الفصل 11 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سينابون

المشاهدات
16
كلمة
12,469
وقت القراءة
63 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

القطعة الحادية عشرة


========


_هنا؟!


هتف بها يامن بضيق بينما يرد على اتصال سيلين وعيناه تحيدان نحو البوابة الخارجية ليردف بنبرة ساخرة:


_ده انتِ مراقباني بقا؟! أنا لسه راجع...حاضر...هافتح!


انقبض قلب ياسمين وهي تراه يغلق الاتصال ليتوجه نحو الباب الخارجي فجذبته برفق قائلة :


_هادخل أنا ...مش عايزة أقابلها دلوقت.


_نعم؟! بعد كل ده تقوليلي مش عايزة أقابلها؟! امال احنا كنا بنعمل كده ليه أصلاً؟!


هتف بها باستنكار وهو يتوقف مكانه فشحبت ملامحها وهي تبسط كفها على صدرها لتقول له مهدئة:


_مابحبش المفاجآت ...اديني وقت بس أجهز نفسي...المواجهة هتبقى صعبة .


زفر بقوة ثم غلبه الإشفاق على ارتباكها فأومأ برأسه موافقاً ...


لتتجه هي نحو الداخل بملامح متوترة فيما عاد هو ببصره نحو البوابة ليقف مكانه لبعض الوقت متعمداً جعلها تنتظر ...


قبل أن تلتوي شفتاه بابتسامة ساخرة وهو يعد العدة لقناعه الجديد...


سيلين لن ترحل عنه إلا بالحيلة...سيستغل كل ثغراتها ليجعلها تخرج من عالمه إلى غير رجعة...وليس هذا فحسب ...بل ويرد لها ما فعلته به هناك !


لهذا عاد يتقدم نحو الباب ليفتحه ...


ابتسامته الساخرة تتسع وهو يرى ملامحها التي يعرفها عاصفة بغضب أرضى نهم انتقامه...


ابتسامته التي ارتجفت رغماً عنه وعيناه تهبطان لبطنها البارز لتختفي تدريجياً...وقبضة باردة تعرف طريقها لقلبه...


هنا...هنا يكون من -تزعم- هي أنه ابنه !


لم يتحمل النظر أكثر وروحه غارقة في صراع بين عاطفة غريزية لم يملكها وبين وساوسه الضارية التي تنهش عقله...فأغمض عينيه بقوة مع صراخها الهستيري كعادتها بينما تدفعه بكفيها لتدخل:


_اتجوزت ؟! بالسرعة دي؟! وابننا ؟! هتسيبه؟! هتسيبني؟!


كانت كلماتها تتأرجح بين العربية التي تجيدها ولكنتها الأجنبية بحكم أصلها نصف الانجليزي ...


لكنتها التي طالما كانت تثير جنونه وهي تذكره بصراعه العتيد بين شرقية طباعه وما يفترض أن يحمله من أعباء تحضر الغرب الذي يزعمونه !


لهذا أخذ نفساً عميقاً ليبدأ في خطته قائلاً ببرود مصطنع:


_اهدي يا سيلين ...العصبية مش كويسة عشانك...أكيد طبعاً مش هتخللى عن ابني...بس كمان مش هاقدر أسيب حياتي الجديدة ...


ثم ضغط على حروف كلماته ليردف بحذر:


_لو تحبي نكمل سوا معنديش مشكلة عشان خاطر الولد ...عيشي معايا هنا ...بس مش هاطلقها .


كاد يبتسم بعدها بظفر وهو يرى ملامحها الثائرة التي كساها


الاستنكار مع هتافها:


_هنا؟! وكمان زوجة تانية؟! ليه ؟! فاكرني اتجننت عشان أقبل وضع زي ده ؟!


بسط كفيه مدعياً قلة حيلته مما دفعها لتتقدم منه محتضنة ذراعيه بكفيها مع قولها بنبرة أكثر ليناً:


_أنا عارفة إنك لسه زعلان مني عشان اللي حصل في لندن...بس صدقني عرفت غلطتي...ال"بيبي" ده هدية ربنا عشان نرجع لبعض.


كز على أسنانه بغضب مكتوم بزغ بين كلماته الباردة:


_كان بيننا اتفاق ...وخنتيه.


_ما خنتش يا يامن...لما أبقى عايزاك تبقى ليّ بكل ما فيك دي مش خيانة...ده حب!


_حب ؟! حب يخلليكِ تهدي كل اللي بنيته هناك ؟! أنا كنت هاتسجن بسببك؟!


هتف بها بغضب عجز عن التحكم به وذكريات غدرها به هناك تعاود التشكل في مخيلته ...


ربما لم تخنه بجسدها ...لكنها خانت ثقته بها...والذريعة حب؟!


فبئس الحب !!


_ندمت يا يامن ...وخصوصاً لما عرفت بخبر حملي...الأول فكرت أخبي عليك وأعيش بيه بعيد عنك لكن كل شهر كان بيكبر جوايا كنت بحس إني بقرب منك أكتر ...عشان كده كلمتك ...ما توقعتش إنك تتجوز بالسرعة دي!


نبرتها التي تحولت من غضب هستيري لحسرة نادمة لم تحرك فيه ساكناً ...هو لم يكن يراها الآن سوى صورة منسوخة...


نبيلة...بسنت...سيلين...كلهن يؤيدن يقينه أن المرأة لا تحب أحداً أكثر من نفسها ...وأن العاطفة لديها لا تساوي أكثر من ثوب ترتديه وتخلعه متى شاءت !


لهذا عاود رسم ابتسامة ساخرة على شفتيه ليقول بتفهم مصطنع:


_وأنا عشان خاطر ابني مستعد نكمل ...بس انتِ هتقبلي الوضع الجديد؟!


_مستحيل!!


صرخت بها بنبرة عادت إليها حدتها لتخبطه بقوة في صدره مردفة:


_مين دي اللي متمسك بيها كده ؟! أنا حتى ما تعبتش وأنا بسأل عنها عشان أعرف الفضايح اللي طليقها بيلاحقها بيها في كل حتة ؟! هي دي اللي ...


كفه الكبير يطبق على شفتيها بقوة يقطع بقية عبارتها وهو يقترب منها بوجهه متخلياً عن سابق عهده بمهادنتها ليقول وعيناه مشتعلتان بالغضب:


_هاقطع لسان أي حد يجيب سيرتها ...وانتِ عارفاني في الحاجات دي معنديش هزار!


دمعت عيناها بقهر وهي تشعر بالعجز يكبلها ...


لقد جاءت إلى هنا وهي تحلم بإقناعه بالعودة معها ...ظنت أن رؤيته لها تحمل طفله ستلين قلبه لكنه لايزال على عهده من العناد...


لن يسامحها على ما فعلته به هناك...ذاك الذي ندمت عليه حقاً لكن...هل يجدي الآن الندم؟!


وفي مكانها خلف الباب الداخلي الموارب كانت ياسمين تراقبهما في الحديقة بقلب مرتجف...


سيلين فاتنة حقاً...لو كانت تبدو بهذا التألق وهي حاملٌ في شهرها الأخير بهذا البطن المنتفخ فكيف تكون إذن وهي متهيأة بكامل زينتها لترضي شغف رجل أحبته؟!


أغمضت عينيها بحرقة غيرة اشتعلت بين جوانحها وذكرتها بماضيها التعس ...


فالتمعت الدموع في عينيها خاصة عندما سمعتها تصرخ بماقالته عن فضائح طليقها ...


لكن عبارة يامن الأخيرة مع نظرة عينيه كانت مفاجأة لها هي نفسها!!


مفاجأة جعلت الدموع في عينيها تتراجع لتحل محلها ابتسامة راضية...


وبعدما كانت تفكر في تأجيل هذه المواجهة وجدت في نفسها الشجاعة لتتقدم نحوهما...


الشجاعة التي كانت تتراجع تدريجياً مع كل خطوة تخطوها وعيناها معلقتان ببطن غريمتها البارز...


قلبها الذي طالما كان يخفق بالحب ...الآن تقرعه مطارق الذنب!!


كيف هاودته على فكرته في حرمان طفله من العيش بين أبيه وأمه؟!


كيف أعمتها رغبتها في تحقيق حلمها عن رؤية عذاب طفل كهذا لاذنب له؟!


عذاب عاشته هي نفسها لسنوات ولازالت تعاني تبعاته!!


خطواتها تتباطأ وهي تزداد منهما اقتراباً ليزداد تحفز يامن وهو لايتوقع خطوتها التالية...


بينما اشتعلت ملامح سيلين بالغيرة وهي تهتف باحتقار لاذع:


_هي دي؟!


هنا أحاط يامن كتفي ياسمين بذراعه ليقربها نحوه قائلاً بحزم:


_من غير غلط يا سيلين...اللي عندي قلته ...والقرار ليكِ.


_هاحرمك من ابنك ... مش هاخلليك تشوفه...هاقولله إنك سبته عشان خاطر ست تانية ... هاخلليه يكبر وهو بيكرهك لحد آخر يوم في عمره.


كانت تصرخ بها بين دموعها الهستيرية وهي تتراجع بظهرها عنهما حتى خرجت من الباب الخارجي لتختفي عن ناظريهما تماماً ...


ولم تكد تفعلها حتى تراخى ذراعه عن كتفي ياسمين ليطرق برأسه دون رد ...


لكنها كانت تفهم حقاً طبيعة الصراع الذي يحتدم الآن بنفسه !


هي تعرف كل عيوبه تماماً كما تحفظ مزاياه عن ظهر قلب ...


حلقات تدور كالمتاهات يختلف ظاهرها عن باطنها...


تعرف الكثير عن كبريائه...وساوسه...عناده...أنانيته...كما تعرف عن حنانه وقوة عاطفته التي تختفي وراء كل هذا!


لهذا لم تتعجب انطفاء ملامحه وهو يرفع وجهه أخيراً متحاشياً النظر إليها مع قوله بجفاف تدرك جيداً ما خلفه:


_كده ممتاز...أنا هاطلع أرتاح في أوضتي وانتِ كمان استريحي.


قالها ثم اندفع بخطوات سريعة نحو الداخل وكأنه يهرب من الموقف بأسره تلاحقه نظراتها التي امتزج فيها ندمها وخزيها وحيرتها !!


=======


_أيوة أنا ...مين معايا؟!


قالها معتز على الهاتف وهو يغمز صديقه جواره ليستمع إليها


قليلاً قبل أن يتصنع التذكر بقوله:


_آه...آنسة داليا ...افتكرت!


