الفصل 17 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السابع عشر 17 - بقلم سينابون

المشاهدات
17
كلمة
11,560
وقت القراءة
58 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

القطعة السابعة عشرة


************


دخلت عليها غرفتها لتجدها ممددة في فراشها تغطي وجهها بذراعها فتنهدت بحرارة لتجلس جوارها قائلة :


_إزيك يا داليا ؟! ممكن نتكلم شوية ؟!


_عايزة تديني محاضرة انتِ كمان ؟!


غمغمت بها داليا ببرود تعِس غريب على طبيعتها التي تعرفها ياسمين ...


والتي تأملتها بالكثير من الإشفاق !


رغم بداياتهما المشتعلة معاً لكنها تشعر أن داليا ليست أكثر من طفلة ترتدي ثوباً أكبر منها ...


طفلة افتقدت القدوة...أو -فلنقل- أساءت اختيارها في صورة بيللا الخادعة !


وعندما حلقت بجناحيها نحو ما ظنته نوراً كادت تحترق!


_لا ...مش هاتكلم معاكي خالص عن اللي فات...خللينا نتكلم في اللي جاي.


قالتها ياسمين وهي تزيح ذراعها عن وجهها ليصدمها شحوب ملامح داليا الواضح وعينيها الذابلتين من فرط البكاء...


والتي انتفضت الآن مكانها لتهتف بها بحدة :


_لو يامن اللي باعتك قولي له مالوش لازمة كل ده ...أنا أهه حسب أوامر سيادته محبوسة في أوضتي ومش هاخرج منها لحد ما أموت ...استريحتوا؟!


انتهت عبارتها بشهقة بكاء استسلمت له سريعاً ومشاهد تلك الليلة البشعة تعاود غزو مخيلتها ...


تأثير الكحول شتت ذهنها ليلتها فلم تسترد وعيها الكامل إلا في اليوم التالي لتصدمها بشاعة التفاصيل !


الظلام...مشاعل النار ...الخيام...صوت الموسيقا الصاخبة...


يد الرجل الغليظة تمتد لها بالكأس...


وابتسامة معتز الشيطانية وهو يغادر الخيمة ليتركها له !


كأنها مجرد عاهرة يسلمها بلا ثمن !!


ولولا الظروف لكان قد انتهكها بلا رحمة !!


"الظروف" أم "مروان"؟!


لا!


لن تعترف لذلك "القبيح" بفضل ...أي فضل!


ازدادت حدة بكائها وهي تشعر بأنها حقاً سيئة!


لم تشعر في حياتها أنها تكره نفسها كما الآن!


تلك الليلة استخرجت أسوأ ما فيها لتجد نفسها مجرد أمة لشيطانها...


بداية من خروجها مع معتز وانتهاء باتهامها البشع لمروان !


لقد أفسدت أنانيتها إنسانيتها!


وها هي ذي تفسد بوشاية صداقة عمر !


ضمتها ياسمين لصدرها وهي تربت على شعرها مدركة شعورها ...


ما مرت به ليس هيناً على الإطلاق...


ويامن زاد الطين بلة عندما أصدر قراره بحبسها في البيت ...


ليس هكذا تحل أمور فتاة متمردة كهذه !


لهذا تنحنحت بخفوت لتقول لها بحنان لا تدعيه :


_يامن خايف عليكي...كلنا...كلنا خايفين عليكي...مش هاقوللك إن اللي حصل ليلتها سهل نعديه كلنا...بس على الأقل نحاول...محدش بيتعلم ببلاش...المهم تفكري في بكرة.


حنانها الصادق مس قلب داليا التي وجدت نفسها تتشبث بعناقها ...


رغم حدة هتافها بعدها :


_وهو فين بكرة ده وهو حابسني في البيت زي المجرمين؟!


_اثبتيله إنك اتغيرتي وهو شوية شوية هيرخي الحبل .


قالتها ياسمين ناصحة وهي تدرك شدة عناد يامن ...لكنها تدرك أيضاً عمق حنانه خاصة لهذه الصغيرة ...


أشاحت داليا بوجهها في عدم اقتناع لتردف ياسمين بنفس النبرة الحانية:


_انتِ ماتعرفيش يامن بيحبكم أد إيه...ده كان هيتجنن ليلتها ...كل اللي بيعمله ده من خوفه عليكي...


ثم أدارت وجهها نحوها لتردف :


_انت بنت ذكية...وبتعرفي توصلي للي انت عايزاه...العبيها صح المرة دي واكسبي ثقته ...يامن شكاك وموسوس بس قلبه مفيش أطيب منه...اكسبيه من تاني هو مش عدوك ...ده أكتر واحد خايف عليكي.


عادت عينا داليا تمتلئان بالدموع فاحتضنتها ياسمين لبعض لحظات أخرى قبل أن تقول لها ببعض المرح:


_بيقولوا إنك مش راضية تاكلي...بس أنا مصرة تتغدي النهارده من إيدي...إيه رأيك ؟!


عضت داليا شفتها ثم أومأت برأسها فقبلت ياسمين وجنتها لتقوم ...


لكنها توقفت قليلاً قبل مغادرة الغرفة لتسألها بتردد:


_هسألك سؤال،ولو مش عايزة تجاوبي مش هاضغط عليكي...


اختلست داليا نظرة خاطفة نحوها لتردف ياسمين وهي تتفحص ملامحها باهتمام :


_هو فعلاً مروان عمل اللي قلتيه ليامن ؟!


ارتجفت شفتا داليا بوضوح للحظات ثم ازدردت ريقها لتقول باقتضاب:


_أنا ما بكدبش.


ظلت ياسمين تتفحصها للحظات وقد ظهر الجواب على وجهها واضحاً...


قبل أن تتنهد بحزن آسف لتغادر الغرفة مغلقة الباب خلفها برفق...


بينما مسحت داليا دموعها وهي تشعر بضميرها يخزها ...


موقفها المخزي من مروان ليس له ما يبرره إلا رغبتها في التمرد على كل ما يفرضه عليها يامن ...


لو لم تقلب المائدة على رأسه ليلتها كان يامن سيوافق على خطبتهما خاصةً بعد إنقاذه لها ...


لم يكن أمامها حل آخر !


هذا ما أسكتت به ضميرها وهي تقول لنفسها بمكابرة:


_بكرة الأيام تنسيهم ويتصالحوا...ياما بيحصل بين الأصحاب.


ولو صدقت نفسها لأيقنت أن عقلية موسوسة كيامن لن تأمن لمروان بعد هذه العاصفة !


زفرت بسخط وهي تتناول هاتفها لتفتح رسائل "المجهول"


منذ تلك الليلة العصيبة وهو لا يرد على رسائلها رغم أنها أرسلت له الكثير ...


كم تحتاجه الآن في عزلتها الانفرادية هذه !


تحتاجه أكثر من أي وقت مضى !!


تحتاج أن تبوح له بكل ما حدث ...


حتى ولو سقطت من نظره للأبد !


_أين أنت؟!


كتبتها بمزيج حروفها ودموعها لتراقب الهاتف بعدها بحسرة وهي تشعر بالمزيد من الانهيار ...


وفي عمله كان هو يخلع معطفه عندما شعر باهتزاز هاتفه ...


تناوله ليرمقه بنظرة متصلبة جامدة وهو يراقب رسالة أخرى من رسائلها التي لم تنقطع منذ تلك الليلة ...


مزيجٌ عاصف من مشاعره يعصف به في هذه اللحظة...


احتقار...


لهذه التي خانت ثقة أهلها وكادت تفقد نفسها بلا ثمن !


اشمئزاز...


من كذبتها التي انطلت على صديق عمره لتصمه بما لم يفعله بعد إنقاذه لها !


شفقة...


على حيرتها وضياعها وتخبطها كأنها لا تعلم ماذا تريد بالضبط !


سخرية...


من هذه التي رفضته بكل حدة لترجوه الآن الرد غافلةً عن حقيقة كينونته!


وجع...


منها ...ولها ...!!


وأخيراً...حبٌ...


حب لم يفقد مكانه على قمة الهرم وسط كل هذه المشاعر المتخبطة !!!


عقله وكبرياؤه يأمرانه بتجاهل المزيد من رسائلها حتى تيأس وتكف عن إرسالها ...


لن يسمح لنفسه بمزيد من السقوط في بئر حبها !!


لهذا أعاد الهاتف لجيبه وهو يتناول مفاتيحه ليغادر المشفى الذي يعمل فيه ...


استقل سيارته ليقودها متجاهلاً المزيد من اهتزاز هاتفه الذي تعمد وضعه في جيب سترته جوار قلبه في إشارة ساخرة لوضعهما الغريب هذا ...


لعل هذا الاهتزاز يهدئ حسرة قلب موجوع بحب يائس!


وصل لبيته فركن السيارة ليزفر بقوة وهو يتناول الهاتف ليقرأ آخر رسائلها ...


_رد...أرجوك...أحتاجك...أحتاجك جداً.


ضم قبضته بقوة جواره وهو يشعر بالصراع بين قلبه وعقله يزداد وجيبه ...


لكن رجاءها الأخير حسم الصراع وهو يأتيه بصورتها ...


لا...ليست صورتها الفاجرة بثوبها العاري ...


ولا تلك الصارخة بكرهها له وافترائها عليه ...


بل بتلك القديمة لها ...طفلة تبكي وحدها على الدرج !


والتي يدرك الآن أنها -رغم مرور هذه السنوات- لا تزال تسكن جنباتها وتدفعها لهذه الأفعال الطائشة ...


لهذا تنهد بحرارة وهو يكتب لها متقمصاً دور الصديق:


_آسف...كنت مشغولاً...كيف حالك؟!


_لست بخير.


