القطعة الثامنة عشرة
**************
واقفة في حديقة البيت تنتظره بترقب ...
ترتدي إحدى مناماتها الطويلة التي كفت عن ارتدائها من زمن لكنها تعمدت هذا في مناورة -ماكرة- لما تنتويه !
ابتسامتها العابثة تزين شفتيها وهي تسترجع مفاجأتها "الشقية" له !
مفاجأة واحدة ؟!
لا...بل العديد من المفاجآت !
لماذا تأخر؟!
ساعة كاملة مرت على موعده المنتظر وهي لا تكاد تطيق صبراً !
صوت بوق سيارته يصدح أخيراً بالخارج فتتأهب حواسها جميعها ...
تعدو بخطوات رشيقة لتختبئ خلف الباب الخارجي الذي فتح ليطل هو منه قبل أن يغلقه خلفه بعنف لم تنتبه هي له...
_اخس عليك...وأنا اللي قلت هتطير عشان تعرف مفاجأتي.
هتفت بها بمرح وهي تتعلق بذراعيها في عنقه ...
لكنه حافظ على ذراعيه جواره مع تصلب جسده ليقول بنبرة باردة :
_أنا كمان عامللك مفاجأة.
_بجد ؟! قول انت الأول !
قالتها بدلال وهي تميل على وجنته لتقبله فتصطدم بابتعاده عنها بينما يغلق عينيه بقوة ...
انعقد حاجباها وهي تشعر بغرابته لتغمغم بحيرة:
_مالك يا يامن ؟! فيك حاجة متغيرة ؟!
_أكتر واحدة بتفهمني...صح؟!
نبرته الساخرة التي حملت الكثير من المرارة أقلقتها لتعاود اقترابها منه باسطة كفيها على صدره بينما تتفحص ملامحه في ضوء الحديقة الخافت ...
شفتاه ترتجفان كعهده عندما يخفي غضباً يكتمه...
أنفاسه غير منتظمة ...
عيناه ذابلتان شديدتا الاحمرار وكأنه كان ...يبكي؟؟!!!
قلبها ينقبض لوعة بين ضلوعها وذراعاها تتشبثان بخاصرته مع همسها القلق:
_فيه إيه ؟!
إطراقة رأسه ظلت جوابه الوحيد لدقيقة كاملة ألجمها فيها توترها أن تعاود السؤال ...
قبل أن يرفع إليها عينيه العاصفتين بقوله :
_مش عايزة تتمرجحي ؟! من زمان ما عملناهاش!
برودة لكنته الساخرة تصدمها وهي تشعر بالغرابة ...
لتشهق بعنف وهي تراه يجذبها خلفه يكاد يعتصر كفها في قبضته ليسير بها نحو تلك الأرجوحة اليدوية التي صنعها لها بنفسه يوماً ...
كفاه اللذين كانا الآن ككلابتين من نار يطوقان خصرها ليرفعها فوقها أمام عينيها الذاهلتين ...
تشهق من جديد ببعض الخوف وهي تراه يدفع الإطار الذي يشكل قاعدة الأرجوحة بعنف جعلها تتشبث بالسلسلة المعدنية بقوة هاتفة :
_بالراحة يا يامن ...انت كده بتخوفني.
لكنه يبدو وكأنه لا يسمعها ...
شياطين غضبه تتراقص على ملامحه الشاردة بينما يهتف بنبرة حادة :
_مش عايزة تعرفي مفاجأتي!
صدرها يعلو ويهبط بانفعال وهي لا تفهم ما يجري هنا ...
ماذا الذي يحدث له ؟!
هي لم تره يوماً بهذه الحالة الغريبة ؟!
عيناها المصدومتان ترمقانه بنظرة وجلة فيوقف الأرجوحة فجأة ليقترب بوجهه من وجهها هامساً ببطء ساخر:
_مش أنا عرفت مين زين!
ملامحها التي شحبت فجأة كانت أبلغ اعتراف !
الدموع التي تكدست في عينيها ...
الانتفاضة التي عجز عن استعابتها جسدها ...
وهذه الزفرة الحارقة التي بدت وكأن روحها قد غادرت معها !!
هل يحتاج بعد كل هذا لدليل؟!
كفه يرتفع بغضب نحو وجهها لكن صرختها تجعله يوجهه نحو السلسلة المعدنية التي أدمته لكنه لم يكن يشعر بألم ...
جسده يتأرجح بين فورة غضب تجعله يكاد يغلي...وبين ألم موت يثير الخدر في أوصاله ...
منذ غادره ذلك الحقير وهو يجوب الشوارع محاولاً استيعاب كل هذا الذي حكاه له !
وكأنه كان يحكي له عن "ياسمين" أخرى غير تلك التي عشقها بكل جوارحه !!
_ست شاذة ...مش طبيعية ...مش هتصدق كانت بتطلب مني إيه ! صبرت عليها مرة واتنين لغاية ما عرفت أخلاقها القذرة.
_انت فاكر إني كنت أول راجل في حياتها ؟! الهانم كانت مقضياها ...والدليل اهه ...شفتها بعنيّه معاه !
_اسمه زين...كان شريكي...ده فيديو ليها وهي معاه في جنينة بيته...كانت حفلة حضرناها واكتشفت إنها مش موجودة...خرجت أدور عليها مالقيتهاش...تاني يوم لقيت الفيديو ده مبعوت لي ...واجهتها...ما أنكرتش...طلقتها ومع ذلك ما خلصتش من لسانها ...كانت مصدرة للناس وشها البريئ وبتتهمني باللي كانت هي نفسها بتطلبه وأنا برفضه ...شفت بجاحة أكتر من كده ؟!
_أنا جيت النهارده عشان عرفت إن البيه لسه بيجري وراها...وإن الهانم لقت ضحية جديدة تضحك عليها...دي صورة جديدة لهم سوا في مطعم السينابون بتاعها بعد ما رجع من السفر ...وأظن ده كان بعد جوازكم بفترة.
_انت ضربتني بس بكرة تشكرني لما تعرف الفخ اللي نجيتك منه...الفيديو والصورة مش متفبركين وممكن تتأكد بنفسك !
كان يلهث بقوة عند الخاطر الأخير وكأنه كان يعدو في سباق طويل!!
لا يصدق أنه سمح لرجل...أي رجل ...أن يقذف زوجته هو بهذه الأوصاف!!
لكن صدمته فيما رآه جعلته ينسلخ عن جلده !!
جعلته يشعر وكأنما هو فقط يراقب أحد كوابيسه مستسلماً حتى يصحو ككل صباح ليجدها بين ذراعيه !!
صدمته التي يبدو أنه لم يفق منها إلا الآن وهو يستخرج هاتفه هو من جيبه ليقذفه في وجهها صارخاً بجنون:
_افتكريه معايا مادام كنتِ ناسياه !