كتم صديقه ضحكته وهو يقترب منه بكرسيه بينما يقول معتز بنبرة شديدة التهذيب:


_أنا آسف جداً بس انتِ اتأخرتِ في الرد عليّ...الدور اتاخد للأسف!


ثم صمت قليلاً ليردف بنبرة واعدة:


_كلميني بعد شهر...ممكن أكون حددت لك دور في السيناريو الجديد.


قالها وهو يغلق الاتصال ليهتف به صاحبه بدهشة:


_كده تقفلها بسرعة...طب كنت خد وهات!


فعاد معتز بظهره للوراء وهو يقول بغرور واثق:


_غشيم! اللي زي داليا دي لو رخيت لها الحبل بسرعة تشك فيك...شكلها ذكية ومخها شغال ...لكن لو حست إنك فرصة وحلم بعيد هي اللي هتجري وراك !


_معلم ومنك نتعلم !


قالها صديقه بمرح وهو يخبط على ركبته ليجيبه بضحكات ظافرة وهو يرد بتلذذ:


_الصيد ده مزاااج ! اتفرج واتعلم!


وفي غرفتها كانت داليا ترمق هاتفها بنظرة يائسة بعد انتهاء المكالمة...


حتى المغامرة المجنونة التي كانت قد قررت القيام بها ضاربة بكل شيئ عرض الحائط قد تسربت من يدها ...


زفرت بحنق وهي تتقدم نحو فراشها لتلقي كل ما فوقه على الأرض بسخط قبل أن تعاود تفحص رسائلها وسجل مكالماتها ...


لا مكالمات من هيثم...


ولا رسائل من "العاشق الغامض"!!


تباً...!!


أطلقت صيحة غاضبة وأناملها تتجه للعبة الهاتف الالكترونية التي أدمنتها مؤخراً وتتناسب مع مزاجها السوداوي هذه الأيام ...


صحيحٌ أنها قد بدأت تشعر بالخوف من هذه الأوامر التي تطلبها ...لكن ما الضير ؟!


إنها مجرد لعبة !!


صوت طرقات خافتة على الباب قاطع ما تنتويه ...طرقات تحفظها وتميزها ...لتهتف بفرحة :


_يامن رجع!


قالتها وهي تندفع نحو باب الغرفة تفتحه لترمق وجهه المبتسم باشتياق مع قولها بدلالها المعهود:


_أخيراً افتكرتنا ...حمداً لله على السلامة.


ابتسامته الحنون كانت كفيلة بقلب مزاجها للنقيض تماما وهو يستند بكتفه على باب غرفتها قائلاً بجفافه الذي يناقض شعوره:


_مالك قلبتِ شكل المساجين كده ليه ؟! اغسلي يا بنت وشك وسرحي شعرك وتعالي اقعدي معانا بره !


_تمام ياافندم!


قالتها بمرح حقيقي وهي تشعر بحاجتها الحقيقية للثرثرة معه ...


رغم ما يمثله لها وجوده من حواجز لجموحها لكنها لا تنكر إحساس الأمان الذي يكتنفها في وجوده ...


لهذا تناست كل ما يؤرقها لتغسل وجهها وتتزين قبل أن تخرج إليه لتجده جالساً مع نبيلة التي بادرته بقولها:


_مبسوط مع عروستك؟!


أطرق برأسه دون رد لكن كلتيهما كانتا تعلمان عن هذه الحمرة الخفيفة التي تعلو أذنيه عندما يخجل أو ينفعل فتبادلتا نظرات ذات مغزى لتقول نبيلة برضا حقيقي:


_شكلها بنت كويسة!


بينما شعرت داليا بغيرة لم تملكها وهي تجلس جواره لتقول بلهفة طفولية:


_احكيلنا عملت إيه في البلد ...وحشتني قوي ووحشني الرغي معاك!


ابتسم وهو يحكي لهما باقتضاب كيف كانت زيارته ليقاطع حديثه صوت هاتف نبيلة الذي لا يكاد يتوقف عن الرنين ...


فاعتذرت منهما لتتوجه نحو غرفتها تلاحقها نظرات يامن التي لم تغب حسرتها عن داليا فهتفت به بنزقها المعهود:


_ولايهمك...خلليك معايا وكمل كلامك.


لكنه استدار نحوها بجسده ليسألها باهتمام:


_انتِ عاملة إيه؟! الامتحانات قربت ...جاهزة؟!


أومأت برأسها إيجاباً كاذبة فرمقها بنظرة قلقة قبل أن تقع عيناه على جرح ذراعها الغائر ليهتف بجزع:


_إيه ده ؟!


ارتبكت وهي تداري جرحها لتقول بتوتر:


_اتعورت عادي ...ماتقلقش ...بسيطة.


_بس ده مش جرح عادي...ده كأنه مرسوم!


قالها متشككاً فضحكت بافتعال وهي تكتف ساعديها قائلة :


_خيالك واسع يا دوك...المهم كمل لي عملت إيه في البلد .


ظل يرمقها بنظرات متشككة للحظات قبل أن يعود لسرد بعض ما حدث هناك بذهن مشتت ..


حتى عادت إليهما نبيلة لتخاطب داليا بقولها :


_تورتة الآيس كريم في المطبخ ...يامن جابها مخصوص عشانك ...قومي بقا هاتيها!


وجدتها داليا فرصة للهروب من نظراته المتشككة فهرعت نحو الداخل تلاحقها نظراته قبل أن يلتفت لأمه قائلاً :


_خللي بالك من داليا ...مش مطمن...حاسس إنها مش مظبوطة .


مطت نبيلة شفتيها باستياء وهي تلوح بكفها قائلة باستخفاف:


_بطل وسوسة بقا...البنت زي الفل .


زفر بضيق وهو يشعر أن لا جدوى من الحديث معها لكنه حقاً قلق بشأن الفتاة...يجب أن يحدث هانيا في هذا الأمر ...هي وحدها من يمكنها التقرب منها الآن مع انشغال رانيا بعرسها ...


لهذاتناول هاتفه ليتصل بها لكنه ما كاد يفعل حتى رن الهاتف باسم مروان !


فتح الاتصال بعبارة ساخرة كعادته ليستمع قليلاً إليه قبل أن ينعقد حاجباه بقوله:


_موضوع مهم ؟! للأسف مش هينفع نتقابل النهارده...خلاص لما ترجع من السفر نتفاهم!


========


جلست غادة على مكتبها تحاول التركيز فيما تفعل دون جدوى ...


منذ تركت بيت رامز تلك الليلة لتعود إلى شقة أحمد ...


ذاك القرار الذي تندم كثيراً أنها لم تأخذه منذ فترة أقرب...


صحيحٌ أن رامز لحق بها ليلتها محاولاً إعادتها بإصرار حقيقي لكنها تشعر أنها كانت حملاً ثقيلاً عليه خاصة مع تلميحات


والدته الأخيرة...


هانيا؟!


هانيا لم تحدثها منذ تلك الليلة ولا حتى هاتفياً...يبدو أنها غاضبة منها لأنها فعلت هذا دون علمها ...أو ربما تكون عالقة بمشاكلها مع حماتها هي الأخرى!


دمعت عيناها وهي ترفع عينيها نحو أناملها المتشابكة ترقب دبلة أحمد بشرود بائس لتشعر بالوحدة كما لم تشعر من قبل ...


ظلت تدير الدبلة في إصبعها ببطء مغمضة العينين وكأنها تستعيد شعورها بقربه غافلة عن خط الدموع الذي سال على وجنتها ...


لتختلط الذكرى برائحة "الفراولة" التي تمقتها وهي تذكرها بدبها القطني الذي انتزع منها ذات ليلة ...وانتزع معه الكثير !


تشعر بالغثيان والرائحة في أنفها تزداد حدة...


رباه...إنها حقيقية!!


فتحت عينيها بسرعة لتشهق بعنف وهي تجد زميلها ذاك يمد لها أنامله بعلبة من المناديل الورقية ...


هي صاحبة تلك الرائحة إذن!


انقلبت شفتاها باشمئزاز لم تستطع كبحه وهي تضع أناملها على أنفها وشفتيها بينما لم ينتبه الرجل لكل هذا وهو يقول بنبرة رقيقة:


_هو أنا كل ما هاسيبك لوحدك هاتعيطي!


اتسعت عيناها بمزيج من دهشة وذعر وهي لا تدري بماذا ترد ...


لسانها منعقد فقط عيناها ترمقانه بتلك النظرة التي يسيئ تأويلها مع ابتسامة طامعة تتأرجح على شفتيه ...ليكمل عبارته:


_خلاص ماعدتش هاسيبك!


_مساء الخير!


قالتها هانيا التي دخلت الآن المكتب لترى المشهد بعينيها الخبيرتين بصديقتها ...


فانتفضت غادة مكانها وكأنها وجدت فيها نجدتها لتهتف بحرارة:


_هانيا ...تعالي !


رمقت هانيا الرجل بنظرة زاجرة وهي تتقدم نحوهما لتنتزع علبة المناديل من يده بحركة حادة كي تلقيها في السلة القريبة قائلة بنبرة ذات مغزى:


_غادة عندها حساسية من ريحة الفراولة ...اتأكد الأول من عرضك قبل ما تقدمه!


كانت تتحدث بأسلوبها الصارم الذي يفرض احترامه على أي رجل بمزيج تحفظه مع قوته ...


فتنحنح الرجل وهو يتعرف إلى هويتها قائلاً:


_أهلاً يا دكتورة...نورتينا...أبلغ أستاذ رامز؟!


_لو عايزاه أنا هاروح له...شكراً!


قالتها بنفس النبرة فتراجع الرجل قائلاً :


_هاجيب لحضرتك حاجة تشربيها!


ظلت ترمقه بنظرتها الزاجرة حتى اختفى من المكتب فالتفتت نحو غادة التي تعلقت فجأة بعنقها وكأنما وجدت فيها طوق نجاتها ...


كادت تعنفها على ضعفها وسلبيتها التي طالما كرهتها فيها لكنها لم تجد الوقت مناسباً ولا المكان...


لهذا اكتفت بعناقها المؤازر لها صامتة بينما غادة تغمغم بنبرة راجية:


_عارفة إنك زعلانة عشان مشيت من غير ما أقوللك...بس غصب عني...مااستحملتش!