_ماذا حدث ؟!هل حققتِ حلمك تلك الليلة؟!


كان يشعر بالندم من استمرار علاقته الغريبة بها هذه والتي يعلم أنها لن تفضي لشيئ مادامت ترفضه كشخص...


لكنه كان يراها طريقته الوحيدة للاطمئنان عليها ...وحمايتها...


هذا الذي لن يكف عن فعله طالما هي تطلب دعمه!


_أريد التحدث ...لا الكتابة.


عقد حاجبيه بترقب لينتظر رسالتها الصوتية التي حملت له دموعها مع ما كانت ترويه باستفاضة عما حدث ليلتها ...


فازداد انعقاد حاجبيه مع سماعه للرواية من وجهة نظرها هي ...


كيف غرر بها ذاك الوغد مستغلاً رغبتها في التمثيل ...


كيف غابت عن وعيها جزئياً بتأثير الخمر لتفيق على الكارثة...


كيف انتهت الليلة بظهور يامن وطلب صديقه "المنقذ" للزواج منها ...


وكيف كذبت لتتخلص منه !


غص حلقه بمرارته وهو يسمعها تتحدث عن "مروان" الذي تراه بعينها ل"مروان" الذي تعرفه ب"قلبها"...


لم يكن يتخيل أن الفارق بينهما شاسعٌ هكذا !


"الأصلع القبيح" ..."البغيض"..."المطارد"..."صديق يامن المعقد مثله" !


كل هذه الأوصاف التي أسهبت في سردها بانطلاق وسط فيض دموعها الشاكي ...


لتنتهي بوصف ندمها على كذبها تلك الليلة لكنها كانت طريقتها الوحيدة كي لا تتورط في هذه الزيجة !


أطلق آهة عميقة وهو يعيد سماع تسجيلها مرة بعد مرة مقنعاً نفسه بالتريث في الرد ...


لكن أي تريث بعد ما سمعه ؟!!


هل بقي في قصتهما المزيد ؟!!


فليُنهِها لكن...بطريقة لائقة !


وليكمل تقمص دوره الذي اختارته هي له !


_آسفٌ لأجل ما حدث وأدرك حجم المعاناة التي تعرضتِ لها ...أخطأتِ في افترائكِ على ذاك الرجل ليلتها....لكن...لم تخطئي في رفض الزواج منه...هو ليس صاحب فضل عليكِ...أي رجل حار الدماء مكانه كان سيفعل مثله ...فتاة جميلةٌ مثلك تستحق الأفضل...لا هذا "الأصلع القبيح"!


قرأت رسالته لعدة مرات وهي تتمنى لو كان أرسلها بصوته بدلاً من كتابتها ...


لكن مهلاً...لماذا تشعر بأن شيئاً ما في حديثه مختلف...


هل تشوهت صورتها في عينيه بعد ما روته؟!


لم تعد حبيبته النقية التي رسمها في خياله ؟!


ترجمت خاطرها الأخير لرسالة أخرى صوتية رد عليها بأخرى مكتوبة ...


_توقفي عن البكاء وكوني واثقة...مهما حدث...لن تتغير صورتك في عيني كما لن تتغير في قلبي .


ابتسمت وسط دموعها التي مسحتها بسرعة وهي لا تدري بماذا ترد ...


هذا بالضبط ما تحتاج سماعه الآن ...


لو طاوعت قلبها الآن لاعترفت له في التو واللحظة أنها تحبه !


جنون؟!


نعم ...جنون !!


أن تعشق رجلاً لا تعرف عنه أي تفاصيل سوى أنه يحبها إلى هذا الحد...


يفهمها إلى هذه الدرجة...


يحتويها بكل هذا الحنان ...


يمنحها العالم السحري الذي لا يملك مفاتحه غيره !


لكنه عاجلها برسالته :


_سأسافر غداً ...ولن أستطيع محادثتك لوقت لا أعلمه....سأعاود التواصل معك عندما....أستقر!


لم تكن الصدمة من نصيبها وحدها وهي تتلقى رسالته بل من نصيبه هو الآخر ...


هو الذي وجد هذه "الكذبة" تقفز سريعاً لذهنه في طلب من نفسه ب"هدنة"!


هدنة يستريح فيها من صراع نفسه هذا !


لن يستطيع الاستمرار في التواصل معها ...


تماماً كما لن يستطيع التخلي عنها ...


يالله !


راحة !


فقط راحة قصيرة من حربها المهلكة هذه قبل أن تستنزفه عن آخره ...


بينما اتسعت عيناها بذهول وهي تتلقى رسالته كصفعة !


هل سيحرمها القدر منه في هذه الظروف؟!


في أكثر وقت تحتاج وجوده فيه ؟!


هل هي ردة فعله على ما روته ؟!


أم هي حقاً مصادفةٌ قدرية ؟!


_هل ستتركني وحدي أنت الآخر؟!


سؤالها المكتوب يصله بصوت دموعها في أذنيه فيطعن قلبه بقسوة ...


لكنه يغلق هاتفه بحسم ...


ليبقى سؤالها معلقاً دون جواب!


===========


فراش أبيض...


ملاءات بيضاء...


وجهها الشاحب ...


حتى خصلات شعرها النبيذية المصبوغة عجزت عن منحها بعض الحيوية وسط أشباح الموت التي تحوم حولها !


صورة باهتة من امرأة شهد يوماً أنها إعصار فتنة ...


واليوم يراها هكذا بسببه !


_روح يا رامز ...أنا خلاص بقيت أحسن .


تمتمت بها بصوتها المتحشرج وعيناها تتحاشيان نظراته بجولانها في غرفة المشفى التي تشغلها منذ أنقذها رامز من محاولة انتحارها اليائسة !


يقولون أن القدر قد منحها عمراً جديداً ...


عمراً هي أغنى ما تكون عنه !


_مش هاسيبك !


لا يدري بأي نبرة نطقها وهو يشعر باختناق هائل يعتصر حناياه...


هل يدعي الآن الرجولة بوقوفه جوارها ؟!


أين كانت شهامته هذه عندما أدخلها رغماً عنها في حربه الباردة مع صديقتها الجاحدة ؟!


أين كانت عندما تجاهل ما يدار حولهما من شائعات مكتفياً باستغلالها فقط لإثارة غيرة من كانت زوجته ؟!


بل أين كانت عندما تركها وحدها بعد ما كان في المطعم فريسة لحزنها ويأسها الذي كاد يودي بحياتها؟!


دون اعتذار؟!


دون حتى أي تبرير ؟!


بينما أغمضت هي عينيها بألم وعبارته -رغم ظاهر نبلها- تعاود طعنها بخنجر مسموم...


لم تعد مساندته لها مروءة تحمدها له...


لم تعد تحتاج لتسأل نفسها في أي معسكر من الرجال يقف هو ...


كلهم سواء !


وحده أحمد كان الاستثناء...


ربما لهذا رحل!


حتى عندما أرادت اللحاق به ...منعوها!


أي عذاب هذا؟! أي عذاب؟!


انهمرت دموعها صامتة عند خاطرها الأخير فتحشرج صوته وهو يهتف بها :


_أنا مش عارف أعتذر لك على إيه واللا إيه ...أي كلام هاقوله هيبقى صغير قوي قصاد اللي اتسببت فيه ...بس أنا مستعد أعمل أي حاجة ...أي حاجة ترضيكِ .


_عايزة هانيا...عايزاها جنبي ...عايزاها تصدق إني ما خنتهاش .


تمتمت بها وسط دموعها لينعقد حاجباه بتأثر بينما هي تردف مغمضة العينين بما بدا كالهذيان:


_عايزاها تنكر كل اللي قالته يومها ...عايزاها تقول لأحمد إني لسه زي ما هو كان شايفني .


ابتلع غصة حلقه وهو يراها قد اختلطت حقائقها بخيالاتها ...


هو يعرف الكثير عن هشاشتها لكنه لم يتصور أن تتلقى اتهاماً كهذا من صديقتها بردة الفعل الخانعة هذه !


تراها صادقة هانيا في ما اتهمتها به؟!


لا!


قولاً واحداً!


هو ليس غراً ساذجاً كي لا يفهم امرأة أمامه بعد خبرته السابقة في النساء!


خبرته التي تؤكد له أن هذه المرأة أمامه نقية حد السذاجة !


ولا يدري من أين أتت هانيا باتهاماتها هذه إلا أن تكون محض افتراء!


لهذا احتدت نبرته وهو يهتف بها بانفعال:


_أنا مش فاهم انتِ إزاي باقية عليها بعد كل اللي قالته ؟!


_كنت عايزها تعمل إيه ؟! أي ست مكانها كانت هتتصرف كده !


قالتها بنفس النبرة البائسة وهي تمسح دموعها ليهتف هو بنفس الانفعال:


_أي ست مكانها كانت هتستنى تفهم قبل ما تقلب الترابيزة على الكل ...كانت هتحارب عشان تحتفظ ببيتها...أي ست مكانها كانت هتحترم العشرة اللي بينكم...مش تسوأ سمعتك وسط الناس.


_تبقى ما تعرفش الستات كويس....وما تعرفش هانيا خالص!


غمغمت بها باستنكار هش وهي تفهم الآن سبب ما فعله وقتها...


الأحمق كان يحاول إثارة غيرتها لعله يردها لرشدها ...


ألم يجد سوى هذه الطريقة؟!!


