الفصل 6 | من 111 فصل

سينابون .. ج 1 .. ج 2 .. للكاتبة نرمين نحمد الله الفصل السادس 6 - بقلم سينابون

المشاهدات
12
كلمة
8,110
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

القطعة السادسة
***********
_صاحبة بسنت؟! انت متأكد؟!
هتف بها مروان صديقه بدهشة وهو يجلس جواره على أحد أجهزة صالة الألعاب الرياضية حيث يجريان تمارينهما اليومية ...
ليجيبه وحركة ذراعيه العصبية على الجهاز تفضح غضبه:
_امبارح بس افتكرتها ...شفتها مرة أو اتنين معاها في النادي !
عقد مروان حاجبيه وهو يتحرك بسرعة على المشاية الرياضية التي وقف عليها ليقول بصوت لاهث:
_طب فهمني بالراحة كده دماغك فيها إيه !
_معرفش..المصيبة إني معرفش!
هتف بها بحنق وعروق جبهته تنفر انفعالاً ليرد صديقه بحذر:
_معاد جوازكم بكرة...هتكمل واللا هتلغي؟!
زفر بقوة وهو يقوم من على الجهاز ليمسح عرقه في منشفة قريبة فاستطرد مروان بنفس الحذر:
_لو عايز رأيي...كونها كانت صاحبة بسنت ده مش معناه إنها كانت زيها ...ممكن ده بس يفسر هي عارفة عنك كل حاجة إزاي ...
_وعايزة مني إيه دلوقت؟!
هتف بها بحدة وهو يلقي المنشفة جواره ليلوح بذراعيه مستطرداً:
_مطاردتها ليّ...تصرفاتها المجنونة...كل ده مالوش معنى إلا إنها بتلعب معايا لعبة دنيئة زي اللي لعبتها صاحبتها زمان ...
ظهر الاعتراض على وجه صديقه لكنه لم يبالِ وهو يقبض كفه أمام وجهه ليردف متوعداً:
_لو كده أقسم بالله لأطلع عليها القديم والجديد ...واللي ما عرفتش أعمله زمان هعمله دلوقت!
توقف مروان عن الجري ليغادر الجهاز بدوره ثم أخذ نفساً عميقاً ليواجهه بقوله :
_خلليني أشوف الصورة بطريقة تانية بعيد عن شكوكك دي...اللي أنا
لاحظته إنها ما حاولتش تعترض طريقك ولولا دقة ملاحظتك يمكن ما كنتش خدت بالك منها...حتى عرض الجواز ده انت صاحب فكرته مش هي...كل اللي كانت بتعمله إنها كانت بتراقبك من بعيد ...
_قصدك إيه؟!
صمت مروان طويلاً ليجيبه بعدها بثقة:
_بتحبك!
همهمة ساخرة كانت جواب يامن الوحيد لكن مروان استطرد بهدوء:
_معرفش ليه وازاي ولا من امتى بس الحكاية ما تتفهمش غير كده ...ياسمين مش محتاجة تلعب أو تتسلى ولا شخصيتها اللي أعرفها بتاعة لف ودوران ...واحدة ناجحة مستقلة بحياتها ...جميلة وألف من يتمناها ...غنية...لو عايزة تسافر كل يوم بلد مش هتغلب...ومع ذلك ما بتفكرش غير في شغلها وبس...يعني تركيبة بعيدة خالص عن بسنت دي!


هز يامن رأسه بحيرة وكلام صديقه يزيد ارتباكه بشأنها ...
هو يكاد يجن منذ الأمس بعدما تذكر أين رآها ...
وساوسه بشأنها تكاد تمزق رأسه خاصة مع ما يثيره طليقها حولها من شائعات ...
لكنه يعود ليتذكر لقاءاته معها ...حزن عينيها الصادق...
عتاب نظراتها الدافئة...دموعها التي حملت له معاناة تشبه معاناته...
تلك اللحظة التي التقت فيها عيناهما ليشعر برجفة جسدها التي وجدت صداها في قلبه ...
لو استجاب لظنون عقله لأطاح بكل هذا وراء ظهره ...لكنه لا يستطيع!
هي فتحت بداخله باباً شديد القدم يكاد صريره يصم أذنيه ...
أزاحت الغبار عن صندوق ذكرياته لتمس بقعة خفية بين أضلعه لا يدري كنهها...
وإن كان يدرك أثرها!


