القطعة الثالثة عشرة
=======
_فيه راجل طالب يشوفك شخصياً!
قالها أحد العمال وهو يدخل عليها جانبها الخاص من مطبخ المطعم الخاص بها فابتسمت وهي تتوقع هويته...
يامن !
تراه جاء وأعد لها مفاجأة ؟!
مسحت يديها في فوطة مجاورة بسرعة ثم نزعت عنها "مِريلة" المطبخ لتتوجه نحو الخارج...
أشار لها العامل نحو الرجل الذي كان يعطيها ظهره فعقدت حاجبيها بدهشة...
إنه ليس يامن !
تقدمت منه بخطوات سريعة لم تلبث أن تباطأت وعقلها يبدأ في استرجاع هذه الهيئة المميزة له...
هل هو ...؟!
معقول؟!
متى عاد ؟! ولماذا الآن بالذات؟!
توقفت فجأة وهي تبسط كفها على صدرها برهبة قبل أن تقرر فجأة العودة للمطبخ قبل أن يراها !
لكنها ما كادت تستدير بظهرها لتسير بضع خطوات حتى سمعت صوته خلفها :
_بتهربي ليه ؟!
وقفت مكانها للحظة والدموع تتكاثف في عينيها ...
تعيد إليها مرارة ذكرى لا تريد الخضوع لها ...
ولن تفعل!!
لهذا أخذت نفساً عميقاً تتمالك به قوتها ثم التفتت نحوه لتقول بلهجة جامدة :
_ما اسموش "هروب"...اسمه "مش عايزة أقابلك"!
التوت شفتاه بابتسامة حملت كل مشاعره في هذه اللحظة ...
حنين ...مرارة...خزي...حسرة...
كل هذا مغلف بإعجاب بدا في كلماته :
_لسه بتعرفي تختاري كلامك كويس...
ثم دار عليها بعينيه مردفاً بنبرة ذات مغزى:
_بس يا ترى اتعلمتِ تختاري طريقك كويس كده برضه ؟!
اتسعت عيناها للحظات وكأنما انفتحت لها بوابة من ماضٍ لها معه ...
عجيبٌ هذا الزمان عندما يغير مواقع الناس على خرائط قلوبنا...
ليجعل ما ظنناه "رافد النهر" الخصب مجرد صحراء قاحلة!
_مبروك جوازك!
انتشلها بها من أفكارها فتلفتت حولها تهرب من لقاء نظراته لتقول
بنفس النبرة القوية :
_انت إزاي تتجرأ تيجي لحد هنا؟! ..أنا لحد دلوقت محترمة اللي كان بيننا ...لكن...
_أنا ضيعت كل اللي كان بيننا في ساعة طيش وعارف إن ماليش عندك حقوق .
قاطع بها عبارتها بمزيج من حزم وأسى لتعاود النظر إليه بعينين ارتجفتا رغم محاولتها التظاهر بالقوة...
فزفر زفرة أخيرة سبقت قوله :
_أنا جاي بس أطمن عليكِ...قولي إنك كويسة ومبسوطة وأوعدك مش هتشوفيني تاني .
ردتها عبارته لواقعها فكتفت ساعديها لترفع رأسها بقولها :
_مبسوطة جداً يا زين.
قالتها بنبرتها العنيدة المحاربة التي يعرفها فتنهد ببعض
الارتياح وهو يشعر أنه قد حقق الغرض من زيارته ...
لهذا هز رأسه قليلاً وهو يرمقها بنظرة طويلة وقد انفرجت شفتاه وكأنه يقاوم حديثاً طويلاً يوشك أن يبوح به...
قبل أن يغادرها بخطوات متباطئة ...
ظلت ترمق ظهره المنصرف حتى اختفى عن ناظريها لتلتمع عيناها بالدموع من جديد ثم اندفعت لداخل المطبخ الذي أغلقت بابه واستندت عليه لتسمح لدموعها أخيراً بالانهمار ...
_مالك يا ياسمين ؟!
هتفت بها مساعدتها بجزع وهي ترى انهيارها هذا فمسحت دموعها بسرعة بينما المرأة تردف :
_مين الراجل اللي كان عايزك ؟! وقاللك إيه عشان ده كله ؟!
لكنها رفعت رأسها لتأخذ نفساً عميقاً قبل أن تجيبها بشرود :
_واحد كان عايز مني خدمة بس ماقدرتش أساعده !
_وانتِ عشان كده بتعيطي؟!
سألتها المرأة بإشفاق لتتجاهل سؤالها مجيبة بنبرة قوية:
_نبهي على كل العمال هنا إني ما بقابلش أي حد من زباين المطعم.
_انتِ خايفة ييجي تاني؟!
سألتها مساعدتها ببعض القلق لتجيبها بثقة لم تخلُ من مرارة:
_مافتكرش هييجي تاني.
========
وقفت في المطبخ تعد له العشاء وهي شاردة في أفكارها لتبتسم أخيراً بحب وهي تدرك أن مجرد انتظاره ...سعادة !
نظرت في الساعة المعلقة على الجدار لتتبين قرب وصوله فتحركت لتمشط شعرها بسرعة عندما سمعت صوت الجرس فاندفعت لتفتح الباب لكنه لم يكن هو ...
بل نبيلة !
رفعت حاجبيها للمفاجأة قبل أن تهتف بترحاب :
_النجمة هنا !! أهلاً ...اتفضلي!
ابتسمت نبيلة بغرور وهي ترد بعبارات لبقة قبل أن تدلف إلى الداخل لترمقها بنظرات متفحصة...
منامتها الطويلة الواسعة بلونها النبيذي تحت "مريلة المطبخ" التي حملت اللونين النبيذي والأبيض ....
وجهها الذي خلا تماماً من الأصباغ...
شعرها القصير فوضوي الهيئة كالعادة والذي يشي بجهل تام لطريق "الكوافير"!
ربما لو قيّمتها الآن كأنثى فستمنحها "صفراً كبيراً" بضمير مرتاح !
ويبدو أن ياسمين قد قرأت هذا في نظراتها فضحكت لتقول ببساطة بينما تخلع مريلة المطبخ لتضعها جانباً:
_يامن على وصول ...لازم أفضل في المطبخ لآخر لحظة عشان ييجي يلاقي الأكل دافي زي ما بيحبه .
وكأنما كانت عبارتها -مفتاحاً- لباب خاص في قلب نبيلة
"الأم" التي تبدلت نظرتها لها لترق لهجتها كثيراً مع قولها:
_خلاص عشان ما أعطلكيش...نقف سوا في المطبخ !
قابلت ياسمين الفكرة بترحاب وهي تصطحبها للداخل حيث جلست نبيلة على أحد الكراسي تراقبها وهي تعد الطعام ...
وبينما كانت ياسمين منهمكة في ثرثرتها الحيوية حول مواضيع كثيرة فتحتها بلباقة كانت نبيلة شبه واعية وتركيزها كله منصباً حول "مريلة" المطبخ التي وضعتها ياسمين هناك ...
شيء ما في هيئتها البسيطة وخز قلبها بشعور غامض ...
شعور بافتقاد هذه الحياة الدافئة التي لم تجربها -هي- إلا قليلاً...
ترى كيف كانت حياتها لتكون لو لم تفضل مستقبلها ك"نجمة" على منحة القدر كزوجة وأم عادية ؟!!
ذكرها الخاطر الأخير بما جاءت لأجله فتنحنحت لتقول بنبرتها ذات الكبرياء المعهود :
_عرفتِ إن سيلين ناوية تسافر بالولد ؟!
تجهمت ملامح ياسمين فجأة لتتوقف عما تفعله قبل أن تتقدم نحو نبيلة لتجلس أمامها قائلة :
_صدقيني أنا حاولت أقنع يامن كتير إنه يرجع لها عشان خاطر ابنه ...لكن حضرتك عارفة إنه عنيد...كمان سيلين رفضت تعمل الاختبار اللي طلبه وده زود شكوكه .
_وانتِ شايفة إيه ؟!
سألتها نبيلة بنبرة متشككة فتنهدت ياسمين بحرارة لتجيبها:
_رفضها للاختبار ده مش معناه إنه مش ابنه...أنا لو مكانها مش هاقبل إني أبقى مجال شك وإن شرفي يتحط تحت رحمة مجرد ورقة ...كمان أنا شفت الولد ...ملامحه كلها من يامن.
تهدج صوتها في عبارتها الأخيرة وهي تتذكر مشاعرها التي انتابتها عندما رأت الرضيع ليلتها في المشفى حيث وضعت سيلين...
كيف تصف هذه الرجفة التي أصابت قلبها وهي ترى ذاك الكيان الضئيل الذي يشبه حبيبها وزوجها ...والذى يُفترض أنه ابنه من امرأة سواها ؟!!!
هذا الشعور المقيت بالذنب وهي ترقب ملامحه البريئة التي رأتها بعين المستقبل تتهمها بحرمانها من أبيه ؟!
هذه الغيرة التي تملكتها وهي ترى بخيالها ثمرة ليلة عشق لرجلها من امرأة منحته ما تزال -هي- غير قادرة على منحه ؟!
وهذا "الأمل البعيد"...البعيد تماماً كالسماء...والقريب جداً مثلها ...أن تحمل هي يوماً منه طفلاً مثله ؟!!
هذا الطوفان من المشاعر الذي اجتاحها ليلتها والذي لايزال يؤرق مناماتها كل ليلة من حينها ...
لهذا استطردت بنفس النبرة المرتجفة:
_أنا مش خايفة من حاجة أد ما أنا خايفة إن يامن يندم في يوم من الأيام إنه فرط فيه ...يعرف إن وساوسه وشكوكه حرمته من أكبر نعمة في الدنيا ...ساعتها هيكره نفسه وهو شايف إنه في عيون ابنه ميت بالحياة ..
انقطعت عبارتها مع اتساع عينيها المصدومتين وهي ترى دموع نبيلة تملأ مقلتيها دون أن تسيل على خديها...
لتبتلع هي بقية عبارتها بندم وهي تدرك ما وصلها ...
لكنها للأسف لم تستطع التراجع !!
بينما رمقتها نبيلة بنظرة شاردة وهي تشعر وكأنما يعيد التاريخ نفسه ...
لتقول بنبرة فقدت كبرياءها العتيد لتحل محله رياح من ندم:
_عندك حق ...فيه ذنوب ما بيسامحناش عليها الزمن ...ولا بنسامح عليها نفسنا ...
دمعت عينا ياسمين وهي تشعر أنها ترى هذا الوجه من نبيلة لأول مرة ...
بعيداً عن بهرجة أناقتها وزهوة غرورها وأفكارها التي تبدو أنها لا تدور إلا في فلك نفسها فحسب ...
لكن "النجمة" لملمت رداء عاطفتها بسرعة لتردف بصوت عادت إليه قوته:
_عشان كده جيتلك النهارده عشان تقنعيه ...أنا عارفة إنه صعب عليكِ كستّ إنك ترضي بكده بس...
_والله ما بفكر كده خالص...ربنا عالم حاولت أد إيه بس يامن عنيد وشكاك ...وتصرفاتها الأخيرة زودت شكوكه ...بس هحاول معاه تاني يمكن يلحق يوصل لحل معاها قبل ما تسافر .
قالتها ياسمين بحرارة لا تدعيها قبل أن تصلها رائحة نفاذة من الفرن فانتفضت من مكانها لتستخرج صينية الطعام ثم وضعتها على الطاولة لتقول بابتسامة واهنة:
_الحمد لله إني لحقتها ...آه...
لم تنتبه أن حرارة الصينية لسعت جزءاً من جانب كفها
الآن !
فاندفعت نحو الحوض تريق عليها الماء بينما نبيلة تهتف خلفها بعبارات جزعة لكنها تناولت من دولاب المطبخ أنبوبة مرهم وضعت منه على جرحها لتقول ببساطة :
_ماتقلقيش أنا واخدة على كده ...إصابات عمل!
أرفقت عبارتها الأخيرة بضحكة رقيقة قبل أن تعاود عملها في المطبخ تحت عيني نبيلة المدققتين لما تفعله ...
كانت الآن قد قامت بتشغيل المروحة الكهربية الصغيرة أمام صينية الطعام لتقول بانطلاق:
_يامن مابيحبش الأكل سخن قوي ...بضطر أبردهوله شوية كده لأنه على وصول ...مش عارفة اتأخر ليه .
لكن مالم تعلمه أنه لم يكن قد تأخر ...
كان واقفاً في الحديقة يراقبهما خلسة عبر نافذة المطبخ المفتوحة بعدما عاد ليجد سيارة أمه بالخارج ...
لم يكن يعلم نيتها وإن خمن أنها ستضايق ياسمين بحماقاتها المعهودة لكنه لم يتوقع أن يسير الحوار بينهما هكذا ...
أجل ..لم تكن ياسمين وحدها من لاحظت صبغة الندم في حديث نبيلة...هو أيضاً استشعرها بقلبه الذي طال ظمأه لها ...
لهذا فضل أن يبقى حيث هو يراقبهما دون أن تشعرا ...
_يامن بيحب أكلك ...دايما يشكر فيه !
قالتها نبيلة بنبرة غريبة هي مزيج من إعجاب وحسد فابتسمت ياسمين وهي تسكب العصير في دورق خاص لتجيبها بصوت حمل عاطفتها كاملة:
_أهلي وقرايبي وأصحابي ...مطعم ناجح وزباينه كتير ...والفرع التاني في الطريق ...بس كل دول ولا حاجة لما بحس إنه هو بس بيحب ياكل من إيدي .
عادت عينا نبيلة تلتمعان بدموع خفية وهي تعاود سؤالها بصوت مهزوز:
_بتحسي بإيه ؟!
_يااااه ...لما ييجي تعبان وجعان وعنيه تلمع أول ما يشوف الأكل ...لما أعرف إنه قعد طول اليوم مايدوقش حاجة عشان مايزعلنيش لما ييجي ويخلص أكلي كله ...لما أبقى متأكدة إنه شبع بس صعبان عليه يضيع تعبي فيدوق من كل الأصناف ...بحس وقتها إني خدت أكبر جايزة في الدنيا .
قالتها بمرح حقيقي وهي تدور في المطبخ كالنحلة ما بين غَرف الأطباق وإعداد مائدة السفرة ...
بينما كانت نبيلة غافلة بشرودها حتى عن عرض مساعدتها ذوقياً...
لتسألها أخيراً بنفس النبرة :
_كل ده عشان بس بياكل من إيدك ...امال لما بيحضنك بتحسي بإيه ؟!
تجمدت ملامح ياسمين لأول وهلة من جرأة السؤال لكن نظرة واحدة لعيني نبيلة الشاردتين بحسرة أنبأتها أن
الأمر يتجاوز -ظاهر- معناه ...
لهذا ابتسمت بتفهم وهي تتوجه نحو حماتها لتنحني نحوها فتربت على ركبتها قائلة :
_حُضن يامن دافي ويسع الكل ...أكيد حضرتك أدرى مني بيه .