لهذا تنهدت بعمق ثم عاودت إغماض عينيها لتردف:


_هانيا عكس هي ما هي باينة من برة جامدة وقوية...لكن من جواها هي خايفة...دايماً خايفة...خايفة تعيش الإحساس اللي حسته يوم ما فقدت باباها ومامتها فجأة وتلاقي نفسها لوحدها من غير مقدمات ...خايفة تسلم قلبها لحد يعذبها بيه...بتحارب نفسها عشان مرعوبة تطلع في الآخر صورة من خالتها اللي اشمأزت منها زمان وبتصعب عليها دلوقت ...ووسط كل ده ...انت زودت الحرب جواها ...وفي الاخر اديتها الدليل إنها صح...وإنها كان معاها حق لما قفلت على قلبها كل ده ...


ثم فتحت عينيها بقولها:


_أنا مش زعلانة منها ...أنا زعلانة عليها ...شخصية زي هانيا يمكن تنجح في إنها تبين للناس إنها مش مكسورة...يمكن حزنها بالعكس يخلليها تنجح في شغلها أكتر ...لكن من جواها هيفضل فيه جرح بينزف من سكات ومن غير دوا .


اتسعت عيناه قليلاً وهو يشعر بصدمته من حديثها ...


طوال معرفته لغادة وهو يشهد على ضعفها وارتباك كلماتها التي كانت تثير بداخله حمية رجولية للدفاع عنها ...


لكنه لم يشهد على هذه القوة في الجدال إلا عندما تدافع عن صديقتها !


ياللمفارقة!


هانيا التي تبدو للجميع بهذه الصلابة كجبل لا يلين ...


وغادة التي يبدي ظاهرها كل هذه الهشاشة الناعمة...


الاثنتان تتبادلان المشهد لو نظرت إليهما من الداخل متجاهلاً خداع المنظر!


هانيا!


أفكاره تجذبه من جديد نحوها خاصة بعدما روته غادة وماشهدت عليه سابق ملاحظاته لأفعالها ...


لكنه يقهر هذا قسراً وكبرياؤه يمنعه تقديم المزيد من التنازلات !


الحاجز اللي صار بينهما يزداد ارتفاعه يوماً بعد يوم !


الحب وحده لا يكفي ...


الحب هو "قطعة الكرز" التي تزين "كعكة الزواج" فحسب...لكن إتقان إعدادها هو ما يتطلب مهارة حقيقية ...والكثير بل الكثير جداً من الجهد !


كفاه أنانية!


هو وهانيا استغلا هذه المرأة أمامه في حربهما دون رادع ...


والآن ...غادة هي الأهم !


سيكفر عن خطئه معها بأي طريقة !


وأي طريقة تنجح في إنقاذ سمعتها وانتشالها من هذا اللي هي فيه إلا ...!!!


_تتجوزيني؟!


=========


صراخه الهائج يكاد يصم أذنيها فلا تدري ماذا تفعل ...


أشرف انهار تماماً بعد سقوط مصنعه !


بل إنه كان عُرضةً لدخول السجن لولا أن تحريات الشرطة أثبتت أن ما كان يحدث في المصنع كان في غفلةٍ منه ...


تعبه وتعب والده قبله في هذا المصنع ضاع سدى...


من سيأمن أن يشتري لعباً لأطفاله من مكان وُصم بتجارة للمواد المخدرة ؟!


وليت هذا أسوأ ما في الأمر ...


بل إن نشوى اكتشفت أنه هو نفسه قد سقط في شرك نصبه له مساعده ليجعله مدمناً لهذه المواد...


الآن فقط تفهم لماذا كان يطلب منها مساعدته زاعماً أنه مريض...


لكنه الآن يرفض العلاج !


أجل...كل محاولاتها ومحاولات شقيقته لدفعه للعلاج تبوء بالفشل بينما هو مستسلم لانهياره ...


مدمن؟!


أشرف صار مدمناً كهؤلاء الذين كانت تشمئز منهم على شاشات التلفاز،والنت؟!


مستحيل!


كيف غرق في هذا البحر لأذنيه هكذا ؟!


كيف استسلم وهو الذي كان يبهر الجميع بتماسكه وقوته ؟!


صرخة أخرى منه في غرفته جعلتها تنتفض مكانها تبكي بانهيار وهي لا تدري ماذا تفعل...


صوت تكسير يصلها من الغرفة يتبعه صراخه من جديد باسمها فيرتجف جسدها بالخوف وهي لا تدري كيف تتصرف...


لا يمكنها أن تخبر يامن ...ولا تعرف ماذا تفعل وحدها...


كل ما استطاعت فعله هو أن تغلق عليه الغرفة بالمفتاح كي تمنعه من الخروج لإحضار أقراصه التي نفدت ...


_افتحي يا رانيا...عشان خاطري افتحي...


يصرخ بها بحدة أول الأمر لتتحول حدته تدريجياً لرجاء متقطع مع انهيار صوته :


_سيبيني أخرج أجيبه...أو خدي العنوان وهاتيه انتِ...حراااام....مش قادر...بموووووت.


كانت تعلم أنه لم يعد في وعيه من فرط الألم ...


لو كان في وعيه لما طلب منها أن تذهب لمكان مشبوه كهذا ...


لكنها هي في وعيها ...ماذا تفعل ؟!


هل تتركه لعذابه هذا ؟!


أم تخرج وتحضر له ما يريد ؟!


صوت ارتطام مكتوم يزيد فزعها فتهرع بسرعة لتفتح الباب فتجده ملقىً على الأرض أمامها يضم جسده بذراعيه وقد تحولت صرخاته لأنين مكتوم...


_اتصرفي وهاتيه يارانيا...عشان خاطري...


كلماته المرتجفة بألمه ...


ملامحه المبتلة بين عرق ودمع...


رعشة جسده المتلوي أمامها ...


وأخيراً ...


همسه الراجي المستعطف باسمها ...


كل هذا جعلها تحسم قرارها وهي تسأله باكية عن المكان الذي صار يحصل منه على هذه السموم...


فيجيبها بما بدا كالهذيان قبل أن يعود لنوبة جديدة من صراخه المتوجع...


=======


أوقف يامن سيارته في المكان الذي وصفته له ليجدها تتقدم نحوه بوجه ممتقع ...


ملامحها البائسة أثارت حميته فلم ينتظرها حتى تستقل السيارة بل غادرها هو ليتوجه نحوها هاتفاً بقلق:


_مالك يارانيا ؟!


ازدردت ريقها ببطء لتتصنع ابتسامة لم تخدعه :


_الحمدلله مفيش حاجة...كنت محتاجة بس فلوس وماكنتش عايزة أشرف يعرف.


_ماتحمليش هم...كل اللي انتِ عايزاه اعتبريه معاكِ.


قالها متفهماً وهو يتحرك بها نحو سيارته ثم ناولها بطاقة ائتمانية ...


_أنا حطيتلك مبلغ مناسب في حسابك النهارده اسحبي منه وقت ما تحبي ...بس قوليلي الأول أمور المصنع وصلت لفين...أشرف على طول قافل موبايله عايز أطمن عليه.


أطرقت برأسها وهي تشعر بقرب انهيارها لكنها حاولت التماسك قدر استطاعتها ...


ماذا يمكنها أن تخبره ؟!


لو علم يامن شيئاً عما يعانيه أشرف فسيبعدها عنه دون جدال ...


لهذا اكتفت بقولها المتحشرج:


_هو بس محتاج وقت عشان يعدي اللي حصل...المصايب كلها جت ورا بعضها ...وفاة مامته وكارثة المصنع .


تنهد بحرارة ثم قال لها مطمئناً:


_أزمة وتعدي...الحمد لله إنه مااتورطش في حكاية المخدرات دي ...ولو أنه غلط لما ما بلغش البوليس من الأول .


عضت شفتها بقوة وهي تقاوم إخباره بما هي ذاهبة لأجله...


طبيعتها "المتواكلة" تميل لإلقاء هذا الحمل عنها ...


لكن قلبها يستحلفها أن تتماسك لأجل رجلها ...


أشرف يحتاجها ...


ستجلب له ما يطلبه هذه المرة فقط وبعدها سترجوه أن يمتثل للعلاج...


سيطيعها...هذه المرة سيفعل...


ستهدده بالانفصال عنه إن لم يستجب!


لكن لتخفف عنه ألمه هذه المرة...هذه المرة فقط !


_واقفة ليه ؟! اركبي أوصللك.


انتزعها بها يامن من شرودها لترد بسرعة مرتبكة :


_لا لا...أنا هاخد تاكسي ...طريقي مش طريقك.


عقد حاجبيه بتشكك وهو يشعر بخبرته عنها أنها تخفي شيئاً عنه ...


لكنه ما كاد يفتح شفتيه ليعاود سؤالها حتى بادرته بسلام قصير لتغادره قافزة نحو أقرب سيارة أجرة وجدتها ...


=======


_تتجوزيني!!


هل يعرض عليها الزواج حقيقة هذه المرة ؟!!


يالله!!


حقاً...إلا الحماقة أعيت من يداويها!!


البائس يرى في عرضه الزواج عليها حلاً !!!


لنرَ كيف تكون ردة فعلها إذن !


ابتسامة مريرة ترتسم على شفتيها الشاحبتين وأناملها تتشبث بطرف الغطاء فوقها بحركة لا إرادية...


جفناها ينسدلان بما يظنه هو حرجاٌ وتدرك هي أنه...خوف...


هروب!


ملامحها ترسم لوحة واضحة للرفض لكنه يدافع بقوله:


_علاقتي بهانيا خلاص انتهت ...انت عارفة صاحبتك أكتر مني وعارفة إننا مستحيل نرجع لبعض ...أنا مش بعرض عليكِ الجواز عشان أعند معاها ...لكن ده الحل الوحيد اللي ينقذ سمعتك بعد اللي حصل ...


تفتح عينيها من جديد بنظرات جليدية لم يفهمها ...


