الفصل 5 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل الخامس 5 - بقلم سينابون

المشاهدات
12
كلمة
7,757
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

القطعة الخامسة


**********


_حمداً لله على السلامة يا بابا!


قالتها ياسمين وهي ترتمي بين ذراعيه في شقتها التي استقبلته فيها عقب عودته .


وجدي ذو الفقار!


نموذج عظيم من أولئك الذين تفخر ب"عصاميّتهم" !


ربما هو لم يبدأ من الصفر تماماً لكن ما حققه في عمره هذا يعتبر إنجازاً كبيراً ...


الثمن؟!


ومن يسأل عن الثمن في خضم الصراع المحموم نحو المال والنجاح ؟!


_ما اتغيرتيش يا "سمسمة"!


صوته الخشن الحنون الذي احترق بمزيج من الذنب واللوم يصل أذنيها معبقاً برائحة الذكرى!


"لفظة تدليله"هذه كانت يوماً تحمل لها أمان العالم كله !!


واليوم لا تزيد في أذنيها عن كونها "مجرد مجاملة"!!


مجاملة ردت عليها بتمتمتها الخافتة وسط ابتسامتها بينما ترفع عينيها إليه:


_بالعكس ...اتغيرت يا بابا ...اتغيرت كتير!


رمقها بنظرة طويلة متفحصة لكنها هربت من لقاء نظراته وهي تغلق الباب خلفه لتهتف بمرح مصطنع:


_شنطة واحدة بس؟! فين هدايا العروسة ؟!


لكن تكلّفها هذا لم يخفَ عليه وهو يضمها إليه بذراعه ليسير جوارها حتى جلس معها على أحد الأرائك ليتمعن في ملامحها أكثر بقوله الرصين:


_ما هو ده اللي جابني على ملا وشي...إيه موضوع "العروسة" ده بقا؟!


خفضت بصرها عنه للحظات تستدعي قوتها التي لا تنقصها ها هنا ...


إن لم تدافع عن زواجها بيامن ...فعمّ تفعل إذن؟!


لهذا رفعت إليه عينيها أخيراً لتقول بابتسامة لم تفارقها:


_زي ما بلغتك في التليفون...عريس محترم...دكتور ...من عيلة كويسة...جوازة لقطة !


_لقطة؟!


قالها رافعاً حاجبيه باستهجان قبل أن يعدل وضع نظارته على أنفه مردفاً وهو يضغط حروف كلماته:


_يامن عبد الرحيم حمدي...أبوه فلاح وأمه ممثلة إغراء....أبوه طلقها وعاش بيه هنا بعد ما هرب بيه من بلدهم عشان كلام الناس...وبعد ما مات رجع لأمه اللي كان ليها فضيحة مشهورة مع منتج زمان ...و اللي لسه عايشة في الدور وكل يوم والتاني صورها في الحفلات مغرقة الدنيا ...هو ده الوسط اللي عايزة تدخلي برجليكِ فيه؟!


شبكت أناملها بقوة وكأنما تستدعي كل قوتها لتقول بثبات:


_احنا ما بنورثش ذنوب أهالينا.


همهمة ساخرة كانت جوابه تلاها قوله بنفس النبرة:


_ماشي...نيجي للدكتور "اللقطة"...أول فضيحة ليه كانت في النادي مع واحدة خلته مسخرة أصحابها...بعدها سافر انجلترا اتجوز واحدة هناك وسابها برضه بفضيحة ومشاكل...رجع هنا فتح عيادة مع واحد زميله وشكله بيجهز للفضيحة الثالثة مع واحدة ساذجة فاكراه "لقطة"!!


_بابا!!


هتفت بها باعتراض وهي تنتفض واقفة مكانها لتردف بتماسك:


_أولاً بحييك إنك قدرت تجمع كل المعلومات دي في الوقت القصير ده ...ثانياً كل ده أنا عارفاه و أكتر منه كمان ...


ثم أشاحت بوجهها مستطردة:


_لا أنا ساذجة ولا يامن وحش ...كل اللي مرّ بيه كان نتيجة ظروف !


_مفيش فايدة في عنادك اللي مضيعك ده ؟! برضه ما بتسمعيش الكلام؟!


هتف بها بحدة وهو يقف بدوره ليقابلها بنظراته الساخطة والتي أطفأتها عبارتها المرتجفة:


_سمعت كلامك المرة اللي فاتت ...كانت إيه النتيجة؟!


بدت كلماتها وكأنما أسقطت بألمها دلواً بارداً على غضبه فتجمدت ملامحه للحظات قبل أن يقول لها بنبرة أكثر رفقاً:


_وعشان كده بالذات ...كنت فاكرك هتفكري ألف مرة قبل ما تعيدي التجربة....


ثم أحاط كتفيها بكفيه لينظر لعينيها مردفاً:


_أنا غلطت مرة في اختياري ما تغلطيش انتِ كمان...كل تجربة هتتحسب عليكِ !


دمعت عيناها دون رد فقبل جبينها ثم ضمها إليه ليردف بحزم:


_"الولد " ده مش مناسب ليكِ أبداً .


ابتسمت رغماً عنها وهي تراه يلقب يامن ب"الولد"!!


ترى هل سيحتفظ برأيه هذا عندما يرى هذا "الولد" جوارها بجسده الضخم وملامحه الخشنة ؟!


لكن ابتسامتها تخللها نوعٌ من الحنين وهي ترى أباها بعين خيالها يمسك كفها ليسلمها عروساً إليه ...


الحلم الذي عاش بداخلها سنوات يوشك أن يكون حقيقة!!


لا يا غافلة!!


الحلم لن يتحقق كما تتصورين ...بل سيظل حبيس قضبان قلبك الأحمق!


الزواج لعبة...والعروس مزيفة...والعريس حبيب بثياب سجان!


_خدي فرصة وفكري يا بنتي...ارجعي معايا ماليزيا تغيري جو و تقرري على مهلك .


وكأنما ردته عبارتها لخيارها الذي لن تحيد عنه ...لهذا رفعت عينيها إليه بقولها الحاسم رغم رقة لكنتها:


_قراري خدته ومش هاغيره يا بابا .


كسا الضيق ملامحه التي فاضت بقلقه لكنه عجز عن قول المزيد ...


هو يعلم الكثيرعن عناد ابنته تماماً كما يعلم أنه لن يمكنه إقناعها بعكس اختيارها ...


ليس فقط لأجل شعوره القديم بالذنب نحوها منذ تركها ووالدتها ليسافر ويبني نفسه بعيداً ...