_عمري ما جربته !
تمتمت بها نبيلة بصوت بالكاد يسمع لتتسع عينا ياسمين بصدمة لم تلبث أن تحولت لإشفاق ...
بينما كانت نبيلة أمامها في حالٍ من نفسها لا تعرفه !!!
ماذا فعلت بها هذه الزيارة ؟!
لقد جاءت إلى هنا حانقة بشدة وهي تتصور أن ياسمين تساند يامن في فكرته القاسية عن التخلي عن ابنه ...
لكنها منذ دخلت إلى البيت وهي تستشعر هذا الدفء الغريب الذي انتقل منه إليها ...
بالإضافة إلى هذا الشعور المكتسح الذي يجتاحها ...
شعور أقرب "للحسد"!!
حسد؟!!
أو فلنقل للدقة اللغوية "الغبطة"!
أجل ...كم تغبط ياسمين الآن على هذا "الدور الحقيقي" الذي تؤديه في الواقع والذي لا تساويه كل أدوارها "الزائفة" في عالمها المبهرج ...
تغبطها على عاطفة يامن الذي لا يبرح يمتدحها أمامهم بمناسبة ودون مناسبة سواء في وجودها أو غيابها ...
تغبطها على حبها -هي- له والذي يبدو جلياً في أفعالها قبل كلماتها ...
حبها الصادق المتفاني الذي عجزت هي عن منحه له منذ طفولته وحتى الآن !
ورغم غمام الحسرة الذي كاد يوشك أن يمطر على وجنتيها الآن لكنها تغلبت على كل هذا لتستعيد سابق كبريائها وهي تشيح بوجهها فتتجاهل كل هذا مع قولها:
_هو اتأخر كده ليه ؟! أنا كنت جاية عشان أكلمكم في موضوع ابنه وبس...اتصلي شوفيه عشان ورايا حفلة مهمة بعد ساعة .
فاتسعت عينا ياسمين وهي تنتبه أخيراً لما ترتديه حماتها ...
يامن سيصاب بذبحة صدرية لو رأى هذا الثوب ...
لكن...هو بالتأكيد قد تعود على هذا!
لهذا تنحنحت لتقول بترحاب بشوش:
_أبداً...حضرتك مش هتمشي قبل ما تتعشي معنا .
بدا الرفض على وجه نبيلة لتفصح عنه بكلمات مقتضبة لكن ياسمين ظلت على إلحاحها حتى انتزعت موافقتها ...
_السلام عليكم .
قالها وهو يدخل عليهما المطبخ أخيراً بعدما اكتفى بهذا القدر مما سمع ...
لتستقبله نبيلة بعاطفتها المكتومة خلف مصافحتها التقليدية قبل أن تقول بعجرفتها المعهودة:
_هاغسل إيدي قبل الأكل .
تابعها يامن ببصره بأسى بينما تغادر المطبخ وهو يكاد يقسم أنه قد رأى اليوم منها وجهاً لم يره طوال حياته...
صدقت ياسمين عندما كانت تشبه البشر جميعاً ب"السينابون"...
دوائر ملتفة يختلف ظاهرها عن باطنها...مزيج من لذوعة الذنب وحلاوة الفطرة ...لكنهم جميعاً عجين متخمر بماء الماضي.
_أنا محضرة السفرة ...اغسل انت كمان إيديك.
انتشلته بها ياسمين من شروده فالتفت نحوها بنظرة طويلة قبل أن يجذبها فجأة ليضمها لصدره بقوة !
أطلقت آهة خافتة أتبعتها بابتسامتها وهي ترفع عينيها إليه هامسة بعاطفة اتشحت بدلالها:
_وحشتك ؟!
لم يجبها بكلماته بل شدد ضغط ذراعيه حولها وعيناه تغنيانه عن أي رد ...
فاتسعت ابتسامتها وهي تستطيل على أطراف أصابعها لتقبل جبينه هامسة :
_وانت كمان وحشتني قوي...
_بوسي على أدّك يا "نخلة"!
همس بها مشاكساً وهو يضم رأسها الموازي لصدره فضحكت وهي تقبل ما نالته شفتاها ...
ثم مدت رأسها تنظر للخارج مردفة:
_ياللا عشان منتأخرش على مامتك .
لكنه انحنى برأسه ليغرس وجهه بين حنايا عنقها مشدداً عناقه للحظات وكأنه لم يسمعها ...
قبل أن يقبل رأسها ليبتعد بابتسامة واهنة جعلت قلبها يرقص طرباً....
سعادتها بمشاعره الوليدة الصامتة نحوها كانت تشع من نظراتها طوال تناولهم للعشاء ...
دعاباته التي زاد مرحها بشكل غريب هذه الليلة ومشاكساته الحنون لها أمام أمه ...
وأخيراً "شوكته" التي تلبسها "جنيّ" ما لتسقط كل بضع دقائق فينحني ليلتقطها مداعباً ساقها خفية تحت المائدة !!!
وجهها كان يكاد يحترق بخجله وهي تشعر بحركاته مفضوحة تماماً أمام نبيلة التي كانت ترمقهما بنفس النظرة الغريبة بين رضا وغبطة وحسرة ...
حتى سألها يامن باهتمام:
_سبتِ داليا لوحدها في البيت ليه ؟! كنتِ جبتيها تتعشى معنا!
لكن نبيلة ردت بغير اكتراث:
_داليا مش في البيت ...خرجت تذاكر عند صاحبتها !
_إيه؟! لحد دلوقت!!
هتف بها يامن بحدة وهو ينظر للساعة جواره لترد أمه بنفس النبرة اللا مبالية:
_وفيها إيه؟!
كز يامن على أسنانه فربتت ياسمين على ركبته مهدئة بينما تناول هو هاتفه ليتصل بداليا وما كادت تفتح الاتصال حتى هتف بها :
_انتِ فين دلوقت؟!
صوتها المرتبك وصله مجيباً:
_بذاكر عند واحدة صاحبتي .
_اديهالي أكلمها!
ظل الصمت نصيبه للحظات قبل أن يصله صوتها بارتباك أكثر:
_متحرجنيش معاها يا يامن ...هتقول عليّ عيلة صغيرة أهلها مش واثقين فيها !
_وهو فيه واحدة محترمة تقعد بره بيتها للساعة دي ؟! انتِ فين وأنا آجي آخدك .
_باباها هيوصلني ...صدقني ...نبيلة عارفاه ...أرجوك يا يامن متحرجنيش معاهم أكتر من كده ...لما أروح هاكلمك !
أغلق الاتصال بعنف ليلتفت نحو نبيلة هاتفاً :
_تعرفي صاحبتها دي وباباها اللي بتقول هيوصللها ؟!
لم تكن نبيلة تعلم عما يقوله شيئاً لكنها تصنعت المعرفة لتقول بنبرتها المتعالية:
_طبعاً...داليا مابتخبيش عني حاجة...بنت محترمة وباباها راجل كويس ...ماتقلقش .
قالتها لتهدئ غضبه لكنه بقي عاقداً حاجبيه للحظات وقد قرر محادثة هانيا من جديد كي تتقرب من هذه الطائشة الصغيرة أكثر ...
ثم قال محدثاً أمه بنبرة حازمة:
_مفيش تأخير بره البيت عن الساعة التاسعة لداليا....وأي واحدة صاحبتها تخرج معها يبقى معاكِ رقمها ...مفهوم؟!
مطت نبيلة شفتيها باستياء وهي تومئ برأسها فتنحنحت ياسمين لتلطف الأجواء بقولها :
_هاقوم أجيب العصير ...معلش نسيته !
قالتها ثم قامت لتحضر العصير من المطبخ لكنها ما كادت تتحرك بضع خطوات حتى تعثرت بطرف السجادة وعندما حاولت استعادة توازنها بالتمسك بشيء ما لم تجد سوى سوى تلك المزهرية الضخمة التي تقاربها طولاً تقريباً....والتي سقطت الآن -معها- على قدمها!
شهقت نبيلة بترقب بينما لم يستغرق يامن بضع ثوانٍ ليكون جالساً أمامها على الأرض يرفع ساقها أمامه بعدما أزاح المزهرية ليهتف بجزع:
_حركي رجلك ...بتوجعك ؟!
ابتسمت ياسمين بحرج فلم يكن الأمر يستحق منه كل هذا خاصة عندما تقدمت منهما نبيلة لتقول بقلق:
_عاملة إيه؟!
_ولا حاجة ...دي وقعة بسيطة !
قالتها ياسمين وهي تعود بظهرها لتستند على راحتيها على الأرض محاولة حفظ توازنها مع رفع يامن لساقها وتفحصه له ...
لكن عينيه التمعتا بمكر وهو يرفع سروال منامتها ل-ما فوق ركبتها- مع تحريكه لمفصل قدمها قائلاً بحزم مصطنع:
_تعرفي منين انتِ؟! أغلب الكسور مبنحسش بيها في وقتها !
شحب وجهها وهي ترى ساقها مكشوفة أمامه وأمام نبيلة التي انتبهت لما يفعله ابنها.... خاصة عندما تحركت أصابعه على طول ساق زوجته ليضغطها في مواقع عدة هاتفاً في كل مرة :
_طب حاسة بوجع هنا؟!
رمقته ياسمين بنظرة راجية وهي تحاول نزع ساقها منه هاتفة بين خجل وحرج:
_والله كويسة...والله مفيش أي وجع!
لكنه ظل على ما يفعله حتى وصل لما فوق ركبتها بينما هي تكاد ترجوه بصوت مرتجف:
_خلاص يا يامن ...كويسة ...خلاص!
ظلت تكررها بخجل شديد أنساها رهابها المعتاد من انكشاف جسدها أمام الآخرين ...
خاصة عندما قالت نبيلة ببعض المكر وهي تتابع ما يفعله يامن بحدسها الأنثوي:
_طيب...أستأذن أنا عشان تكشف على الباقي براحتك !
آه هذا ما كان ينقصني!!
همست بها ياسمين في نفسها وهي تكاد تذوب خجلاً مع قولها المتحشرج:
_لا كملي حضرتك أكلك...
قالتها وهي تدفع يامن ببعض العنف لكن نبيلة تناولت حقيبتها لتقول بتعجل:
_معلش اتأخرت على الحفلة...المهم إنك بقيتِ كويسة...قومي اقفي عشان يامن يطمن !
اكتست عبارتها الأخيرة بالكثير من المكر الذي زاد خجل "البائسة" ياسمين الآن ...
لهذا ما كاد يامن يقف ليوصل والدته إلى الباب حتى عدلت ملابسها لتهب من جلستها ثم توجهت إلى المطبخ تحاول الاختباء عن عينيهما بأي طريقة ...
عاد إليها ليجدها واقفة أمام الثلاجة وقد استندت عليها معطية إياه ظهرها ووجهها مدفونٌ بين كفيها ...
فتنهد بحرارة ليتقدم منها ثم أمسك كتفيها يديرها نحوه قبل أن يزيح أصابعها من على وجهها هامساً بحزم حنون:
_أنا قصدت أعمل كده ...وقدام نبيلة ...عشان تتغلبي على حكاية خوفك دي !
دمعت عيناها وهي ترمقه بنظرة غريبة هي مزيج من خزي وألم وامتنان ...
قبل أن تخفي وجهها في صدره لتهمس بصوت مرتجف:
_انت ماتعرفش أنا بحس بإيه لما جزء من جسمي بينكشف قدام أي حد ...بحس إني خايفة قوي ...وصغيرة قوي .
_وانتِ ماتعرفيش أنا بحس بإيه وقتها ...بحس إنك جميلة قوي .
همسه الأجش كاد يلفح وجهها بحرارته فرفعت عينيها إليه من جديد لتسأله بنفس النبرة المهتزة:
_هسألك سؤال ...يعلم ربنا عمري ما سألته لحد ...بس انت بالذات عايزاك تجاوبني وبصراحة ...
ثم ازدادت ارتجافة شفتيها حتى أطبقتهما لتردف بصوت خفيض جداً يكاد لا يُسمع:
_انت ...بجد...شايفني ...
قاطع عبارتها بشفتيه وقد فهم ما تريد قوله ليعز عليه كثيراً أن تسأل امرأة -مثلها - هذا السؤال !!!!
لو رأى ذاك الوغد طليقها فسيقتله نكالاً بما فعل بها ...
هو لم يؤذِ جسدها فحسب، هو ذبح أنوثتها بسكين ثلم !!
كيف هز ثقتها في نفسها حد أنها تسأل هذا السؤال؟!
إنها -بمواصفاتها الشكلية - في بلد كمصر تعد قِبلة للأنظار أينما حلت ...
ألا ترى كم يغار عليها ؟!
بل إنه يكاد يجن لو رأى أحدهم يطيل النظر نحوها !
لهذا احتضن وجنتها براحته ليهمس لها بصراحة تامة:
_أنا عمري ما اتهزيت لجمال واحدة ست ...هنا أو في لندن ...مش هاتكسف أقوللك إني عندي عقدة من الشُقر ...في الأول اخترت بسنت وسيلين عشان كانوا في خيالي الصورة المثالية للجمال وبعد اللي عملوه بقيت بكره أشوف أي ست شقرا ...
اتسعت عيناها بترقب وكأنما ترتشف كلماته ارتشافاً ليبتسم هو مردفاً :
_لكن معاكِ انتِ بحس إني مش حاطط قواعد ...انتِ جميلة عشان انتِ ياسمين ...سواء كان شعرك أصفر أو أسود...سواء كنت شقرا أو سمرا ...عنيّا شايفاكِ أيقونة جمال لوحدها من غير أي معايير.
ابتسامتها التي امتزجت مع دمعتها الآن كانت أجمل في عينيه من أي وقت رآها فيه ...
خاصةً مع احمرار وجنتيها الذي وشى بخجلها والذي تهربت منه بتغيير الموضوع :
_الأكل كان حلو؟!
_طبعا!
_السفرة كان شكلها كويس؟!
_ممتاز!
_يعني تفتكر عجبت مامتك...مممم...هتحبني؟!
_ومين شافك وماحبكيش؟!
انفرجت شفتاها بذهول وهي تسمعها منه لترمقه بنظرة غير مصدقة...
بينما تراجع هو خطوة وكأنما استاء من بَوْحه هذا الذي خرج دون تخطيط !!
ورغم شعوره بالرضا عن سعادتها التي رسمها اعترافه -غير المباشر- هذا ...
لكن سلطان وساوسه عاد يراود عقله ...يحذره ألا يندفع ...
ما خاب من تبع عقله ...لكن تابع القلب مخذول !
لهذا أشاح بوجهه وهو يبتعد عنها خطوة أخرى ليقول بصوت عادت إليه خشونته :
_هاطلع أخلص كام موضوع كده ع اللاب قبل ما يغلبني النوم .