_ما عادش فيه وقت للتردد ...هتعمل إيه؟!
سأله مروان مخرجاً إياه من دوامة ظنونه فزفر بقوة ليجيبه:
_ممكن يكون معاك حق...ما عادش فيها رجوع...سيلين على وصول ومعنديش وقت ولا بديل ...
ثم قست نظراته أكثر وهو يردف :
_خللينا نشوف قصتها إيه بتاعة "السينابون" دي!
=========
_مين الواد اللي هناك ده ؟! أول مرة أشوفه !
هتف بها الرجل الأنيق الذي لا تلائم ثيابه المكان في ذاك المخزن المنعزل ليجيبه مساعده باستخفاف:
_معرفة البت سيدة ...ثالث مرة ييجي معاها!
_ثالث مرة ييجي معاها ؟! جرى إيه يا شلبي؟! هي فسحة؟!
هتف بها الرجل باستنكار وهو يتابع تصرفات ذاك الشاب هناك بتوجس ليجيبه صاحبه مهدئاً:
_اطمن يا باشا ...محدش يعرف حاجة عن الليلة...كله في الكتمان!
صمت قليلاً يتفحص الشاب بثيابه الرثة وحركاته التي فضحت قلة خبرته فيما يفعله ليقول بتوجس:
_برضه مش مطمن ...أشرف بيه لو وصله حاجة عن اللي بيحصل كلنا هنروح ورا الشمس .
_أشرف مين يا باشا ؟! تلاقي العريس غرقان في التحضير للعسل ...وهي دي فرصتنا .
هتف بها مساعده من بين أسنانه الصفراء وهو يغمزه بمكر فزفر بقوة ليرد:
_برضه مش مطمن ...خد بالك ...في شغلانتنا دي الغلطة بفورة !


وفي مكانه كان ذاك الشاب يتابع نقل بعض الصناديق من مكانها عندما سمع همسها القلق جواره:
_صدقتني؟!
رمق المرأة جواره بنظرة زاجرة فابتعدت عنه لتهتف بصوت مسموع:
_ياللا يا رضا...مش هنقعد هنا طول الليل!
_هي السهرة الليلة دي مع رضا واللا إيه؟!
هتف بها أحد الرجال الذي فرغ مما يفعله ليتوجه نحوهما بنظرات قميئة شحبت لها ملامح سيدة التي هتفت في وجه الرجل:
_مالكش دعوة بيّ...خليك في حالك!
لكن الرجل واصل اقترابه البطئ منهما فتوتر جسد الشاب الذي ترك الصندوق من يده ليواجه ذاك البغيض بقوله :
_مش قالتلك خليك في حالك؟!
اكتست ملامح الرجل بالشراسة وهو يتوقف مكانه فجأة قبل أن تلتوي شفتاه بابتسامة تهديد غادر بعدها المخرن دون كلمة واحدة ...
فخبطت المرأة على صدرها لتتمتم بخوف:
_استر يارب ...مش هيعديهالنا!
لكن الشاب اقترب منها ليهمس وهو يتلفت حوله بحذر:
_ما تخافيش...الجبان اللي زي ده ما يضربش اللي يقف له ...يضرب اللي يخاف منه بس!
صرخت ملامحها بعدم الاقتناع وهي تعدل وضع وشاحها على رأسها لتهمس له بجزع:
_طب ياللا بينا من هنا ...كفاية كده النهاردة!
زفر بقنوط وهو يشعر بعدم الرضا عن نتيجة ما يفعله إلى الآن ...
لكنه اضطر للاستسلام لرغبتها فنفض كفيه بقوة ليغادر معها المخزن نحو بيتها في تلك المنطقة الشعبية والذي توقف أمام بابه ليقول لها مطمئناً:
_مش فاضل غير كام يوم بس ...وبعدها هنخلص كلنا من الورطة دي !
رفعت رأسها للسماء فيما يشبه الدعاء وهي تتحسس بطنها بأناملها
فأومأ لها برأسه مطمئناً ثم عدل وضع طاقيته على رأسه ليغادرها بخطوات سريعة ...
ولم يكد يبتعد لذاك المكان المنعزل هناك حتى ظهرت من العدم قبضة قوية أحاطت بكتفه لتدير جسده نحو صاحبها ...
_ده تذكار بسيط عشان يفكرك ما تمدش إيدك لحاجة غيرك!
العبارة بالكاد تصل أذنيه ليدرك معناها قبل أن يشعر بالنصل الحاد يشق لحم وجهه !!!
======
ارتجفت أناملها الممسكة بمفتاح شقتها وهي تحاول كبح دموعها بصعوبة ...
كانت المرة الأولى التي تزور فيها المكان بعد رحيله ...
لقد ظنت أنها صارت من القوة بمكان كي تجتاز موقفاً كهذا لكنها الآن تدرك أنها مخطئة .
أخذت نفساً عميقاً تتمالك به نفسها قبل أن تفتح الباب لتدخل ...
المكان هو المكان فماذا فقد ؟!
بل ...ماذا بقى؟!
هنا لم تستطع منع دموعها التي انهمرت على خديها بغزارة وهي تنهار مكانها على أحد الكراسي ...


