو يخفي وجهه بين كفيه ليردف بنبرة أكثر يأساً:


_أنا حتى ماعدتش قادر أركز في أي حاجة...خايف على أمي...على أختي ...على مراتي...ماعدتش بنام يا عمي.


_شكلك فعلاً مرهق جداً.


قالها الرجل متصنعاً الإشفاق ليرفع أشرف كفيه عن وجهه قائلاً بتجهم:


_أنا حاجز عند دكتور النهارده يشوف لي موضوع الصداع اللي ما بيخفش ده.


التمعت عينا الرجل بدهاء والفكرة تبزغ في ذهنه براقة شيطانية...


يقولون إن "طباخ السم يتذوقه"!


فليتذوق صاحب المصنع إذن مذاق ما يطبخونه هم!!


ربما تكون هذه هي الوسيلة الوحيدة لإسكاته كي لا يفسد صفقة عمرهم الأخيرة...


لهذا أتقن رسم قناع حنانه على وجهه وهو يقول له :


_دكتور إيه وبتاع إيه؟! بيهولوا الأمور على الفاضي...أنا عندي دوا أمريكي مستورد ابني بيجيبهولي من بره مخصوص ...ممتاز ياابني...هاجيبلك منه علبة جربه...وربنا هو الشافي!


=======


_إيه اللي بينك وبين مراتك يا رامز؟!


سألته والدته بقلق صباحاً وهي ترى تدهور حاله وصمته الذي يصر عليه منذ غادرت هي البيت ...


فعقد حاجبيه قائلاً باقتضاب:


_من فضلك يا ماما...اللي بيني وبين مراتي ما احبش حد يتدخل فيه .


هزت رأسها لتهتف به بقلق أم طبيعي:


_ما هو أنا مش هاسكت وأنا شايفاك كده ...لو مش متفاهمين زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف...وشوف انت حالك بقا .


انقبض قلبه بجزع من مجرد الخاطر وملامحه تفضح معاناته الصامتة...


منذ تلك الليلة التي غادرت فيها حفل الزفاف وهو يمنع نفسه بشق


الأنفس أن يتحدث إليها ...


لا...ليس الأمر فقط مجرد كبرياء رجولته...


بل شعوره بالعجز عن احتواء طبيعتها !


هل يأس منها بسرعة كما لم يظن أنه يوماً سيفعل؟!


لا...ليس الأمر هكذا...


لكنه فقط يشعر أنه كمن يحارب طواحين الهواء ...


يحتاج فقط لبادرة منها ...أي بادرة...


ولو مجرد رنة هاتف لا ترقى لاتصال!


لكن العنيدة جازته -كما توقع- عن تجاهله تجاهلاً!!


ما الذي حدث لها تلك الليلة؟!


لماذا انصرفت بهذه الطريقة الغريبة فور قدوم غادة؟!


هل انقلب السحر على الساحر؟!


خطته التي ظن أنها ستقربها ..أبعدتها؟!


_انت بتحبها يا ابني.


قالتها أمه بتقرير أقرب منه للسؤال ...فالتفت نحوها من شروده ليزفر بقوة دون رد ...


هنا ربتت على كتفه لتقول بنبرة حماة مصرية أصيلة:


_ما انكرش إنها سمّاوية ودمها يلطش وطالعة فيها...


_ماما!


هتف بها باستنكار مقاطعاً فمصمصت شفتيها لتردف بجدية هذه المرة:


_بس قلبها طيب...ماعرفش حد ممكن يشيل غلبان زي ما هي عملت مع صاحبتها ...الأخ الزمان ده بياكل حق أخوه !


_ياريتها ما كانت طيبة كده !


تمتم بها بتذمر فابتسمت لتقول له بتعقل:


_أنا كنت بجس نبضك ...مادام طلعت بتعزها قوي كده ...شوف العيب فين وصلحه...الراجل هو أساس البيت ياابني ...ربنا يصلح حالك ويهديهالك.


قالتها بنبرة دعاء أمّن عليه قلبه...قبل أن يقبل رأسها دون رد ليغادر إلى عمله ...


شروده يؤرقه طوال الطريق وهو يتأرجح بين غضبه منها ...


وشوقه إليها!


الجاحدة!


ألم ينتبها الحنين إليه ولو للحظة تتخلى فيها عن كبريائها؟!


كان قد وصل لمقر الشركة فركن سيارته ليتوجه نحو المصعد ...


وما كاد يستقله حتى فوجئ ب"الأفعى" تجاوره فيه لتضغط الزر بقولها:


_صباح الخير .


رد تحيتها بفتور وهو يرفع رأسه لأعلى فتجرأت لتقترب منه بقولها :


_شكلك ما نمتش كويس...


عقد حاجبيه بقوة وعطرها الصارخ يثير حواسه...


خاصة مع لون سترتها الذهبي الذي لا يليق أبداً بالصباح !


لكن منذ متى تكترث هي بأشياء كهذه ؟!


هي التي شعرت بتأثره فاقتربت أكثر مردفة:


_مش حالق دقنك ليه؟!


همسها المغوي بنبرته المهلكة يعاود قصف حصونه لكن باب المصعد الذي فتح لتوه ينقذه ...


فيزدرد ريقه بتوتر ليزيحها جانباً ببعض العنف ...


لكنها لم تكن لتتخلى عما تريده بهذه السهولة!


تتبعه لمكتبه متجاهلة نظرات زملائهم الفضولية حتى تلحق به ليهتف بها بنفاد صبر:


_يارا! أنا مش ناقصك وخلقي في مناخيري دلوقت ...روحي مكتبك


حالاً.


لكن ثورته تزيد رضاها وهي تشعر بحدسها الأنثوي بما يختفي خلفها لتقترب منه أكثر قائلة :


_معك حق...مش هينفع الكلام هنا...هاستناك في البيت الليلة ...عارفة إنك هتيجي المرة دي.


اتسعت عيناه باستنكار وهو يهم بسباب ساخط لكنها ابتعدت بسرعة لتمنحه غمزة ماكرة سبقت مغادرتها بخطوات واثقة ...


غافلة عن عيني غادة المرتاعتين اللتين كانتا ترمقانها بصدمة رغم أنها لم تسمع ما قالته بالضبط لكن فحواه كان واضحاً للأعمى!


خاصة عندما جلس رامز على كرسيه بعصبية وهو يتلاعب بهاتفه ...


رامز؟!


معقول؟!


هل يخون هانيا؟!!


هنا لم تستطع التستر خلف قناع خنوعها المعهود ...


قوتها الخفية التي لا تدري متى تظهر هكذا طفت للسطح فجأة وهي تتوجه لمكتبه ...وليتها ما فعلت!


لو كان سوء الظن مؤذياً فحسن النوايا يهلك كثيراً لو تعلمون!


========


استيقظ يامن من نومه على كابوس جديد من تلك الكوابيس التي صارت تؤرقه مؤخراً ...


يبدو أن ضميره لايزال يجلده بالذنب نحو ذاك الصغير الذي لا يدري إن كان ابنه أم لا...


خاصة مع وفاء سيلين بانتقامها بتلك الصور التي ترسلها له يومياً على بريده الاليكتروني...


لكن الجديد هاهنا هو كوابيسه التي صارت تتعلق بياسمين أيضاً!!


أجل...


تارة يراها تبتسم بشيطانية وهي تغرس خنجرها في ظهره...


وتارة يراها تغرق لتسحبه فيغرق معها...


أو تتداخل الرؤى فيراها تخنق الصغير بيديها...


والليلة رآها بين ذراعي رجل آخر تناديه "زين"!


من زين؟!


هو يذكر جيداً أنه قد سمعها تلك الليلة تنادي اسمه بينه وبين الوغد طليقها...لكنها تنكر!


آه...أما لهذا الشك من آخر؟!


جحيم جديد صار يعايشه كل ليلة رغم أنه لم يعد ينام إلا بين ذراعيها فيستيقظ غارقاً في عرقه وخوفه...


ووساوسه التي عادت تبسط سلطانها عليه من جديد!!


استغفر الله بصوت خفيض وهو يتناول منديلاً ورقية مسح به جبينه لينهض من نومه متأملاً ملامحها الملائكية المستكينة جواره...


تلا المعوذتين في سره وهو يحاول تمالك أنفاسه اللاهثة قبل أن ينتبه لصوت آذان الفجر فنفض عنه غطاءه كي يتوجه للصلاة...


وبعدها بدقائق استيقظت هي الأخرى من نومها لتتفقد مكانه الخالي على الفراش قبل أن تنتبه للوقت جوارها فتدرك أنه يصلي الفجر كعادته...


ابتسمت وهي تحتضن ووسادته ببقايا عطره لتضمها نحوها بقوة ثم وضعتها جانباً لتنهض هي الأخرى ...


هبطت الدرج نحو الأسفل حيث ركنه الخاص بالصلاة لتراقبه يصلي باعتزاز لم يلبث أن تحول للكثير من القلق...


هل أطال الصلاة زيادة عما ينبغي أم أنها فقط يهيأ إليها؟!


ظلت واقفة مكانها ترقبه والقلق بداخلها يتضاعف حتى انتهى أخيراً من صلاته بعدما يقارب نصف الساعة!


لكن هذا لم يكن فقط سر قلقها بل تململه الغريب في مكانه بعدها وهو يتناول مصحفه ليقرأ فيه...


قبل أن يغلقه بسرعة ليعيده مكانه دون أن يفعل!


انعقد حاجباها وهاجسٌ ما يراودها جعلها تقترب منه لتجلس أمامه على الأرض قائلة بقلق:


_مالك؟! شكلك متوتر!


هز رأسه بلا رد ثم أخفي وجهه بين كفيه فاقتربت أكثر لتربت على ركبته مع قولها:


_ممكن أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة؟!


أزاح كفيه عن وجهه ليرمقها بنظرة مشتتة فأردفت بحذر:


_الوساوس اللي عندك دي بتبقى ناحية النظافة والناس بس؟! واللا كل حاجة ؟!


أغمض عينيه بقوة ثم زفر زفرة قصيرة جعلت شكوكها تتأكد...


لقد قرأت كثيراً عن مرض "الوسواس القهري" لعلها تعرف الكثير عن تفاصيله...


الغريب أنها في أول علاقتهما كانت تجده مبرراً للكثير من تصرفاته لهذا كانت شبه متيقنة أنه مصاب به ولو بدرجة طفيفة...


لكن مع مرور الأيام كانت تشعر أن تلك الأعراض تختفي تدريجياً حتى تكاد تتلاشى ...