لكن لأجل ذنبه الحديث كذلك والذي لم تبرد دماؤه بعد!


أجل هو الذي اختار لها زوجها السابق والذي أذاقها الويلات حتى تم الطلاق ...


ورغم أنها رفضت بعنادها العتيق ذكر أي تفاصيل له لكنه يشعر أن ما كسره ذاك الزواج بابنته أكبر من أن يلتئم بهذه السرعة !


لهذا تنهد أخيراً بحرارة ثم رفع ذقنها نحوه ليقول لها بصدق وجد صداه في صدرها:


_يمكن أكون سقطت حقي فيكِ كأب يوم ما اتخليت عنك زمان ...ويمكن تكوني لسه محملاني ذنب جوازك الأولاني ...بس صدقيني الندم اللي جوايا أكبر من إنك تتخيليه .


فازدادت كثافة الدموع في عينيها وكعادتها -أمامه هو بالذات- وجدت نفسها تتبرأ من ضعفها كله !!


اصطنعت ابتسامة وهي تبتعد عنه لتلوح بذراعيها قائلة بمرح متكلف:


_مالوش لازمة إحساسك ده يا بابا...أنا كويسة جداً...كل الناس هنا بيحسدوني على نجاحي في كل حاجة...المفروض تبقى مطمن عليّ...وصدقني بعد جوازي من يامن هتطمن عليّ أكتر !


حدس الأب بداخله كان يخبره أن كل هذا مجرد مكابرة لكنه كان يعلم أن طبيعتها الكتومة- خاصة معه -لن تجعلها تبدي المزيد ...


لهذا زفر بقوة مشيحاً بوجهه لكنها استمرت في تظاهرها البارع وهي تهتف له بنفس المرح المصطنع:


_ودلوقتِ تقعد تستريح على ما أحضر لنا الأكل ...عاملة لك منيو مصري أصيل أكيد اشتقتله ...


ثم غمزته لتردف :


_بس الحلو طبعاً...سينابون!


ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة ثم عاد يضمها إليه بقوة مستمتعاً بتشبثها الواهن به ...


والذي لم يدم أكثر من بضع ثوانٍ قبل أن تتفلت من بين ذراعيه فيما بدا كهروب لتهرع نحو المطبخ الذي توارت خلف بابه لتكتم شهقات بكائها!!


لو كانت الأمور تسير بصورة طبيعية لما تركت حضن والدها الآن...


لتشبثت به أكثر وأكثر تشكو إليه خوفها من الغد...لكنها لا تستطيع !


هي تجاوزت عن فعلته...تفهمت دوافعه...لكنها ...لم تسامحه!


هذا الجدار الذي ارتفع بينهما يوماً بعد يوم كلما يوشك أن ينقض أقامته رواسب الماضي!


هي تشعر بندمه وألمه ورغبته في تعويضها عما كان ...لكنها لا تملك للصفح سبيلاً..لهذا لن تسمح لنفسها بالضعف أمامه!


نحن نعرّي أحزاننا فقط أمام أولئك الذين صفت صورتهم في مرايا قلوبنا ...أما من تعكرت صورهم فضعفنا أمامهم...عورة!


والعورات تسترها أقنعة قوتنا الزائفة!


لهذا شهقت عدة شهقات متتالية تحاول السيطرة على انفعالاتها قبل أن تحين منها التفاتة نحو "حلواها" المفضلة هناك ...


والتي برعت في صنعها لأنها تعشقها ..


ليس فقط كونها لذيذة المذاق ...بل هي فلسفتها الخاصة أن البشر جميعاً يشبهونها !


دوائر متداخلة تبدأ من مركز عميق وتظل تدور حلزونياً مع مدارات القدر ...


قد تخدع غيرك بمظهر "دائرتك الخارجية" لكنه كلما اقترب سيرى منك أكثر مما تخفيه ...


يمكن أن تكون محظوظاً حقاً بمن يعبر كل هذه الدوائر ليصل للمركز فيرى عمق حقيقتك دون "رتوش" إضافية ...وقد تبقى طوال عمرك أسير ما يرونه من زيف دوائرك!


"سينابون"...


هكذا نحن...مزيج من مذاق "القرفة" اللاذع و"الصوص" الحُلو والعجين "المتخمر" بماء "الماضي"!


=======


_وبعدين يا رامز؟! صاحبة مراتك هتفضل هنا كتير؟!


قالتها والدته باستياء واضح وهي تستقبله في شقتها قبل صعوده لشقته فزفر بضيق لتردف:


_أنا عارفة إن ظروفها صعبة...ربنا يكون في عونها ...لكن أخوك ممكن يرجع من السفر في أي وقت ويحتاج شقته ...أنا لحد دلوقت قلبي مش مطاوعني أقولله إن حد غيره سكن فيها .


مرر أصابعه بين خصلات شعره وهو يهز رأسه ليقول لها برفق:


_ما تكبريش الموضوع يا ماما ...الشقة كده كده كانت مقفولة على الفاضي ...وكلها كام يوم بس لحد ما نطمن عليها وندور لها على سكن تاني ...


ثم عاد يزفر ليردف بأسى:


_غادة أصلاً مش طايقاني...من ساعة ما فاقت من اللي حصللها وهي مش قادرة تبص في وشي ...بصراحة معها حق!


عقدت والدته حاجبيها هاتفةً باستنكار:


_ليه إن شاء الله ؟! هو انت مش كنت راكب معاه وهو اللي نصيبه جه كده ؟!


_غصب عنها يا ماما...اللي حصل جه فجأة ولسه تفكيرها مشوش!


قالها مهدئاً فأشاحت المرأة بوجهها في عدم رضا بينما قام هو ليقبل رأسها مردفاً:


_ما تقلقيش يا ست الكل...ربنا يجعل بيتك دايماً مفتوح لكل اللي محتاج له .


ابتسمت بحنان مع حركته هذه قبل أن تنتقل عيناها للكيس الصغير الذي يحمله فمصمصت شفتيها لتقول باستهجان:


_هدية للدكتورة؟!


ضحك لغيرتها ثم غمزها ليقول مازحاً:


_وفيها إيه ؟! الحاج الله يرحمه ياما غرقك هدايا من دي ...لو ناسية أفكرك!


_عيب يا ولد !! هو الجواز علمك قلة الأدب؟!


قالتها باستياء مصطنع تداري خجلها فضحك ليجيبها بتفاخر :


_الحق يتقال أنا قليل الأدب طول عمري!


