القطعة العاشرة
========
_ملهاش حل تاني يا داليا ...لازم أتقدم وأخطبك عشان نقطع لسان أي حد !
هتف بها هيثم على الهاتف ليتحول فيض دموعها المقهورة لشراسة عنيدة مع هتافها:
_انت بتقول إيه ؟! حتى انت يا هيثم هتستغل الفرصة عشان تدبسني؟!
_أدبسك؟!
هتف بها باستنكار ليردف بغضب لم تره فيه قبلاً:
_هو ده إحساسك للي بيننا يا داليا؟! هو ده ردك على حبي ليكِ طول السنين دي؟!
_يووووه...مش وقت عواطف يا هيثم!!
صرخت بها بنفاد صبر وهي تشعر بأنها محاصرة بين قضبان غير مرئية ...
قلبها يخبرها أن الموقف الذي رأته فيه زوجة ياسر لن يمر مرور الكرام ...
قد ينتهي بفضيحة تضيع مستقبلها كله !
تباً...تباً ...تباً!!!!
أي غباء هذا الذي تلبسها كي تقدم على فعلة كهذه؟!
إنها لم تفكر حتى في فعل هذا يوماً ولا حتى في أقصى أحلامها تجاوزاً !!
تعانقه هكذا فجأة دون مقدمات ؟!
وفي الجامعة؟!
يبدو أنها فقدت عقلها حقاً!!
_صح...مش وقت عواطف...وقت قرار يا داليا.
قالها هيثم أخيراً بنبرة حملت كل غضبه وقلقه ويأسه ...ليردف بعد صمت قصير:
_اسمعي بقا آخر كلام عندي ...يا اما توافقي على خطوبتنا يا اما تنسيني خالص!
اتسعت عيناها بخوف حقيقي وهي تشعر بأنه يعني ما يقول حقاً هذه المرة ...
لتغمغم بصوت مختنق:
_كده يا هيثم؟! هتسيبني وأنت أقرب صاحب ليا؟!
_أنا مش صاحبك يا داليا...أنا بحبك ...وماعدتش قادر أستحمل جنانك أكتر من كده !
صرخ بها بجنون جعلها تدرك أنه قد فقد السيطرة على نفسه مثلها فصمتت تحاول تمالك شتات روحها لتقول بنبرة مشتتة:
_افهمني يا هيثم...أنا...
_انتِ أنانية...مش عايزة تشوفي غير نفسك وبس...عايزة تبقي مركز الكون والكل يلفوا حواليكي...ليه تكتفي بي لوحدي لما ممكن يبقى حواليكِ كل يوم عاشق جديد ...عايشة دور الضحية المنبوذة ومستنية الكل يطبطب عليكِ ويحسسك إنك ملكة ...واللي زيك لو مافاقش هيقع على جدور رقبته !
كان يلهث في عبارته الأخيرة وصوت صراخه الهادر يكاد يصم أذنيها ...
فانسابت دموعها على وجهها بضعف لم يتفق وعبارتها القوية بعدها:
_وإيه يجبرك على حب واحدة زيي وحشة كده ؟! ابعد !
صمت قليلاً بعدها وكأنما يشعر بثقل القرار على صدره ليقول أخيراً بنبرة قاطعة :
_هابعد يا داليا ...أوعدك أدّ ما قربت هابعد !
ظلت للحظات لا تستوعب هذا الذي قيل قبل أن تنتبه لصوت الهاتف الرتيب عقب انتهاء المكالمة!
هل سيتخلى عنها هيثم حقاً؟!
ورغم الكبرياء الذي كانت تتحدث به إليه لكن خوفاً -طفولياً- بأعماقها جعلها تعاود الاتصال به ليكون رده إغلاق هاتفه تماماً!!
انهارت بعدها في بكاء هستيري وهي تشعر بالوحدة تتملكها أكثر ...
حاولت الاتصال بيامن لعلها تستمد من محادثته أماناً يصبرها لكن شبكة الهاتف في قريته كانت ضعيفة فلم تنل ما أرادت ...
تحركت لتغادر غرفتها حيث غرفة رانيا لتجدها خالية...
حتى غرفة نبيلة الموصدة كادت تطرقها لتتحدث معها بأي شيء يلهيها عن مصابها لكن صوت ضحكات العالية من الداخل أنبأها أنها في محادثة هاتفية معتادة مع أحد زملاء "مجدها القديم"!!
رجعت لغرفتها خالية الوفاض ...وبتشبث طفولي عادت تهاتف هيثم لكن الهاتف المغلق حمل لها الخسارة هذه المرة بنكهة النهاية !!
هنا شعرت بتذبذب الهاتف في أناملها مع صوت رسالة فخفق قلبها بقوة وهي تتوقع رسالة من عاشقها المجهول ...
أجل...الآن بالضبط...تحتاج هذا الدعم ...!
لتتراخى أناملها فجأة على الجهاز وهي تقرأ رسالته التي لم تحوِ سوى كلمة واحدة ...
كلمة واحدة كأنما انتقلت من فراغ روحها لشاشة هاتفها ...
ولا تدري ما الذي قصده بها ...
_(خسارة)!
ظلت ترمق الشاشة بذهول وهي تود لو ترد هذه المرة فقط على رسالته ...
لو تسأله عمن هو...عما يريد ...وعما يقصده ...
لكن اليأس الذي ملأها جعلها تلقي الهاتف جانباً لتتطلع لصورتها في المرآة بقنوط ...
دموعها تتساقط ببطء تنعي شعور الضياع الذي يملؤها ...
لكن...لا!
لن تستسلم لهذا الوهن!
لن تترك حياتها فريسة لغيرها يسوقها كالدابة كيفما يشاء!!
ستضع إصبعها في عين كل من يفكر إجهاض طموحها ...
ستكون نجمة الغد التي تهفو إليها جميع العيون ...
ومن تركها اليوم سيرجو لاحقاً فرصة تقربه منها !!
وبهذا الخاطر الأخير رفعت وجها مبتسماً نحو مرآتها ثم مسحت دموعها قبل أن تغسل وجهها لتتم زينته في أبهى صورة...
ستذهب للملهى الليلي كما فعلت من قبل لعل الرقص يفرغ شحناتها الغاضبة هذه ...
لكنها ما كادت تتم ارتداء ملابسها لتتناول حقيبتها إذا بأناملها تصطدم
بالبطاقة الورقية التي سقطت عليها من السماء كفرصة ذهبية لولا قيود واقعها السخيفة!
هنا التمعت عيناها بتصميم وهي تقرأ الاسم المكتوب عليها
(معتز الشريف)!
ماذا لو .....؟؟!!!!
========
_أروع فوتوسيشن عملناه يا فندم!
قالها مدير الاستوديو لهما بينما رانيا تطالع الصور بفرحة حقيقية هاتفة :
_تجنن يا أشرف ...شفت الجمال؟!
أومأ برأسه بشرود وهو يكاد لا يرى شيئاً...
منذ مقتل "سيدة" وهو يرى الحياة بمنظار أسود ...يعيش يومه بتفاصيل لا يعيها بينما ذهنه مكبلٌ بمخاوفه ...
لقد خذلها...وعدها بالحماية مع طفلها ولم ينتبه إلى أن اللعبة أكبر منه
طالما وصلوا إلى سيدة فلابد أنهم قد عرفوا عن الأمر ...فهل يمثل هو الدور القادم ؟!
لو كان الأمر يتعلق به وحده ربما لما اهتم ...لكن ما يدريه أن ينال الأذى أقرب الناس لقلبه ؟!
_أشرف! معقول مش سامعني؟!
هتفت بها رانيا بقلق فالتفت نحوها من شروده قائلاً:
_معلش يا رانيا ...سرحت شوية .
انقبض قلبها بجزع وهي ترى الحزن المسيطر على ملامحه لهذا ما كادا يغادران الاستوديو ليستقلا سيارته حتى قالت :
_مالك يا حبيبي؟!
تردد قليلاً قبل أن يقول لها بصوت مختنق:
_هو ينفع نأجل الفرح؟!
اتسعت عيناها بصدمة قبل أن تمتزج كلماتها بدموعها:
_نأجل الفرح؟! قبل المعاد بكام يوم ؟! ليه يا أشرف؟!
انفرجت شفتاه وكأنه على وشك الاعتراف لها بما يؤرقه لكنه أشاح بوجهه صامتاً لتسأله بصوت باك:
_فيه إيه ؟! أشرف أنا خايفة...أرجوك قل لي مالك؟!
كانت دموعها البائسة حملاً جديداً على كاهله لم يكن ليحتمله ...
لهذا أخذ نفساً عميقاً يتمالك نفسه ثم التفت نحوها ليربت على كفها
قائلاً:
_زي ما قلتلك قبل كده ... خايف على صحتك .
كانت تشعر أنه يكذب ...عيناه تنزفان بوجع لا تفهمه...لقد اعتادت نظرة الحزن فيهما بعد مرض والدته لكن الخوف الذي ينهشهما الآن هذا حديث العهد بهما ...
_لو بتحبني خللينا نتجوز في أقرب وقت ...أنا محتاجة أكون جنبك .
