الفصل 101 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سينابون

المشاهدات
13
كلمة
12,049
وقت القراءة
61 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

القطعة الثانية عشرة


=========


_إيه المفاجأة الحلوة دي؟!


همس بها بصوته الذي يمزج حنانه بمرحه وعيناه تلتقيان بعينيها فور استيقاظها على فراشه ..


فتوردت وجنتاها بخجل وقد انعقد لسانها عن الرد..


بينما انحنى هو عليها لتطبع شفتاه هدية رقيقة على عنقها مع همسه:


_اللي يلاقي حاجة في سريره تبقى بتاعته ...كده خلاص مش هتخرجي من هنا تاني.


احترق وجهها بحرارة عاطفته وهي لا تدري كيف تشرح له سبب وجودها هنا...


وبالتحديد بعد ليلة الأمس الغريبة!!


لكنه رفع رأسه أخيراً ليزيح شعرها عن وجهها ملتقطاً نظراتها الخجول بعينيه العابثتين هامساً:


_أنا عايز كل يوم صباح من ده...بس قوليلي الأول...نمت هنا ليه؟!


عضت شفتها السفلى بقوة مسبلة جفنيها وهي تستند على راحتيها لتنهض من رقادها ...


قبل أن تفتح عينيها لتدور في الغرفة حولها تستكشفها...


كم تبدو لها غريبة الآن عن تلك التي هربت إليها بالأمس من كوابيس ذكرياتها!


_كنتِ خايفة ؟!


قالها بإشفاق وهو يقوم بدوره ليستند إلى ظهر الفراش جوارها فارتجفت شفتاها وهي تومئ برأسها دون رد ...


هنا شعر بالغضب من نفسه إذ تركها ليلتها الماضية وحدها بعدما صارحته به ...


لقد فكر في قضاء الليل معها ساهراً رغم تيقنه من استسلامها للنوم لكنه لم يستطع !


رؤيته لها نائمة بتلك الدموع المتجمدة على وجنتيها كانت تستثيره بجنون ...


تحيي بداخله ثورات وثورات من مشاعر متناقضة كانت تجتاحه بلا رحمة...


أجل ...كان يريد أن يوقظها...يلتقط من بين شفتيها التفاصيل...كل التفاصيل ...يجمع كل الخيوط برأسه كما يُفترض برجل بطبيعته!


لكنه في نفس الوقت كان يريدها أن تنام...أن تنسى...


أن تفقد ذاكرتها فلا تعود تعرف من دنياها إلا أيامها معه ...هو فقط!


فيالتناقض!


وبين الشعورين قضى ساعة من الوقت ممزقاً قبل أن يقرر


الانسحاب من المعركة كلها إلى -غرفته الآمنة- دون أن ينسى أن يبقي لها الكشاف الكهربي مضاءً تحسباً لعودة انقطاع التيار...


وهاهو ذا يستيقظ صباحاً ليجدها نائمة جواره !


لا...لم يكن من الحماقة ليفهم أن تصرفها هذا لا يغير شيئاً من حقيقة وضعها و"عقدتها"...


لكنه كان يكتفي -مؤقتاً- بحلاوة شعوره أنها تجد أمانها معه رغم كل شيء!


لهذا احترم صمتها قليلاً ثم احتواها بين ذراعيه ليهمس لها بينما أنامله تربت على ظهرها برفق:


_قوليها! قولي كنت خايفة فجيت هنا...اتكلمي...قولي كل اللي انتِ حاساه ...من النهارده مش عايزك تخبي عليّ أي حاجة مهما كانت صغيرة !


رفعت إليه عينيها بتردد وقد انفرجت شفتاها وكأنها ستهم بقول شيء ما تراجعت عنه سريعاً لتعاود دفن عينيها في كتفه ...


فتنهد بحرارة وهو يضمها إليه بقوة أكبر مردفاً:


_ماتضيعيش مني تاني...ماتستخبيش تاني لوحدك...من يوم ما عرفتك وأنا بجرب معاكِ إحساس عمري ما عشته...إحساس إني آخد وبس...عمري ما كنت أناني مع حد زي ما كنت معاكِ...جه الوقت إن ده يتغير...


ثم رفع ذقنها إليه ليلتقط نظراتها المهتزة هامساً:


_عايزك تسمحيلي أعمل حاجة...أي حاجة ...تخرجك من اللي انتِ مصرة تواجهيه لوحدك ده.


اتسعت عيناها للحظة وكأنها لا تصدق أنه يقول لها هذا قبل أن تخفي وجهها كله بين راحتيها لتغمغم بصوت مرتجف:


_مش قادرة أتكلم...لحد دلوقت مش مصدقة إني قلت لحد على اللي حصل...ومش أي حد...انت ؟! معقول؟! انت بالذات ؟! إزاي؟!


لكنه أزاح كفيها عن وجهها ليستبدلهما براحتيه اللتين احتضنتا وجنتيها مع قوله بحزم أكبر:


_عشان انتِ عارفة إني مش هاخلليكِ تندمي على صراحتك دي .


فهزت وجهها بقنوط هامسة:


_ماكنتش عايزاك تشوفني ضعيفة كده ...كنت عايزة أدخل حياتك وأخرج منها وأنا لسه ...


_مش هتخرجي!


قالها بحزم مقاطعاً وهو يضع أنامله على شفتيها لتلتقي عيناهما في لحظة بدت وكأنها عرقلت xxxxب الزمن كي لا تسير!


عيناهما العسليتان اللتان هما نقطة تشابهما الوحيدة تتلاقيان


الآن بعناق طويل لا تكادان ترمشان فيه ...


نظراته تعد وعداً بعد وعد ...


ونظراتها تهب عشقاً بعد عشق...


شفتاه تنجذبان نحو وجهها بجاذبية صارت أقوى من أن يتجاهلها فتغمض عينيها بترقب ليتمالك هو نفسه وتحيد قبلته عن مرمى شفتيها إلى جبينها !


لحظات صمت مرت كدقائق قبل أن يتنحنح هو ليقول بصوت عاد إليه مرحه مع خشونته:


_طيب...قرار دكتاتوري رقم واحد ...من النهارده مفيش نوم لوحدك في أوضتك ...


ثم غمزها وهو يداعب شاربه بغرور مصطنع بينما يغلظ صوته عامداً:


_اللي يدخل جيب السبع مايخرجش منه أبداً!


ضحكت رغماً عنها ولازال بعض القلق يظلل ملامحها مما يكمن خلف عبارته ...


هذا القلق الذي طمأنته نظراته بعدها وإن لم ينطق بشيء...


فأومأت برأسها موافقة لتمتد أنامله نحو خصلات شعرها القصيرة التي صار يتلذذ بملمسها قائلاً بنبرة أكثر ليناً:


_قرار ديكتاتوري رقم اتنين...من النهارده شعرك ده ما يتقصش...عايزه يبقى أطول من لساني!


عادت تضحك من جديد وهي تخفي وجهها في كتفه فابتسم بحنان وقد بدت له كطفلة خجول ليربت على ظهرها برفق هامساً بشرود :


_انتِ عارفة إني مابحبش الشعر الأصفر؟!...بس ..بيعجبني شعرك انتِ.


رفعت إليه عينيها بدهشة حذرة وكأنها تتذوق كلماته بخبرتها القديمة به ...


هل هو يعني حقاً ما يقول؟!


لهذا ارتجفت شفتاها قليلاً مع همسها المتحشرج له :


_ممكن أطلب منك حاجة ؟! مش عايزاك تقول غير اللي انت حاسس بيه بجد ...مش عايزاك تجاملني.


هنا كان دوره هو ليضحك قبل أن يشير بسبابته في وضع دائرة نحو وجهه قائلاً:


_انتِ مصدقة نفسك؟! ده وش واحد بيعرف يجامل؟!


ابتسمت بارتياح غمر ملامحها أخيراً فتنهد ليردف بجدية هذه المرة:


_أنا كمان هاطلب منك نفس الطلب...عايزك تعتبريني مرايتك...اتعاملي بطبيعتك ...متقوليش حاجة عشان ترضيني أو تجامليني...اتفقنا؟!


أومأت برأسها موافقة وهي تشعر بقلبها ينتفض بشعور غريب...


رغم أنها تعرفه منذ سنوات لم تعد تذكر عددها لكنها تشعر أن هذه اللحظة بداية ميثاق جديد لهما ...


"سحر الميلاد"!


هذا الشعور الذي قبض قلبها برهبة ممتزجة بسعادة !


شعور غريب لايعرفه إلا من ذاقه !!


ويبدو أنه هو الآخر كان يشاركها هذا الشعور الفريد عندما تناول كفيها ليضغطهما برفق بين قبضتيه بقوة حانية صاحبت قوله الذي عاد إليه مزاحه المشاكس:


_قرار ديكتاتوري رقم ثلاثة...فطار النهارده في الجنينة ؟!


_بجد ؟! شكراً يا طيب!!


قالتها بعفوية وهي تسحب كفيها منه لتمنحه عناقاً خاطفاً قبل أن تزيح غطاءها لتغادر الفراش شبه قافزة مع قولها المرح:


_أتمنى تكون جعان ...عشان هاحضر لك وليمة مش فطار عادي!


كان يدرك الآن أنها تتشبث بهذا المرح بكل قوتها كي لا تستسلم لجحيم أفكارها ...


وهذا ما كان هو الآخر يريده تماماً ...لهذا قام بدوره ليلحق بها قائلاً بصوت عال بينما يراقب خطواتها المتراقصة على الدرج المؤدي للطابق السفلي:


_ما تزوديش الأكل...كابتن الجيم حالف مش هيدخلني لو وزني منزلش الأسبوع ده .


ضحكاتها المرحة تتبعها نحو المطبخ الذي اختفت فيه مع هتافها الذي وصله بنبرتها الحيوية:


_خللي الكابتن بتاعك ده يشرف عندنا المطعم ....وأوعدك مرتين بس ومحدش هيبقى أحسن من حد !


عقد حاجبيه بضيق وكأنما لم تعجبه فكرة أن أحدهم يأكل من صنع يديها غيره !


لكنه تغاضى عن الاعتراف بغيرته وهو يؤدي طقوسه الصباحية المعتادة ...