ضحكت المرأة بحنان وقد نجح في استرضائها كعادته بقبلة لكفها قبل أن يغادرها نحو شقته التي كانت خالية من زوجته كالعادة!!


تنهد بضيق وهو يتردد بين طرق باب شقة غادة المقابل أو انتظارها هنا ...


لكنه فضل الخيار الثاني ...


ليس فقط كونه يدرك ضيق غادة من رؤيته لكن لأنه أحب أن يعد لزوجته مفاجأة ..


لهذا بدل ملابسه بسرعة ليرتدي مئزره الحريري الذي كان هديتها ثم تناول زجاجة عطر خاصة جعلها فقط لها هي ...عندما تكون بين ذراعيه ..ليكون عبقها مرادفاً لسحر امتلاكها...


أغلق الأضواء كلها إلا من إضاءة جانبية خافتة بلونها الأرجواني المفضل ...والذي صار يمثل له شغفه الخاص بها...


جو ساحر لم يكن ينقصه سوى الموسيقا الهادئة التي أضاف لمستها


الأخيرة بلحن أجنبي كلاسيكي هادئ .


فتحت الباب لتدلف إلى الداخل فعقدت حاجبيها لوهلة من المفاجأة قبل أن تفتح الأنوار كلها فجأة بهتافها الجزع:


_رامز ...معقول كده ؟! انت ما بتفكرش خالص؟!


ثم هرعت نحو جهاز تشغيل الموسيقا توقفها لتردف بعتاب حاد:


_هي دي الأصول؟! ده لو واحد جاره عنده ميت ما بيعملش كده فمابالك وانت السبب في الكارثة دي أصلاً؟!


عقد حاجبيه بغضب كتمه بزمّة شفتيه لكن ملامحه لانت قليلاً مع أثر بكائها على وجنتيها فزفر بقوة ليمسك كتفيها قائلاً بعتاب:


_وبعدين يا هانيا ؟! انتِ مش شايفة إنك مزوداها ؟!


أشاحت بوجهها في ضيق فأردف بنفس النبرة:


_أنا ما غلطتش لما حبيت أخرج مراتي من الحالة الكئيبة اللي هي فيها ...كل حاجة طلبتيها عشان صاحبتك عملتها ...بس مش المفروض إننا نموت نفسنا بالحياة .


عضت شفتها بقوة بتلك الحركة التي يدرك أنها تكتم بها انفعالها فتنهد بحرارة ثم رفع ذقنها إليه ليهمس لها بدفء:


_أنا أكتر واحد فاهم إزاي بتحاربي عشان تبيني لها القوة اللي هي محتاجاها وفي نفس الوقت من جواكِ هتموتي من الحزن عليها ...كل اللي بطلبه منك إنك تسمحيلي أساعدك في الحرب دي!


ارتجفت شفتاها بقوة وعيناها تتشبثان بعينيه...


تعتذران...تشرحان...تشكوان...وتتلقفان!


أجل...تتلقفان عطايا عشقه السخية التي طوقتها بحنان لا تحتاج إلا لمثله في هذه اللحظة!


بينما كان هو يفهم كل تناقضاتها هذه ...بل ويعشقها!!


لو حسب تاريخ النساء في حياته ب"العدد" لكان ترتيبها الحقيقي


مخذلاً لها حقاً ...لكنه يحسبه معها ب"قيمة" يدرك أنه لم تبلغها سواها !!


كل تفصيلة بسيطة منها تبهره...تسحره...وكأنه لم يرَ امرأة من قبلها قط !!


ربما هي طبيعتها العفوية المختلفة تماماً عن غنج النساء اللائي عرفهن من قبل ...


حتى وإن تغلفت بالجفاف الذي يقارب الجمود هذا !!


لهذا طاف على وجهها بقبلاته هامساً لها :


_الليلة دي تسيبيلي نفسك خالص...هافضل وراكِ لحد ما تشيلي الوش الخشب ده وتعبري عن نفسك زي الليلة اللي قلتي لي فيها إنك بتحبيني!


_أنا ما قلتش!


هتفت بها باندفاع استغربته من نفسها قبله !!


اندفاع قد يراه البعض سخافة...غلظة...أو حماقة في موقف كهذا...


لكنها كانت تراه "خط دفاع"!!


خوفها العتيق من الوقوع في الحب زادت ضراوته بكابوس غادة الحي الذي تشاركها إياه كل يوم ...


الحب هو ما يجعلنا نتعذب لأنه يحكم قبضته على قلوبنا فيفقدنا السيطرة عليها ...لولاه لصارت حياتنا مجموعة من الفرص تقتنصها عقولنا بذكاء أو تفقدها ب"روح رياضية"...


لكنه الحب -يا غافلة- إذا تملّك أهلك...


وإذا تجلّى تخلّى ...وإذا عاهد غدر !


_ما قلتيهاش بلسانك...بس أنا سمعتها ...بقلبي!


همس بها بصبر غريب على طباعها الجافة هذه ...ربما هذا ما جعل صوتها يرق كثيراً وهي تقول له متحاشية النظر لعينيه:


_اعذرني يا رامز...أعصابي تعبانة ومابقتش عارفة بقول إيه !


ابتسم بحنان وهو ينزع عنها حجاب رأسها لينثر شعرها حولها بحركة مداعبة رسمت ابتسامة واهنة على شفتيها ثم أحاط خصرها بذراعه ليجذبها نحو المائدة التي استقرت عليها "هديتها" ...


رمقته بنظرة متسائلة فرفع حاجبيه مشاكساً لتتناول هي الكيس فتفتحه وتخرج محتواه الذي جعل الخيبة ترتسم على ملامحها مع قولها العابس:


_انت عارف إني مابحبش قمصان النوم ...وخصوصاً اللي بالشكل ده !!


كان يتوقع ردة فعلها هذه خاصة أنها لم تكن المرة الأولى التي تفاجئه فيها بهذا التصريح !


أجل "العريس حسن الحظ" اكتشف بعد زواجه منها أنها تكره الظهور


بملابس مكشوفة ولو أمامه هو...


حتى علاقتهما الخاصة تصر أن تكون في الظلام !!


في البداية كان يقنع نفسه أنه مجرد خجل لكنه الآن يدرك أن الأمر قد يحمل أكثر من هذا !!


وأمامه كانت هي غارقة في شرودها والموقف يحملها لذكرى بعيدة طفت الآن على السطح ...


_أختك دي مش هتجيبها لبر ...أنا ما كنتش عارف أوريهم وشي النهارده في المصلحة ...كلهم بيتغامزوا عليّ!!