قالتها بنبرتها الخانعة فارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة سبقت آهة عميقة قبل أن يرفع كفها لشفتيه بقبلة عميقة هامساً :
_صدقيني مش أكتر ما أنا محتاج لك .
حدجته بنظرة حائرة فاتسعت ابتسامته وهو يمسح دموعها ليقول متصنعاً المرح :
_أنا آسف عشان خليتك تعيطي...تسمحيلي أصلح غلطتي؟!
أمالت رأسها بتساؤل فقام بتشغيل السيارة قائلاً بنفس المرح المصطنع:
_خللينا ننسى إننا كبرنا ونفرغ توترنا ده ...تعالي نروح الملاهي!
ابتسمت وهي تربت على ساعده قائلة بامتنان:
_حبيبي يا أشرف ...دايماً بتقرا أفكاري ...امبارح بالذات كنت هاطلبها منك ...بس قلت هتبقى مشغول .
_عمري كله ليكِ .
همس بها صادقاً قبل أن يحاول التظاهر بالتركيز في الطريق بينما لايزال عقله مشبعاً بهواجسه ...
لكنه حاول حقيقة أن يتناسى قلقه معها في مدينة الألعاب التي دخلاها معاً ...
ضحكاتها المرحة كانت خير دواء له وهو يستعيد معها ذكريات طفولتهما ...خاصة عندما أصرت على القفز فوق "الترامبولين" الضخم هناك ...
لم يستطع منع ضحكاته وهو يقول مذكراً إياها:
_فاكرة لما بابا الله يرحمه غير لنا المراتب القطن لاسفنج ...وقعدت تتنططي عليها لحد ما كسرتِ "السّوستة""؟!
ضحكت بدورها وهي تجذبه من كفه نحوها قائلة :
_ياااه ...فاكراه كويس ...كل واحد فينا مسك سرير يتنطط عليه لحد ما مامتك جريت ورانا بعصاية المقشة وطلعنا نستخبى على السطح.
ابتسم بحنين جارف وهو يتذكر ما تحكي عنه ثم تركها لتذهب هناك حيث وقف مكتفياً بمراقبتها ...
قبل أن يستخرج هاتفه ليقوم بتصوير فيديو لها وهي تتقافز هكذا كطفلة هانئة ...
لكنه ما كاد يفتح الهاتف حتى طالعته رسالة من رقم مجهول :
(اللي حصل لسيدة ممكن يحصل لناس تانيين ...ماتحضرش عفريت مش هتعرف تصرفه)
=========
جلست تؤدي عملها الذي أوشكت على انهائه وهي تشعر بالكثير من
الارتياح ...
عملها هنا كان عطية السماء لامرأة في ظروفها ...وسيكون أول ما تفعله عندما تستقر ظروفها أن تعود لسكنى شقة أحمد ...
صحيحٌ أن الإيجار سيلتهم قرابة ثلاثة أرباع الراتب لكن لا بأس...
يكفيها أنها ستعود لشعورها بالأمان في عالمه ولو لم يكن هو فيه !
وعند خاطرها الأخير ارتسمت على شفتيها ابتسامة آسرة جعلت أحد
زملائها في المكتب يقول لها بود :
_أول مرة أعرف إن شغلنا فيه حاجة تضحك!
رفعت إليه عينين مرتابتين زادهما ضعفهما جاذبية وهي تتمتم مرتبكة بكلمات بلا معنى فابتسم مردفاً:
_انت متعرفيش إنك جيتيلي نجدة من السما...الموظف اللي كان هنا قبلك كان عليه بوز ...يا سااااتر ...تكشيرته كانت بتلزق في وشي أنا اليوم كله .
ارتجفت شفتاها بابتسامة مجاملة جعلت الرجل يتمادى بقوله بينما يتفحص ملامحها بجرأة:
_لكن انتِ ابتسامتك بتنور الدنيا.
تراجعت ابتسامتها وهي تطرق برأسها مشبكة أناملها تحت المكتب بخوف صار مبالغاً فيه ...
جبينها يتعرق عرقاً خفيفاً ومشاهد بعينها تخترق ذهنها من ماضيها البائس بينما الرجل مستمرٌ فيما يظنها -بصَمتها- راضية عنه :
_الحزن مابيرجعش اللي راح ...انتِ لسه صغيرة وجميلة والحياة كلها قدامك.
قالها بنبرة مواساة مصطنعة وعيناه تنسحبان لما ظهر من رقبتها وجيدها خلف ياقة قميصها المفتوح محاولاً إكمال باقي الصورة من خياله لتتوهج عيناه ببريق أجفلها وهي ترفع عينيها إليه ...
هي تعرف هذه النظرة جيداً ...
نظرة تجردها من ثيابها...من أمانها...بل من آدميتها !
نظرة تشل أطرافها ...تجمد لسانها ...تنكمش لها روحها بضعف من لايملك إلا الاستسلام !
_ياللا يا غادة !
هتف بها رامز وهو يدخل إلى المكتب ملاحظاً نظرات زميلهما إليها فتغضنت ملامح وجهه بضيق عندما لاحظ ضعفها المعهود الذي يثير غيظه ...
تنحنح الرجل بخفة وهو يقوم مصافحاً رامز الذي لم يستطع إخفاء ضيقه بينما قامت غادة لتتناول حقيبتها قبل أن تغادر المكتب خلف رامز منطفئة الملامح منعقدة اللسان .
وفي طريقهما إلى البيت كان يختلس هو نظرات مشفقة نحوها وهو لا يدري سبباً ل"سلبيتها" هذه !
لقد سمع حوارها مع زميلها كاملاً وقد توقع في أي لحظة أن تزجره بأي كلمة...لولا ثقته في أخلاقها لظنها راضية عن ذاك الغزل!
_سكتّي له ليه؟!
سألها فجأة وهو يلاحظ إطراقها البائس مع ارتجاف أناملها فرفعت إليه عينين عاجزتين مذعورتين وكأنها تتوقع أن يتهمها مثل الجميع في شرفها لتجد نفسها تتمتم مدافعة:
_هو اللي كان...قصدي ...أنا مابعرفش أرد لما...
انقطعت عبارتها وعيناها تمتلئان فجأة بالدموع فانعقد حاجباه وهو لا يفهم ما بها ...
الأمر لا يتعدى مغازلة بسيطة كان بإمكانها إيقاف صاحبها عند حده في وقتها ولا تستحق كل هذا الذعر الذي يرتجف له جسدها ...
كاد يعاود سؤالها عن الأمر لكنه خشي أن يزداد انهيارها فأطبق شفتيه مؤثراً الصمت .
وفي شقتهما كانت هانيا منهمكة في مذاكرتها عندما سمعت رنين جرس الباب فقامت لتفتحه حيث طالعها وجه حماتها ترمقها بنظرات مستاءة ...
_أهلاً يا طنط ...اتفضلي!
قالتها بود يخفي حقيقة ضيقها من مقاطعة أحدهم لها وتضييعه وقتها الذي بالكاد يكفي مذاكرتها ...
لكن المرأة ولجت للداخل وهي ترمقها بنظرات متفحصة من أعلى
لأسفل ثم تنهدت بضيق لتجذبها من كفها نحو أريكة قريبة حيث جلستا لتبادرها المرأة بقولها :
_انتِ عارفة إن ده معاد رجوع جوزك من الشغل؟!
عقدت هانيا حاجبيها وهي تحاول فهم ما ترمي إليه حماتها التي استطردت بنبرة عاتبة:
_ورق مذاكرتك مفروش على السفرة بدل الأكل اللي المفروض ييجي
يلاقيه سخن...وشك مجهد وعنيكي تعبانة بدل ما ييجي يلاقيكي مستريحة ومستنياه...وإيه اللي انتِ لابساه ده ؟!
مطت هانيا شفتيها باستياء وهي تشعر بالحرج ...
منذ طفولتها وهي لا تحترم كثيراً أن ترتدي المنامة كاملة...!
تلتقط أقرب ما تقع عليه أناملها من قطع حتى ولو لم تكونا متناسقتين ...حتى إن نبيلة كانت تداعبها دوماً بقولها (نفسي مرة أشوفك لابسة بجامة على بعضها)!
هكذا كان حالها الآن وهي ترتدي قميص منامة طويل أخضر اللون على سروال منامة أخرى بلون أزرق فاقع لتزيد عقصة شعرها مع نظارتها الطبية من مظهرها الفوضوي .
لكن المرأة ربتت على كتفها لتقول بنبرتها العاتبة:
_فيه حاجات الست لازم تاخد بالها منها ...عشان جوزها غصب عنه عنيه ما تروحش بره .
مطت هانيا شفتيها باستياء وهي تتوقع ما تلمح إليه حماتها ...ستعود من جديد للحديث عن ضيقها من وجود غادة بالمنزل وخوفها على رامز منها ...
تباً...ألا يفكر العالم كله إلا بهذه الطريقة؟!
ألا يفهم هؤلاء قدسية لمفهوم الصداقة ...دعنا من الصداقة...ألا يفهمون قدسية لمعاونة امرأة مثلها في محنة ؟!
كادت ترد بكل ما يجيش بصدرها لكنها آثرت السلم كي تمر الأمور على خير ...