قبل أن يلحق بها ليجدها جالسة في انتظاره بالحديقة وقد أعدت له طعامها الشهي كالعادة ...


فابتسم وهو يجلس متربعاً بينما يراقبها وهي تصنع له شطيرة ما بانهماك ...


ورغم التعب الواضح على ملامحها بعد ليلة الأمس العصيبة لكنها كانت تدهشه بقدرتها على مقاومة كل هذا بتحدّ غريب ...


مقاومة ؟!


من قال إنها مقاومة ؟!


ألا يحتمل أن يكون كل هذا مجرد تمثيل؟!


هز رأسه نفياً بقوة ينفض عنه -الهاجس الأخير- بينما حاجباه ينعقدان بقوة فالتفتت نحوه متسائلة :


_مش عاجبك ده ؟! أعمللك غيره ؟!


لكنه اغتصب ابتسامة باهتة مقاوماً أفكاره مع قوله :


_لا ده ممتاز!


قالها وهو يتناول منها الشطيرة ليتناول منها قضمة فابتسمت وهي تعد لها مثلها مع قولها بانطلاق :


_المطعم شغله ماشي ممتاز ...لدرجة إني بفكر أفتح فرع جديد للأكل الشرقي .


_بس ده مش حمل زيادة عليكِ؟!


_الشغل مابيتعبش ...الفضا والتفكير هو اللي بيتعب.


قالتها وهي تتصنع الانهماك فيما تفعله فاتسعت عيناه بفهم وهو يدرك محاولتها المستمرة للنجاح ...


لقد قرأ يوماً مقولة أحدهم عندما سألوه عما يفعله عندما يصل للقمة فأجابهم (أبحث عن جبل جديد لأتسلقه)!


وها هي ذي تعمل بذات المقولة !


فما أكثر جبالها وما أشد همتها !!


وبكثير من الفخر عاد يرمقها بنظراته المتفحصة قبل أن يترك ما بيده ليتناول كفها قائلاً بنبرته المشاكسة:


_قانون دكتاتوري رقم أربعة ...هتاخديني شريك بالنُص في المطعم الجديد ؟!


أطلقت صيحة اندهاش عالية وقد بدا لها الأمر مفاجأة حقيقية ...


قبل أن تلقي ما بيدها لتقفز على ركبتيها فتتعلق بعنقه بقوة هاتفة :


_شكراً يا طيب !! شكراً ...شكراً...


ظلت تكررها بفرحة طفولية فضمها إليه بقوة حانية ليجلسها في حجره كطفلة بينما يقول لها محذراً :


_أنا عملت نفسي شريك بالنص عشان أفشكلها براحتي لو انشغلتِ عني ...مفهوم؟!


ورغم ظاهر عبارته الفظ لكنها ضحكت برقة وهي تناظر عينيه بينما تومئ برأسها موافقة لتقول أخيراً بخجل وهي تنتبه لجلستهما هذه :


_أي قرارات دكتاتورية تانية قبل ما نكمل أكل؟!


فاقترب بوجهه منها ليخبط جبينها بجبينه برقة هامساً قبل أن يحررها من ذراعيه :


_اطمني دول مابيخلصوش...بس كفاية عليكِ كده النهارده !


=======


_هتفضل تنام هنا كتير؟!


سألته هانيا وهي تدخل عليه الغرفة الصغيرة التي قضى فيها لياليه السابقة وهي تراه يرفع عليه غطاءه فوق الفراش يتأهب للنوم ...


لكنه أشاح بوجهه قائلاً ببرود:


_ماتشغليش بالك...ارجعي لمذاكرتك .


مطت شفتيها باستياء لتتوجه نحوه ثم جلست جواره قائلة بضيق:


_بلاش شغل العيال ده...تخاصمني وتاكل لوحدك وتنام لوحدك ...دي مش طريقة.


قالتها وهي تشعر بانقباض حقيقي من تباعده ...


لأول مرة منذ عرفته يقوى على خصامها طوال هذه المدة ...


ورغم أنها حاولت التشبث بأسوار كبريائها تنتظر مبادرته كالعادة لكنها لم تقوَ على الصمود أكثر ...


ومع هذا خانها تعبيرها وهي تردف بنبرة جافة:


_أنا مش فاضية عشان أقعد أصالح وأشرح وأبرر .


فالتمعت عيناه بغضب وهو ينتفض مكانه هاتفاً بحدة :


_محدش طلب منك تصالحي ولا تبرري...اتفضلي اخرجي وسيبيني واللا اقوللك أنا اللي خارج.


قالها ثم تحرك ليبدل ملابسه بسرعة لكنه ما كاد ينزع قميص منامته حتى لحقت به لتتشبث أصابعها به بقوة تمنعه وقد عجزت عن الكلام...


فقط عيناها دمعتا بقوة وهي تنظر لعينيه باعتذار صامت ...


فزفر ساخطاً وهو يشيح بوجهه قائلاً :


_سيبيني أخرج يا هانيا عشان ماعملش حاجة تزعلنا احنا الاتنين.


لكنها تحركت لتقف قبالته ودموعها تزداد كثافة في عينيها رغم تماسك نبرتها:


_هو إيه اللي جد؟! أنا ماتغيرتش...أنا ماضحكتش عليك ولا رسمت وش غير وشي...انت اتجوزتني وانت عارف طبعي ...أنا غشيتك ؟! قل لي إيه اللي اتغير ؟!


_المصيبة إن مفيش حاجة بتتغير!


صرخ بها بغضب أجفلها وهو يمسك ذراعيها مردفاً بنبرة أقوى:


_انتِ مش عايزة تقدمي أي تنازلات عشان المركب تمشي...عايزة تفضلي صاحبة الكلمة والقرار وأنا وراكِ بقول حاضر ...عديت تصرفاتك الغلط مرة واتنين عشان أراضيكِ...زعلت أمي كذا مرة عشان خاطرك...قبلت أوضاع ماتتقبلش عشان الدكتورة شايفة كده ...لكن خلاص مش قادر أستحمل أكتر من كده .


سالت دموعها أخيراً على وجنتيها لتهتف بنبرة قوية مناقضة لبكائها :


_انت عايز إيه ؟! عايزني أقضي يومي أتزوق وأستناك ؟! عايزني أوقف مستقبلي اللي حفرت في الصخر عشانه قصاد استعجال مامتك في طفل لسه مش مستعدة له ؟! عايزني أتخلى عن واجبي ناحية صاحبتي عشان أقنعك إني بغير عليك ؟! لا يا رامز ...أنا مابغيرش عليك ...عارف ليه ؟! لأن اللحظة اللي هتقرر فيها تشوف غيري هتكون آخر لحظة بيننا ..


ثم شهقت وسط بكائها لتردف بين نحيبها العالي:


_عمرك ما هتكون نقطة ضعفي...ولو زهقت زي ما بتقول خلاص طلّق...


وضع كفه على شفتيها يقاطع عبارتها التي صارت تكملتها بديهية...


لتتلاقى عيناه الغاضبتان مع عينيها الخائنتين بضعف يناقض كل هذه القوة التي تهتف بها ...


صمتٌ ثقيل أظلهما بعدها لثوانٍ قبل أن يزيح كفه ليكمل ارتداء ملابسه ويخرج دون أن يوجه إليها كلمة إضافية...


استقل سيارته ليدور بها في الشوارع بلا هدف وكأنما يفرغ في قيادتها السريعة شحنة غضبه ...


هل هي محقة ؟!


هي فعلاً لم تخدعه !


هو تزوجها وهو يعلم أن طبيعتها الخشنة العملية تختلف كثيراً عمن عرفهن من النساء ...


لكنه كان يرغب أن تتغير لأجله...لأجله هو فقط !!


كان يريد أن يطوع صفاتها لتظهر الأنثى المختفية بداخلها بين ذراعيه وحده !


كان يعلم أن نجاحها ودراستها أهم ما لديها لكنه كان يطمح أن تشعره أنه هو الأهم !!


أناني؟! مغرور؟! متطلب؟!


لا ...هو فقط رجل يريد أن يشعر أن امرأته تفضله هو على ما ومن سواه !


فهل أجرم؟!


صوت رنين هاتفه قاطع أفكاره فتناوله ليجده رقم غادة ...


عقد حاجبيه بدهشة وهو ينتبه للوقت الذي اقترب من منتصف الليل ...


لكنه فتح الاتصال ليرد باقتضاب:


_خير يا غادة !


أنفاسها اللاهثة كانت فقط جوابها للحظات ...


قبل أن يصله صوتها مرتجفاً واهناً كعادتها :


_ممكن تجيلي البيت دلوقت...من غير ما تقول لهانيا؟!


========


_يامن...اتأخرت ليه ؟!


هتفت بها بقلق وهي تستقبله فابتسم وهو يشير للعلبة في يده قائلاً:


_مش عندنا فرح بكرة ولازم نستعد؟!


قالها بخشونة تناقض حقيقة شعوره وهو يراها بهذه الجاذبية التي لا تتعمدها في منامتها الحريرية طويلة الأكمام بلون الفستق والتي تناسبت مع حلية بنفس اللون لشعرها رفعت به أحد خصلاته القصيرة في حركة تفعلها لأول مرة !


حسناً...لقد بدأت تهتم بشعرها قليلاً وهذا وحده يمنحه شارة جيدة خاصة مع حديثهما صباحاً...


_بدلة جديدة؟!


قاطعت بها تأمله المتفحص فيها وهي تتقدم منه لتتناول العلبة ...


لكنه وضع ما بيديه جانباً ليمسك كتفيها بكفيه متجولاً بعينيه فوق ملامحها التي يكاد يقسم أنها ازدادت نوراً على نور ...قبل أن يقول لها مشاكساً:


_أخيراً سرحتِ شعرك...ده أنا كنت قربت أشك إني متجوز واحد صاحبي!


رمقته بنظرة عاتبة لم تخفِ خجلها وهي تحاول التملص من بين ذراعيه لكنه تشبث بها وعيناه تواصلان رحلتهما الشغوف ببطء على ملامحها...


ليهمس أخيراً بنبرة جادة دافئة:


_عمري ماشفت واحدة بتليق عليها الألوان زيك...كل ماشوفك في لون أقول هو ده أجمل لون عليكِ...واكتشف بعدها إن اللي بعده أحلى...كأن كل لون فيه حاجة منك.