ارتجف جسدها برعب وهي تفتح هاتفه لترى خطيئتها مجسدة أمامها !
الصور تتابع أمامها فلا تكاد تصدق نفسها ...
إذا كانت هي تعجز عن التعرف على نفسها بهذا الوضع...
تكاد تنكر ...لولا أنها تذكر...
لا...لا....لم يكن الأمر بهذه البشاعة...
أو لعله كان ...وهي التي تناست حتى نست!
ها هي ذي تسقط من قمة معبد عشقها الذي نصبته حجراً حجراً لتهوي نحو القاع!!
هل رآها يامن هكذا؟!
هل رآها يامن هكذا؟!
كل رصيد حبها سيساوي الآن صفراً أمامه!!
بينما كان هو يتفحص ملامحها بحرقة وهو يود الآن لو تنكر ...
لو تثور ...تعترض ...تدافع ...
لو لم تفعلها الآن...فسيقتلها!
سيعتصر عنقها هذا بين كفيه حتى يزهق أنفاسها واحداً واحداً ...
الرغبة الأخيرة جعلته يضغط بأسنانه على شفتيه حتى أدماهما ...
قبل أن يعطيها ظهره ليبتعد بضع خطوات محاولاً التقاط أنفاسه المختنقة...
أما هي فقد أفاقت من صدمتها لتنظر لظهره بجمود ...
لا يمكن أن ينتهي الأمر هاهنا ...
دون أن يسمع...دون أن يفهم...دون أن يعذر!!
كيف؟!
ما كان معنى ما بينهما إذن؟!!
لا ...مستحيل!!
حاولت الهبوط من على الأرجوحة التي كانت عالية نوعاً لكنها فقدت اتزانها لتجد نفسها تسقط على الأرض ...
يلتفت نحوها فيجدها تحت قدميه ولا يبالي أن يرفع لها يداً !!
الآن هي بالأسفل ...وهو بالأعلى ؟!!
هذا المشهد الذي استنفر كبرياءها لتنهض وحدها وتواجهه بعينين مشتعلتين ...
_جبته منين الفيديو ده ؟!
_من رامي!
_الحيوان اللي كنت بتضايق لما بجيب سيرته ؟! دلوقت صدقته ؟!
كانت تتحدث وهي تدور حوله ...
نبرتها الجامدة بنكهة استنكارها لا توحي بجحيم روحها بينما كان يبدو هو وكأنما ينفث براكين من لهب ...!
_قولي إنه كداب ...قولي إن الصور مش حقيقية...قولي إنك ما قابلتيش زين ده بعد جوازنا ...الطاقم اللي انتِ لابساه في الصورة الأخرانية أنا اللي شاريهولك .
صرخ بها بجنون وهو يعتصر زنديها بقوة آلمتها لكن أي ألم كان يبدو هيناً أمام تمزق قلبها الذي كان ينزف بصمت ...
_الفيديو والصور حقيقيين...أنا فعلاً قابلت زين بعد جوازنا.
قالتها بنبرة ظاهرها تحدٍّ وباطنها...باطنها موت!
ذراعاه يتراخيان حولها وهو يشعر باعترافها يضع النصل الأخير في عمق قلبه...
أن يسمع...أن يرى...أن يعي ...كل هذا لا يساوي شيئاً أمام أن تقولها هي!
هل كان محقاً في هواجسه نحوها؟!
وساوسه لم تكن مجرد شكوك ...كانت حدساً!
وهو الذي حاربها لأول مرة...
لأول مرة في حياته يفعلها لأجلها!!!!
_كنتِ بتخونيني؟! زي ما خنتيه قبلي؟!
تمتم بها مصعوقاً وأظافره تنغرس في لحم ذراعها لتجد نفسها تصرخ نافية بانهيار:
_لا خنتك ولا خنته...ليلتها كنت رايحة له عشان ...عشان...
صمتت لحظة بعدها لتقطع عبارتها بينما تهز رأسها لتردف بين نزيف دموعها:
_أنا بعمل إيه ؟! بعمل إيه؟! بدافع عن نفسي قدامك ؟! قدامك انت؟! عن شرفي؟! عن حبي؟! بعد كل اللي بيننا ؟!
لكنه بدا كأنه لم يسمعها ...
كانت بين ذراعيه حقيقة لكن ما بينهما كان كما بين المشرق والمغرب!
دموعها...صراخها...كلماتها التي بدت كالهذيان...
كل هذا لم يكن في عينيه أكثر من دلائل إدانة !
_مش مصدق! مش مصدق إني أتلدع من نفس الجحر ثلاث مرات !
صرخ بها بحدة وعروق وجهه النافرة تحكي ألف قصة عذاب ...
لتشهق هي بارتياع بينما صراخه يزلزل روحها:
_قابلتيه كام مرة بعد جوازنا؟! كل الليالي اللي كنتِ بتتأخري فيها وتتحججي بالشغل؟! كل رعبك من إني ألمسك كان تمثيل ؟! كل حكاياتك عني وعن طليقك كانت كذب؟! إزاي كنتِ بتقدري تتلوني كده ؟! كنتِ عايزة توصلي لإيه معايا بالضبط ؟! انتِ شيطانة زي صاحبتك اللي عملتها زمان !
دموعها تجف فجأة كأن لم تكن !
اتهامه الصريح يصفعها...لكنه يتلقفها ليجذبها لأقرب أرض صلبة يمكن أن تقف عليها !
كبرياؤها!
هذا الذي جعلها تنفض ذراعيه عنها بعنف لتهتف بتنمر غريب على طبيعتها معه:
_مادام مصدق عليَّ كده مش هاناقشك...مادام كل اللي بيننا طلع ما يستاهلش حتى إنك تسألني قبل ما تحكم عليّ يبقى مالوش لازمة...عايز تصدق إني خاينة زي كل الستات اللي عرفتهم ؟! صدق! ارجع لدنيتك السودة اللي بترتاح لها...ارجع لوساوسك وشكوكك وعينيك اللي مابتشوفش أبعد من نفسك وبس...حتى لو عرفت الحقيقة ورجعت لي ندمان...مش هسامحك...من اللحظة دي اللي بيننا انتهى .
لم تكد تتفوه بآخر عبارة حتى انهارت كل قوتها لتشهق شهقة عالية وهي تمسك صدرها بقوة ...
صرخة قصيرة انبعثت منها وهي تشعر بأنها ستفقد وعيها في أي لحظة ...
ستسقط ...لكن ليس هنا!
لهذا دفعته بكل قوتها لتعدو مغادرة البيت كله غير آبهة بما ترتديه ...
تلاحقها نظراته المصعوقة بكل هذا الذي يحدث ...