تماماً كما قالت له...إنه ينسى شكوكه عندما يستمع لقلبه !


فما الذي جد عليه لتعود له أعراضه هذه ؟!


أرقه...قلقه..شروده...انفعالاته العصبية !!


_كل حاجة ...دماغي ما بتبطلش تفكير...ممكن أقعد بالساعة مفيش في راسي غير فكرة واحدة مسيطرة عليها...حتى الصلاة...القرآن...أحياناً مابقدرش أركز فيهم من كتر الأفكار اللي بتجيلي...وساوس في كل حاجة...كلام مااقدرش أقوله ...بستغفر كتير وببقى حاسس بتأنيب ضميري من سواد الحاجات اللي بفكر فيها بس غصب عني مابقدرش أمنعها.


دمعت عيناها بتأثر من المعاناة الواضحة في صوته فاحتضنت كفيه بكفيها قائلة بتردد:


_مافكرتش تشوف دكتور؟!


_وأنا في لندن رحت لدكتور هناك...قاللي إن الموضوع بسيط وكتب لي دوا خدته فترة وبطلته...الموضوع مش دايما بالشدة دي...بيزيد وينقص.


_أنا أعرف إنه فعلاً بيزيد مع الضغوط النفسية...بس إيه اللي مزوده


الأيام دي؟!


سألته بحيرة ليرفع إليها عينيه بنظرة طويلة دون رد...


ضمت رأسه لصدرها برفق وهي تطوقه بذراعيها هامسة بحنان:


_قل لي إيه اللي شاغلك ...خللينا نفكر سوا.


تردد قليلاً قبل أن يحكي لها عن كوابيسه بشأن سيلين وابنها متغافلاً عن الجزء الخاص بها هي ...


فتنهدت بحرارة لتقول أخيراً بأسف:


_ده اللي كنت عاملة حسابه...واحد زيك هيفضل طول عمره ضميره واجعه على ابنه.


_مش أكيد إنه ابني.


هتف بها بانفعال وهو يبتعد عنها ليلوح بذراعيه مردفاً:


_لو كان ابني كانت وافقت تعمل الاختبار...لكن هي كدابة...عايزة تفرض سيطرتها علي بأي شكل...واتجننت لما لقتني بدات حياتي من جديد.


قالها ثم هب واقفاً ليستطرد بنفس النبرة المتعبة:


_أنا خلاص لقيت الحل...هاقفل حسابي ده خالص عشان ماعادش يوصلني منها رسايل...بلاش وجع قلب!


رمقته بنظره مشفقة وهي تقف بدورها لتمسك ساعديه قائلة بتردد:


_طيب ممكن بس تسايسها لحد...


_خلاص يا ياسمين...الموضوع ده منتهي...أنا مش هاعيش طول عمري في الحيرة دي!


هتف بها مقاطعاً بانفعال فأطرقت برأسها وهي لا تدري ماذا تفعل...


هي تشعر بحجم الصراع الذي يعيشه خاصة مع رجل مثله بماضيه وعقده الخاصة...


لقد نجحت سيلين في بذر الشك في قلبه ولاتزال تشعل نيران جحيمه بتلك الصور التي تلهب بها قلبه...


لكن ما حيلتها ها هنا؟!


كيف تساعده؟!


_أنا هاطلع أكمل نوم ...دماغي تقيل مش قادر.


قالها بنبرة ضائقة وهو يبتعد عنها ليردف بعدها :


_آه بالمناسبة...عندي مؤتمر في الاسكندرية بعد بكرة ...جهزي الشنط واعملي حسابك هنقعد أربع أيام .


تجمدت ملامحها للحظات قبل أن تقترب منه لتقول بتردد:


_بس أنا مش هاقدر أسافر دلوقت أربع أيام كاملين...انت عارف إني بجهز للمطعم الجديد عشان الافتتاح قرب .


اشتعلت عيناه بغضب زاده انفعاله لكن ملامحه عادت تتشح بالبرود مع قوله:


_معك حق...ركزي انتِ في شغلك...أنا هسافر لوحدي.


======


وقف في نافذة غرفته في الفندق يرمق البحر بنظرة طويلة حانقة...


بقدر ما يعشق مظهر النيل الذي يذكره بالعودة ل"الجذور"


بقدر ما يرهب البحر ويخشاه!


يخشاه وهو يذكره بكل خيباته ...


بكل غدرات القلب التي نالها بظاهر صامد وباطن كسير!


البحر هو أنانية بيللا وغدر بسنت وتسلط سيلين...


والنيل...هو ...هو ياسمين ...لو جاز له هذا التشبيه!!


زفر بقوة عند الخاطر الأخير وهو يتذكر كيف غادر القاهرة بالأمس قبل ميعاده المفترض دون أن يمنحها حتى فرصة للتراجع عن قرارها بالبقاء هناك!


عنيد مكابر أناني...ربما !


وربما هو فقط مجرد عاشق لدغ من جحر النساء كثيراً ولم تعد له طاقة بمجرد خدش جديد!


رن هاتفه بنغمته التي خصصها لها فالتفت نحوه ببعض الحدة قبل أن يقرر تجاهله...


منحنى غرامها الذي كان في صعود حتى بلغ قمته ...يشعر الآن أنه يأخذ طريقه في الهبوط...وكيف لا؟!


وتشبثها بعملها يذكره بفعلة أمه القديمة!!


أجل...ليلتها لم يرَ "العاشقة" التي طالما أبهرته بغمار عاطفتها ...


بل رأى"الزوجة" التي فضلت عملها على زوجها ...


رأى بيللا في صورة جديدة ذكرته بخساراته!!


كوابيسه الليلة السابقة لم ترحمه رغم أنه كان اليوم الأول الذي يفوت فيه صورة للصغير بعدما أغلق بريده الاليكتروني ...


كوابيس كانت تخصها هي وحدها...


وقد تخلت عنه لتتبدل صورتها لصورة بسنت...الغادرة!


انقطعت أفكاره عند سماعه صوت طرقات الباب فنظر في ساعته التي أشارت للرابعة عصراً...موعد الغداء...


لكن من يملك الشهية هاهنا؟!


شهيته هناك...مع طعامها...هي!


لهذا تجاهل الطرقات عامداً لكن إصرار الطارق جعله يتوجه نحو الباب ليفتحه بعصبية ...


قبل أن تتسع عيناه بدهشة وهو يراها هي أمامه!


لحظة واحدة هي كل مااستغرقتها دهشته قبل أن يجدها فجأة أسيرة ذراعيه !


_حرام عليك...كنت هاموت من القلق...ما بتردش على موبايلك ليه؟!


غمغمت بها بين دموعها التي لا تملكها حال انفعالها كالعادة وذراعاها الرقيقتان تطوقان خاصرته بكل قوتها...


لكنه لم يتمكن من الرد مع هذا الانفعال الذي كان يعصف به وهو يجدها


أمامه!


أين ذهب غضبه وحقده؟!


وساوسه ،شكوكه؟!


أين ذاك الحديث "الخائب" عن تشابهها مع الغادرات به قبلها؟!!


كل هذا الآن هشيم تذروه الرياح!!


_طيب...أول قرار دكتاتوري مني أنا...مفيش سفر بعد كده لوحدك ...مهما حصل!


قالتها بصوتها المرتجف الذي تلبسته الآن قوة عشقها ثم لم تدرِ ما الذي حدث بعدها !


صوت الباب يغلق خلفها بينما هو يجذبها نحوه لتذوق معه أعنف وألذ عناق صادفته قبلاً!!


لم ينطق بحرف...لكن جسده كله كان يصرخ...


يصرخ اشتياقاً...احتياجاً...عاطفة...و عُتباً!!


قبلاته العاصفة كانت أكثر جموحاً وهي تدوخها بهذا الدوار الشهي الذي لم تعرفه في حياتها إلا معه !


شعورها بالزمان والمكان يتلاشى فلا تكاد تعي سوى حرارة إحساسه...


لو كان قال لها ألف قصيدة عشق وشوق لما وصلها ربع هذا الشعور الذي اكتسحها الآن ...


دوامة!


هي حقاً دوامة انتهت بهما معاً فوق الفراش وكلاهما منغمس فيها حتى النخاع...


_آه!


صرخت بها فجأة وهي تستعيد إحساسها فجأة مع هذا الألم الذي شعرت به عندما انغرس دبوس حجابها في عنقها ليرفع هو وجهه نحوها بقلق هاتفاً:


_فيه إيه؟!


رمقته بنظرة مذعورة عاد إليها خوفها القديم وهي تسترجع ألماً مغايراً في ذكرى مشابهة ...


بينما تحسس هو رقبتها ليحل عنها حجابها بحذر مردفاً بنبرة ضائقة:


_أنا آسف!


قالها ثم مسد عنقها برفق وأنفاسه اللاهثة تعكس بركان عاطفته ...


لتنظر هي إليه مبهوتة...


كل الذي كان يملأ رأسها الآن أنه قد تحكم في نفسه كي لا يؤذيها !


صرخة واحدة منها كانت كفيلة بإيقافه...


هو ليس مثلهما ...ليس مثلهما!!


يامن لن يؤذيها أبداً!


لكنه لم يكن يميز وسط فوضى ملامحها سوى نظرتها الوجلة التي جعلته يبتعد ليقوم ويعطيها ظهره محاولاً السيطرة على جموح إحساسه بخيبة متوقعة...


والغريب أنها -ولأول مرة- كانت تشاركه هذه الخيبة!!!


أجل...لأول مرة يتخلل شعورها بالذعر شعورٌ آخر...


باللذة الراضية!


لهذا نهضت بدورها لتربت على كتفه فالتفت نحوها ...


تيارات العشق في عينيها تجرف كل مشاعره السلبية الآن ...


ابتسامة واهنة يشتد عودها رويداً رويداً على شفتيه ليجذبها نحوه من جديد مقبلاً وجنتها بعمق ...


بينما أنامله تعزف لحنها الخاص بين خصلات شعرها ليسألها أخيراً وهو يتلفت حوله:


_فين شنطتك؟!


لكنها هزت رأسها لتجيبه بعفويتها المنطلقة:


_ماجبتش حاجة...حتى مافكرتش ...فجأة لقيتني بسيب كل حاجة ورايا وبركب العربية وبسوق على هنا .


ورغم سعادته الطاغية بهذه اللهفة منها لكنه تمالك صوته ليقول بنبرة محايدة :


_وشغلك؟!


_مش مهم...كل حاجة مش مهم...دقيقة واحدة معاك أغلى عندي من أي حاجة في الدنيا.