كان يشعر بارتجافة جسدها الخفيفة بين ذراعيه وكأنما المرة الأولى التي تستمع فيها لعبارة غزل !


وجنتاها المحمرتان مع رفرفة رموشها التي أظلت عينيها المسبلتين بخجل ...كل هذا منحه شعوراً عارماً بالرضا وكأنه رجلها الأول!


_على عكسك انت...عمري ما تخيلتك إلا بلبس أسود ...


قالتها ببعض المرح محاولة التغلب على خجلها لتشيح بوجهها مردفة:


_أقوللك سر؟! مفيش مرة عملت شوبنج إلا وكنت بقف قدام


محلات الهدوم الرجالي أتخيلك في كل اللبس الأسود...شياكته جاذبيته غموضه ...مااظنش يليق على حد أكتر منك !


ضحك بفخر حقيقي ممتزج بعاطفته كعادته في كل مرة تتحدث فيها عن عاطفتها الجياشة نحوه...وكيف كان -دون أن يدري- جزءاً لا يتجزأ من حياتها ...


خاصة عندما استطردت بنبرة أكثر خفوتاً وأكثر عذوبة:


_لون واحد بس اتمنيت أشوفك فيه غير الاسود...


الابيض...عندي في دولابي قميص أبيض اشتريتهولك من زمان بس مافكرتش أقوللك عليه قبل كده !


_ليه؟!


سألها وهو يدير وجهها نحوه محتضناً وجنتها براحته فأغمضت عينيها لتجيبه بصوت متهدج :


_لسه مش من حقي أفرض عليك ذوقي .


التمعت عيناه بمزيج هادر من مشاعر تجتاحه الآن بجنون وهي بين ذراعيه بهذا الخجل وهذا العشق وهذه الرقة ...


لو لم يحكم سيطرته على طوفان مشاعره هذا فستكون كارثة !


لهذا تنحنح بخشونة ليقول مغالباً مشاعره بادعاء اللامبالاة :


_ابقي وريهولي يمكن يعجبني!


ابتسمت وهي تفتح عينيها أخيراً مدركة ما خلف عبارته بسعادة زينت ملامحها ...


هو رجلها الوحيد وطفلها المكابر الذي يستنكف أن يظهر عاطفته غافلاً عن أنها لا تجيد شيئاً في هذا العالم كما تجيد قراءة خباياه ...


لهذا اتسعت ابتسامتها وهي تبتعد عنه لتتجه نحو العلبة من جديد قائلة:


_وريني البدلة الجديدة...سوداء كالعادة !


_شوفيها!


فتحت العلبة بحرص لتتسع عيناها بدهشة مصحوبة بالانبهار للحظات قبل أن تهتف :


_ده ليّ أنا؟!


كاد يقذفها بواحدة من عباراته الساخرة اللاذعة لكنه أبى أن يفسد فرحتها وهو يراها كطفلة تتلقى هدية العيد ..


ذراعاها تمتدان نحو الثوب الذي حمل ألوان الطيف لترفعه على جسدها وتدور به حول نفسها بينما تطلق صيحات عالية فرحة حتى تلقفها ذراعاه لتهتف به بصوت لاهث:


_أجمل هدية جت لي في حياتي...ده أحلى من فستان فرحنا...أروح أقيسه؟!


لكنه تناوله من يدها ليفرده بحرص على الأريكة المجاورة قبل أن يعود إليها قائلاً بصوت أجش يخفي طوفان مشاعره:


_لا...اعمليهولي بكرة مفاجأة!


ابتسمت وهي تقترب منه خطوة قائلة ببعض الدهشة:


_معقول؟! يامن "رجل التفاصيل" الأول هيسمح بمفاجأة زي دي قبل الفرح؟! مش خايف يطلع مش مظبوط؟!


فابتسم وعيناه تلتمعان بفخر ذكوري يعجبها بينما يجيبها واثقاً:


_ماتقلقيش من المقاس ...بعد عشرتي لنبيلة والبنات ...بقيت بخمن مقاس أي ست من نظرة واحدة !


_أي ست؟!


هتفت بها بغيرة غلبت مرحها فحك ذقنه بأنامله بحركة مشاكسة ناسبت تراقص حاجبيه العابث بعدها واستجلبت ابتسامة واسعة على شفتيها بينما تقترب منه دون وعي أكثر ...


_تعرف إنك شبه "السينابون"؟!


_لذيذ وبتحبيه؟!


بغمزة ماكرة يهمس بها وهو يلكزها في كتفها فتضحك بنعومة لتجيبه بينما ذراعاها تتعلقان بعنقه:


_دواير كتير لفة حوالين بعضها ...فيه ناس تشوف الدايرة اللي بره بس..الدكتور الناجح اللي واخدها جد...وناس تقرب أكتر تشوف الدايرة اللي بعدها...الرايق أبو دم خفيف...وناس تقرب أكتر وأكتر تشوف حنيتك اللي بتشفع لغلطاتك المهولة...


_ممممم...وانتِ بتشوفي إيه؟!


يسألها بينما كفاه يحتضنان خصرها تماماً كنظراته الشغوف لتقترب بوجهها منه حتى تمتزج أنفاسهما فتهمس بمزيج من حب ورجاء:


_أنا بقى نفسي أوصل لمركز الدواير دي كلها...أقف في المكان اللي أنا واثقة إن محدش سبقني ليه ...أقراك بوضوح وافهم كل تفاصيلك .


_أنا نفسي مش فاهم كل تفاصيلي!


ببعض المرارة يقولها وهو يغمض عينيه وكأنه يهرب من اقتحامها لحصونه لكنها تداعب وجنته بأناملها التي انتقلت برقة نحو جفنيه لتجبره على النظر إليها مع همسها:


_يبقى نحاول سوا...نوصل سوا...ونفهم سوا!


فتح عينيه أخيراً ليمتزج "بحر عسله" الهائج ب"نهر عسلها" الهادئ ...


الآن فقط يتعجب كيف عاشا غريبين طوال هذا العمر وفي عينيها يناديه هذان النجمان ...يخبرانه حقاً أين ينتمي !!!


حب؟! هل هذا فقط مجرد حب؟!


هراء!!!


الحب هذا محض وهم كفر به هو من زمن ...لكن ما بعينيها الآن شيء آخر ...


وكأنما قد وُلِد قلبه من رحم قلبها لتكون له قبل الأم ...أماً!


وعند خاطره الأخير ارتسمت على شفته ابتسامة واهنة وهو يقارن ضآلة جسدها بما يدور في ذهنه ...


ابتسامة قابلتها هي بضحكة رائقة وهي تمرغ وجهها في صدره لا تكاد تصدق ما وصلها من صدق شعوره وإن بخلت به كلماته ...


بينما صمت هو قليلاً مكتفياً بعناقه الدافئ لها قبل أن يبتعد قليلاً ليحيط وجهها بكفيه هامساً:


_سوا! شفتِ انتِ قلتِ إيه ؟! سوا...والكلام ده مش عليّ لوحدي ...علينا احنا الاتنين...فاهماني؟!


أومأت برأسها إيجاباً وهي تزدرد ريقها بتوتر لم يخفَ عليه ...


ملامحها تكاد تصرخ وكأنها على وشك قول شيء ما ...


لكن شفتيها بقيتا منطبقتين بقوة رغم ارتجافهما الواضح ...


ولما أشفق عليها من أفكارها التجأ لتغيير الموضوع بقوله :


_طيب...أنا جعان كالعادة !


ضحكت بسعادة كعادتها كلما تسمع هذا منه وكأنما يخبرها -ضمنياً- أنه يشتاق طعامها !


خطواتها تتقافز بلهفة تميزها وهي تجذبه من كفه نحو المطبخ لتجلسه مكانه قائلة بنبرتها الحيوية:


_كنت مظبطاه دافي على وقت رجوعك بس


الكلام خدنا ...هاسخنه تاني!


لكنه جذب كفها ليجلسها جواره قائلاً برضا:


_ماتتعبيش نفسك...هو كده كويس!


ابتسمت وهي تعد له طبقه بينما عيناه تراقبانها بافتتان ما عاد ينكره ليسألها أخيراً:


_ماقلتليش ...انتِ بتحبي الأكل سخن واللا وسط زيي؟!


اتسعت ابتسامتها وهي تتحاشى النظر نحوه وقد بدت وكأنها لن تجيب ...


لتمد له يدها بطبقه الذي تناوله منها فوضعه جانباً قبل أن يمسك كفها برقة مستحثاً إياها على الإجابة ...


فأطرقت برأسها لتجيبه بصدق مس قلبه:


_عارف؟! من زمان قوي وأنا نسيت بحب إيه وبكره إيه...أنا حاسة كأني خرجت من نفسي عشان أعيش بروحك انت.


هدرت دقات قلبه بصدره بقوة مع سيل مشاعرها الذي يجرفه


كالعادة فلم يجد رداً سوى أن رفع كفها لشفتيه بقبلة عميقة


طالت للحظات واستجلبت رجفة خفيفة لجسدها ...


رباه!


كيف يمكنها أن تشعر معه بكل هذا الأمان وبكل هذا الخوف؟!


كيف تتمنى بكل جوارحها لو تمنحه كل ما تملكه وكيف تخشى هذا في نفس الوقت ؟!


أجل ...كم تريد أن تعاند "رهابها" المرضي هذا بكل طاقتها ...لكنها لا تستطيع!


ثقلٌ هائل يجثم على صدرها كلما شعرت أنها على وشك الولوج في "هذا العالم" من جديد ...


ثقلٌ يجعلها تنسلخ من جلدها ...وكأنما تتلبسها روح أخرى تجعلها تفر بعيداً عن كل هذا بأقصى طاقتها ...


ترى ...هل سيختلف الأمر معه ؟!


هل تجرؤ على معاودة الاستسلام للمحاولة ؟!


_لا!


تمتمت بها بصوت مسموع فالتفت إليها بدهشة بينما يراها تسحب كفها منه لتشبك أناملها ببعضها قبل أن تردف بارتباك ظاهر :


_أخبار سيلين إيه ؟!


التمعت عيناه بفهم وهو يدرك فحوى أفكارها ...ورغم شفقته نحوها لكنه أبى أن يظهرها احتراماً لكبريائها ...