فاستطردت حماتها ناصحة:
_يابنتي دي أسعد وأروق أيام حياتك...لو مكنتيش تدلعي فيها نفسك هتعملي كده امتى؟! الحقي اهتمي بروحك شوية قبل ما يجيلك ولد
ياخد كل وقتك.
_اطمني يا طنط...ما بفكرش في الموضوع ده دلوقت.
كي تكون صادقة مع نفسها هي قالت هذا كي ترد على -ما رأته - إهانة لها ...أجل...كانت تعلم مدى اشتياق المرأة بطبيعة الحال لحفيد خاصة أن رامز هو ابنها الأكبر ...لهذا لم تتعجب ثورة المرأة التي هتفت بها :
_إيه ؟! ما بتفكريش ؟! هو ده كمان محتاج تفكير؟! اوعي تكوني بتاخدي حاجة تمنع الحمل !
_فعلاً باخد...أنا مش فاضية دلوقت .
قالتها ببرود ألجم لسان المرأة قليلاً قبل أن تهب واقفة مكانها مستأنفة ثورتها :
_لما ييجي رامز أنا هاشوف الموضوع ده معاه ...استحالة يكون موافقك على حاجة زي كده !
_لا موافقها يا ماما!
قالها رامز بحزم غاضب وهو يدخل من باب الشقة مع غادة التي بهتت
ملامحها بخوف وهي تسمع هذا الشجار فالتفتت نحوهما أمه لتهتف بنفس الثورة:
_موافقها على الجنان ده ؟! زي ما وافقتها على كل الأوضاع الغلط اللي ما ترضيش حد دي ؟!
نظراتها النارية كانت مصوبة نحو غادة التي فهمت ما ترمي إليه ...
آه ...كم تود لو تنشق الأرض وتبتلعها الآن !
_اهدي بس يا ماما ...ضغطك هايعلى زي كل مرة !
قالها رامز مهدئاً وهو يحاول التربيت على كتفها لكنها دفعته ببعض العنف هاتفة بحنق وهي تلوح بسبابتها:
_الموضوع ده بالذات مايتسكتش عليه ...
ثم رمقت غادة بنظرة ساخطة مردفة:
_كفاية اللي سكتنا عليه قبل كده !
تقدمت هانيا نحو غادة بحركة داعمة عندما غادرتهم المرأة بخطوات مندفعة يتبعها رامز ...
فالتفتت هانيا لغادة هاتفة بانفعال:
_ولا يهمك ...حقك عليّ أنا ...رانيا خلاص هتتجوز وأوضتها في بيت
خالتي هتفضى ...هتروحي هناك وهازورك كل يوم .
قالتها وهي تحتضن غادة بحمية مدافعة مربتة على ظهرها ...غادة التي كانت تشعر الآن بالمهانة كما لم تفعل من قبل ...لقد كانت تفكر جدياً
بالرحيل لكن القدر عاجلها بهذه الطريقة المهينة .
_لا هنا ولا عند خالتك...أنا هارجع شقة أحمد ...خلاص دلوقت ممكن أدفع إيجارها .
_انتِ بتهزري؟! هتدفعي إيجارها وتعيشي منين ؟!
هتفت بها هانيا باستنكار لكن غادة انخرطت فجأة في البكاء وهي تعود لشقتها المقابلة عدواً لتغلق بابها خلفها ...
وقفت هانيا مكانها مصدومة لبضع ثوانٍ من تطور الوضع المفاجئ هذا ثم تحركت لتلحق بغادة لكنها ما كادت تخرج من باب الشقة حتى فوجئت برامز أمامها يرمقها بنظرة غاضبة...
قبل أن يجذبها من ذراعها بعنف ليدخلها شقتهما ويغلق الباب .
_انت بتبص لي كده ليه ؟! ده بدل ما تعاتب مامتك على اللي قالته ؟! غادة منهارة حرام عليكم ...هي ناقصة؟!
كز على أسنانه بغضب وعيناه تقدحان الشرر للحظات قبل أن يقول لها ببرود مشتعل:
_أنا قلت قدام أمي إنك متفقة معايا عشان ما احرجكيش...بتاخدي وسيلة منع حمل من امتى؟!
زفرت بحنق ثم نفضت ذراعها منه لتقول مدافعة:
_احنا كنا متفقين قبل الجواز إني هأجل موضوع الأطفال لبعد ما اخلص رسالتي...إيه المشكلة بقا؟! مجتش فرصة أقوللك بعد ما اتجوزنا إني بدأت في اجراءاتي .
تحرك نحوها خطوة غاضباً وقد عجز عن السيطرة على غضبه ليهتف ثائراً:
_قبل الجواز أنا ماادتكيش وعد...قلتلك هانفكر ونقرر سوا ومش هنعمل حاجة غير لما نكون احنا الاتنين مقتنعين بيها ...أنا فاكر أنا قلت إيه كويس يا دكتورة !
فأشاحت بوجهها بعناد مع قولها:
_مش فارقة!
_لا فارقة ! لما تاخدي قرارك من دماغك تبقى فارقة...لما اتفاجئ بيه زي العيل الصغير قدام أمي تبقى فارقة...لما أبقى بعمل كل حاجة عشان أرضيكِ وانت مصرة تعزلي نفسك في عالم لوحدك تبقى فارقة !
هتف بها بانفعال ثم دفعها بقوة ليدخل غرفة المعيشة صافقاً بابها خلفه !
انتفضت مكانها على صوت الباب وهي تشعر ببعض الذنب ...
لكن أخذتها العزة بالإثم فدخلت غرفة نومهما هي الأخرى صافقة بابها خلفها .
وفي مكانه كان هو يكاد يغلي غيظاً وهو يشعر بغضب لم يملؤه يوماً نحوها ...
لقد تجاوزت كل حدودها هذه المرة ولا يدري كيف يعاقبها عقاباً رادعاً!
ظل يتقلب على الأريكة بعدها لساعات حيث قرر قضاء ليلته بعدما فقد الأمل في أن تعترف "الدكتورة " بخطئها وتعتذر ..
كان الليل قد انتصف فزفر بحنق وهو يشعر بالعطش الذي جعله يغادر غرفة المعيشة نحو المطبخ ...
لكنه ما كاد يمر جوار باب الشقة حتى سمع باب الشقة المقابلة الخاصة بغادة يغلق !
عقد حاجبيه بضيق وهو يظن هانيا قد ذهبت تقضي ليلتها معها لكنه عندما نظر عبر العين السحرية وجد غادة تقف وحدها مكانها حاملة حقيبة كبيرة فضحت نيتها ...
ضعيفة...حائرة ...مشتتة ...ودامعة كعادتها ...حتى أنها ظلت واقفة مكانها لدقيقة كاملة تتلفت يميناً ويساراً كطفلة ضالة !
ابتعد عن الباب قليلاً يفكر بحيرة...
هانيا ستقلب الدنيا غداً لو وجدت صديقتها قد غادرت هكذا خفية دون أن تخبرها ...
لكن لعل هذا هو الصواب!
غادة يجب أن تخرج من حياتهما حقاً ...هو لم يعد مستريحاً لهذه المقارنة التي يجريها عقله في كل لحظة بينها وبين زوجته ...
هو ساعدها بإيجاد عمل ولن يستطيع إقناع أمه بالسماح لها
بالبقاء أكثر ...كما أن وجودها هنا بعد ما صدر من أمه يعد إهانة لها ...
لماذا تبقى هنا؟! لماذا لا تعود لأهلها؟! لشقة زوجها ؟!
هذا أسلم لها وللجميع!
وبهذا الخاطر الأخير أخرس أفكاره وهو يعاود النظر عبر العين السحرية ليجدها قد اختفت ...
فازداد انعقاد حاجبيه وهو يتوجه نحو نافذة قريبة ليراها واقفة وسط الشارع الخالي في هذا الوقت ...
انقبض قلبه بحمية رجولية وهو يشعر بالخوف على امرأة هشة مثلها ...
لكن عقله كان لايزال يقنعه بأن رحيلها هو الأفضل!
صراع دام لثوانٍ قبل أن يحسمه أخيراً وهو يندفع نحو باب الشقة ليخرج إليها ...!!!
وفي فراشها انتفضت هانيا وهي تسمع صوت باب الشقة يغلق فنظرت للساعة أمامها لتتسع عيناها بدهشة ...
أين يذهب رامز في هذا الوقت؟!
نفضت عنها غطاءها لتتوجه نحو نافذة غرفتها التي فتحتها لتتجمد
ملامحها مصدومة وهي تراه واقفاً مع غادة في الطريق في هذا الوقت من الليل ومعهما...حقيبة ملابسها!!
=========
_وكما قال عنترة: سكتتُ فغرّ أعدائي السكوت...وظنوني "توت توت قطر صغنتوت"!
انفجرت ياسمين بالضحك والكلمات السابقة تنبعث من فم أحد الأطفال من أقارب يامن الذين لم يصبروا للغد كما وعدوا ليزوروهم في نفس الليلة ...
بينما هتف يامن بمرح :
_عنترة قال "توت توت قطر صغنتوت"!
