(القطعة الرابعة)
*********
استيقظ على صوت منبهه صباحاً فابتسم وهو يقوم من فراشه ليمتع عينيه بهذا المنظر البديع للنيل والذي ظهر من خلف النافذة العريضة لغرفته حيث تسير بهم الباخرة الضخمة من أسوان إلى الأقصر ...
لقد رأى العديد من المظاهر الطبيعية في انجلترا وبعض الدول التي زارها على فترات متباعدة مع زوجته السابقة سيلين خلال عامي زواجهما ...لكنه لا ينكر أن مشهد النيل بشاطئيه هذا يقع في قلبه موقعاً لا يماثله سواه ...
ربما لأنه يرمز ل"العودة للجذور" !
هذا المعنى الذي افتقده طوال عمره حيث عاش في غربة عما يفترض أن يكون له الأساس والمنبع!
هو الذي حرم من أمه ...ومن قريته ...ثم من أبيه ...
ليعيش بعدها غربة لا تنتهي ختمها بغربة حقيقية في لندن قبل أن يتلقى صفعة القدر الأخيرة ليعود إلى وطنه محملاً بخيباته !
تنهد بحرارة وهو ينفض عنه غطاءه ليقوم من فراشه حيث ذهب ليغتسل ويؤدي صلاته ...
تناول هاتفه ليتصل بأمه كي يوقظها لكن محاولته باءت بالفشل بعد سهرها الطويل هي وداليا ليلة أمس ...
فخرج لتناول إفطاره في مطعم الفندق وحده ...
وهناك تسربت إلى أنفه رائحة "القرفة" من مكان ما ...
فارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة وصورةٌ بعينها تتجمع في ذاكرته...
"امرأة الفوضى"!
مطاردته المجهولة التي أثارت الشغب في وطنه الهادئ ...
وألقت حجر غموضها لتحرك مياه حياته الساكنة !
هنا تلفت حوله وهو يراهن نفسه على خاطر مجنون ...أنها هنا!!
ورغم عبثية الافتراض لكنه عاهد نفسه إن وجدها أن يمضي فيما ينتويه ...
امرأة مثلها بتألقها وذكائها ...واهتمامها الغريب بملاحقته ....هي ما يحتاجه هو تماماً الآن كي ينفذ "خطته"!
كان قد أنهى إفطاره فقام ليتوجه نحو سطح الباخرة ...
بضع خطواتٍ لم يزد عليها قبل أن يلمحها هناك واقفةً تستند بذراعيها على ذاك السياج ...
ورغم أنها كانت تعطيه ظهرها لكنه تعرف إلى قامتها القصيرة المميزة ،وأناقتها البسيطة التي صار يميز تفاصيلها بعشقها الواضح للألوان.
اتسعت عيناه وهو يقترب بخطواته أكثر يتنازعه شعوران ...
أحدهما ب-الرضا- عن اهتمام واحدة مثلها به وهو ما يعزز غروره الذكوري بشدة ...
والآخر ب-الضيق- المبهم الطبيعي من سبب ما تفعله !
كان الآن يقف خلفها تماماً فتحرك خطوة ليجاورها قبل أن يقول دون أي مقدمات:
_كنت متأكد إني هاشوفك هنا !
التفتت نحوه بحدة وقد بدت مندهشة لأول لحظة قبل أن تعود ببصرها للأمام قائلة ببرود اتشح بالحزن:
_اعتبر نفسك ما شفتنيش!
_مش عايزة تقوليلي انتِ عايزة مني إيه ؟!
قالها وهو يتأمل جانب وجهها حيث أضفى ضوء الشمس على عينيها ظلالاً ذهبية كانت لتجعلها فاتنة في عيني أي رجل آخر إلا هو ...
هو الذي يبدو أنه قد أصيب بعقدة من "الشقراوات"!
لكن هذا لم يمنع ذاك الشرر الخفي الذي سرى منها إليه وهو يرى الشجن الذي لون ملامحها مع إجابتها:
_قلتلك قبل كده...ما عدتش عايزة منك حاجة !
قالتها وهي تتناول من حقيبتها منديلاً معقماً مما يستعمل في تطهير الأسطح مسحت به السياج أمامه وكأنها تعلم عن طبيعته الوسواسية بشأن النظافة ....
فعاد ينظر إليها بمزيج من ضيق ورضا قبل أن يستند على السياج مغمغماً:
_امال بتجري ورايا في كل مكان ليه؟!
_ما عنديش إجابة !
قالتها ثم استدارت لتغادر لكنها ما كادت تعطيه ظهرها حتى استوقفها بقوله:
_تتجوزيني؟!
تجمدت مكانها للحظات قبل أن تلتفت بوجهها نحوه قائلة بترقب:
_لولا إني عارفاك كويس كنت قلت إنك بتهزر!
_أنا فعلاً ما بهزرش!
قالها بجدية تامة وهو يشيح ببصره عنها قائلاً بنبرة عملية:
_طالما عارفة عني كل حاجة يبقى أكيد تعرفي إني كنت متجوز واحدة انجليزية من أصول مصرية ...جوازنا كان مجرد صفقة متبادلة وانتهى قبل ما أرجع مصر بتفاصيل مش حابب أقولها ...دلوقت ظهرت من جديد وبتقول إنها حامل وعايزة ترجع لي ...
_فأنت عايز تتهرب من مسئولية ابنك ...وتثبت لها إن بقى عندك حياة تانية عشان تقطع أملها فيك !
أكملت له عبارته بنبرة شبه ساخرة وإن حملت الكثير من المرارة فالتفت نحوها ليهتف بحدته المعهودة:
_أنا مش بهرب من مسئوليته....أنا عايزها هي تشيلها ...أنا أكتر واحد عرف يعني إيه ابن يتحرم من أمه !
بدا وكأنه شعر بالندم على عبارته الأخيرة التي تفوه بها دون قصد ...
خاصة عندما لمح عينيها تلتمعان بإشفاق زاد من غضبه أكثر ليردف بنفس الحدة:
_أنا محدش يلوي دراعي ...ورجوعي لها ده من رابع المستحيلات...
_وليه ما تقوللهاش ده ببساطة من غير لعبة الجواز دي؟!