هذا الذي يفوق أكثر كوابيسه بشاعة !
لا ...لايزال هناك المزيد!
فهناك عند الباب ظهرت هانيا فجأة والتي اندفعت نحوه هاتفة بجزع:
_مصيبة يا يامن!
تقلص وجهه بابتسامة متشنجة مريرة وكأنه لا يتوقع المزيد بينما تقدمت هي نحوه لتسأله بينما تتلفت حولها:
_فين ياسمين؟! عرفت طليقها عمل إيه؟!
انعقد حاجباه بقوة وحديثها يهدم آخر حصون تحمله:
_الحيوان منزل فيديوهات وصور زبالة ليها على صفحتها وصفحتك على الفيس ...مش بس صفحتكم....أنا وبيللا ورانيا وداليا...التليفونات ما بطلتش رن ...فضيحة يا يامن...فضيحة !
=======
_مش وعدتك أرجعهولك ؟!
هتفت بها سيلين بلكنتها الغريبة التي تمزج عربيتها الركيكة ببعض الانجليزية أمام صغيرها النائم في سريره ...
قبل أن تبتسم برضا وهي تميل تقبله لتهمس وكأنه يسمعها :
_بكرة ييجي لحد هنا يطلب يشوفك وأنا اللي أقولله لأ.
قالتها ثم عادت تستقيم بجسدها لتخرج من الغرفة قبل أن تتناول هاتفها لتتصل برقم ما ...
_عملت إيه يا رامي؟!
_زي ما اتفقنا بالضبط...وزمان البرنسيسة متروقة دلوقت ...ده لو ماكانش قتلها .
ابتسامة ظافرة ترتسم على شفتيها وهي ترى نجاح خطتها الكامل ...
هل تصور يامن أنه سيخرج من قبضتها بهذه البساطة ؟!
ألا يعلم أنها لن تخسر يوماً شيئاً أرادته...
وهو ليس مجرد شيئ...
هو أبو ابنها الذي لن تقبل بفقده أبداً!
_الفيديو اللي معايا ما كانش هيعمل حاجة من غير صورتها اللي بعتيهالي مع زين ...البنت المساعدة بتاعتها في المطعم دي جت في وقتها ...برافو عليها إنها لحقت تصورهم يومها .
قالها بتشفٍّ ظاهر لتسأله بتعجب:
_اللي أنا مستغربة له ...انت ليه ما فضحتهاش بالفيديو ده قبل كده ؟!واشمعنا قبلت تتعاون معايا دلوقت .
ضحكته القصيرة كانت جوابه ليتبعها بقوله :
_المصالح بتتصالح ...زين ما كانش هيسكت...هو مش قليل...كان لي شغل كتير معاه...لكن خلاص مصلحتي معاه خلصت وجه وقت الحساب ....
ثم صمت قليلاً ليردف بنبرة أقسى:
_زمان فضيحتها دلوقت على كل لسان ...الهانم اللي كانت عاملالي فيها خضرة الشريفة وهي بتلعب من ورا ظهري ...الفيديو ده اتبعتلي من زمان أيام ما كانت على ذمتي...وقتها اتجننت كان نفسي أفضحها من وقتها بيه لكن اللي كان محجمني شراكتي مع زين بيه......بس أنا ما سكتتش جبت واحدة في بيتها وعلى سريرها وخلتها تشوفني بخونها ...ضربتها بكل الغل اللي كان ماليني وقتها ...ساومتني ع الطلاق قلت اخلص منها ... لكن لما ظهرت انتِ وطلبت مساعدتي لقيتها فرصة نصفي حساباتنا القديمة .
_تفتكر يامن هيطلقها ؟!
_ده لو ما طلعش روحها في إيده قبلها ...انت ما شفتيش منظره بعد ما شاف الفيديو ...خلاص ما عادش هيرفع عينه في عين حد بعد ما رفعت الفيديو على صفحتها وصفحته ع الفيس...فضيحة تمام المرة دي .
قالها بنفس النبرة الظافرة لتضحك ضحكة طويلة ناسبت قولها:
_الخطة ما كانتش هتنجح غير بينا احنا الاتنين...لو يامن كان شاف الفيديو بس كان ممكن تضحك عليه بكلمتين وتقولله ماضي وراح...لكن صورتها الجديدة معاه هتخلليه يصدق إن اللي بينهم لسه ما انتهاش وإنها بتخونه زي ما كانت بتخونك .
_وبعدين ...فيه حاجة تانية هنعملها بعد كده ؟!
ابتسمت ابتسامة متشفية لتقول باقتضاب:
_نستنى ...ونتفرج !
======
_حلو يا أحمد ؟!
قالتها مبتسمة أمام مرآتها صباحاً وهي تطالع شكلها الجديد بحجابها !
عيناها ترمقان ملامحها بفخر ومشهد فِراشه ووسادته في خلفية الصورة يمنحها الكثير من الأمان الذي تحتاجه ...
ابتسامتها تتسع وهي تعدل وضع حجابها ليغطي مقدمة صدرها ...
عباءتها الفضفاضة حديثة الطراز من "الجينز" الأزرق تكسبها مزيجاً من الأناقة والحشمة...
ووشاحها الوردي يخفي خصلات شعرها التي تراجع لون منابتها النبيذي المصبوغ ليظهر لونه البني الأصلي ...
صفحة وجهها نقية...
ليس فقط كونها خالية من مساحيق التجميل ...لكنها هذه المسحة الجديدة من السكينة التي ملأت روحها بعد الحادث...
بل بالتحديد بعد زيارة والد أحمد وتسلمها خطابه !
وكأنها كما قال لها ولدت من جديد ذاك اليوم ...
بداية جديدة منحها لها القدر وقررت استغلال عطيته أفضل استغلال ...
الخطوة الأولى كانت ارتداء الحجاب الذي لم تشعر به هذه المرة مجرد قطعة قماش ترتديها وفقاً للأعراف كما فعلتها قبلاً...
بل درعاً منحته لها شريعة السماء كي تقيها شرور الطامعين ...
ودرجة أخرى ترتقيها في سبيل صعودها الطريق لرب العالمين ...
الرحمن الذي تغمدها برحمته في أشد لحظات حياتها ظلمة وهي الغافلة التي لم تنتبه لهذا وسط حسرتها على خذلان البشر...
أجل...قدرها الرحيم الذي طالما ضاقت بكرباته لم تكن تخلو "مِحنه" من "مِنح"!
ربما يكون بلاؤها شديداً لكن رب الخير لا يأتي إلا بالخير...
هو الذي منحها حب أحمد ودعم هانيا واهتمام ورامز ....
هو الذي سخر لها الكثير من النعم التي كانت لا تراها بعين "سخطها" والآن تملأ ناظريها رضاً!