فتنحنح ليجيبها بينما يقلب طعامه في الطبق:


_خمسين مكالمة...وعشر مسدجات ...رديت عليها وكررت عرضي اللي كنت متأكد إنها هترفضه ...قالتلي الدكتور حدد معاد ولادتها بعد يومين ...وهددتني إنها مش هتخلليني أشوفه .


كانت ملامحها تشحب تدريجياً مع كل كلمة يزدها لتغمغم أخيراً بصوت مرتجف:


_وانت فعلاً مش هتشوفه ؟!


أشاح بوجهه للحظات ثم تمتم باقتضاب:


_مش عارف.


_لو هي فعلاً اتغيرت وندمانة...تفتكر...


_مش هارجعلها وانتِ عارفة كده كويس!


قالها بصرامة مقاطعاً عبارتها ليردف بنبرة أكثر قسوة:


_أنا لما بفقد ثقتي في حد بفقدها للأبد...قرار الحمل كان قرارها هي...زي ما قررت قبلها تضربني من ورا ظهري ...تستحمل بقا نتيجة قراراتها .


_وابنك ذنبه إيه؟!


قالتها بنفس النبرة المشفقة ليجيبها بابتسامة ساخرة حملت مرارته:


_ذنبه انه إبني وابنها ...لو كنت أضمن إن رجوعي ليها هيغيرها كنت ممكن احاول استحمل عشانه...لكن أنا عارف إن اللعبة خسرانة .


هزت رأسها بضيق وهي تشعر من جديد بضميرها يثقل كاهلها بهذا الوزر ...


لكن من يدري ...ربما كان هو محقاً !


_ممكن تاكلي وما تفكريش !


قالها وهو يمد لها طبقاً أعده لها على عجل فتناولته منه شاكرة وهي تحاول تخطي كل أفكارها وهواجسها بالاستجابة لمزاحه المشاكس بعدها ...


والذي امتد طوال مدة تناولهما للطعام وحتى انتهيا منه ليعاونها في رفع الأطباق ...


ولم يكاد ينتهيان حتى فوجئت به يرفعها من خصرها ليجلسها على طاولة المطبخ فهتفت بدهشة :


_فيه إيه ؟!


ابتسم وهو يفتح الثلاجة ليحضر علبة "النوتيللا" ثم اقترب منها قائلاً :


_احنا هنطلع دلوقت ننام وأقل حركة جنبي بتقلقني...كلي براحتك دلوقت عشان ماتتسحبيش نص الليل زي الحرامية .


ضحكت بخجل وهي تغطي وجهها بكفيها قائلة:


_انت بتحس بحركتي كل ليلة ؟!


فأزاح أناملها برقة عن وجهها ليتأمل ملامحها بنظرته المفعمة بمشاعره مع قوله وهو يلوح لها بملعقة الشيكولاتة:


_أنا هاعمل اللي عليّ وأأكلك دلوقت...ولو عايزة تخللي البرطمان جنبك ع الكومودينو هاتجاوز واسمحلك ...بس مش عايزك تسيبي الأوضة قبل الصبح ...مفهوم؟!


أومأت برأسها في طاعة رغم شعور الترقب الذي احتل جنباتها خشية الساعات القادمة...


لكنها حاولت إلقاء مخاوفها خلف ظهرها وهي تستجيب لأنامله التي حملت ملعقة الشيكولاتة نحو شفتيها ...


ولأول مرة تشعر بمذاقها مختلفاً ...


وكيف لا؟!


وقد امتزج بنكهة إحساسها "المستحدث" بعاطفته نحوها ...


عاطفته التي يميزها قلبها بعمق ظمئه الطويل لها !


ربما شعرت من قبل بعاطفته -الحسية- التي كانت تذكرها بعذاباتها القديمة ...


لكنها الآن تستشعر نقاءها وقد امتزجت بخفقات قلبه المترنمة بنداء يشبه نداءات قلبها ...


قلبها الذي يستحلفها الآن أن ترفع عينيها إليه ...تملأ ناظريها من حدقتيه المنغمستين بعاطفته التي طالما اشتاقتها ...


لكن خجلها منعها!


كم كانت شجاعتها سهلة وهي تطلق العنان لعواطفها أمامه بينما هو يبدو متباعداً لا يصدق ...


لكن الآن ...وهو منها بهذا القرب ...بهذه الحرارة التي تستشعرها في نظراته...وبهذا القلب الذي تمنت سماعه يخصها هي بدقاته ...


تشعر بشجاعتها تتهاوى ...وبهذا الخجل يطوقها وكأنما هي الفتاة المنزوية خلف كتابها تراقبه بضفيرتها الطويلة وبقلبها الذي لم يعرف من الرجال سواه !


وأمامها كان هو الآخر غارقاً بإحساسه ...


لم يكن غراً ساذجاً ولم تكن هي غزوته الأولى في حروب النساء ...


لقد رأى منهن أشد فنون السحر وأبرع طرق الغواية...


لكنه يكاد يقسم أنه ما من امرأة حظت بنصف فتنتها الآن وهي تجلس أمامه شبه غارقة في منامة لا تكاد تبرز من تضاريس أنوثتها شيئاً ...


ومع هذا يكاد يستشعر احتراق خلاياه رغبة بها ...


أنامله تتلكأ بالملعقة في يده على شفتيها ...يتعمد أن يلطخها وما حولها بالشيكولاتة ...


فترفع إليه عينيها أخيراً محاولةً التغلب على خجلها بقولها المتلعثم :


_برضه مش بتحبها؟!


ويبدو أنها اختارت -أسوأ- عبارة تليق بخجلها عندما تذكر كلاهما في نفس اللحظة ما حدث في ذكرى مشابهة ...


لتجده يقترب منها أكثر هامساً بصوت متثاقل:


_قولي إنك موافقة...وأنا هاجرب تاني.


خفق قلبها بجنون ما بين فوضى مشاعرها التي تجتاحها الآن بهذا العنف بين قبول ورفض ...


هذه الفوضى التي كان هو يتفهمها بينما يقترب بوجهه منها ...


أحد ذراعيه يطوقها بقوة حانية بينما أنامله الحرة تمسد ظاهر كفها بتلك الحركة التي استشعر بحدسه أثرها في نفسها ...


أغمضت عينيها بقوة وهي تحاول وقف نزيف ذكرياتها ...


وجنتها تحرقها بقوة وكأنما تلقت للتو صفعة من تلك- الصفعات القديمة-..


مظهر كدمات جسدها يومض ومضات كثيرة متتابعة وسط


ظلام أفكارها ...


لكن ملمس أنامله الحانية على ظاهر كفها يبدو وكأنه يحارب كل هذا ...


شعورها الكاسح بدفء عناقه يمنحها المزيد من رغبة المقاومة....


وأخيراً همسه الحار باسمها قبل أن تشعر بعناق شفتيه


لملامحها ...


هنا فتحت عينيها بقوة وكأنما تريد حفر هذا المشهد في ذهنها ...


نظراتها تتجه ل-نور المصباح- هناك تنهل منه المدد لمقاومة هذا الظلام اللعين الذي يسكن روحها ...


وأخيراً ...استسلمت!


أغلقت عينيها طواعية لتلقي بنفسها في هذا البحر "الآمن" الذي لا تخشى غرقها فيه ...


استسلام دام لبضع ثوانٍ فقط كانت أكثر من كافية ليدرك هو أنه قد وضع قدميه على الطريق الصحيح ...


ورغم أنه كان لايزال يطمع بالكثير والكثير ...لكنه كان كذلك يدرك أن دوره الحقيقي معها قد بدأ لتوه بعيداً عن شعور أنانيته الذي طالما لازمه معها ...


لهذا ابتعد عنها أخيراً ليمنحها ابتسامة راضية سبقت غمزته الماكرة :


_طلعت "بنت حلال" النوتيللا دي ...مش بطالة!


كتمت ابتسامتها الخجول في كتفه كعادتها قبل أن تتشبث به لتهبط بقدميها على الأرض وهي تشعر بنفسها في حلم غريب ...


هذه الدغدغة اللطيفة التي تستشعرها تداعب جسدها برقة تجعلها تشعر بالارتباك ...


خاصة عندما جذبها من كفها قائلاً :


_ياللا ننام عشان بكرة يوم طويل...رانيا بتغرق في شبر مية وورايا مشاوير كتير لسه هاخلصهالها ...تخيلي إنها لحد دلوقت ...


مضى في ثرثرته المقصودة وهو يصعد بها الدرج نحو غرفته محاولاً تبديد سحب توترها حتى وصلا أخيراً إلى غرفته ليتناول منها بعض أغراضه قائلاً وهو يتوجه نحو الحمام الصغير المرفق بها:


_خدي راحتك...لو محتاجة تشغلي الدفاية شغليها .


مدفأة ؟!


عن أية مدفأة يتحدث هذا؟!


ألا تكفيها هذه الحرارة التي تشتعل بأعماقها؟!


هكذا فكرت وهي تراه يختفي خلف باب الحمام لتدور عيناها في غرفته بتفحص ...


أثاثها البسيط بذوقه الذي تعرفه والذي مزج اللونين الأسود والفضي بتناسق مدهش...


طلاؤها الناصع شديد البياض والذي حرص هو أن يزيد رونقه بتوزيع


الإضاءة بشكل خاص ...


المرآة البيضاوية التي طالما حسدتها في خيالها إذ يبدأ بمطالعتها صباحه ...الآن هي على وشك مشاركتها "هذا الشرف"!


ابتسمت ببعض الارتياح أخيراً وهي تستلقي على الفراش رافعة عليها غطاءها ...


ورغم أن هواجسها لم ترحمها لكنها كانت تقاوم بنفس القوة التي اعتادتها ...


حتى خرج هو أخيراً ليتفحصها بنظرة طويلة سبقت قوله :


_شكلك غريب قوي هنا ...مااتعودتش أنام جنب حد !


كان يتحدث ببساطة محاولاً تجاوز موقفهما الغريب وبث الطمأنينة في نفسها ...


ويبدو أنه قد نجح فقد بدت السكينة على ملامحها عندما انضم إليها في الفراش ليضبط منبه هاتفه مردفاً بنفس النبرة:


_يارب ألحق بكره أخلص مشاوير نبيلة والبنات قبل الفرح...دي في حد ذاتها معجزة !