فيزفر بقوة وهو يشيح بوجهه مردفاً بانفعال:


_عموماً كل الكلام ده سابق لأوانه...قومي بالسلامة وبعدين نشوف هنعمل إيه...أنا مش هاتخللى عنك بعد كده ومش لاقي صورة تخلي تصرفي ده مقبول إلا الجواز .


ابتسامتها العلقمية تتسع مشبعة بسخريتها ...


لم تشعر يوماً أنها ضعيفة كهذه اللحظة !


ليس فقط بدنها الذي تعجز عن رفعه ...


بل روحها المثقلة ...


المثقلة بحزنها ...يأسها ...خوفها ...خزيها ...و خسارتها!


ماذا عساها تقول له ؟!


تشكره على عرضه السخي الذي يزعم أنه سينقذ سمعتها؟!


أم تلعن تهوره الذي أوردهما هذا المصير؟!


آه!


حتى هذا الرد تعجز عنه !


سفنها احترقت جميعها فهل ترضى ب"جِذعه" الضعيف العائم ...


أم تستسلم تماماً للغرق؟!


_ما تخافيش يا غادة...أي قرار هتاخديه أنا معاكِ...لو يرضيكِ أروح وأقول لهانيا على الحقيقة معنديش مانع...بس انتِ عارفة قبلي إنها مش هتصدق ...هي اختارت تشوف اللي عايزة تشوفه وبس !


قالها بيأس محترق وهو يشعر أنه يتخبط بين جدران لا مرئية...


خطأ...خطأ...


كل ما يفعله خطأ!


لكنه لا يدري كيف يوقف هذه الدائرة ؟!


ربما ...ربما زواجه من غادة هو الحل!


من يدري؟!


بداية جديدة...تكفير ذنب...و...


استبدال امرأة بنقيضتها!


ما الذي قد يحتاجه أكثر؟!!


شعر برأسه يكاد ينفجر من فرط التفكير خاصة مع صمتها المطبق أمامه ...


فزفر زفرة يائسة ليقوم من مكانه قائلاً :


_هاخرج أشرب فنجان قهوة وأرجع لك على طول.


نظراتها الجليدية لا تزال تلقي سهامها نحو ظهره المنصرف...


نظرات كانت يوماً تحمل ذعرها ...ضعفها ...قلة حيلتها ...وشعور بالذنب لا تدري مبعثه لكنه كان يجتاحها بقوة...


والآن يتوارى كل هذا خلف فراغ رهيب...


فراغ يتسع حتى ليبتلع روحها كاملة !


نظراتها لاحقته بجمود حتى اختفى عن عينيها ...


رائحة "الفراولة" اللعينة تعاود غزو أنفها رغم يقينها أنها نابعة فقط من رأسها ...


من ضميرها المثقل !


هي حقاً خطيئة تسير على قدمين!


حتى زوج صديقتها يريد تأكيد هذا الآن ولو تخفى هذا خلف عرض زواج !


أمها كانت على حق...زوجها الوغد ...زميل دراستها...معلمها ...جارها ...


وأخيراً هانيا ...


كلهم على حق!


هي المذنبة...المدنسة التي تجتذب الخطايا كما يجتذب المغناطيس كسور الحديد!


هو طريقها الذي وجب عليها سيره ...


هل ظنت أنها ستحيد عنه ولو باستجداء الموت؟!


قدرها محسوم ...


قدرها؟!!


الكلمة تدوي في رأسها متزامنة مع اتساع عينيها وهي تلتفت لا إرادياً نحو باب الغرفة...


تميز "الرجل" الذي أثارت رؤيته كل حواسها لتوقظها فجأة...


يتقدم منها الآن بعينين تفيضان حديثاً...


وكأنما هو رسالتها أن للقدر أحياناً ...كلمة أخرى!


=========


صعدت رانيا الدرج بخطوات مترددة ودموعها تغرق وجنتيها ...


جسدها يرتجف بقوة وهي تطالع الباب الذي وصفه لها بوجل ...


قلبها يكاد يتوقف من فرط جنون دقاته لكن "مشهده الأخير" لا يفارق مقلتيها ...


صواب؟!


خطأ؟!


ماذا تفعل ها هنا؟!


شهقت بعنف عندما انفتح الباب ليبدو منه وجه رجل رمقها بنظرة مخيفة ظافرة تفحصتها من رأسها لأخمص قدميها ...


نظرة قميئة نافستها ابتسامته السمجة مع عبارته:


_أي خدمة؟!


شفتاها بالكاد تتحركان في تمتمة واهية وعاها الرجل فاتسعت ابتسامته الماكرة وهو يضع يده في جيبه ليستخرج ما أرادته قبل أن يمد به كفه نحوها ...


لكنها ما كادت تتناوله حتى قبض على كفيها بقوة خانقة جعلتها ترتجف رعباً مع همسها:


_الفلوس معايا في الشنطة.


_مش عايزين فلوس...عايزينك انتِ!!


غمغم بها بابتسامة شيطانية لتنفلت منها صرخة عالية قبل أن يكتم صراخها بكفه بينما يجذبها معه للداخل ...


الهواء يختفي فجأة من صدرها وهي تشعر بالذعر يكاد يفقدها وعيها ...


الحقير يجذب حجابها لينتزعه عنها بقسوة خدشت رقبتها ...


قبل أن يلصق ظهرها بالجدار محاولاً نزع ثوبها ...


ضرباتها الواهنة له لم تزده سوى رغبة فيها ليصدر زمجرة مخيفة قبل أن يدفعها ليسقطها أرضاً ...


تأوهت بقوة وهي تزحف محاولة إدراك الباب لكنه جثم فوقها ليصفعها صفعة قوية أفقدتها وعيها جزئياً...


صوت طرقات عنيفة على الباب يعيد إليها بعض إدراكها ...


قبل أن يصلها صوت يامن من الخارج يصرخ بغضب ...


تنهيدة ارتياح كانت آخر ما وعته قبل أن تسمع صوت سارينة الشرطة الذي جعل الرجل يبتعد عنها بذعر ليقفز من النافذة...


باب الشقة يقتحمه يامن بعنف ليقترب منها بجزع وهو ينظر إليها نظرة مرتعبة...


قبل أن تشعر بشيئ غريب يحدث جعلها تنتبه لبقعة الدم التي تتسع تحتها رويداً رويداً...


=======


_إزيك يا بنتي؟!


سألها الرجل وهو يتقدم نحوها بظهره المنحني على عصاه التي تعلم أنه لم يعد يستغني عنها ...


نظراتها معلقة بعينيه -شبيهتي عيني أحمد الحبيبتين -...


قلبها ينتفض بين ضلوعها بقوة ورؤية الرجل تعيد إليها قبساً من ذكرياتها العامرة معه ...


كم تحتاج هذا الآن !


تحتاجه بشدة !


_اعذريني إن كنت قصرت معاكِ في السؤال الفترة اللي فاتت ...انتِ عارفة إن صحتي ...


انقطعت عبارته بسعال قوي أكد ما يريد قوله ...


فرمقته بنظرة مشفقة وهي تقول بصوت أرجفه انفعاله:


_ولا يهمك يا عمو ...ربنا يديك الصحة .


كانت تعلم أن الرجل معتل الصحة لا يكاد يغادر بيته إلا للضرورة القصوى ...


خاصة بعد وفاة ابنه الوحيد الذي دك ما بقي له من عزم !


لقد كانت تهاتفه لتطمئن عليه من آن لآخر لكنها انشغلت عن هذا مؤخراً خاصة بعد عملها ...


لهذا شعرت بالكثير من الخجل مع قول الرجل :


_أنا كنت جايب لك أمانة...رحت البيت والبواب قاللي على اللي حصل .


عادت الدماء لوجنتيها والانفعال يعصف بها من جديد ...


ما الذي عرفه الرجل عنها ؟!


ما الذي قالوه له بالضبط ؟!


هل نالتها اشاعاتهم أمامه ؟!


هل سيظلمها هو الآخر؟!


هنا انخرطت في بكاء حارق وهي تخفي وجهها بين كفيها ...


خيول ظلمهم ستطأ أرض أحمد !


والده كذلك سيظن بها الظنون!


_ليه عملتِ كده يا بنتي؟! العمر ده أمانة ربنا إداهالنا وهو بس سبحانه وتعالى اللي يحدد امتى يسحبها مننا ...


قالها الرجل بنبرة حنون تشبه كثيراً نبرة ابنه ...


ليقوم بصعوبة من على كرسيه ليجلس جوارها على طرف الفراش ...


أنامله التي حفر عليها الزمن تجاعيده تربت على كتفها بينما يردف :


_مهما افتكرتِ إن همك كبير ربنا رحمته أكبر ...استغفري يا بنتي ...العمر كله لسه قدامك.


_مش عايزاه !


تمتمت بها بين فيض دموعها ولازالت تخفي وجهها بين كفيها كأنها عاجزة عن مواجهته -بما تظنه - عارها ...


ليتنهد الرجل بحرارة قائلاً:


_لو كل واحد ظهره اتحنى من حمله قرر زيك يرميه ويقابل ربه كافر بنعمته ورافض لنصيبه ...مكنتيش لقيتِ حد عايش في الدنيا دي !ربنا كتب لك النجاة بمعجزة...كان ممكن جوز صاحبتك مايجيش...كان ممكن يتأخر وما يلحقكيش...وكان ممكن هم هنا في المستشفى مايقدروش ينقذوكِ...لكن ربنا سبحانه وتعالى أراد يسبب لك الأسباب عشان يكتب لك حياة جديدة...عارفة ليه ؟!


كلماته الهادئة رغم بساطتها تصيب مواقعها في قلبها المتعطش لأي بارقة أمل ...


فتجد نفسها رغماً عنها ترفع كفيها عن وجهها لتناظره بعينين صارختين...