فقال الصغير وهو يهز كتفيه بشقاوة طفولية محببة:
_هاكدب عليك؟! خدناها كده في المدرسة!
_مدرسة ال"كمبيوتر" اللي قاعد قدامه طول النهار!
قالتها أم الصغير شاكية فعاد يامن يبتسم بينما المرأة تداعب طفلها
الآخر والذي كان يصغر شقيقه ببضعة أعوام مردفة بنبرة وعيد لم تخل من حنان:
_اوعى تتعلم من أخوك...خللي واحد فيكم فالح.
لم يبدُ على الصغير أنه فهمها وهو يهز رأسه يمنة ويسرة قبل أن يتملص من ذراعي أمه ليتوجه نحو ياسمين رافعاً ذراعيه مع هتافه الطفولي :
_"أوبّح"!
ارتفع حاجباها بحنان غامر وهي ترفع الطفل لتضمه لصدرها بقوة قبل أن تغرقه بقبلاتها على وجهه مع عبارات تدليل ناعمة ...
خفق قلب يامن بجنون وهو يتابعهما بعينين جائعتين لعاطفة كهذه ...
هذه المرأة خلقت لتكون أماً!
رغم الانطلاقة الطفولية التي تفضحها حركاتها لكنه يشعر أنها تخفي خلفها قلباً رحيماً يشتاق لأن يمنح أكثر مما يعطي...
لم تكن المرة الأولى التي يراها فيها بهذه الحيوية والانطلاق لكنه هذه المرة كان يختبر ذاك الشعور "المقيت" بالغيرة...وكيف لا؟!
وقد استجابت -الغافلة - لجنون عاطفتها مع الصغير تدلله بقبلاتها تارة وبكلماتها تارة لتمتزج ضحكاتهما العالية بدويّ لم يجد أثره في قلبه وحده بل في قلوب الحاضرين جميعاً ...
احمرت أذناه بغضب وهو يشعر بنظرات أقاربه - خاصة رجالهم- تتعلق بها خاصة في حركتها الأخيرة عندما رفعت الصغير لتداعب بطنه بأنفها بحركات مدغدغة علا معها صوت ضحكاتهما معاً ...
هنا شعر بسهم حارق يجتاح روحه بحرارة قاتلة وهو يود لو تنشق
الأرض الآن وتبتلعها ...بل تبتلعهما معاً...فلا ينظر إليها غيره إنسٌ ولا جان !
ويبدو أن انفعالاته على وجهه كانت صارخة إلى هذا الحد الذي وصل عمه بوضوح جعله يتنحنح ليقول بنبرته الحازمة الودود:
_قوموا ارتاحوا دلوقت زمانكم تعبانين من السفر والصباح رباح.
وقف يامن حامداً لعمه تصرفه ليقف معه الرجال الذين حضروا من أقاربه مثيرين عاصفة جديدة من الترحاب الدافئ أنسته بدفئها ما كان يغمره من شعور بالضيق ...
لكنه ما كاد يختلي بها في غرفتهما حتى أغلق الباب خلفه ليهتف بحدة وهو يمسك ذراعيها ببعض العنف:
_إيه اللي كنتِ بتعمليه ده ؟! لازمته إيه الاستعراض والدلع الماسخ ده هنا ؟!
اتسعت عيناها بصدمة لوهلة محاولة تبين خطئها بينما هو يردف بنفس الغضب الذي فضح غيرته:
_ماخدتيش بالك كام عين كانت عليكِ وانتِ سايقة فيها مع الولد الصغير ؟!
عضت شفتها بإدراك ثم رفعت عينيها إليه وقد انفرجت شفتاها تهم بالرد مدافعة بمنطقية ...
لكن هذا الشعور الذي قرأته واضحاً في عينيه أربكها ...وكأنها -رغم خبرتها القديمة به- قد عجزت عن فهم حديث نظراته...
أو ربما ...فهمت لكنها لم ترد التصديق!
لهذا لم تشعر بنفسها وهي تقترب منه خطوة لتبسط كفيها على صدره هامسة لتهدئه :
_معنديش "كنترول" مع الأطفال...آسفة...ماقدرتش أمسك نفسي...
انقطعت عبارتها بين شفتيه وهو يقربها منه فجأة ليلصقها بصدره
محاولاً إطفاء نيران غيرته بنيران أخرى لا تقل عنها اشتعالاً...
هذه المرة لم يكترث لعدم استجابتها...للخوف من نفورها ...ولا لاتفاقهما -السخيف- الذي يلعن نفسه إذ وافقها عليه ...
كل ما كان يعنيه الآن أن يشعر أنها له ...له وحده !
أن يجرب لذة قربها ولاسيما لو كان بنفس الدلال الذي كانت تغدقه على الصغير ...
أنانية؟!
حسناً...هو يعترف أنها حقاً كذلك لكن لا سبيل له في مقاومة أن ينهل من بئرها هذا حتى تمام الارتواء!
هو لم يكن يوماً ضعيفاً أمام شهواته...بل على العكس طالما تفاخر بأن رايات النساء لا ترفع على أرض جسده إلا لينكسها غروره !
لكنه معها هي بالذات يشعر بالأمر مختلفاً...
هو يريدها كاملة..يريد اختبار لون عشقها -المزعوم- هذا على جدران
عالمه الأسود !
والمقابل؟!
المقابل!
هي لا تطلب شيئاً وهو لا يملك ما يعطيه ...فمن يكترث بهذا السؤال؟!
_أنا كمان آسف ...ماقدرتش أمسك نفسي!
قالها أخيراً مقلداً لكنتها بغيظ امتزج ببعض العبث وهو يبتعد بوجهه عنها واحمرار بشرتها الخجول يمنحه الكثير من الرضا ..فابتسمت وهي تشيح بوجهها متمتمة بارتباك خافت:
_انتَ مشكلة .
_وانتِ كارثة!
اتسعت ابتسامتها وهي تعود بعينيها إليه محاولة فهم ما يعنيه لكن رنين هاتفها قاطعها ...
_ده بابا .
قالتها وهي تحرر نفسها من ذراعيه لترفع الهاتف لأذنيها بارتباك لم يخفَ عليه قبل أن تفتح الاتصال لترد بنبرتها الحيوية ...
ضاقت عيناه بتفحص وهو يتأمل ملامحها التي غابت في شرود بائس رغم المرح المصطنع الذي كانت تجيب به أباها ...
ورغم أنه شعر أنه من الذوق أن يتركها وحدها كي يمنحها المزيد من الخصوصية في هذه المكالمة لكنه ضرب بهذا عرض الحائط !
فلتذهب كل أصول اللياقة للجحيم ...هذه المرأة صارت وسواسه
الأعظم ولن يهدأ حتى يحيط بكل تفاصيلها دون نقصان .
_كويسة طبعاً...ومبسوطة جداً...جداً !
ازدرد ريقه بتوتر وهو يسمعها تقولها بحرارة لا يدري هل تصطنعها أم تجتاحها ...
ورغم أن حديثها مع أبيها لم يستغرق بعدها سوى بضع دقائق لكنه شعر بضيق خفي وهو يتابع عينيها اللتين انشغلتا عنه بشرودهما قبل أن تتجمد ملامحها فجأة مع صمت قصير وكأنها سمعت ما يسوؤها !
انعقد حاجباه بترقب وهو يقترب منها خطوة بحمائيته المعهودة بعدما لمح الدموع تلتمع في عينيها مع صوتها المختنق:
_شكراً يا بابا...تعيش وتفتكر.
ازداد انعقاد حاجبيه وهو يسمعها تنهي الاتصال بنفس النبرة التي عجزت عن تصنع المرح فيها أكثر فانتزع منها الهاتف ببعض العنف
متسائلاً:
_فيه إيه؟!
_مفيش...من فترة طويلة كنت بحاول أعمل لماما الله يرحمها مشروع خيري بس كانت تراخيصه متعطلة ...بابا أخيراً قدر يحلها ومتصل يفرحني خصوصاً إن معاد الذكرى السنوية لوفاتها كمان كام يوم ...
قالتها مطرقة برأسها قبل أن ترفعه بابتسامة شاحبة لتردف:
_تخيل إنه فاكر معاد وفاتها بعد السنين دي ؟!..كل سنة في نفس المعاد بيبقى حريص إنه يكلمني مش بس عشان يطمن عليّ وكمان عشان يحكيلي أد إيه هو ندمان إنه غلط في حقها ...ليه مبنعرفش قيمة الناس إلا لما بنفقدهم ؟! ليه لازم نخسر الحاجة عشان نحس بيها؟!
ربت على كتفها بكفه الحر وقد فقد كلماته معها كالعادة ...
فاتسعت ابتسامتها الشاحبة وكأنما تقهر بها حزنها مع استطرادها:
_فيه حاجات لما بتيجي متأخرة مابيبقاش لها طعم...لا القهوة بتتشرب باردة ولا الآيس كريم بيتاكل سايح...عشان كده لو فيه حاجة اتعلمتها في حياتي فهي إني أعيش كل إحساس في وقته وأديه حقه عشان لو عدى وقته هندم عليه .