قالتها بصدق حار وهي تدفن وجهها في صدره مشددة ضغط عناقها حوله فضمها إليه بقوة أكبر وهو يكاد يصرخ من فرط مشاعره...


لكن صرخته لم تكن سوى في آهة عميقة تبعت همسه الدافئ:


_وبعدين في كلامك ده؟!


_ده مش كلام ...وانت عارف.


همست بها بيقين وهي ترفع عينيها إليه بسهام عشقها التي ما عاد يملك له معها حول ولا قوة...


قبل أن ترفع أناملها لتتحسس ملامح وجهه هامسة بقلق أم تطمئن على ابنها الغائب:


_نمت كويس امبارح؟!


_مش باين عليّ؟!


قالها بنفس النبرة المتشحة بعاطفتها فرفرفت رموشها وهي ترى احمرار عينيه المرهقتين لتعاود غرس رأسها على صدره مع همسها:


_أنا كمان ما نمتش ولا لحظة ...وحشتني...وحشتني قوي!


أغمض عينيه بقوة وهو يشعر أنه يفقد قدرته على الصبر مع "ألغام" مشاعرها التي تفجرها وسط صمت أعماقه هذا واحدة تلو الأخرى ...


لم يكن عناقه بعدها مجرد عناق ...


ذراعه كان يضغط ظهرها لصدره صعوداً وهبوطاً وكأنما يريدها أن تنفذ لداخله...


أن يزرعها بين ضلوعه وبعشقها المجنون هذا يرمم ما تساقط من جدار "أمانه"...


يسد ثغرات ماضٍ...ويفتح أبواب غد...واليوم...


اليوم لها ...وبها...ومعها!


وأخيراً أبعدها ليحتضن وجهها بين كفيه وشفتاه تنثران على ملامحها زهرات قبلاته الناعمة...


زهرات أينعت بين جنباتها لتمنح وجهها ربيعاً بعد ربيع...


فيبتسم هو أخيراً وهو يشعر معها أن جنة العشق لا ترتبط برضا"جسد" بل ب"تحليق" قلب...


وما أوسع من سمائها هذه كي يطير بها قلبٌ كقلبه ملّ جحيم قضبانه ؟!


ردت له ابتسامته بأخرى وهي تميل وجهها لتقبل راحته المحتضنة


لملامحها ...


ثم أزاحته برفق لتقف هاربة من فوضى مشاعرها الصاخبة مدعية تفحص الغرفة بقولها :


_دافية قوي الأوضة هنا...بعشق لون الجدار ده ...بحس إنه بيحضنني!


رفع أحد حاجبيه باعتراض غيور وهو يتطلع للون الجدار الذي مزج البرتقالي الغامق مع البني بخطوط طولية رفيعة...


ثم وقف بدوره ليجذبها نحوه من جديد ضارباً جبهتها بجبهته مع قوله العابث:


_ولما الجدار يحضنك أنا أعمل إيه ؟!


ضحكت بسعادة غامرة لتتنهد أخيراً وهي تدفعه برفق قائلة :


_هحتاج آخد دش...وأناااام.


التمعت عيناه بإشفاق واضح وهو يرى ملامحها المجهدة فربت على وجنتها برفق ليراها تتجه نحو الحمام المرفق بالغرفة...والذي أغلقته خلفها...


ملامحه تتعلق بالباب المغلق ليشتعل جحيم جوارحه من جديد


بخيالاته ...


قبل أن تخرج هي مرتدية نفس الملابس وقد تزايد الإرهاق على


ملامحها فاستلقت متهالكة على الفراش لتهتف بنبرة مرهقة:


_ماعدتش قادرة...عينيّ بتغمض لوحدها.


اتسعت ابتسامته المشفقة وهو يقترب منها ليجلس جوارها على طرف الفراش قائلاً بمرحه العابث:


_نايمة بهدومك دي ليه؟! كنتِ أخدتِ حاجة من عندي...مش هتفرق كتير عن بجامات "فطوطة" اللي بتلبسيها في البيت.


ضحكت لتشبيهه وجفناها ينطبقان رغماً عنها لتقول بصوت ناعس:


_شكلي هاضطر لكده فعلاً بس لما أصحى....ما تسيبنيش أنام كتير ...ساعة واحدة بس عشان نلحق بقية اليوم.


ضحك فجأة وهو يزيح خصلة من شعرها تسللت فوق عينيها ففتحتهما بصعوبة هامسة بنفس النبرة الناعسة:


_بتضحك ليه؟!


_افتكرت قصيدة عجبتني قوي لكريم العراقي...لدرجة إني حفظتها !


قالها ببعض الخجل الذي لن تشعر به إلا خبيرة به مثلها فابتسمت لتقول بدهشة:


_يامن حمدي بيحفظ شعر؟! يا نهار أبيض!! من ورايا؟!


ضحك ضحكة أخرى وهو يشيح بوجهه لكنها أمسكت كفه لتضعه على صدرها في موضع القلب تماماً مع همسها الناعس:


_عارفة إنك هترفض تقولهالي كده بالساهل...بس عشان خاطري...عايزة أسمعها بصوتك لحد ما أنام.


أطرق برأسه للحظات متردداً لتعاود همسها الذي اكتسب الآن بعض الثقة من مشاعره:


_لو ماقلتهاش مفيش حدوتة النهارده بالليل...هتقدر تنام من غير حواديتي ليلتين ورا بعض؟!


_ما بتهددش أنا!


قالها وهو يقرص أرنبة أنفها برفق فتأوهت بدلال لتهمس وعيناها تناجيان عينيه بغرامهما الفتيّ:


_بس هتقول عشان خاطري.


تنهد بعمق بينما كورت هي قبضتها الصغيرة على أنامله فوق صدرها ليعاود جفناها انسدالهما تلقائياً فابتسم رغماً عنه ليقول قصيدته..


لما استعارت معطفي


فورا تغير موقفي


يا برد أينك من دمي


أنا شعلة لا تنطفي


* * *


الكل من حولي هتف


برد مخيف وارتجف


وأنا عن الكل اختلف


في داخلي دفء خفي..


فهي استعارت معطفي


* * *


يا معطفي ما أسعدك


قُربي وما.. ما أبعدك


حاولت أن لا أحسدك


يا ليتني أنا معطفي..


يا للهدوء العاصف


* * *


قالت أعطرك أجنبي؟


بالله لا تستغربي


هو عطر قلبي الطيب


قالت بكل تلطف..


تبدو الحنون العاطفي


* * *


وتغامزوا من حولنا


فالحب أصبح معلنا


وسألت روحي هل أنا


محبوبها أم معطفي؟


أين الدليل لأحتفي؟


كانت تسمعه بين يقظة ومنام وهي لا تكاد تصدق أنه تجرأ ليقول لها شعراً!


ابتسامتها تتسع رغم إغماضة عينيها لتتمتم بصوت متباعد بين يقظة ونوم:


_ذوقك حلو وشقي زيك... يا "طيب"!


كانت هذه آخر عبارة وعتها قبل أن تسقط في نوم عميق فظل يرمقها بنظراته العاشقة لدقائق لم يدرِ عددها ...


قبل أن ينتبه إلى أن خامة قميصها الخشنة وسروالها من "الجينز" لن تكون مريحة للنوم -أو هكذا أقنع نفسه- وعيناه تلتمعان بعبث ماكر لتختمر فكرة ما في رأسه قام لتنفيذها الآن...


=======


فتحت عينيها لتشهق بدهشة وجلة وهي تجد نفسها ترتدي إحدى


"تي شيرتاته" القطنية السوداء -كالعادة- ، دون سروال...


أجل لم يبدُ جسدها الضئيل مقارنة بجسده الضخم يحتاج لأكثر من هذا وال"تي شيرت" يصل لما فوق ركبتيها بقليل ...


صوت ضحكاته المتشفية جوارها وهو يقف جوار النافذة المغلقة عاقداً ساعديه يثيرها وهي تلتفت نحوه لتهب من نومتها هاتفة :


_أنا غيرت هدومي امتى؟!


ظل يضحك من سذاجتها للحظات جعلتها تضيق عينيها بشك قبل أن تقف لتتوجه نحوه وقد احمرت وجنتاها بانفعالها الخجول الذي ناسب هتافها :


_ما تقولش إنك عملتها!!


_حاضر مش هاقول.


قالها بحاجبين متراقصين مشاكساً فغطت وجهها بكفيها خجلاً لتغمغم من بينهما:


_ياربي...انت مش ممكن!


لكنه اقترب منها ليزيح كفيها عن وجهها المحترق بخجله قائلاً بنفس النبرة المشاكسة:


_خير تعمل شر تلقى...الحق عليّ يعني صعبتِ عليّ تنامي بهدومك التانية !


خبطته بقبضتها برفق على صدره لتتمتم بعتاب خجول:


_والله؟! فيك الخير!


ضحك بانطلاق وهو يضمها نحوه ليقبل شعرها الحبيب فوق قمة رأسها فيخفق قلبها بعنف وهي تخفي وجهها في صدره خجلاً ...وسعادة!


هي لا تدري ما الذي فعله بها لتتبدل مشاعرها السلبية نحو "تماسّهما الجسدي" بهذه الطريقة...


رهابها الذي كان يوشك أن يكون مَرضياً يكاد يتلاشى الآن مع طوفان عاطفته الذي يكتسحها ...


ببطء لكن بثبات كما يقولون...تشعر بجدران خوفها تتصدع مع طرقه الناعم عليها...


براعم أنوثتها تعاود التفتح ببطء تحت شمس مشاعره التي لا يعبر عنها بكلامه الفقير ...بل بأفعاله الجامحة...


بالأمس عشقته مراهقةً خجول...


واليوم تعشقه بصورة أخرى...


صورة امرأة لم يمس ثغرات أنوثتها غيره!


وعند خاطرها الأخير عادت صورة طليقها تجتاحها بعنفوان اعتادته...


لكنها هذه المرة كانت تملك من القوة ما يجعلها تزيحها عن ذهنها قسراً لتتشبث بعناق حبيبها أمامها وهي ترفع عينيها إليه لتنهل من نظراته الحنون ما يروي ظمأها...


وقح ؟!


نعم...كثيراً...كثيراً جداً في الواقع...


لكن ربما هذا بالضبط هو ما تحتاجه من مثلها كي تتجاوز سدود عقدتها...


لهذا ارتجفت شفتاها بابتسامة رقيقة جعلت من وجهها المتورد آية للحسن عندما رفع ذقنها نحوه ليتأمل ملامحها بشغف حار ثم أبعدها


قليلاً ليتفحصها تحت نظراتها الذائبة بخجلها ...