هتف بها والدها الموظف البسيط الذي عاد لتوه من عمله فاحمرت والدتها خجلاً وهي تقول له بعجز:


_أعمل إيه بس؟! أنا مش عارفة ...الجيران من ساعة الفيلم ما نزل وهم بيلقحوا عليّ الكلام في الرايحة والجاية...نبيلة ما كانتش كده ...الله يجازي ولاد الحرام اللي جروها للسكة دي !


كانت وقتها مراهقة صغيرة السن بالكاد تفهم ما يقال لكن الحديث دفعها لأن تسأل إحدى صديقاتها عن ذاك الفيلم الجديد الذي كانا يتحدثان عنه لتجيبها صديقتها إنه "فيلم إغراء"!


لم تفهم اللفظة في البداية لكن صديقتها عرضت عليها أن تدعوها لبيتها خلسة في غياب والديها كي تشاهدانه معاً على جهاز "الفيديو" الذي لم يكن منتشراً كثيراً في البيوت المصرية وقتها .


استجابت لدعوة صديقتها الجريئة يدفعها فضول سن المراهقة ذاك وليتها لم تفعل!!


مشهد نبيلة "الفاضح" في الفيلم لم يغادر مخيلتها منذ تلك اللحظة...


قميص نومها الأخضر المكشوف الذي يظهر أكثر مما يبدي ...ماكياجها الصارخ ...تعبيرات وجهها الرقيعة...لمسات الممثل المقرفة لها جعلتها وقتها تفرغ ما ببطنها تحت نظرات صديقتها الساخرة مع قولها:


_هتبهدلي السجادة ...إيه ؟! أول مرة تشوفي المناظر دي؟!


نظراتها الزائغة منحت صديقتها الجواب فضحكت لتغمزها قائلة:


_خالتك دي محظوظة...بتمثل قدام (.....) مرة واحدة ...عارفة كام ست في مصر بتحسدها على المشهد العظيم ده ؟!


_تحسدها؟! تحسدها على القرف ده ؟!


هتفت بها بصوت لاهث وهي تشيح بوجهها قسراً عن الشاشة لتجيبها صديقتها باستهجان:


_بلاش تقفيل الدماغ ده ...ده فن هادف بيناقش قضية مهمة !


_هادف؟!


سؤالها الحائر ختم هذه المناقشة غير المجدية عندما تناولت من صديقتها منشفة لتجثو على ركبتيها كي تنظف الفوضى التي أحدثتها هناك بالمكان ...


لكن من "ينظف" ذاكرتها من ذاك المشهد الذي بقي حاضراً في مخيلتها يستدعيه كل موقف مشابه ...؟!!


العُري...العيب...الفضيحة...غضب والدها...خزي والدتها...


وأخيراً صدمتها هي!!


صدمة لم تستطع -كما يبدو- تجاوزها أو حتى مناقشتها مع أي أحد !!


_ممكن أعرف السبب؟!


قالها رامز بضيق لم يستطع كتمه مما استفزها أكثر لتهتف بحدة:


_جرى إيه يا رامز؟! ما تكبر مخك ده شوية؟! الجواز مش شمع وورد وقمصان نوم وكلام فارغ عن حب الأغاني ...الجواز مسئولية ...اتنين اختاروا يعيشوا حياتهم سوا ويقبلوا بعض زي ما همّ ...وأنا قبلتك بكل عيوبك وميزاتك ...انت كمان لازم تقبلني كده !


_هانيا...انتِ خايفة تحبيني؟!


سألها بمزيج من حيرة وضيق فزفرت بسخط لتلوح بذراعيها مجيبة:


_مفيش فايدة...هنفضل نلف ونرجع لنفس الموضوع ...تحبيني وأحبك؟!


رامز من فضلك أنا طريقة الكلام دي بتعصبني...جو المشاعر والمراهقين ده مش بتاعي ...كبرت عليه وياريت تكبر انت كمان !!


عبارتها الأخيرة قضت على آخر حدود صبره لهذه الليلة فابتعد عنها لتشتعل ملامحه بغضب للحظات قبل أن يقول ببرود قاسٍ:


_لو رديت عليكِ هزعلّك ...كفاية كده الليلة دي...تصبحي على خير يا دكتورة .


قالها ثم ابتعد عنها بخطوات سريعة ليصفق باب غرفتهما خلفه بعنف تاركة إياها خلفه غارقة في صراع مشاعرها ...


=======


_العصير يا يامن !


قالتها داليا بدلالها المغالي كالعادة وهي تمد له يدها بكوب العصير في بيت والدته...حيث يجتمع بهن كعادته يوم الخميس الذي خصصه لهن فقط كي يقضي لهن حوائجهن ويستمع لما جدّ من أمورهن معوضاً غيابه طوال الأسبوع .


كاد يتناول منها الكوب لكنها سحبته فجأة لترتشف منه رشفة قبل أن تعيده إليه بقولها المرح:


_عشان تجري ورايا!


عقد حاجبيه ببعض الحرج متجاوزاً دعابتها ليضع الكوب أمامه دون أن يمسه فابتسمت نبيلة بتفهم لتقول لابنة شقيقتها:


_انتِ نسيتِ واللا إيه؟! ...يامن ما بيشربش مكان حد!


مطت داليا شفتيها باستياء لتغمغم :


_وسوسة فظيعة!


لكزتها رانيا في خاصرتها لتصمت فهزت رأسها لها بحركة مغيظة قبل أن تتناول الملعقة والتي ما كادت تصل لفمها حتى ظهر على وجهها


الاستياء مع قولها:


_إيه القرف ده ؟! الشغالة باينها كبرت و خرّفت !!


عادت رانيا تلكزها في خاصرتها لكنها لم تفهم لهذا سبباً إلا عندما غمغمت نبيلة بحرج نال من كبريائها:


_أنا طبخت النهارده عشان يامن بيحب "المسقعة" وما أكلش هنا من زمان.


اتسعت عينا داليا قليلاً وكأنما استكثرت على خالتها هذه اللمحة الحنون لتجد في نفسها الرغبة في السخرية بقولها:


_دي مش مسقعة يا بيللا...أكرم لك تخترعي اسم تاني للبتاعة الغريبة دي!


والأمر هذه المرة جعل رانيا لا تكتفي بلكزها بل دهست قدمها بقوة جعلتها تصرخ وهي تلتفت نحوها لتهتف بنزقها المعهود :


_هو اللي يقول الحق في البلد دي يكفر يعني؟!! أيوة


الأكل وحش ...مش لازم تكون النجمة يعني شاطرة في كل حاجة !!