تنهدت هانيا بحرارة وهي تسترجع شعورها تلك الليلة بينما تقف في نافذة غرفتها تشاهد رامز في ظلمة الليل يقف جوارها وبينهما حقيبة ملابسها...


ولوهلة...اعتصرت تلك القبضة الباردة قلبها بغيرة طبيعية لامرأة في وضعها ...


غيرة لا تنكر أنها ازدادت اشتعالاً بعدما رواه رامز عن ماضيه !


لكنها وأدتها في مهدها وهي تأبى الاستجابة لها ...ليس الأمر فقط ثقتها في صديقتها أو زوجها ...لكنه خوفها من الاعتراف أنها في خطر!


هي وضعت قلبها منذ زمن في قصر أعلى جبال الجليد ...لن ينال منه أحد ...لن ينال منه شيء...مادامت هي بالقوة اللازمة للتصدي لضعف مشاعرها هذه !


لهذا أخذت نفساً عميقاً لتنظر لغادة هاتفة بعتاب قوي:


_حسابنا بعدين...أظن معاد الشغل خلص ...تعالي معايا .


أومأت غادة برأسها في استسلام وهي تجمع حاجياتها لتغادر معها المكان ...


_على فين يا دكتورة ؟! العصير!


قالها زميل غادة في المكتب وهو يكاد يصطدم بهما عند خروجهما لترد هانيا بصرامة:


_ما بشربوش!


ظل يرمقهما بنظرات ضائقة حتى غادرا ليغمغم أخيراً بصوت مسموع:


_أعوذ بالله...مستحملها إزاي الراجل ده ؟!


_مش دي مراة رامز؟!


انتفض وهو يسمع التساؤل جواره من يارا التي تراقص الحقد على ملامحها فالتفت نحوها مجيباً:


_أيوة...جت أخدت صاحبتها ومشيت ...بس شكلها كانت بتزعق لها...بتقول لها حسابنا بعدين !


التمعت عينا يارا بقوة وهي تكمل رسم حكاية ما في ذهنها:


_غادة بقى لها يومين ما بتروحش مع رامز كالعادة والساعي بيقول إنه عرف إنها رجعت شقة جوزها...ودلوقت مراته اللي المفروض صاحبتها جاية تزعق لها ومن غير حتى ما تعدي تشوف جوزها ...يبقى إيه؟!


تراقصت ابتسامة شيطانية على شفتي الرجل ليقول بنبرة عابثة:


_واضحة! يبقى رامز حن لأيام الشقاوة وبصراحة مراته شكلها بومة...لأ وغادة كمان بونبوناية.


ظهر الضيق على وجه يارا للحظات ثم تصنعت الضحك راضية بما يقول قبل أن تأخذ طريقها لمكتب رامز الذي استقبلها بقوله الفاتر:


_خير يا يارا!


ابتسمت بإغواء وهي تقترب منه ببطء حتى استندت براحتيها على حافة مكتبه قائلة ببطء :


_الدكتورة هانيا كانت هنا!


_هانيا مراتي؟!


قالها بدهشة وهو يقف مكانه متأهباً للمغادرة ظناً منه أنها


بالخارج لكنها اعتدلت بجسدها لتقول بتشفّ:


_ما تتعبش نفسك ...هي مشيت !


انعقد حاجباه بقوة بينما اقتربت هي منه أكثر لتهمس له بنبرة ذات مغزى:


_مشيت بعد ما زعقت لغادة وخدتها معاها...شكلك اتقفشت !


_اتقفشت؟!


هتف بها باستنكار وهو يبتعد عنها فضحكت ضحكة ماكرة لتعاود التقرب منه هامسة بغيرة واضحة:


_أنا برضه قلت مايمنعكش عنا إلا الشديد القوي!


_اخرسي يا يارا!


هتف بها بغضب بلغ مبلغه وهو يشعر بتصرف زوجته المشين يضعه في أسوأ موقف هاهنا ...


الدكتورة المحترمة تجاهلته تماماً وهي تأتي لمقر عمله كي تسحب خلفها صديقتها الخانعة التي تمارس عليها عقد تسلطها ...


صديقتها التي وضعتها هي الأخرى في موقف لا تحسد عليه وسمعتها تلوكها الألسنة...وكل هذا بسبب تصرفاتها غير المسئولة...


إلى متى سيتحمل كل هذا العبث؟!!


_هاخرس يا رامز ...بس لو أنا سكت غيري مش هايسكت...اخترت سكة مفضوحة قوي كده ليه ؟!


همست بها بمجون وظاهر عبارتها يصله كدعوة صريحة غض عنها الطرف وهو يتمالك غيظه ليعاود الجلوس على مكتبه قائلاً بأقصى ما استطاعه من برود:


_ده مكان شغل يا يارا...متخلنيش أحرجك أكتر من كده !


توهجت عيناها بغضب متوعد وهي تغادر مكتبه بخطوات مندفعة بينما هز هو رأسه ليغمغم في نفسه بحسرة لائمة:


_أعمل فيكِ إيه يا هانيا ؟! كل يوم بتبعدينا عن بعض أكتر؟!


قالها وهو يتذكر كيف تتحاشى لقاءه منذ آخر صدام بينهما تلك الليلة التي غادرت فيها غادة البيت ...


إنها حتى لم تعتذر له عن لجوئها لوسيلة لمنع الحمل دون إذنه!


كبرياؤها اللعين يجعلها تستنكف أن تبدو كمخطئة وهو لن يجد لها المبرر ككل مرة...


سيقف مكانه منتظراً فقد سأم خطواته المندفعة نحوها مقابل حبوها الممل نحوه...


حقاً...قد سأم!!


=======


_خلاص بقا يا هانيا ...صدقيني أنا مرتاحة كده أكتر!


قالتها غادة برجاء وهي تجلس مع صديقتها في أحد المطاعم فزفرت الأخيرة بضيق لتهتف بها:


_ما هو أنا ماينفعش أطمن عليكِ وانتِ لوحدك وبتغرقي في شبر مية !


_هابقى كويسة...والله هابقى أحسن!


قالتها غادة بمزيج من رجاء وامتنان فتنهدت هانيا بحرارة لتربت على كفها قائلة:


_لازم تبقي كويسة...لازم تتعلمي تصدي كل جبان يتقرب لك...سكوتك وضعفك بيتفهموا غلط !


أومأت غادة برأسها موافقة وهي عاجزة عن منحها وعداً يفوق قدراتها فآثرت الصمت الطويل الذي قطعته هانيا بسؤالها المتردد:


_رامز كان بيقوللك إيه ليلتها وانتو لوحدكم ؟!


اتسعت عينا غادة بصدمة وسؤال هانيا على بساطته يجعلها تتحسس بطحة رأسها القديمة !!!


هل تشك هانيا هي الأخرى بها؟!


هل تراها مثل الآخرين مدنسة ؟!!


حتى هي!! حتى هي!!!


وأمامها كانت هانيا تشعر ببعض الندم على هذا السؤال ...ندم ازداد عمقه وهي ترى هذه النظرة في عيني صديقتها لتفهم بخبرتها بها ما وصلها ...


لهذا تصنعت ابتسامة واهنة وهي تقول بما يشبه الاعتذار:


_أصلنا متخاصمين من يومها وكنت عايزة أعرف منك أنتِ!


_كان عايزني أطلع معاه وبيعتذر عن كلام مامته...بس لما أصريت جه ووصلني للبيت عشان يطمن .


قالتها غادة بنبرة مختنقة وهي تشعر أنها لأول مرة عاجزة عن رفع نظراتها لصديقتها ...


حدسها كأنثى يخبرها أن شيئاً ما بنظرات هانيا نحوها قد تغير ...


شيئاً لم يكن موجوداً من قبل والآن يعلن عن نفسه بوضوح في ذبذبات جسدها المتوترة أمامها ...


هذا ما كانت تخشاه!!


تلميحات والدة رامز ...غمزات زملائهما في العمل...شعورها القديم بالذنب و الانتقاص...كل هذا كان يدفعها لاعتقاد أن هانيا قد بدأت تغار على زوجها منها ...


هذا الذي كان أشد قسوة على قلبها من أن تحتمله !!


لهذا ظلت مطرقة برأسها في صمت وهي تشعر بالخزي يكلل رأسها ...


لماذا؟!


هي لا تعلم...هي فقط تشعر أنها مذنبة مادام الجميع يرونها كذلك !!


وأمامها كانت تشعر هانيا هي الأخرى بالذنب وهي تكاد تقسم على ما يدور برأس صديقتها ...


ربما لو كانتا في موقف آخر لأجادت احتواء الموقف...


لكنها حقاً تشعر الآن أن الأرض الثابتة التي كانت تقف عليها قد اهتزت!!


لا ...لا...


لن تنجرف في هذا التيار!!


مجرد شعورها هذا ضعف...ضعف لن تسمح به!!


لهذا عادت تتصنع ضحكة قصيرة وهي تقول لها بمرح مفتعل:


_طب ممكن تفيديني بخبرتك في "دلع الستات"...أصالحه إزاي مادام هو مبلط في الخط؟!


رفعت إليها غادة عينيها بنظرات حذرة وكأنها تبحث في عيني صديقتها عن مخرج من هذا الشعور المقيت الذي وصلها لترد أخيراً بابتسامة مرتجفة:


_رامز طيب وبيحبك...والنوع ده مش بيحتاج خطط...لو حس بس إنك رايحة له هتلاقيه بيجري عليكِ.


ابتسمت هانيا بامتنان حقيقي هذه المرة وهي تشعر بأنها حقاً كانت تحتاج سماع هذا لتشد على كف صديقتها قائلة برضا:


_معاكِ حق..


ثم تلفتت حولها لتردف بنبرة أكثر مرحاً:


_تصدقي فتحتِ نفسي للأكل...فاكرة زمان لما كانت تطق في دماغنا ونطلب "منيو" الحلويات كله ؟!


ابتسمت غادة بحنين وهي تتذكر ما تحكي عنه فتنهدت هانيا بارتياح وهي ترى ابتسامتها أخيراً لتسألها باهتمام:


_والد أحمد مابيتصلش بيكي؟!


_كلمني امبارح وفرح قوي إني لقيت شغل ورجعت شقة أحمد...أنا كمان فرحت قوي لما رجعت أنام على سريرنا ...إحساس تاني وأنا...


شردت هانيا ببصرها وهي تغيب عن بقية كلامها بأفكارها الخاصة...


ولأول مرة تشعر بالارتياح وغادة تحكي لها عن انغماسها هذا في ذكرى زوجها ...