قبل أن يدير ظهرها نحوه ليدفعها نحو المرآة القريبة بقوله العابث:


_اشمعنا هنا ماقلتيش شكراً يا طيب بتاعتك دي؟! عموماً لو مش عاجبك احنا فيها ...أغيرهولك حالاً!


قالها مهدداً وهو يرفع طرفه فشهقت بحدة لتمسك كفيه هاتفة بسرعة:


_لا لا لا...عاجبني !


_أيوه كده...نعيش اللحظة بقى!


قالها ضاحكاً بمكر فرمقته بنظرة عاتبة خجول ثم رفعت عينيها نحو المرآة تتأمل شكلها بتفحص...


ورغم أنها كانت شبه غارقة فيما ترتديه لكنها كانت تشعر بشعور غريب وهي ترى قميصه يطوقها برائحته الحبيبة العالقة فيه...


شعور حميمي غريب يدغدغها بلطف وهي التي ظنت أنها اختبرت معه أقصى درجات العشق...


والآن تفاجأ بالمزيد!!


العجيب أن إحساسها كان واضحاً كالشمس على ملامحها التي نقلت له الصورة كاملة دون نقصان...


فطوقها بساعديه من الخلف لينحني برأسه على رأسها وهو ينظر إليها عبر المرآة هامساً بنفس النبرة العابثة:


_هتخلليني أغير ذوقي في هدومي ...المرة الجاية هاعمل حسابك معايا في كام تي شيرت ملونين!


اتسعت ابتسامتها الخجول وهي تراقب صورتهما في المرآة بفرحة تقافزت لها دقات قلبها ...


خاصة مع هدايا شفتيه السخية التي انهمرت ناعمة دافئة حلوة كقطرات ندى على بتلات ورد ...


إحساسها الجديد به يتراقص بين ضلوعها بتلك اللذة المستحدثة...


فتغمض عينيها وكأنها تخشى أن يكون كل هذا مجرد حلم تحرمها منه قريب يقظة ...


أناملها تحتضن ساعديه على خصرها بقوة فيخفق قلبه أكثر وهو يشعر بتجاوبها الغريب على نفورها القديم ...


يبتسم أخيراً برضا وهو يديرها نحوه ليهمس لها بأسف:


_هاضطر أسيبك ساعة واحدة بس عشان زمايلي عايزينني تحت...وبعدها هنروح مكان ما تحبي.


_خدني أي مكان نشوف البحر ...نفسي من زمان أروحه معاك.


قالتها بلهفة ليبتسم وهو يهز رأسه بقوله:


_تعرفي؟! قبل ما تيجي هنا بشوية كنت ببص للبحر وبفتكر أد إيه ما بحبوش.


فارتفع حاجباها بدهشة للحظة قبل أن ترفع ذراعيها لتتعلق بعنقه هامسة بدلال واثق:


_تؤ...ده كان زمان...إديني فرصة المرة دي وهاخلليك تعشقه زي مابعشقه.


_هنشوف يا غلباوية!


قالها بتحدٍ عابث وهو يقرص وجنتها مشاكساً ثم منحها هدية ناعمة على شفتيها قبل أن يغادر الغرفة تلاحقه نظراتها المفعمة بعشقها ...


وبعدها بقليل كانت تجاوره في جلستهما على أحد شواطئ المعمورة يراقبان الغروب ...


أناملهما متشابكة ...عيناها متعلقتان بالبحر وعيناه متعلقتان بها هي...


صمتها الآن كان غريباً على طبيعتها المنطلقة بعفويتها ...


لهذا قرب كرسيه منها أكثر قائلاً بحنان امتزج بقلقه:


_ساكتة ليه؟!


التفتت نحوه لتروعه هذه الدموع التي تجمعت في عينيها دون أن تسقط ...


فانعقد حاجباه ليضم كفها عفوياً لصدره مردفاً:


_مالك؟!


أخذت نفساً عميقاً ثم أسندت جبينها لكتفه هامسة :


_افتكرت ماما الله يرحمها...آخر مرة جيت فيها الاسكندرية وقعدت فيها قعدة زي دي كانت معاها .


_واضح إنك كنتِ مرتبطة بيها قوي.


همس بها بحنان وهو يمسح دمعة سقطت من طرف عينها فرفعت وجهها إليه لتقول بشرود:


_هي اللي علمتني أبقى قوية ...هي اللي زرعت جوايا الطموح والتفاؤل والثقة في نفسي وفي الناس...كانت عارفة إنها بتربي لوحدها من غير أب يسند عشان كده كان كل همها إنها تبني بنت ما تتكسرش ولا تحتاج حد ...تعرف لو كانت عايشة عمرها ما كانت هتوافق إني أتجوز واحد زي رامي بالطريقة دي وبالسرعة اللي...


_ما تجيبيش سيرته ولا حتى تقولي اسمه...انتِ فاهمة؟!


هتف بها بحدة مفاجئة يقاطعها لترتجف بين ذراعيه مأخوذة للحظة قبل أن تشيح بوجهها ...


فأطلق سباباً ساخطاً ثم زفر زفرة مشتعلة قبل أن يعيد وجهها نحوه


قائلاً بعينين متقدتين غضباً:


_ماتزعليش مني بس أنا دمي بيفور لما بتيجي سيرة الحيوان ده.


أغمضت عينيها بحزن دون رد فعاد يزفر من جديد ...


ثم صمت قليلاً ليقول وكأنه يسترضيها:


_إيه أجمل حاجة كنتِ بتعمليها مع مامتك على البحر؟!


ظلت مغمضة عينيها للحظات قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة حزينة وهي تفتحهما بقولها :


_مش هتصدق!


ابتسم ليحثها على البوح فعادت تغمض عينيها لتغمغم بشرود مسه الشجن:


_أجمل حاجة كنت بحبها منها على البحر لما كانت بتعلمني أعزف على الكمانجا...كانت عندها هواية من أيام باباها الله يرحمه...ورثتها عنه وورثتهالي...بس من ساعة ما ماتت ماقدرتش أمسكها بعدها...


ثم ضحكت ضحكة قصيرة لتستطرد ولازالت مغمضة العينين:


_الناس اللي على الشط كلهم كانوا بيتجمعوا حوالينا يسمعونا ...ناس تستغرب وناس تسقف...وناس تنتقد...بس ماما عمرها ما حطت في


بالها كلام الناس...كل همها كان أنا وبس...كانت دايماً تقوللي :أنا بعمللك جنة من الذكريات عشان لما ييجي بكره بناره تلاقي اللي يسندك...كأنها كانت حاسة إنها هتمشي وتسيبني.


هنا سالت دموعها على وجنتيها رغماً عنها فضمها لصدره بذراعه ليقول لها بتأثر غلبه:


_أنا حبيتها من كلامك عنها ...الله يرحمها.


لكنها مسحت دموعها بسرعة كعادتها لتهزم ضعفها بضحكة مصطنعة مع هتافها:


_أنا بعمل إيه بس؟! مالي قلبتها غم كده ليه ؟! أنا جايباك هنا عشان أغير رأيك في البحر .


ابتسم بعمق عاطفته وهو يقبل رأسها مدركاً محاولتها البائسة لتجاوز حزنها ككل مرة ...


قبل أن يشاكسها بقوله العابث:


_عشان أنا طيب بس...ممكن أسمحلك بفرصة تانية ...اتفضلي الميكروفون مع حضرتك.


فجارته مزاحاً بمزاح لتخبطه برفق على ظاهر كفه بقولها :


_ده بدل ما تقوللي كفاية وجودك جنبي هنا عشان أحب البحر زي ما بحبك.


قهقه ضاحكاً للحظات فعادت تخبطه على كفه بعتاب مازح...


ليهتف هو بها :


_طب بذمتك...عمرك تصدقي إني ممكن أقول الكلمتين دول؟!


فتنهدت بحرارة لتعود برأسها للوراء مستندة على ظهر كرسيها مع قولها الشارد:


_ليه لا؟! كل اللي حلمت بيه معاك اتحقق...


ثم عادت تلتفت إليه مردفة:


_مش هيأس منك ...وراك وراك لحد ما تقولها بلسانك زي ما بتقولها بعينيك.


ابتسم بما بدا كسخرية لكنها كانت تفهم بخبرتها ما وراء ابتسامة كهذه...


فتناولت كفه لتبسطه على راحتها ثم شرعت ترسم عليه بسبابتها رمزهما المميز الذي اخترعته له منذ عشقته...


حرف الياء بالعربية الذي ينثني طرفه ليصنع شكل القلب الشهير ...


ورغم بساطة حركتها لكنه شعر بها تعصف بكيانه ...


كل ما فيها سهل...بسيط...سلس...كأنفاسه عندما تدخل صدره وتغادره...


لكنه فخم...عظيم...مقدس...ك"سر الروح" الذي لم يفطن إليه أحد !


لهذا مد أنامله الحرة ليحتضن كفيهما معاً فرفعت إليه وجهها لتتعاطى العيون ما بخلت به الألسنة ...


دقيقة...اثنتان...عشرة...أو ربما مائة...


لا جدوى للعدد هاهنا...فهذه اللحظات تفر كاللص من حساب الزمن...


لكنها كانت أول من انتبهت من سكرتهما العاطفية هذه عندما عم الظلام ليرتجف صوتها وهي تغمغم بقلق صار يتفهمه:


_الدنيا ضلمت ياللا نمشي.


ابتسم مشفقاً وهو يدرك خوفها من الظلام ليقوم معها ولايزال يقبض على كفها ...


فيسير معها على الرمال صامتاً لبعض دقائق ...


قبل أن يقول لها ما بين جد وهزل:


_لو جينا هنا تاني ممكن أغير رأيي في البحر.


ابتسمت وهي تلصق نفسها به أكثر فضغط كفها في راحته ليردف بنبرة أكثر مرحاً:


_ولو في يوم ربنا رزقنا ببنت...معنديش مانع تعلميها عزف الكمانجا...


خفق قلبها بقوة وكلماته تنعش أملاً خفياً في نفسها ...


أملاً تخشى حتى مجرد تصديقه...


وتتركه -طوعاً وقسراً- فريسة سهلة لهواجس ماضيها!!


فدمعت عيناها بألم وليد أمل ...


لكنه نجح في انتزاع ابتسامتها من جديد بقوله المشتعل بفظاظة غيرته:


_بس هادفنكم سوا لو عزفتي معاها ع الشط قدام الناس!


========


_مفاجأة!!