وعند الخاطر الأخير استدارت نحو الفراش بجسدها وكأنها تراه أمامها ...
كلمات خطابه تبزغ من مكان مشرق في ذاكرتها تعلم أنه أبداً لن يظلم ...
"أنا عارف أخلاقك كويس...وعارف إنك قادرة توقفي أي حد عند حده ...أنا مش بخاف عليكِ عشان ضعيفة ولا قليلة الحيلة...أنا بخاف عليكِ عشان احنا بقينا في دنيا وحشة قوي...خصوصاً للناس النضيفة زيك...انتِ كنزي يا غادة...والكنز بنخبيه ونحافظ عليه من عيون الناس ...بس بنبقى عارفين قيمته...عارفين إن الدهب بيفضل دهب ".
فتبتسم ابتسامة راضية وهي تستعيد معه قول أبيه...
_شوفي ممكن تعملي إيه تستاهلي عليه حياة تانية...شوفي إيه اللي كنتِ عايزاه يختفي واعتبريه مات الليلة إياها ...واللي عايزاه يعيش هو بس اللي هيتكتب له عمر جديد !
_غادة اللي حبيتها هي اللي هتعيش يا أحمد...مش غادة اللي هم عايزين يرسموها في دماغهم زي ما هم شايفين.
قالتها بحزم وهي تقترب أكثر من الفراش لتحتضن وسادته بقوة قبل أن تتركها من يدها لتغادر البيت نحو المكان الذي ترجوه...
صعدت البناية لتطرق باب الشقة الذي فتح بعد فترة ليطل منه وجه الرجل البشوش مستنداً على عصاه :
_غادة ؟! أهلاً يا بنتي...اتفضلي.
ابتسمت وهي تلج المكان بحذر تحاول قدر استطاعتها ألا تنجرف في تيار الذكرى ...
بينما أغلق الرجل الباب ليتوجه نحوها قبل أن يجلس جوارها متفحصاً ملامحها برضا مع سؤاله :
_اتحجبتِ؟!
اتسعت ابتسامتها وهي تومئ برأسها لتقول بشرود:
_كانت رغبة أحمد قبل ما يموت...كنت مجهزة نفسي أعملهاله مفاجأة أول ما يرجع من السفر ...بس هو ما رجعش.
تحشرج صوتها رغماً عنها في عبارتها الأخيرة وكادت تستسلم لضعفها القديم...
لكنها نفضت رأسها بعنف وكأنها تقوي هذه الروح الجديدة التي تسكنها لتردف :
_معلش اتأخرت شوية بس المهم إني لحقت نفسي.
هز الرجل رأسه وهو يطرق على الأرض بعصاه بحركات رتيبة وقد بدت له عبارتها تحمل من المعاني أكثر بكثير مما تتحدث ظاهرياً عنه ...
ليصمت لبضع لحظات سبقت سؤاله الحذر:
_رجعتِ شغلك ؟!
أطرقت برأسها للحظة ثم عادت ترفعه لترد باعتداد:
_للأسف ماعنديش حل تاني دلوقت...بس هادور على شغل جديد...مش هيأس.
_وليه تسيبيه ؟!
بنفس الحذر يسألها لتشيح بوجهها دون رد ...
بينما هو يردف بنفس النبرة المحايدة :
_أنا شايف إن قدامك فرصة ماتتعوضش...رامز رجل محترم ومن كلامك خلاص علاقته بمراته مش هترجع...وهي ماصانتش العشرة اللي بينكم وفضحتك بالكدب...جوازك منه دلوقت هيرد اعتبارك...هيديكي الأمان اللي انتِ محتاجاه.
فاستدارت بوجهها نحوه لتكتسح شفتيها ابتسامة ساخرة فاضت بمرارة قولها:
_الأمان؟! الأمان في راجل عايز يتجوزني إنقاذ موقف؟! واللا عِند في اللي كانت مراته وصاحبتي؟! لا يا عمي...حتى لو هي ما صانتش العشرة أنا مش هاخون .
لاحت على شفتي الرجل ابتسامة اعتزاز لكنها لم تميزها وسط شرودها باستطرادها:
_لو قبلت عرض رامز يبقى هافضل ألف في نفس الدايرة...يبقى مااتعلمتش حاجة من كل اللي فات.
_ربنا يهديلك نفسك يا بنتي...أنا كده اطمنت عليكِ.
قالها الرجل بنفس النبرة الراضية لتغتصب هي ضحكة قصيرة بينما تسأله :
_كنت بتمتحنني يا عمو؟!
_أيوه...ونجحتِ.
_مممم...وجايزتي؟!
قالتها بمرح منطلق لم تعرفه منذ زمن بعيد وعيناها تلتمعان ببريق حقيقي نابع من روحها الجديدة...
ليجيبها بغموض :
_سيبيها لله...لو اللي في بالي اتحقق هتبقى فعلاً أحلى جايزة.
رفعت حاجبيها بترقب لكنه هز رأسه ليردف بمرح حنون:
_إيه رأيك تتعشي معايا ؟! بطني نشفت من المسلوق ...بفكر الليلة دي نعمل سوا صينية مسقعة.
_مسقعة يا عمو؟!
شهقت بها باستنكار ليردف بينما يقوم مستنداً على عصاه :
_ماتخافيش...مش هنسبكها ...كله ني في ني...رشة زيت زيتون وعلى الفرن عدل...خفيفة ومش هتتعبني...قومي قومي.
ظهر التردد في عينيها مشفقة عليه ليقول لها بعناد :
_هتقومي واللا أخلليها بطة محمرة وبشاميل ؟!
_لا لا ....المسقعة أرحم.
هتفت بها وهي تلوح بكفيها أمام وجهها لتنهض وتتوجه معه نحو مطبخ شقته المتواضع ...
عرضت عليه الجلوس والاكتفاء بمراقبتها لكن الرجل قال باعتراض حازم :
_سيبيني أحس إني لسه عايش يا بنتي...احنا عايشين طول مااحنا بنعافر أول ما بنبطل معافرة بنموت بالحياة.
خفق قلبها بعمق شعورها بالشجن الذي احتل صوته...
عبارته البسيطة تطرق أبواب ضلوعها لتشعرها كم هما متشابهان...
ربما يفصلهما في العمر الكثير من الأعوام لكنهما شريكان في الوجع...
في الوهن...في المكابرة لأجل ألا يسقطوا تحت أقدام اليأس.
لهذا تنهدت بحرارة وهي تومئ برأسها في طاعة...
أناملها الناعمة تربت على كفه غائر العروق قبل أن تهتف بمرح عاد يحتل نبراتها:
_أجمد صينية مسقعة نعملها سوا.
======
أغلق باب العيادة خلفه ليستند بظهره إليه وقد انتوى قضاء الليلة هنا...