سألته بحيرة حقيقية فعاد ببصره للأمام قائلاً باقتضاب:
_لازم تيجي منها هي ...لها قريب ماسك مركز مهم هنا...ممكن تؤذيني هنا زي ما آذتني هناك.
رمقته بنظرة متفحصة طويلة وعبارته الأخيرة تفسر لها سبب عودته من غربته...
ثم قالت بنبرتها الهادئة التي تغيظه من فرط ما تشعره أنها تفهمه:
_انت حابب ترد لها ضربة كرامتك...تيجي تلاقيك متجوز وبدأت حياة جديدة بعد ما رميتها ورا ظهرك...وفي نفس الوقت تفقد أملها فيك من غير ما تأذيك...برافو...خطة ذكية...بس نسيت حاجتين ...
التفت نحوها بنظرة متسائلة فابتسمت وهي تستدير نحوه لتعقد ساعديها أمام صدرها قائلة بسخرية لائمة:
_الأولى...ابنك...تفتكر واحد بتركيبتك النفسية هيستحمل يتربى بعيد عنه؟!
عقد حاجبيه بضيق وهو يراها تضغط على ذاك الجزء الذي يحاول تناسيه منذ سمع الخبر ...
هو يتشبث ب-بقايا شك- أنه ليس له ...
وحتى لو كان ابنه ...لن يقبل أن يعود لسيلين مهما كان الثمن ...
قد يراعي ابنه عن بُعد أويسافر لرؤيته مرة كل عام ...
وربما عندما يكبر قليلاً يجلبه هنا ليعيش معه !
هكذا كان يخدع نفسه ليلهيها عن وحش ( أنانيته وشكوكه) الذي يحكم سيطرته الآن على قراراته...
لكنها هي لم تغفل عن هذا لهذا شاب ابتسامتها الكثير من المرارة مع استطرادها:
_والثانية...أنا ...مين قاللك إني هوافق؟!
هنا كان دوره ليبتسم ابتسامة شاحبة بينما يتفحص ملامحها قائلاً:
_معرفش...حاجة جوايا بتأكد لي إنك هتوافقي ...خصوصاً إنه مش جواز على طول ...كام شهر بس لحد ما سيلين تيأس وترجع بلدها وتشيلني من دماغها ....
ثم صمت للحظات وقد شعر بأن يقينه في موافقتها على عرضه السخي هذا قد بدأ يتبدد...
ليقول بتردد:
_انتِ كمان من مصلحتك تتجوزيني لفترة...عشان تخلصي من طليقك ومشاكله!
فاقتربت منه خطوة ولازالت تعقد ساعديها لتقول بنبرتها الغريبة التي تمزج غموضها بتحديها:
_تفتكر لو كنت عايزة أتجوز لمجرد الجواز كنت هاغلب؟!
كز على أسنانه بضيق لم يظهر على ملامحه التي تعمد صبغها ببروده وهو يتذكر ما قاله صديقه عنها ...فيما استطردت هي بنفس النبرة:
_لو عايزة أتجوز ...هلاقي ألف عرض أحسن من عرضك المزيف ده !
ظل صامتاً يرمقها بنظرة ضائقة وهو يدرك منطقية ما تقول قبل أن يطرق برأسه ليقول باقتضاب:
_أعتبر ده رفض؟!
اقتربت منه خطوة أخرى فشعر بدقات قلبه تتعثر وذاك الشعور -المهيب- بداخله نحوها يتضخم ...
شعورٌ هو مزيجٌ من إجلال لهالة غموضها وهذه ال"كاريزما" التي تحيطها ...
مع خوف طبيعي لشخص بوساوسه وظنونه ...
فرفع عينيه إليها بنظرة عميقة متفحصة وكأنه يود قراءة دواخلها ...
لتفاجئه بقولها:
_هو سؤال واحد وبعدها هاقوللك موافقة واللا لأ!
عقد حاجبيه بترقب منتظراً فأخذت نفساً عميقاً وهي تتفحصه بدورها مردفة:
_واحد زيك شكاك وموسوس...ازاي يآمن يتجوز واحدة زيي مطلقة وفضايح طليقها بتطاردها في كل حتة ...
ثم عادت تبتسم ساخرة لتستطرد وكأنها تقرأ أفكاره:
_دماغك مش بتودي وتجيب وتقول لنفسك أكيد أخلاقها وحشة ...أكيد طليقها مش هيعمل كده من غير سبب...دي واحدة عايشة لوحدها بعيد عن أهلها ...يعني مالهاش ظابط ولا رابط؟!
كانت عيناه تتسعان بصدمة مع كل كلمة تنطقها وكأنها تقرأ أفكاره حقاً ...
قبل أن تتحول دهشته لغضب حقيقي وهو يشعر أنه قد ضاق ذرعاً بوضعهما الغريب هذا الذي يفرض عليه جهلاً تاماً بها في مقابل معرفتها الواضحة به !!
لهذا لوح بذراعه هاتفاً بفظاظته المعهودة:
_لأنه مش جواز بجد ...دي مجرد لعبة...ومش هلاقي واحدة مجنونة زيك ترضى تهاودني في حاجة زي دي...
أطرقت برأسها وكأنها كانت تتوقع إجابته مع استطراده بنفس اللهجة:
_ولأني أعرف كويس ازاي أسيطر على الست اللي هتشيل اسمي الكام شهر دول ...
تحركت لتبتعد عنه بضع خطوات وهي تعطيه ظهرها فبدت له شبه إجابة بالرفض ...
هنا تقدم هنا -هو- خطوة منها ليزفر بقوة قائلاً:
_ولأني سألت عليكِ كويس وكل الناس بتشكر فيكِ رغم كلام طليقك !
صمتٌ قصير سادهما بعد عبارته الأخيرة قبل أن تقول ولازالت تعطيه ظهرها:
_موافقة...بس بشرطين!
عقد حاجبيه بشدة وهو يتقدم منها أكثر ليواجهها بعينين متربصتين لكنها أطرقت برأسها لتقول بنبرتها القوية:
_مش عايزة أعرف سبت سيلين ليه...بس انت كمان ما تسألنيش عن تفاصيل علاقتي بطليقي ...
صمت لحظات مفكراً قبل أن يقول باقتضاب:
_ماشي...والتاني؟!