_ليه ؟!


هنا تفاجئها ابتسامته الراضية وهو يعاود تربيته الحنون على كتفها بقوله:


_ده السؤال اللي هتجاوبيه انتِ الأيام الجاية...شوفي ممكن تعملي إيه تستاهلي عليه حياة تانية...شوفي إيه اللي كنتِ عايزاه يختفي واعتبريه مات الليلة إياها ...واللي عايزاه يعيش هو بس اللي هيتكتب له عمر جديد !


عيناها تتسعان بقوة وهي ترمقه بنظرة غريبة ...


كلماته تفتح لها باباً كانت طوال الوقت غافلة عن مفتاحه !


لماذا تصف نفسها بالضعف طوال الوقت ؟!


لماذا استسهلت قرار الموت بينما تستصعب قرار الحياة ؟!


لماذا عندما قررت اتخاذ خطوة في حياتها ...اختارت الطريق الخطأ؟!


حياتها لا تزال بين كفيها ...فلتقرر بها ما شاءت !


_حمداً لله على سلامتك يا بنتي.


قالها الرجل وكأنما قرأ بعينيه الخبيرتين ما وشت به ملامحها ...


لتجد نفسها تسأله دون تحفظ :


_البواب قاللك إيه ؟! الناس بتقول عني إيه ؟!


أطرق الرجل برأسه قليلاً يتخير كلماته ...


ثم رفع إليها عينيه بقوله بنبرة ذات مغزى:


_الناس عمرها ما هتبطل تتكلم على الفاضية والمليانة...لو سلمنا لهم وداننا ...مش هنعيش حياتنا احنا...هنعيش الحياة اللي هم عايزين يرسموهالنا.


عيناها تفيضان من جديد وهي تعود قسراً لموقف الدفاع لتصرخ باكية:


_والله العظيم ما عملت حاجة غلط...عمري...عمري ما عملت حاجة غلط .


صراخها هذا كانت ما تحتاجه حقاً لتعبر هذا الحاجز!


لم تكن تصرخ بها في وجهه هو ...


كانت تصرخ بها في وجه أمها ...


زوجها ...


زميل دراستها...


جارها ...


كانت تصرخ بها في وجه هانيا ...


في وجه رامز ...


بل في وجهها هي نفسها!!


أجل!


هي أول من تحتاج لمنح نفسها صك براءتها !


هي أول من تستحق الاعتذار منه ...


هي تحتاج لأن تصدق أنها لم تكن طرفاً في معادلة قبحهم !


ذنبها الوحيد كان استسلامها...


هذا الذي ستتوب عنه ما بقي لها من عمر!


_عارف يا بنتي ...وعمري ما شكيت في كده لحظة واحدة.


قالها الرجل بصوت واثق رغم وهنه ...


فلم تشعر بنفسها وهي تلقي رأسها على كتفه تخفي فيه ما بقي من دموعها ...


جسدها كله كان يرتجف انفعالاً وكأنما قطعت شوط عدو طويل ...


وهاهنا المستقر!


هاهنا البداية !


ابتسامة الرجل الحانية تطوقها وهو يربت على ظهرها برفق ...


فترفع عينيها نحوه بابتسامة مشابهة أنبأته بنجاح مغزى زيارته !


_هاسيبك تستريحي دلوقت...اعذريني لو ما قدرتش أزورك تاني...انتِ عارفة حركتي بقت صعبة.


قالها وهو يقف مكانه بكثير من العسر فرفعت وجهها إليه بإشفاق قائلة:


_هازورك أنا بإذن الله ...أول ما أبقى كويسة .


ابتسامته تتسع وهو يهز رأسه برضا لتسأله هي وقد تذكرت:


_حضرتك قلت كنت رايح لي الشقة عشان جايب لي أمانة...كانت إيه ؟!


_يوووه...كنت هانسى...


قالها وهو يفتش في جيبه ليستخرج منه مظروفاً ورقياً ناوله لها مردفاً:


_الست وهي بتنضف أوضة أحمد الله يرحمه لقت فيها ده ...أفتكر إنه جواب قديم من اللي كان بيبعتهم لك قبل الجواز ...معرفش ليه ما بعتوش زي اللي قبله ...خديه اقريه !


شهقت بلهفة وأنامله تتخطفه منه كأنما ردت إليه روحها ...


حتى أنها لم تدرِ بعدها كيف انصرف الرجل ...


ولا كيف فتحته لتعدو عيناها بين السطور ...


رسالة من أحمد ...الآن...


الآن !!!


وهي في أمس الحاجة لدعمه الذي ما تركها يوماً !!


تاريخ الرسالة يعود لعامين قد مضيا ...


هي تذكر التاريخ هذا جيداً...


كانت إحدى مشاجراتهما النادرة عندما رفض اصطحابها للسينما أول أيام العيد لكنها أصرت بدلال قابله هو بالموافقة...


ليلتها تحرش بها أحدهم لفظياً بينما تنتظره أمام السينما لينتهي الأمر بعراك خرج منه الرجل بعدة لكمات في وجهه ...


وخرج منه أحمد بكفٍ دامٍ....وخرجت هي منه بعبارته الغاضبة :


_عشان ما بتسمعيش الكلام...قلت لك ما تقفيش لوحدك كده بره السينما...عايزة تتعاكسي؟!


ولأن عبارته سكبت الملح على الجرح القديم فقد غضبت منه حقاً تلك الليلة ...


لتفاجأ به صبيحة اليوم التالي يطلب مقابلتها ليعتذر منها !


_كتبت لك جواب بس مارضتش أصالحك كده زي كل مرة .


كانت خطاباته الناعمة هي طريقته شديدة الرومنسية في مصالحتها ...


لكنه هذه المرة لم يقتنع بخطاب بل تعمد لقاءها بنفسه ليعتذر منها ويصالحها حتى أرضاها ...


يبدو أن هذا هو الخطاب الذي لم يعطِه لها وقتها...


"أول مرة تزعلي مني قوي كده النهارده...معاكِ حق...أنا زودتها...بس أكيد ماقصدتش اللي قلته...أنا عارف أخلاقك كويس...وعارف إنك قادرة توقفي أي حد عند حده ...أنا مش بخاف عليكِ عشان ضعيفة ولا قليلة الحيلة...أنا بخاف عليكِ عشان احنا بقينا في دنيا وحشة قوي...خصوصاً للناس النضيفة زيك...انتِ كنزي يا غادة...والكنز بنخبيه ونحافظ عليه من عيون الناس ...بس بنبقى عارفين قيمته...عارفين إن الدهب بيفضل دهب ".


كانت تبكي بهستيرية عند آخر كلمة قرأتها وكأنما تستحضرها بصوته ...


وكأنما هي رسالته من العالم الآخر لها الآن !


هو لايزال سندها ...عونها ...حتى بعد موته !


عند الخاطر الأخير عادت ظنونها تتراجع ...


ربما ليست رسالته هو ...


ربما هي رسالة السماء !


قدرها الذي اختار لها أن تتلقى رسالة كتبها هو منذ شهور بعيدة ...


في هذه اللحظة بالذات ...


لتكون مرشدها في ساعة حاسمة كهذه !


_مالك يا غادة ؟! منهارة كده ليه ؟! والد أحمد كان عايز إيه ؟!


هتف بها رامز وهو يدخل عليها غرفتها ليشهد انهيارها الباكي ...


انهيارها الذي لم يدم بعدها طويلاً وهي ترفع إليه عينيها لتمسح دموعها بأنامل مرتجفة ...


فيكاد يقسم أنها تبدلت لامرأة أخرى بتلك النظرة القوية التي اكتسحت عينيها بعزم ...


مع سؤالها الذي لم يتوقعه بهذه الحدة :


_انت فعلاً عايز تتجوزني؟!


=========


_كانت حامل؟! وراح خلاص؟!


هتفت بها ياسمين بهلع وهي تستمع من يامن للتفاصيل في المشفى خارج غرفة رانيا المغلقة...


ليجيبها بانفعال بينما يتحرك بتشتت ثائر كأسد حبيس:


_الحمدلله كان ممكن يحصل أسوأ من كده...أنا مش عارف كان ممكن إيه اللي يحصل لو ما كنتش شكيت في تصرفاتها ومشيت وراها بالعربية...لحد دلوقت مش قادر أتلم على أعصابي...الحيوان هرب قبل ما اقدر أدخل الشقة وأفش فيه غلي.


كتمت آهة شفتيها بكفها وهي تربت على كتفه بالآخر مدركةً عظم الموقف الذي مر به كلاهما ...


رانيا الهشة التي لم تتحرك يوماً خطوة واحدة من تلقاء نفسها...اليوم فعلتها لكن في الاتجاه الخطأ!


من يصدق أنها تجرأت لتذهب لمكان لهذا لوحدها ...


هكذا بمنتهى السذاجة...بمنتهى الحماقة ؟!


ترجمت خاطرها الأخير لكلمات مسموعة ليهتف يامن بحدة ساخطة:


_الهانم كانت فاكرة إنها كده بتساعده...مش عارف مين فيهم أغبى من التاني.


هزت رأسها بتفهم لتعاود التربيت على كتفه مهدئة قبل أن تقول بصوت متماسك:


_اهدا بس عشان نعرف نتصرف في المصيبة دي...أشرف عرف؟!


_معاها جوه ...بس قسماً بالله لتكون آخر مرة يشوفها فيها....هاخلليه يطلقها .


قالها بنبرة قاسية جعلتها تشهق بعنف لتهتف به باستنكار:


_انت بتقول إيه يا يامن ؟! هو خلاص الطلاق عندك بقا بالساهل كده ؟!


_ساهل؟! البنت كانت هتضيع في شربة مية...هاستنى إيه تاني؟!