يومٌ طويل لا يكاد يذكر منه شيئاً سوى ما فعله منذ قليل ...
هذا الذي -ظن- أنه قد ختم به قصته القصيرة معها !
قصة خديعة نالت من غروره الذي ظن أن لن تمسه امرأة أبداً!
الدرس صعب حقاً هذه المرة !
ليست فقط فضيحتها التي يراها في عيون معارفه...أصدقائه...جيرانه...والتي تطعن رجولته بألف خنجر ...
ليس فقط شعوره بالانتقاص وهو يرى فيها خيانة كل من سبقنها إلى حياته من نساء...
ليس فقط بركان غيرته الذي يقذف حممه بين ضلوعه وهو يسترجع مشاهدها مع زين...
شعرها الذي تمناه طويلاً يتراقص كشيطان على كتفي رجل آخر!
بشرتها الناعمة عارية تعدو فوقها جياد شفتيه ...
ثوبها الأنيق المكشوف تتمزق ياقته لتقف وكأنها تفخر بشغف رجل ما عاد يتحمل طغيان الانتظار !
صوتها الذي يعلو ويتهدج فلا يدري إن كان أنين استجابة أم صراخ من تستجدي المزيد ...
عند الخاطر الأخير صرخ صرخة عالية لم يسمح لمثلها أن تغادر صدره من قبل وهو يضرب الحائط بقبضته عدة مرات حتى أوقفه الألم ...
عرقه الغزير يبلل وجهه وصدره فيتهاوى جالساً على الأرض مسنداً ظهره للباب ...
كانت خائنة ؟!
مخادعة؟!
كل ما كانت ترويه له عن عذابها مع رامي؟!
كل الذعر الذي كانت تجيد تمثيله في البداية عندما يمسها ؟!
كل الرضا الذي صارت تتصنعه بعدما أقنعته أنه داوى جرحها القديم؟!
وهو الغافل الساذج الذي كان يظن نفسه البطل المغوار الذي صبر عليها حتى أعاد لها ثقتها بأنوثتها ؟!!!!
ضحكة ساخرة شقت طريقها وسط أخاديد وجهه ...
ضحكة تعمدها عالية وكأنها مجرد صرخة أخرى لا غير!
تستحقها يا أحمق!
هل صدقت أن حباً كهذا الذي كانت تزعمه موجود حقاً في قاموس النساء؟!
هل أعجبتك صورتك في أسطورة تحكيها غانية مثلها عن حب عذري لا تقتله السنوات ؟!
أغراك سراب حنانها ...رقتها...هوسها بتفاصيلك؟!
ما كان عذرك يا سفيه وأنت تترك لها سفينتك فلم تدرك حالك إلا وأنت ...في القاع؟!!
عذرك أن شمس خديعتها كانت أكثر وهجاً من شموع حذرك!
وقانون العشق لا يحمي المغفلين !
انقطعت أفكاره عندما سمع صوت رنين الجرس فانتفض مكانه بغضب وهو يتساءل عن الطارق...
تراها هي ؟!
هل علمت بما فعله منذ قليل ؟!
هل جاءت تبرر...تشرح...تعاود نصب شراك خداعها من جديد ؟!
يالتبجحها لو كانت هي!!
هذه المرة سيقتلها بدم بارد ولو كلفه الأمر حياته !!
وبهذا العزم فتح الباب بعنف لتتسع عيناه بصدمة وهو يرى أمامه آخر من يتوقعه الآن ...
_نبيلة ؟!
تمتم بها ببعض الخيبة التي لم يستطع إنكار اعترافه بها !
أجل...جزء ضئيل بداخله كان يتمنى لو كانت ياسمين حقاً!
لو تأتيه بدليل براءتها وتسترضيه عن كذبة لم تقصدها!
لو تخبره أن قلبه لم يكن مخطئاً عندما أحب "ساحرة الفوضى" كما لم يحب امرأة في حياته !
لو تؤكد له أنها كانت وستظل "عروس البحر" التي لم تنكشف على إنسيّ غيره !
لو تعيد له راية "الألوان" التي نكستها جيوش الغدر السوداء!
لو...ولو...ولو...
وهل بقي له الآن إلا التعلق بأضغاث أوهام مالها في عرف الحقيقة تأويل؟!!
_بتعمل إيه هنا دلوقت؟!
قالتها بنبرة غريبة على كبريائها المعهود معه ...نبرة خالطها الكثير من الإشفاق الذي أثار حفيظته ليهتف بحدة :
_أنا حر ...أبات في المكان اللي يريحني .
لم يشأ الاعتراف أنه لم يعد له مأوى إلا هنا !
لن يعود لبيت شاركته إياه يوماً ليتجرع وحده كأس خسارته !
لن يرجع لمكان قاسمها فيه ذكرياتها الخائنة مثلها !
هذا الذي قرأته نبيلة بوضوح في ملامحه الثائرة كأسد جريح يوشك على قتل أي أحد في طريقه ...
ربما لو كانا في موقف آخر لتصارع كبرياؤها مع نفوره كالمعتاد لكنها وجدت نفسها تتقدم منه لتغلق الباب خلفها ...
فأعطاها ظهره وهو يتحرك مبتعداً ولولا بقية من تعقل بداخله لأخرجها من هنا دون تحفظ !
_هتعمل إيه في المصيبة دي؟!
سألته بنفس النبرة التي امتزج قلقها بإشفاقها ليجيبها بمرارته الساخرة :
_هو فيه حاجة تتعمل؟!
ثم التفت نحوها مردفاً بفظاظته المعهودة والتي زادها الجرح قسوة :
_قوليلي يا "نجمة" بحكم خبرتك في الفضايح ...بيعملوا إيه في المواقف اللي زي دي؟!
ورغم أن عبارته المهينة وخزتها بماضيها الذي لايزال يقف بينهما ...
لكن -للعجب- غلبت أمومتها كبرياء النجمة بداخلها هذه المرة لتتجاهل حديثه بسؤالها المباشر:
_مش هتقف جنبها ؟! تعلن قصاد الكل إن الكلب جوزها ده كذاب؟! تدافع عن شرف مراتك اللي هو شرفك ؟!
_مابقتش مراتي!
لفظها من فمه كطلقة قاسية...صارمة...حازمة...لا ترد !
هو أدخلها حياته بورقة...وأخرجها منها بورقة !
وليت الأمر حقاً بهذه البساطة التي يدعيها !
_طلقتها؟!
شحب وجهها وهي تسأله غير آبهة بغباء السؤال !
ما الذي تنتظره من رجل كيامن في موقف كهذا ؟!
إذا كان عجز عن تقبلها -هي- أمه في حياته بعد كل هذه السنوات ؟!!
لكن...ياسمين تختلف!
هو أحبها حقاً!