رفعت رأسها لتشيح بوجهها عنه قائلة بنبرة ارتجفت حروفها:
_جوازنا مش هيكون حقيقي ...انت عايزها لعبة...يبقى تفضل لعبة وبس...قدام الناس متجوزين...بس بيننا وبين بعض أغراب...أعتقد فاهم قصدي!
ازداد انعقاد حاجبيه وشرطها الأخير هذا يزيد ارتباكه ...
صحيحٌ أنه لم يرغبها ك-امرأة- منذ رآها ...
لكن أن تشترط -هي- هذا فقد شعر به -نوعاً ما- مهيناً!
ما قصة هذه المرأة بالضبط؟!
لماذا وافقته على عرضه المجنون هذا؟!
تحبه؟!
لماذا؟! وكيف؟! ومنذ متى؟!
ومادامت كذلك فلماذا تشترط هذا الشيء الأخير بهذه الصرامة وكأنها تنفر منه؟!
لكنه لا يملك الآن متسعاً للبحث عن أجوبة ...
الوقت يمر بسرعة ويريد تنظيم هذه "الكذبة" قبل وصول سيلين.
لهذا مد لها كفه فجأة قائلاً:
_موافق!
لكنها ظلت تنظر لكفه الممدود نظرة طويلة لم يفهمها قبل أن تدمع عيناها فجأة دون سبب !
صمتها البائس هذا يربكه لكنه يجذبه لهوّتها السحيقة أكثر ...
فارتجفت شفتاه وهو يشعر بالحرج من تطلع البعض لهما وقد امتنعت هي عن مصافحته ...
لكن الغريب أنه لم يشعر بالإهانة من تصرفها ...
بل ...بالإشفاق!
أجل هذا الألم الذي شق أخاديده القاسية وسط نعومة ملامحها أنبأه أنها عانت كثيراً...
وتعاني الآن أكثر!
لهذا أعاد كفه جواره ببطء قبل أن يتنحنح ليستعيد صوته خشونته مع سؤاله:
_مش عايزة تقوليلي اتقابلنا فين قبل كده ؟!
عضت على شفتها بقوة وهي تخفض بصرها عنه لتهمس بنبرتها الذبيحة بين ألم وغموض:
_هاقوللك ليلة جوازنا ...
ثم رفعت رأسها بابتسامة شاحبة وهي تتحاشى نظراته لتردف:
_هاحكيلك حكاية عروسة البحر ...اللي مابقتش عروسة ...بس مش قادرة تعيش غير في البحر.
======
_دكتور ياسر ...صباح الخير!
_داليا؟! انتِ هنا؟!
قالها لها الرجل مندهشاً وهو يلتقيها مصادفةً مع الفوج أمام معبد "الكرنك" فضحكت بدلال لتجيبه:
_صدفة هايلة!
كانت تعلم أنها كاذبة وأنها في الحقيقة لم تصر على هذه الرحلة إلا لعلمها بأنه هو الآخر سيذهب ...
محاولة أخرى من محاولاتها اللانهائية لجذب انتباهه والتي لايزال الرجل غافلاً عنها فقد ابتسم ليقول مجاملاً:
_فعلاً...بس ما اعتقدش هتتبسطي هنا...المكان ده للعواجيز اللي زينا ...انتم بتحبوا التنطيط والهيصة.
_حضرتك مش عجوز أبداً...
قالتها بلهجة تعمدت رفع إيقاع دلالها لتردف وعيناها تغزوان عينيه بجرأة :
_أنا كمان تفكيري أكبر من سني بكتير ...يعني لايقين جداً على بعض!
بدت الصدمة على وجه الرجل الذي لم يفهم عبارتها لأول وهلة فتلعثمت لتردف بارتباك مدروس:
_أقصد أنا والمكان ده لايقين على بعض.
ويبدو أن الرجل كان من حسن النية بمكان إذ فهم عبارتها كما هي فاتسعت ابتسامته وهو يسير جوارها مشيراً للتماثيل العظيمة جواره بينما يقول:
_بفرح جداً لما بلاقي حد في سنك ده بالعقلية دي ...البلد دي مش هتقوم إلا لما ولادها يقروا تاريخها ويفهموه...بيقولوا التاريخ بيعيد نفسه وده حقيقي بس للي يقراه صح ...ويفهم اللي قبله سبقوا ليه ويقلدهم ...احنا شعب عظيم بس ناقصنا...
ابتسمت بإعجاب حقيقي جعلها تشرد عن بقية حديثه مكتفية بالتحديق فيه وهي تسير جواره ...
مجرد سيرهما هكذا كان يمنحها لذة خاصة من "قبس ملكيّته" التي ترجوها !!
خصلات شعره التي بدأ المشيب يغازلها كانت تقرع باب قلبها بصوت خاص...
رصانته التي تمنح كلماته مذاقاً مميزاً مهما كان الموضوع الذي يتحدث عنه...
حنانه الذي كان يطل واضحاً عبر لفتات بسيطة رأت الآن إحداها عندما أعطاها مظلته الشمسية قائلاً :
_الشمس بدأت تشد حيلها ...خدي انتِ دي!
تناولتها منه شاكرة ثم اقتربت منه أكثر لتقول بضحكة عابثة:
_ممكن تكفينا إحنا الاثنين!
ضحك الرجل وهو يبتعد عفوياً مع قوله:
_لا ما تشغليش بالك بيّ...أنا واخد على الشمس...
ثم حدق فيها بنظرة طويلة قبل أن يردف بتعجب:
_انتِ اتحجبتِ؟! ما أخدتش بالي إلا دلوقت!
تجمدت ملامحها وهي تشعر بالضيق فوجود يامن معها هنا في الرحلة يجعلها تلتزم رغماً عنها بحجابها الذي يبدو لها في هذا الطقس قطعة من الجحيم ...
لهذا زفرت بضيق حقيقي لتجيبه :
_لا مش حجاب...بس أخدت برد وخفت الدور يشد عليّ.
_ألف سلامة عليكِ!
والإجابة جاءتها من خلفها ...من آخر شخص تود رؤيته الآن !!!
أجل ...بالضبط!!
زوجة الدكتور التي بدت وكأنها ظهرت فجأة لتتأبط ذراع زوجها موجدةً لنفسها مكاناً بينهما بينما تردف بنبرة ذات مغزى:
_شفتك على الباخرة بس ما صدقتش عنيّا...قلت مش معقول الصدفة دي...