هتفن بها جميعاً في نفس الوقت فانتفض مندهشاً وهو يفتح باب شقته ليجد أمه وبنات خالته وأشرف مع ياسمين ملتفين حول مائدة السفرة التي اعتلتها كعكة عيد ميلاد كبيرة...


فابتسم رغماً عنه لكنه كتم رضاه خلف ملامحه الجادة وهو يتقدم منهم قائلاً باستنكار مصطنع:


_إيه ده ؟! هو أنا لسه عيل صغير بتعملوا له عيد ميلاد؟! من امتى أنا بتاع الحاجات دي؟!


_قلت لهم كده ...هي اللي صممت!


هتفت بها داليا بتحفز مشيرة لياسمين التي التفتت نحوه لتقول برقتها المعهودة:


_ده أول عيد ميلاد لك واحنا مع بعض ...حبيت يكون مختلف.


ورغم الامتنان الطاغي الذي شع من نظراته لكنه تجاهل الرد وهو يصافح أشرف بقوله:


_حتى انت يا "عاقل" مهاودهم على الجنان ده ؟!


ابتسم أشرف ابتسامة شاردة أقلقته وهو يشعر بشيء ما غريب في


ملامحه لكن هانيا جذبت انتباهه أكثر عندما تقدمت منه لتصافحه هاتفة بحرارة :


_كل سنة وانت طيب يا يامن.


_فين رامز ؟! ما جاش ليه؟!


سألها وهو يتلفت حوله فتغيرت ملامحها للحظة قبل أن تبتسم بتصنع لتجيبه:


_مشغول شوية ...معلش.


رمقها بنظرة متفحصة وهو يشعر أنها هي الأخرى تخفي عنه شيئاً فانفرجت شفتاه وهو يهم بسؤالها لكنه ما كاد يفعل حتى بادرته نبيلة بقولها :


_كل سنة وانت طيب .


ربما في ظروف أخرى ما كانت عبارتها لتجد كل هذا التأثير في قلبه...


لكنه -وللعجب- وجد في نفسه صدى غريباً لكلماتها...


ربما هو الدفء الذي شعر به يطوق حروفها ...


دفء غريب على برودة علاقتهما المعهودة...


دفء لم ينل نصيبه من كلماتها فحسب بل من نظرات عينيها التي التمعت ببريق حقيقي ...وكأنه بريق دموع!


لهذا اتسعت عيناه قليلاً وهو يرد عليها رداً تقليدياً بينما يمد يده إليها مصافحاً كالعادة ...


هل هيئ إليه أنها اندفعت بجسدها قليلاً ...قليلاً جداً للأمام وكأنها ستعانقه ؟!


ربما...


ابتسامتها المرتجفة على شفتيها تقول :نعم....


لكن كبرياءها العنيد في نظراتها يقسم أن...لا!


لهذا تجمد مكانه للحظات قبل أن يصافحها تقليدياً وعيناه العنيدتان تتحاشيان عينيها ...


_ياللا نطفي الشمع.


هتفت بها ياسمين بسعادة وهي تتأبط ذراعه لتتقدم به نحو المائدة فمال على أذنها هامساً بنبرة متوعدة لم تخلُ من مرح:


_خفي الدلع شوية ...أشرف موجود.


أومأت برأسها في طاعة فرحة بغيرته كالعادة فابتسم وهو يتفحصها بنظراته ...


ثوبها الفيروزي الهادئ الذي غطى جسدها الضئيل كاملاً والذي أضفى ظلاله على عينيها العسليتين ليمنحهما طيفاً سماوياً زادهما فتنة...


ورغم أن حجابها العريض الذي غطى مقدمة صدرها أرضى غيرته لكنه أفسد عليه مزاجه العابث الذي كان يشتهي التدقيق كما يجب ...


_حلو قوي فستانها ...صح؟!


قالتها نبيلة بمكر أنثوي وهي تلاحظ تعلق نظر ابنها بزوجته فتنحنح ليقول بخشونة:


_كويس.


قالها وقد ساءه أن تلفت عبارة أمه نظر أشرف إلى ياسمين التي كانت تفهم شعوره من خبرتها القديمة به لهذا غيرت الموضوع بسرعة:


_أنا اللي عاملة كل حاجة بإيدي ...بجهز من امبارح .


توهجت عيناه بإعجاب وهو يطالع المائدة أمامه ...


والتي افترشتها العديد من الأصناف تتوسطها كعكة كبيرة بالشيكولاتة السوداء اعتلتها صورة مبتسمة له -كما اتفق- وقد زينت طرفها ب"رمزهما" المميز لحرف الياء الذي تقدسه ...


_تسلم إيديكِ .


قالها جميعهم عدا داليا التي أعمتها غيرتها كالمعتاد...


وعداه هو الذي ود لو يغيرها بقوله:"يسلم قلبك"!


أجل...هو أكثر من كان يدرك الآن أنها صنعت كل هذا مدفوعة بعشق قلب ليس كأي قلب!


هنا تعاود وساوسه مهاجمته...


ذكريات متباعدة من كوابيسه الليلية المعتادة تجتاحه بقسوة...


لكنه يغمض عينيه بقوة مقاوماً جحيم نفسه ليسمعهم جميعاً يغنون أغنية عيد الميلاد الشهيرة...


قلبه يرتجف بفرحة لم يعرفها من قبل بهذا العمق...


عيناه تدوران بينهم كتصوير "كاميرا" بطيئ...


تتمهلان على ملامح كل فرد فيهم وكأنه يتشبث بهذا الحب ...


ملامحه شبه متجمدة صلبة كعهده...


وحدها روحه تُحلّق!


يفتح عينيه أخيراً ليشعر بكفها يحتضن كفه ...يلتفت نحوها بابتسامة حب تسع الكون كله...


فتجزيه عنها عيناها جنة من عشق سرمدي!


_طفي الشمع.


قالتها بصوت يتراقص سعادة فانحنى بجذعه معهم ليطفئوا جميعاً شموع الكعكة التي وضعتها ياسمين بعدد سنوات عشقها له...


وحده هو وهي كانا يدركان سر العدد...


وبعيداً عن تأقلم لسانيهما التقليدي مع الحضور ...


كان قلباهما يتراقصان معاً رقصتهما الخاصة وحدهما !


وفي مكانها وقفت هانيا تقلب بصرها بين يامن وزوجته...ورانيا وزوجها ...


نظراتها تفضح حسرة وعجزاً عجزت عن كظمه وهي تشعر بغصة في حلقها ...


هي تحاول تغييب عقلها عن وعيه منذ تلك الليلة العصيبة التي تركت فيها رامز في حفل الزفاف مع غادة...


غادة البائسة التي ملت كثرة اتصالاتها لها بينما ترد عليها هي باقتضاب متعللة بانشغالها في المذاكرة...


لا بالطبع لم تخبرها عما سمعته تلك الليلة...


ولن تفعل!


كبرياؤها لن يسمح لها أن تضع نفسها في هذا الموقف!


هل تشك حقاً بوجود مشاعر ما بين صديقتها وزوجها؟!


لا...نعم...بل...ربما!!


هي لا تدري...لم تعد تدري...


هي تعرف الكثير عن سلبية غادة وضعف شخصيتها ...


فكيف لو ترافق هذا مع ماضي زوجها الذي اعترف به بنفسه ؟!


هل خانها رامز حقاً ولو بعقله؟!


هل وجد ضالته المنشودة في دلال امرأة مع مغناج بطبيعتها كغادة ؟!


هل نفد رصيد عشقها هي الذي كان يدعيه؟!


هل ستواجه أسوأ مخاوفها بفقده كما كانت تخشى؟!


_تعالي معايا يا هانيا.


شهقت بعنف لتفيق من شرودها على عبارة يامن خلفها فالتفتت نحوه لتطالعها عيناه القلقتان ...


ازدردت ريقها بتوتر وهي تسير خلفه مبتعدين عن الحضور حتى وصلا إلى الشرفة الخارجية فبادرها بقوله :


_فيه إيه بقا بالضبط؟! وإياك تقولي مفيش!


راودتها نفسها بالكذب للحظة لكنها كانت تحتاج حقاً من تبوح له بمخاوفها ...


فتنهدت بحرارة لتحكي له ما حدث كما تراه...


ظل صامتاً يستمع إليها بصبر ولم تكد تنتهي من سرد موقف ليلة الزفاف الأخير حتى هتف بها بحنق:


_وطبعاً هربتِ وسبتِ الأمور متعلقة من يومها!


_ماقدرتش أواجهه يا يامن...ماقدرتش!


هتفت بها لتنهار في البكاء فجأة فزفر بقوة ليقترب منها أكثر بقوله الحازم:


_دي غلطتك من الأول وأنا حذرتك...ماينفعش تحطي البنزين جنب النار وبعدين ترجعي تستغربي.


انخرطت في بكائها أكثر فرق لها قلبه ليصمت قليلاً قبل أن يعاود سؤالها بنبرة أكثر رفقاً:


_ما كلمكيش من يومها؟!


هزت رأسها نفياً وهي تمسح دموعها لتغمغم بعجز:


_أبداً...كأنه ما صدق .


عقد حاجبيه بغضب ليهتف بحمائيته المعهودة:


_وأنا مش هاسيبه معلقك كده .


_هتعمل إيه؟!


هتفت بها بذعر أبت الاعتراف به فزم شفتيه بقوة ليهتف بها :


_لسه باقية عليه؟!


اتسعت عيناها قليلاً مع ارتجافة شفتيها وهي لا تعرف الإجابة...


_قولي آه أو لا!


هتف بها بحزم لترد بمواربة:


_لو اتأكدت إنه فعلاً خانني أكيد مش هافضل مع راجل خاين.


_هو ده اللي كنت عايز أسمعه بالضبط!


قالها ملوحاً بسبابته في وجهها ليردف بنفس الحزم:


_"لو اتأكدتِ" دي !....و دي بقا مش هتيجي لحد عندك وانتِ حابسة نفسك وسط كتبك ومذاكرتك ودافنة راسك في الرمل ...عشان كده لازم أتكلم معاه عشان أشوف نيته وأسمع منه .


_لا!


هتفت بها قاطعة لتردف بصوت عادت إليه قوته:


_مش هاخد أنا الخطوة الأولى يا يامن...لو كلمته انت هيقول إني ضعفت وبجرّ ناعم...أرجوك ...عشان خاطري سيبني أنا أحلها.


_هتعملي إيه ؟!


_هتأكد أنا بطريقتي ...ولو طلع اللي في دماغي صح...مش هافضل على ذمته لحظة واحدة .