ربما لو كانتا في موقف غير هذا لجعلتها تتوقف عن العيش في الذكريات كي تفيق لما بقي لها من عمر ...


لكنها الآن -بنوع من الأنانية - تريدها أن تسترسل..!!


أجل حديثها هذا الآن يطمئنها ...يمنحها نوعاً من الأمان الذي تأبى الاعتراف بسببه...


للأسف !


نقطة واحدة من "حبر" الشك قادرة على تلويث "بحر" الحب كله!!


============


فتح الباب ليدخل بيته في ميعاده المعهود إذ وجدها واقفة في المطبخ تعد له الطعام ...


ابتسم ابتسامة واهنة وهو يشعر وكأنما ....اشتاقها !


أجل ...بضع ساعات يقضيها بعيداً عنها صارت تشعره باللهفة نحو مكان شاغر لا يملؤه سوى سحر وجودها ...


صحيحٌ أنه يشعر باضطراب طباعها بعد لقائها بسيلين لكنه ليس أحمق ليدرك وقع مقابلة كهذه على أي امرأة خاصة لو كانت تحبه كما تزعم ...


ابتسامتها الدافئة قاطعت أفكاره وهي تلتفت نحوه لتقول بهدوء:


_على ما تاخد حمامك هيكون الأكل جاهز .


ضاقت عيناه بتفحص وهو يلاحظ إشاحتها بوجهها عقب عبارتها لتنهمك بعدها فيما تفعله ...


ذبذبات جسدها المتوترة تشي بانفعال مكتوم ...


تقدم منها ببطء ليضع مفاتيحه على الطاولة جوارها ثم تصنع بداية للحديث بسؤاله إياها بينما تعطيه ظهرها:


_عاملة إيه النهارده؟!


_مكرونة بالمشروم والصوص الأبيض وفاهيتا فراخ.


قالتها ببساطة دون أن تنظر نحوه ولازالت أناملها منهمكة في تقطيع بعض الخضروات ...


فابتسم بمكر وهو يحيط خصرها بكفيه من الخلف ليقترب بوجهه من أذنها قائلاً:


_عاملة إيه يعني إزيك.


ارتجافة جسدها بين ذراعيه أرضته وهي تلتفت نحوه بارتباك ظهر في حروفها واحمرار وجنتيها:


_كويسة...الحمد لله.


فاتسعت ابتسامته وهو يزيح شعرها خلف أذنها لتلفت نظره تلك الحبوب الحمراء التي تناثرت على رقبتها وذقنها واستدعت سؤاله:


_إيه الحبوب دي؟!


ابتعدت عن مرمى ذراعيه وهي تتحاشى النظر نحوه مجيبة:


_حساسية من الناموس...بشرتي ما بتستحملش .


لكنه عاد يقترب منها ليحيط كتفيها بكفيه مديراً إياها نحوه بقوله :


_فكرة إننا نسافر البلد كانت بتاعتك...استحملي بقا نتيجة قرارك.


فتهربت من نظراته لتقول بتماسك:


_ومش ندمانة...كانت رحلة كويسة...كام يوم والحساسية تروح .


شعر بضيق حقيقي وهو يحس بها بعيدة عنه بروحها رغم وجودها بين ذراعيه ...


عسل عينيها يختفي خلف غمامة باهتة بعيدة تماماً عن تألقه المعهود ...


فرفع ذقنها إليه ليسألها بحاجبين منعقدين :


_مالك؟! وما تقوليش مفيش!


خفضت بصرها عنه محاولة التهرب من نظراته المتفحصة لكنه عاد يسألها :


_كل ده من زيارة سيلين ؟!


صمتت للحظات بدت وكأنها لن تتكلم بعدها قبل أن ترفع إليه عينيها بقولها المنفعل:


_أنا مش عارفة إزاي وافقتك على حاجة زي كده ؟! إزاي أرضى إني أحرم ابنك منك زي ما أنا اتحرمت من بابا ؟! وإزاي إنت نفسك ترضى إنك تتخلى عنه بعد كل اللي شفته في حياتك ؟! لو أي حد تاني عملها ممكن أفهمه...لكن أنا وأنت يا يامن ...أنا وأنت!!


اشتعل الغضب في عينيه للحظات وكأنما مس حديثها بقعة خفية يجلدها ضميره كل حين ...


قبل أن تلين ملامحه تدريجياً مع تنهيدة حارة وهو يبتعد عنها ليتجه نحو نافذة المطبخ المطلة على الحديقة في ذاك الوقت المظلم من الليل حيث أعطاها ظهره ليقول بشرود:


_لو مفيش أمل أرجع لها ...تفتكري أحسن يبقى معاها واللا معايا ؟!


صمتت عاجزة عن الرد وهي تدرك أن عقدة ماضيه هي ما تحركه كما قال لها يوماً إنه خير من يدرك معنى أن يُحرم الطفل من أمه !


بينما صمت هو بعدها للحظة قبل أن يردف بخفوت شديد:


_ده لو كان أصلاً ابني!


شهقت بعنف وهي ترى إلى أي مدى بلغت شكوكه لتتوجه نحوه هاتفة باستنكار:


_مفيش فايدة في وسواسك ده ؟! تفتكر سيلين غبية عشان تخاطر بكذبة زي دي ممكن تتكشف باختبار بسيط ؟!


زفر بحنق وهو يلتفت نحوها ليهتف بانفعال:


_مش غبية بس مجنونة ...عايزة تفرض سيطرتها عليّ بأي شكل ...انتِ متعرفيش وصل بيها الحال لإيه هناك .


اتسعت عيناها بصدمة وهي تسمع منه تفاصيل انفصاله عنها ...


البداية كانت عندما قرر هو العودة إلى مصر والذي أصابها بضرب من الجنون ...


اتهاماتها المتغطرسة له بأنها هي من صنعت نجاحه هناك مع تهديداتها له بألا تسمح له بالعودة مهما حدث ...


وجهها الملائكي الذي طالما خدعته براءته ليفاجأ من تحته بشراسة أفعى متملكة لا ترى أي رادع فيما تود الاحتفاظ به ...


حاربته في عمله هناك حتى كادت السلطات تلقى القبض عليه لولا أن خدمته الظروف !


بل إنها هددته ب"قريبها" الذي يشغل منصباً هاماً هنا في مصر أن تؤذي بنات خالته !


جحيم حقيقي عاشه هناك لبضعة أشهر قبل أن تأتيه النجدة في حادث سير أصيبت هي فيه و استوجب إيداعها إحدى المستشفيات هناك ...


ذاك الحدث الذي هد قواها كثيراً حتى أنها توسلته بعدها أن يبقى معها معتذرة عما بدر منها لتمنحه وعداً بالتغيير ...


ساعتها أشفق على حالتها ليعود إليها عادلاً عن فكرة السفر مؤقتاً ليفاجأ بها ذات ليلة تعود إلى البيت مخمورة مع من زعمت أنه أحد أصدقائها في سابقة لم تحدث من قبل وكانت الضربة القاصمة لهذا الزواج الذي أصر على التخلص منه مهما كان الثمن .


رضوخها المؤقت له وقتها جعله يشك في وجود علاقة لها مع أحدهم لكن عودتها بذاك الطفل تجعل عقله يضع عشرات التفسيرات الأخرى التي لا يريد التوقف أمامها !


_كانت بتبقى نايمة في الأوضة اللي جنبي وبتخطط إزاي تكدب عليّ...قدامي بتبتسم وبتفكر معايا هنعمل إيه لما نرجع مصر وهي من ورايا بترتب إزاي تمنعني...ماعادش ينفع آمن ليها...الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخلليني أهادنها هي خوفي إنها تؤذي أهلي هنا زي ما آذتني هناك ...عشان كده عايزها تزهق من المحاولة وتعرف إني خلاص بقت لي حياة جديدة...


ختم بها ما يحكيه ثم عاد ببصره للأمام فصمتت قليلاً تستوعب قبل أن تقول بصوت مبحوح:


_لو فعلا متمسكة بيك كده ...تبقى بتحبك .


ابتسامة ساخرة كانت رده لتتلوها كلماته :


_مفيش فايدة فيكِ...أنا بالنسبة لها رهان مش عايزة تخسره ...زيها زي صاحبتك القديمة بسنت...لعبة صعبان عليها تروح من ايديها ...هتشبط شوية وبعدين تزهق وتمشي ...عشان كده اتعمدت إني أبين لها إني معنديش مانع نرجع لبعض ...عنادها هيخلليها ترفض وهي فاكرة إنها بتعاقبني بحرماني من ابني .


عقدت حاجبيها بضيق من هذا التفكير العجيب ..هي لا تعرف سيلين جيداً لكنها تعرف طبيعته هو الوسواسية التي تجعله يفرط في سوء ظنه ...


لهذا أطرقت برأسها في عدم اقتناع بينما سار هو بضع خطوات ليقول بنبرة ضائقة:


_مش عايز أبقى قليل الذوق...بس فعلياً ماليش نفس آكل.


لكن عاطفتها الأمومية نحوه جعلتها تتقدم منه لتمسك كفه قائلة باعتراض:


_ماينفعش تنام كده ...كل أي حاجة ...عشان خاطري.


كاد يتشبث برأيه معانداً كعادته لكنه لم يفعل...!


ليس الأمر فقط كونه قد كره أن يخذل رجاءها ...لكنه حقاً شعر بحاجته لوجودها الآن معه...


هذا النقاء الذي كان يشع بين جنباتها ويحيطها بهالة خاصة تعيد إليه ثقته وشعوره بأن هذه الحياة لا تزال تحمل من الجمال ما يستحق أن نعيش لأجله ...


هذه الابتسامة الحنون المشفقة التي أهدتها إياه وهي تجذبه من كفه لتدفعه نحو الحوض قائلة :


_اغسل إيدك على ما أحضر الأكل .


هذه اللهفة الحارة التي كانت تزين خطواتها وهي تنتقل من مكان لآخر داخل المطبخ كي تعد المائدة في أبهى صورة...


والتي انتهت بقولها بنبرتها التي عادت إليها حيويتها:


_يارب يعجبك.


جلس مكانه وعيناه ترمقان الأطباق أمامه بنظرة غريبة ثم تناول كفها ليجلسها جواره قائلاً :


_كلّ مرة بتأكليني بإيدك...المرة دي هنعكس!