_ماتقلقش أنا معاك...هنوزع المهام بيننا.


قالتها مبتسمة فرمقها بنظرة ممتنة سبقت قوله:


_تصبحي على خير!


قالها وهو يستلقي على ظهره مغمضاً عينيه كي يحاول التغاضي عن تأثير وجودها جواره ...


الأمر صعب حقاً ...لكنها تستحق أن يقاوم من أجلها ...


أن يمنحها هذا "الأمان" الذي أغرقت هي به عالمه منذ ولجته ...


وأن يمحو آثار من سبقه قبل أن يرفع رايته على أرضها كاملة !


_يامن!


همست بها بخفوت بعد صمت دقائق فابتسم ولازال مغمضاً عينيه ليرد :


_نعم ؟! عايزة تحكي حدوتة ؟!


_عرفت منين؟!


فتح عينيه لينظر إليها بعمق هامساً:


_يعني...بدأت أفهمك زي ماانت فاهماني.


التمعت عيناها بفرحة وجدت صداها في نفسه فاتسعت ابتسامته وهو يعاود إغماض عينيه مردفاً:


_احكي يا عروسة البحر!


ضحكت برقة قبل أن تدخل معه لواحدة من حكاياها الخيالية والتي لم تكد تبدأها حتى فوجئت به يفتح عينيه قائلاً باستياء مصطنع :


_تؤ...انتِ أم فاشلة !


_ليه؟!


سألته بدهشة لتفاجأ به يتحرك جوارها ليعانق خصرها بذراعيه ملقياً رأسه على صدرها بينما يردف بنفس الاستياء الماكر:


_فيه حدوتة تنفع من غير حضن ؟!


صمتت للحظة مبهوتة من حركته قبل أن تنتظم دقات قلبها من جديد بينما هو يردف بصوت ناعس:


_كمللي قبل ماانام .


فابتسمت بحنان وهي تتردد في مبادلته عناقه ...


لكنها حاولت تجاوز مشاعرها السلبية لترسم معه الجنة التي


طالما عاشتها بخيالها ...


وانتهت حكايتها !


وانتهى معها ترددها لتجد نفسها تضمه إليه برفق قبل أن تستسلم لنوم عميق ...


وأخيراً رفع هو رأسه ليتأمل ملامحها الغارقة بسكينتها برضا...


أي خير فعله هو ليجازيه القدر بملاك مثلها ؟!


ملاك ؟! هل هي حقاً كذلك ؟!


كلهن يبدون كذلك في البداية ؟! هل نسيت؟!


وساوسه السوداء تعاود قصفها المدمر لمشاعره الوليدة...


لكنه كان قوياً هذه الليلة بما يكفي ليهزمها كاملة بينما يعود ليستقر برأسه فوق صدرها مستسلماً للنوم هو الآخر!


========


_هتروح الفرح ؟!


سألته زوجة الدكتور ياسر -عمه- على الهاتف ليجيبها بينما يطالع صورته في مرآة غرفته:


_يامن صاحبي...وهيزعل لو مارحتش فرح بنت خالته اللي بيعتبرها زي أخته !


_ماتضحكش على نفسك يا مروان...انت لسه راجع من السفر وعندك الف عذر لو مش عايز تروح....انت رايح عشانها .


قالتها بنبرة عصبية زاد من حدتها صمته بعدها وكأنه لا ينكر... فاستطردت بانفعال:


_ما هو لو كنت لسه صغير كنت قلت نزوة ولعب عيال ...فيها إيه البنت دي عشان مستنيها كل ده ؟! وبعد كل اللي حكيتهولك ؟!


كز على أسنانه صامتاً وهو لا يدري بماذا يرد ...


هو نفسه لا يعرف الإجابة !!


طوال هذه السنوات وهو يراها من بعيد مكتفياً باختلاس أخبارها من روايات يامن المقتضبة عنها ...


قصته معها ربما تبدو غريبة لكنه لا ينكر أنها امتلكت قلبه كاملاً منذ رآها أول مرة ...بل إنه لا يكاد يعرف حقاً متى كانت أول مرة !


بيت والديها القديم كان مجاوراً لبيت خالته هو حيث كان يجتمع الأطفال جميعاً يلعبون في الفناء الواسع بين البيتين ...


وقد كان هذا سبب معرفته الأولى بيامن الذي التقاه مصادفة وقتها في إحدى زياراته لخالته قبل أن تتعمق صلتهما في سنوات الدراسة التي جمعتهم فيها مدرسة واحدة ...


كانت أصغر طفلة وقتها بينهم بينما كان هو ويامن على أعتاب المراهقة ...لكنه كان يحب دوماً النظر لملامحها الفاتنة التي كانت تبدو وكأنها خرجت لتوها من أحد الأفلام الكرتونية ...


لازال يذكر وجهها الصغير الذي لم يكن يختلف في جماله وبراءته عن الدمية التي كانت دوماً تحملها ...


جمالها الذي كان يزداد تألقاً كلما كبرت حتى أنه كان يعتبر رؤيتها أجمل مصادفاته عندما كان يزور خالته ...


حتى حلت بها كارثة موت والديها تلك الليلة...


كان يقف هو ووالده وزوج خالته مع يامن مؤازراً في ذاك الفناء حيث أقيم سرادق العزاء ...


عندما رآها هناك تختبئ في ركن منزوٍ من مدخل البيت أسفل الدرج تحتضن ثوباً أبيضا وحذاء صغيراً وتكتم دموعها بين ذراعيها ...


وقتها فقط شعر أنه كبر ...وهي أيضاً كبرت!


لم تعد في عينيه مجرد طفلة جميلة تتقافز على الدرج ويشاكسها بكلماته ...


لكنه -وبصورة ما لم يفهمها- شعر أنها قد صارت مسئوليته...


ربما لهذا السبب طلب من والده وقتها مساعدة يامن في إيجاد بيت جديد يضمهن جميعاً مع نبيلة التي عادت للظهور في حياتهن بعدها ...


لينغمس بعدها في كفاحه الدراسي في كلية الطب والذي شغله عنها لبضع سنوات قبل أن يعود ويراها من جديد مصادفة ليدرك أنه كان محقاً عندما خطفت قلبه طفلاً ...


كان يسترق أخبارها خلسة من يامن ولم يكد يعلم أن عمه هو أستاذها في الجامعة حتى وجدها فرصة ليعرف المزيد عن


عالمها الذي لا يدرك عنه يامن شيئاً...


لهذا طلب من زوجة عمه أن تراقبها وتعتني بها بعدما صرح لها برغبته في خطبتها في أقرب وقت...


كان يعلم أن يامن لن يوافق على ارتباطها قبل أن تنهي دراستها لهذا لجأ لحيلة رسائله التي كان يرسلها لها عبر الهاتف ...


والتي كانت لا ترد عليها مما زاد انطباعه الجيد عن


-حسن خلقها- ...


والآن تأتي زوجة عمه لتهدم له كل هذا في لحظة واحدة !!


لا ...لن يصدق...


هو يعرف الكثير عن نزقها وطيشها الذي يجعلها تخلع حجابها أحياناً كما رآها ذاك اليوم مصادفة مرتين ...مرة به ومرة بدونه !


لكنه كان يتفهم طبيعتها المتمردة المحبة للظهور والتي طالما كان يشكو منها يامن...


لا ...لم يؤثر هذا في نظرته نحوها ...


هي لاتزال في عينيه تلك الطفلة الباكية لوالديها تحت الدّرج والتي تنتظر من يربت على ظهرها ليهديها الطريق الصحيح ...


_رد عليّ يا مروان !


انتزعته بها زوجة عمه من شروده ليزفر بقوة قائلاً :


_مش يمكن حضرتك فاهمة غلط ؟! أنا عارفها كويس من صغرها ومااعتقدش إنها أبداً زي ما حضرتك فاهمة.


_فاهمة إيه غلط ؟! حركاتها السخيفة مع عمك ؟! واللا قلة أدبها مع زميلها ؟! ياابني حرام عليك ما تشيلنيش ذنوب أكتر ...لولا اهتمامك بيها ده أنا ماكنتش حكيتلك على حاجة !


احمر وجهه غضباً وهو يشعر بالعجز يكبله ...


هو لا يكذّب زوجة عمه...لكنه أيضاً لا يستطيع تصديقها ...


داليا ليست كما تدعي ...


هناك شيء ما خطأ ...أجل...ولن يهدأ حتى يعرف الحقيقة كاملة !!


لهذا أخذ نفساً عميقاً يتمالك غضبه ثم قال لها بحزم:


_خلاص يا دكتورة ...ماعدناش هنتكلم في الموضوع ده تاني.


تنهيدتها الحارة وصلته على الهاتف لترق لهجتها نوعاً مع قولها:


_مادام بتقوللي يا "دكتورة" كده تبقى زعلان...عموماً انت حر ...أنا نصحتك والقرار ليك ...


ثم صمتت لحظة لتردف :


_عمك ميعرفش حاجة عن كل ده ...أنا في الأول والآخر مايهمنيش غير مصلحتك انت وبس ...مش عايزة أسوأ سمعتها .


قالتها ثم أغلقت الاتصال تاركة إياه يغلي ببركان غضبه وعجزه ...


تسوئ سمعتها ؟!


هل وصلت الأمور حقاً لهذا الوصف المشين ؟!!


مستحيل...داليا ليست هكذا أبداً...أبداً...


لا ...لن يستطيع الوقوف ساكناً أكثر !!


لكن ماذا عساه يصنع ؟! وبأي حق يفعلها!!


لو كان تعلقه بها عادياً لاتقى كل هذه الشبهات واستأنف طريقه مع سواها ...


لكن الفكرة نفسها في عُرف قلبه المتيم بها حرامٌ!!!


أطلق صيحة غاضبة وهو يقذف المرآة أمامه بأقرب ما وصلت إليه يده لتنكسر بدوي هائل ...


قبل أن يضم قبضته وهو يهمس لنفسه أن هذه الليلة لن تمر قبل أن يكلمها وجهاً لوجه هذه المرة...


لعله يقرأ في ملامحها ما يزيد يقينه في هذه الشكوك...أو يمحوها!!


لكن ...قبل هذا ...هناك شأن يجب عليه تصفيته ...