ثم ضحكت لتلتفت لزوجها قائلة:
_تخيل تبقى كابس على نفسهم في الجامعة وفي الرحلات كمان .
رفع الرجل كفيه باستسلام فاحمر وجه داليا غيظاً وهي ترد ببرود مستفز:
_احنا نحب نشوف دكتور ياسر في أي مكان وأي وقت!
التمعت عينا المرأة بغضب عجز عن تحمله حلمها المعهود وقد شعرت أن هذه الفتاة تتجاوز كل الحدود حقاً ...
لكنها تمالكت نفسها كي لا تجعل زوجها ينتبه للأمر خاصةً وهي تثق به تمام الثقة ...
لهذا ضيقت عينيها بوعيد مستتر ثم ابتسمت ابتسامة قاسية وهي تسألها:
_فين عيلتك يا داليا...معقول جاية هنا لوحدك؟!
شحبت ملامح داليا وقد راودها هاجس ما أن تخبر هذه المرأة يامن عن أي شيء يخص علاقتها بأستاذها ...
يامن الذي تدرك أن طبيعته الوسواسية مفرطة الشكوك قد تجعله يحرمها تماماً من الجامعة لو علم شيئاً عن هذا ...
هذا الشحوب الذي قرأته المرأة بوضوح وهي تمد أناملها فيما بدا كحركة رقيقة لتعدل لداليا وشاح رأسها لكنها في الحقيقة كانت تحمل لها رسالة خاصة وشت بها كلماتها:
_لو اتقابلنا تاني أحب نتعرف عليهم...وبالمناسبة عندي وصفة هايلة ل"البرد" هتخلليه ما يعتبش ناحيتك... نهائي!
كزت داليا على أسنانها بغيظ مكتوم بينما تومئ برأسها عندما قال ياسر الذي لايزال غارقاً بحسن نيته:
_خدي كلامها ثقة يا داليا ...وصفاتها مضمونة !
ابتسمت المرأة بثقة وهي تمنحها نظرة خاصة جعلتها تتوقف عن السير جوارهما لتقول بوجوم:
_حاسة إني صدعت من الشمس ...هارجع أنا .
قالتها ولم تنتظر رداً بل اندفعت بخطواتها المهرولة نحو الحافلة التي تنتظرهم هناك حيث قبعت في مكانها تنتظر تحركها بوفدها والغيظ يكاد يحرق أعصابها ...
لهذا ما كادت تختلي بنفسها في غرفتها على الباخرة حتى تناولت هاتفها لتتصل بهيثم الذي بادرها بقوله :
_داليا...وحشتيني قوي!
نزعت عنها وشاحها بقوة غضبها لتزفر بقوة جعلته يسألها بقلق:
_مالك يا حبيبتي؟! انتِ كويسة؟!
قلقه الحنون نجح في تخفيف بعض ضيقها فتنهدت بعمق لتجيبه:
_زهقانة جداً يا هيثم...ياريتك جيت معايا .
لم ترَ ابتسامته لكنها شعرت بها مع قوله بصوت دافئ:
_معنديش مانع آخد أول طيارة وأجيلك...بس ابن خالتك هنعمل فيه إيه؟!
خلعت قميصها لتنظر لنفسها عبر مرآتها قائلة بنزق:
_معاك حق...عشان كده ما رضيتش أخلليك تيجي معايا ...
ثم ضحكت بعصبية لتردف:
_كل حاجة هنا مملة ...بس الفندق هنا عامل "جلابية بارتي" الليلة دي ...حفلة رقص شرقي للصبح...بفكر ...
_هاقتلك يا داليا!!
هتف بها بحدة مقاطعاً عبارتها فضحكت ضحكة طويلة مستمتعة بغيرته قبل أن تقول بصوت عاد إليه مرحه:
_ما تقلقش يا "روميو"...الشاويش يامن هنا عامل الواجب ...مابخرجش من الأوضة إلا بحجابي!
لم يصلها منه رد سوى ذبذبات غضبه اللامرئية عبر الهاتف فابتسمت ابتسامة حقيقية لتستفز صمته بقولها المرح:
_الشبَكة فيها عيب واللا القطة أكلت لسانك ؟!
لكنه ظل صامتاً للحظات أخرى جعلتها تقول بتردد:
_هيثم ...ما بتتكلمش ليه؟!
_عشان معندكيش دم...أنا هنا هاموت عليكِ وحضرتك ما بتفكريش ...
_هتموت عليّ؟!
قاطعت بهمسها الدافئ عبارته التي داعبت وتراً حساساً بقلبها....
فزفر زفرة حارقة قبل أن يغلق الاتصال بعنف دون أن يجيبها.
ظلت تتطلع للشاشة بشرود وهي تشعر بنفس الحيرة تمزقها ...
ماذا تريد ؟!
لو كانت تريد مجرد حب فهيثم يمنحه لها بسخاء...
لكنها تشعر أنها لا تكتفي بهذا ...هي تريد عالماً بأكمله ...
عالماً تكون هي نجمته !!
لن تنسى أبداً ذاك اليوم الذي رأت فيه بيللا على شاشة التلفاز وهم يسلمونها ذاك التاج المتلألئ في حفل كبير منذ سنوات ...
صيحات الحضور...تصفيقهم...عيونهم التي لم تفارق جسدها ...
هذه هي النجومية الحقة التي تبتغيها ...
لماذا تكتفي من القلوب بواحد مادام يمكنها كسبها كلها؟!
طالما كانت تشعر في قرارة نفسها أن خالتها حمقاء لأنها تركت كل هذا وراءها ...
لهذا تعذرها حالياً في محاولاتها للحفاظ على مكانها تحت الأضواء وإن اعتزلت التمثيل ...
حياة المرأة الحقيقية ليست في زوج يسجنها أو بيت تخنقها جدرانه...
حياتها في هواء تتنفسه حرة بلا قيود !
هكذا حدثت نفسها وهي تتفحص جسدها عبر المرآة بإعجاب قبل أن تتناول هاتفها لتبحث عن رسالة من "عاشقها المجهول" بفضول يزداد يوماً بعد يوم ...
لكنها لم تجد شيئاً !!
ولا تدري لماذا زادها هذا إحباطاً بعد ما حدث مع زوجة أستاذها فزفرت بحنق قبل أن تتجه نحو نافذة غرفتها المطلة على النيل لتفتحها غير آبهة بجسدها المكشوف ولا شعرها الذي انسدل على كتفيها ...