ابتسمت رغماً عنها بعاطفة أشرقت لها ملامحها وهي تراه يتناول الشوكة أمامه ليغرسها في طبق المكرونة قبل أن يقترب بها من شفتيها اللتين انفرجتا ببطء ...


لكنه لم يدخل الطعام لفمها مباشرة بل مرره برفق على شفتيها وكأنه يرسمهما ...تلاحقه نظراته الشغوف التي ارتفعت أخيراً لعينيها تعانقهما باحتياج لم يعد ينكره ...


وتخشى هي تصديقه !


لهذا خفضت بصرها عنه بخجل غلب عاطفتها فابتسم وهو يشعر معها بهذا الشعور الفريد الذي لم يجربه مع غيرها ...


شعور السكينة !


راحة غريبة تسكن حناياه وهي منه بهذا القرب ...


راحة لا تشبه مشاعره الصاخبة التي كانت لبسنت ،أو علاقته الحسية البحتة بسيلين ...


كل نظرة منها ألف يد تربت على ظهره...تحتضنه...تعبث برفق بين خصلات شعره...تدلل رجولته بهذا المزيج النادر بين عشق أنثى وحنان أم!


كل كلمة تنطقها بحرارة عشقها أو تتكتم عنها بجميل خجلها يقرأها قلبه بلغة تمنى لو تعلّمها من زمن !


اهدأ يا عقل...!


تراجعي يا ظنون ...!!


هدنة لبضع دقائق ...فقط بضع دقائق ...أعيش فيها هذا الشعور بكل جوارحي دون مقاطعة...


أنامله الحرة تمتد لخصلات شعرها القصيرة تتخللها...تلامسها بتقديس ...كأنما تحتضنها ...


فترفع إليه عينيها من جديد بخفقات مضطربة ...


نظراتها تكاد تصرخ بحديث متطرف من أقصى اليمين لأقصى اليسار...


توقف...


استمر...


توقف ...


بل استمر...استمر...استمر...


ابتسامته ترتجف على شفتيه وهو يضع ما بيده جانباً ليتلمس


ملامح وجهها بأنامله ....


فتغمض عينيها بمعاناة فضحتها ملامحها وهي تحاول تمالك ارتجافة شفتيها بضغطهما بقوة ...


ثم بشهقة خافتة سبقت هروبها السريع من أمامه إلى غرفتها دون كلمة واحدة .


عقد حاجبيه بضيق وهو يهب واقفاً مكانه بغضب أشعله حرمانه منها ...


كز على أسنانه بقوة وهو يشعر برفضها لقربه يعيد إشعال النار في وساوسه ...


ماذا خلفها ؟! ما الذي تخفيه ؟! ولماذا تنفر منه مادامت تزعم أنها تحبه إلى هذا الحد؟!


تباً لها من امرأة تجيد بعثرته...كما تجيد احتواءه!


كاد يصعد إلى غرفته مفعماً بخيبته وغضبه لكنه عاود النظر إلى طعامها الموضوع هناك بنظرة عميقة...


هو جائع...حقاً جائع...


جائع لكل ما تمنحه له بسخاء ولو ادعى العكس!


لهذا عاود الجلوس ليمد أنامله نحو الطعام بشرود...


مذاقه في فمه لم يكن يعنيه بقدر ما كانت تعنيه نكهته في قلبه !


لهذا زفر أخيراً بحنق ثم قام ليتخذ طريقه نحو غرفته...


طقوس نومه المعتادة التي بدأها بحمام من الماء البارد وأنهاها بغسيل أسنانه زادت اليوم طقساً جديداً...


هو تأملّه لدبلتها التي هي بعمر سنوات لم يعرف فيها اسم صاحبتها والتي كانت ترقد في صندوق متعلقاته فيبتسم أخيراً وهو يشعر بالراحة تعاوده تدريجياً...


يأخذ نفساً عميقاً وهو يقلبها بين أنامله ...


سيرتديها...يوماً ما سيرتديها بعدما يوسع مقاسها قليلاً...


لكن...تراها فقط هذه هي المشكلة ؟!


صيحة ضيق خافتة تنبعث من فمه وهو يعيدها مكانها ليندفع نحو فراشه فيهوي فوقه بعنف ناسب اشتعال جوارحه ...


أرقه المعتاد يراوده لوقت ما بعدها ....


ثم لم يدرِ كيف صار فجأة أمام باب غرفتها المغلق!!!!


لذة الاختلاس!


هذا كان ما يشعر به وهو يفتحه بحذر ليتسلل نحو فراشها الذي استلقى عليه جسدها النائم رافعة ذراعيها المثنيين جوار رأسها كنومة الأطفال...


ابتسامة حانية كست شفتيه وهو يقترب أكثر لتزداد حرارتها بينما يتابع ما ترتديه ...


"حساسية الناموس " هذه مفيدة حقاً!


لقد جعلتها تتخلى عن حذرها المعتاد في ارتداء مناماتها الطويلة لتستبدلها الآن بقميص قطني قصير!


بشرتها الرقيقة الناعمة التي كستها الحمرة في مناطق عدة ذكرته بفكرته -الخاصة- عنها ...


طريق طويل مبهج لا يخلو من "الحُفَر"!


هذا "الطريق" الذي سارت عليه أنامله الآن بحذر وهو يجلس جوارها على طرف الفراش بينما حاجباه ينعقدان مع إغماضه لعينيه...


شعور "لذيذ" يشبه مذاقات أطعمتها ينتابه الآن وهو يشعر وكأنما ...يتذوقها !


ورغم أنه لم يكن مراهقاً فاقداً للخبرة في شأن كهذا لكنه يشعر معها أنه كذلك!


قدسية لمساتها لا تشبه امرأة أخرى ...قدسية تنبع منها ...هي نفسها...


"امرأة الفوضى" "ساحرة الألوان" "عروس البحر"...تميمة حظ أم لعنة غدر جديدة في دفتره؟!


_يامن!


نطقتها بصوتها الناعس وهي -بالكاد- تسترد شيئاً من وعيها ...


صوتها الذي كان الآن في أذنيه يتراقص بين غواية الهمس وصراحة الصراخ ...


طالما كانت طريقة نطقها لاسمه تدهشه...!


كانت حروفها تتباطأ على لسانها لتأخذ وقتاً أطول مما تستغرقه في العادة وكأنها تعانقها قبل أن تغادر شفتيها ...


تعانقها؟! نعم...هكذا بالضبط كان شعوره الآن بكل ما يخصها ...


همسها عناق...صمتها عناق...نظراتها عناق...وإطراقتها عناق!


لهذا مد ذراعيه ليرفعها نحو صدره بضمة قوية سبقت همسه:


_كل حاجة فيكي بتحضنني...حتى اسمي جزء من اسمك...يامن وياسمين...كأن حروفك بتحضن حروفي.


لم يدرِ كيف غادرت شفتيه ولا كيف استسلم لإحساسه هذه المرة خارج سلطان عقله ...


كل ما كان يعلمه أنه يريد الانغماس تماماً في هذه الهدنة المؤقتة بين شعوره الجارف ووساوسه المشتعلة ...


غداً سيندم...سيلعن نفسه أن استسلم...سيعود لسابق فظاظته وسخريته السوداء التي يتوارى خلفها ضعفه...


لكن الآن...الآن سيستسلم فحسب!


شفتاه تنجذبان كالفَراش نحو نور بشرتها ...تحترقان مثله بلهيب لا يريده أبداً أن ينطفئ ...


نداءاتها الخافتة المندهشة باسمه تتلقاها أذنه فتتجاهل نفورها ولا تتذكر سوى أثرها !


وبين ذراعيه كانت هي شبه واعية وتأثير النوم لم يغادرها بعد ...


هذا يامن ؟!


الظلام يضفي على ملامحه ظلالاً مخيفة...


قبلاته ولمساته تكاد تحرقها ...لكن عناقه الدافئ يطمئنها...


هذا يامن؟!


قلبها يخفق بقوة وذكرياتها السوداء تعاود غزوها ...


أنامله تمتد لشعرها ...شعرها الذي قصته طوعاً كي لا يذكرها بتلك الليلة...


تلك الليلة!!


شعور قوي بالغثيان ينتابها فتعاود النداء باسمه لعله يتوقف ...


لكنه يبدو أنه لا يسمع ...


هل كلهم لا يسمعون ها هنا ؟!


الظلام يشتد في عينيها قبل أن يختفي رويداً رويداً ليحتل مكانه لهب الذكرى ...


ارتجافة جسدها تزداد فلا تكاد تميز حقيقة من خيال ...


ولسانها الذي كان يهمس باسمه وحده صار يغمغم بما بدا


كالهذيان :


_رامي...زين...يامن!


لم يميز مما قالته لأول وهلة سوى اسم زوجها الأول الذي يعرفه فاشتدت وتيرة عزفه على جسدها وهو يشعر بوحش غيرته يحكم سيطرته عليه ...


لماذا تذكر زوجها الآن ؟!


ألا تزعم أنها تحبه هو؟!


شياطين وساوسه تعاود احتلال مكانها على رقعة اللعب ...


ونداءات قلبه الراجية ترجوه الترفق...التريث...


لتحسم هي الأمر ب....صفعة!!!


صفعة لم يتلقّها وجهه فحسب ...بل تلقاها معه قلبه...وكرامته!


أناملها ترتجف وهي تتحرك عنه مبتعدة بسرعة لتضغط زر


الإضاءة...


أخيراً...لم يعد هناك ظلام !!


جسدها كله ينتفض بقوة وهي تحدق في ملامحه بعينين زائغتين...


هذا هو يامن ؟!


أخيراً...نعم...هذا هو يامن...يامن فحسب!


دموعها تسيل لتغرق وجهها كشلال بينما أحد كفيها يتشبث بزر


الإضاءة وكأنه سر حياتها...


والآخر تبسطه على صدرها محاولة تهدئة خفقاته !


لكنه لم يرَ وسط كل هذا إلا صفعتها مع همسها باسم رجلين غيره !!


عيناه تشتعلان بغضب لم يستطع التحكم فيه وهو يرمقها بنظرة قاتلة قبل أن يندفع ليخرج من الغرفة ...بل من البيت كله ...


=======


وقفت في ركنها الخاص بمطعمها تتصنع الانهماك فيما تفعله لكن ذهنها كان غائباً فيما حدث ليلة أمس ...


إلى الآن لا تصدق أن كل هذا كان حقيقياً !