صمت طويلاً بعد عبارتها شاعراً أن كلماتها تمس شيئاً دفيناً بأعماقه ...
ربما كانت مشكلته طوال عمره أنه كان يهرب من مشاعره ...
من حزنه...من يأسه...من ألمه...وحتى من فرحه !
"عايشها من عَ الوشّ" !
بهذا التعبير البسيط كان يصف حاله الذي يبتعد عن التعمق في أي شيء مكتفياً ب"النقر" على قشوره ...
فهل آن الأوان أن يعترف أنه كان مخطئاً ؟!
انقطعت أفكاره وعيناه تتعلقان بابتسامتها الشاحبة التي صارت ترتجف مع ارتجافة شفتيها في لحظة نادرة من لحظات ضعفها ...
ولو قرأ ما في خاطرها لأدرك أن قربه هذا منها يمتص منها قوتها لا العكس!
هو نفسه لايزال جبلاً آخر من جبال همومها التي وجب عليها تجاوزها حتى تصل ل"نهر الحلم" الذي تود ملأ كفيها من مائه !
الرحلة طويلة...طوييييلة...
وامرأة كهذه قد تغفر لنفسها الضعف لكنها لن تغفر السقوط!
_مش عايزة صورة حقيقية بدل الفوتوشوب؟!
همس بها بصوته الخشن وهو يشعر بارتجافة ضعفها تزداد فرفعت إليه عينيها بتساؤل لا تكاد تفهم ما يعنيه ...
قبل أن يمنحها الجواب وهو يضمها إليه بذراعه الحر بينما ذراعه الممسك بهاتفها يرتفع ليلتقط لهما صورة بهذا الوضع!
لم تكد ابتسامتها الواهنة تعود لشفتيها حتى ألقى ما بيده جانباً ليحتضنها بملء ذراعيه وكأنما يغرسها غرساً على صدره ...
قامتها الضئيلة تكاد تختفي بكاملها بينما يميل برأسه على رأسها وأنامله تربت على ظهرها بحنوّ استجلب دموعها رغماً عنها !
_أنا كويسة ...مش...
انتهت كلماتها المكابرة بشهقة بكاء عنيفة جعلته يضمها لصدره أكثر وهو لا يدري من منهما أكثر احتياجاً لهذا العناق !
كلاهما في هذه اللحظة كان يمثل صورة الآخر في مرآة الضعف والحرمان ...
صورة رسمها ماضٍ متشابه وإن تعامل معها كل منهما بطريقته !
أجل...كلاهما كان يخشى الغد...يخشى الفقد...لكنها "هي" كانت تتشبث ببقايا ثقتها في نفسها ...بينما هو لا...لم يعد يثق في أي شيء ولا أي شخص حتى نفسه !
_شكراً!
همست بها أخيراً وهي ترفع عينيها إليه بعد دقائق مرت كدهر كامل من أحاسيس...
قبل أن تبتعد بجسدها عنه في حركة كرهها لكنه لم يستطع منعها فتنحنح بخشونة ليشيح بوجهه متمتماً بكلمات بلا معنى ...
ابتسمت ابتسامة حقيقية وهي تمسح ما تبقى من دموعها لتردد الكلمة التي تغيظه:
_شكراً يا "طيب"!
ثارت ملامحه بغيظه المعهود من عبارتها هذه ليهتف:
_إيه "شكراً يا طيب " دي؟! بتكلمي أخوكِ الصغير؟!
ضحكت ضحكة رائقة وهي تبتعد أكثر لتحتضن جسدها بساعديها بينما عيناها تمطرانه عشقاً ناسب عبارتها:
_بحب أقولهالك...يمكن لأن دي أجمل حاجة فيك...حاجة مش بتبان لكل الناس ومش بيلاحظها غير اللي يقرب منك قوي ...لما بقولها ببقى حاسة إني كسبت رهاني عليك ...وإن كان معايا حق لما قفلت قلبي عليك طول السنين دي.
انفرجت شفتاه للحظة وكأنه على وشك قول شيء ما قبل أن يطبق بشفتيه بقوة وهو يشيح بوجهه ...
كل هذا كثيرٌ على تحمله !!
هذه المرأة تثير جنونه وهو لا يدري ماذا يفعل بها؟!
ليته يصدق هذا الحب الذي تزعمه ...
أو ليته يكذبه!
لكن أن يبقى هكذا يتدحرج بينهما فهو الجحيم بعينه!
لهذا حاول الهروب من هذا الحديث بأسره وهو يقول ليغير الموضوع :
_اليوم كان صعب قوي ...انتِ أكيد تعبانة وأنا كمان ...ياللا ننام .
قالها بجفاف وهو يبتعد عنها ليعطيها ظهره قبل أن ينتبه أن الغرفة بطبيعة الحال لا تحوي سوى فراش واحد ...
ذاك الذي انتبهت له هي الأخرى في نفس اللحظة فتقدمت منه لتقول بنبرتها الحيوية :
_من حسن الحظ ان السرير له مرتبتين فوق بعض ...ساعدني بس ننزل واحدة منهم ...انت عارف إني بحب نومة الأرض.
فالتفت نحوها بنظرة حادة ثم زفر بضيق وهو يتقدم نحو الفراش ليبدأ في نقل أحد "المرتبتين" إلى الأرض قبل أن تنضم هي إليه تساعده حتى انتهيا فتحركت لتحضر شيئاً ما من حقيبة سفرها تبين أنه مادة معقمة نشرت رذاذه بسرعة على كلي المرتبتين مع قولها:
_ده سبراي مطهر ومعقم عشان الدوك موسوس نظافة !
فالتوت شفتاه بابتسامة خفيفة وعيناه تنسحبان إلى حقيبة سفره التي حوت عبوة مثل عبوتها تماماً!!
جميلٌ حقاً أن تجد من يفهمك إلى هذا الحد الذي يقرأ فيه أفكارك ...
لكن الأجمل أن تقرأ أنت الآخر أفكاره ...هذا الشيء الذي كان هو عاجزاً عن فعله معها حتى الآن مع ضباب وساوسه الذي يعكر سماء أي حقيقة في حياته !!
_هاقف في البلكونة شوية.
قالها وهو يتحرك نحو شرفة الغرفة كي يمنحها حرية تبديل ملابسها ...
نظرة حنين طويلة للساقية القديمة هناك والجاثمة كشبح أسود مكانها تبدلت لنظرة رضا متدفقة وهو يتذكر مقامهما معاً سوياً منذ قليل ...
هي حقاً امرأة الألوان القادرة على صبغ الأشياء بطيفها المبهرج مهما اشتد سوادها !
لكن...هل يرغب هو حقاً في نزع الأسود من ألوانه؟!
_أنا خلصت...ممكن تغير انت كمان هدومك وأنا هافضل هنا شوية .
قالتها خلف ظهره وهي تتقدم نحو سور الشرفة فالتفت نحوها هاتفاً بحدة:
_انتِ اتجننتِ؟! هتقفي في البلكونة بشعرك كده ؟!
قالها وهو يدفعها أمامه ليغلق باب الشرفة خلفهما مردفاً بنفس الحدة:
_مايغركيش إن المكان فاضي...لو حد بس لمحك صدفة هتبقى حكاية هنا!
ابتسمت برضا من غيرته الواضحة وهي تطرق برأسها عندما تقدم هو نحو المرتبة على الأرض ليستلقي عليها قائلاً بخشونته التي ما عادت تضايقها:
_مش محتاج أغير هدومي ...هنام كده !
_أنا اللي هنام على الأرض.
هتفت بها باعتراض وهي تحاول جذبه من ذراعه لتوقفه لكنه هو الذي شدها من ذراعها ليسقطها جواره قائلاً بحزم:
_حضرتك هتنامي على السرير معززة مكرمة وأنا اللي هنام هنا ومش عايز أسمع كلمة زيادة ...
ثم التمعت عيناه ببريق عابث وهو يلاحظ اضطراب أنفاسها لقربها منه إلى هذا الحد فأردف وهو يضغط حروفه بمكر:
_لو كنتِ مصرة تنامي على الأرض معنديش مانع تيجي جنبي.
فهبت واقفة مكانها بوجنتين محمرتين لتتمتم بعتاب خجول:
_أهو الوش الوقح ده هو اللي لسه مش عارفة أستوعبه منك .
وقح؟!
هل وصفت عبارته حقاً بالوقاحة ؟!
ماذا ستقول إذن لو علمت عن خيالاته بها كل ليلة والتي يبدو أنها ستؤرقه هذه الليلة بالذات كضيف ثقيل ؟!!
شعر بحركتها على الفراش فوقه فالتفت نحوها لتنظر إليه من علو وهي ترفع عليها غطاءها قائلة :
_تصبح على خير .
ظل يتقلب مكانه لبعض الوقت بعدها متحاشياً النظر نحوها وهو يحاول التشاغل بأفكاره مع أي شيء بعيد عنها حتى سمع قولها البرئ :
_لو مش جايلك نوم...أحكيلك حكاية !
حكاية ؟!
هل هذا ما تفتق عنه ذهنها العبقري في هذه اللحظة وفي هذا الموقف ؟!