قالتها صارمة وكأنما تلبستها روح امرأة أخرى غير هذه التي كانت تبكي منذ قليل ...


فأطرق برأسه قليلاً ثم رفع إليها عينيه بقوله الآسف:


_كان نفسي أخالفك في قرارك...بس...إلا الخيانة...دي بالذات ما بسامحش فيها لا ليّ ولا للّي يخصني.


عادت عيناها تدمعان لكنها تصنعت التماسك لتمنحه ابتسامة واهنة مع قولها:


_ما تقلقش عليّ...انت عارفني شبهك...ما بتكسرش.


التوت شفتاه بابتسامة ساخرة حملت مرارته وهو يرمقها بنظرات مشفقة...


هؤلاء الذين يدعون أنهم أقوياء لا ينكسرون هم أول من تحطمت حصون بواطنهم فلم تذر سوى قشرة واهية !


لهذا تنهد أخيراً بحرارة وهو يود لو يخبرها :


_وعشان شبهي ...خايف عليكِ تتكسري.


لكنه استبدلها بعناد يماثل عناد كبريائها:


_أيوة كده...هي دي هانيا اللي أنا عارفها .


اتسعت ابتسامتها المصطنعة وهي تغير الموضوع بقولها:


_سيبك من كل ده...كل سنة وانت طيب...أنا فرحانة قوي عشانك...ياسمين شكلها فعلاً بتحبك قوي.


ابتسم وهو يلتفت برأسه للداخل فجأة يبحث عنها ليجد عينيها كالعادة تلاحقانه...وكأنما لا تريان غيره !


عجباً ...هو يشعر أنه اشتاقها في هذه الدقائق القليلة التي قضاها مع ابنة خالته ...


لكن اشتياقه لا يُقارن بهذه النظرة العميقة في عينيها التي ترمقه بها...


وكأنه تركها منذ مائة عام.


إلى متى سيظل يشعر أنها تتفوق عليه عشقاً؟!


مركزها الأول على قمة هرم الحب لا يبدو أنه سيتمكن يوماً من منافستها فيه!


لكن...هل يريد حقاً أن يفعل؟!


لا...فلتعشقه حتى تبلغ حدود منتهاها ...


حلالٌ في عرف هذا الحب الأنانية!


_اشمعنا هانيا اللي خدتها تكلمها لوحدها وتطمن عليها ؟!


هتفت بها داليا بسخط وهي تفاجئهما بوقفتها المتنمرة مستندة على باب الشرفة فابتسمت هانيا لتتقدم نحوها قائلة بخجل:


_انتِ لسة زعلانة مني من يومها ...خلاص بقا يا بنتي ...قلت لك اتلبخت والله ...نسيت!


قالتها وهي تتذكر ذاك اليوم الذي وعدتها فيه بصحبتها للغداء كي تطمئن على أحوالها لكنها نسيت الموعد برمته وسط انغماسها في مشكلتها هي الخاصة...


هذا الذي لم تمرره داليا بسهولة كما يبدو ...


وها هي ذي ترمقها بنظرتها الحادة مع قولها:


_الله يكون في العون ...ماعدتش بزعل من حد!


_سيبينا لوحدنا يا هانيا.


قالها يامن حازماً فامتثلت لأمره قبل أن يشير بيده نحو داليا أن اقتربي ...


فتقدمت نحوه ولازالت عاقدة ساعديها بتحدٍ صامت ليهز رأسه بأسف قائلاً:


_أحوالك مش عاجباني.


دمعت عيناها لكنها أشاحت بوجهها بعناد مما أثار حفيظته أكثر ليردف بنبرة أكثر حدة:


_أنا مش عارف انتِ ليه دايماً كده ؟! ليه دايماً حاسة إن فيه حاجة ناقصاكِ؟! ليه بتتعمدي تأذي الناس بكلامك وتصرفاتك ؟! احنا مقصرين معاكِ في إيه ؟!


التفتت نحوه بحدة وشفتاها تقسمان أنها على وشك التفوه بما ستندم عليه...


لكنها أطبقتهما بقوة لتستبدل هذا بدموع عينيها الصامتة...


فاستغفر الله بصوت مسموع ليقترب منها خطوة قائلاً بنبرة لانت كثيراً:


_انتِ عارفة لما خالتي الله يرحمها ماتت كان عندك كام سنة؟! عارفة إنتِ بالذات وسط إخواتك تبقي عندي إيه ؟!


ورغم أن الحنان المغلف لكلماته مس قلبها بصدقه لكن طبيعتها المتمردة لم تشأ الاعتراف بهذا ...


لهذا لوحت بذراعيها قائلة بغضب وسط دموعها:


_كل واحد فيكم داير في ملكوته ...محدش حاسس بي ولا مهتم يعرف عني حاجة ...كل همكم رحت فين ...جيت امتى ...ذاكرت واللا لا...ولو اتكلمت تعايرني بالسجن الذهب اللي حاططني فيه .


_أعايرك؟!


هتف بها باستنكار ساخط ليخزها بسبابته في كتفها ببعض العنف مردفاً :


_انتِ مقدرة كلامك ده واللا مش مقدراه؟! لو دماغك صغير ما تلوميناش لو عاملناكِ على أد تفكيرك...أنا مش فاهم بالظبط انت عايزة إيه ؟! كل طلباتك مجابة...على أد ما بيسمح وقتي بزوركم كل يوم عشان أطمن عليكم...لسه الأسبوع اللي فات جايب لك عربية بسواق مخصوص عشان توصلك أي حتة عايزة تروحيها ...عايزة إيه تاني؟!


_انت ماجبتش العربية عشان تريحني ...انت جبتها عشان تراقبني وتحدد حريتي!


هتفت بها مكابرة وهذا الأمر بالذات يثير حفيظتها كثيراً ...


ورغم أنه كان يعلم أنها على حق فهو فعلها بعد تحذير مروان له ...


لكنها هتف مكابراً هو الآخر:


_حتى لو كده ! هو ده مش برضه خوف عليكِ وعلى مصلحتك ؟!


_أنا ماعدتش صغيرة وعارفة مصلحتي كويس!


هتفت بها بنزقها المعهود فتأفف بضجر محاولاً كظم غيظه ليقول لها أخيراً:


_ماشي...قولي لي عايزة إيه دلوقت بعد المحاضرة الطويلة دي!


_مش عايزة حاجة...بكرة هاستغنى بنفسي وماعدتش هاعوز حاجة من حد!


_يعني إيه بقا الكلام ده ؟!


هتف بها بنبرة مهددة وعيناه تشتعلان بغضبه الذي أخافها لترتجف شفتاها قليلاً قبل أن تقول بنبرة خاضعة مرتبكة:


_مفيش...قصدي لما آخد شهادتي .


رمقها بنظرة متشككة للحظات وهو يشعر بالعجز مع هذه الصغيرة


بالذات...


رأسها العنيد المفعم بأفكار لا يعرفها لكنه يستشعر خطورتها ...


ماذا عساه يصنع معها ؟!


"جيل مهبب!!"


هكذا تمتم في نفسه بسخط وهو يشعر أنها تخفي عنه شيئاً لكنه كان


خالي اليد معها إزاء إصرارها على الصمت...


وهاهي ذي تلملم أذيال ثورتها لتردف بخنوع لم يخدعه:


_عموماً كل سنة وانت طيب...معلش لو عكننت عليك الليلة دي!


فعقد حاجبيه بضجر ثم تنهد ليقول بحزمه الحاني:


_خللي بالك من نفسك يا داليا ...ولو عزتِ تاخدي رأيي في أي حاجة أنا هاسمعك للآخر ...بس شيلي من دماغك الأفكار السودة دي ...


أومأت برأسها مخفية عنه نظراتها المفعمة بشعورها بالذنب "مما تخفيه عنه"...


ليردف هو بابتسامة واهنة:


_لو جبتِ التقدير السنة دي...هاسفرك بره ...مش كان نفسك تروحي تركيا أو دبي؟!


التمعت عيناها بلهفة طفولية أرضته وهي ترفع رأسها إليه ...


فاتسعت ابتسامته الحانية وهو يخبطها بخفة على رأسها قائلاً ببعض الارتياح :


_ياللا يا مجنونة ندخل لهم ...بطلي دلع.


دخلت أمامه وهي تشعر بنفس دوامة التخبط تعاود مداهمتها ...


اتفاقها "الخفي" مع معتز يخز ضميرها لكنها لم تستطع ليلة هاتفها أن ترفض عرضه المغري...


ستكون نجمة مثل بيللا !


لن يتحكم فيها أحد بل ستكون سيدة قرارها...


قِبلة العيون...ومحط الأنظار...


لا يهم ما الذي ستخسره في المقابل ...


هي مغامرة ستخوضها مستمتعة بنشوتها للنهاية !!


عاشقها المجهول؟!


لا ...لم تخبره عن هذا بالطبع!


رغم أنها تحدثه يومياً عبر الرسائل الالكترونية ...


لكنها تكتفي بسرد أحداث يومها العادية وكأنه فقط مجرد صديق...


لقلبها رأي آخر؟!


بصراحة...نعم!


هي لا تدري سر هذه الجاذبية التي تحوط شخصه الخفي لكنها صارت تستعذب حديثه...ملاحظاته...أفكاره...نصائحه التي لا تدري لماذا لا تضيق بها كالمعتاد...


نكاته التي لايزال يصر أن يجعلها بالفصحى رغم تقاربهما المتزايد ...


ومع هذا لم تعد تراها ثقيلة الظل...


بل صارت تحسها لذيذة ...مثله!


أجل...هو هالة مميزة وحده وسط فوضى حياتها المبعثرة!


هيثم؟!


شعور جارف بالحنين نحو صداقته لكنه يخفت يوماً بعد يوم ...


لقد تخلى عنها -كما تظن- وهي لم تكن يوماً بمن يتشبث بالذي أعطاها ظهره!


مروان "القبيح"؟!


هذا الذي يغزو فكرها بين آن وآخر بشعور وجل ...


هو لم يتعرض لها منذ تلك الليلة التي قابلها فيها ...لكنها اصطدمت به يوماً وهي في طريقها للجامعة قبل أن يقرر يامن أن يخصص لها سيارة بسائقها...


لم يحدثها يومها مكتفياً بنظرة عميقة طويلة...


لكنها تشعر بتهديد مستتر من ناحيته ...


لا بأس !


غداً ستحقق ما تطمح إليه مع معتز الشريف...


ساعتها لن تشعر بخوف من أحد ...ولن يكبل آمالها أحد!