ولن يهدأ غضبه حتى يفعله !!


========


فتح نافذة غرفته المطلة على البحر في ذاك الفندق المميز يطالع مشهد الغروب بنظرات غامضة ...


طالما ذكرته الشمس بها ...


ربما لأنها تشبه لون عينيها ...شعرها ...نقاء بشرتها ...


وخداعها المراوغ لنا بأن نملكها كل صباح قبل أن تختفي في النهاية تاركة لنا مرارة افتقادها !!


تنهد بحرارة عند الخاطر الأخير وعيناه تلتمعان بنظرة غريبة ...


هي مزيج من غضب وحسرة...وشيء من الذنب!


عجباً لها من امرأة قادرة على اجتياحه بكل هذه المشاعر في نفس الوقت ...


وبنفس العنفوان الذي كانت تخطف به بصره عندما تطل عليه بوجهها الذي حمل كل براءة النساء وغوايتهن!


زفر زفرة قصيرة عندما رأى قرص الشمس أمامه وكأنما يسقط في البحر لتحمله ذكرياته لتلك الليلة البعيدة معها ...


والتي قرر بعدها أن يترك البلد كله ويسافر ...وهاهو ذا يعود ليجدها قد تخلصت من قيد رجل لتسقط في يد آخر !


تراها وعت الدرس هذه المرة وأجادت الاختيار أم أنها لا تزال كعهدها تسكب أنهارها في أرض لا تنبت ؟!


كان الظلام قد حل تماماً ساعتها فأغلق النافذة ثم أسدل الستار وكأنه يمنع نفسه المزيد من أفكاره اليائسة عنها ...


حانت منه نظرة عابرة لحاسوبه المحمول حيث صورتها الباسمة مع زوجها الحالي -طبيب الأسنان- والذي يبدو متعجرفاً جامداً على عكسها هي التي بدت سعيدة جواره ...


فهل هي هانئة حقاً هذه المرة ؟!


صوت طرقات متحفظة على باب غرفته قاطع أفكاره فنظر في ساعته ثم توجه نحوه ليفتحه قبل أن يطالعه وجه العامل يقول بلهجة مهذبة:


_مساء الخير يا "زين" بيه...فيه واحد منتظر حضرتك في "اللوبي" تحت.


========


دخل القاعة التي أقيم فيها العرس بعينين متوقدتين غضباً


ولازال العراك الذي خاضه منذ قليل يقذف بحممه في صدره ...


ضربه لذاك الوغد هيثم لم يشفِ غليله كما ظن ...بل زاد من فورة غليانه ...


خاصة عندما أعلن الأخير عن رغبته في التقدم لخطبتها كي يخرس الألسنة ...


يبدو أن زوجة عمه محقة !!


لا ...لا يا مروان لا تصدق ...


لا تكن كصديقك الذي تحاوطه وساوسه كسجن من نار ...


ربما لا يعدو الأمر كونه مجرد زميل أعجبته ويريد خطبتها ...


لكن ماذا عن بقية التفاصيل التي روتها له زوجة عمه ؟!!


اللعنة !!!


أي جحيم ألقته فيه تلك الصغيرة العابثة وألقت نفسها فيه قبله ؟!!


_مروان ...حمداً لله على السلامة ...


قاطع بها يامن شروده وهو يتقدم نحوه مصافحاً ...قبل أن


يلاحظ هيئته التي فقدت رونقها المعهود ليردف بدهشة:


_مالك ياابني شكلك دايسك قطر ...انت جاي من السفر على هنا على طول واللا إيه ؟!


غمغم ببضع كلمات مبهمة وهو يدور بعينيه في القاعة باحثاً عنها حتى وجدها هناك ...


رغم اللون الوردي الفاقع الذي ارتدته...رغم زينتها المتكلفة ...ورغم ابتسامتها الواهنة على شفتيها ...


كان يقرأ في عينيها نفس النظرة التي رآها ليلة زفاف يامن ...


نظرة تائهة حيرى تفضح وحدتها وحزنها وجوعها الطويل


لحب حقيقي ...


ليلتها أرسل إليها رسالة مواسية لعله يخفف عنها شعورها


بالوحدة ...


(لا تخفضي جبينك أبداً...لا تحزني...لا تغاري...لو لم تكوني أنتِ عروس الحفل فتذكري أن هناك رجلاً لا يرى قلبه غيرك عروساً...قوليها لنفسك عشر مرات وابتسمي بعدها عشر بسمات وغنّي بعدها عشر أغنيات واذكريني بعدها ولا يهم العدد!)


لكنه لن يفعلها الليلة...


ليس قبل أن يفهم هذه الفتاة التي ظن أنه يحفظ تفاصيلها ...


والآن يفاجأ أنه لم يكن يعرف عنها أي شيئ!


_عموماً انت مش غريب ...كنت بتقول عايزني في موضوع مهم قبل ما تسافر هافضالك بعد الفرح ...معلش دلوقت هاروح أشوف بقية المعازيم ...شلة أصحابنا هناك ممكن تقف معاهم على ما أجيلك.


قالها يامن بسرعة وعيناه تدوران بتفحص في الحضور يحاول


ألا يغيب عن عينيه أي شيئ يفسد كمال الحفل ...


قبل أن يعطيه ظهره لينصرف لكنه عاد إليه بعد ثوانٍ ليناوله هاتفه قائلاً بضيق:


_خد ده معاك...سيلين بتتصل كل شوية خنقتني...لو اتكلمت رد عليها وقل لها مشغول ...سافر ...أقوللك...قل لها مات !


قال عبارته الأخيرة ملوحاً بكفه في سخرية سوداء كعهده فابتسم مروان وهو يتناول منه الهاتف ليخرج به إلى الشرفة الخارجية للقاعة حيث فضل أن يختلي بنفسه ...


كان يستطيع اختلاس النظر إليها في مكانه لكنه كان يحاول منع نفسه عن هذا قدر استطاعته ...


رباه !!


هذا الشك قاتلٌ حقاً !!


قديماً كان يلوم يامن على وساوسه والآن يشعر أنه يحترق مثله بنفس النيران !


انقطعت أفكاره عندما رن هاتف يامن في يده برقم غريب ...


يبدو أنها سيلين...سيخبرها كما طلب منه أنه مشغول الآن !


فتح الاتصال ليرد فاتسعت عيناه بترقب عندما سمع صوتاً رجالياً مألوفاً يقول بنبرة قلقة :


_دكتور يامن...كنت عايز حضرتك بخصوص داليا .


========


_مبروك يا أجمل عروسة في الدنيا .


قالها أشرف بنبرته التي تشعر وكأنها حملت كل عشق العالم وحنانه بينما يراقصها فوق منصة العرس ...


لتطرق برأسها في خجل وهي تشعر برهبة غريبة...


أن تكون محل نظر الجميع بحفل كبير كهذا هو جحيم حقيقي


لامرأة في خجلها وضعف ثقتها بنفسها ...


هذا الذي كان هو يدركه تماماً وهو يرفع ذقنها إليه ليهمس لها بنفس النبرة :


_النهارده مش عايزك تبطلي كلام .


_وانت هتسكت ؟!


همست بها بنفس الخجل وهي تحاول أن تستمد من حرارة عاطفته ما يمنحها المزيد من الثقة ...ليقترب بوجهه منها حتى امتزجت أنفاسهما مع همسه الدافئ:


_أنا كمان مش هابطل كلام...كلام جديد ماسمعتيهوش قبل كده ...كنت محوشه بس لليلة دي!!


عضت شفتها بارتباك خجول لتجد أناملها تتشبث بكتفه أكثر


بدلاً من أن تبتعد بخجلها عنه ...


أجل ...هكذا كان حالها دوماً معه !


هو وحده مرفأ أمانها مهما شردت بضعفها سفنها !


لهذا أسندت رأسها على كتفه لتهمس له بسعادة فاضت بها حروفها:


_لسه إيه في الدنيا ممكن يتعاش ؟! أنا حاسة إني خلاص مش ممكن هافرح أكتر من كده !


لكنه ضمها إليه أكثر ليقبل جبينها بقوة هامساً:


_تبقي غلطانة...أوعدك كل يوم لينا يبقى أسعد م اللي قبله !


ابتسمت وهي تعانق عينيه بنظراتها العاشقة ليتنهد بحرارة وهو يعاود إسناد رأسها على صدره ...


عيناه تنسحبان لأمه التي جلست هناك تغالب آلامها بابتسامتها وفرحتها الصارخة في عينيها أن مد الله في عمرها حتى رأته في أسعد لياليه...


ثم إلى شقيقته التي جلست جوارها ترمقه بنظرات لا تقل عنها سعادة...


وابنتها التي كانت تتراقص حولها بشقاوتها المعتادة...


ورغم القلق الذي ما عاد يفارقه بعد انقلاب عالمه بأحداثه


الأخيرة ...


لكنه كان يشعر الليلة بالذات أنه لأجلهن ...هن الأربعة...سيحارب أي شيء قد يهدم هذه السعادة ...


وبهذا الشعور أخذ نفساً عميقاً ليتحرك بعروسه نحوهن ثم مد يده لأمه يعاونها على الصعود قائلاً بحنانه المرح:


_تسمحيلي بالرقصة دي؟!


ابتسمت رانيا بتفهم وهي تراه يحتضن والدته بقوة ليقبل رأسها وهو يشاركها الرقص بخطوات متمهلة بينما المرأة تضحك من قلبها ...


دمعت عيناها وهي تكاد تقسم أنها لم ترَها من قبل سعيدة كهذه الليلة...


ولا بهذه القوة التي جعلتها تتحرك بطريقة شبه طبيعية معه على المنصة...


حقاً ليس أقدر على هزيمة آلام الجسد إلا فرحة القلب!


لهذا اتسعت ابتسامتها وهي تقترب منهم أكثر لتصفق بكفيها بسعادة وهي تشعر أن الكون كله لا يسع فرحتها هذه الليلة ...


وفي مكان قصيّ من القاعة جلس مساعد أشرف مع أحدهم يراقبهم بنظرات متفحصة ...قبل أن يميل عليه مرافقه هامساً :


_تفتكر خلاص ؟! هيسكت ويبطل يفتش ورانا؟!