غافلة عن زوجة ياسر التي وقفت على شاطئ النيل المقابل للباخرة ترمقها بنظرات متفحصة غير راضية...
قبل أن تزفر بحنق لتتناول هاتفها كي تجري اتصالاً فتحته بقولها:
_انسى اللي في دماغك خالص...البنت دي مش هتنفعك...شوف غيرها أحسن !
======
_انتِ كويسة؟!
هتف بها يامن وهو يصعد معها ذاك الممشى الذي يقودهم نحو مقبرة فرعونية ما ...
والذي كان يرتفع تدريجياً مع صعودهم حتى يعادل ارتفاع بضعة طوابق عند آخره ...
ورغم اعتراضه على صعودها لكن أمه العنيدة أصرت على هذا فاضطر لمرافقتها ...
_جدا!! ياااااه...إزاي ما جتش هنا قبل كده ؟! المكان ...يجنن!
كانت تلهث مع عباراتها وهي تتشبث بأحد كفيها في سياج السور الجانبي للممشى بينما كفها الآخر يستقر في راحته ...
حركة بسيطة لكنها كانت تعني لها الكثير!!!
كادت تتعثر في خطوتها الأخيرة لتفاجأ به يضمها إليه بذراعه في حركة سريعة حادة ...
رفعت عينيها إليه لتجد القلق الممتزج بعاطفته في عينيه والذي داراه بقوله الخشن:
_كفاية كده ...انت مش قادرة تاخدي نفسك.
لكنها ابتسمت وهي تقول بإصرار عبر صوتها اللاهث:
_مش هارجع بعد كل ده ...لو خايف عليّ خلليك ساندني كده !
أشاح بوجهه في ضيق وهو يعاود الصعود معها بينما يضمها إليه بقوة حيث كانت هي في أسعد حالاتها وهي تشعر بنفسها بهذا القرب منه ...
هو يستنكف أن يمنحها ضمّةً كهذه في إطار "عاطفة"...
لكنه لا يتردد لحظة في فعلها في إطار "دفاعه الحمائي" عنها ...
وكأنه يتعامل معها فقط بنبل خلق دافناً مشاعره الحقيقية خلف هذا القناع الصلب!!
لقد ورث ابنها نصيبه بالعدل منها ومن أبيه !!!
طبيعته ممزقة بين "قسوة" عبد الرحيم حمدي التي جعلتها تلفظ حياتها معه بأسرها حتى ولو كان الثمن ابنها الذي حرمها منه ...
وبين "كبريائها" هي الذي جعلها تفضل طموحها ونجاحها عن كل ما عداه !!
فلماذا تلومه ؟!
_مش دي بيللا؟!
هتفت بها إحداهن وهي تهرع نحوها لتردف بانبهار:
_مش ممكن .. مش مصدقة عنيا...أنا ممكن أتصور معاكِ؟!
ابتسمت نبيلة بفخر وهي تعدل وضع قبعتها على رأسها فيما هتف يامن بغلظة للمرأة :
_انتِ مش شايفة اليافتة هناك ؟! ممنوع التصوير!!
بهتت المرأة لفظاظة لهجته فيما اتسعت ابتسامة نبيلة وهي تقول مرحبة:
_مفيش مشكلة ...ممكن نبعد عن هنا ونتصور ...
_هتنزلي كل ده تاني؟!
هتف بها يامن بسخط والعرق يتصبب على جبينه فرفعت نبيلة رأسها لتقول بلهجة تمثيلية:
_عادي...جمهوري له حق عليّ برضه!
قالتها وهي تعاود النزول مع المرأة التي لم تكف عن الثرثرة معها معلنة انبهارها ب"مجدها القديم"...
فيما رمقهما هو بنظرة مشتعلة ثم تمتم ببضع كلمات ساخطة قبل أن ينتبه لتلك التي وقفت هناك بعيداً ببنيتها الضئيلة التي تميزها حتى وسط هذه الجموع ...
ورغم أنها كانت ترتدي نظارة شمسية لكنه شعر بنظراتها مصوبة نحوه باهتمام قبل أن تطرق برأسها صامتة مكتفية بموقعها البعيد ...
عقد حاجبيه وهو يعود ببصره نحو أمه التي انشغلت عنه تماماً بالتقاط الصور مع بعض المعجبين الذين انضموا للمرأة هناك ...
قبل أن يعود ليبحث عن مطاردته الغامضة لكنه وجدها قد اختفت تماماً ....
======
_صباح الخير يا "دودة"!
قالتها هانيا بنبرة صبغتها بمرحها وغادة تفتح لها باب الشقة المقابل لها والتي انتقلت إليها بالأمس فقط بعد إلحاح هانيا الشديد ...
فابتسمت غادة بوهن مع صوتها المتحشرج:
_لسه فاكرة الاسم ده ؟!
كانت هانيا تحمل صينية العشاء الذي أعدته لها حيث دخلت لتضعها على المائدة الصغيرة هناك لتقول بنفس النبرة:
_أيام الكلية كنا مسميينك "دودة" وبيفتكرونا بندلعك ...ما يعرفوش انك كنتِ دودة قراءة ...ما اعرفش كنت بتقراي كل الكتب دي ازاي وامتى!
كانت تحاول جذبها للحديث بأي طريقة كي تعيد لها الحياة بعد صدمتها الأخيرة ...
لكن غادة المتشحة بسواد "الظاهر" و "الباطن" كانت متفحمة الروح حد الاحتراق !!
كلماتها كانت تخرج مختنقة ذبيحة وكأنها تجاهد فقط كي تتنفس:
_ما كانش قدامي حل وقتها غير إني أهرب للخيال ...ولما جيت أعيش الواقع الدنيا استكترته عليّ!
انتهت عبارتها بزخة من دموعها كعادتها طوال الأيام السابقة فتقدمت منها هانيا لتحتضنها بقوة هامسة:
_وبعدين يا غادة ؟! مش قلنا إنه امتحان وهنعديه ؟! ربنا ما بيعملش حاجة وحشة !
_ربنا ما بيعملش حاجة وحشة بس احنا اللي وحشين ...شفتي أمي رمتني ازاي؟! صعبان عليّ نفسي قوي يا هانيا ... ليه أحمد اللي يموت ويوجع قلبي وقلب أبوه وعيلته كلها عليه ؟! ليه ما متش أنا علي الأقل ما كانش حد هيتوجع!!