قالها ثم أعطاها ظهره لينصرف دون أن ينتظر ردها لتفاجئه بندائها خلفه:
_يامن!
ولم يكد يلتفت نحوها حتى فوجئ بها تندفع نحوه لتتعلق بعنقه بقوة ...
تزرع حقول غرامها فوق شفتيه ...
اتسعت عيناه بصدمة للحظة وهو يراها لأول مرة تبادر نحوه بخطوة في هذا الطريق الذي طالما حرمت عليه خطواته ...
قبل أن يجد نفسه يرفعها نحوه ليضمها بقوة هو الآخر ...
يتلقى عطاياها ويردها بالمزيد !!
لحظات مرت بهما صاخبة ملتهبة قبل أن تبتعد هي بوجهها لتنزل بقدميها إلى الأرض وتهمس بين أنفاسها اللاهثة :
_عمري ما هنسى الليلة دي ...انت ماقلتش كلمتين حلوين والسلام...انت رجعتلي عمر ...عارف يعني إيه رجعتلي عمر؟!
توهجت عيناه بعاطفة صارخة ونظرات عينيها تشعل قناديله المطفأة واحداً تلو الآخر ...
تزعم أنه أعاد لها عمراً فما الذي فعلته هي به ...
هي أعادت له "حياة"!!
_أنا كمان عمري ما هنسى الليلة دي ...
همس بها بحنان مسها قبل أن تعود لصوته رنة عبثه الفظّة مع استطراده:
_ويُفَضّل تبعدي دلوقت عشان تعدي على خير!
عضت شفتها بخجل غطى على خوفها المعهود من انحشار الكلام في "تلك الزاوية" لتطيعه وتبتعد ...
هذه الطاعة التي كانت أبعد ما يكون عن مراده الآن لكنه فعلها مجبوراً وهو يدرك أن الطريق لايزال ينتظر الكثير من "الأمان" الذي يعزز خطواته...
الأمان الذي يحتاجه كلاهما ...ليعطيه ويتلقاه بنفس اللذة !
=======
زفرت بضيق وهي تغلق الاتصال مع يامن لتعيد هاتفها لحقيبتها ...
كانت جالسة في ذاك الملهى الذي يشعرها بالتقزز لكنها لا تنكر تلك اللذة التي تتملكها عندما تخطو بابه ...
صوت الأنغام الصاخبة يقرع جسدها ليمنحها نشوة التمرد ...
نظرات العيون الجائعة نحوها تجعلها تتذوق نكهة النجومية التي طالما حسدت بيللا لأجلها ...
لغة جسدها التي تتأرجح بين غرور وتلذذ تجعلها مطمعاً للكثيرين هنا ...
حتى أنها تلقت بعض العروض -المباشرة وغير المباشرة- ممن يظنون أنفسهم قد يغررون بواحدة مثلها ...
لكنها كانت تجيد الدفاع عن نفسها ...أو -هكذا كانت تظن-!!
اللعنة!
لقد كادت الليلة تمر على خير كسابقاتها لولا اتصال يامن هذا ...
هي تعرفه جيداً مادام قد دس أنفه في أمر كهذا فستخضع لتعليمات مشددة منه الفترة القادمة وربما لن تتمكن من الحضور هنا كالسابق!
لهذا عادت تزفر بحنق وهي ترفع عينيها للكرة الذهبية المعلقة في السقف هناك والتي تراقصت عليها الأضواء بجنون لذيذ لتزيد من نشوة شعورها بالانطلاق ...
قبل أن تقف مكانها لترتدي سترتها فوق بلوزتها عارية
الأكتاف والتي تثق أنها بلونها الأحمر الناري كادت تذهب بعقول نصف الحضور ها هنا !
تناولت حقيبتها لتغادر المكان بخطوات متمايلة عامدة...
ولم تكد تخرج لتصدمها الرياح الباردة بالشارع حتى فتحتها لتستخرج منها وشاحاً انتوت أن تغطي به رأسها تحسباً لأن يكون يامن قد عاد مع نبيلة للبيت كي يوبخها على تأخيرها ...
كانت قد بدأت في لفه حول رأسها حين فوجئت بالهتاف خلفها :
_ما تتعبيش نفسك ...اللي كنتِ مخبياه ظهر خلاص!
استدارت نحو محدثها وقد همت بالصراخ فيه لولا أن تعرفت إليه ...
مروان "القبيح" ...صديق يامن المقرب!!
"القبيح"؟!!!
نعم...هذا هو اللقب الذي كانت تطلقه عليه في نفسها كلما صادفت ورأته ...
رأسه الذي غزاه الصلع في هذا السن المبكر ...
ثيابه التي يعود طرازها لما يسبق عامنا بعشر سنوات على الأقل...
نظارته السميكة التي تناسب كونه "طبيباً" معقداً يظن نفسه أذكى خلق الله لمجرد أنه كان "يحفظ" هذا الهراء المدرسي ل"يلقيه" على ورقة اختبار انتهت به لكلية سخيفة تتاجر في آلام الناس باسم "الرحمة"!
فكيف يكون بعد كل هذا إلا قبيحاً؟!!
لكن أفكارها -المتطرفة- هذه تجمدت الآن أخيراً خلف شعور واحد ...
الخوف!
لو علم يامن بما تفعله فستكون مصيبة !!
لهذا ارتجفت شفتاها بخزي وهي تتمتم بحروف مهتزة:
_دكتور مروان...بتعمل إيه هنا؟!
_هنا في الشارع؟! واللا هنا بره "البتاع" اللي انتِ خارجة منه ده ؟!!
هتف بها باحتقار وهو يراقب ملامحها التي طالما عشقها بذهول ...
فاتنته "الصغيرة" التي ظن أنه ينتظر تفتح براعمها يفاجأ بها غارقة في بركة من وحل!!
مكالمة "هيثم" ليلة زفاف رانيا أشعلت المزيد من نيرانه
الآن وهو يتذكر فحواها ...
الغافل هيثم كان يظنه يامن فمضى يحكي له عن أفعالها الغريبة طالباً منه ملاحظة تصرفاتها خاصة مع تلك
الألعاب الالكترونية المخيفة التي دأبت على الهرب إليها بدافع المغامرة !
أجل ...فعلها هيثم ظناً منه أنه يؤدي واجبه نحوها بعدما أجبره عنادها أن يخرج من حياتها ...
ولم يدرِ أنه قد فتح عليها باباً من جحيم آخر ...
وهل أشد من جحيم عاشق أفاق من عذوبة حلمه على مرارة خذلانه؟!
لهذا قرر مراقبتها كي يتأكد مما سمعه ...وليته ما فعل!
ها هو ذا يجدها تخرج من ذاك المكان خالعة حجابها والآن تريد إعادة ارتدائه فقط لتكمل تمثيلية خداعها أمام أقاربها!
صحيحٌ أنه قد دخل وراءها -خفية- ليطمئن أنها وحدها
وألا أحد يضايقها ...
لكن صدره كان يغلي فوق مراجل الشك وهو يراقبها من بعيد لا يكاد يصدق أنها هي ...هي نفس الفتاة التي شغف بها حباً!
_مكنتش جوه...لا ...بصراحة كانت ...كانت حفلة ...حفلة عيد ميلاد واحدة صاحبتي وخفت أقول ليامن يرفض ...أصل...
قطعت كلماتها المتلعثمة الكاذبة وهي تطرق برأسها وقد شعرت أن كذبها مفضوحٌ أمام نظراته النارية ...
لكن ...مهلاً!
ما شأنه هو بها؟!
لولا خوفها من أن يفضحها أمام يامن لألقتها في وجهها بجرأة !
ماذا ؟! تراه معجبٌ بها؟!
نعم...هذا تفسير نظراته الغريبة نحوها والتي لاحظتها ليلة زفاف رانيا ...
آه ...هكذا إذن ؟!
فلتستغل إذن مشاعره هذه حتى تفلت من هذه الورطة وبعدها تتخلص منه كما ينبغي!!
هكذا فكرت بسرعة لتنتهز فرصة الدموع التي تجمعت
فعلاً في عينيها فذرفتها بحرارة مع استطرادها المنفعل:
_مش هتصدقني زيهم !! كلهم مش بيصدقوني ...طول عمري لوحدي...أنا عارفة إني ساعات بعمل حاجات غلط...بس أنا مش عارفة أنا عايزة إيه !
ورغم أنها ظنت أنها تخدعه بهذا التمثيل ...
لكن الحقيقة أنها لم تكن تمثل!
هي قالت ما كان يشتعل بصدرها الآن بمنتهى الدقة ...
ربما لهذا السبب لانت ملامحه نوعاً وهو يتأمل ملامحها بمزيج عواطفه الهادر...
ما أشبهها الآن بتلك الطفلة الباكية وحدها تحت الدرج ليلة وفاة والديها !
صورتها التي لم تغادر مخيلته من حينها وإن اختلطت بصورتها كشابة يافعة يتمنى لو تشاركه الطريق!!
لهذا تنحنح بخشونة وهو يهتف بنفس النبرة الغاضبة التي لانت قليلاً:
_تعالي أوصلك البيت ...واللا هتروحي في الوقت ده لوحدك ؟!
ورغم الاستنكار الممتزج باحتقار لم يخفَ عليها لكنها شعرت برضا خفي من هذا الاهتمام الذي هو "حاجتها وهوسها"!
لهذا تبعته مدفوعة بفكرتها لمهادنته مع ذاك الخاطر
الأخير الذي غزا مخيلتها ...
لو كان مروان هذا يعشقها حقاً فكيف سيكون حبه ؟!
هادئاً حنوناً كهيثم ؟!
صارماً متشككاً كيامن؟!
مهذباً متحفظاً كياسر؟!
أم لعله نوع آخر سيسرها العبث معه قليلاً كي يضيف المزيد من الإثارة لحياتها الخاوية !
لهذا ما كادت تستقل جواره سيارته حتى غمغمت بمسكنة :
_هتقول ليامن؟!
اختلس نظرة جانبية نحوها دون أن يرد ...
هو نفسه لم يكن يعرف الجواب!
الصواب هاهنا أن يخبر يامن عما عرفه عنها ويتركها هو لحياتها العابثة التي لم يكن ليصدقها لولا أن رآها بعينيه ...
لكن منذ متى تعترف القلوب بلغة "الصواب"!
أجل...قلبه الأحمق لايزال يظنها مسئوليته هو ...عِرضه هو ...مصيره هو...
كيف غفل عنها هذا الحد حتى وصلت لما وصلت إليه هذا من انحلال؟!
هنا عاد يختلس نظرة نحوها ...سترتها المفتوحة تظهر بلوزتها الكارثية تحتها والتي تبقى مصيبة وحدها لعينيه...
تباً تباً !!
هنا ضرب على مقود السيارة بيده ليهتف بها بقسوة:
_البسي حجابك واقفلي الجاكيت ده !
عقدت حاجبيها بتمرد وهي تكاد ترد عليه متنمرة كما كانت تفعل مع هيثم لكنها تذكرت وضعها فاضطرت
للامتثال لأمره صامتة وهي تكز على أسنانها متوعدة إياه بانتقام ...
لتعاود القول بنفس النبرة الراجية :
_أرجوك ماتقولش ليامن ...انت أكيد عارف طبعه ...وأنا والله مش هاعمل كده تاني .
لم يلتفت نحوها وهو يعاود التفكير ...
هو يعرف يامن وسلطان وساوسه على عقله...لو علم شيئاً عن كل هذا فربما جعلها تترك الجامعة بل إنه لن يسمح لها حتى بالخروج من البيت!
ماذا لو تقدم هو لخطبتها وعجل بالزواج؟!
هنا زفر بقوة وهو يدرك أن الخاطر الذي كان -قديماً- يملؤه بالسعادة الآن يجثم على صدره ككابوس ثقيل...
أتراه لايزال راغباً فيها بعد كل ما عرفه ؟!
وهل حقاً يمكنه ائتمانها على حياته لتكمل معه طريقه ما بقي من عمر؟!!
كان قد وصل لمكان قريب من بيتها فأوقف السيارة ليصمت قليلاً يتمالك غضبه قبل أن يقول دون أن ينظر إليها:
_انزلي وأنا هامشي وراكِ بالعربية لحد ما توصلي البيت...مايصحش حد يشوفك راجعة في عربيتي في وقت زي ده !
ترددت قليلاً وهي تشعر بالخوف يعاود مراودتها لكنه التفت نحوها ليردف بنبرة قاطعة:
_مش هاقول ليامن ...وانتِ هتبطلي كل تصرفاتك الغلط دي ...
ثم ألقى قنبلته الأخيرة:
_دكتور ياسر يبقى عمي ...ومراته قالتلي كل حاجة !
شحب وجهها بقوة مع شهقة عنيفة وهي تسترجع تاريخها الأسود مع المرأة كله لتهتف بصوت مرتجف بينما تهز سبابتها نفياً بانفعال:
_ما تصدقهاش...دي هي اللي حاطاني في دماغي...بتغير مني عشان...عشان...
عادت تنخرط بعدها في بكاء حقيقي وهي تشعر
بالانهيار ...
كل الوحدة التي عايشتها في أيامها السابقة لا تساوي شيئاً أمام شعورها بالخزي أمام هذا "القبيح"!!
ترى ما الذي أخبرته به زوجة عمه ؟!
هل أخبرته عن إعجابها بزوجها ؟! أم عن علاقتها بهيثم؟!
هل أخبرته أنها رأته بين ذراعيه ذاك اليوم!!
ياللمصيبة!
ياللفضيحة!
يامن سيقتلها!!
وجوارها كان هو يقاوم بشدة أن يضمها لذراعيه ...أن يربت على ظهرها ليمنحها الأمان...
رغم كل ما مسه اليوم من نيران أنوثتها التي كانت خافية عن عينيه لكن كل هذا لا يساوي شيئاً أمام إحساسه بأنها لا تزال مجرد طفلة تفتقد الأمان والتوجيه !
هل كان متردداً بشأن الاستمرار في حبه العتيق لها؟!
الآن ...لم يعد كذلك!
سيحارب لأجلها ولو اضطر أن يقاتلها هي نفسها!!
لهذا أخذ نفساً عميقاً ليقول لها بنبرة صارمة:
_بطلي عياط لأن ده مش حل ...عايزك دلوقت توعديني تخللي بالك من مذاكرتك وتتظبطي كده أحسن لك !
ورغم خشونته التي استفزتها لكنها كانت عاجزة عن الرد عليه وسط كل هذا الخزي الذي يملأها الآن ...
فاكتفت بإيماءة طاعة قبل أن تغادر السيارة لتتحرك نحو بيتها وهي تشعر به يتحرك خلفها بسيارته...
ولم تكد تصل لمدخل البناية حتى توقفت لتنظر خلفها لعلها تستنتج من نظراته ما ينتويه ...
لكنها لم تصطدم سوى بزجاج نظارته الذي حجب عنها حديث عينيه ...