_بحبك قوي.
_اشمعنا!


_عشان نظيفة قوي من جوه...رغم الشقاوة والعفرتة اللي مالية وشك بس جواكِ قلب عمره ما يخون !


آهاتها العالية تتصاعد رغماً عنها ...رائحة "الفراولة" الملتصقة بدبها القطني تعاود غزو مخيلتها متزامنة مع ذكرياتها المريعة ...


_غادة تعالي أوريكِ لقيت إيه تحت "البِنش" في الفصل!
بصوت زميلها في المدرسة تسمعها لترد بتردد:
_بس ده معاد المرواح ...محدش فوق دلوقت!
لكنه يجذبها من كفها ليهتف لها بجرأة:
_يا بنتي تعالي هو أنا هاكلك؟! كلهم فوق مستنيينك عشان نكمل فرجة على الاكتشاف!
تطيعه قسراً بطبيعتها التي لا تجيد الدفاع ناهيكم عن الهجوم...
لتصعد معه الدرج نحو الفصل الذي دخلاه معاً لتجده يجذبها تحت أحد المقاعد الدراسية هاتفاً:
_بصي لقيت إيه؟!
تحني رأسها لتحاول البحث عما يقصده مع قولها المرتبك :
_مش شايفة حاجة!
_أنا بقى شايف... قمر!
تشهق بعنف وهي تدرك سذاجة الفخ الذي وقعت فيه بينما أنامله تمتد لسحاب تنورتها الكحلية القصيرة ...
تحاول منعه بمقاومة واهية وهي لا تدري ماذا تفعل في موقف كهذا يواجهها لأول مرة بينما يحكم هو سيطرة قوته العضلية عليها بقوله الحقير:
_ما تتشنجيش كده...ما هو لما واحدة تلبس "جيبة " زي دي يبقى بتقول تعالوا اعملوا فيّ كده !
تكاد تصرخ لكن أنامله تكتم صرختها وغزوه الغاشم يجتاحها أكثر...
_انتوا بتعملوا إيه؟!
الصرخة الهادرة تقطع الصمت المختلط بأنّاتها فلا تدري هل جاءت منجية أم مهلكة !!
أجل فالمعلم الذي ضبطهما لتوه لم ينتظر ليسألها عن حقيقة الوضع ...
هي في نظره "قليلة الأدب معدومة التربية" بينما زميلها الوغد مجرد فتى طائش "يتسلى"!
هي التي أغرته بشعرها المكشوف وثيابها القصيرة وهو "فقط" لبى النداء!
هي "الجانية"و"الخطيئة" وهو مجرد "مفعول به"!
كانت هذه أول خبرة سيئة تلقتها في عمرها لتصمها ب"العار" الذي لم تفهم وقتها ذنبها فيه سوى "عجزها" عن اتخاذ موقف!
أمها؟!
لم تستطع إخبارها!
خشيت أن تحرق ساعدها بالملعقة التي تسخنها على الموقد!
"طريقة عبقرية" للتعذيب لا تدري من أين أتت بها لكنها كانت فعالة كما يبدو ...وكيف لا؟!
وقد جعلت منها ذاك الكائن الخانع الذي لا يملك لضرّه رداً ولا دفعاً ؟!!
لهذا كتمت عنها الأمر ليكون رد الفعل الوحيد الذي اتخذته هو "الحجاب"!
ألم يزعموا أنه هو ما سيحميها؟!
كذبوا !
ها هي ذي بعد هذه الواقعة بأمد طويل تدلف لداخل بيتها بتنورتها الطويلة حتى كعبيها...حجابها يغطي رأسها وهي تحتضن كتبها ب"حركة" وجدتها رقيقة كما تفعل رفيقاتها ...
ومن جديد تهاجمها القبضة "الذكورية" لتشدها نحو ذاك الجزء المخفيّ من قاع السلم ...
عيناها تتسعان بفرع وهي تميز الجسد الفارع ل"ابن الجيران" الذي يفاجئها بقوله وهو يشير بعينيه الغائمتين نحو كتبها التي تحتضنها:
_ياريتني كنت أنا.
الصدمة تخرسها فيظن صمتها رضا ليردف بنظرات ذئبية:
_وريني كده مخبية إيه تحت الحجاب!
هنا تجد القدرة أخيراً لتصرخ وهي ترى أنامله تمتد لوشاحها فيكتم صرختها بكفه هامساً بنبرته القميئة:
_هتعملي فيها مؤدبة؟! فاكرة حجابك ده هيخلليكِ خضرة الشريفة مثلاً؟! مشيتك فاضحاكي واللا ضحكتك...