ومن مثلها يمكنها تمييز العشق في نظراته ...
العشق الذي لم تره في ملامحه إلا لياسمين فحسب!
لهذا تقدمت منه أكثر لتكتنف ساعديه بكفيها هاتفة باستنكار:
_هو ده ردك ؟! وهي ذنبها إيه لو حيوان زي ده ملفق لها الفيديوهات دي؟!
_هو أنا ماقلتلكيش؟! مش متلفقة!
بنفس السخرية الذبيحة هتف بها ليغمض عينيه بألم والمشاهد تتوالى في عينيه من جديد ...
تنحره بنفس النصل البارد ...
رباه!
أما لهذا الألم من نهاية ؟!
_مااصدقش... ياسمين ماتعملش كده ...انت اتكلمت معاها؟! سمعت منها؟!
هتفت بها ولاتزال تهز ساعديه وكأنما ترغب أن يجعله يفيق من نوبات شكه التي تعرفها والتي توشك أن تودي به هذه المرة ...
ليصرخ بها بجنون أججته براكين صدره:
_واجهتها! قالت الصور حقيقية مش متفبركة ! ارتحتِ؟!
_غبي!
هتفت بها بحدة وهي تدفعه لتلوح بكفها صارخة بغضب مشابه :
_وانت فاكر ست زي ياسمين لما تتهمها بحاجة زي دي هتقف تبرر لك ؟! لو كانت عملتها كنت شكيت فيها ...ست زي ياسمين كانت مستنياك تطمنها...تقف في ظهرها...تسمعها ...مش ترميها أول ما تشوف حاجة زي كده كأنك ما صدقت !
_بس بقا...كفاية...مش عايز أسمع كلمة واحدة عن الموضوع ده .
صرخ بها بثورة أجفلتها وهو يندفع ليلقي كل ما تطاله يداه على الأرض ...
الدوي الصاخب في أذنيها لصوت تحطم الأشياء لم يكن شيئاً أمام عاصفة شعورها به الآن وهي ترى السخرية الجامدة التي تقبل هو بها الأمر من وقتها تتحول الآن لصورتها الحقيقية...
هذا الإعصار الذي يلتهمه ...يمزق حناياه...يقتله ببطء وبمنتهى القسوة !
هي التي كانت تحسد ياسمين على حبه الجارف لها ...
لم تكن تعلم أن حب رجل كيامن لن يقل تطرفاً عن قسوته !
هاهو ذا يفرغ ثورته في تحطيم أثاث عيادته التي تعلم كم تفانى في تحضيرها قطعة قطعة...
لكنها توقن أن الخراب بداخل روحه أشد وطأة !
شكه في براءة ياسمين ليس لصالحه كما كانت تظن ...
بل على العكس ...شكه هذا يزيد سعير الندم في قلبه ...
ليته يوقن أنها خائنة فيلفظها خارج مداره للأبد...
أو يثق من براءتها فيقضي بقية العمر نادماً مستغفراً إياها!
لكن أن يكون هكذا معلقاً على أنشوطته متأرجحاً بين عذاب مغدور وندم ظالم فهو الجحيم بعينه !
دمعت عيناها بعجز وهي ترى ثورته تنتهي بخبطه لرأسه في الحائط بضع مرات وكأنه يود لو يفرغه من أفكاره أو يفقده للأبد !
مرة تلو مرة تلو مرة...
والألم النابض في جسده يورثه المزيد من الخدر الذي يود لو ينتهي بأن يغيب وعيه...
هو لم يعد يحتمل كل هذه المكابرة !
لكنه فوجئ أخيراً ب"صلابة" الحائط تُستبدل ب..."حنو" صدرها !!!
لم يشعر بها وهي تتشبث به لتديره نحوها وتجذبه إليها ...
كل ما أحس به وقتها هو مذاق هذا العناق الذي تأخر كثيراً ...
كثيراً...كثيراً...
بطول عمره كله !
آهته الخافتة امتزجت بشبيهتها لديها وهي تحيط جسده بذراعيها فلا تشعر بضخامته ...
بل تراه بعين "قلبها" ذاك الجسد الضئيل الذي فرطت فيه صغيراً لتقضي بقية عمرها ندماً عليه !
تبكي وتبكي ...كما لم تفعل من قبل !
تندم وتندم...كما لم تشعر من قبل !
تشهق كما لو كان رصيد الهواء في صدرها قد نفد فجأة...
كأنما تعانق الحياة نفسها من جديد بأنفاس غير الأنفاس!
تتشبث به وكأنما منحها القدر فرصة جديدة لعمر جديد ..
عنقاء "أمومتها" التي طالما دفنها كبرياؤها تحت رماد نجومية مزعومة الآن تنهض من طول رقادها لترتشف معه هذا الإحساس الغامر قطرة قطرة ...
حزينة لأجله....سعيدة بعودته لحضنها...
قلقة عليه...مطمئنة بعناقه...
تائهة بحيرتها...مسترشدة بأنسها به ...
مشاعر مبعثرة...متناقضة...مبهمة لكنها تتحد في شيئين...
صدقها....واجتياحها!
لأول مرة تجرب شعورها به بين ذراعيها ...
رأسه المثقل بهمه يلتجئ لحنان كتفيها ...
دقات قلبه الهادرة تعوي في تجويف صدرها ...
هذا الكيان الذي حملته -محتاجاً واهناً- في بطنها تسعة أشهر لينفصل عنها ويعيش مستغنياً...الآن يعود ليستقر بين ذراعيها بنفس الاحتياج الواهن !
وكأن الأيام لم تمر!
وكأنها فرحتها الطاغية به عندما رأته وليداً لأول مرة !
وكأنها هي هي...ببساطة أنثى...
بفطرة أم...دون أية رتوش إضافية !
تضمه إليها ...تقبل رأسه ...
تدعو له بهذه الدعوات -البسيطة- جداً التي كانت تسمعها من أمها والتي طفت فجأة لذهنها الذي نسي هاهنا -فخامة- لهجتها المخملية !
باختصار...
لقد عادت في لحظة ...أماً!
لحظة...ليست كأي لحظة !
الجميل أن هذا لم يكن شعورها فحسب !
هو الآخر كان يحس أن الحواجز بينهما تهاوت فجأة ...
أنه يحتاج لوجودها الآن حقاً حتى وهي لا تملك ما تفعله له !
يحتاج لهفتها الصادقة هذه ...
عمق حنانها الذي يتذوقه لأول مرة بهذا النقاء...
بساطة تعبيرها الذي لا يحتاج لتنميق جمل ...تكفيه عفوية تصرفها ودعاءها المتلعثم !
ربما لهذا السبب سمح لجسده أن يستكين بين ذراعيها ...
لدموعه العزيزة أن تسيل صامتة ...عاجزة...شاكية...