فاكتفت بإطراقتها وهي تصعد للبيت الذي كان خالياً
كالعادة ...
دخلت غرفتها لتخلع عنها سترتها بحركة عصبية ثم وقفت أمام مرآتها لتهتف بانفعال:
_وهو ماله المعقد ده عشان يهددني كده ؟! ماشي ...أنا هاعرف إزاي أطربقها على دماغه قبل ما يفكر يعمل أي حاجة .
قالتها وقد راودتها فكرة شيطانية أن تستغل اهتمامه بها حتى توقعه في شراكها كي تأمن مكره لبعض الوقت ...
وبعدها تخبر يامن أنه هو من يضايقها ويحاصرها بمعاكساته...
وهي تعرف وسواس يامن الذي ستجعله هذه المرة يصب في مصلحتها هي!!
ويبدو أن الفكرة الأخيرة بردت نار غضبها قليلاً ...
لكنها لم تفلح في تبديد شعورها بالوحدة والضياع...
فتحت حاسوبها تستعرض حسابها الاليكتروني ...والآخر على "الفيسبوك" لتجد تلك الصور لهيثم مع "شوشو" ...
فانعقد حاجباها بغضب وهي تشعر بالمزيد من الحسرة...
لتجد نفسها رغماً عنها تبحث في رسائلها عن رسائل العاشق الغامض الذي توقف عن إرسالها منذ زمن...
ورغم أنها لم ترد على واحدة منها يوماً إلا بعلامات استفهام غامضة...
لكنها الآن تشعر أنها تحتاج للمزيد منه ...
لهذا ترددت قليلاً قبل أن تكتب له بلغته
"الفصحى" كما يحب:
_أحتاج صديقاً...فهل تقبل؟!
لم يصلها منه رد لدقائق طالت رغم رؤيتها لهذه النقاط التي تتحرك بسرعة أمامها موحية بأنه لايزال يكتب شيئاً...
حتى كادت تيأس من رده متهمة نفسها بالحماقة...
لكن قلبها تراقص بين ضلوعها أخيراً وهي ترى جوابه:
_العاشق لا يتحول لصديق...لكن العكس قد يحدث.
ابتسمت بسعادة وهي تشعر أن كلماته التي افتقدتها تعيد لها بعض التوازن ...
لو كان صادقاً في مشاعره حقاً كما تحس فهي تحتاج
فعلاً لهذا الحب الآن...
لهذا عادت تكتب له:
_من أنت؟!
_رجلٌ كتبكِ القدر في ماضيه ويرجو لو يكتبه نفس القدر في غدكِ!
يالله!
من أين يأتي هذا الرجل بكلماته هذه ؟!
وكيف تمس قلبها بهذا الشعور الغريب الذي يمنحها الأمان وهي التي لا تعرف عنه أي شئ ؟!
حتى لو كان وهماً!
حتى لو كان مجرد مزحة سخيفة من متحذلق!
وحتى لو كانت واحدة تريد فقط التحايل عليها !
لكنها ستبقى شاكرة لهذا الإحساس الذي يملأها الآن حتى ولو كان مبنياً على كذبة !
لهذا اتسعت ابتسامتها وهي تتنهد بحرارة لتعاود الكتابة :
_إذن دعني أعرفك كما تعرفني .
_لو منحتكِ مفتاح مدينتي...فلن تغادريها.
كتمت ضحكتها وهي تشعر بالإثارة تغزوها وقد بدأ الوضع يتخذ منحى المغامرة التي تعشقها ...
_اتفقنا.
كتبتها عابثة وهي تنتظر رده الذي تأخر كثيراً :
_طالما انتظرت هذا الوعد منكِ...ومادمت قد حصلت عليه فلا رجوع.
انعقد حاجباها قليلاً وهي تشعر ببعض الرهبة من عبارته...
تلك الرهبة الممتعة التي تشعرها بالحماس تماماً كتلك
الألعاب الالكترونية المثيرة التي دأبت عليها مؤخراً...
لكن طبيعتها اللعوب سولت لها أن تلاعبه بعصا الحرمان كي تؤجج شوقه ...
فعادت تكتب بسرعة :
_يكفي هذا اليوم...غداً أكتب لك.
قالتها ثم أغلقت شاشة الحاسوب بسرعة وهي تضحك باستمتاع واضعة كفها على شفتيها ...
كم تروق لها هذه "اللعبة"!!
لعلها تضفي المزيد من الإثارة على حياتها المملة!!
لكن يبدو أن القدر كان يدخر لها المزيد من الإثارة...
فلم تمض بضع دقائق حتى كان هاتفها يرن برقم كان لها يوماً أملاً بعيداً...
المخرج "معتز الشريف"!!
=======
جلست على مائدة السفرة حيث فرشت أوراق مذاكرتها كاملة كعادتها تحاول التركيز في دراستها لكن ذهنها كان مشتتاً بأفكاره ...
لاتزال الهوة تتسع بينها وبين رامز وكلاهما يمنعه كبرياؤه من التقدم خطوة نحو صاحبه ...
لقد كانت تعتمد على ثقتها الكاملة في حبه لها والآن تشعر أنها تفقد الخيوط من يدها واحداً تلو الآخر ...
حتى أنه عندما بات ليلته بالأمس خارج البيت -ورغم أنها لم تذق النوم خوفاً عليه - لم تستطع سؤاله أين كان ولا لماذا فعلها!!!
لكنها أقسمت بينها وبين نفسها إن كررها أن تقف له وقفة حاسمة ولن يضيرها لو كانت هذه نهاية قصتهما !!
انقبض قلبها بجزع عند خاطرها الأخير لكنها قاومت هذا الشعور وهي تسحب كتاباً من كتبها بحركة عصبية وكأنها تفرغ توترها فيه...
صوت رنين هاتفها بعدة رسائل وصلت لتوها يقاطعها ...
فتتناوله بلهفة لعلها تكون منه قبل أن تبتسم بحنان وهي تراها مجموعة من الصور التي أرسلتها إليها رانيا من الفندق الذي يقضيان فيه "شهر العسل"...
صور مشرقة تبدي سعادة شقيقتها الظاهرة والتي تناغمت مع سحر المناظر الطبيعية في تلك المدينة ...
لتتراجع ابتسامتها تدريجياً مع المزيد من الصور التي التقطها لهما أشرف في غرفة نومهما في الفندق ...
والتي كانت رانيا ترتدي فيها ثوب نوم قصير بلون أخضر مثير !
ازدردت ريقها بتوتر وهي تكاد ترسل لها تعليقاً معنفاً بأنه لا يليق بها الاحتفاظ بمثل هذه الصور ولا إرسالها لأي أحد...
لكن رانيا هي التي بادرتها برسالتها :
_(معلش الصورة الأخيرة دي جت غلط...امسحيها حالاً ...أشرف هيقتلني لو عرف إني بعتها لحد حتى لو انت)!
زفرت بضيق وهي تعاود تأمل الصورة بمشاعر متباينة...
غريبٌ جداً شكل رانيا بهذا القميص المثير ...
تذكرها بمظهر "بيللا" في ذاك المشهد الإباحي الذي رأته بها منذ سنوات ...
كيف ارتضت أن ترتدي شيئاً كهذا ولو لزوجها ؟!!
كيف تقبلت أن تظهر كالعاهرات المغويات فقط لترضي رجلاً أمامها؟!!
وكأنما تقول له :خذني هيت لك!
كيف يحترمها بعد ذلك وهو يراها تعرض جسدها بهذا الرخص وكأنها لا تملك غيره لتبهره به ؟!!
ورغماً عنها انتقلت عيناها لوجه أشرف في الصورة والذي كانت عيناه لا تحملان أياً مما يدور بذهنها ...
على العكس عيناه الغارقتان بعشقهما القديم كانتا تحتويان وجه شقيقتها بحنان وذراعه يطوقها بحمائية حب لا رغبة !
أغمضت عينيها بقوة وأصابعها تسارع بمسح الصورة ...
وكأنما استنكفت أن ترى شقيقتها بذاك المظهر الذي كان -في عينها- مهيناً مزرياً!!
عاودت فحص سجل الهاتف لعلها تجد مكالمة أو رسالة من رامز ...
والخيبة المريرة كانت نصيبها!
مسدت جبينها بتعب وهي تعود برأسها للخلف ...
لقد افتقدته حقاً وكم تكره هذا الشعور!
افتقدت دعاباته المرحة...لمساته الشغوف الحنون ...وتلك النظرة في عينيه التي تخبرها أنها شمسه الثانية في هذا العالم !
بل وافتقدت حتى كلمات عتابه التي يبدو أنه قد يأس منها مؤخراً مكتفياً بصمته البارد !!
تباً!
لماذا يقف عقلها حائراً هذه المرة ولا يمنحها الحل السليم ؟!
ربما...لأنها تعلم أن دواءها في علتها هذه المرة !!!
أجل...العلة والدواء في التسليم لأمر قلب لا تثق كثيراً في نداءاته!!
تنهدت أخيراً بعمق وهي تحاول التشاغل عن التفكير فيه بشيء آخر لتتذكر حينها ما طلبه منها يامن بضرورة التقرب من داليا ...
تلك الصغيرة المدللة التي لا تدري ما مشكلتها -التافهة- هذه المرة ؟!
واحدة في سنها لا ينبغي أن تفكر سوى في مذاكرتها فحسب!
لهذا اتصلت برقمها ليصلها صوت شقيقتها بكآبة غير معهودة:
_خير يا هانيا !
_إزيك يا داليا ؟! ماعدتيش بتتصلي بيّ ليه؟!
_مشغولة بالمذاكرة.
ولاتزال رنة الكآبة الغريبة عن مرح شقيقتها المألوف تقلقها ...فترد بنبرة أكثر رفقاً:
_هاعدي عليكِ بكرة في الجامعة نتغدى سوا .
_بلاش الجامعة!
قالتها داليا بنفس النبرة التي خالطها الآن المزيد من
الارتباك مع استطرادها:
_بذاكر في البيت أحسن ...ماعدتش بروح .
عقدت هانيا حاجبيها بشك وهي تشعر أن وساوس يامن في محلها لتقول لها أخيراً بنبرة حازمة :
_خلاص هاعدي عليك بكرة في البيت وآخدك ونروح أي حتة نتفسح ونتكلم .
قالتها ثم أغلقت الاتصال وهي تشعر بالمزيد من الضيق ...
كل ما حولها صار يشعرها بالحصار ...
خصام رامز ...وعبء مذاكرتها ....داليا بتصرفاتها الطائشة ...
وغادة هي الأخرى التي تشعر بتباعدها عنها هذه الأيام ولا تدري ما السبب !!
لتلقي الهاتف جانباً أخيراً بحركة عصبية قبل أن تهتف لنفسها :
_ركزي يا دكتورة...ماتخليش حاجة تشتتك عن مستقبلك...كل حاجة هتبقى تحت السيطرة .
قالتها ثم أخذت عدة أنفاس متلاحقة تتمالك بها بعض تركيزها ...
قبل أن تعاود النظر في الكتاب محاولة إنهاء الجزء المخصص لهذا اليوم !
=========
عاد من الخارج في التاسعة مساء تقريباً ليجدها نائمة فوق أوراقها على المائدة ...
انعقد حاجباه بمزيج من ضيق وإشفاق وهو يقترب منها أكثر ...
عيناه تحيدان نحو صينية الطعام التي وضعتها جوارها والتي احتوت شطيرة يابسة يبدو أنها ظلت مكانها لوقت طويل ،وكوباً بارداً من الشاي يبدو أنه لم يُمس!
أعاد مفاتيحه لجيبه بحذر محاولاً ألا يحدث صوتاً يوقظها ثم اقترب منها حتى كاد يلاصقها ...
ودون أن يشعر ...أو يفكر ...
انحنى برأسه ليقبل رأسها المدفون بين الأوراق قبل أن تنتقل قبلاته لعنقها وذراعها ...
آه...كم اشتاقها!
اشتاق ذوبانها المشتعل بين ذراعيه ...
اشتاق رحيق أنوثتها الذي يدرك أنه لم يكن من نصيب رجل غيره ...
اشتاق حتى لتمنّعها الأبيّ الذي لا يصمد كثيراً أمام غزو عاطفته !!
هي أخبرته منذ اليوم الأول من علاقتهما أن سفينة عاطفتها مثقوبة لكنه كان يثق كثيراً بقدرته على الإبحار بهما سوياً لبر الأمان...
تراه كان مبالغاً حقاً بهذه الثقة؟!
ابتعد عنها لتعبث أنامله في خصلات شعرها الناعمة التي لفتها بعشوائية حول نفسها فيما يسمونه "كحكة"...
قبل أن يشرد ببصره في تلك الليلة التي هاتفته فيها غادة تطلب منه سرعة الحضور إليها دون أن يخبر هانيا ....
ظل طوال الطريق يفكر في أي مصيبة وضعت فيها تلك البائسة نفسها كي تستدعيه بهذه الطريقة ...
لكنه لم يتوقع الحالة التي كانت عليها وهي تفتح له الباب ...
شعرها الأحمر -الكارثي- كان مشوشاً حول وجهها الذي أغرقته دموعها ...
لكن الأسوأ كانت تلك الكدمة الزرقاء على جانب شفتيها...
والتي استدعت صدمته لوهلة قبل أن يهتف بحمائية ثائرة:
_إيه اللي حصل؟! مين اللي عمل فيكِ كده ؟!
انهارت في بكاء عنيف وهي تروي له كيف تجرأ زميلها في المكتب ليأتي إلى شقتها ويتهجم عليها حتى كاد ينتهكها لولا أن قاومته لينتهي به الأمر وقد هشمت المزهرية على رأسه،فخرج والدم ينزف منه متوعداً إياها بانتقام !
_إيه؟! هي حصلت ؟! أنا هاربيه الكلب ده !
هتف بها بنفس الحدة ليردف بعدها باستنكار:
_بس إزاي تخلليه يدخل؟! ومين جرأه يعمل كده ؟! ما هو مش معقول هييجي كده من نفسه يتعدى عليكِ!
فاتسعت عيناها بنفس النظرة التي تثير جنونه من فرط ما تحمل من براءة وذعر خاصة مع تمتمتها وهي تحتضن جسدها بذراعيها:
_والله العظيم ما عملت حاجة...هو اللي كان...بيقول ...البواب قالله ...انت ...يوم...
انتهت تمتمتها بآهات خافتة وهي تنهار جالسة على الكرسي جوارها فزفر بضيق وهو يجلس جوارها دون أن يغلق الباب ليقول محاولاً تمالك غضبه:
_اهدي يا غادة...أنا مش بتهمك بحاجة...أنا عارف أخلاقك كويس بس مش منطقي إنه أي حد يروح لواحدة بيتها
بالجرأة دي؟!
رفعت إليه عينيها الواهنتين بدموعهما وهي تعاود تمتمها المرتبكة التي فهم منها أن ذاك الوغد علم من بواب العمارة أنه -رامز- صحبها إلى هنا تلك الليلة التي غادرت فيها بيته وهو يحمل حقيبتها ...