_إيه القرف ده ؟!
هتاف حاد ينقذها من جديد بلسان إحدى جاراتها هذه المرة ...
والتي خلصتها من يد الشاب لتهتف بها ناهرة:
_أمك ماعرفتش تربيكِ...هتلاقي وقت لإيه واللا لإيه وهي كل همها رضا "المحروس" جوزها!
جسدها يختض بقوة والمرأة مستمرة في هتافاتها الساخطة بينما يهرب الشاب لأعلى تاركاً لها "حصاد الفضيحة" وحدها!
هي دوماً الملومة...هي السبب...
هي"المنحلة" التي تنتظر الفرصة ليفتح باب "المجون" كي تدخله!
وتلك المرة لم تستطع إخفاء الأمر عن أمها ...
و"الملعقة" الساخنة تركت أثرها على بشرتها وعلى "قلبها" قبلها!
وقتها قضت ليلتها تحتضن دبها القطني وتشكو إليه وحدتها ...
تبني بيتاً من "المكعبات" الملونة وتتمنى لو كان لها ملجأ مثله يحميها من شرور الناس ...
لتفاجأ بباب غرفتها يفتح ليدخل منه زوج أمها بعدما حكت له والدتها عما حدث ...
وكأنها نبهته وقتها أن "الصغيرة" كبرت..."الثمرة" أينعت وحان وقت قطافها!
انتهاكه "الحذر" لها لا يجد لديها مقاومة كالعادة ...بينما الرجل يهذي بحديث لا تكاد تعي منه سوى كلمته قبل مغادرته غرفتها والتي هتف بها بصوت عالٍ وكأنه يبرر لأمها بالخارج خلوته بها لتربيتها...
"الفاجرة" !
ليلتها لم تذق النوم ليلة واحدة ...يملأها شعور رهيب ب"الدنس"...
لهذا قررت بعدها خلع حجابها نهائياً!
هي سيئة حتماً ولهذا يفعل بها الجميع هذا ...
ليس من المعقول أنهم هم المخطئون وهي وحدها الضحية بينهم...
هي"ملوثة" ب-شيء ما- لا تدري حقيقته لكنه موجود ...
هم يرونه وإن كانت هي لا تراه !!


وقد ظل هذا شعورها حتى قابلت أحمد ...
وحده من وصفها بهذا الوصف الذي لا تدري كيف شعر بحاجتها إليه ..
"نظيفة"!
هذا الوصف الذي توجها بعده ب"إكليل الحب"ليدخل بها ظافرة مملكة الهوى ...
تلك التي تم نفيها الآن خارج حدود أسوارها !!