_داليا!!


هتف بها يامن زاجراً وهو يخبط بقبضته على المائدة فتأففت داليا ثم ابتلعت لسانها مضطرة لتكتفي بإطراقها الصامت ...


فيما قالت رانيا بحرج:


_حلوة جداً يا خالتو تسلم إيدك ...بس أنا مش هاقدر آكل ...حضرتك عارفة عاملة دايت عشان الفرح .


نقلت نبيلة بصرها بينهم بحرج وقد تبينت لتوها مدى سوء الطعام خاصة عندما غمغمت هانيا هي الأخرى:


_اعذريني أنا كمان يا خالتو...اتغديت مع غادة قبل ما آجي!


ضحكت داليا ضحكة مكتومة أخرسها يامن في لحظتها بنظرة زاجرة قبل أن يبدأ هو بتناول طعامه:


_بسم الله !


رمقته نبيلة بنظرة امتنان وهي تتفحص ملامحه بحنان جائع لعاطفته ...


ورغم أنه لم يمتدح الطعام لكنها كانت تشعر أنه يتناوله فقط مجاملةً لها ...والحقيقة أنه كان كذلك!!


رغم أن المذاق في حلقه كان من السوء بمكان لكنه كان مطعماً بنكهة أخرى من ماضيه ...


نكهة اشتياق لوجبة تصنعها "أم" تنتظره !!


وهنا تذكّر شطائر "الإفطار" التي كان يصنعها له والده علي عجل والتي كان محتواها ثابتاً لا يتغير ...


"الغداء البارد" على الدوام والذي كان ينتظره بائساً مثله على طاولة المطبخ ...و"العشاء" ثقيل الظل الذي قلما كان يتناوله.


لكنه عندما كان يدعوه أحد أصدقائه في منزله على طعام كان يدرك بحق معنى "لمّة العائلة" ...


صوت صليل الملاعق ودويّ الأطباق وإلحاح "امرأة" تعبت في صنع كل هذه الأصناف ولن تهدأ حتى يلتهموها عن آخرها ...


تربيت كفها على كتفه مع جملة تكاد جميعهن ترددها بنفس الحنان الممتزج بالحزم :


(والأكل ده مين هياكله؟! مش هاتقوم غير لما تخلصه كله)...


كل هذه المظاهر التي كانت تشتد حدتها على نفسه خاصةً في رمضان


والأعياد ...


كم تمنى أماً يراقبها وهي تطبخ لحم الأضحية نهار عيد


الأضحى ...


أو يسهر جوارها يتأملها وهي "تنقش" كحك عيد الفطر...


تنزع أنوية التمر لتصنع "الخشاف" في رمضان...تحشو "القطائف"


بالمكسرات ...تسقي الحلوى ب"العسل"...وتحتمل حرارة الجو لتقف أمام الموقد كي تعد له وجبة "دافئة"...


دافئة!!


هذه الكلمة التي ظلت طويلاً غريبة على قاموسه البارد ويبدو أنها ستظل !


تفاصيل بسيطة كهذه صنعت ب"جدار رجولته" فجوة كبيرة أحدثتها "امرأة" ويأبى الاعتراف أنه لن تسُدّها إلا "امرأة" كذلك!!


لهذا التوت شفتاه رغماً عنه بابتسامة واهنة لم يقرأها سوى قلب نبيلة التي بادرته بقولها:


_خير يا يامن...كنت بتقول عايزنا النهارده في موضوع مهم.


تنحنح بخشونة ثم مسح فمه بمحرمة ورقية ليتجاهل السؤال مؤقتاً وهو يقول لرانيا:


_مش ناقصك أي حاجة قبل الفرح ؟!


هزت رأسها نفياً بامتنان فتوهج الحنان في نظراته رغم خشونة لهجته:


_لو عايزة أي حاجة قولي ...ما تتكسفيش!


احمرت وجنتاها بارتباك كعادتها فابتسم ليردف بنبرة أكثر رفقاً:


_شهر العسل هدية مني...شوفي عايزة تسافري فين وأنا تحت أمرك .


شكرته بكلمات مرتبكة فيما أطلقت داليا صفيراً عالياً لتهتف بشقاوتها المرحة:


_يااااا سيدي ...اللي علي علي يا عم !


لكن يامن رمقها بنظرة حازمة ناسبت قوله:


_خلصي دراستك وليكِ عليّ يوم ما تتجوزي هدية زيها .


مطت داليا شفتيها باستياء وعبارته تشعرها أنه لا يفكر فيها على النحو الذي ترتضيه ...


ورغم أنها كانت كارهة لموضوع الزواج لكن فكرة أنها لا تعجبه هي ما كانت تؤرقها !!


هي تعشق الشعور أنها الأنثى الوحيدة في هذا العالم التي تستحق


الاهتمام من الجميع ...


ومعاملة يامن -الأخوية- لها شوكة في خاصرة أنوثتها!!


لكنه قطع أفكارها عندما وجه حديثه لهانيا بنفس النبرة التي مزجت الحنان بالقلق:


_وانتِ أخبارك إيه يا هانيا؟! وشك مرهق جداً !


_لا أبداً...انت عارف الشغل والبيت ...وكمان غادة !


قالتها بنبرتها الجادة والتي حملت الكثير من الحزن فانعقد حاجباه وهو يشبك كفيه أمامه ليقول لها بسخط:


_أنا مش عارف انتِ بتفكري إزاي!! انتِ اللي بقول عليكِ عاقلة تجيبي ست غريبة بظروفها دي .. تآمنيها على جوزك وتعيشيها معاكِ في نفس البيت؟!


لكنها لم تشعر بالدهشة من حديثه فهو نفس الكلام الذي تقرعها به حماتها كل يوم منذ حادث وفاة أحمد زوج غادة ...


والذي ترد عليه بنفس الدفاع:


_بلاش بقا النظرة الظالمة للأرملة والمطلقة إنها "غولة" مستنية تخطف أي راجل ...حرام كده...وبعدين غادة مش غريبة...غادة دي أختي .


_مش أختك يا دكتورة ...مادام مش من أمك وأبوكِ تبقى مش أختك...وحتى لو أختك ما تآمنيهاش على جوزك ...الخيانة ما بتجيش غير من القريب!


هتف بها بحدة متوقعة من شخص بطباعه فتنهدت بحرارة لتجيبه بنبرة أكثر رفقاً:


_أنا عارفة إنك خايف عليّ يا يامن بس صدقني الموضوع المرة دي ما يتشافش بالنظرة دي.