======


أغلق الباب خلفهم بعد خروجهم ليلتفت نحوها بنظرة طويلة صامتة...


فاقتربت منه لتتعلق بعنقه هامسة بحرارة:


_كل سنة وانت طيب ...يا طيب.


_وانت أطيب.


همس بها بحنان فاض وسط حروفه القليلة وهو يضمها إليه فمرغت وجهها في صدره وهي تهمس له بصوت متهدج:


_من يوم ما عرفت التاريخ ده وأنا حافظاه في دماغي...بحلم باليوم اللي هيبقى من حقي فيه إني أحتفل بيه معاك...مش مصدقة إن خلاص جه اليوم ده.


أغمض عينيه بقوة كاتماً تأثره من هذا الصدق الذي كان يشع من كلماتها ...


بينما رفعت هي إليه عينيها لتتحسس وجهه بأناملها وكأنها حقاً لا تصدق أن حلمها تحقق ...


ليتنحنح متمالكاً مشاعره بقوله:


_تعبتِ قوي النهارده ...ليه ماخلتيش حد يساعدك في تحضير الأكل؟!


ولا تزال كلماتها العذبة تكتسح حصونه:


_تعبت؟! ده أنا عمري ما حسيت بفرحة معاك زي الليلة دي! كفاية إحساسي بنظرة عينيك واحنا كلنا ملمومين حواليك...وانت وسطنا حاسس أد إيه بنحبك...عينيك بتلمع اللمعة اللي أنا بس بحسها لما بتضحك من قلبك...ملامحك متطمنة إننا معاك مش هنسيبك ولا هنخذلك...قلبك كأني سامعة صوت دقاته في مكاني.


فالتوت شفتاه بابتسامة شجن وأنامله تعزف لحناً شارداً على خصرها للحظات...


قبل أن تبتعد هي لتقول بنفس النبرة الحالمة التي خالطها الآن شيء من المرح:


_استناني دقيقة...هاجيب لك هديتك.


ارتفع حاجباه بدهشة للحظة وهو يتابعها تعدو بخطواتها المنطلقة نحو غرفتها لتعود بعد دقيقة حاملةً شيئاً ما في قبضتها المتكورة...


قبل أن تقترب منه وقد أخفت ذراعيها خلف ظهرها قائلة بنفس المرح الشغوف:


_غمض عينيك.


خفق قلبه بعمق عاطفته وهو يمتثل لرغبتها بترقب لا يليق برجل مثله ظن يوماً أنه لم يعد في هذا الكون ما يغريه!


والآن يجد نفسه يتواثب كطفل فوق مربعات غرامها السحرية منتظراً مفاجآتها !


ليفيق من أفكاره على ملمس أناملها الناعم على إصبعه الذي طوقته بخاتمها مع همسها الدافئ:


_دلوقت بس حاسة من حقي إني ألبسك دبلتي.


فتح عينيه ببطء ليتطلع لذاك الخاتم المميز بفصه "الأسود" الثمين الذي استقر في بنصره ...


والذي قبلته هي الآن بعمق لتردف وعيناها تجتاحان عينيه ...


بل كيانه كله:


_مش هتقلعه يا يامن ...مش هتقلعه أبداً !


برجاء...


بحزم...وربما بدت كدعاء خاشع ...قالتها !


لكن المؤكد أنها حملت طوفاناً غامراً من عشق اكتسحه ليجد شفتيه تتمتمان دون إرادة :


_أبداً.


دمعت عيناها وهي تعاود التعلق بعنقه فاعتصرها بين ذراعيه للحظات بدت وكأنها طويلة ...


طويلة بعمر الزمن !


وقصيرة...


قصيرة...بعمر الفرح!


دقات قلبيهما تتعانق قبل جسديهما...


والأنفاس الحارة تحكي ألف قصة للشغف...


كيف يمكن أن يختزل العالم في عناق؟!


أن يختزل العمر في ساعة؟!


أن يختزل العشق في جسد بهذه الضآلة وفي قلبٍ بهذه السِعة؟!


_أنا كمان جبتلك هدية.


همس بها وهو يبعدها أخيراً لتلتمع عيناها بترقب فرح مع ضحكتها:


_بس ده عيد ميلادك انت...مش أنا.


_من غيرك ماكانش هيبقى حلو كده.


قالها صادقاً فتوهجت ملامحها بعاطفتها وهي تهتف بانطلاقها المعهود:


_شكراً يا ط...آه...


انقطعت عبارتها بصيحة دهشة عندما انحنى ليحملها فجأة بين ذراعيه كطفلة ليتوجه بها نحو الدرج فتعلقت بعنقه وهي تهتف بين خجل وفرح:


_طب شايلني ليه ؟! نزلني وهاطلع أنا.


_شششش...هتسكتي واللا أطلع قرار ديكتاتوري الليلة دي ما تتكلميش خالص؟! وبالمناسبة...الليلة طويلة !


توردت وجنتاها بخجل وقلبها يخفق بتلك الدغدغة اللذيذة التي أنستها خوفها المعهود في تقارب كهذا ...


لتجد نفسها تخفي وجهها في صدره مغمغمة بمرح خجول:


_خلاص سكتنا!


شدد ضغط ذراعيه حولها وهو يصعد حاملاً إياها حتى غرفته التي أرقدها برفق على فراشها


قبل أن يلوح بسبابته في وجهها قائلاً بعينين ملتمعتين :


_هتقعدي هنا لحد ما أنزل أجيب حاجة م العربية وأرجع...لو فتحت عينيك قبل ما أطلع هاعاقبك بطريقتي...هه؟!


ازداد احمرار وجنتيها المنفعل وهي تغمض عينيها لتومئ برأسها في طاعة جازاها عنها بهدية ناعمة على شفتيها قبل أن تشعر به يبتعد ليغادر الغرفة...


تنهدت بحرارة وهي تغمض عينيها أكثر وكأنها لا تريد أن تفتحهما...


ما الذي يمكنها رؤيته الآن أفضل من هذا الفردوس العامر الذي يعدو فيه قلبها ؟!


من هذه السماء التي بسطت لها من الغيمات سلّماً ودعتها لترتقي درجاته ؟!


من هذه النجوم التي تكدست تحت قدميها لترفعها نحو عناق القمر؟!


طائرة ...محلقة...بل طائفة سرمدية في مدار عشق ما كان له أن يفنى!


_شاطرة...فتحي عينيكِ!


قالها بصوته العابث الحبيب لينتزعها من شرودها ففتحت عينيها ببطء لتتلاشى ابتسامتها تدريجياً وهي ترى ما يحمله...


نظراتها تكتسي بحزن لم تملكه وهي تهمس بدهشة:


_كمانجا؟!


والدهشة البائسة في لكنتها كان لها ما يبرره وهي ترفع إليه عينيها بقولها المتذبذب:


_مش قلتلك إني ما عزفتش عليها من يوم ما ماما الله يرحمها ماتت...هي اللي علمتهالي...ومن ساعة ما ...


انتهت عبارتها المتلعثمة بأنة خافتة فتنهد بحرارة ثم جلس جوارها على طرف الفراش ليحتضن كفها بكفه هامساً بحزم حنون:


_عارف كل ده...بس جه الوقت إنك تتغلبي على حزن الماضي ...أنا متأكد إنك مشتاقة تعزفي عليها بس خايفة...والخوف ده هو اللي أنا نفسي تعديه...


ثم صمت لحظة ليردف:


_قصدي ..نعديه!


تجمعت الدموع في عينيها والآلة العزيزة تعيد إليها الذكرى الغالية فامتدت أناملها المرتجفة نحوها لكنه أبعدها بسرعة قائلاً بابتسامة لعوب:


_عايزة تعزفي كمانجا بالشوال اللي انت لابساه ده ؟!


فارتفع حاجباها باستنكار ناسب سؤالها:


_شوال؟! ده شوال؟!


قالتها وهي تتحسس ثوبها الأنيق الذي أشادت به نبيلة نفسها في الحفل ليرفع حاجبه مجيباً :


_آه ...مقارنةً بده!


قالها وهو يرفع بيده العلبة الضخمة التي انتبهت لها أخيراً والتي استخرج منها الآن ثوباً أرجوانياً استعرضه أمام عينيها الذاهلتين مع قوله:


_هه؟! شوال واللا مش شوال؟!


انفرجت شفتاها عن صيحة خافتة فغطتهما بأناملها وهي تتأمل الثوب الكارثي بتفاصيله...الرائعة..والمربكة!


وكيف لا؟!


وهي تراه متناهي القصر بلا أكمام...بلا أي شيء تقريباً!!!


فقط بعض الشرائط الرفيعة المتداخلة التي تشكل ظهره ...


بينما تزين صدره بفراشات منمنمة حملت كل ألوان الطيف بدرجة فاتحة رقيقة...


ليضيق خصره ويتسع ما بعده بتموجات مذهلة!


ازدردت ريقها بتوتر رغم إعجابها به وهي تتخيل شكلها فيه لتهمس له متلعثمة:


_بس ...ده...


لكنه وضع سبابته على شفتيها مقاطعاً ليحتوي نظراتها الخائفة بهمسه القاطع:


_قومي البسيه من غير كلام.


رمقته بنظرة مترددة لكنه جذبها من كفها ليقف ويوقفها معه مردفاً بنفس الحزم العابث:


_هتلبسيه بما يرضي الله واللا استنى ألبسهولك زي التي شيرت الأسود بما لا يرضي الله ؟!


ابتسمت رغماً عنها وهي تتذكر ما يحكي عنه لتتناوله منه متمتمة باستسلام:


_خللينا بما يرضي الله .


_أيوه كده !


قالها وهو يرفع إبهامه مع قبضته المضمومة بتلك الحركة الشهيرة في وجهها فضمت الثوب لصدرها وهي تتوجه نحو الحمام المرفق لغرفته بخطوات أثقلها ترددها...


أغلقت الباب خلفها لتنزع عنها ملابسها قبل أن تشرع في ارتداء الثوب...


نظرة قصيرة لنفسها في المرآة أتبعتها بإغماضة عين وجلة!


المشاهد تتوالى في عينيها بجحيم من ماضيها مع ذاك الوغد.....


قطرات العرق البارد تتجمع على جبينها ...


لكنها تتحسس عنقها ببطء وهي تتذكر ليلتها مع يامن في الفندق...


آهة واحدة منها كانت تكفيه ليبتعد...


يامن أبداً لن يؤذيها ...أبداً!


هنا فتحت عينيها من جديد لتطالع صورتها في المرآة بنظرة أخرى...