انهيارها الذابل أوجع قلب صديقتها التي رفعت وجهها نحوها لتقول بقوة تدرك أنها تحتاجها:
_أكيد ربنا سبحانه وتعالى له حكمة في كده...مين فينا عارف بكرة شايل إيه ؟! كل يوم في حياتنا فرصة لبداية جديدة لو استغلليناها صح ...
هزت غادة رأسها بألم فربتت هانيا على كتفها لتردف بعتاب حنون:
_تفتكري لو أحمد الله يرحمه كان عايش كان هيرضى باللي بتعمليه في نفسك ده ؟!
_مش قادرة أنساه ...كل يوم بصحى بس على أمل إني أحصّله ...أنا ما عشتش غير معاه ...ومت برضه معاه !
لم تكن كلماتها مجرد حديث بل كانت دعوة يتمناها قلبها في كل وقت منذ ذاك الحادث ...
هذا العذاب الذي تعيشه كان أكبر من تحملها ...بل من إدراكها!!
طفلةٌ كانت تعلو بها أرجوحة الحلم حتى وصلت بها حدود السماء قبل أن تسقط...فجأة لترتطم بوحل الحقيقة!!!
الأمس قاسٍ واليوم أقسى...والغد...؟!
الغد مجرد رقم في عداد العمر الذي لا تدري كيف سيمر!!
وأمامها كانت هانيا تراقب انهيارها بعجز وهي لا تدري ماذا تفعل ...
غادة بطبيعتها شديدة الهشاشة...طبيعتها الواهنة لا تؤازرها في صد أي اعتداء ...ربما لهذا السبب تجرأ عليها زوج والدتها قديماً مستغلاً ضعفها خاصة وهو يعلم أنها بلا سند !
لكنها لن تجعلها تستسلم لطبيعتها هذه طويلاً...
هذه الحياة قاسيةٌ حقاً على ضعاف الروح ...جيادها الجامحة تدهس زهور ربيعهم!!
لهذا تناولت من جوارها منديلاً ورقياً أعطته لغادة مع قولها :
_امسحي دموعك واستغفري ...بكرة لما تفتكري الأيام دي هتحمدي ربنا وتقولي إن الفرج بييجي دايماً بعد الضيق .
_ونعم بالله !
قالتها غادة وهي تمسح دموعها محاولة التماسك فجذبتها هانيا من كفها لتجلسها على المائدة هاتفة بحزم:
_طول اليوم ما أكلتيش حاجة ...مش هامشي من هنا غير لما تخلصي كل ده !
اعتراضاتها الواهية لم تجعل هانيا تستسلم وهي تطعمها بيديها قسراً حتى اطمأنت لاستسلامها لها فابتسمت وهي تقول مداعبة:
_مش ناقص غير أقوللك..."هم يا جمل" و "القطر داخل فين "!!
حنانها الصادق مس قلب غادة التي كانت بالكاد تعي كل هذا فعادت الدموع لعينيها لكن هانيا هتفت بها زاجرة:
_لو عيطتِ تاني هاحبسك في أوضة الفيران!
هنا ارتسمت على شفتيها ابتسامة كتمتها بأناملها فتنهدت هانيا بحرارة لتعاود القول بجدية:
_ساعديني يا غادة ...مش هاقدر أخرجك من كل ده لوحدي ...أرجوكِ !
فمسحت دموعها من جديد لتعود لتناول طعامها ....وحدها هذه المرة !
======
كان ينتظرها على سطح الباخرة بعد الفجر بقليل وعيناه تجوبان المكان حوله بحذره المعهود خشية أن يراه هنا أحد يعرفه...
لهذا تعمد أن يكون لقاؤهما في هذا الوقت المبكر جداً قبل استيقاظ الجميع...
هو لم يخبر أمه وقريباته بعد بما ينتويه ...
ربما لأنه لا يزال يشعر بالكثير من التردد ...
الشيء الوحيد الذي يجعله راغباً في هذه الزيجة هو نظرة التشفي التي يود أن تملأ عينيه عندما تأتيه سيلين هنا بقدميها لتجده قد تزوج سواها ...
بل إنه يفكر لو يمعن في إذلالها فيخبرها -كاذباً- باستعداده لأن تكون زوجته الثانية مع يقينه أنها أبداً لن تقبل!
ستكون صفعته "الثانية" لها بعد صفعة طلاقهما في "لندن"!
فهو رجل لا ينسى ثأره أبداً وما فعلته به هناك لم يكن ليدعه يمر حتى وهو واثقٌ أنها لم تفعله إلا لأجل أنها تحبه!
تحبه؟!
وهل تعرف "النساء" الحب؟!
نعم...يعرفنه...
يعرفن "حب التملك"..."حب الاستحواذ".."حب الغريزة".."حب الشهرة"...حب"أنفسهن" !!
هنا ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة حملت الكثير من المرارة فتحرك ليستند بساعديه على سياج الباخرة الذي لم ينسَ مسحه بمنديل معقم كما فعلت -هي-المرة السابقة!
_صباح الخير!
همستها الناعمة جواره جعلته يلتفت نحوها ليتفحص ملامحها مدركاً توترها الذي فضحته هالات سوداء أحاطت بعينيها العسليتين ...
نظراتها العاتبة تعود لغزوها الكاسح لعينيه لكنه يهرب من غموضهما بقوله :
_شكلك ما لحقتيش تنامي...بس أنا قصدت إننا نتقابل في الوقت ده بالذات عشان ...
_محدش يشوفنا سوا قبل ما نحط النقط على الحروف!
قاطعت بها عبارته ليزداد غيظه وهو يراها "تستعرض عضلات" فهمها العميق له ...
فانعقد حاجباه بشدة وقد كاد يرميها بواحدة من عبارات سخريته اللاذعة لولا ارتجافة جسدها الخفيفة التي جعلتها تضم شالها الخفيف عليها لتبدو له في هذه اللحظة أكثر هشاشة وضعفاً من أي مرة قد رآها من قبل !
لهذا تنحنح بخشونة ليشيح بوجهه عنها قائلاً:
_تعالي ننزل البوفيه ...الجو هنا برد فعلاً.