لازال انفعاله يجتاحه وهو يسترجع ذكرى الساعات القليلة الماضية ليستطرد بنفس الثورة:


_كتلة غباء! الأول يعمل فيها بطل ويروح يدور ورا العصابة لوحده ...وبعدين يضحكوا عليه ويجروا رجله لحد ما يدمن...فيه حد الزمن ده يآمن ياخد قرص اسبرين حتى من غير ما يشوف مصدره وجاي منين ؟!


_ده مش غباء...دي حسن نية ...مش كل الناس شكاكة زيك.


قالتها بنبرة شبه عاتبة رغم هدوئها ليجيبها بنفس النبرة الحادة :


_عشان تعرفي إني صح...حسن نيته ده ضيعه وكان هيضيع رانيا معاه ...مستحيل آمن عليها معاه تاني.


_انت عارف انت بتتكلم عن إيه ؟!


سألته وهي تمسك كتفيه بقوة وعيناها تحدقان في عينيه بنظرة مستنكرة لتردف بحرارة مخلصة:


_أشرف ده مش مجرد زوج ...أشرف ده حب عمرها اللي فتحت عينها عليه...ده اتبرع لها بجزء من جسمه ...مين بيعمل كده اليومين دول ؟!


أشاح بوجهه دون رد وهو يكز على أسنانه لتردف هي بنفس الدفاع الحار:


_فيه ناس مهما عملت رصيدها يشفع لها ...لو هي مش هتقف جنبه دلوقت يبقى إيه لازمته الحب اللي بينهم ؟! لو كل واحد هيتخلى عن حبيبه في محنته يبقى مين هيقف جنبنا؟!


لكنه يعود إليها ببصره ليردف بعدم اقتناع:


_اللي بيمشي في السكة دي مابيرجعش...وأنا مبدئي ثابت...لو شكيت ما تكملش...


ثم لوح بسبابته في وجهها مردفاً:


_بعد اللي حصل ده عمري ما هارجعها له ...على جثتي.


هزت رأسها بيأس من مجادلته وهي تشعر بالخوف منه يعاودها ...


سلطان شكوكه يهزم منطقه مهما كانت قيمة الشخص لديه !


"لو شكيت ما تكملش" !


هكذا دون أي اعتبار لماضٍ...لذكريات...لمواقف...لعمر ؟!!


"لو شكيت ما تكملش"


بها جعل هانيا تخسر رامز ...


بها خسر مروان صديق عمره...


بها يريد الآن أن يفرق بين رانيا وأشرف...


ومن يدري ...ما الذي سيدمره مبدأه هذا في حياته ؟!


تراها هي الضحية القادمة؟!


_فين رانيا يا يامن؟!


انتزعتها بها نبيلة - التي وصلت لتوها مع هانيا وداليا- من شرودها لتلتفت نحوها بينما اندفع يامن نحوهن هاتفاٌ بنفس الثورة الحانقة :


_انتِ عملتِ اللي في دماغك وجيتِ برضه ؟! مش قلت لك بلاش تيجي هنا عشان الفضايح...الف عين دلوقت هتيجي تصور النجمة وتشوف الحكاية ...هو احنا ناقصين ؟!


ربتت هانيا على كتفه مهدئة بينما رمقته نبيلة بنظرة طويلة...


حملت عتابها ...قلقها...استنكارها...وكبرياءها الذي كان الآن ملطخاً بالكثير من الخزي وهي تدرك أنه على حق...


بينما حاولت ياسمين تدارك الموقف بقولها:


_يامن أرجوك وطي صوتك...احنا في مستشفى...رانيا بس تقوم بالسلامة وبعدها هنشوف هنعمل إيه .


لكنه يلتفت نحوها ليهتف بحسم لايقبل الجدل:


_هو احنا لسه هنشوف؟! الموضوع انتهى...هيطلقها!


=========


_ياربي....أنا عملت إيه ؟! عملت إيه ؟!


يتمتم بها بحسرة ملتاعة وهو يعتصر كفها بين راحتيه مراقباً ملامحها الشاحبة الغارقة في دموعها ...


حبيبة عمره كادت تتعرض لاغتصاب ؟!


فقدت طفلاً طالما حلما به معاً ؟!


هل هذه الحماية التي تعهدها بها ؟!


هل هذا هو الأمان الذي وعدها به ؟!!


_سامحيني يا حبيبتي...سامحيني.


همس بها برجاء وهو ينكب على جبينها يقبله ليتبعها ببقية قبلاته على نلامحها الملطخة بدموعها ..


كيف فعلها؟!


كيف أعطاها العنوان ؟!


هو لايذكر أنه قد فعلها!


آخر ما يعيه هو دخول شقيقته عليه لتجده ملقى على الأرض....


بعدها أفاق ليجد نفسه أمام طبيب ما يسأله بعض الأسئلة التي أجابها بتشوش...


لكنه ما إن علم بما حدث لزوجته حتى ترك كل شيئ ليهرع إلى هنا!


بينما كانت هي غارقة في بكائها ولازالت الصدمة مسيطرة عليها ...


لقد كانت تخفي عليه خبر حملها لتجعلها مفاجأتها له !


ورقتها الرابحة التي كانت تظن أنها ستدفعه للعلاج الذي يرفضه...


والآن...ضاع كل شيئ!


أي عالم أسود هذا انجرف إليه ليغرق فيه ويغرقها معه ؟!


كيف عرفهم ؟!


أين أشرف القوي الحنون المسئول من هذا الضعيف المنهار أمامها؟!


لقد خسرت طفلها بسببه...


وكادت تخسر ما هو أكثر!


يالله !!


كلما تتذكر بشاعة الانتهاك الذي تعرضت له يجتاحها شعور بالغثيان !


_سيبني دلوقت يا أشرف...مش قادرة أكلمك...مش قادرة حتى أبص لك.


همست بها بصعوبة وسط فيض دموعها ليتراجع عنها مصدوماً وهو يسمع منها هذه الكلمات لأول مرة ...


لأول مرة في تاريخ علاقتهما الذي يقارب عمريهما معاً يشعر بها تتباعد عنه هكذا ...


_انتِ بتقولي لي أبعد يا رانيا ؟! أنا ؟! أنا أشرف؟!


يتمتم بها بذهول وعيناه المشتتان ترويان حكاية ضياع...


لتجيبه بنفس النبرة المخذولة...والخاذلة ...:


_لا انت عدت أشرف ولا أنا عدت رانيا...ماعدتش قادرة أحس بالأمان معاك...ابعد ولاقي نفسك...يمكن لو لقيتها تلاقيني.


_قصدك إيه ؟!


يسألها مذعوراً والجواب في عينيها أوضح من أن يُجهَل...


فيجد نفسه ينكب عليها من جديد ...


يحتويها بين ذراعيه ليهمس في أذنها بحرارة لوعته :


_ولما أبعد مين هيداوي جرحي غيرك؟! ومين هيداوي جرحك غيري؟! هو احنا لينا غير بعض؟!


دموعها لاتزال إجابتها الوحيدة وسط هذا الحزن الذي يعتصر قلبها...


ضعفها ليس غريباً عليها ...


لكن ضعفه هو ...هو الغريب!


_أنا محتاجك جنبي...انت الحاجة الوحيدة اللي ممكن ترجعني أقف على رجلي تاني .


يهمس بها بوهن أرهق رجولته ...


هو الذي ضج من فرط تظاهره بالقوة !


_ياما قلت لك صارحني...قل لي مالك...انت اللي كنت بتبعدني .


تهمس بها بعتاب وكأنه ينقصه الجلد !


ليبتعد عنها هاتفاً بحرقة :


_مااسمهاش ببعدك...اسمها بحميكِ...كنت خايف عليكِ...كنت عارف إنك أضعف من إنك تشيلي معايا ...


ثم لوح بسبابته المرتعشة في وجهها ليردف بنكهة اتهام :


_وانتّ كمان استحليتِ الدور ده ...كنتِ بتقفي ساكتة تتفرجي...زي ما تكوني بتسألي بس تقضية واجب...كنتِ خايفة تتصدمي وراضية بإني شايل الحمل عنك .


ورغم يقينها بصحة ما يقول لكن صدمتها بما حدث لها جعلتها تهتف مدافعة:


_خلاص بقيت أنا الغلطانة ؟! أنا اللي خليتك تجري ورا دور أكبر منك ؟! أنا اللي خليتك تتورط مع ناس ما بترحمش ؟! أنا اللي خليتك تدمن الزفت ده لحد ما كنت هاضيع معاك ؟!


عيناه تلتمعان ببريق حقيقي من دموع وهو يرتد برأسه للخلف يراقبها بنفس الدهشة الممتزجة بالألم...


كان يعلم أن مواجهةً كهذه آتية لا ريب ...


لكنه لم يتصور أن تكون على قلبه بهذه القسوة وهو يرى حبيبة عمره التي طالما انصهرت معه في كيان واحد تطلب الآن أن تنفصل عنه ...


والأقسى أنه لا يمكنه لومها بعد ما حدث !


_هتعالج يا رانيا...هارجع زي الأول...بس محتاجك جنبي.


قالها بنبرة وهن غريبة على رجل اعتاد أن يكون هو دعم كل من حوله...


قالها واضعاً كفه على صدرٍ -طالما احتواها بحنانه-..


قالها كما يشعر بها في قلبه ...


ملتهبة...حارة...موجعة...


تحترق بألمهما معاً !


لكن النظرة في عينيها منحته الجواب ...


على مفترق الطريق هاهنا...تنفصل خطواتنا...


من يدري...لعل بعدها يكون لنا ثانيةً لقاء!


=========


وقفت تراقب جلسته على الأريكة وقد أخفى وجهه بين كفيه ...