بل ...لذراعيه هو الآخر أن يضمانها بنفس القوة !
الطفل اليتيم الذي طالما واراه بين ضلوعه قانعاً بقوة رجولته الآن يخرج من أسواره صارخاً بحاجته!
لطالما علمه أبوه أن الرجال لا يبكون !
لكنه لم يعلمه ماذا يفعلون عندما تنكسر هامتهم ...تنفطر قلوبهم...تتلاشى ثوابتهم ...
ماذا يفعلون؟!
يتظاهرون بالتماسك كأن شيئاً لم يكن ؟!
تماماً كهذا الذي يفعله الآن وهو ينتبه لنفسه أخيراً فيبتعد عنها ليعطيها ظهره من جديد ...
لكنها لن تسمح له بالابتعاد عن فلك أمومتها مؤخراً !
لهذا سارت لتواجهه بعينين سكنهما حنان جارف:
_يمكن أي راجل مكانك كان يبقى معذور لو اتصرف زيك ...لكن ياسمين كانت تستاهل منك أحسن من كده ...مايفهمش الست إلا الست اللي زيها ...وأنا بقوللك إنها مابتحبكش حب عادي ...دلوقت بس ممكن أعترف لك إني ...إني ساعات كنت بغير منها وأنا شايفاها بتحبك الحب اللي كان نفسي أنا أحبهولك ...حاول تكلمها تاني خلليها تدافع ...
_لا!
هتف بها صارمة ووجهه القاسي يعيد تشكيل ملامحه قبل أن يلتفت عنها مردفاً بنبرة أقوى:
_مبدإي مش هاغيره...لو شكيت ما تكملش.
=======
في غرفة نوم والدتها على الأرض تجلس محوطة بالعديد بالبالونات ...
نغم قديم يعزفه "كمانٌ" لا تراه عينها ...لكن تسمعه روحها فيزيد عمق الشرخ في جدارها ...
مُطفأة!
هكذا تشعر كما لم تفعل يوماً!
جنتها التي طالما زعمت أن لا أحد بقادر على انتزاعها من بين ضلوعها...
الآن صارت مجرد خراب تحوم حوله غربان يأسها!
حب العمر الذي ظنته سيكون زاد قلبها في رحلته تسرب من كيسها المثقوب بخطيئة لم تحسب حسابها ...
ألا لعنة الله على ذنوب لم تقترفها أيدينا بل دفعتنا إليها أوجاعنا!
عيناها الخائنتان تنسحبان رغماً عنها لورقة وضعتها جوارها على الأرض...
ورقة صارت بها غريبة عن وطن لفظتها أرضه !
طلقها غيابياً وكأنما لم يعد يحتمل أن ينظر في وجهها؟!
أن يواجهها بها؟!
طلقها؟!
من أين أتوا بهذا اللفظ الذي يحمل في اللغة معنى "الحرية" إذا كانت تشعر الآن أنه أسلمها لسجن كبير ...
وهل أكبر من سجن بسعة الكون وطول العمر؟!
لكن لماذا العجب؟!
ألم تعش منذ سنوات سجينة عشق مريض كعشقه ؟!
هل غرتها هذه "الهدنة" التي منحتها لها الأيام بقربه ؟!
سَكرة قصيرة بخمر غيّب عقلها لترتد بعدها على وعيها بأنه كان مجرد سراب!
ما الجديد يا "قوية"؟!
يا "صامدة"؟!
أليست هذه نفس الجلسة التي احتوتك بعد هجر أبيكِ؟!
بعد وفاة أمك؟!
بعد طلاقك الأول؟!
ماذا يضيركِ لو تحتويكِ الآن بعد طلاقك الثاني؟!
هاهي ذي بالوناتك الملونة تهمس لكِ ...
لايزال العمر يتسع للمزيد من الألوان !
لا كسر يكبر على روحك الفتية فتعجز أن تجبره !
_الخيانة ما بسامحش فيها...في الموضوع ده بالذات اللي اتكسر ما بيتصلحش...اللي اتكسر يترمي ورا ظهرنا وننساه.
كأنما تسمعها بصوته تلك الليلة ...
هل يظنها الآن خائنة ؟!
بهذه البساطة ؟!
هكذا ؟! دون حتى أن يسمع منها؟!
هل سيقوى على رمي ما كان بينهما ونسيانه ؟!
وهل ستقوى هي؟!
ولمَ لا؟!
وعند الخاطر الأخير استلقت على جانبها لتتكور على نفسها في وضع الجنين ...
وعقلها يستعيد تفاصيل تلك الليلة التي لن تنساها ما عاشت ...
لقد كانت تظن أن القدر ستر عليها فعلتها ...
لم تكن تعلم أن ذاك الحقير رامي يملك ما يسجل به تفاصيل مخزية كهذه ...
ربما لهذا السبب أنكرت معرفتها بزين عندما سألها يامن !
زين؟!
أصدرت أنيناً مكتوماً وهي تستعيد لقاءها الأول به ...
كيف بدا برصانته وأناقة حديثه مختلفاً تماماً عن أصدقاء رامي التافهين الذين كان يصر على مرافقتهم في حفلات تجمعهم ...
ليلتها أخبرها أنه شريكه الجديد مبدياً اهتمامه الخاص بتلك الشراكة ...
تعددت بعدها لقاءاتهما في مثل هذه التجمعات لتكتشف بداخله روح صديق كانت أحوج ما تكون إليها !
هوة روحها التي كانت تحفرها قسوة رامي يوماً بعد يوم صار يردمها اهتمام زين وصداقتهما التي أيدتها اهتماماتهما المشتركة !
صداقتهما؟!
نعم...الغريب أنها مع إعجابها بالكثير من صفاته ...حنانه ...ثقافته...قوة شخصيته...مع كل هذا لم تجد له في قلبها مكانة أكبر!
حتى وهي تأخذ قرارها بهجر رامي في كل مرة ينتهكها بقسوة ليبادرها بعدها باعتذار ...
ليس فقط قلبها المحتل بعشق يامن اليائس ...
لكن كيانها المجروح وقتها بخيبتها في كل الرجال!
كانت تغرق وحدها في بحر هائج ...
بلا أم...بلا أب...بلا حبيب...
ووسط كل هذا لم تجد سوى صداقته طوق نجاة !
حدثته عن نفسها ...هواياتها ...أحلامها المبتورة ...وطموحاتها عن هدايا الغد ...
وحدثها هو كذلك عن كل هذا ...
كانت قانعة بهذه الصداقة تظنها نسمة باردة وسط جحيم تتلظى به وحدها ...
حتى اعترف لها يوماً بحبه !
اعترافه الذي تقبلته هي بخيبة متحسرة مدركة أنه سيكون خاتمة صداقة كانت تقدرها حقاً ...