عيناها ترتفعان للسماء بنظرات زائغة ...هل يعاقبها الله على ذنب لا تعرفه ؟!
هل هي "ملوثة" حقاً لهذا حرمها القدر عطايا الحب بعدما ذاقت حلاوتها؟!
بالتأكيد هي كذلك...
لو كانت أقوى مما هي عليه لاستطاعت رد كل يد امتدت عليها ...
لو كان شرفها غالياً لديها لتنمرت للدفاع عنه ...
وما الذي دافعت عنه في حياتها كلها؟!
هي عاشت عمرها كله تحت مظلة "جعلوه فانجعل"!
تربية والدتها المهملة لعواطفها -والمغلفة بصرامتها القاسية- جعلت منها ذاك الصنم الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً...
وظهور أحمد في حياتها كان طوق النجاة الذي تشبثت به بكل قوتها ...
والآن فقدته...لتغرق!


_مساء الخير!
العبارة الخافتة انتزعتها من شرودها فالتفتت نحو مصدرها وهي تمسح دموعها لتقول بصوت متحشرج:
_مساء النور يا حاج !
قالتها وهي تميز صاحب الxxxx الذي أجر منه أحمد هذه الشقة بصورة مؤقتة والذي تقدم منها ليغمغم بعبارات تعزية تقليدية سبقت قوله بحرج:
_أنا عارف إن الوقت مش مناسب ...بس كنت عايز أعرف لو هتفضلوا مأجرين الشقة واللا هتسيبوها؟!
اتسعت عيناها بصدمة وهي تنتبه لتوها لهذا الأمر ...
هي لن تستطيع دفع الإيجار الباهظ للشقة وكذلك والد أحمد لن تستطيع إرهاقه بمبلغ كهذا شهرياً !
والحل؟!
هل ستتنازل عن شقة أحمد التي حملت لها أجمل ذكريات عمرها ؟!
للأسف...ليس هناك حل آخر!
فلتفقدها مع ما فقدته !
وعند الخاطر الأخير عادت دموعها تسيل من جديد ليهتف الرجل بارتباك:
_لا حول ولا قوة إلا بالله ...اعذريني يا بنتي ...أنا بس كنت عايز ألحق أوضب أموري وما صدقت إنك رجعتِ هنا بعد اللي حصل!


فهزت رأسها وهي تجد بعض القوة لتقوم من مكانها ...
عيناها تجوبان المكان وكأنها تودعه قبل أن تعود ببصرها للرجل قائلة بصوت مختنق:
_هنفضيها في أقرب وقت!
لم تكن تعلم من تقصد بالضبط بكلمة "نفضيها" هذه !
ضمير الجمع هذا من بقي ليمثله ؟!
للأسف لم يعد لديها سوى هانيا ووالد أحمد الذي دكت الصدمة ما بقي من صحته !
لهذا لملمت أشلاء خسارتها لتغادر المكان نحو بيت رامز الذي لازالت تسكن شقة أخيه ، لا تدري بأي صفة لكنها لا تملك الآن خياراً آخر ...


_رحتِ فين يا غادة من غير ما تقوليلي؟!
هتفت بها هانيا بقلق وهي تنتظرها في الشقة لتندفع نحوها بقوة فتعانقها هاتفة بين دموعها:
_عايزة أشتغل يا هانيا...ساعديني ألاقي أي شغل ...هاموت لو فضلت كده!
=======
جلس في سيارته التي أصرت هي على تزيينها بزهور حملت كل ألوان الطيف ...
"تقليعة سخيفة" كثوبها الذي اختارته بنفس الألوان ...
والذي خرجت به الآن من محل "الكوافير" لتبهره بمظهرها ال...!!
سخيف؟!
هل ظن هكذا حقاً؟!
عيناه المغرمتان بالتفاصيل كانتا تتلكآن على كل شبر منها ترتشفان سحره ببطء...
وجهها الذي تألق بزينة خفيفة لم تمحُ كسرة الحزن الخفية في عينيها رغم الابتسامة الرقيقة التي تشبثت بها ...
حجاب رأسها بلونه الأبيض والذي تزين بتاج من الزهور الملونة بألوان الطيف والتي احتلت طبقات ثوبها الأبيض كذلك في تناغم مثير ...
حذاؤها الأنيق بكعبه العالي الذي سيحمد له تقريبه للطول بينهما وسيوره البيضاء الرقيقة التي أحاطت بكاحلها ...
وقد اكتفت من مجوهراتها بخاتمه الذي يحمل نفس الألوان والذي أرسله إليها صباحاً دون أي تمهيد !
كان والدها أول من ترجل من سيارته ليتوجه نحوها حيث قبل رأسها ليهمس في أذنها بحديث لم يسمعه وإن أثار ضيقه بطبيعته الكارهة لكل ما يغيب عن إدراكه ...