أكثر ثقة...أكثر رضا...وأكثر أماناً...


عيناها تلتمعان بترقب بينما أصابعها تربط شريط الثوب الخلفي لتزيد من التصاقه حول جسدها...


ابتسامتها ترتجف بخجل انتابه بعض العبث وهي تتوقع غزله لها عندما يراها...


وجنتاها تحترقان انفعالاً وجسدها يرتعش لكنها ترفع أناملها لتمشط شعرها بتلك الطريقة التي يحبها عندما تسدل بعضه على نصف وجهها بينما ترفع بقيته ليظهر وجنتها الطفولية الممتلئة وأذنها "المنمنم" كما يسميه!


تبتعد قليلاً عن المرآة لتحصل على صورة أكثر وضوحاً...


فيعود جسدها لرجفته وهي تتأرجح بين شعورها بالثقة والخوف...


_لسه كتير؟!


هتافه من الخارج أفزعها فاحتضنت جسدها بذراعيها وقد فكرت للحظة في نزع ذاك الثوب والعودة لثوبها القديم "الآمن"...


لكن...


_ياسمين...انتِ كويسة؟!


بهذه اللهجة الحنون القلقة جعلتها ترمق نفسها بنظرة واثقة أخرى قبل أن تتوجه نحو الباب لتفتحه....


وهناك كانت مفاجأتها التالية ...


فالغرفة كانت مغلقة الأضواء إلا من شمعتين كبيرتين هناك ...


مستديرتين بشكل قلب أحمر مستعرض ...


وتنبعث منهما رائحة التفاح التي تعشقها ...


ربما هذا ما خفف حدة توترها مع خوفها -المعهود- من الإضاءة الخافتة...


والمفاجئة هذه!


بينما لم يكن هو أقل تأثراً بمفاجأتها وهو يراها بهذا الثوب أجمل كثيراً مما تخيله...


شعرها الذي طالما أثاره منتفضاً بفوضوية حول ملامحها العجيبة بين براءة وإغواء...


وجسدها يلتف في هذا الثوب كثمرة عشق شهية...


وكأنما فرت فراشاته الرقيقة التي تناثرت على صدره من قلبها لقلبه مترنمة بحبهما معاً !


عيناه تتمهلان في سيرهما على طول جسدها حتى تصطدمان بقدميها الحافيتين اللتين تثيران جنونه أكثر...


هنا يرفع وجهه لعينيها لتروعه النظرة الخائفة التي سكنتهما...


فضمها إليه برفق هامساً:


_لو خايفة ...أفتح النور.


أومأت برأسها باستحسان فظهر بعض الخيبة في عينيه وهو يبتعد عنها نحو زر الإضاءة...


لكنه ما كاد يصل إليه حتى شعر بها خلفه ...


أناملها تحتضن أنامله تمنعها بهمسها المرتجف:


_لا....خلاص.


فارتسمت على شفتيه ابتسامة رائقة وهو يلتفت نحوها ليعانق ملامحها بنظراته الشغوف التي زادت ارتباكها...


هنا أخذ نفساً عميقاً متمالكاً شعوره ليجذبها نحو آلة الكمان هناك حيث ناولها لها قبل أن يجلسها برفق على الأريكة المجاورة للفراش قائلاً بصوت عاد إليه مرحه:


_وريني بقا العزف على أصوله.


فتنهدت بحرارة وهي تنظر لآلتها باشتياق ...


ليردف هو بنفس المرح:


_ما تسرحيش كده وتحسسيني بالعظمة...أنا كل ما اشوف البتاعة دي أفتكر عم مرزوق اللي كان بيسرح في شارعنا القديم بالربابة!


_ربابة!!


ضحكت بها بانطلاق خفف الكثير من توترها وزاد من اشتعال جسده هو ليقول بنبرة جادة هذه المرة:


_سمعت زمان إن اللي اخترع الكمانجا صممها عشان تفكره بحبيبته اللي سابته...رقبتها الطويلة...وسطها...جسمها...عملها عشان يعزف عليها ويحس إنه لسه معاها ...وهي لسه في حضنه.


كان يتعمد ذكر ما قاله وهو يلاحظ اشتعال وجنتيها أكثر مع كلماته الجموح...


فتمتمت بارتباك خجول وهي تشيح بوجهها عنه:


_ماسمعتش عن حاجة زي كده.


لكنه مد أنامله ليداعب خصلة شعرها التي غازلت وجنتها فيزيحها جانباً مع همسه :


_طب ياللا.


_ما بعرفش أعزف غير ألحان غربية وانت مابتحبش الأجنبي.


همست بها بنفس الارتباك وهي تتجنب النظر لعينيه المشتعلتين بعاطفتهما...


فرفع ذقنها إليه ليهمس بنبرة ذات مغزى:


_مش هتبقى أول مرة أغير فيها ذوقي عشانك.


ارتعشت شفتاها بابتسامة غنية وهي تشعر أخيراً ببعض الثقة التي جعلتها تتنفس بعمق...


قبل أن تغمض عينيها لتميل رأسها الذي أسندته على الكمان بينما تداعب أناملها طرفه والعصا السحرية تتحرك عليه كأنما تداعب قلبه هو...


يراقبها مأخوذاً وهو يشعر وكأنما ملامحها الصامتة تحكي ألف حكاية وحكاية...


جسدها يتفاعل مع اللحن تأثراً فيجاوبه جسده تأثراً وهو لا يدري ما السر...


طالما كره هذه الألحان الغربية -حتى عندما كان في لندن- زاعماً أنها تصيب أذنه ب"تلوث سمعي"...


لكنه الآن يشعر بلحنها الذي اختارته وكأنما حمله لقطعة من الجنة !


ربما لأنه كان هادئاً شجياً بلا صخب ولا تدرج...


بل كان انسيابياً رائقاً...مثلها!


وأمامه كانت هي غائبة بلحنها عن كل شيء...


هذه المقطوعة بالذات كانت تعزفها لها أمها وهي تجلس معها في غرفتها على الأرض...


والآن تشعر وكأنما تستحضر روحها ...


هذا الشعور الذي منحها الكثير من الأمان وهي تستعيد عينيها بنظرتهما الحانية...


وكلماتها التي طالما بذرت فيها الثقة!


يالله!


هذا هو ما تحتاجه الآن بالضبط!!


الأمان...الثقة...


و...الاستسلام!


أجل...الاستسلام لا عن ضعف بل عن رغبة قوية في المنح!


لهذا توقفت أخيراً عن العزف لتفتح عينيها اللتين دارتا في الغرفة ببعض الدهشة...


لماذا تشعر وكأن هذه الدقائق التي قضتها مع لحن العزيزة الراحلة قد ردت إليها جزءاً مفقوداً من روحها...


وكأن الأيام لم تمر ...


وكأنها لم تخسر عمرها مع الخاسرين!


وكأنها لاتزال فتاة تتشبث بعناق أمها فتمنحها الدعم بلا حدود!


_برافو...جميل!


قالها باستحسان فنظرت إليه نظرة غريبة قبل أن تضع ما بيدها جانباً لتقف مكانها قائلة بانفعال:


_أول مرة أبقى مش قادرة أوصف إحساسي...


ثم التفتت نحوه لتردف بصوت مرتجف:


_متعرفش أد إيه كنت محتاجة العزف ده.


_لا عارف.


همس بها بيقين وهو يقف بدوره ليمسك كتفيها مردفاً بحنان:


_فاكرة يوم ما قلتيلي إن ساعات الحاجات اللي بنهرب منها بتطلع هي اللي احنا محتاجينها عشان تقوينا؟!


امتلأت عيناها بالدموع وهي تومئ برأسها فضمها إليه بقوة ليهمس جوار أذنها:


_عمري ما كنت أصدق إن فيه اتنين يكملوا بعض زيي أنا وانت.


فابتسمت وهي ترفع له عينيها الدامعتين بهمسها :


_مش قلتلك؟! رغم إننا نبان عكس بعض بس أنا من الأول كنت عارفة إننا شبه بعض قوي...أنا مش بس بحبك...أنا بحس إن روحي متعلقة بيك...كل نفس بيخرج مني..


انقطعت كلماتها بين شفتيه وقد عجز عن مقاومة إحساسه بهذا الفيض الثائر من عاطفتها ...


بينما كانت هي تشعر وكأنما تلبستها روح امرأة أخرى غير تلك الخائفة المرتعدة المكبلة بأغلال ماضيها...


كانت تشعر وكأنما أطلق أحدهم العنان لجياد عواطفها كي تنطلق بلا حدود...


تشتعل...وتذوب...وتذوب...وتشتعل...


صقيع روحها كله ينصهر خلف نار تلهب كيانها كله...


لم تعد تحتاج ل"نور المصباح" تتشبث به عيناها هاربة من "ظلام" ألمها القديم ...


هي الآن قانعة ب" شمس عاطفته" ...وكفى!


_هتدينا فرصة الليلة دي... احنا الاتنين ...ننسى كل اللي فات...ننساه بجد...مش مجرد تمثيل.


همس بها بين أنفاسه اللاهثة بما بدا كأمر لكنه كان كرجاء...


وكأنما قرأ كل ما يجول بذهنها ...


لترد بهمسها المشتعل بعاطفته:


_اطفي النور يا يامن...اطفيه خالص...عايزة أبطل أخاف من الضلمة وأنا معاك.


عيناه تتوهجان ببريق صاخب وهو يجذبها بين ذراعيه من جديد ليتحرك بها مطفئاً الشموع...


الظلام يغشاهما فيرتجف له جسدها للحظة لكنها تشدد من قوة عناقها له ...


تشتعل من جديد بلمساته...


نارها ونورها ينبعثان من داخله هو...


بل ...من داخلها هي..


هو..أو هي...ما الفارق؟!


كلاهما الآن واحد!!


_خايفة؟!


_لا.


_أكيد؟!


_كان معاك حق...أجمل إحساس في الدنيا مش إنك تحب...إنك تطمن!


همساتهما تعاود امتزاجها المشتعل من جديد لتشعر أخيراً بأنامله على ظهرها تفك شريط ثوبها ...


الخوف ينتابها للحظة...لحظة واحدة قبل أن تغمض عينيها مستسلمة لطوفان عاطفته...


تشعر بذراعيه حولها يطوقانها بتلك القوة الحنون ليحملها ويهوي بها إلى الفراش...


تأوهاتها الناعمة تشتعل وتيرتها لتنتهي أخيراٌ بهمسه الحار في أذنها:


_الليلة دي انا اللي هاحكي الحدوتة !


==========

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...