لكن حديثها زاد غضبه الحمائي لها ليجعله يهتف بانفعال:


_اسمعي الكلام...الطيبة الزيادة هبل ...ما عادش فيه خير في الزمان ده !


هنا أخذت نفساً عميقاً ثم ابتسمت لتقوم من مكانها وتتوجه نحوه لتجلس على الكرسي الخالي جواره قبل أن تواجهه بنظرتها العميقة التي حملت امتنانها مع قولها:


_مين قال كده ؟! انت أكبر دليل إن الزمان ده كله خير ...وجودك هنا وسطنا ...إيدك اللي مدتها لينا كلنا عشان مانغرقش بعد وفاة بابا وماما ...قلبك اللي سايعنا كلنا بمشاكلنا وطلباتنا اللي ما بتخلصش ...انت اللي علمتني إن الإنسان بيتكتب له عمر جديد مع كل واحد بيساعده ...مش كده ؟!


ابتسمت نبيلة وعيناها تدمعان مع كلمات هانيا التي لم تستطع هي قولها له يوماً رغم أنها تملأ قلبها وشعورها ...


بينما ابتلع هو غصة وجدها في حلقه ليشيح بوجهه قائلاً :


_برضه خللي بالك!


فابتسمت هانيا وعيناها تغزوان ملامحه بعاطفتها الأخوية نحوه وقد أدركت أنها أصابت هدفاً بقلبه .


_ما قلتلناش إيه الموضوع المهم اللي كنت عايز تتكلم فيه!


سألته داليا باهتمام فعاد بظهره للوراء صامتاً للحظات قبل أن يفجر قنبلته:


_هاتجوز الأسبوع ده !


_إيييييييييه!!!


والصيحة الرباعية انطلقت منهن جميعاً في ذات الوقت بمشاعر متباينة حملتها كل منهن ...


رانيا بطبيعتها الخانعة كانت أكثرهن تقبلاً للخبر فتمتمت بمباركة خافتة تنتظر منه المزيد من المعلومات ...


بينما كانت داليا أكثرهن حدة عندما هبت من مقعدها لتهتف بانفعال:


_هتتجوز الأسبوع ده وجاي تقوللنا تحصيل حاصل يعني ؟!...مبروك يا عريس!!


قالتها وهي تخبط بكفيها بحركة عصبية على المائدة قبل أن تهرول بخطوات مندفعة نحو غرفتها التي صفقت بابها خلفها بعنف ...


فيما بدت الصدمة قليلاً على وجه نبيلة مع الكثير من القلق الذي حمله تساؤلها:


_هترجع لسيلين؟!


_لأ...دي واحدة تانية اتعرفت عليها وعجبتني فقررت أتجوزها ...يمكن يطلع حظي حلو المرة دي!


قالها بنبرة سخريته السوداء التي تحمل من المرارة أكثر مما تحمله من التهكم ...


لكن نبيلة غمغمت بشك:


_اتعرفت عليها وعجبتك وقررت تتجوزها في أسبوع؟!


_أي اعتراض؟!


رفع حاجبيه متحدياً مع عبارته فابتلعت نبيلة بقية تساؤلاتها ليغلبها كبرياؤها أيضاً هذه المرة فيجبرها على احترام الحاجز الذي وضعه بينهما ... حيث قامت من مكانها لتقول له ببرود مصطنع:


_مبروك يا دكتور ...ربنا يسعدك !


نقلت هانيا بصرها بينهما متفحصة حتى غادرتهما خالتها لغرفتها ثم التفتت نحوه بتساؤلها الحذر:


_إيه الموضوع يا يامن؟! ما تقنعنيش إن شخصية زي شخصيتك هتاخد قرار كبير زي ده في كام يوم !!


زفر يامن زفرة مشتعلة دون رد فعادت تقول بقلق:


_انت مش حمل جرح جديد ...ليه اتسرعت كده ؟!


_ما عادش حد هيقدر يجرحني!!


هتف بها بحدة أوجعت قلبها ...وكيف لا؟!


وقد نقلت لها نزيف روحه الصامت !!


هذا هو يامن الذي تعرفه والذي تبقى نيران حزنه خامدة تحت قشرة بركان خامل من سخريته !


لهذا هزت رأسها وهي تعاود قولها الصبور على عناده:


_طب بلاش انت ...هي !..مش خايف تكون اتسرعت وتجرحها ؟!


اتسعت عيناه قليلاً وكأنما لم يخطر على باله هذا السؤال من قبل عن ياسمين ...


لكنه أشاح بوجهه مطبقاً شفتيه بقوة كي يعلن إنهاء الحوار ...


فتنهدت بحرارة لتقوم من مكانها قائلة بحزم:


_مش هاقولك مبروك غير لما أحس إنك بجد مبسوط ...غير كده هافضل أدعيلك تلاقي الراحة اللي بتدور عليها !


قالتها ثم غادرته تلاحقها نظراته الشاردة في عبارتها ...


ترى هل يجد مثله الراحة يوماً؟!


========


_هيتجوز يا رانيا ! دلوقت عقدته اتفكت ونفسه اتفتحت على الجواز؟! ما أنا كنت قدامه!


_ششششش! هتفضحينا يا مجنونة!


همست بها رانيا وهي تضع كفها على فم شقيقتها التي أزاحته بحركة عصبية لتردف بنفس الانفعال:


_نفسي أشوفها بنت اللذينا دي ...و ديني لأوريها أيام أسود من وشها ...إزاي عرفت توقعه ؟! إزااااي؟!


ضحكت رانيا رغماً عنها فقذفتها داليا بالوسادة التي نالها كفها صارخة بغيظ:


_بتضحكي على إيه ؟! بوزّع نكت أنا؟!


فكتمت ضحكاتها لتتوجه نحوها ثم أجلستها بين ذراعيها على الفراش لتقول لها برفق:


_يامن عمره ما شافك ولا هيشوفك بالصورة دي ...يامن بيعاملنا زي بناته مش زي إخواته كمان...


تأففت داليا بصوت مسموع وهي تعقد ساعديها أمام صدرها لتلتمع الدموع في عينيها فأردفت شقيقتها باعتزاز:


_انتِ كمان تستاهلي حد يبدأ بيكِ طريقه...يامن مع معزّته عندي بس هيتعب أي واحدة يرتبط بيها ..


_ومين قالك عايزاه يرتبط بيّ؟!


هتفت بها داليا بغيظ فانعقد حاجبا شقيقتها بتساؤل بينما هي تردف:


_أنا بس ...كنت عايزاه...مش عارفة...مش هتفهميني!!