_مش هتنزل لعروستك يا دكتور؟!
قالتها نبيلة التي تحتل المقعد الأمامي من سيارته بجوار مروان الذي كان يتولى القيادة والذي التفت ليامن بنظرة ذات مغزى جعلته يزفر بقوة قبل أن يترجل من السيارة ليتوجه نحوها ...
عيناها التقت بعينيه للحظة...
لحظة واحدة تألقت فيها نظراتها كملايين النجوم الصغيرة ...
...
قبل أن تحيد بعينيها عنه بسرعة وكأنها تهرب من لقاء نظراتهما !
أمسك والدها كفها ليتحرك نحوه ثم سلمه له في حركة تقليدية فتناوله لتروعه انقباضة أناملها التي تكورت فجأة وكأنها تنفر منه !
هذه الحركة البسيطة التي جعلته يعقد حاجبيه وهو يقبض على أناملها أكثر قبل أن يتحرك بها نحو سيارته التي اتجهت نحو قاعة الزفاف ...
عبارة مجاملة تقليدية قالتها نبيلة في السيارة قبل أن تلتفت نحوها
لتقول بدهشة:
_احنا اتقابلنا قبل كده !
كانت تحاول سحب كفها من يامن الذي تشبث به بعناد أكبر لكنها اصطنعت ابتسامة لتجيبها برقة:
_أيوة...في حفلة (....) اللي كنتِ نجمتها كالعادة!
ارتفع حاجبا نبيلة بمزيج من إعجاب ودهشة مع لهجة الإكبار التي كانت تحدثها بها لترد عليها بعبارة مجاملة وهي تعود ببصرها للأمام...
فالتوت شفتا يامن بابتسامة ساخرة وهو يميل على أذن ياسمين بهمسه :
_برافو...واضح إنك بتعرفي تلعبي على كل الحبال!


ورغم الإهانة الخفية التي حملتها عبارته لكنها أطرقت برأسها دون رد لتحافظ على صمتها طوال الطريق ...
السيارة تتوقف أخيراً أمام باب القاعة ليترجلا منها ...
طريق طويل مزدان بالمشاعل والزهور ينتهي بمدخل القاعة ...
موسيقا تقليدية لأغنية شهيرة اتفق على استعمالها في الأعراس هذه
الأيام لكن كليهما لم يبدُ مكترثاً بها وقد غرق تماماً في شروده ...
لازال يتشبث بكفها المنقبض الذي يثير استفزازه بحركته "النافرة"...
ولم يكن هو بالرجل الذي يترك ثأر "استفزازه "!
لهذا لم يمر الكثير من الوقت حتى جذبها دون أن يستأذنها قائلاً:
_ياللا نرقص!
فازداد تشنج كفها مع همسها وهي تقف قبالته :
_أرجوك...بلاش!
رفضها -رغم نبرة الرجاء فيه- يزيد استفزازه ليميل على أذنها هامساً
بنبرته الخشنة:
_اتفاقنا نحافظ على منظرنا من بره...وأظن الفرح كان فكرتك انتِ!


ارتجف جسدها ارتجافة ملحوظة لعينيه الثاقبتين لكنه أحاط خصرها بكفيه ليبدأ معها الرقص على تلك النغمات الهادئة ...
أنفاسها تتلاحق وهي تقترب منه رغماً عنها ...


وبدلاً من أن تسند كفيها على صدره كما اتفق وجدها تشبكهما معاً وهي تغمض عينيها بقوة ...
شفتاها ترتجفان وقد بدأت قطرات العرق في احتلال جبينها الوضاء!
هنا فقط غلبه شعوره بالندم وهو يقرأ بحدسه أنها قد تذكرت شيئاً يخص زواجها السابق...
لهذا طفت طبيعته "الحمائية" على سطح انفعالاته ليهمس لها بنبرة أكثر رفقاً وإن حافظت على جفائها:
_الرقصة دي وبس عشان شكلنا قدام الناس...ما تتوتريش كده !
لكنها ظلت مغمضة عينيها للحظات وكأنها تقاوم انفعالاً عاصفاً بداخلها قبل أن تفتحهما أخيراً لتتحاشى النظر نحوه بالتشاغل في مراقبة المدعوين ...