فما كانت لتكون أبداً زوجة خائنة !
انهمرت دموعها غزيرة عند الخاطر الأخير ليرتجف معها جسدها الذي ازداد تكوره حول نفسه بينما تحتضنه بذراعيها وكأنما تود لو تتضاءل...
بل لو تتلاشى من هذا الكون كله !
تراها حافظت على عهدها لنفسها حقاً ألا تزل قدمها في بئر خيانة ؟!
لا....بل نعم...
آآآه!
هي لا تدري ماذا حل بها تلك الليلة !
كان حفلاً يقيمه زين في بيته ودعاها ورامي إليه مع العديد من معارفهما ...
ورغم أنها فكرت ألا تذهب لكنها لم تكن يوماً ممن يهربون من مواجهة !
(زين خرج من حياتها تماماً عندما قرر نقل نفسه من خانة الصديق لأي خانة أخرى)
هكذا فكرت وهي تتوجه مع رامي للحفل ...
ستواجه زين بكل شجاعة...بكل برود ...
هذا الذي يبدو أنه قد قرره هو الآخر وهو يستقبلهما قبل أن ينخرط مع باقي المدعوين ...
لا تذكر كيف انتهى بها الأمر لتجد نفسها وحدها دون رامي...
عيناها تبحثان عنه وسط المدعوين فتعود خائبة الوفاض ...
الحرج الذي نال من كبريائها كثيراً جعلها تحاول الاندماج وسط المدعوين قبل أن تنسحب بدورها محاولة العثور عليه لتقريعه...
وعثرت عليه حقاً لكنها لم تقرعه...
لم تخبره حتى أنها رأته !
كان غارقاً بين ذراعي امرأة أخرى في أحد الأركان المظلمة ...
وكانت المرة الأولى التي تراه فيها رأي العين مع امرأة سواها !
الدم الذي ضرب في رأسها فجأة ...
الجرح الذي ازداد نزفه من كبريائها ...
اليأس ...الوحدة...الضياع!
كل هذا لم يكن سوى جنود أسلمتها لسلطان شيطانها...
انسحبت صامتة من المشهد تجر أذيال خيبتها وتتوعد بالانتقام ...
زين ؟!
أين زين؟!
ألا يزعم حباً ؟!
فلترد بضاعة الخيانة بمثلها إذن!
وبهذا الانفعال الصارخ الذي غيب عقلها مضت تبحث عنه حتى وجدته في الحديقة بعيداً عن صخب الحفل...
خطواتها تندفع نحوه على غير إرادتها تصرخ بالثأر...
لا ...ليس ثأراً لقلب ...بل لكبرياء !
وكأنما تلبستها روح أخرى غير روحها النقية التي تعرفها !
آثمة ؟!
نعم...بكل خزي تعترف !
لكن عزاءها أنها أفاقت قبل أن تدنس نفسها بخطيئة لم تكن لتسامح عليها نفسها أبداً ...
أفاقت في اللحظة الأخيرة وهي تدرك الهاوية التي كانت على وشك السقوط فيها ...
قاومت...يشهد الله أنها قاومت ...
لكن عنفوان عاطفته الصاخبة وقتها اكتسحها دون إذن منها ...
أجل...زين لم يختلف وقتها عن رامي...
كلاهما مجرد قشرة رقيقة لباطن وحشي ...
وعندما ظنت أنها النهاية وجدت الملاذ في حقيبة يدها الصغيرة التي هوت بمقبضها المعدني على عينه لتصيبه قبل أن تعدو هاربة ...
هاربة من خيانة رامي ...
من خذلان زين...
ومن ضعف نفسها الذي كاد يوردها مورد الخيانة لولا أن عصمها القدر !
ربما لم تخن رامي بجسدها ...
لكنها وحدها تعترف بينها وبين نفسها أنها كادت تفعلها ليلتها !
هذه الخطيئة التي لم تسامح نفسها عليها أبداٌ !
والتي تظهر الآن من العدم لتلوث نهر حياتها ببقعة جاز سامة !
هل كان يامن ليصدقها لو اعترفت له ؟!
وحش غيرته كان ليسامحها ولو على مجرد النية؟!
سلطان وساوسه كان ليأمن لها ألا تكررها؟!
العجيب أنها رغم يقينها أن الجواب بالنفي ...كانت تؤمل نفسها أنه سيفعل!
يقينها الراسخ في عظم هذا الحب الذي -كانت- تحمله له كان يقنعها ألا شيئ في هذا العالم سيقف أمامه !
الحب الذي تحول الآن لكراهية لم تعرفها مثلها يوماً بعدما تخلى عنها في محنتها ...!
ورقة طلاقه وسط هذه الفضيحة وفي مجتمع كهذا ليست إلا حبل مشنقة حول عنق شرفها !
تكرهه !
تكرهه!
تكرهه وهو يفعل بها الشيئ الوحيد الذي لم يستطع غيره فعله بها !
هو أطفأها...
اجتث عنق كبريائها الذي طالما رفعته رغم كل شيئ!
تخليه عنها بهذه البساطة ...
بهذه السرعة...
دون حتى أن يحاول سماعها ...جعلها تشعر بالدونية التي لم تشعرها حتى مع تصرفات رامي المعوجة !
يامن لم ينل من قلبها فحسب !
يامن أحرق هذا الجزء "الصامد" من روحها والذي كان يسندها في كل عثرة لتقف من جديد !
تعذره؟!
ربما لو كانت امرأة عادية لعذرته في ما صدقه وما فعله ...
لكن هي !
هي التي عشقته كل هذا العشق!!
ألم تكن تستحق مجرد فرصة ؟!
سنوات عمرها التي أضاعتها في حبه لم تكن تستحق بضع ثوانٍ ...فقط بضع ثوانٍ....يستمع فيها إليها قبل أن يصدر حكم إدانتها؟!
هل كانت لديه حقاً بمثل هذا الرخص؟!
بمثل هذه الضّعة؟!
وعند الخاطر الأخير انتفضت مكانها لتتلقف هاتفها وترسل إليه رسالة صوتية أقسمت أن تكون آخر ما يناله هو من كلماتها ...
_مفيش فايدة فيك...هتفضل طول عمرك أناني مابتشوفش غير نفسك وشكوكك وبس...واللي زيك عمره ما يحب ولا يستاهل يتحب...أنا بكرهك وبكره نفسي عشان حبيتك .
ولم تكد ترسلها حتى انهارت في البكاء من جديد ...
قبل أن تنتزع دبوس شعرها لتتناول بالوناتها ...
تفرقعها واحدة واحدة ...
الصوت على هنته كان يدوي كقنبلة في فراغ روحها ...
يصرخ بين جنباتها أنها أبداً...
أبداً لن تعود كما كانت ....
========
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!