لكنها تحركت لتستند على السياج جواره في رفض واضح لدعوته ...
عيناها شردتا في خيوط الشمس الواهنة التي تكافح لشق طريقها عبر الظلمة ...
لتقول له بنبرتها القوية المعارضة تماماً لما يبدو عليه مظهرها الآن:
_قول اللي عندك...أنا سامعاك!
رمقها بنظرة متفحصة أخرى قبل أن يشرد بدوره في الفضاء أمامه مع قوله:
_المفروض بكرة نوصل ...هفاتح عيلتي في الموضوع عشان نتجوز بأسرع وقت...طبعاً محدش هيعرف تفاصيل اللي بيننا غيرنا احنا وبس...عايز الكل يشوفنا مبسوطين مع بعض...ودورك هيبان اكتر لما توصل سيلين...
ثم التفت نحوها ليسألها :
_انتِ بقى ليكِ طلبات معينة؟!
دمعت عيناها قليلاً مع نظراتها التي حافظت على شرودها وكأنها في عالم آخر ...لتهمس بصوت متهدج:
_عايزة فرح كبير ...زحمة...زحمة قوي ...فستان فيه كل ألوان الطيف .
ورغم أن حديثها بهذه النبرة الغريبة لامسه دون أن يعرف السبب لكن طبيعته -السوداء- غلبته مع قوله الساخر:
_فستان ملون؟! هي مصر اتغيرت قوي كده ؟! آخر معلوماتي إنه كان بيبقى أبيض!!
لم يبدُ على ملامحها الشاردة أنها حتى قد سمعته ...
عيناها العسليتان كانتا تطاردان خيوط الشمس بنفس الشغف مع استطرادها الشارد:
_وبيت نعيش فيه لوحدنا ...أنا وانت بس!
ردته عبارتها الأخيرة لطبيعته "الموسوسة" فعاد يرمقها بنظرات متفحصة ضائقة ...
ورغم أنه كان قد قرر فعلاً أن يسكنا وحدهما في بيته المنفصل عن بيت أمه لكنه وجد نفسه يقول بلهجته الخشنة:
_يعني لو قلتلك هنعيش مع أمي وبنات خالتي هترفضي؟!
هنا فقط أفاقت من شرودها لتنظر إليه نظرة عميقة لم يفهمها كالعادة قبل أن تبتسم ابتسامة شاحبة مع قولها:
_انت اللي سألتني عن طلباتي ...ومع ذلك أنا قلتلك من المرة اللي فاتت إني موافقة على أي حاجة .
_ليه؟!
هتف بها بغيظ حاد وغموضها هذا يكاد يحرقه ...
ربما لو كان هو رجلاً آخر غيره لاستجاب لزهوة غروره باستسلامها هذا له ...
لرأى في عينيها هذه العاطفة التي لا تحتاج لتأويل !!
هذه العاطفة التي كانت تكفي كجواب قاطع لسؤاله السابق حتى مع صمتها الذي أصرت عليه بعدها ...
لكن عينيه المتشككتين لم تبصرا وسط كل هذا سوى فضوله الذي يتشوق لإشباعه ...لهذا أحب استفزازها بقوله:
_مالهاش لازمة قصة الفرح دي ...بلاش منها!
_ده أكتر طلب أنا مصرة عليه !
قالتها بمزيج غريب من عناد ورجاء جعله يشيح بوجهه وهو يلعن نفسه سراً !!!
ما الذي ورطه مع مخبولة كهذه ؟!
يريد أن يهرب من أفعى كسيلين فيلجأ لمختلة كهذه ؟!
مختلة ؟!
الغريب أن قلبه لا يشعر نحوها بهذا الشك الذي يؤججه عقله ...
قلبه ؟!
ومنذ متى يثق هو بقلبه ؟!
وهل كبّه على وجهه في جحيم خسرانه من قبل إلا حصاد قلبه هذا؟!!
زفر بقوة عند خاطره الأخير قبل أن يشيح بوجهه ليتحرك بضع خطوات مبتعداً عنها ...
فالتفتت نحوه ترمقه بنظرات صامتة قبل أن تسأله :
_خايف من إيه ؟! اللعبة دي اقتراحك...وخيوطها كلها في إيدك...وقت ما تحتاج تنهيها هتخلص بكلمة ...هتخسر إيه أكتر من اللي خسرته؟!
استدار نحوها بحدة وقد زاد حديثها غيظه ليهتف بها :
_كويس قوي إنك فاهمة كده...جوازنا ممكن بالنسبة لي لعبة...بس بالنسبة لك هيبقى سجن ...لو عارفاني كويس زي ما بتقولي يبقى أكيد هتبقي فاهمة شكل حياتك معايا هيبقى إزاي .
أومأت برأسها لتقول له بنبرتها التي مزجت غموضها بألمها:
_في كل الحالات أنا برضه مش هاخرج خسرانة !
ثم أخذت نفساً عميقاً تتمالك به نفسها لتردف وهي تبتعد بنظراتها عنه :
_بابا هيوصل مصر بعد بكرة...أنا بلغته بحكاية جوازنا .
ظهرت الصدمة على وجهه وهو يراها تتحدث بهذه البساطة !!
أي أب هذا الذي تبلغه ابنته بخبر زواجها المرتقب بهذه السهولة وكأنها اشترت ثوباً جديداً ؟!!
لكن .. لماذا العجب؟!
ألم يتقبل الأب الغائب أن تعيش ابنته بمفردها هنا تاركاً لها حياتها تعيشها دون رقيب؟!
تراه تخلى عنها كما فعلت نبيلة ؟!
أم أن ابنته ال"مخبولة" هذه هي التي قد غلبته بشذوذ طباعها؟!!
هذا السؤال الذي أجابته هي بقولها :
_احنا شبه بعض قوي في الجزئية دي...بابا اتجوز واحدة تانية غير أمي وسابنا وسافر ...عاش حياته هناك وبنى العالم بتاعه بعيد عننا ...بس أمي ما لبستش دور الضحية مكسورة الجناح ...ربتني إزاي أعتمد على نفسي ...عشت يتيمة وأبويا على وش الدنيا ...بس أنا ما عملتش زيك ...