وما بقي من سوء ظنه لا يحتاج لتأويل!
خاصة بعد زيارة هانيا للشركة والتي اصطحبتها معها للخارج وهي غاضبة !
فانعقد حاجباه وهو يطلق لعنة خافتة ليهتف بانفعال:
_تفكير قذر زيه ...كويس إنك كسرت دماغه ...أنا هاعرفه شغله بكرة...هاقدم فيه شكوى للمدير وأقعده في بيتهم الحقير السافل....
لكنها قاطعته برجائها:
_أرجوك يا رامز ...مش عايزة الموضوع يكبر ...أنا كلمتك عشان كنت خايفة يرجع تاني ومالقتش غيرك ألجأ له..أنا مش عارفة أعمل إيه !
بمنتهى الضعف قالتها وهي تتلفت حولها بقلة حيلة لتردف:
_لو ماكنتش محتاجة الشغل كنت سبتهوله...بس أنا فعلاً محتاجاه ..
قالتها وعيناها تتعلقان بغرفة نومها مع أحمد وكأنها تشرح له بلا كلمات سبب بقائها هاهنا ...
ليهز رأسه بأسف قائلاً:
_ما تقلقيش ...بكرة هاتصرف .
_هتعمل إيه؟!
سألته بخوف وهي تحاول منع دموعها المنهمرة ليقف
قائلاً بنبرة مطمئنة:
_ماتخافيش...هاحلها من غير شوشرة.
ارتجفت شفتاها بما يشبه ابتسامة امتنان فتنهد ليردف بإشفاق:
_لازم تبقي أقوى من كده يا غادة...أنا عارف إن الكلام سهل والتنفيذ صعب بس لازم تحاولي .
أومأت برأسها بعجز وهي تقف بدورها فرمقها بنظرة طويلة مشفقة ثم أعطاها ظهره لينصرف قبل أن تستوقفه برجائها:
_ماتقولش لهانيا .
كاد يبتسم ساخراً ويرد عليها أن صديقتها -التي هي السبب في كل هذا- لن تسمح لنفسها بأن تعترف بغيرة تنتقص من قدر مقامها العظيم...
لكنه آثر الصمت وهو يهز رأسه موافقاً لينصرف تتبعه عبارتها التي ترن في أذنيه من آن لآخر:
_مالقتش غيرك ألجأ له.
تنهد بحرارة عندما عاد للواقع وهو يرمق هانيا النائمة أمامه بنظرة غريبة...
يتذكر كيف تتعمد دوماً أن تشعره أنها مكتفيةٌ بنفسها مستغنية عنه وعن أي أحد ...
لايزال يذكر عندما صدمت أحدهم بسيارتها ذات يوم لتصيبه بأذى بالغ وتصطحبه للمشفى لكنها تدبرت الأمر وحدها حتى أخبرته به ليلاً وكأنه مجرد خبر تافه!
تماماً كما يذكر كيف كان يدعوها طوال فترة خطوبتهما لمشاركتها شراء مستلزماتها أو قضاء بعض حوائجها لكنها كانت تفاجئه دوماً بإنجاز مهامها وحدها ...
وقتها كان يشعر بالكثير من الفخر مدركاً قيمة هذه العبارة التي قرأها يوماً (لاتخش من الارتباط بامرأة قوية فقد يأتي يوم وتكون هي فيه جيشك الوحيد)...
لكنه الآن يدرك أنه لم يعد راضياً عن هذا ...
هو يريدها قوية به ...لا عليه ...ولا دونه!
يريدها واهنة عاشقة خجول لا جادة صلبة مستغنية!!
لماذا لا يلهمها ذكاؤها الموازنة بين صلابتها ورقة ضعفها ؟!
لماذا لا تُسمعه دوماً عبارة كعبارة صديقتها
(مالقتش غيرك ألجأ له)!
اللعنة!!!
هذه المقارنة من جديد تؤرق ذهنه !!
تعاود أرجحته بين "أنثى يعشقها" و "أنثى ترضي غرور رجولته"!!
تململت هانيا أخيراً وهي تشعر به لترفع رأسها نحوه ببعض الدهشة قبل أن تتأوه لتغمغم بصوت ناعس:
_هي الساعة كم؟!
لكنه عاود ارتداء قناع بروده ليجيبها:
_داخلة على عشرة .
عادت تتأوه وهي تمسد جبينها فاستجلبت المزيد من إشفاقه خلف قناع جليده هذا خاصة عندما ترنحت وهي تقوم لتقول بنبرة منهكة:
_مش قادرة...هانام ساعة بس وأرجع أكمل.
قالتها وهي تتجه نحو غرفة النوم قبل أن تتوقف قليلاً لتلتفت نحوه بسؤاله:
_أحضر لك الأكل الأول؟
_أكلت عند ماما زي كل يوم.
قالها بنفس البرود وهو يشيح بوجهه عنها فتحركت نحوه بشعورها بالذنب لتغمغم بنبرتها الجافة:
_أنا كل يوم ببقى محضرة الأكل ...انت اللي ما بترضاش تاكل هنا.
قالتها بنبرة مدافعة فالتوت شفتاه بابتسامة ساخرة رافقت قوله المستهجن:
_معلش...مش وش نعمة.
عقدت حاجبيها بضيق وكبرياؤها يسول لها تركه وشأنه ...
لكنها ترددت قليلاً ثم تقدمت خطوة أخرى لتسأله بنبرة لم تملك جفافها:
_كنت بايت فين امبارح؟!
_لسه واخدة بالك تسألي؟!
_لو مش عايز تقول براحتك...بس لو اتكررت تاني هترجع مش هتلاقيني هنا.
هتفت بها بغضب فجره ضيقها منه...ومن نفسها قبله !!!
لماذا لا تصارحه بأنها -ببساطة- اشتاقته ؟!
لماذا لا تحاول استرضاءه ولو بمجرد كلمة؟!
بل لماذا -وهو أيسر السبل هنا- لا ترقق لهجتها الشبيهة بقذف المدافع هذه ؟!
والجواب كان كامناً بداخلها تخشى الاعتراف به....
هي تخاف ضعفها أمامه تحت سيف الحب!
لهذا دمعت عيناها بعجز يناقض كل هذه القوة التي تدعيها عندما رد هو ببروده القاتل:
_وانتِ أصلاً هنا؟!
تكاثفت دموع العجز في عينيها وقد انفرجت شفتاها تهمان بالرد لكنها لم تجد كلماتها ...
لماذا لا يكف عن بروده السخيف هذا ويحتضنها ؟!
هي لا تريد منه الآن سوى هذا!!
أجل تحتاج عناقاً يطمئنها أنه هنا معها ...لن تخسره...لن تفقده كما فقدت من أحبتهم يوماً!!
بينما تجاهل هو كل هذا عامداً ليجيبها بنفس البرود الذي يخفي اشتعال صدره هو الآخر:
_كنت بايت عند ماما عشان كانت تعبانة .
ارتفع حاجباها بصدمة لتغمغم بارتباك:
_تعبانة ؟! مالها ...ألف سلامة...مكنتش أعرف.
_وهتعرفي منين ؟! طالما حضرتك حابسة نفسك في برج عالي وكل همك دراستك وبس؟!
قالها بنفس الاستهجان البارد فرمقته بنظرة حملت كل مشاعرها قبل أن تدفن وجهها بين كفيها وهي تشعر
بالمزيد من التعب الجسدي والنفسي...
بينما تحولت نظراته الباردة لأخرى مشفقة وهو يشعر أنها -مثله- متعَبة...مستنزفة...
لهذا تقدم منها خطوة ليقول بنفس النبرة الجليدية:
_أنا رايح فرح واحد زميلنا في الشغل بعد شوية ...لو حابة تيجي معايا جهزي نفسك.
لكنها بدت وكأنها لم تسمعه لبضع ثوانٍ قبل أن تزيح كفيها عن وجهها لترفع رأسها للسقف بقولها المنهَك:
_لا مش هينفع...لو لقيت نفسي قادرة بس ممكن أعدي على مامتك أطمن عليها .
_ماتتعبيش نفسك...هي بقت كويسة.
قالها بنفس البرود الساخر فحدجته بنظرة عاتبة ثم أعطته ظهرها لتتوجه نحو غرفة النوم التي ما عاد يشاركها فيها ...
ولم تكد تصلها حتى وصلها صوته من الخارج كسهم غادر:
_غادة رايحة...هاعدي عليها أخدها معايا .
=======
استلقت على "فراش أحمد" كما يحلو لها الآن تسميته وهي تحتضن وسادته لعلها تمنحها بعض الأمان ...
منذ تلك الليلة التي تهجم فيها عليها ذاك الرجل وهي تشعر أنها عادت تلك الأنثى المنتهَكة التي يراها الجميع رمزاً للخطيئة ...
حتى أبسط التصرفات تتلقاها عيونهم كدعوة صريحة للزلل ...
لازالت تذكر صدمتها ليلتها عندما فتحت له الباب لتجده يرمقها بتلك النظرات الحارقة التي تعريها من ثيابها ...ومن آدميتها ...
الرعب الذي تملكها وقتها جعلها تتجمد مكانها -كعادتها- وهي تراه يدفع الباب ليدخل بمنتهى الجرأة ويغلق الباب خلفه...
الخوف الرهيب يشل أطرافها وهي تسترجع ذكريات مشابهة...
رائحة "الفراولة"...دبها القطني ...بيت المكعبات الذي تهدم...
الإحساس المقيت لتلك اللمسات القذرة وكأنها أفعى تزحف على جسدها ...
كل هذا عقد لسانها وأصابها بما يشبه الشلل ...
هذا الذي وصله هو على أنه قبول ليمنحه شارة البدء فيما ظنها راضية عنه...
ساعتها فقط استفاقت من صدمتها وهي تحاول
استجلاب قوة تدرك أنها تنقصها كثيراً ...
لكن محاولاتها الفاشلة لم تزده سوى عنفاً وهو يظنها مجرد تمنع لإثارته أكثر ...
فتتداخل الصور بعينيها ثانية...
تشل جسدها من جديد بهذا الوهن الذي لا يد لها فيه ...
لكن نظرة واحدة لغرفة أحمد ...لفِراشه هناك الذي طالما منحها عليه أسمى معاني الحب ...
جعلتها تنتفض من مكانها وكأنما تلبستها روح امرأة أخرى لتتناول أقرب ما طالته يداها وتهوي بها على رأس ذاك الوغد ...
مشهد الدم يسيل منه يعود ليشعل خوفها من جديد ...
خاصة مع سبابه ولعناته التي كانت تنهال عليها ...
_(عاملة نفسك شريفة يا (.....)...واللا هو حرام علينا حلال لرامز بيه؟!)
تسد أذنيها بكفيها وهي تكتم صرخاتها ...
هي لا تريد أن تسمع ...لا تريد أن تسمع ....
تغمض عينيها بقوة حتى لا تراه...
فقط كلمات أحمد ترن بأذنيها ...
(عشان انتِ من جوه نظيفة)..
هنا فقط تنساب أناتها الخافتة مع نزيف دموعها وهي تتمتم لنفسها وكأنها تقنعها ...
(نظيفة....نظيفة)...
تأوهت بقوة عندما وصلت بذكرياتها إلى هذا الحد وهي تضم الوسادة لصدرها أكثر ...
صدرها يكاد ينشق من فرط ما تحسه من ألم لا تجد من تبوح له به...
حتى هانيا!
لأول مرة تشعر بالخزي من أن تعترف لها بشيء ...
خاصة بعد نظراتها لها في آخر لقاء بينهما ...
يبدو أن العيب فيها هي ...هي التي ستبقى في عيونهم جميعاً مذنبة تستحق الرجم !
حتى رامز ليلتها كان ينظر إليها وكأنها...!
رامز؟!
رامز!
شعور غريب بالارتياح انتابها واسمه يمر الآن على خاطرها ...
لتتذكر كيف استطاع حل الأمر بتكتم كما وعدها ...
إلى الآن لا تعرف ماذا فعل لكن زميلها الوغد ذاك قد وصله بعدها بيومين قرارٌ بالنقل لمكان آخر ولم يتعرض لها بعدها بكلمة !
هي أيضاً استحت أن تسأل رامز عما فعله وهو اكتفى بعبارته:
(ما تقلقيش...مش هيضايقك تاني)
جميلٌ هذا الوعد الذي صدق فيه ...
جميل وهو يمنحها بعض قطرات الأمان التي يفتقدها
عالمها ...
جميل وهو يشعرها -ولو قليلاً- بأن ظهرها لا يزال يجد وسط كل هذا الفراغ حائطاً يستند إليه !
تنهدت بحرارة عند الخاطر الأخير وهي تنظر للساعة المعلقة أمامها ...
لقد اقترب موعد حفل زفاف زميلها الذي سيعقد قرانه على إحدى زميلاتهم أيضاً في العمل ...
فتاة لطيفة دعتها بنفسها وأكدت عليها الحضور ...
ورغم أنها وعدتها لكنها لا تشعر برغبة حقيقية في فعلها ...ستبقى هاهنا تجتر ذكرياتها ب"فراش أحمد"...
مالها وللناس؟!
فلتبقَ هي بعزلتها ...وليهنأوا هم بسوء ظنونهم!
======
استقل رامز السيارة جوارها وهو يختلس نظرة نحوها ...
منذ متى لم يرَها بهذه الأنوثة الطاغية ؟!
منذ ليلة زفافهما تقريباً!!
كانت ترتدي ثوباً للسهرات بدا وكأنه قد قسم طولياً لنصفين...
أحدهما أسود قاتم والآخر بلون الكراميل الذهبي ...
تصميمه بسيط كلاسيكي لا يميزه سوى التصاقه بمنحنياتها التي منحته هذا الشكل المغري ...
لأول مرة يرى امرأة تضيف جمالاً للثوب ...لا العكس!
أو-ربما- هي عينه العاشقة المحرومة التي كانت ترى في ذاك اللون الذهبي بالذات مذاقاً آخر على بشرتها القمحية...
خاصة مع لون حجابها الذي اختارته بدرجة أفتح قليلاً وقد زادت من كثافة الكحل حول عينيها ليظهر لونهما الذي يعشقه...
يالله!!
كم يلزمه الآن من الصبر كي يستمر في بروده اللعين هذا مقاوماً رغبته في غرسها على صدره بعد أن يحطم رأسها -السخيف- هذا أولاً؟!
قام بتشغيل السيارة ليقودها نحو القاعة التي يقام فيها حفل الزفاف والذي فاجأته منذ قليل أنها تود حضوره معه!!
ساعتها ابتسم ساخراً وهو يكاد يذكرها بانشغالها في مذاكرتها ..
ولكن عز عليه أن تتقدم هي منه خطوة ضد كبريائها ولا يقدّر هذا لها!