فضاقت عيناه وهو يجيبه باقتضاب شرس:


_سيب العريس يفرح يومين...وبعدها لو لقيناه فاضي لنا ...نشغله!


=========


في مكانهما كان يامن وياسمين يشاركان الثنائيات الرقص ...


كانت تشعر بأن ثمة شيئاً ما يضايقه منذ بدء الحفل حتى أن عينيه كانتا تتحاشيان نظراتها فتنحنحت برقة لتسأله:


_مالك ؟!


كانت عيناه تدوران في الحضور وقد اختلجت عضلة فكه واشية بانفعاله ليغمغم أخيراً بنبرة عصبية:


_هو أنا ازاي خليتك تخرجي بالفستان ده ؟!


انفلتت منها ضحكة رغماً عنها فكتمتها بكفها لينظر إليها أخيراً بغيظ جعلها تقول لتهدئه:


_ماله الفستان بس ؟! مفيهوش أي حاجة !


لكنه توقف فجأة ليقول لها بحزم:


_مش هينفع كده ...تعالي نقعد مكاننا .


شعرت بالحرج وهي ترى العيون تتلفت نحوهما وقد توقفا عن الرقص فجأة لكنها أطاعته لتسير جواره متشابكي الأيدي حتى مكانهما حيث جلسا ليتنهد أخيراً بارتياح وهو يلتفت نحوها ضاغطاً كفها برقة مع همسه الغاضب:


_هو أنا عقلي كان فين لما سبتك تخرجي كده ؟! وكمان واقفة ترقصي كده قدام الناس؟!


فاحمرت وجنتاها حرجاً لتتمتم باعتراض:


_هو أنا كنت برقص بلدي يعني ؟! ده مجرد...


_بلدي ؟! ما هو ده اللي ناقص؟!


هتف بها يقاطعها باستنكار ساخط ومجرد الفكرة تدفع بخيالات شديدة الجموح لرأسه ...


ورغم سعادتها الطاغية بغيرته ودلالتها لكنها هزت رأسها لتقول بأسف مصطنع:


_خلاص...خللينا احنا الكابل الوحيد اللي ما يرقصش معاهم ...كلهم بيبصولنا كأننا متخانقين .


فزفر بسخط وهو يمد ذراعه الحر ليطوق به كتفيها بينما لايزال يمسك كفها بكفه الآخر متمتماً :


_مايهمنيش حد ...لو عايز أرقص لينا بيت نرقص فيه !


رفعت إليه عينيها بسهامها العاشقة لتلقي رأسها على كتفه متمتمة :


_هو أنا ينفع أحبك أكتر من كده ؟!


وكأنما امتصت عبارتها كل جنون غيرته الغاضب لتتبدل ملامحه في لحظات ...


شفتاه تتراقصان بابتسامة لعوب تتناسب وبريق عينيه العابث:


_هو ينفع آه...شدي حيلك انتِ بس!


ضحكت ضحكة صافية وأناملها تتشبث بكفه أكثر عندما رأت هانيا تقترب منهما بنظرات متفحصة ...


قبل أن تتوقف أمام يامن تماماً لتقول له بابتسامة راضية :


_مبروك يا يامن .


رمقتها ياسمين بنظرة متسائلة فالتفتت نحوها هانيا لتقول مفسرة:


_كنت قايلاله مش هبارك له إلا لو حسيت بجد إنه مبسوط ..


ثم عادت ببصرها نحو يامن لتردف بابتسامة واسعة :


_ألف مبروك ...دلوقت بس بقولهالك وأنا متطمنة.


أسبل يامن جفنيه كعهده عندما يشعر بالخجل ليتمتم بكلمات مبهمة بينما شعرت ياسمين بالفرحة الممتزجة بالفخر تملأها وهي ترد مباركة هانيا بكلمات لبقة كعادتها ...


ولم تكد هانيا تنصرف حتى التفتت نحوه لتسأله بدلالها العذب:


_انت بجد مبسوط ؟!


_انتِ شايفة إيه ؟!


قالها بنبرة جادة وهو يربت على كتفها فعانقت نظراته للحظات قبل أن تطرق برأسها قائلة :


_قدامنا لسه مشوار طويل!


_وماله ؟! كل ما المشوار بيطول بنفرح أكتر لما نوصل لآخره .


قالها صادقاً وهو يمنحها نظرة مطمئنة لتعود وتخفي وجهها في كتفه ...وكأنها هاهنا فقط تجد أمانها ...


لتقول أخيراً بما بدا كالدعاء:


_مش عايزة أوصل لآخره يا يامن...طريقي معاك مالوش آخر.


========


_كنت فين ؟!


هتفت بها هانيا بضيق وهي تجد رامز يدخل أخيراً من باب القاعة الذي وقفت تنتظره عنده ...


فأشاح بوجهه قائلاً ببرود:


_كان عندي شغل.


_شغل إيه اللي يقعد لدلوقت ؟!


رمقها بنظرة استخفاف وهو يعقد ساعديه أمام صدره قائلاً بنفس البرود:


_ممكن نكمل التحقيق ده واحنا قاعدين؟!


عقدت حاجبيها بغضب للحظات عندما لاحظت تعلق أنظار البعض بهما


فأرخت ملامحها لتتأبط ذراعه وتسير معه إلى المائدة التي تشاركهما فيها داليا ونبيلة ...


ورغماً عنها تذكرت ليلة زفاف يامن عندما فاجأها هو بهدية ليصالحها فدمعت عيناها وهي تشعر بجفائه الحالي يضعها على أول طريق الخسارة ...


لكن المصيبة هاهنا أنها لا تدري ماذا تفعل!!


هي لا تستطيع السباحة ضد التيار الذي اختارته طوال عمرها هذا ...


لكن...لا بأس من المحاولة...


لهذا تنحنحت بخفوت لتلتفت نحوه قائلة بنبرة جافة عززها كبرياؤها:


_تحب نرقص؟!


_لا!


بدت إجابته كصفعة تلقتها على وجه كرامتها !


حتى أنها بقيت تنظر لجانب وجهه البارد بضع لحظات قبل أن تغمغم بارتباك هزم نبرتها:


_ليه؟!


_تعبان!


بنفس البرود المقتضب نطقها وهو لا ينظر إليها ثم قام من مكانه مردفاً:


_هاروح أبارك لأشرف .


ظلت تراقبه ببصرها واجمة وهي تشعر أن الهوة بينهما تزداد عمقاً يوماً بعد يوم ...


قلبها يناشدها أن تتحرك...أن ترمم ثقب السفينة قبل أن تغرق...


لكن كبرياءها كان يكبلها مكانها ...


كوني كما أنتِ...من أراد أن يقترب فليقترب...ومن أراد أن يبتعد فأفسحي له الطريق ....!!!!!!


=======


أغلق الباب خلفهما ليتنهد بارتياح وهو يقول بنبرة راضية:


_أخيراً اتطمنت على رانيا...فاضل داليا بس وأحس إني كملت دوري معاهم .


فابتسمت وهي ترمقه بفخر قائلة :


_يابختهم بيك .


ربت على وجنتها برقة ليتلفت حوله قائلاً بنبرة غريبة:


_تعرفي إن البيت وحشني ؟! اليوم ده كان طويل فعلاً ....


ثم عاد إليها ببصره مردفاً:


_أكلك كمان وحشني .


ارتفع حاجباها بحنان وهي تضع حقيبة يدها جانباً لتتجه نحو المطبخ هاتفة :


_بس كده ؟! ثواني ..


لكنه جذبها من مرفقها نحوه ليهمس أمام عينيها :


_مش مهم...الليلة دي عندنا حاجة أهم.


تسارعت خفقاتها بانفعال وهي ترمقه بنظرة متسائلة فنزع عنها حجابها برفق هامساً :


_عندنا رقصة متأخرة ...مش هتنازل عنها !


توردت وجنتاها بخجل وهي تراه يبتعد لتلك الزاوية حيث أعطاها ظهره لدقائق قبل أن تنبعث تلك النغمات الهادئة...


ثم تقدم منها ببطء وعيناه تغرسان عاطفته في عينيها غرساً...


ثم توقف أمامها ليتناول من جيب سترته ما اتسعت له عيناها انبهاراً...


عقداً ثلاثي الأدوار من البلاتين تداخلت سلاسله الرقيقة مع أحجار كريستالية صغيرة بجميع ألوان الطيف ...


هذا الذي رفعه الآن لعنقها العاري يلبسها إياه قبل أن تمنحها شفتاه معه -عقداً - آخر من قبلات!


ندت منها أنة خافتة وهي تغمض عينيها بقوة ...


هي تريد أن تشكره ...


أين كلماتها؟! أين لسانها ؟! بل أين هي نفسها؟!


هي تشعر وكأنما اختفى العالم فجأة فلم تعد تسمع سوى صوت


الأنغام وهدير دقات قلبه المواجهة لها ...


أنامله تتلكأ على عنقها ...


تمتد لكتفيها قبل أن تشعر بها تنزع عنها سترتها القصيرة بنفس ألوان ثوبها الطيفية والتي صممت لتستر عريه ...


هنا فقط فتحت عينيها لتضع كفيها على كفيه مانعةً إياه بنظرة راجية !


ظهر الضيق على ملامحه للحظة انقبض لها قلبها وكأنما سقطت فجأة من علياء جنتها إلى الأرض ...


قبل أن ترتخي ملامحه بابتسامة واهنة سبقت همسه الحاني:


_زي ما تحبي.


عضت شفتها ارتباكاً وقد شعرت وكأنما سيفسد تصرفها عليهما متعة الرقص لكنه اقترب منها أكثر مردفاً:


_حلو اختراع الكعب ده ...أيوة كده....أنا رقبتي كانت قربت تتلوح من البص لتحت !


قالها مبالغاً ببعض المرح مشيراً لحذائها ذي الكعب العالي الذي قارب بين طوليهما نوعاً كي يخفف حدة ارتباكها الذي شعر به بمجرد أن بدأ في انتزاع سترتها ...


هي تكره عريها أمام الآخرين ...ربما فقدت ثقتها في أنوثتها مع ما تعرضت له ...وربما يذكرها مشهد بشرتها العارية بانتهاكاتها القديمة...


وربما هو كليهما معاً !