ثم التفتت نحوه لتردف وعيناها في عينيه:
_أنا ترجمت كل ده لنقط قوة...كل ما كان بيوحشني كنت بفتح لنفسي مجال جديد أنجح فيه ...دراسة...رياضة...شغل ...كل نجاح كنت بحققه كنت بحسه تعويض لنفسي عن اللي ناقصها ...لحد ما وصلت لنقطة معينة حسيت إني خلاص ما عدتش عايزاه!!!
كانت وتيرة صوتها تعلو تدريجياً مع قولها حتى وصلت لعبارتها الأخيرة التي دمعت معها عيناها لتصمت فجأة...
ثم انخفض صوتها مع استطرادها:
_لكن لما أمي ماتت...ساعتها بس حسيت إن كل ده كان مجرد مُسكّن مش علاج ...و إني حقيقي محتاجاه !
لامست عبارتها قلبه حد الوجع ...
وكيف لا ؟!
وهي تشاطره جرحه القديم ؟!!
لهذا تحرك نحوها هذه الخطوات التي ابتعدها وكأنما أرضاه أن يكشف بعض هذا الغموض الذي حولها ...
لكنها حافظت على إطراقة رأسها وهي تكمل حديثها:
_وفعلاً رجع لي وقتها ...بس أنا اللي ما قدرتش أرجع له...يمكن تفهمت دوافعه ...طموحه...انشغاله...وحتى جوازه التاني...كل ده تفهمته حاولت أديله عذر فيه...بس غصب عني ما قدرتش أخرج بره الدايرة اللي هو حطنا فيها ...
ثم رفعت رأسها إليه بابتسامة بدت شديدة التكلف مع دموعها التي ملأت عينيها دون أن تسقط:
_هو تقبل فكرة استقلالي بحياتي هنا...زي ما أنا تقبلت فكرة نجاحه هناك ...هو واثق فيا...زي ما أنا واثقة إني لو احتجته هيجيلي ...بس ...
صمتت بعدها للحظة شعر فيها أنها تبتلع غصة مرارتها لتردف بصوت متحشرج:
_بس أنا مش عايزة أحتاج له!
وعند عبارتها الأخيرة سقطت دموعها التي حبستها طويلاً فاختلجت عضلة فكه وهو يقبض كفيه جواره !!!
كل دمعة من دموعها كان يعرفها !!!
تشبه دموعاً وجد في عينيه يوماً مثلها !!!
وإن لم يملك وقتها شجاعة أن يترك لها حرية السقوط!
لكنها مسحت دموعها بسرعة ثم تنفست بعمق لتلوح بذراعيها قائلة:
_وآديني أهه فعلاً مش محتاجة له ولا لأي حد ...كل حاجة عُزتها...كل حلم حلمته ..كل طريق مشيته...وصلت لهم... ولوحدي!
اتسعت عيناه بمزيج من صدمة وانبهار وهو ينظر لوجهها هذه اللحظة...
ملامحها التي طالما كان يراها طفولية الآن تنبض بقوة غريبة تكاد تزلزله هو مكانه !!
عبارتها السابقة رغم عموم معناها لكن قلبه استشعر فيها شيئاً يخصه هو ...
تراه كان يوماً حلماً من أحلامها؟!
انقطعت أفكاره بحركة بسيطة عندما أطاح الهواء بشالها ليسقط تحت قدميها ...
انحنت لتلتقطه لكن أنامله سبقتها قبل أن يعيده لكتفيها بحركة زادت ارتجافتها ...
عيناها العسليتان تقابلان عينيه بذات اللون ...
فما أشد التشابه...وما أكبر الاختلاف!!
_صباح الخير يا ياسمين.
الهتاف جاء من خلفه يقطع عليهما سحر اللحظة خاصة مع حدة لهجته فالتفت يامن نحو الرجل الذي تهللت أساريره عندما تعرف إليه ليصافحه بقوله:
_دكتور يامن ...فرصة سعيدة جداً.
صافحه يامن بضيق وقد أثار حفيظته أن يراهما أحدهما هنا ...
ويبدو أن الرجل قد لاحظ ضيقه خاصة مع شحوب وجه ياسمين فغمغم بما يشبه الاعتذار:
_أنا آسف للمقاطعة...بس حسيت ياسمين متوترة وما كنتش أعرف لسه هي واقفة مع مين...خفت يكون حد بيضايقها .
عقد يامن حاجبيه بضيق لم يملكه لكن ياسمين تمالكت نفسها لتقول بابتسامة مفتعلة :
_شكراً يا دكتور ...يامن دكتور الأسنان بتاعي واتقابلنا هنا صدفة!
أومأ الرجل برأسه وهو يثرثر ببضع كلمات عن عدم توقعه لصعود أحدهم هنا في هذا الوقت باستثنائه هو العاشق لمشهد الشروق...
لكن كليهما كان غائباً في شروده الذي انقطع بمغادرة الرجل لهما والذي شعر بالحرج تقريباً فترك لهما ظهر الباخرة كله ليعود للأسفل...
_تعرفيه منين؟!
غمغم بها يامن من بين أسنانه وهو يجذب ذراعها بحدة لم يقصدها فأشاحت بوجهها في ارتباك مع سؤالها:
_وانت تعرفه منين؟!
_أعرفه منين؟! هو حد خارب بيتي غيره؟! ده دكتور التجميل اللي أمي مضيعة عليه كل فلوسها ...السؤال بقا حضرتك تعرفيه منين؟!
هتف بها بحدة تقبلتها وهي تزدرد ريقها بتوتر احتل ملامحها وجعله يردف بانفعال أكبر:
_وليه ييجي مخصوص خايف أكون بضايقك ؟!
لم يكن الرجل في سن يسمح له بالغيرة فقد كان في عمر والدها لهذا كان سؤاله يحمل الفضول أكثر ...
فصمتت ياسمين قليلاً قبل أن تقول له باقتضاب:
_ممكن تسأله !
قالتها ثم اندفعت بخطوات سريعة لتغادره ولغة جسدها تفضح شعوراً
بالخوف لم تفوته عيناه الثاقبتان ...
لهذا ما كادت الفرصة تسنح له حتى التقى ذاك الطبيب الذي منحه إجابة لم تخطر له على بال ...
الرجل علاقته بها مهنية لأبعد حد فقد سبق وأجرى لها عملية تجميلية رفض أن يفصح عن كينونتها زاعماً أنها أسرار عمل!!
======
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!