لقد ظنت نفسها تعافت من هذا الجرح الذي تركه خلفه طليقها السابق لكن ها هو ذا يعود ليتفجر منه الدم من جديد بضغطة واحدة...


ومن فعلها ؟!


يامن؟!


لماذا لم يحترم اتفاقهما الذي ظنته سيستر عورة ضعفها ؟!


لماذا حملها ما لاتطيق؟!


لماذا أضاف لذكرياتها البائسة ذكرى أخرى تخصه هو ؟!


آآآه!


انفلتت منها بخفوت يناقض وقع صداها في قلبها ...


لقد صفعته بالأمس وهي تعرف جيداً ما يعنيه هذا لدى رجل مثله!


غروره سيمنعه مسامحتها وكبرياؤها سيمنعها مصارحته ...


فما الحل؟!


إنها بالكاد وجدت لنفسها رقعة خضراء على خريطته القاحلة ...


قلبها بدأ يستشعر تلك النبضات الغادرة التي يرسلها لها قلبه الخائن في غفلة منه...


عيناها صارتا تميزان نظراته الخاصة بها والتي لا تلتمع هكذا إلا لها ...


فلماذا الآن بالذات ؟! لماذا؟!


_ده ما بقاش سينابون ؟! ده بقا شوربة !


هتفت بها مساعدتها محذرة وهي ترى شرودها الذي جعلها تفرط في إغراق قطع الحلوى ب"الصوص" الحلو المخصص لها حتى أفسدته حقاً...


فأطلقت زفرة بائسة وهي تزيح الطبق جانباً لتقول لها بنفاد صبر:


_مش هاقدر أكمل النهارده...معلش...شيلي إنت بقية اليوم.


رمقتها مساعدتها بنظرة مشفقة لم تنتبه إليها وهي تتحرك لتحمل حقيبتها كي تعود لبيته ...


فتحت الباب الخارجي لتلتفت ببصرها نحو أرجوحتها الملونة هناك ...


سولت لها نفسها أن تذهب لتعتليها لكنها تذكرت أنه جعل ارتفاعها عالياً كي لا يمكنها الصعود وحدها ...


ولأول مرة في عمر حبها الطويل معه تشعر أنه قد صار يحمل دوراً في سعادة قلبها به !


أجل...طوال هذه السنوات وهي مكتفية بحبه...


تدور وحدها في حلقاتها باستقلالية تماماً...


تقرر متى تتزلج قدماها بحرية على سفوح جليده ...أو تتوقف مكانها ثابتة كي لا تسقط على ظهرها...


حبها -أحادي الطرف- كان بمثابة عالم افتراضي عاشته بكل جوارحها ..ألقمته كل خيالاتها وطموحاتها...عاشت فيه وبه وله...وحدها ...


والآن تتغير قوانينه ليتحول لحقيقة شريكها فيها هو...


هو بكل عقده ووساوسه وغروره وأنانيته و...احتياجه!


احتياجه الذي يسير نحوها متعثراً كطفل مذنب فلا تملك إلا أن تفتح له ذراعيها كأم رحيم !


تنهدت أخيراً بحرارة وهي تتوجه نحو الداخل ...


أعدت له طعام العشاء ككل ليلة رغم أنها كادت تقسم أنه لن يتناول من يديها شيئاً بعد ما كان ...


سيعودان غريبان كأن لم يلتقيا أبداً !


فقط لو كان بإمكانها أن تشرح ...


هي عجزت عن فضح ما كان حتى لوالدها عندما سألها عن سبب طلاقها ...


ظلت تردد لنفسها أنها لن تذكر كي لا تتذكر ...لكنها غفلت عن أن قشرة البركان الخامدة تخفي تحتها الكثير من النيران الهائجة تنتظر فقط ثغرة كموقف الأمس كي تنفجر بلا رادع !


شعرت بألم في معدتها فانتبهت أنها لم تأكل شيئاً منذ الصباح ...


لا شهية...لا رغبة...ولا مزاج!


لهذا توجهت نحو غرفتها لكنها ما كادت تدخلها حتى انقطع التيار الكهربي فجأة !


شهقت بفزع وذكرى الأمس تشترك مع خوفها المغالي من الظلام لتتخبط خطواتها في الظلام محاولة العثور على مصدر للضوء لكنها لم تجنِ سوى تعثرها في طرف السجادة لتسقط مكانها...


صرخت بعنف وهي تشعر بالرعب يتملكها ...


ذكرياتها الخانقة ...نقطة ضعفها الوحيدة التي كادت تنساها تعاود الآن الطفو على سطح أفكارها ...


عريس ممتاز رشحه والدها ...مميزاتٌ تجعل رفضه ضرباً من الجنون...سفر يامن للخارج وعلمها عن زواجه هناك ...وعقليةٌ محاربة كعقليتها ترفض توقف الحياة لأي سبب...كل هذا جعل موافقتها على الزواج منه أمراً محسوماً.


عروسٌ فاتنة تطل بالأبيض تتأبط ذراعه في حفل أنيق ...شقة فاخرة لا تنكر أنها استودعت فرشها كل اهتمامها الظاهر كي تشغل نفسها عما يفتقده قلبها ...وأخيراً فراش أبيض ينتظرها لتقضي ليلة العمر كما يسمونها ...


تلك الليلة التي تيقنت فيها أنها ستكرهه عمرها كله بعدما استنفذت كل رصيدها من الصراخ مع رجل لم يكن ينال لذته إلا بإيلامها!


آلام معدتها تشتد مع فيض الذكريات الذي انفجر تباعاً في مخيلتها ...


والدوار اللعين يجتاحها مع طوفان الماضي:


الوسيم الأنيق الذي كان يحسدها عليه الناس نهاراً كان ينكشف على حقيقته ب-شذوذ- طباعه ليلاً!!


ولماذا احتملت؟!


قلة خبرتها كانت تجعلها تصدق مزاعمه أن ما يفعله هو الطبيعي ولا ضير فيه ...لكنها عندما اكتشفت حقيقته القذرة ليس معها فقط بل مع غيرها واجهته برغبتها في الطلاق ...


ساعتها هادنها باعتذاراته...صدقت توسلات ندمه وهو يعدها بالتغيير ...ومع عدم رغبتها في الفشل قررت منحه الفرصة الأخيرة !


صرخة قصيرة أفلتت منها وهي تشعر بشئ ما يداعب قدميها في الظلام ...


لم تدرِ هل كان حقيقياً أم من وحي ذكرياتها التي كانت تنتهكها الآن بقسوة ضارية :


ليلتها الأخيرة معه كيف كانت ...


كيف عادت لشقتهما ليلاً لتجده في فراشهما يمارس طقوسه


-السادية - مع امرأة لا تعرفها...


جمدتها الصدمة لدقائق وقتها حتى غلبها الاشمئزاز لتفرغ ما في بطنها على الأرض قبل أن تسقط مكانها ...


لكن الغريب أنه حتى لم يتوقف عما يفعله وكأنه اعتبر مقاطعتها له غير مقبولة !


لم تدرِ كيف توقف بها الزمان بعدها ...كيف غادرت المرأة التي كانت معه...كيف أسندها هي ليوقفها وجسدها المصدوم يأبى حتى مجرد إصدار ردة فعل...


كيف دفعها بمنتهى البرود نحو الحمام القريب مع أمر حازم أن تغسل وجهها كي تفيق!


تفيق؟!!


تفيق؟!!


العجيب أنها لازالت تسأل نفسها بعد كل هذا الوقت هل أفاقت حقاً ؟!


هل وعت ما أفسده فيها ذاك الرجل؟!


هل تخلصت من آثاره الغاشمة على جسدها؟!


آآآه كيف تنسى؟!


كيف تنسى إذ خرجت بعدها من الحمام وقد ذهب جمودها لتحل محلها ثورتها العارمة وهي تسبه وتلعنه...


لكنه بقي جالساً مكانه على "الفراش المدنس" ينفث دخان سيجارته ببرود ...


_كنت عايز أتأكد إن العيب منك...انتِ اللي باردة وبتخلليني أتعصب عليكِ...انتِ اللي بتخليني أخونك مع أي واحدة تحسسني إنها ست مش ثلاجة !


وجهها كان يزداد احمراراً مع إهاناته لتجد نفسها تمد أناملها نحوه بصفعة فتحت عليها أبواب جحيمه...


شعرها الطويل الذي لم يكن وقتها قد انسدل على كتف رجل غيره كان يتقطع بين أصابعه التي كانت تشده بجنون اقتلع بعض خصلاته من مكانها...


الألم الحارق يصيبها بالدوار فلا تسمع سوى تهديده لها بأن تكون تلك هي المرة الأخيرة و....الأقسى!


وقد صدق!


سيجاره المشتعل ينغرس في كتفها...وصوت تمزق ملابسها يمتزج بمذاق الدم في فمها مع عنف ضرباته !


أصدرت أنيناً خافتاً والذكرى تتجسد بحرقتها كأنما هي حقيقة...


حتى أنها كادت تبصق الدم من فمها وهي تمد أناملها لندبة كتفها ...


دموعها تتحول لشهقات باكية وهي تعود لتتذكر...


كيف اكتمل مسلسل القهر بعدها بوعيده لها أن يفضحها بما لم يكن فيها خاصة أن زواجهما لم يستغرق بضعة أشهر...


لكنها هي الأخرى هددته بمعاقبة قانونية مع إصابات جسدها وقتها...لتنتهي المقايضة بطلاق سريع يبدو أنه قد ندم عليه فمالبث أن عاد يلاحقها في كل مكان بفضائح تمس شرفها..


لكنها لم تستسلم!


عادت لتقف على قدميها من جديد بقوة تحسد نفسها عليها...


قوة تشعر بها تتهاوى الآن وهي على أبواب تحقيق حلمها القديم بفارسها ...


يامن!


اسمه وحده وسط هذا الظلام يبزغ كقمر عنيد...ينير ليل ذكرياتها لكنه يعاود اختفاءه خلف الغيوم!


لهذا أخذت نفساً عميقاً وهي ترفع رأسها لأعلى بدعاء خافت ...


قبل أن تتحامل على نفسها لتقف مكانها ...


خطواتها المذعورة تزداد ثباتاً وهي تحاول تحسس طريقها لتتناول حقيبتها كي تستخرج هاتفها محاولة الاتصال به ...


كانت تعلم أنه لن يجيب ولم يخيب ظنها فيه...!


فاضطرت للاتصال بعيادته لتخبرها مساعدته أنه لايزال هناك.