جزء بداخلها يلومه على ما وصلت إليه الأمور ...


لكن "أمومتها" الخفية له تجعلها تعذره...


سلطان "شكوكه" أقوى من أن يقاومه ...


هذا السلطان الذي تهاوى أمامه كل شيئ حتى صداقة العمر !


المؤسف هنا أنه لم يفسد حياته فحسب ...


بل أفسد حياة بنات خالته كذلك !


طباعه "الوسواسية" تجعله يميل دوماً للاستقرار على رمال "اليقين" ...


لكن كيف نعبر البحر نحو مرادنا إذا ظلت أقدامنا متشبثة بالشاطئ...


قليل من المخاطرة بصراع الموج هو ما يعطي الرحلة معنى!


تقدمت منه بخطوات متمهلة ليصله رحيق ياسمينها المميز ...


فيرفع وجهه المتعَب نحوها بنظرة تجيد خطف قلبها ...


ودون كلمات أخذت مكانها على ساقيه لتمنحه مكانه على صدرها بينما تطوق جسده بذراعيها بقوة حانية...


آهته رغم خفوتها تقرع قلبها بقوة شعورها بألمه ...


بصراعه بين معتقدات عقله وبين شعور قلبه...


تقبل جبينه بعمق ...تداعب خصلات شعره بحنان صامت...


فيهمس لها دون أن يغير جلسته :


_طبعاً شايفاني غلطان ؟! هانيا ورانيا اتطلقوا بسببي...داليا كانت هتضيع ...خسرت صاحب عمري...حتى أمي رغم إحساسي بندمها مش قادر أقرب منها.


لكنها تشدد ضغط ذراعيها حوله لتهمس له مؤازرة:


_كل حاجة في الدنيا لها وشين ...الفكرة احنا بنبص لها من أي وش...انت شايف نفسك ضيعت بنات خالتك ...وانا شايفاك من ناحية تانية بتحتويهم كأنهم بناتك...واحد غيرك كان قال وأنا مالي ...لكن انت مشكلتك بالعكس ...انك حاطط نفسك مكانهم في نفس المشكلة ...وبتتصرف من هذا الأساس...


ثم تنهدت بحرارة لتردف:


_اللي أنا مش قادرة أستوعبه ...مروان...ده صاحب عمرك !


هنا يرفع إليها رأسه فجأة ليهتف بانفعال:


_عشان كده ما توقعتش ده منه...حتى لو ما صدقتش المجنونة داليا...حتى لو قلت هو مش ممكن يتجرأ عليها ...لكن يطلع بيكلمها من ورايا ...أنا اللي كنت قدامه كتاب مفتوح...عمري ما خبيت عنه حاجة...أنا اللي مابثقش في حد وثقت فيه هو ...يقوم يخبي عني كل ده ؟!


_مش يمكن خاف منك؟! خاف من طبعك الشكاك ؟! خاف يخسرك لو قاللك؟!


قالتها بنبرة مرتجفة وهي تتحدث بلسان نفسها لكنه لم ينتبه لهذا وسط انفعاله الجارف ليهتف بها :


_أثق فيه تاني إزاي؟! أعرف منين إنه مش مخبي حاجة تانية ؟! آآمن له تاني إزاي ؟!إزاي؟!


دمعت عيناها رغماً عنها وهي تتخيل نفسها في نفس الموقف لتهمس به :


_دي أكتر حاجة بتخوفني منك...للدرجة دي يا يامن مالكش عزيز؟!


زفر زفرة حارة وهو يضمها إليه بقوة ...


قبلاته العاصفة تفضح شعوراً يأبى أن ينطقه لسانه ...


عناقه الذي ازداد اشتعاله يبرهن على تشبثه بها ...


حتى قبل أن يصلها همسه :


_انتِ حاجة تانية ...دايماً بفكر فيكي من ناحية تانية...غير كل العالم.


همسه كان شديد الخفوت حتى أنها شكت أنه قد قالها حقاً ...


لكن من يهتم؟!


كفاها شعورها ببركان عاطفته وحممه الآن تجتاحهما معاً...


كفاها يقينها أنها الآن أقرب أهل الأرض لقلبه...


صدى آهاته لا يسمع إلا في وادي عشقها ...هي فقط !


ليس فقط جسداهما المتلاصقان...بل قلباهما اللذان تتراقص نبضاتهما على نفس الإيقاع ...


يامن لن يخذلها !


حبه لها سيهزم وساوسه مهما عظم سلطانها !


"لو شكيت ما تكملش"...


هذا المبدأ البغيض لن تنالها سهامه مادام يعشقها إلى هذا الحد !


هذا ما كانت تقنع به نفسها وهي تجذبه إليها بقوة عاطفتها لتتلقى عطايا عشقه بنفس القوة ...


ليت الزمان يقف هاهنا...


ليت الحب وحده يكفي ل"ترقيع" ما مزقته عيوبنا!


========


على أرضية الشقة الخاوية على عروشها يجلس مسنداً ظهره للحائط...


أفكاره عاصفة...مهتزة...مرتبكة...


وكلام غادة الذي رمته به يوقظ المشاعل في جنبات روحه واحداً تلو الآخر...


_انت بجد عايز تتجوزني؟! عايز تصلح غلط بغلط ؟! عايز تعند مع هانيا واللا مع نفسك ؟! أقوللك أنا الإجابة ؟! انت مش عارف انت عايز إيه بالضبط !


تنهد بحرارة وهو يرفع أحد ركبتيه ليسند ذراعه عليها ...


هو حقاً لا يعلم ماذا يريد ...


وأي عبثٍ هذا الذي يتخبط بين جدرانه ؟!!


هل يريد هانيا ؟!


هي ...كما هي ...دون تغيير ؟!


بجفاء ظاهرها ...باهتمامها المغالي بدراستها وعملها ...بثورة كبريائها...بطبيعتها المنغلقة التي تحرمه حرية التعبير عن المشاعر ...؟!


لا ! لا يريد كل هذا!


عجباً ...ألا يرى فيها إلا العيوب؟!


لماذا لا يعيد السؤال بصياغة أخرى؟!


هل يريد هانيا ؟!


هي ...كما هي ...دون تغيير؟!


بذكائها ...بقوتها...باعتمادها على نفسها ...بطيبة قلبها ...برحيق أنوثتها الذي يستثير رجولته كما لم تفعل به امرأة من قبل ...؟!!


الإجابة صعبة...محيرة...


_لا يا رامز ...مش هاتجوزك عشان أصلح غلطة ما عملتهاش...مش هامشي حياتي بكلام الناس ...مش هاعض الإيد اللي اتمدت لي ...مش هاخون صاحبتي ولا هاخون أحمد ...أنا خلاص عرفت كويس أنا عايزة إيه.


كلمات غادة تعاود اقتحام أفكاره ...


تعيد ترتيب القطع في "بازل" قصتهما المعقدة...


غادة علمت ماذا تريد ...


فهل يأتي يوم ويعلم هو الآخر ماذا يريد ؟!


========


_عاملالنا إيه النهارده ؟! نبيلة ورانيا بره هيموتوا م الجوع!


قالها وهو يدخل عليها المطبخ ليجدها قد أنهت إعداد الأطباق ...


احتضنها بين ذراعيه ذاك العناق القوي الذي يشفع لفراق اليوم كله ...


فرفعت عينيها إليه هامسة :


_وحشتني يا طيب...


ثم ابتسمت لتتلفت حولها مردفة :


_هانيا وداليا مارضوش ييجوا صح؟!


مط شفتيه باستياء مؤكداً توقعها لكنها ربتت على وجنته لتقول مدافعة :


_داليا أكيد زعلانة ومكسوفة منك ...كنت متوقعة إنها ما تجيش ...


_وهانيا ...عذرها إيه ؟!


قالها بضيق وهو يتذكر كيف رفضت دعوته هذه على العشاء بكلمات جافة مبررة بكونها لا تريد ترك داليا وحدها ...


_هانيا مش عايزة تواجه الناس ...بيتهيألها إن كل الوشوش هتبص لها باتهام أو بانتقاص...هي مش قوية زي ما انتم مصرين تحطوها في القالب ده ...هي بتكابر .


قالتها ببعض الأسف ليرد بانفعال:


_ناس مين اللي مش عايزة تواجههم ؟! ده أنا وانتِ؟!


_ما هي المشكلة يمكن في أنا ...مش عارفة ليه دايماً بحس إن هانيا وداليا بالذات مش بيستلطفوني .


قالتها بحرج ليقرص وجنتها مداعباً مع قوله :


_بلاش كلام فارغ...هي يمكن بس مسألة وقت على ما هم الاتنين يتخطوا اللي حصل ...هو برضه مكانش سهل .


هزت رأسها موافقة ثم أشارت نحو الرف العلوي قائلة :


_طب ياللا عشان ما نتأخرش عليهم...جيت في وقتك عشان تجيب لي مفارش السفرة من فوق.


نظر حيث تشير ثم عاد ببصره نحوها ليتراقص حاجباه مشاكساً مع همسه الماكر:


_لا...هتجيبيهم انتِ.


التمعت عيناها بهذه النظرة العابثة التي تجاري شقاوة حركاته وقد توقعت أن يحملها من خصرها بالطريقة التقليدية...


لهذا شهقت بعنف للمفاجأة عندما وجدته ينحني فجأة لتجد ساقيها يتدليان فوق كتفيه بينما يحملها هكذا كالأطفال...


فصرخت صرخة قصيرة وهي تترنح على كتفيه لتتمسك برأسه بقوة هاتفة بصوت خفيض:


_مش هتبطل جنانك ده ؟! الناس بره !