لهذا اكتفى بصمته بعدها والذي جازته هي عنه بنفس الصمت وإن كان يشعر أن صمتها هذه المرة يخفي الكثير من الغيرة...
أجل...الأمر لا يحتاج لكثير من الذكاء كي يدرك أنها لم تفعلها إلا بعدما صرح لها أنه سيصطحب غادة معه ...
يبدو أن "مفتاح" قلبها العصيّ هذا يكمن في غيرته...
حسناً...سيستغل هذا لأبعد حد !
عاد يختلس نظرة أخرى نحوها وقد تحركت عفوياً ليرتفع طرف ثوبها قليلاً فيبدو من تحته حذاؤها الذهبي ذو الكعب العالي الذي جعله يضم شفتيه مقاوماً انفعاله...
الحذاء المفتوح بسيوره الرفيعة كان يحتضن قدمها الناعمة ليبدو في أعظم تجانس رآه بين هذا اللون وبشرتها ...
لا يدري لماذا يعجبه هذا اللون بالذات عليها ...
ربما لأنه تذكره حقاً ب"الذهب"!
كلما اشتدت عليه نيرانه لم تزده إلا نقاء وصلابة!
_أيوة يا غادة ...هتيجي الفرح؟!
انتبه من شروده على عبارتها وهي تمسك هاتفها فأرهف سمعه يصغي مع عبارتها الأخرى:
_خلاص براحتك....ما تضغطيش على نفسك...لو كنتِ هتروحي كنا هنعدي عليكِ بس خلاص ...تصبحي على خير .
شعر ببعض الضيق وهو يدرك أن وجود غادة كان سيدعم خطته بإثارة غيرة هذه "الذهبية الجامدة"...
لكن هذا لم يمنع إحساسه بالرضا من تغيب غادة بالذات عن محيطهما خاصة بعد الإشاعات الأخيرة التي نالتهما في الشركة بتدبير اللعينة يارا وزميلهما الوغد الذي تدخل لنقله لمكان آخر بعد فعلته .
وجواره كانت هانيا غائبة في وادٍ آخر وهي تشعر
بالاختناق...
هي تتصرف عكس طبيعتها ...وهذه وحدها كارثة!
عندما أخبرها أنه سيمر على غادة ليصطحبها معه وكأنما أصابها مسٌ من الجنون !
لا تدري لماذا تخيلتها وقتها وهي تتأبط ذراعه لتدخل معه وسط الجميع وتراقصه!
مشهد متطرف لا تدري من أين أتت به!!
أين ثقتها في صديقتها؟!
أين ثقتها فيه ؟!
بل أين ثقتها في نفسها التي طالما تغنت بها؟!!
ربما هو خوفها من فقده الذي يزداد يوماً بعد يوم مع جفائه الأخير ...
وربما هو ماضيه الذي أعرب لها عنه ببساطة متفاخراً وكأنما يرغب أن يعيده ...
وربما هو خوفها من -ضعف - غادة المهيمن عليها دوماً والذي تدرك هي أكثر من غيرها أنه يقودها دوماً للكوارث !!
رباه!!
لو كانت الأمور تسير بطبيعتها لضغطت هي على غادة كي تدفعها للخروج معهما كما كانت دوماً تفعل.....
للتخلص من وحدتها التي تكاد تورثها الجنون...
لنسيان الماضي والانخراط وسط الناس لتعزيز ثقتها بنفسها ...
لكنها ...ويالخجلها من نفسها ...تدفعها للعكس!
لقد رضيت منها برفضها للخروج معهما ولم تحاول حتى إثناءها بكلمة وكأنها تشبثت بضعف صديقتها لتخفي خلفه ضعفها هي!!
يالله!
لقد ظنت نفسها أقوى من هذا ...لكنها تنحدر بسلاسة في ذاك الجرف الذي طالما عفت نفسها عنه...
الأنانية...الشك...الضعف...
المثلث الأخطر الذي تحبس أضلاعه كل المعاني التي كرهتها ...
والآن تجد نفسها محاصرة في أحد زواياه!
_وصلنا.
قالها رامز وهو يوقف السيارة قبل أن يترجل منها ليفتح لها الباب ...
تناول كفها في راحته وقد عجز عن منع عينيه من رسم تفاصيل أنوثتها ...
لترتجف شفتاها بابتسامة رضا وشعور الثقة يجتاحها من جديد رويداً رويداً...
كانت تسير جواره وهي شبه غافلة عن الحضور ...
توزع ابتسامتها الرسمية هنا وهناك لكنها لم تكن تعي شيئاً سوى تشبث أصابعه بكفها ...
حتى أنه لم يتركه من يده حتى استقرا مكانهما على أحد الموائد فأطرقت برأسها وهي تشعر بنزيف أفكارها يعاود مراودتها والذي قطعه قوله جوارها بنفس النبرة الباردة التي تناقض كل ما يشعر به:
_عارف إنك جاية غصب...نصف ساعة بس ونمشي .
آه...كم تود الآن لو تخبره أنها ليست نادمة على القدوم...
أنها راضية ببقاء كفها في يده ويكفيها منه هذا الشعور ...
أنها تشتاق لدفء كلماته البعيد تماماً عن بروده المصطنع هذا ...
لكن طبعها غلب تطبعها وهي ترفع له عينيها بقولها الجاف:
_مفيش مشكلة...هاعوض الوقت بالليل وأسهر شوية أخلص اللي ورايا.
رمقها بنظرة ساخطة ليس فقط من كلماتها الجافة...
ولكن لأن جلستها جواره جعلته يلاصق الجانب الأسود من ثوبها ...
لهذا قام ليعدل جلسته للجانب الآخر منها تحت نظراتها المندهشة خاصة مع قوله الذي لم تفهمه:
_المنظر من هنا أحلى!
وفي مكانها كانت يارا ترقبهم بحقد وهي تلاحظ تعلق نظراته بها وكأنه لا يرى سواها ...
بل إنه لم يترك كفها من يده منذ وصلا إلى الحفل ...
_عامل نفسه "هاري تشارلز" ومابيسيبش إيدها حتى وهو بيسلم على الناس...ماشي يا رامز ...هنشوف آخرتها .
تمتمت بها لنفسها بتوعد قبل أن تلتمع عيناها وهي ترى هانيا تغادر مائدتهما نحو الحمام القريب ...
فتخمرت الفكرة برأسها سريعاً وهي تتحرك لتنفذها ...
========
_يظهر إن رامز ومراته اتصالحوا .
_هم كانوا متخانقين؟!
_يوووه! انتِ متعرفيش ...دي حكايته مع غادة الناس كلها عارفاها.
_لا حرام...رامز محترم ومش بتاع الحاجات دي.
_يا حبيبتي انتِ ما سمعتيش المثل اللي بيقول : مفيش رجل ما بيصبش بس فيه راجل بياخد فكرة وراجل بياخد المقاسات .
_وهو بقا أخد المقاسات؟!
_شكله كده ...ده نقل الراجل الغلبان اللي كان عينه منها عشان يخلى له الجو .
_آآه...قلتيلي ...وأنا برضه بقول اتنقل ليه من غير سبب!
شحب وجه هانيا أمام مرآة الحمام وهي تستمع لهذا الحوار الذي وصلها من الخارج ...
استغرقت دقيقة كاملة لتستوعب هذا الذي سمعته قبل أن تخرج بسرعة لتتبين المرأتين اللتين كانتا تتحدثان لكنها لم تجد أحداً...
ظلت تتلفت يميناً ويساراً وهي تقبض كفها بقوة وكأنها على وشك لكم أحدهم قبل أن تنتبه لنفسها فرفعت رأسها للأعلى لتأخذ نفساً عميقاً قبل أن تتحرك بخطوات ثابتة نحو مائدة زوجها ...
نظر إليها من بعيد بقلق وهو يلاحظ تلاحق أنفاسها وحركة صدرها الهادرة صعوداً وهبوطاً ...
اقتربت أكثر ليلاحظ تجمع الدموع في عينيها مع احمرار وجنتيها فوقف مكانه بجزع ليتقدم نحوها لكنه ما كاد يصل إليها حتى تعثر كعب حذائها العالي بطرف السجادة ليتلقفها ذراعاه ...
_مالك؟!
قالها بقلق وهو يشعر بارتجافة انفعالها بين ذراعيه لترمقه بنظرة طويلة غامضة...
قبل أن تشيح بوجهها ...
لتراها !!
أجل...غادة !!
غادة التي عجزت عن البقاء وحدها مع هواجسها وذكريات حزنها لتقرر القدوم إلى هنا ...
في هذه اللحظة بالذات ...وليتها ما فعلت !
فهناك كانت هانيا تنظر إليها بغرابة...
تراقب ثوبها الأسود ذي الشريط النبيذي البراق على كتفه والذي اشترته هي نفسها لها ذات يوم كهدية !
اشترته وهي تدرك كم سيناسب لون شريطه هذا لمعة شعرها الأحمر البراقة!
اشترته وهي تتمنى طوال الطريق أن يناسب جسدها ولم تكد تراها فيه حتى احتضنتها بقوة هاتفة :
(تجنني)!
لماذا الآن تشعر بسواد الثوب ينقلب لألسنة من لهب؟!
بشريطه النبيذي الملتف حول كتفي صديقتها يبدو لها كأفعى تخرج لها لسانها؟!
منذ متى تشعر بجمال صديقتها الصارخ شيطانياً هكذا؟!
هل هذه مشيتها الطبيعية التي تبدو وكأنها تتمايل فيها مستعرضة أنوثتها؟!
هل هذه نظراتها المعتادة نحو رامز؟!
لماذا تشعر إذن أن بينهما حديثاً لا تفهمه؟!!
_إزيك يا هانيا ؟! مالك؟!
قالتها غادة بدهشة وهي تجد رامز يسندها بذراعيه فتمالكت هانيا نفسها لتبتعد عنه قائلة بنبرتها الجافة التي ارتجفت الآن رغماً عنها:
_اتكعبلت بس قمت تاني!
عقدت غادة حاجبيها باستغراب من جفاف نبرتها وعبارتها التي بدت وكأنها تحمل ما يفوق معناها ...
فوجهت لرامز نظرة متسائلة لكنه كان غافلاً عنها بتفحص زوجته هو الآخر ...
خاصة عندما أردفت هانيا بنفس النبرة:
_كويس إنك جيتِ عشان رامز ما يقعدش لوحده ...أنا ماشية.
اتسعت عينا غادة بصدمة من فظاظة أسلوب صديقتها معها والذي تعاينه هكذا لأول مرة...
بينما عقد رامز حاجبيه بغضب وهو يشعر بالعيون مسلطة عليهم...
لو انصرفت هانيا الآن هكذا بمجرد دخول غادة فستؤكد على صدق هذه الإشاعات التي تدور حولهما ...
لهذا أمسك ذراعها بقوة ليقول بصرامة:
_مش هتمشي دلوقت....ربع ساعة وهنمشي كلنا سوا.
لكنها خلصت ذراعها منه لتقول بحزم:
_هامشي دلوقت...ولو عايز تقعد براحتك.
_ماتحرجنيش قدام الناس ...قلت لك اقعدي.
_وأنا قلت هامشي.
اشتعل الغضب في عينيه أكثر وهو يشعر أن الكيل قد فاض به هذه المرة ليرمقها بنظرات هادرة طالت لثوانٍ...
قبل أن يغمغم من بين أسنانه بقسوة:
_لو مشيتِ دلوقت مترجعيش البيت !
شهقت غادة بجزع وهي تتراجع خطوة للخلف لكن هانيا مسحت دمعة فرت من طرف عينها لتقول له بكبريائها المعهود:
_أنا برضه بقول كده أحسن.
ازداد انعقاد حاجبيه وهو يكز على أسنانه بقوة يكاد يحطمها ...
لكنها لم تلتفت نحوه وهي تتناول حقيبتها لتغادر ولم تكد غادة تلحق بها لتسألها عن سبب كل هذا حتى هتفت بها بحزم:
_ماليش مزاج أتكلم الليلة دي يا غادة...
ثم ارتجفت شفتاها بابتسامة ساخرة ناسبت قولها:
_ارجعي انتِ الحفلة واتبسطي...خسارة تلبسي فستان زي ده وما تفرحيش بيه.
وقفت غادة مكانها مصدومة تراقب ظهر صديقتها المنصرف بنظرات مشتتة...
منذ متى تحدثها هانيا بهذه الطريقة ؟!
وماذا تعني بإشارتها لثوبها ؟!
خفضت بصرها للأسفل وهي تتحسس الشريط النبيذي للثوب بأنامل مرتجفة...
قبل أن تعود بعينيها للأضواء المتلألئة هناك في القاعة ...
والتي حجبتها الآن دموعها وهي تشعر بلعنتها الأبدية تطاردها ...
تلفّها برداء يبدو أنه لن يخلعه عنها إلا الموت ...
وتصمُها بالكلمة الخالدة :"مدنسة"!
=======
بعد شهر من الأحداث السابقة...
استيقظ من نومه صباحاً بعد كابوس عنيف كعهده منذ بضعة أيام ...
وبالتحديد منذ سافرت سيلين بعدما عجزت عن نيل مرادها منه...
من المفترض أن يشعره هذا بالظفر لكنه على العكس لا يجد في حلقه سوى مرارة لا يعرف سببها ...
أو هو يعرفه لكنه لا يريد الاستسلام له...
(هابعتلك كل يوم صورة لابنك ...بص له كويس ...عشان تشوفه وهو بيكبر وبيكبر معاه كرهه ليك )
زفر بقوة وهو يسترجع عبارتها القاتلة تزامناً مع تلك الصور التي أرسلتها له ...
هل هو حقاً ابنه ؟!
لماذا إذن رفضت أن تجري هذا التحليل له ؟!
لا ...لن ينخدع بتمثيليتها المفضوحة هذه المرة ... حتى وهو يشعر أن الرضيع نسخة من ملامحه هو...
هراء!
كلهم يتشابهون في هذا السن ...مجرد قطعة لحم حمراء ...هو فقط تأثير الإيحاء ...
لكن...ماذا لو كان حقاً ابنه؟!
هل سيقوى على أن يعيد مأساته كما تقول ياسمين ....
ياسمين ؟!
أين ياسمين؟!
تلفت جواره ليجد الفراش خالياً منها على غير عادتها كل صباح...
فنفض عنه الغطاء ليقوم وإذا به يجدها جالسةً على
الأرض أمام السرير تسند ظهرها له ...
ابتسم بحنان وهو يقترب منها لتشعر هي به فتهتف بنبرتها الحيوية:
_صباح الخير ...نمت كويس؟!
اتسعت ابتسامته وهو يجلس جوارها على الأرض ليستند مثلها على ظهر السرير قائلاً بلهجته العابثة:
_بتعملي إيه ع الصبح كده على الأرض ؟! يوجا برضه؟!