لهذا أخذت قرارها بالذهاب إليه ...هو أفضل من انتظاره هنا في الظلام على أي حال ...


طوال الطريق وهي تشعر بالاستنزاف!!


الظلام مع ذكرياتها الخانقة يعتصر قلبها اعتصاراً...


وما ينتظرها مع يامن يخيفها أكثر!


رجلٌ بكبريائه لن يمرر لها فعلتها بالأمس...ولو فعل فلن يمكنه التجاوز عن نفورها منه !


تباً!! ماذا كانت تنتظر إذن من زيجة كهذه ؟!


أن يتحقق الحلم القديم؟!


ها هو ذا يتحقق لكنه يوشك على التحول لكابوس!


انقطعت أفكارها عندما وصلت لمقر عيادته فترجلت من سيارتها لتصعد هناك...


الباب مفتوح لكن الصالة خالية...


غرفته مضاءة لكنها مغلقة...نظرت لساعتها تتبين الوقت...لقد انتهى ميعاد الكشف...هل ينتوي قضاء ليلته هنا؟!


وقفت للحظة بتردد أمام الباب المغلق قبل أن تحسم أمرها لتفتحه أخيراً وقد قررت مفاجأته...


لكن المفاجأة كانت من نصيبها هي ...


فأمامها كان هو واقفاً وبين ذراعيه امرأة تمنحه ما تمنعت هي عنه


بالأمس ...


امرأة تحمل في أحشائها ابنه وقد عادت لتسترد حقها فيه...


ويبدو أنها قد نجحت!


أجل...سيلين!


=======


ثلاثتهم يقف مصدوماً من رهبة الموقف لكن سيلين كانت أول من تمالك نفسه لتلتمع عيناها بشراسة مع قولها بلكنتها المميزة:


_مش تخبطي قبل ما تدخلي؟!


بينما كز يامن على أسنانه بصمت كعادته وقد بدت على ملامحه أقصى علامات الغضب قبل أن يقول مخاطباً سيلين :


_ممكن تمشي دلوقت ...هاكلمك بعدين!


ابتسمت سيلين بظفر وهي تأخذ كلامه على محمل الوعد لترمق ياسمين بنظرة حقود لم ترها الأخيرة التي أذهلتها الصدمة لتغيب في شرودها مع مشهد مشابه حتى أنها لم تنتبه لمغادرة غريمتها.


ظل يامن واقفاً مكانه هو الآخر يرقب ملامحها الساكنة بشرود غرقت فيه للنخاع ...بينما كان جسدها كله يرتجف من قمة رأسها لأخمص قدميها...


فعقد حاجبيه بضيق وهو يشعر نحوها ببعض الإشفاق الذي محته تماماً ذكرى "صفعة الأمس"!!


ولما طال صمتها تنحنح بخشونة ليقول بنبرة باردة :


_خير؟! كنت جاية ليه؟!


قالها وهو يقترب منها خطوة وشعوره بالقلق يزداد مع شحوب ملامحها وزرقة شفتيها ...


القلق الذي لم يسمح له بالظهور مع سؤاله التالي:


_معها حق...انتِ اللي غلطانة... المفروض كنتِ تخبطي الأول!


_العيب منك...انتِ اللي باردة وبتخلليني أتعصب عليكِ...انتِ اللي بتخليني أخونك مع أي واحدة تحسسني إنها ست مش ثلاجة !


الذكرى -الحارقة- تمتزج في ذهنها مع -عبارته الباردة- فتتشوش الصورة في رأسها ...


الدوار يزداد ...الدوامات تتكاثر ...الأصوات تختلط...لكنها لن تستسلم...


لهذا التفتت نحوه بعينين زائغتين لتهمس بصوت مختنق :


_آسفة...كنت جاية عشان ...


قطعت عبارتها عندما تجمعت هذه الغصة في حلقها لتزداد ارتجافة جسدها فاندفع نحوها ليمسك ذراعيها هاتفاً بقلق:


_انتِ كويسة؟!


إيماءة خافتة برأسها وهي تكابر للنهاية ...لكنها عجزت عن المزيد مع سقوطها أخيراً فاقدة للوعي...


=======


_متأكدة إنك كويسة ؟! واللا نقعد الليلة دي هنا؟!


قالها وهو يسير معها مغادراً المشفى الذي أحضرها إليه منذ قليل بعدما سقطت بين ذراعيه ...


كان يود لو يسند جسدها المرتجف الذي يبدو أنه لم يستعد عافيته كاملة لكن "ذكرى الأمس" كانت لا تزال عالقة بينهما !!


بينما حافظت هي على صمتها المطرق مكتفية بهزة لرأسها فأشاح بوجهه وهو يشعر بثقل ضميره...


لماذا لم يصارحها بالحقيقة وقتها؟!


لماذا تركها حتى سقطت هكذا؟!


تباً لكبريائه الذي جعله يفضل أن يرد لها إهانة الأمس بدلاً من أن يوضح لها الصورة كاملة ...


لكن مهلاً مهلاً!!


كيف ينسى ما حدث الليلة الفائتة؟!


لو نسي ألم صفعتها فلن يغفل عن ذكرها لاسمي رجلين آخرين في أشد لحظاتهما خصوصية !


لو كان الأول هو طليقها ...فمن يكون الثاني؟!


ولماذا ذكرته وقتها بالذات ؟!


التساؤلات الأخيرة أعادت إذكاء وساوسه فعاد لصمته مقطب الحاجبين وهو يستقل معها سيارته ليقود بها نحو بيته...


الصمت الثقيل يظلهما إلا من صوت أنفاسها المضطربة جواره فيختلس نظرة جانبية نحوها من آن لآخر ...


حتى قطعت هي الصمت بقولها المتحشرج:


_من فضلك...روحني بيتي أنا.


فازداد انعقد حاجبيه وهو عالق بين قلبه ووساوسه...


قلبه الذي سقط بين ضلوعه بلوعة ماعاد ينكرها خوف فراقها...


ووساوسه التي تلقت عبارتها كتهديد !


ويبدو أن كبرياءه جعل الغلبة للأخيرة فكتم مشاعره ليقول بصوت جامد دون أن ينظر إليها:


_موافق...بس قبلها نروح للمأذون ننهي الاتفاق السخيف اللي بيننا ده .


_ماشي!


بنفس الصوت المتحشرج نطقتها ودموعها تعاود جريانها الصامت على وجنتيها فتوقف بالسيارة فجأة لتصدر صريراً مفزعاً قبل أن يلتفت نحوها ليمسك ذراعيها فيديرها نحوه هاتفاً باستنكار ساخط:


_ماشي؟! بتقولي ماشي؟!امال كل الحب اللي كنتي بتقولي عليه ده كان إيه ؟! تمثيل؟! دلوقت عايزة كل واحد يروح لحاله؟! أرجع بيتي وترجعي بيتك بالبساطة دي؟!


_بيتك ضلمة يا يامن !


غمغمت بها مغمضة العينين لتتحول دموعها الصامتة لشهقات باكية ارتجف لها جسدها من جديد ...


فدمعت عيناه عجزاً وهو لا يدري ماذا يفعل ...


كل ما فيه يستصرخه أن يتجاهل سدود "كبريائه" و"نفورها" ويحتوي كل دموعها هذه على صدره ...


لكنه لن يفعلها!


ليس بعدما كان بالأمس!


لهذا خفف ضغطه على ذراعيها تدريجياً ليزدرد ريقه قائلاً بخشونته المعهودة:


_ماينفعش أسيبك دلوقت...روحي معايا الليلة دي...وبكرة اعملي اللي انتِ عايزاه.


قالها ثم تركها لبكائها قبل أن يعاود القيادة بأنامل مرتجفة حتى إذا وصل بيته وجده مظلماً فعلاً فالتفت نحوها قائلاً :


_هاجيب الكشاف من شنطة العربية .


ترجل من السيارة ليحضر كشافاً ضوئياً ثم ذهب نحوها ليمسك بكفها المرتجف ويسير بها نحو الداخل حيث وضع الكشاف في غرفتها في مكان مناسب ليقول بنبرة جافة:


_خلليه هنا معاكِ وأنا هاشوف لي واحد تاني...


ثم تحرك بها ولازال ممسكاً كفها نحو الفراش مردفاً:


_هاسيبك براحتك...ارتاحي هنا ولو احتجت حاجة أنا قاعد بره مش هاطلع فوق .


قالها وهو يتردد في ترك كفها لكنه فعلها أخيراً كارهاً... ليدفعها برفق نحو الفراش الذي جلست عليه بإعياء فرفع عليها غطاءها ولازالت شهقات بكائها الخافتة تملأ أذنيه ...


ولما لم يعد قادراً على الاحتمال أكثر جلس فجأة على طرف الفراش لينفجر باعترافه :


_أنا اتفاجأت بيها زيك...كنت خلاص هاقفل العيادة لقيتها داخلة ...قلت كلمتين خايبين من بتوعها زي كل مرة ما توقعتش إنها تتمادى كده ...وكمان ما توقعتش إنك تدخلي في نفس اللحظة ...أنا مش مضطر أقول كده ...لو كنت عايزها أو فيه عندي رغبة واحد في المليون إني أكمل معاها ما كنتش لجأت لخطة جوازنا المزيف دي...


ثم زفر بقوة ليردف وقد عادت إليه سخريته السوداء:


_وبعدين أنا مش عارف إنتِ عاملة كل ده ليه ؟! يتهيألي بعد موقف امبارح كل واحد عرف مكانه !


لم تتوقف دموعها وكأنها لم تسمعه ...


كانت تدور في إعصار ذكرياتها العاصف ...والتي امتزجت الآن بمشهده هو مع طليقته...


ماذا عساها تصنع؟!


وهل تلومه حتى لو حنّ إلى امرأة تعطيه ما تعجز هي عنه ؟!


يقول أنه (الآن قد عرف كل منهما مكانه)!


حقاً...هي عرفت مكانها !


_ياسمين ...بطلي عياط وبصيلي!


هتف بها بنفاد صبر وهو لايدري ماذا يفعل ...


لو استجاب لرغبته الآن في عناقها فلن يسامح نفسه أبداً !


لهذا اكتفى باعتصار كفها بين أنامله بينما لايزال يهتف بنفس النبرة الجافة التي تناقض كل مشاعره الآن:


_أنا مش هاقعد طول الليل أشرح وأسمعك بتعيطي...اتفاقنا كان محدش فينا يحكي عن ماضيه ومع ذلك حكيتلك كل حاجة...عشان


مفيش حاجة تخليني أتكسف منها...بلاش تصرفات العيال دي ...لو ما فتحتيش عنيكي دلوقت واتكلمت زي الناس هاسيبك تتفلقي!