وجوارهما كان أشرف ورانيا يشاركانهما الرقص على الحلبة وسؤالها القلق بنبرتها المرتبكة يبادره:
_مش هتقوللي إيه اللي عمل في وشك كده ؟!
ابتسامته المطمئنة تربت على وجنة مخاوفها ليجيبها ببساطة :
_وقعت على وشي في أوضتي واتخبطت في شنطة سفر كانت مركونة...
عقدت حاجبيها بشك فاغتصب ضحكة مرحة ليردف :
_بس ما تقوليش لحد على العريس اللي بيضرب لخمة وهو لسه في أوضته ...امال يوم فرحه هيعمل إيه؟!
لكن مرحه المصطنع هذه المرة لم يقنعها فغمغمت وهي تحاول مواكبة خطواته الراقصة:
_حاسة إنك مخبي عليّ حاجة يا أشرف.
لكنه ضمها إليه برفق وهو يربت على ظهرها ليتنهد بحرارة فضحت كامن مشاعره التي لم يدارِها هذه المرة ...
فحمل صوته ثقل همه وهو يهمس بها :
_حاسس ان الحمل تقل عليّ قوي !
كانت المرة الأولى التي يشكو إليها بهذه الطريقة ...
ويبدو أنها ستكون الأخيرة فقد أخذ بعدها نفساً عميقاً ليردف وقد عاد لصوته حنانه:
_بس ما تشغليش بالك انت...كل حاجة هتبقى زي ما حلمنا وأحسن !
ربما لو كانت أنثى أخرى مكانها لما تركته حتى تبينت منه تفاصيل أكثر ...
لكن طبيعتها الخانعة المتواكلة رضيت منه بهذا الاقتضاب وكأنها تخاف أن يفتح لها بوْحه باباً لن تستطيع الولوج فيه ...
لهذا اكتفت بصمتها القلق وهي تدعو الله سراً أن يصلح له كل أموره .


وعلى مائدة قريبة جلست نبيلة مع ابنتي شقيقتها الأخريين لتقول لهما بنبرتها ذات الكبرياء:
_كويس إنه لحق يحجز قاعة فخمة زي دي بسرعة كده...أكيد عرفوا إنه ابني عشان كده وافقوا!
تبادلت هانيا وداليا نظرات ذات مغزى قبل أن تهتف الأخيرة سليطة اللسان:
_يامن ما بيحبش يقول إنه يعرفك أساساً!
_مش هتبطلي الدبش اللي بتحدفيه ده ؟!
هتفت بها هانيا زاجرة لتلتفت نحوها داليا بهتافها النزق:
_وأنا بكدب يعني؟! وبعدين محموقة ليه كده ؟! مش طبيعة البيه ابن
خالتك اللي معيشنا في سجن ووساوس ودلوقت جاي يتجوز واحدة في كام يوم لا نعرف لها أصل ولا فصل...ده حتى ذوقها بلدي زيها...ده فستان عروسة ده ؟!
زفرت نبيلة بحنق لتقف مكانها هاتفة باستياء:
_أنا رايحة أظبط الميكاب ...القعدة شكلها هتقلب بقلة أدب!
قالتها ثم غادرتهما بخطوات لم تفقد رشاقتها تحت الأضواء فالتفتت هانيا لشقيقتها بقولها العاتب:
_هو لسانك ده ما عليهوش فرامل ؟! لازم تزعلي خالتك في ليلة زي دي؟!


أشاحت داليا بوجهها وهي تشعر بالسخط من كل شئ ...
ومن نفسها قبلاً!
لقد كذبت بشأن ياسمين!
هي تشعر بالغيرة من ذوقها المميز في اختيار ثوبها...من فتنتها الطبيعية التي لا تحتاج لزينة...من حجابها الذي تبدو فخورة به لا سجينة له مثلها ...من عناق يامن لها الآن وهمسه الذي تتخيل حرارته في أذنيها ...
من احتواء أبيها لها وهو يسلم كفها ليامن بينما عيناه تنبضان بالقلق عليها ...هذا الشعور الذي لن تجرب مثله قط !!