لكنها هزت رأسها نفياً وهي ترفع هاتفها نحوه لتقول بنفس النبرة التي خالطها بعض الشجن:
_صحيت لقيت بابا باعتلي دول ...مجموعة صور ليّ أنا وهو وماما وأنا صغيرة.
انعقد حاجباه ل-المفارقة- ولايزال أثر كابوسه مع أفكاره عن سيلين وابنها يؤرقه... لكنه نفض عنه هذا الخاطر مع قوله:
_وريني كده .
تلاعبت أناملها بشاشة الهاتف للحظات كي تفتح الصور مع قولها :
_دي أول واحدة...ماما الله يرحمها وهي شايلاني.
_شبهك قوي.
قالها وهو يميل رأسه نحوها فابتسمت لترد بشرود:
_أجمل نعمة لما ربنا يخليك تشبه شخص عزيز عليك...متعرفش بحس بإيه لما ببص في المراية وبحس إن ملامحي بتفكرني بيها ...الله يرحمها .
تمتم بدعاء خافت لها بالرحمة وهو يشعر بالحزن الذي كسا ملامحها الرقيقة لهذا عاد يهتف بنبرته العابثة:
_لا ...أنا كده مش شايف كويس...رقبتي هتتلوح...
ثم أحاط خصرها فجأة بقبضتيه ليرفعها فيجلسها بين ساقيه المفرودتين مسنداً ظهرها إلى صدره ...
ثم تناول منها الهاتف بحركة خاطفة وسط تأوهات دهشتها ...ليحيط جسدها بذراعيه بينما يمسك الهاتف بكفيه قائلاً بنفس النبرة العابثة:
_مش كده نشوف احنا الاتنين أحسن؟!
ورغم شعور الخجل الذي انتابها هذه اللحظة لكنها كانت تشعر بأمان عجيب في جلستهما هذه وجسده يحاوط جسدها بكامله كأنها قطعة منه...
لكن هذا لم يمنع ذبذبات ارتباكها التي وصلته فحاول التغلب عليها بدعاباته وهو يقلب الصور :
_كنتِ طفلة "قلبوظة" امال إيه اللي قلبك "سفروتة" كده ؟!
ابتسمت وهي تنظر له من خلف كتفيها بارتباك لذيذ ليغمزها مردفاً بنفس النبرة:
_تخيلي لو كنتِ فضلتِ "قلبوظة" كده بطولك ده ...كان زماني بدحرجك دلوقت في الجنينة !
ضحكت بانطلاق وهي تسند ظهرها لصدره أكثر ثم عادت تنظر للأمام بينما هو يقلب الصور مع المزيد من تعليقاته المشاكسة :
_أسنانك كانت بايظة قوي ...لو كنت شفتك وقتها كان زمانك بقيتِ زبونة مستديمة عندي ...وده إيه كمان ؟!
_ده دبدوب قطعت راسه ولبسته راس عروسة تانية !
_ميول إجرامية مبكرة ما شاء الله ...الواحد المفروض يخاف على نفسه بقا.
قالها ساخراً ليعلو صوت ضحكتها من جديد قبل أن يعود ويقلب الصور بقوله :
_أيوه بقا...بحر ورمل وابتسامة بنوتة و.....إيه ده ؟! بيكينييييييي!!!!!
هتف بها بنبرة عابثة وهو يطيل مقاطعها متعمداً بينما عيناه تلتهمان صورتها الطفولية في "مايوه" من قطعتين بلون البحر ...
فاحمرت وجنتاها انفعالاً وخجلاً لتتمتم دون أن تنظر إليه:
_دي المرة الوحيدة اللي لبسته ...ماما ماكانتش بترضى تلبسهوني أبداً ...كانت بتخاف عليّ.
_عندها حق!
همس بها بنبرة أرق وهو يشدد ضغط ذراعيه حولها مردفاً:
_تخيلي لو لبستيه دلوقت بس بألوان الطيف اللي بتحبيها ...وشعرك بيلمع في الشمس زي خيوط الذهب.
قالها وهو يشعر بالصورة تلهب مخيلته فأحنى رأسه يسنده على رأسها مقاوماً هذا البركان العاصف بداخله ...
ثم ألقى الهاتف جانباً ليمسد شعرها بأصابعه هامساً :
_شعرك طول شوية ؟!
_فردته بالسشوار .
غمغمت بها بارتباك خجول وهي تشعر بلغة جسده تحكي الكثير عن مشاعر يأبى هو التعبير عنها ...
خاصة عندما شعرت بسبابته تسير على ظهرها حتى وصل لمنتصفه هامساً:
_عايزه يوصل لحد هنا ...لا هنا...لا هنا...
كان يتحدث بينما تتحرك سبابته هبوطاً على طول ظهرها لتنتهي عبارته بهمسه الذي امتزجت حرارته بالكثير من الشجن :
_وأشوفه في ضفيرة طويلة زي بتاعة زمان .
ارتجفت بين ذراعيه وهي تشعر بهمسه الحار يشعل بداخلها ثورات وثورات من مشاعر متباينة...
خوف ...رهبة...حسرة...ألم...خجل...توتر...والكثير بل الكثير جداً من الشغف !
طالما كانت تسائل نفسها بعد طلاقها من ذاك الوغد إن كانت ستتمكن من العيش كامرأة طبيعية أم أنه قد أحرق بذور أنوثتها للأبد ...
لكن الإجابة تصلها مع يامن يوماً بعد يوم...
هي تشعر معه وكأنما تخطو في هذا العالم لأول مرة ...
اللذة التي يمنحها لها قربه وحنانه تمنحها المزيد من القوة لتقاوم هواجسها القديمة ...
لكنها لا تزال لم تبرأ من سقمها كاملاً...لايزال الخوف اللعين يحاصر مشاعرها ويمنعها الاستسلام...
انقطعت أفكارها عندما شعرت بزحف شفتيه الناعم على عنقها فرفعت عينيها نحو "نور الشمس" المتسلل عبر النافذة تقاوم به "ظلام" هواجسها الأليم...
أنفاسها تتلاحق وهي تشعر أنها في حرب حقيقية بين رهبتها من مطارق الماضي التي عادت تدق بابها بقسوة ...
وبين رغبتها الصادقة في الاستسلام للذة شعورها به...
لمنحه كل مفاتيح مدينتها كي يرفع عليها رايته للأبد ...
أصابعها ترتفع رغماً عنها لتتشبث بذراعيه المطوقين لها وكأنها تستمد منه دعماً ...
بينما كان هو منغمساً في استنشاق رحيق أنوثتها الملون ...
رائحتها التي تدوخه في لحظات بين براءة طفلة وغواية أنثى وحنان أم ...
شفتاه تتلمسان طريقهما على بشرتها فتارة تتمهلان باستمتاع ...وتارة تعدوان بلهفة... وتارة تتوقفان وكأنهما تتشبثان بها!!
ذبذبات توترها تزداد مع تلاحق أنفاسها فيأخذ هو نفساً عميقاً ليتمالك نفسه وهو يشعر أن الطريق لايزال يحتمل المسير ...
ليهمس لها أخيراً بصوت دافئ:
_تيجي نروح النادي القديم ؟!
شهقت بفرحة وهي تستدير بين ذراعيه لتواجهه بعينين ملتمعتين فأردف بابتسامة حنون:
_لسه بدري على أول معاد ليّ النهارده...تعالي نفطر هناك...
ثم غمزها بقوله:
_ونستعيد الذكريات!
_بجد ؟! بجد؟!
ظلت تكررها بفرحة طفولية وهي تقفز لتقف مصفقة بكفيها فوقف بدوره ضاحكاً بينما هي تهتف وكأنها لا تصدق:
_هتروح معايا هناك ؟! نلف سوا كل
الأماكن .. كلها ...هاوريك ترابيزتي المفضلة اللي كنت بقعد عليها ...ونقعد سوا تحت الشجرة اللي كنت بتحب تقعد عندها ...هنشتري غزل البنات من نفس المكان اللي حلمت إني أكون معاك فيه ...ونتمشى سوا في الممر الطويل اللي قبل "التّراك" ...هتدخل إيدك في إيدي واحنا بنسلم على عم رفعت الحارس ...كان دايماً يعاكسني وأنا داخلة النادي ويقوللي :يابخته اللي مستنياه ...يااااه يا يامن ...
تقطعت أنفاسها في كلماتها الأخيرة وهي تلقي نفسها بين ذراعيها تغرق وجهها بقبلاتها -الخفيفة- في لمستها و-العميقة- جداً في أثرها ...
وكيف لا؟!
وقد امتزجت الآن بدموعها التي عجزت عن منعها وهي تشعر بانفعال عظيم يعصف بها...
انفعال ترجمته همساتها المتهدجة بعدها:
_عارف؟! سهل قوي تلاقي حد يديك أمل في بكرة ...لكن الصعب إنك تلاقي حد يرجع لك الماضي ...يقولك إن أيامك ما راحتش هدر ...يرجع لك اللي فات ...
قطعت عبارتها وكأنها عاجزة عن السيطرة على مشاعرها لتعاود نثر قبلاتها المجنونة على وجهه مردفة:
_شكراً يا طيب ...يا أطيب يامن في الدنيا.
شعر بقلبه يتضخم بين ضلوعه ودقاته الهادرة تجاوز حد الجنون مع هذه المشاعر الصادقة التي كانت ترويه بها رِيّاً ...
هذه ليست امرأة عاشقة..
هذه امرأة تسقيه روحها ببساطة دون أية محاذير!
الآن يحتاج ما يفوق الصبر ليمنع نفسه عنها لكن لا بأس ...
حبٌ كهذا يستحق أن يصبر عليه كي يشتد عوده قبل أن يجني عذب ثماره ...
بينما توقفت هي فجأة عما تفعله وكأنما شعرت باندفاعها الآن فقط لتشتعل وجنتاها فتتراجع عنه بخجل ...
هنا خبطها هو بخفة على رأسها قائلاً بنبرته المشاكسة:
_وقفتِ ليه؟! كملي كملي...عشان أقول لا فيه نادي ولا مواعيد ولا عيادة ...ونقعد هنا أعلمك لعبة أحلى .
انتهت عبارته وهو يجذبها بحركة مفاجئة بين ذراعيه وبريق عينيه العابث يعيد إشعال الثورات في روحها العاشقة...
لكنها حاولت التغلب على خجلها وهي تدفعه برفق هاتفة بمرحها الحيوي:
_لا لا مفيش رجوع...هانزل ألبس وأستناك .
قالتها لتغادر الغرفة بخطوات راكضة تلاحقها نظراته التي امتزجت عاطفتها بعبثها مع همسه لنفسه:
_هتجنني بنت اللذينا.
=======
فتحت ياسمين باب البيت الداخلي برفق حذر وهي تتوقع عاصفة من غضبه الذي ظهر في مكالمته الهاتفية منذ قليل ...
إنها الليلة الأولى التي تتأخر فيها إلى هذه الساعة لكنها انشغلت كثيراً بشأن الفرع الجديد من المطعم الذي تريد إنشاءه...
الليلة الأولى التي يعود فيها إلى البيت منذ تزوجا ولا يجدها تنتظره ...
الليلة الأولى التي تشعر فيها -كما شعر هو- أن شيئاً ما قد بدأ يسحب اهتمامها ودورانها العتيق حول فلكه !!
وكم آذاها هذا الشعور -قبله- والسخط من نفسها يملؤها ...
لهذا تنهدت بضيق وخطواتها تنسحب نحو المطبخ الذي كان مرتباً كما تركته منذ الصباح لتعلم أنه لم يتناول طعاماً...
ثم تحركت بخطوات سريعة تصعد الدرج نحو غرفته لتجده جالساً على الفراش وقد أسند حاسوبه المحمول على ساقيه المفرودتين أمامه...
ألقت عليه التحية ثم تنحنحت بحرج لتقترب منه قائلة :
_أنا آسفة إني اتأخرت .
_براحتك.
قالها بجمود دون أن يرفع وجهه إليها فعادت تتنحنح من جديد لتجلس جواره مع قولها بنبرة أرق:
_شكلك زعلان...وعد مني مش هاكررها.
_وإيه اللي انت كاتباه على "الفيسبوك" ده ؟!
تنحنحت بحرج وهي تتذكر العبارة التي كتبتها له على حسابه الشخصي وهي في الطريق كي تسترضيه فغمغمت بخجل:
_كنت بصالحك.
_تقومي تكتبي لي كده وكل الناس تقراه!
_وإيه المشكلة؟! انا عايزة الناس كلها تعرف اني بحبك.
ورغم أن عبارتها التي نطقتها بحرارتها المعهودة داعبت أوتار قلبه لكنه عاد يهتف بنفس الاستنكار:
_والله ؟! وكل واحد يشوف كلامك يتخيل شكلك وانت بتقوليه ؟! والله أعلم دماغه هتوديه لفين ؟!
_مش ممكن...انت غيرتك دي يتألف فيها كتب ...غلبتني...
هتفت بها بتعجب وهي تضحك من غيرته لتهمس له أخيراً بنبرة دافئة :
_طب ده أنا نفسي تكتبلي إنك بتحبني والدنيا كلها تقراها .
رمقها بنظرة مستهجنة غاضبة وهو يشيح بوجهه فاقتربت منه أكثر هامسة:
_خلاص ما تزعلش.
_ماتكتبليش كلام زي ده على بروفايلي تاني!
قالها حازماً دون أن ينظر إليها فتمتمت بخفوت:
_حاضر.
_وما عدتيش تحطي صور لك على صفحتك أبداً.
كتمت ابتسامتها بكفها وهي تعاود تمتمتها المطيعة:
_حاضر.
_ويفضل لو تقفلي حسابك ده خالص!
_لو ده يرضيك مفيش مشكلة !
لم يصلها منه رد ولا حتى نظرة عين فمدت كفها لتغلق شاشة حاسوبه ثم تقدمت أكثر لتطبع على وجنته رسالة اعتذار ناعمة ناسبت همسها:
_خلاص بقا يا "طيب"...أنا بصالحك أهه.
لكنه صرف بصره عنها ليهتف بخشونته المعهودة والتي
خالطها الآن بعض المكر:
_يعني لا بتعرفي تحكي حواديت عدل ولا تصالحي بذمة ...وحاجة آخر "كَروَتة" صراحة !
ضحكت بخجل وهي تربت على وجنته هامسة:
_عايزني أصالحك إزاي طيب؟!
_كده يا "حضرة الشيف" المحترمة!
لم تكد تعي آخر حروف كلماته حتى كان قد أزاح حاسوبه ليضعها هي مكانه غارساً على شفتيها كل مشاعره العاصفة بين غضب وحاجة واشتياق ...وغيرة!
أجل...شعوره عندما عاد ولم يجدها أشعل في قلبه "مذاق الحرمان" الذي ظن نفسه لن يعرفه معها هي أبداً...
منذ عرفها وهو يشعر أنه هو محور حياتها الوحيد الذي تدور حوله نواتها واليوم يشعر وكأنما تزلزلت هذه الأرض الثابتة من تحته !