ضحك بمرح لمفاجأتها وهو يتحرك بها نحو الرف الذي تريده قائلاً :


_حلو المنظر من فوق يا "نخلة"؟!


_مفيش فايدة فيك !


قالتها ضاحكة وهي تتناول بغيتها لتردف :


_نزلني بقا خلاص!


_ببلاش كده ؟!


انحنت بوجهها نحو رأسه الذي رفعه نحوها لتلتقي الشفاه في حديث صاخب قبل أن تشعر به ينزلها أرضاً فيزداد صخبه أكثر ...


وفي مكانها خارج المطبخ توقفت رانيا بحرج عندما شاهدتهما لتغادر بسرعة قبل أن يلاحظا وجودها ...


عادت لبيللا لتجدها منشغلة بهاتفها فتنهدت بحرارة وهي تأخذ طريقها للحديقة التي كانت مظلمة في هذا التوقيت من الليل ...


مظلمة كحياتها ...دونه !


دمعت عيناها وهي تسترجع مشهد يامن وزوجته العاطفي الحار الذي رأته منذ قليل ...


والذي ذكرها بنعيم أيامها مع أشرف...


الحلم الذي عاشته بطول عمرها كله لتفيق منه على كابوس!


تحسست بطنها بحسرة وهي تتخيل ...


ماذا لو لم يكن قد تورط في قصة إدمانه هذه ؟!


ماذا لو لم تكن قد تهورت بذهابها هناك تلك الليلة ؟!


ساعتها كانت لتكون الآن معه...ينتظران طفلهما...ينتقيان اسمه...يشتريان حاجاته...يتابعان نموه يوماً بعد يوم...


ينام بين ذراعيها كل ليلة واضعاً رأسه جوار خفقات صغيره في بطنها !


انهارت في البكاء أخيراً وهي تخفي وجهها بين كفيها ...


كيف انتهيا هكذا ؟!


كيف انقلبت سفينتها الآمنة لتلقي بها في عرض البحر؟!


كيف بهذه البساطة افترق جسداهما وهما اللذان انصهرت روحاهما كل هذا العمر؟!


تربيتة حنون على كتفها جعلتها ترفع عينيها لتجدها أمامها تهمس بحنان آسف:


_الأكل جاهز...واقفة هنا لوحدك ليه ؟!


مسحت رانيا دموعها لتقول لها بابتسامة مصطنعة:


_طب ياللا ندخل.


لكن ياسمين جذبتها بين ذراعيها لتعانقها بدفء صامتة للحظات ...


قبل أن تهمس لها :


_أنا حاسة بيكي قوي...مفيش كلام في الدنيا ممكن يوصف وجعك...لكن أنا مقتنعة إن ورا كل وجع درس بنتعلمه ....


ثم صمتت لحظة لتردف :


_لو كنت مكانك ما كنتش سبته لحد آخر لحظة في عمري...أكرم لي أموت وأنا بدافع عن حبي من إني أعيش بتحسر عليه .


الحرارة التي كانت تتحدث بها زادت لهيب الوجع في قلب رانيا التي همست لها بين دموعها :


_ما قدرتش...ماقدرتش أعيش مع واحد تاني غير اللي عرفته طول عمري...أشرف ما بقاش هو نفس الشخص اللي حبيته وحبني.


_بس حبه ليكي ما اتغيرش...امبارح كلم يامن وقالله إنه بدأ العلاج وهيستمر فيه عشان يرجع لك...ليه ما تكونيش جنبه الفترة دي؟! ليه تحرمي نفسك وتحرميه من إنكم تشاركوا بعض وجعكم زي ما اتشاركتم كل حاجة حلوة قبل كده ؟!


_عشان خايفة ...خايفة ما يكملش...خايفة ما يقدرش...خايفة يأذيني تاني...وخايفة أكره نفسي لما أحس إنه خلاني أكرهه.


قالتها رانيا بين شهقات دموعها لتضمها ياسمين أكثر هامسة بعتاب:


_وهتفضلي خايفة طول ما انتِ بعيد ...أنا عارفة إن كلهم حاطوكي في إطار البنت الضعيفة اللي بتغرق في شبر مية...انتِ بالذات بيعاملوكي زي الطفل الصغير اللي لازم يقضوا له طلباته ويحددوا مصيره...الغريب إنك راضية ومبسوطة بالصورة دي...بس دي الحرب الوحيدة اللي ماينفعش حد يدخلها مكانك...انتِ اللي لازم تنصري قلبك مش أي حد تاني.


رمقتها رانيا بنظرة حائرة من عينين ضائعتين لم تختبرا من قبل معنى اتخاذ قرار ...


كلام ياسمين يبدو براقاً حماسياً لكن لأي أنثى أخرى سواها !


هي التي لا تجيد سوى لعب دور "الضحية"...!


وليس أسهل من نلقي أوزارنا ليحملها عنها غيرنا ...


زهيدٌ هو الحب -أحياناً- عندما نقايضه ب"راحة بال"!


=========


_ما تتأخرش ...عاملالك مفاجأة.


ابتسم ابتسامة عابثة وهو يقرأ رسالتها على هاتفه بينما هو في عيادته...


هذه الرسالة المرفقة بصورة لعلبة متوسطة الحجم مع عدد من الأكياس الصغيرة التي لا يعرف محتواها لكنه يمكنه تخمينه مع اختيارها لوضعها على الفراش جوار عدد من الشموع !


_علمناهم الشحاتة !


رد بها بسرعة وابتسامته تتحول لضحكة خافتة متوقعاً ردة فعلها التي جاءته في تلك الصورة "ايموشن" لوجه يغمز بعينيه مع رسالتها:


_سبقناك ع البيبان يا "دوك"....عارفة إنك هتقعد على نار لحد ما تعرف الأكياس دي فيها إيه .


داعب ذقنه بأنامله وهو يشعر بالإثارة تجتاحه مع كلماتها ...


هل من الممكن أن يشعر يوماً بالملل مع امرأة كهذه ؟!


امرأة تمنحه كل أدوار النساء التي افتقدها في حياته ...


الأم...الطفلة...الصديقة...الزوجة...والحبيبة !


تنهد بحرارة عند الخاطر الأخير لينظر في ساعته...


حسناً...لم يبقَ إلا القليل لينظر ماذا أعدت له -الماكرة- من مفاجآت !


ضغط زراً في مكتبه كي تدخل مساعدته الحالة المنتظرة...


ثم جلس مكانه ملتقطاً أدواته المعقمة في وضع الاستعداد...


الاستعداد الذي لم يكن "لفظاً" مناسباً هاهنا والباب يُفتح ليتقدم منه الرجل ...


عيناه تشتعلان بغضب وهو يميز هويته !


لقد رآه مرة من قبل ...مرة واحدة كان يتشاجر فيها مع ياسمين في الشارع...


لكنه يشعر أنه رآه كثيراً ...


رآه في كل نظرة ذعر كانت تحتل عينيها عندما يمسها ...


رآه في كل آهة ألم كانت تنبعث منها عندما تتذكر ماضيها معه...


رآه في شعور بالخزي لم تعرفه امرأة مثلها إلا مع وغد مثله ...


ورآه في كل لحظة غيرة تقتله وهي بين ذراعيه وهو يتصور أنه سبقه إليها!!


أجل...رامي!!


جسده يتصلب للحظات ثم يشتعل برغبة عارمة في الانتقام ...


لم يشعر بنفسه وهو يقف مكانه ليجد نفسه فجأة أمام الرجل الذي كانت عيناه تنضحان بغيظ لا يقل عنه ...


ملامحه هو الآخر تصرخ بأنه لم يأتِ في خير ..


وإن رسمت شفتاه ابتسامة سمجة رافقت قوله :


_قصدت أجيلك هنا عشان ماتتهورش قبل ما تسمعني.


أنفاسه تتسارع بجنون وهو يضم قبضتيه جواره وكل ما فيه يناشده بضبط النفس ...


لكن أي ضبط نفس هاهنا؟!


وكأنما تحركت قبضته من تلقاء نفسها ليفيق على صوت تأوهه أمامه ...


قبل أن يندفع رامي ليدفع جسد يامن أمامه فيحاصره في زاوية الغرفة مكبلاً ذراعيه ...


يامن الذي انفجرت طاقاته كلها فجأة ليتحول الأمر لقتال قصير لم يدم سوى لبضع دقائق منتهياً برامي تحت قدميه يتأوه بقوة والدم يسيل من وجهه !


صوت طرقات الباب يجعله يفيق من فورة غضبه...


ليتوجه نحوه فيفتحه قائلاً لمساعدته ببرود قاسٍ:


_مشي كل الحالات وامشي انتِ كمان ...واقفلي باب العيادة وراكِ.


لم يكترث لنظرة الرعب التي رمقته المرأة بها وهي ترى جسد رامي المتكوم على الأرض قبل أن تشير برأسها في طاعة لتفعل ما أمرها به !


بينما أغلق هو الباب خلفه ليلتفت نحو رامي الذي وقف مترنحاً مكانه ليقول بينما يحاول كتم نزيف أنفه:


_هتندم على اللي عملته بس بعدين ...كفاية عليك تعرف اللي جيت عشانه النهارده.


كانت دقات قلبه تدوي في صدره بهدير قاسٍ وهو يود لو يعيد الكرة ...


لو يظل يضربه ويضربه بقدر ما آذاها...


بل لو يقتله نكالاً بما قتله من روحها!


لهذا عاد يتقدم نحوه وقد أنذرت ملامحه بعاقبة أقسى هذه المرة...


لولا أن رفع رامي هاتفه أمامه ليقول وسط أنفاسه اللاهثة:


_شوف ده الأول عشان تعرف هي تستاهل حمقتك دي واللا لأ.


========

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...