هذه المرأة إما أن تكون حقاً شديدة البراءة حد الغفلة ...
وإما أن تكون لوحاً من ثلج ؟!
وعند خاطره الأخير عاد هاجس آخر يراوده عززه شعوره بنفورها من أي تلامس بينهما ...
هل تعاني خللاً ما بهذا الشأن؟! ألهذا طلقها زوجها؟!
_يامن!
صوتها المميز يعاود اختراق هواجسه ليهزم أفكاره مؤقتاً فتنهد بحرارة وهو ينقلب على ظهره لينظر نحو السقف بشرود قائلاً:
_عمري ما حد حكالي حكاية قبل ما أنام...والدي الله يرحمه مكانش له في الحاجات دي ...كان بيشغل جنبي راديو ويسيبه مفتوح عشان يسليني ...بس أنا كنت دايماً بطفيه ...كبرت ووداني خدت على السكوت لحد ما أدمنته ...فترة قبل النوم دي بعتبرها وقتي المقدس اللي محدش عمره شاركني فيها ...حتى لما اتجوزت كان كل واحد فينا له أوضته الخاصة اللي بينام فيها لوحده .
_يعني دي أول مرة حد يقعد معاك قبل ما تنام ؟! أعتبر ده سبق حصري ليّ؟!
هتفت بها بمرحها الحيوي الذي انتقل إليه فالتفت نحوها قائلاً بنبرته العابثة:
_ما تقوليش لحد بقى أحسن تتحسدي!
صوت ضحكتها الرائقة بعدها دوى في أذنيه كأروع ما يكون قبل أن يحمل صوتها بعض الجدية :
_تعرف إنه زمان كان حلم من أحلامي إني أحكيلك حكاية قبل النوم...
ثم ضحكت بخجل لتردف:
_بتقولوا على البنات عبيطة عشان بتفكر في الحاجات دي ...بس من ساعة ما عرفت عنك كل حاجة وأنا كنت بتمنى أعيش معاك الأمومة اللي اتحرمت منها .
يالله!!
ألن تكف هذه المرأة عن إبهاره؟!
عن نشر الفوضى في عالمه الرتيب؟!
عن تكبيله بهذه البساطة الخانقة ؟!!
ماذا عساه فاعلاً بها ؟! وهل يملك أصلاً حق الاختيار؟!
هو ينحدر معها بنفس السرعة من على نفس الجرف منتظراً السقوط ...
لعلهما يلتقيان على السفح بعدما خاب لقاؤهما على القمة !!
_يامن.
_مممم.
_هاحكيلك حكاية .
_احكي يا شهر زاد ... بس قصّري مابحبش الرغي!
قالها مدعياً عدم الاكتراث وهو يغمض عينيه ليستمتع بصوتها الذي انساب في أذنيه كنهر من عسل ...
حكاية خيالية حملته لعالم سحري لم يدخله منذ زمن بعيد ليشعر وكأنما تبدلت روحه بأخرى تطوف معها في سموات بلا أسوار ...
الدقائق تمر في عدوها كثوانٍ خاطفة...
وأنفاسه تسكن أخيراً بعد طول صخب ...
لقد سمعهم يقولون يوماً إن بداخل كل رجل طفلاً ...
مقولة أغضبته وقتها لكنه الآن يشعر بها أصدق ما تكون ...
مرحباً بطفولة كهذه لو تنتهي بحكاية بصوتها ...وعناق يعلم أنه لن يناله ...على الأقل هذه الليلة !
بدأ صوتها في التثاقل مع تثاؤبها فابتسم دون أن يفتح عينيه حتى اختفى صوتها تماماً منبئاً باستسلامها للنوم سريعاً كعادتها بعكسه هو الذي يضنيه الأرق كل ليلة ....
انتظر لبعض الوقت ثم فتح عينيه ليصطدم بمرأى ذراعها الذي تدلى جوارها ليسقط قربه...
اتسعت ابتسامته وهو يقترب بجسده أكثر ثم مد أنامله ليمسك كفها المتدلي بحذر ...
رأسه يرتفع كي تلثم شفتاه خاتمه الملون في إصبعها بخفة ثم يعود مكانه شاعراً بلذة لص نال غنيمة سهلة...
لكنه لم يترك أناملها من يده بل شد عليها برفق يضمها نحو صدره قبل أن يستسلم بدوره لنوم عميق يقسم أنه لم ينعم به منذ زمن ...
========
_هنرجع بكره؟!
سألته بنبرة حملت الكثير من الخيبة وهي تسير معه في أحد الحقول القريبة من بيت عمه فزفر بضيق هو الآخر مجيباً :
_للأسف مضطرين...فرح رانيا قرب قوي ولازم ألحق أجهز اللي ناقصها .
ابتسمت وهي تلتفت نحوه لتقول بعفوية:
_طيبة قوي رانيا .
_طيبة بس ؟! دي غلبانة...أكتر واحدة بحمل همها في الثلاثة...هانيا قوية وداليا قادرة ...لكن رانيا بتغرق في شبر مية .
قالها وهو يتناول كفها ملاحظاً أنها لا تبادر أبداً بهذه الحركة رغم
استسلامها المستحدث لها ...
فعادت برأسها للأمام قائلة:
_بس اللي عرفته إن خطيبها بيموت فيها من صغرهم...الحب اللي زي ده هو الضمان الحقيقي لأمان أي ست .
ضحك ساخراً ليرد :
_الحب ده عامل زي وعود السياسيين ...بيلمع وشكله حلو ويطمن ...لكن وقت الجد بيطلع مجرد كلام.
هزت رأسها بيأس من مجادلته ثم أشارت لجسر قديم هناك لتقول بعزم:
_لا...الحب زي الجسر اللي هناك ده ...محتاجينه عشان نعدي ومانقعش في بحر حزننا .
_أديكي قلتيها ...عشان بس نعدي ..لكن محدش بيعيش عمره كله فوق جسر!
قالها بمرارة ساخرة فرفعت إليه عينيها صامتة للحظات قبل أن تهمس له بيقين:
_أنا معنديش مانع أعيش عمري كله فوقه...بس بشرط...ما يقعش بيا.
أشاح بوجهه بضيق حقيقي وهو يفهم مغزى عبارتها ...
لكنه لايزال عاجزاً عن منح أي وعود ...
أما لهذه الحيرة من نهاية؟!
_تعال هنروح هناك ...الصور عليه هتبقى تحفة.
قالتها بنبرتها الحيوية القادرة على انتزاع سعادتها من بين أنياب اليأس فضغط كفها في راحته مطرقاً برأسه وهو يتوجه بها نحو الجسر القديم الذي تآكلت بعض أجزاء من سوره لكنه بقي قوياً صامداً .
سارت معه فوقه في ذاك الوقت المتأخر من عصر اليوم حيث خلا المكان إلا منهما لتلتقط لهما بعض الصور ...
قبل أن تستند على سوره لتنظر للأفق البعيد قائلة :
_يمكن بحب قعدة الأرض بس بحب أكتر النظر للسما...بحسها شباك
لأحلامنا اللي جاية .
ابتسم وهو يستند مثلها على السور ليقول بتهكم:
_تعرفي إنك بتصعبي عليّ قوي؟! لو كنت فعلا مقتنعة بالأمل اللي
ماليكي ده تبقي غلبانة....عمرك شفتِ حد حقق كل أحلامه وسعيد في حياته ؟!
فالتفتت نحوه بنظرة عميقة لتهمس بخفوت:
_أنا دلوقت حققت أجمل حلم وأنا معاك.
اختلجت عضلة فكه فاضحة تأثره بحديثها لكن طبيعته الوسواسية كانت له بالمرصاد ...
لن يصدقها ...لن يأمن لها ...كلهن يظهرن هكذا في البداية قبل أن يتبدل جلدهن كالأفاعي.
وبهذا الخاطر الأخير زفر بقوة وهو يشيح بوجهه عنها ليلفهما بعدها صمتٌ ثقيل قطعه صوت أحد الأطفال من أقاربه والذي كان يعدو نحوهما حاملاً قطعتين كبيرتين من المثلجات ليهتف أمام ياسمين:
_بتحبي الفراولة زيي؟!
عقد يامن حاجبيه بضيق وهو يتطلع لقطعة المثلجات التي بدت يدوية الصنع دون حتى غلاف يبين مصدرها ...لكن ياسمين تناولتها ببساطة لتقول بلطف :
_طبعا...بموت فيها ...شكراً إنك افتكرتني.
ابتسم الصغير برضا وهو يناول يامن القطعة الأخرى لكنه هتف بها بخشونة:
_جايبها منين دي ؟! من تحت السلم ؟! ما تاكلش غير حاجات مغلفة ومضمونة !
قالها ثم انحنى ليلقيها جانباً بسرعة لكنه اصطدم بنظرة الصغير الخائبة عندما استقام ...
تلك النظرة التي لم تحتملها ياسمين فرفعت قطعتها نحو شفتيها لتلعق طرفها باستمتاع قائلة للصغير:
_متزعلش...أنا هاكل بتاعتي.
قالها وهي ترمق يامن بنظرة عاتبة لكنه هتف بها بحنق:
_هتاكلي آيس كريم في الجو ده ؟!