رمقتها رانيا بنظرة حائرة وهي عاجزة عن فهم تفكيرها الغريب وسط كلماتها المرتبكة هذه ...


لكن رنين هاتفها باسم أشرف قاطع أفكارها ...كانت تضع له صورة كخلفية للجهاز ولم تكد داليا تراها حتى شهقت بفزع هاتفة:


_وده ماله ده كمان ؟! عمل في شعره ليه كده ؟!


_ششششش....حلقه عشان خاطر مامته !


أجابتها رانيا وهي تتأهب للرد عليه بينما داليا تواصل ثرثرتها المتهكمة:


_فاكر نفسه أحمد حلمي في ألف مبروك؟!!..ناقص يروح يجيب لها تيمو من الديلر ...ما حبكتش حركة الجدعنة دي يعني إلا قبل فرحه ...هتتصوروا إزاي كده ؟!


أخرستها رانيا بحركة كفها على شفتيها قبل أن تبتعد بالهاتف نحو الشرفة لتفتح الاتصال بقولها :


_أهلاً يا حبيبي...روّحت واللا لسة؟!


صوته الضائق وصلها عبر الهاتف رغم محاولته التظاهر بالعكس:


_ورايا مشوار كده هاخللصه وأروح ...المهم انتِ عاملة إيه؟!


ابتسمت وهي تسرد له أخبار يومها كالعادة لتنتهي بخبر زواج يامن الذي علقت عليه بقولها:


_أنا مش صعبان عليا غير الغلبانة اللي هيختارها ...دي هيبقى لها أربع حماوات مش حما واحدة !!


ضحكته القصيرة وصلتها متوترة مع قوله:


_وانتِ حاسبة نفسك فيهم ليه ؟!


_منا هابقى الحما الحنينة اللي بتطبطب لما الثلاثة التانيين يستلموها!


قالتها ببراءتها العذبة فضحك ضحكة طويلة سبقت قوله المرح:


_ما تقلقيش عليها ...هي أصلاً لو استحملت ابن خالتك هيبقى الباقي بالنسبة لها لعب عيال!


_يامن طيب والله ...هو بس طبعه صعب شوية!


_شوية؟!


_شويتين ...ثلاثة.. كده يعني!!!


عاد يضحك لارتباكها الذي يغلف كل حديثها حتى دعاباتها قبل أن يتنهد بحرارة موجعة جعلتها تسأله :


_مالك يا حبيبي؟! صوتك مش عاجبني!


صمت طويلاً حتى ظنت أنه سيحكي لها لكنه اكتفى بقوله المقتضب:


_ما تشغليش بالك ...ما تفكريش غير إن فرحنا قرب وبس!


سكتت مجبورة وهي تود لو تجيد التخفيف عنه في ظروفه لكنها لم تعرف السبيل لهذا... فاكتفت بسؤالها المتردد:


_طنط كويسة؟!


_ادعيلها يا رانيا...ادعيلنا كلنا!!


صوته المثقل بهمومه أوجعها فرفعت عينيها للسماء بدعاء صامت قبل أن تسمعه ينهي معها الاتصال على وعد بآخر قريب.


وفي سيارته كان هو يرمق الهاتف بنظرة غريبة قبل أن يتحرك نحو بقعة منعزلة توقف فيها قبل أن يرفع زجاج سيارته المعتم كي يخفيه عن


الأنظار...


تناول حقيبة صغيرة من خلفه فتحها ليستخرج منها قميصاً رثاً ارتداه على عجل ثم وضع طاقية رأس أخفت الكثير من ملامحه خاصة عندما تناول شارباً ولحية مستعارة ثبتهما جيداً قبل أن يغادر السيارة نحو إحدى الحافلات العامة التي استقلها...


وبعد قليل ترجل منها في المكان المنشود ليتوجه نحو تلك المنطقة الشعبية ...وبالتحديد نحو بيت هناك بعينه ...طرقه بخفة لتفتحه له إحداهنّ...


امرأة ثلاثينية بجمال فقير لو كان يمكننا وصم الجمال بالفقر !


ملامحها بائسة لكنها بشت نوعاً عندما رأته قبل أن تتلفت خلفه سامحة له بالدخول ...وما كاد يفعل حتى بادرته بقولها:


_لسه مصمم؟!


_ما قداميش حل تاني!


قالها بحزم قلق فتحسست بطنها بحركة غريزية جعلته يقول مطمئناً:


_ما تخافيش...أنا عند وعدي!


وكأنما كفاها هذا الوعد فمنحته ابتسامة راضية قبل أن تسحب وشاحاً غطت به رأسها قائلة:


_طب ياللا بينا!


وكأنما تذكرت شيئاً جعلها تلتفت نحوه لتهمس برجاء:


_ما بلاش !


التمعت عيناه بصرامة قلما تصيب من طبعه الحنون فتنهدت باستسلام لتفتح الباب وتخرج جواره نحو وجهتهما التي لا تدري هل ستعود منها سالمة أم لا....


========


دخل شقته في منتصف الليل تماماً كعادته كل ليلة ...


مواعيده منضبطة كالساعة...تفاصيل يومه تكاد تتكرر بحذافيرها كل أربع وعشرين ساعة ...


فالتغيير يصيبه بنوع من التوتر ...وحده النظام يمنح حياته مذاق الأمان!


خلع حذاءه ليتوجه نحو الأريكة الجانبية هناك ليجلس عليها فارداً ذراعيه على ظهرها دون أن ينسى إزاحة الوسائد الخلفية متفحصاً بشك فيما خلفها كعادته الوسواسية !!


حدق في السقف بشرود وهو يشعر بقبضة خانقة تعتصره...


مواجهته لعائلته بخبر زواجه الوشيك أسقطت ما بقي من تردده ...ولم يبقَ له سوى حصاد النتائج ...


هو يشعر أنه قد تسرع كثيراً بهذا الأمر لكنه لن يسمح للأفعى سيلين أن تنال منه من جديد .


تظن أن طفلها المنتظر هو ورقتها الرابحة فلتنتظر إذن حتى تصل لتدرك أنها قد تأخرت كثيراً وأن حياته قد بدأت من جديد مع ياسمين ...


ياسمين؟!


اسمها الرقيق استجلب لشفتيه -ابتسامة مطمئنة- لم يدرك مبعثها ...


ربما هو شعوره بعاطفتها الخفية نحوه...ربما لاستسلامها الغريب لكل ما يطلبه ...وربما -وهو الغريب- إحساسه بأنها تراقبه ل"تحميه"!!