ياللرقة!!!


الغريب أنه كان ولأول مرة يكره -فظاظته- التي كان يظنها تحميه !


يكرهها وهو يشعر بالمزيد من العجز عن فعل أي شيء !


وما زاد الطين بلّة هو مصادفة عينيه لرمزها الذي تنقشه بيدها على مفارشها ووسائدها ...ذاك الذي يمثل حرف الياء بالعربية وقد انثنى طرفه ليرسم شكل القلب الشهير ...والذي أخبرته منذ أيام أنها تعنيه هو به ...


اللعنة!


أما لهذه الفوضى من آخر؟!!


زفر بحرقة وهو لايجد بداً من أن يقوم لكنه ما كاد يفعلها حتى شعر بتشبث أناملها الواهي به ..!


هذا الذي وجده كافياً ليعاود الجلوس وهو يربت على كفها بحنان يناقض جفاء أقواله...


ولم يكد يفعلها حتى فوجئ بها تنحني في جلستها لتسند رأسها على كتفه هامسة بين دموعها:


_أنا آسفة على اللي حصل امبارح...معرفش عملت كده إزاي.


وكأنما كان هذا فقط ما يحتاجه كي يتشقق قناع القسوة البارد الذي كان يرتديه...


كي يستجيب لدعوة جوارحه باحتضانها ...لغرس رأسها بين ضلوعه ...لتقبيل قمة رأسها التي نزع عنها حجابها ليتخلل شعرها بأنامله هامساً بصوت متحشرج لايزال على خشونته:


_أنا كمان آسف ...ماكنتش أعرف إني هاخوّفك كده ...


ثم ابتعد بوجهه عنها دون أن يفلتها من بين ذراعيه لينظر لعينيها بينما يمسح بأنامله الحرة بقايا دموعها لتقول هي بتشتت:


_أنا جتلك العيادة عشان النور قطع هنا...أنا بخاف من الضلمة قوي .


فالتوت شفتاه بابتسامة حانية وهو يتذكر كيف هرعت بالأمس مذعورة لضغط زر الإضاءة ...ليقول بنبرة جادة:


_خلاص...بكرة أتفق مع حد يركب هنا مولد كهربي.


ابتسمت بامتنان وهي تعاود إسناد رأسها على كتفه عندما سطعت الأضواء في الغرفة فجأة ليغشي الضوء عينيهما للحظات قبل أن يتركها


ليقف قائلاً:


_هاعمللك حاجة دافية تهديكِ عشان تعرفي تنامي.


لم ينتظر موافقتها وهو يخرج من الغرفة بعدها تاركاً إياها خلفه تحاول لملمة شتاتها دون جدوى ...


======


عاد بعد دقائق حاملاً مشروبها الدافئ مع ورقة مطوية ناولها لها قائلاً:


_دي أعشاب كاموميل ونعناع ...ده الغلاف بتاعها عشان تطمني.


فاكتست شفتاها بابتسامة واهنة وهي تتناول منه الكوب مغمغمة:


_انت اللي موسوس مش أنا...أنا واثقة فيك.


تنهد بحرارة وهو يضع ما بيده جانباً ليجلس أمامها على طرف الفراش متفحصاً ملامحها المنهكة...عينيها اللتين تورمتا من فرط البكاء ...وشفتيها المرتجفتين بانفعال ...وأخيراً خصلات شعرها التي التصقت بجبينها المتعرق والتي امتدت لها أنامله الآن ليزيحها خلف أذنيها قائلاً:


_أحسن دلوقت؟!


أومأت برأسها إيجاباً وهي ترتشف المشروب بينما عيناها تتحاشيان النظر نحوه فانتظرها صابراً حتى انتهت ثم أخذ منها الكوب ليضعه جانباً قبل أن يحيط كفيها بكفيه قائلاً :


_مش محتاج أسألك عن تفاصيل ...أنا فهمت !


رفعت إليه عينيها بنظرة مذعورة ليستطرد بأقصى ما استطاعه من ضبط النفس رغم البركان الذي كان يفور بداخله :


_كان حيوان...بيهينك ...بيضربك...بيخونك...


كانت عيناها تتسعان أكثر مع كل كلمة يضيفها ليوقن من صحة استنتاجه فأردف وهو يهز رأسه بتعجب:


_مش انتِ اللي قلتيلي إن مشكلتي مع أمي كانت إني ردمت على النار من غير ما أطفيها ؟! مش أولى كنتِ نصحتِ نفسك الأول؟!


أسبلت جفنيها وهي تشعر بالضعف يجتاحها من جديد رغماً عنها فعادت دموعها تسيل على وجنتيها ليقترب منها أكثر فيضمها إليه هامساً:


_من أول ما شفتك وأنا واثق إنك مخبية جرح كبير ...كنت بحسدك على قوتك بس كنت عارف إن فيه نقطة ضعف بتبقي جبانة قدامها...عشان كده عايزك تتكلمي...تحكي...عشانك انتِ...مش عشاني أنا...عشان تكسري حاجز الخوف اللي جواكِ من التفاصيل اللي انتِ حابساها .


عاد جسدها يرتجف بين ذراعيه وهي تشعر بأحاسيس متضاربة...


شعورٌ عميق بالإهانة...بالضآلة...بالنقص...ينتابها وهي تعود للغوص في ذكرياتها ...


هذا الشعور الذي لم تعرفه في حياتها كلها إلا في ذاك الموضع..


هي القوية الواثقة الضاحكة النابضة بحيوية الألوان لكنها تبقى شديدة الوهن أمام هذا النفق الأسود بأعمق أعماق روحها !


لكن يامن محق!


ربما تكون مشكلتها الحقيقية فعلاً أنها حبست تفاصيلها الخانقة داخلها فلم تطلع عليها سوى طبيب التجميل الذي سألها بطبيعة الحال عن سبب تلك الندوب التي ملأت جسدها وقتها...


غرقت في صمتها طويلاً وهي تحاول تجاوز هذا الحاجز لكنه احتمل بصبر يحسد عليه حتى بدأت بالحديث وهي تخفي وجهها في صدره...


أجل...أخيراً انزاح الحجر الثقيل عن باب مغارة الذكريات المعتمة !


كان قلبه ينتفض بغضب مع كل تفصيلة تحكيها وهو يشعر أن كبرياءها يخفي خلف ذاك -المزيد- الذي كان تخيله يزيد جنونه...


رباه!


إذا كان هذا ما جرأت على البوح به فما الذي تخفيه ؟!


حتى انتهت بذكر تفاصيل الليلة الأخيرة الكارثية والتي ما كادت تفرغ منها حتى عادت للبكاء من جديد ...


فاعتصرها بين ذراعيه هامساً بحزم:


_عيطي دلوقت زي ما انت عايزة...بس اوعديني تكون دي آخر مرة تفتكري فيها كل ده ...


ثم رفع ذقنها إليه ليردف بغضب سمح له أخيراً بالظهور:


_لو كان قدامي دلوقت كنت قتلته ...بس انتِ كمان غلطانة ...ليه سكتتي؟! ليه ماقلتيش لوالدك؟! سكوتك ده اللي جرأه عليكِ!


_سكتّ في الأول عشان كنت بعافر إني أنجح وماافشلش...عشان مابحبش أتهزم من أول مرة...كان عندي أمل مع كل اعتذاراته إنه يتغير ...وبعد الطلاق سكتّ عشان اتعودت أقوم كل مرة لوحدي...ما اشوفش في عين بابا نظرة شفقة...هو اتعود يشوفني ناجحة وقوية... وأنا اتعودت مابقاش محتاجاه.


نطقت عبارتها الأخيرة بنبرة مسته وهو يدرك مغزاها ...


هي لم تسامح أباها كما تزعم ...هي فقط تصنعت تعايشها مع ذنبه القديم !


تماماً كما لم يسامح هو أمه بل ولم يستطع حتى تصنع التعايش هذا!


صدقت يوم وصفته بأنه صورتها في المرآة...


صورتها الأضعف...الأكثر سواداً...والأشد تخبطاً!


الآن فقط يفهم سر حديثها عن مشكلتها مع الإنجاب...عن ثورة ذعرها بالأمس ...وعن نفورها من لمساته...


لكن...مهلاً !


إنها لا تنفر دوماً منه...فقط عندما تتذكر ما يربطها بماضيها!


هذا يعني أنه هناك أمل أن تتقبله يوماً!!


وهو سينتظر...هو يريد أن ينتظر...


كل ما يخصها شغف خاص بها لم تشاركها فيه امرأة سواها !


لهذا أخذ نفساً عميقاً ثم ربت على ظهرها قائلاً بحزم رفيق:


_هتنامي دلوقت...وهتنسي كل حاجة قلتيها ...فكري بس في أكتر حاجة بتحبيها.


ابتسمت بشحوب وهي تعود بظهرها للوراء لتنسل تحت الغطاء وقد شعرت بجفنيها يتثاقلان حقاً...


فابتسم رغماً عنه وهو يسألها بصوت عادت إليه مشاكسته:


_أنا ؟! مش كده ؟!


_طبعاً.


كان يسألها مداعباً كي يكسر حدة توترها لكنه لم يتوقع أن تؤثر فيه هكذا وهي ترد بسرعة دون تردد حتى وسط كل هذا!


لهذا اتسعت ابتسامته وهو يتأمل ملامحها التي عاد إليها سكونها تدريجياً وهي تستسلم للنوم أخيراً...


قبل أن يتذكر شيئاً جعله يسألها بتردد خافت:


_مين زين؟!


_زين؟؟!


_كنتِ بتقولي اسمه امبارح !


_أكيد بيتهيألك...معرفش حد اسمه كده !


همست بها بصوت متثاقل قبل أن يغلبها نعاسها فعقد حاجبيه وشكوكه تعاود حربها الضروس معه ...


لكن نظرة واحدة لملامحها الملائكية الآن كانت كفيلة أن تتراجع مؤقتاً فتنهد بعمق وهو يشعر أن هذه الليلة هي بدايته الحقيقية معها ...


لا يهم أن يقصر الطريق أو أن يطول لكنه يعترف أخيراً أنه يريد المسير فيه...


المسير...؟!


لا ..بل العدْو!


======

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...