_عشان خاطره!
قالتها وهي تنحني على الصغير لتقبل رأسه بحب فما كان منه إلا أن طوق خصرها بذراعيه الصغيرين قائلاً بدفاع طفولي:
_باكل منها كل يوم ومابتعبش !
ضحكت ياسمين وهي تتابع تناول قطعتها ناظرة ليامن بتحدٍّ مغيظ فما كان منه إلا أن هتف :
_براحتكم...
ثم أعطاهما ظهره ليردف:
_أنا هاروح مع عمي مشوار قريب ...مش هتأخر ...ارجعوا انتم الدنيا بردت.
لم ينتظر موافقتها وإن شعر بضيقها ورغبتها في صحبته ...والواقع أنه هو الآخر كان يرغب بهذا ولهذا -بالضبط- منع نفسه عنه بكل قوته وهو يبتعد بخطوات سريعة عنهما وكأنه يهرب من مشاعره نحوها التي تتملكه يوماً بعد يوم ...
كانت الدقائق تمر عليه متثاقلة بعدها وهو يلعن نفسه أن تركها وحدها لهذا ما كاد ينهي الأمر الذي خرج لأجله مع عمه حتى طالبه بسرعة العودة للبيت ....
_وحشتك عروستك يا "دكتور"!
قالها عمه بمكر لم ينقص من حنان نبرته فاحمرت أذنا يامن وهو يرد ببعض الخشونة متجاهلاً عبارته:
_تعبان ...ومصدّع ...ما نمتش كويس امبارح.
لكن الرجل ربت على كتفه ليسير جواره في طريق العودة قائلاً بجدية هذه المرة:
_ناوي تكرر الزيارة ؟! واللا هترجع تهرب تاني؟!
_أهرب من إيه؟!
_من نفس اللي كان أبوك الله يرحمه بيهرب منه ؟!
قالها عمه بنبرة ذات مغزى فازداد وجه يامن انفعالاً وهو يرد بعصبية:
_محدش ضربني على إيدي عشان آجي يا عمي ...أنا جيت عشان كنت عايز كده ...وماعادش فيه حاجة تخليني عايز أهرب.
_ياريت يا ابني...ياريت تكون مصدق كده بجد .
أنهى بها الرجل كلامه ليتجاوز الحديث عن هذا الأمر بآخر أكثر مرحاً طوال الطريق حتى وصلا إلى البيت ولم يكادا يصلان حتى استقبلته زوجة عمه بقولها القلق:
_شوف مراتك مالها يا دكتور .
انعقد حاجباه بقلق وهو يسألها عن الأمر لتجيبه بحيرة :
_كانت زي الفل وقاعدة وسطينا ...مراة ابن عمك جابت الحنة عشان ترسم لها إيدها وهي كانت فرحانة ...بس أول ما كشفت ذراعها ورجليها لقينا لون وشها راح وقعدت تترعش وبعدين اتفطرت في العياط...طلعتها أوضتها وغطيتها وقعدت تتحايل عليّ أسيبها لوحدها .
فازداد انعقاد حاجبيه وهو يدرك خوفها المغالي من تكشف جسدها أمام الآخرين ...ليقول بصوت مشتت:
_هتلاقيها بس أخدت برد ...الجو قلب مرة واحدة .
قالها ثم اندفع عدواً نحو الدرج المؤدي لغرفتهما التي طرق بابها ليفاجأ بخلو الفراش منها ...
ومن الحمام القريب سمع صوت تأوهاتها فتوجه نحوه ليجدها منحنية على الحوض تمسك بطنها بألم ودموعها تغرق وجهها ...
_مالك ؟! فيه إيه؟!
هتف بها بجزع حقيقي وهو يلاحظ شحوب ملامحها فالتفتت إليه لتتمتم ببضع كلمات مطمئنة ثم عادت تنحني على نفسها قبل أن تفرغ ما ببطنها في الحوض ...
لم يشعر بنفسه وهو يقترب منها ليحتضن ظهرها بذراعيه وهو يربت على رأسها برفق حتى انتهت ...
غسل لها وجهها برفق ثم أسند جسدها شبه المتهاوي ليذهب بها إلى الفراش حيث استلقت بين أنينها المكتوم ودموعها التي أغرقت وجهها ...
انقبض قلبه خوفاً لكنه هرع إلى عمه ليطلب منه استدعاء طبيب قبل أن يعود عدواً إليها ليجلس جوارها على الفراش صامتاً...
كل عروق وجهه كانت نافرة بانفعال لكن لسانه بخل كالعادة بأي كلمة !
ولم يكد الطبيب يصل حتى هب واقفاً مكانه بتحفز وصل حدوده القصوى وهو يراه يكشف بعض ملابسها ليتفحصها قبل أن يطمئنهم بدعواه أن الأمر بسيط ولا يزيد عن كونها أكلت شيئاً ملوثاً .
ولم يكد الطبيب ينصرف بعد إعطائها حقنة خاصة لوقف القيء حتى التفت نحوها وقد هدأت ملامحها قليلاً ليرمقها بنظرة حملت غضبه المكتوم ولازال لسانه منعقداً...
_عشان مافيش فايدة فيكي...دماغك ناشفة وتصرفاتك كلها غلط ...حد ياكل ايس كريم في الجو ده ؟!
صرخ بها أخيراً بعنف أجفلها وهو يجلس جوارها فجأة على طرف الفراش فسعلت لعدة مرات قبل أن ترمقه بنظرة دافئة طويلة سبقت همسها :
_ممكن تبطل طبعك ده وتعمل الحاجة اللي نفسك دلوقت تعملها بس بتكابر؟!
ظلت ملامحه متجهمة للحظات وكأنه لم يفهمها قبل أن يميل عليها فجأة ليعتصرها بين ذراعيه وهو يدفن وجهه في تجويف عنقها ...
فابتسمت بحنان لتحتضنه بدورها مع همسها الواهن:
_انا مبسوطة قوي...اول مرة النهارده اشوف في عنيك خوفك عليا !
قالتها وهي تعني كل حروفها ...ومن يفهمه مثلها؟!
هي وحدها كانت تقرأ في صمته السابق كل ما مشاعره التي عجز عن البوح عنها ...
لهذا لم يكن عجيباً أن تشبثت به أناملها بكل قوتها بينما رفع هو رأسه إليها أخيراً بحاجبين منعقدين مع همسه الخشن:
_ليه بيحصللك كده ؟! مش حكاية آيس كريم ولا برد...مراة عمي حكتلي على اللي حصل تحت ...مش عايزة تقوليلي إيه حكاية خوفك من إن الناس تشوف جسمك ؟!
أغمضت عينيها بقوة وأصابعها المتشبثة به تتراخى تدريجياً حول ظهره لكنه لم يسمح لها بهذا الابتعاد ...
ليس وقد صار بهذا القرب...
فعاد ينحني ليضمها إليه من جديد بقوة للحظات طالت وقد قرر عدم الضغط عليها مادامت ترفض الحديث بكل هذا العزم ...
وأخيراً ابتعد عنها بجسده ليربت على وجهها برفق ففتحت عينيها بصعوبة لتهمس بخفوت:
_يامن...أنا بحبك قوي.
فارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة ثم عاد يميل على وجهها ليمس شفتيها مسة خفيفة بشفتيه وقد تذكر نفورها المعهود ...
قبل أن يبتعد ليقول بسخريته الخشنة:
_عرفتِ ليه بقوللك انك كارثة ؟!
أغمضت عينيها بابتسامة شاحبة فعاد يربت على وجنتيها بخفة مردفاً:
_هاقوم أنا أطمن عمي ومراته وأسيبك تستريحي ...هنأجل سفرنا لبكرة تكوني بقيتي أحسن .
_ورانيا؟!
تمتمت بها باعتراض ليرد دون تفكير:
_صحتك أهم.
عادت ابتسامتها تزين شفتيها قبل أن تستسلم لنداءات جسدها المنهك فأغمضت عينيها هانئة بشعورها المستحدث بعاطفته نحوها ...
بينما كانت عيناه تمشطان ملامحها بمزيج من قلق ولهفة و....
شعور آخر لايزال يأبى الاعتراف به !
=========
وقفت في نافذة الغرفة بعدما أتمت استعدادات الرحيل ترمق المشهد الرائع أمامها بنظرة راضية ...
ثم حانت منها التفاتة لتلك "القُلّة الفخارية" المستندة على سور النافذة فابتسمت وهي تتناولها لتشرب منها قبل أن تسمع صوته خلفها:
_انتِ هتشربي كده عادي؟! انت عارفة مين شرب منها قبلك ؟!
فالتفتت نحوه بنظرة عنيدة وهي تكمل ما تفعله قبل أن تزيحها من على فمها لتقول له بنبرتها العاشقة لكل ما تؤمن به:
_انت عارف اننا بنشرب ماء ميت ؟! التجارب اللي عملوها أثبتت إن الطاقة الحيوية للماء بتضيع كلها لما بيتحط في أزايز بلاستيك أو إزاز ...ربنا سبحانه وتعالى بيقول "خلق الإنسان من صلصال
كالفخار"...ولأن الفخار أقرب مادة لتكويننا فالماء فيه مابتتغيرش خواصه المفيدة لينا ...كمان اكتشفوا إن الأواني الفخارية بيقل تكاثر البكتيريا فيها وهي أصح مادة ممكن نستعملها للشرب .