تحميه؟!


رغم هزلية الفكرة ظاهرياً لكن هذا ما كان يصل قلبه بوضوح لم تسمح له وساوس شكه بالاستمرار أكثر ...


لماذا طلقها زوجها؟! هجرها أبوها؟! هل حافظت على نفسها طوال هذا الوقت؟! ماذا تريد منه بالضبط؟! والأهم ...ما حقيقة عملية التجميل التي أجرتها هذه ؟! ألهذا لا يذكرها ؟! هل تغير شكلها إلى هذا الحد؟!


لا !


شكلها لم يتغير كثيراً منذ سنوات فقد حصل بطريقته الخاصة على مجموعة من الصور لها في مراحل مختلفة ولايزال لا يذكر أين لقيها


بالضبط ...


ولا لماذا يشعر بنفحة عابرة من الضيق كلما أمعن التدقيق في ملامحها .


رنين هاتفه يعلن عن وصول رسالة ...


_نمت ؟!


ابتسامته المطمئنة خاصتها تعاود قهر وساوسه فيرد على رسالتها باقتضابه السخيف:


_لا.


_بابا وصل مصر...شوف تحب تعمل إيه .


_مفيش داعي لتأجيل...بعد بكرة مناسب؟!


_مناسب...تصبح على خير.


زفر بحدة مع رسالتها الأخيرة والضيق الخانق في صدره يمنعه أن يرد على رسالتها ولو بكلمة مجاملة !


ضيقٌ جعله يحل أزرار سترته بسرعة ليقذفها بجانبه بحركة فوضوية لا تناسب طبعه المهووس بالنظام !


لكن الصوت الغريب الذي أحدثه ارتطامها بجانب الأريكة جعله ينتبه لما يحتويه جيبها والذي استخرجه الآن ...


علبة أنيقة تحمل خاتماً مرصعاً بجواهر حملت كل ألوان الطيف !


هديته التي اختارها ب"ذوقها" هي الخاص كي تناسب ثوبها الغريب الذي تريد ارتداءه...


ورغم أن حكاية الزواج هذه كلها لا تعدو كونها مجرد تمثيل ...لكنه يحب أن يهتم بالتفاصيل كلها كما ينبغي!


تنهد بحرارة وهو يغلق العلبة ليعاود وضعها في جيب سترته قبل أن تنتابه ذكرى أول هدية أهداها لامرأة في حياته ...


"بسنت"


جرحه القديم الذي نسيه تماماً أو هكذا يظن إلا عندما تجتاحه ذكرى كهذه ...


وقتها كان شاباً في أوائل العشرينات من عمره ...توفي والده وعادت له أمه ليتسلم مسئولية قريباته...ووسط كل هذه الضغوط ظهرت له "السندريللا" كما كانوا يسمونها في شلة النادي وقتها ...


ذاك النادي الفخم الذي انضم إليه بعد وفاة والده في محاولة منه لتجربة كل ما كان ممنوعاً عليه ...من كان يخبره إن تصريح دخوله لذاك النادي وقتها سيكون تذكرة دخوله لعالم العشق الذي حذره منه أبوه؟!


عالمٌ انسحبت إليه خطاه الساذجة ليجد نفسه يحلق شاربه الذي كان


والده يصر على رؤيته به منذ بلغ مبلغ الرجال ...


خطوة تلتها خطوة لجذب انتباه "السندريللا" بداية من السيارة حديثة الطراز التي اشتراها ومروراً بثيابه التي غير ذوقها بأسره...وانتهاء باعترافه لها برغبته في الزواج منها.


كز على أسنانه بغضب عند الخاطر الأخير وكأنما الذكرى لاتزال تؤلمه ...


عامٌ بأسره عاشه مخدوعاً بوهمها ...بركان مشاعره الخامد الذي حبسه بصدره طوال هذه السنوات انفجر فجأة ليغرقه بحممه ...


لماذا هي بالذات؟!جمالها؟! رقتها؟! أناقتها؟! ثراؤها؟!


أتصدقون أنه عشقها ...ل"عُنقها"؟!!!


ذاك العنق الناعم الطويل الذي ينتهي بشامة وردية على تجويف كتفها والتي تشبه تماماً مثيلتها لدى ...نبيلة!!!!


لقد عاش عمره يحلم بامتلاك حب أمه ولما لم يجده بحث عن امتلاكه في أنثى تشبهها ولو بمجرد "شامة"!


تفكير سطحي؟!


حقاً ! لكنه كان ما يملأ روحه وقتها على أي حال !!


سذاجته وقلة خبرته جعلته يقع في شباك تلك الغادرة ...وعمق احتياجه للعاطفة جعلته يفرغ مكنون روحه تحت قدميها ...حتى صفعه الغدر أول صفعة !!


"السندريللا" لم تكن سوى ساحرة ماكرة أغوته ليكون سخرية رفقائها ...


ومن أصلح من "ابن النجمة" كي يكون لعبتهم في الخفاء؟!!


كل تفاصيله السرية التي لم يبح لأحد بها في حياته سواها كانت نوادر ليلية يسلون بها سهراتهم...


حتى اعترافه لها بالحب والذي اشترطت له هي مشهداً تمثيلياً معيناً اكتشف بعدها أنه كان هناك من يقوم بتصويره لتكون "الكوميديا" كاملة "صوتاً وصورة"!!


صدمته؟! لوعته؟! جرح كرامته؟!


كل هذا لم يكن شيئاً أمام "شعور النبذ" الذي عاشه من جديد ...وكأنما نبذته "أمه" مرتين!!


لهذا لم يشعر بنفسه يومها وهو ينقض عليها وسط أصدقائها ليصفعها صفعة أدمت شفتيها كما أدمت قلبه ...


ولولا بقايا من تعقل وتدخل رجال أمن النادي وقتها لربما كان قد أزهق روحها بين يديه !!


_نمت؟!


هاتفه يعلن وصول رسالتها من جديد وكأنما جاءت لتنتشله من عواصف ذكرياته ...فالتوت شفتاه بشبه ابتسامة وهو يراقب هاتفه للحظات قبل أن يرد لها رسالتها هذه المرة:


_تصبحي على خير!


كتبها ثم عاد برأسه للوراء مسترخياً قبل أن ينتفض مكانه فجأة وهو يتذكر أخيراً أين رآها من قبل ...


اللعنة !!!


ويلٌ لها لو كان ما يدور بباله صحيحاً ...ويلٌ لها!!!!


========

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...