لقد سأل أحد أصدقائه الأخصائيين عن حالتها دون ذكر صفتها


بالطبع ليخبره أنها مادامت تتقبله ولو في بعض لحظات قصيرة فإن الأمر لا يرتقي لكونه مَرضياً ولكنها فقط مسألة وقت!


هذا الذي أسعده كثيراً وهو يشعر وكأنما وضعه القدر في طريقها ليكون دواءها ...كما كانت هي دواءه !


لهذا ما كاد يلمح ابتسامتها حتى انحنى يدللها بشفتيه للحظة خاطفة قبل أن يردف بنفس المرح:


_بتعرفي ترقصي واللا عليه العوض في رجلي النهاردة ؟!


لم تدرِ كيف صارت بعدها فجأة بين ذراعيه ...


ولا كيف تناسبت خطواتها مع خطواته ...


هي لم تكن تراقصه ...هي كانت تدور معه في فلك عشق لم يحوِ سوى نجمه.. ونجمها !!


كفاها مبسوطان على صدره ...وكأن أناملها تتلقف صوت دقاته لتصنع منها عقداً من عشق طالما ارتدته في خيالاتها...


عيناها تتشبثان بنهر حب تسكبه حدقتاه ...تأبيان حتى مجرد الرمش وكأنما تخشى أن تغمضهما فتجده قد جف!


ألوان ثوبها الطيفية تمتزج في عينيها بسواد بدلته فتشعر بتمام


الاكتمال...


أجل...هذه هي الصورة بالضبط كما كانت تراها في حلمها ...


هو بزيّه الأسود بكل ما يحمله من أناقة وغموض يحتوي بين ذراعيه ألوانها المشرقة كلها ...


لهذا دمعت عيناها بفرحة حقيقية وقد انفرجت شفتاها عن كلمات لم تسعفها هاهنا...


لكن شعورها وصله كاملاً دون نقصان ...


حبٌ كهذا لا تقف أمامه سدود ولا قضبان...


هو يخترق الصدور كشعاع من نور لا يحتاج لأن يعرف عن نفسه !


ذراعاه تضمانها نحوه أكثر يكاد يلصقها به حتى وكأن قلب كل منهما ينبض في صدر صاحبه ...


ليهمس لها أخيراً بنبرة غريبة عن طبيعته الخشنة :


_احكي .


رمقته بنظرة متسائلة فألصق جبينه بجبينها مردفاً :


_احكيلي عن يامن اللي ماعرفوش...بحب أسمعك وانتِ بتتكلمي عني...بشوف في عنيكي صورة تانية ليّ عايز أصدقها ...احكيلي عنك...عننا ...عن زمان ...رجعيلي العمر اللي لحد دلوقت ماعرفش راح فين وازاي .


مسحت دمعة سقطت من طرف عينها وهي تشعر بصدى كلماته يدوي بداخلها بقوة ...


هذا هو ما تحتاجه هي الأخرى الآن !


لهذا ابتسمت وهي تغمض عينيها لتسمح لنفسها بالاغتسال في نهر الذكرى...


لتنفرج شفتاها عن ذكريات له تعجب من أن تذكرها بهذه الدقة ...


قمصانه التي كان يرتديها بذوق معين مناسب لتلك الفترة بألوانها التي كانت تذكرها له واحداً واحداً...


نظارته الطبية التي استغنى عنها حالياً بعد عملية "ليزك" والتي ذكرت له أدق تفاصيلها بعدستيها الكبيرتين وانعكاسها


الأزرق"أنتي ريفليكشن" الذي كان يضايقها إذ يمنعها مراقبة لون حدقتيه ..


شاربه الذي حلقه وقتها والذي تمنت لو يبقيه على حاله مع بعض التهذيب ...


عادته "الخالدة" بحك ذقنه عندما يشعر بالخجل ..


طريقته المميزة في تناول "الفشار" وقتها عندما كان يرفعه


لأعلى واحدة واحدة قبل أن يتلقاها كحارس مرمى في فمه الضاحك ...


مشيته المميزة التي كان يضع فيها كفاً واحداً في جيبه بينما يبسط الآخر على صدره ليمنحه طلة كاذبة موحية بالغرور لكنها وحدها كانت تفهم ما خلفها من شعوره بالغربة في مجتمعهم ذاك وقتها ...


شجرة السنديان التي كان يحب الجلوس تحتها في مكان معين لا يكاد يغيره بالنادي ...


مواقف رجولته وشهامته التي سردتها بفخر وكأنها تتحدث عن نفسها لا عنه هو ...


ضحكته التي كانت مميزة ببحتها الخشنة وسط الحضور لكنها كانت تعشقها بعفويتها وبساطتها ...


شعره الذي كان وقتها قصيراً ليس كما الآن بتلك القَصّة التي تقل كثافتها عند الجانبين بينما تعلو قليلاً من المنتصف...


وأخيراً عينيه اللتين لم تتغيرا بعد كل هذه السنوات ...


_لسه زي ما هم...بطيبتهم وحنيتهم...ووجعهم اللي مايقراهوش إلا اللي يقرب قوي !


ختمت بها سيل ذكرياتها عنه وهي تمرغ وجهها في صدره غافلة عن أثر حديثها في نفسه ...


عجباً لها ...كيف طوت صفحات من عمره في بضع دقائق ؟!


كيف أعادت له الذكرى مجسدة وكأنه يرى نفسه تلك الفترة ؟!


لقد ظن أنه كان يكره تلك الحقبة من عمره لما تحمله له من سواد الذكريات ...


لكنها أعادت صباغتها بألوانها السحرية لتعيدها له مفعمة


بالحنين والشجن و...مشاعر أخرى لا يجيد الآن توصيفها وإن كانت تجتاحه بجنون !


لهذا ابتعد بوجهه أخيراً ليتلمس ملامحها بأنامله ببطء شديد وكأنه يرسمها ...يحفرها في وجدانه كي لا تضيع منه مع ما ضاع ...


قبل أن يهمس لها محافظاً على خطواتهما الراقصة المتمهلة :


_كل ده عني أنا...احكيلي عنك أنتِ .


_مش هتفرق ...صدقني...انت كنت أهم حاجة في حياتي...لدرجة إني مابقدرش أفتكر يوم واحد من عمري وقتها إلا وافتكرك معاه .


همست بها بصدق وهي تعود لتخفي وجهها بين ضلوعه ...


أناملها تتشبث بقميصه بقوة وكأنما تخشى من هذا الحلم أن تفيق ...


_لحد دلوقت مش مصدق إن ممكن حد يحب حد كده .


همس بها بشرود وهو يربت على ظهرها محاولاً السيطرة على نزيف ذكرياته الذي عاد للتدفق ...


لكنها رفعت عينيها إليه هامسة بيأس خالط نبرتها العاشقة :


_مش مصدقني؟!


عاد ببصره نحوها...


لا...ليس ببصره فقط ...بل بكُلّه!


أجل كل ما فيه الآن كان مُحتلاً بها من الشريان إلى الشريان !


حتى أنه لم يشعر بنفسه وهو يرفعها من خصرها نحوه هامساً بانفعال:


_هافضل أقول إني مش مصدقك عشان كل يوم تبقي عايزة تثبتيلي ده....


انقطعت عبارته بين شفتيها لتذوب بقية حروفه كالشمع في نيران عاطفتهما ...


إحساسها به الآن كان لا يوصف ...


قدماها لم تكونا تلمسان الأرض حقيقة لا مجازاً معتمدة على ذراعيه المطوقتين لها بقوة ...


ذراعاها تتعلقان به وكأنه آخر طوق نجاة بين يدي غريق...


ووعيها يتسرب منها ليدور في دوائر لا متناهية...


شعور لذيذ يكتنفها ...يضمها...يهدهدها...ويرفعها فوق أرجوحة حلم تكاد قدميها تلامسان السحاب ...


لكنه يعود آسفاً ليختنق متوارياً خلف خوف قديم لا حيلة لها فيه ...


دقات قلبها تتجاوز حد الجنون وهي تشعر أنها غير قادرة على التنفس...


دفعة رقيقة منها كانت كافية ليبتعد عنها أخيراً بوجهه وينزلها أرضاً دون أن يفلتها من بين ذراعيه ...


تباً!!!


الآن يشعر أنه يحتاج ما يفوق قوة البشر كي يمنع نفسه عنها ..!!


لهذا أخذ عدة أنفاس متتالية وهو يشيح بوجهه قبل أن يربت على ظهرها ليبتعد عنها أخيراً وقد لاحظ انقطاع اللحن الموسيقي ...فقال بمرح مصطنع:


_كويس إن الموسيقا خلصت ...لا سني ولا لياقتي يسمحوا بأكتر من كده .


ابتسمت ببعض الخزي الذي امتزج بامتنانها لتتقدم منه مطرقة الرأس بهمسها:


_أنا آسفة .


لكنه ربت على وجنتها ليرفع وجهها نحوه هامساً بجدية تامة:


_بتتأسفي ليه ؟! عايزة الحق؟! أنا اللي المفروض أشكرك...لأن اللي حسيته الليلة دي ماحسيتوش في عمري كله .


_بجد؟!


_أيوة ...ولو قلتِ شكراً يا طيب هاضربك !


قالها ملوحاً بسبابته في وجهها فضحكت ضحكة عالية شاركها فيها قبل أن تتأبط ذراعه لتصعد معه الدرج نحو غرفته ...


ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى كان مستقراً بين ذراعيها على فراشهما بعد حكايتها التي طلبها هو هذه الليلة...


ولأول مرة يستسلم للنوم قبلها ...ربما لأن اليوم كان حقاً مرهقاً ...


وربما لأنه كان يريد الهروب من فوضى مشاعره نحوها بأي طريقة...


ولم تكد هي تشعر بانتظام أنفاسه حتى قبلت جبينه بعمق لتداعب لحيته السوداء الكثيفة بأناملها بحنان سكن ملامحها ...


حنان تبدل للكثير من الخوف الذي استدعى لها الأرق هذه الليلة لبضع ساعات ...


قبل أن تنتبه لصوت رسالة تلقاها هاتفه الموضوع جواره على الكومود ...


رسالة وخزت قلبها وضميرها معاً بفحواها ...


أجل ...تماماً كما توقعتم...


سيلين وضعت طفلها!!!


=======

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...