_ما اختلفناش...بس برضه ماتشربيش مكان حد .
قالها بعناد فابتسمت وهي تعطيها له قائلة:
_بذمتك ...مش نفسك تشرب منها دلوقت؟!
أشاح بوجهه مكابراً فعلا صوت ضحكتها لتحاصره بالمزيد من كلماتها :
_مرة واحدة انسى كل قواعد "الانفيكشن كونترول" دي وعيش حياتك من غير قوانين ...صدقيني هتلاقيها أمتع.
_أفهم من الضحكة دي إنك خلاص بقيتِ كويسة النهارده ؟! متأكدة إنك ممكن تسافري؟!
قالها وهو يعود إليها ببصره متجاهلاً عبارتها فأومأت برأسها لتقول برضا:
_الحمد لله ...
لم تكد تتم عبارتها حتى اندفع بعض أطفال عائلته ليدخلوا عليهما الغرفة بجلبة شديدة قبل أن يحاصروا ياسمين بعباراتهم الصاخبة وعناقاتهم الدافئة...
ابتسم رغماً عنه بعاطفة وهو يراها تضع ما بيدها جانباً كي تتمكن من معانقة كل منهم على حدة ...
ثم خفق قلبه بقوة وهو يرى قبلاتها الحارة التي أتبعت أحضانها لهم تكاد تلهب صدره ...
عقد حاجبيه بضيق وهو يرى أثر هذا في نفسه فأشاح بوجهه محاولاً كظم غيظه وغيرته التي لا يدري لها مبرراً هاهنا ...
لكنها شعرت بحدسها بما يدور بخلده فهتفت بالصغار:
_آخر حدوتة قبل ما امشي هاحكيهالكم عند الساقية ...روحوا استنوني هناك.
هلل الأطفال بصخب ثم غادروا الغرفة بعاصفة ضاحكة ولم تكد تختلي به حتى التفتت نحوه لترمقه بنظرة مترددة طويلة...
قبل أن تفعل آخر ما توقعه منها !
أجل...لقد استطالت فجأة على أطراف قدميها لتمنحه قبلتين سريعتين على وجنتيه نقرتهما نقراً قبل أن تهمس له بمزيج من خجل ودلال:
_عشان ماتبقاش غيران.
اتسعت عيناه قليلاً وهو يشعر بحركتها البسيطة هذه تجتاحه كبركان ...
لا...ليس الأمر فقط مذاق لمستها الذي صار يؤرقه بنكهته التي تميزها ...
لكن كونه يدرك أنها تفعلها الآن مجاهدة نفسها النافرة من تلامسهما فقط لإرضائه !!
ومع هذا لم تمنحه هي الفرصة للمزيد عندما هربت من أمامه بسرعة لتخرج من الغرفة كي تلحق بالصغار تاركة إياه خلفها يكاد يشتعل بكل ما يموج في صدره من مشاعر ...
ودون وعي وجد نفسه يتجه نحو "القلة الفخارية" التي تركتها لتوها هناك يشرب منها ...
ناسياً أو متناسياً كل ما كان يزعمه من حذر وريبة !!
ولما ضبط نفسه متلبساً بهذا وجد ابتسامة غريبة تغزو شفتيه مع تحسس أنامله لوجنتيه بفخر ذكوري وجد صداه في نفسه ...
ابتسامة لم تفارقه بعدها وهو يودع عائلته بحرارة قبل أن يستقر جوارها في القطار العائد بهما ...
ابتسامة تتسع الآن كثيراً وهو يراها تمسك بهاتفها تراجع ما التقطته هناك من صور وملامحها تفضح سعادة ورضا حقيقيين جعلاه يحيط كتفيها بذراعه هامساً:
_اتبسطتِ هناك؟!
_جداً .
_أنا كمان مكنتش عايز أرجع.
قالها مطرقاً برأسه فتنهدت لتمسك كفه هامسة بيقين:
_لازم ترجع ...عندك كام باب مفتوح لازم تقفلهم قبل ما تقدر تكمل حياتك زي ما بتحب .
أومأ برأسه موافقاً ثم قال بشرود:
_كنت محتاج الرحلة دي قوي ...كأن كان فيه حاجة جوايا تايهة ولقيتها .
_أنا كمان حبيتها جداً ...لو جيت انت هنا تاني من غيري قل لهم إني حبيتهم قوي.
رفع إليها رأسه فجأة بحدة وهو لا يدري بماذا يرد ...
كعادتها تتشبث أناملها بحكم عقلها في فراق تدرك أنه آت ..
وكعادته يرخي قبضته حول حبل العشق الذي تمده له كي لا يغرق ...
هي الناجية بقلبها يطفو فوق بحر حزنها خفيفاً برقته...
وهو الهالك بين موج يداهمه مثقل القلب بأوزاره !
لهذا أشاح بوجهه عنها كعادته كلما عجز عن مواجهتها متظاهراً بالتركيز في الطريق ملثماً بصمته ...
صمته الذي ردته له بسكوتها هي الأخرى طوال الطريق حتى وصلا إلى بيته ...
فتح الباب الخارجي للبيت ثم سار جوارها نحو الداخل ليلاحظ تعلق بصرها ب"أرجوحتها يدوية الصنع" هناك ...
فابتسم بحنان جارف قائلاً:
_وحشتك المرجيحة؟!
عيناها تلتمعان بمرحها الحيوي رغم إرهاق السفر ثم تبتسم دون رد ...
وفي بضع ثوانٍ كان قد ألقى حقيبة السفر جانباً ليحملها فجأة من خصرها ثم يعدو بها نحو الشجرة التي علقت بها الأرجوحة...
ضحكاتها العالية حد الصرخات يعلو صوتها حولهما فلا يشعر بنفسه وهو يشاركها فيها قبل أن يجلسها مكانها ليؤرجحها بسرعة معقولة قائلاً بين أنفاسه اللاهثة:
_مش هتقولي حاجة ؟!
هزت رأسها بتساؤل ووجهها يشع بفرحة عاشقة ليغمزها هامساً بمكر:
_شكراً يا طيب!
ضحكت بانطلاق وهي ترفع وجهها للسماء لتبدو في عينيه كشمس أخرى سقطت على الأرض له وحده ...
"عروس البحر" التي سبحت ضد التيار لتخرج من عالمها الملون إلى
عالمه الأسود!
_كفاية ...زمانك تعبان!
همست بها وهي تلاحظ شروده الحالم فيها والذي طال لدقائق فانتبه إليها ليوقف الأرجوحة ثم اقترب منها ليحتضن وجهها بين كفيه صامتا...
لا ...لم يكن صامتاً...عيناه كانتا تحكيان الكثير ...
الكثير الذي قرأته عيناها ليمنحها أملاً جعلها تبسط كفيها على صدره هامسة بيقين :
_يامن انت مبسوط بجد !..عنيك بتلمع اللمعة اللي أنا عارفاها ...انت عارف ده عندي يساوي إيه ؟!
شفتاه ترتجفان بما بدا كابتسامة لكنها قرأته كاعتراف ...
خاصة عندما انتقلت أنامله من وجهها لخصرها كي ينزلها أمامه ...يقربها منه أكثر حد امتزاج أنفاسهما ...
دقات قلبيهما كانت تدوي هادرة لكن غيمة النظرات بينهما كانت تمطر سكينة .
_اسمع قلبك يا يامن...قلبك مصدقني...لو صدقته هابقى كسبت أكبر حرب في حياتي .
همست بها بحرارة جعلت عينيها تدمعان فمال على وجهها يقبل عينيها بحنان ارتجف له جسدها بين ذراعيه ...
قبل أن تسافر شفتاه على محيط وجهها ناثرة قبلات ليست كالقبلات ...
ربما لهذا قاومت "جحيماً" تعيشه وحدها منذ عهد بعيد ..
جحيماً تحترق به ويزداد اشتعالاً كلما لامسها ...
لكنها الآن تشعر بمطر حنانه يطفئه ...يريحها ولو قليلاً من هواجس ماضٍ أليم ...
ذراعاها يرتفعان لتتعلقا به أكثر ...تتشبث به تشبث الهاوي بحافة المنحدر ...
_بحبك...
لم تدرِ كم مرة قالتها ...
ولا هل كانت تقولها له ...لترضيه...
أم تقولها لنفسها كي تصرف عن ذهنها ماضيه!
_بحبك .
كلمة كانت تخرج من شفتيها مباشرة كسهم صائب نحو قلب يصدقها...يهفو إليها ...يقدسها ...
ويدفع فرط دقاته دقة دقة كي يعيش العمر متنعماً بها بعد كل ما لاقاه !
_بحبك...
لكنها للأسف ...كانت تصطدم بجدران عقل عنيد أرهقته وساوسه ...
فاستحق لعنة القدر التي تمثلت في رنين هاتفه بآخر اسم يود رؤيته
الآن...
سيلين!!
=======
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!