وبين ذراعيه كانت هي غارقة بشعورها الجديد معه...
هل فاجأتها عاطفته -الحسية- التي انفجرت هكذا فجأة ؟!
لا !
هي خير من تعلم أن طفلها "المكابر الشقي" يشعر الآن
بالغيرة من عملها الذي صار يستنزف وقتاً أطول ...
وغيرته -كما كل مشاعره- لايجيد التعبير عنها إلا "هكذا"!
والمشكلة الحقيقية في "هكذا" هذه!!
لهذا استسلمت له لبضع ثوانٍ قبل أن تشعر بالخوف اللعين يعود يراودها مع ازدياد -جرأته- هذه المرة...
هذا الشعور المقيت بالاختناق الذي لا حيلة لها فيه- والذي جعلها كتلة من الثلج بين ذراعيه- جعل عينيها تدمعان بعجز وسط تلاحق أنفاسها ...
ورغم شعوره بالضيق لكن سابق رصيدها كان يسمح له
بالصبر الذي جعله يكتفي أخيراً بضمة رفيقة لجسدها المرتجف مع تربيته على ظهرها وكأنه يمنحها وعداً غير مشروط بالأمان ...
ولم يكد يفعلها حتى شعرت بخفقاتها الثائرة تهدأ رويداً رويداً لتستكين أنفاسها على صدره أخيراً وهي تشعر
بالكثير من الخزي الذي حاول هو تبديده عندما رفع ذقنها نحوه ليهمس أمام عينيها المعتذرتين:
_تأخيرك ده مايتكررش تاني ...حسيت إني مخنوق لما رجعت البيت ومالقتكيش فيه .
مسحت دمعة فرت من طرف عينها وهي تبتسم له هامسة بصوت عادت إليه بعض حيويته:
_أعتبر ده اعتراف إنك ماعدتش تقدر تعيش من غيري؟!
لكنه رفع أحد حاجبيه بمكر ليرد مشاكساً:
_لا اعتبريه تحذير شديد اللهجة إن اللي حصل ده ما يتكررش ...وبس!
لفظ كلمته الأخيرة وهو يخبط جبينها بجبينه بخفة فضحكت وقد اكتفت منه بهذا التصريح غير المباشر لتقول له بحنانها المعهود:
_أكيد جعان ...خمس دقايق ويكون الأكل جاهز .
قالتها وهي تدفعه برفق لتقف لكنه وقف بدوره ليلتقط كفها في راحته قائلاً :
_زمانك تعبانة...تعالي نحضره سوا .
ابتسمت له بامتنان وهما يغادران الغرفة معاً ليهبطا الدرج نحو المطبخ حيث تركت هي كفه لتتحرك جانباً مع قولها :
_هاحمر بطاطس عشان مشتاقة لها ...المهم قوللي...إيه أخبار طنط والبنات ؟!
سألته وهي تشعل الموقد ليجيبها وهو يضع صينية الطعام في "الميكرويف":
_كويسين...رانيا مبسوطة مع عريسها وهانيا ملبوخة
كالعادة في دراستها لدرجة إنها سابت بيتها وقعدت عند نبيلة ...داليا اللي قالقاني.
_ليه؟!
سألته بقلق حقيقي ليجيبها بضيق:
_معرفش...فيها حاجة متغيرة...ومروان بيقوللي مش بتذاكر كويس.
_و مروان يعرف منين؟!
_عمه الدكتور بتاعها في الجامعة ...كلمني من فترة وقاللي إنه عايزني في موضوع مهم ...ولما استفسرت منه طلع عنها...قاللي أنبهها تخللي بالها من مذاكرتها ...مش عارف أعمل إيه ....أوه...حاسبي!
هتف بها بجزع وهو يقترب منها لتلاحظ هي النار التي
نالت من طرف كُم سترتها بينما كانت تحدثه بشرود فأغلقت الموقد بسرعة...
لكنه لم يمنحها المزيد من الوقت عندما دفعها بسرعة نحو الحوض ليفتح الصنبور بسرعة مريقاً الماء عليها قبل أن ينزع عنها السترة نفسها ليلقيها جانباً بعدما انطفأت شعلتها ليسألها بلهفة وهو يتفحص ذراعها:
_وصلت لدراعك؟!
لم ترد عليه والصدمة تلجم لسانها ...
ليس فقط من مشهد النار فقد اعتادت مثل هذه الحوادث ...
لكن من وقوفها هكذا شبه عارية بين ذراعيه إلا من "بلوزة" خفيفة عارية الذراعين بحمالتين رفيعتين تكشفان جزأها العلوي بوضوح ...
لكنه كان غافلاً عن هذا في البداية بتفحص معصمها وساعدها الذي احمر قليلاً ليهتف وهو يقترب بها من أحد الأدراج:
_مرهم الحروق كان هنا ...يتهيالي بسيطة...واللا إيه؟!
سألها وهو يلاحظ شحوب ملامحها لتجيبه بنبرات مرتبكة :
_أيوة...بسيطة.
وضع المرهم بحرص على المنطقة المحمرة من جلدها قبل أن يرفع إليها عينيه أخيراً ليدرك ما يسبب لها كل هذا الشحوب والارتباك...
التمعت عيناه ببعض المكر وهما تتفحصان "بلوزتها" الرقيقة بلون "السيمون" الفاتح والتي تزينت مقدمتها
بالدانتيل الرقيق مع فصوص اللؤلؤ الصغيرة لتمنح بشرتها الناعمة مظهراً خلاباً...
فابتسم وهو يقترب منها أكثر هامساً بنبرته العابثة:
_ده ذنب الغلبان اللي مقعداه من غير أكل لحد دلوقت ...شفتِ اللي بييجي عليّ ربنا بيعمل فيه إيه ؟!
ابتسمت بتوتر وهي تشيح بوجهها ليردف وعيناه تلتمعان أكثر:
_مممممم...ده الجاكيت كانت مخبي كتير!
كتفت جسدها بذراعيها وهي تشيح بوجهها ليردف باستحسان ماكر:
_أيوه....حلوة قوي الوقفة دي !
_يامن!
تمتمت بها باستنكار وهي تتحرك لتغادر المطبخ لكنه جذبها من ذراعها ليقول لها بنفس النبرة المشاكسة:
_مش هتتحركي من هنا غير لما ناكل .
_هاغير هدومي وآجي بسرعة.
_لا...أنا جعان ومستعجل.
_يامن ...انت عارف...
قطعت عباتها المرتبكة وعيناها تدمعان لكن إشفاقه لم يمنعه من أن يقربها نحوه أكثر ليردف بنفس الحزم المرح:
_أنا مش عارف دلوقت إلا حاجة واحدة ...إني جعان وإنك هتاكلي معايا حالاً.
أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بنفس الإحساس المقيت بالألم...
بالانتقاص ...وبعدم الثقة ...
_بصيلي.
همس بها وهو يربت على ظهرها برفق محاولاً تمالك ارتجافتها لكنها تمتمت بعجز :
_مش قادرة .
_بصيلي!
كررها بحزم أكبر وهو يرفع ذقنها نحوه لتفتح عينيها ببطء ...
تلتقط نظراته المطمئنة بنَهَم من تحتاج حقاً لهذا الأمان ...
_اللون ده حلو قوي عليكِ...والعقد كده أجمل بكتير .
همس بها وأنامله تتلمس عقده الملون بأحجاره على جيدها فازدادت ارتجافتها وهي ترمقه بنظرات راجية وقد التصق لسانها بسقف حلقها ...
فقط عيناها كانتا متشبثتين بعينيه باستماتة وكأنها تستمد منهما الدعم...
لتنحدر أصابعه نحو ذراعها صعوداً وهبوطاً في ثوانٍ مرت بكليهما عاصفة صاخبة حتى همس أخيراً :
_خسارة!
ضاقت عيناها بنظرة مذعورة متسائلة وقد أساءت تأويل كلمته لكنه استطرد بنبرة دافئة:
_خسارة إنك ما خلتهمش يرسموا لك ذراعك بالحنة في البلد ...كانت هتعمل شغل جامد مع لون بشرتك ده.
كان يريد منحها المزيد من الثقة في نفسها وهو الوتر الذي يجيد العزف عليه حاليا ...
ويبدو أنه قد نجح فقد لانت نظراتها الخائفة نوعاً ...
هنا تناول ذراعها ليفرده أمامه ثم دار على معصمها بسبابته مردفاً بنبرة زاد شغفها:
_تخيلي لو رسمنا هنا وردة كده ...يطلع منها خط طويل كده ...وينتهي بورقة شجر كده ...وكده...وكده...
كان يتحدث بينما يرسم بإصبعه ما يتحدث عنه ...
حتى وصل لأعلى ذراعها وكتفها وبالتحديد عند تلك الندبة هناك ...
والتي استقر عليها إصبعه للحظات قبل أن يهمس بحرارة أكبر:
_وهنا بقى نرسم قلب ...قلب كبير ...محبش غيري ...زي ما بتقولي.
ختم قوله بهذه العبارة وكأنما استنكف سلطان شكوكه أن يعترف بتصديقها ...
أو ربما كان يريد المزيد من اعترافاتها الصريحة القاطعة...
تماماً كذاك الذي منحته له الآن دون تردد:
_ماحبش ولا هايحب غيرك .
هنا استبدل سبابته بشفتيه اللتين طافتا بتبتّل شغوف على بشرتها لتشعر هي بخوفها يتبدل لإحساس آخر ...
إحساس يرفعها في ثانية لأعلى سماء لكنه يعود ويخسف بها الأرض...
لينطلق أخيراً صوت "الميكرويف" منذراً بانتهاء مهمته وهو الذي وجدته هي لها مخرجاً من دوامة مشاعرها هذه ...فدفعته برفق هامسة:
_انت مش جعان؟! الأكل خلاص سخن.
لم يستطع كبح الخيبة في نظراته وهو يراها تفر من بين ذراعيه لتستخرج الطعام وتضعه على المائدة ...
فتنهد بضيق أزالته ابتسامتها المرتجفة وهي تسحبه من كفه لتقول بارتباك:
_ياللا قبل ما يبرد تاني.
جلس جوارها يتناولان طعامهما وهو يلاحظ أنها تتحاشى نظراته المتفحصة لها ولم تكد تتناول بضع لقيمات حتى وقفت لتقول بنفس الارتباك:
_حاسة إني بردت...هاروح أغير هدومي .
قالتها وهي تهم بالمغادرة لكنه جذب ذراعها ثم وقف ليقول لها بحزم:
_الخطوة اللي مشيناها مش هنرجعها تاني ...فاهماني؟!
رمقته بنظرة متسائلة فجذبها من أذنها برفق ليردف بنبرة مشاكسة لعلها تلطف أجواء توترها:
_يعني خلاص شفتك كده واللي كان كان ...بجاماتك الطويلة الواسعة دول لو شفتهم تاني هاولع فيهم...قرار ديكتاتوري رقم...ممممم...مش فاكر !
ارتجفت شفتاها بابتسامة تردد فانتقلت أنامله من أذنها لوجنتها مع استطراده الجاد هذه المرة:
_ماتخافيش من أي حاجة ...أنا بعمل كده عشانك مش عشاني ...عشان انتِ تستاهلي تحبي نفسك أكتر من كده .
دمعت عيناها كعهدها عندما تستبد بها عاطفتها لتلتقي عيناهما في حديث طويل ...
قبل أن تومئ برأسها موافقة ليتنهد هو أخيراً بارتياح وهو يشعر أنه يسير على الطريق الصحيح...
صحيحٌ أنه قد صار يخشى عليها من تعجله لكنه يثق بقدرة قلبه على منحه الصبر .
وبعدها بقليل كانت تدخل عليه غرفته لتلتمع عيناه بشغف وهو يرى منامتها الصفراء عارية الأكمام والتي منحتها حمرة وجنتيها مظهراً شهياً...
صحيحٌ أنها كانت بسروال طويل واسع ورسوم طفولية على منطقة الصدر لكن كما قال لها وهو يقبل ظاهر كفه وباطنه:
_أحسن من مفيش...نبوس إيدنا وش وضهر على كده .
ضحكت بخجل وهي تقترب منه وقد بدد مرحه الكثير من توترها ...
خاصة عندما سبقها للفراش ليرفع عليه غطاءه قائلاً بعد تثاؤب قصير:
_ياللا عشان تحكي الحدوتة...هنام منك .
_أدمنت حواديتي؟!
سألته بنبرة حيوية وهي تلحق به في الفراش ليجيبها مشاكساً:
_كان لي واحد صاحبي مبيعرفش ينام إلا والراديو مفتوح جنبه...أهو انت أحسن م الراديو .
علا صوت ضحكتها الرقيقة فتنهد بعمق وهو ينظر إليها نظرة طويلة ...ليسألها أخيراً بجدية:
_عارفة إيه أجمل إحساس في الدنيا؟!
_إنك تحب؟!
سألته بتردد ليهز رأسه نفياً ثم اقترب منها ليضمها بذراعيه غارساً رأسه على صدرها قبل أن يهمس لها بشرود:
_إنك تطّمن.
_وانت مطمن معايا؟!
وجوابه كان في قبلاته التي تناثرت بسرعة على وجنتيها وذقنها ...
فتأوهت بدلال رقيق ليهتف بها بمرحه الفظ:
_لو دقني بتشوكك...استحملي...مابفكرش أحلقها!
ضحكتها الطويلة كانت جوابها والتي أتبعتها بقبلتين ناعمتين على وجنتيه مع قولها المرح:
_بتهزر؟! انت ما سمعتش المقولة الشهيرة...ما الحب إلا للحبيب الملتحي!
يبتسم وهو يراها تبتلع كل خشونته بمرحها المعهود ليهمس لها بنبرة دافئة:
_مش قلتلك قبل كده إنك جميلة قوي؟!...جميلة لدرجة إنك بتخللي كل حاجة حواليكي جميلة زيك...حتى أنا....
ثم تنحنح ليغمض عينيه مردفاً:
_ياللا بقا...احكي يا عروسة البحر .
تنهدت بحرارة وهي تداعب لحيته بأناملها لتعود برأسها للوراء هامسة :
_كان ياما كان...
فابتسم وهو يشرد في حكايتها التي تخطف لبه ككل ليلة...
لا لم يكن يشعر معها بشعور "شهريار" المتملك القوي ...
بل على العكس ...
كان يشعر وكأنما يطارد أطياف طفولته على صدرها ...
وكأنما يرسم بصوتها الماضي الذي ود لو يتغير ...
والغد الذي لا يريده إلا معها ...
هي العشق الذي لا تدري هل أصابك بسهمه أم داواك بترياقه ...
هي "ليلاه" و"عبلته" و"شهرزاده"...
بل هي بطلة أخرى تستحق أن تكتب لها حكاية وحدها في دفتر العاشقين.
========
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!