انقطعت أفكارها عندما شعرت باهتزاز هاتفها في حقيبة يدها الصغيرة فقامت لتبتعد به تاركةً هانيا وحدها ...
_يارب يطلع هيثم...عايزة أفضفض معاه !
لكنه لم يكن اتصالاً بل رسالة !
رسالة من عاشقها المجهول الذي كادت تنسى أمره بعدما توقف عن إرسال رسائله منذ عدة أيام ...


(لا تخفضي جبينك أبداً...لا تحزني...لا تغاري...لو لم تكوني أنتِ عروس الحفل فتذكري أن هناك رجلاً لا يرى قلبه غيرك عروساً...قوليها لنفسك عشر مرات وابتسمي بعدها عشر بسمات وغنّي بعدها عشر أغنيات واذكريني بعدها ولا يهم العدد!)


تلفتت حولها بدهشة وهي تعيد قراءة الرسالة بأسلوبه المميز مرة بعد مرة ..
هو هنا!
لن يكتب مثل هذه الرسالة إلا لو كان موجوداً هنا !
فمن تراه يكون؟!


وعلى المائدة جلست هانيا وحدها تداعب هاتفها بأناملها بقلق ...رامز لم يأتِ ولم يتصل بها ...هي تعلم أنه غاضب منها منذ تلك الليلة التي رفضت فيها هديته "الفاضحة" ، ورغم أنه يجيب لها مطالبها المعتادة لكن حاجزاً بارداً يرتفع بينهما يوماً بعد يوم .
تفتقده ؟!
كثيراً ...كثيراً جداً...وكم يحنقها هذا الشعور!
يستل منها سيف قوتها ليهوي به تحت قدمي مشاعر لا تريد الاعتراف بها!
لكنه في نفس الوقت ينبت لها جنات بقطوف دانية فهل من العقل أن تبتعد؟!
ومع تساؤلها الأخير حسمت أمرها لتتصل به لكنها ما كادت تفعل حتى تذكرت أن غادة قد ذهبت لزيارة قبر زوجها المتوفى ولم يكن من الصعب استنتاج كيف هي حالتها الآن ...
وبمقارنة عاجلة بين "المهم" و"الأهم" اختارت الاتصال بغادة كي تطمئن عليها ولما فعلت أنهت الاتصال لتجري الآخر الذي لم يعد له قيمة مع سماعها لصوته خلفها:
_يعني تليفونك سليم !
التفتت نحوه بدهشة مشوبة بالرضا لتهتف بنبرتها الآمرة :
_اتأخرت كده ليه ؟! روح سلم على يامن واعتذر له الفرح قرب يخلص!
فالتوت شفتاه بابتسامة عاتبة وهو يفك زرار بدلته ليجلس جوارها متجاهلاً نصف عبارتها الثاني كي يرد على الأول:
_كويس قوي إنك لاحظتِ إني اتأخرت ...كنتِ مستنية كام يوم عشان تفتكري تتصلي تطمني عليّ زي ما اطمنتِ على صاحبتك ؟!
ورغم شعورها بالخزي مما قاله لكن أخذتها العزة بالإثم لتهتف به :
_جرى أيه يا رامز؟! ما عادش ناقص غير إنك تغير من صاحبتي كمان ؟!
رمقها بنظرة طويلة عاتبة فتنهدت بعمق لتشيح بوجهها مردفة:
_كنت لسه هاتصل بيك...صدق أو ما تصدقش بس هي دي الحقيقة !
_ليه؟!
_ليه إيه؟!
_كنتِ هتتصلي بيّ ليه؟!
التفتت نحوه لتجيبه وهي لا تفهم السؤال:
_عشان قلقت عليك لما اتأخرت ...أنا مش فاهمة انت عايز إيه !
_عايز أسمعها ...عايزك تقوليها!
قالها وهو يتناول كفها ولازالت عيناه تحاصرانها بنظراتهما العاتبة والتي لم تكن شيئاً أمام ما تفوه به بعدها:
_اتأخرت عشان كنت بجيبلك ده !
قالها ثم ترك كفها لبضع لحظات استخرج فيها من جيبه خاتماً بسيطاً وضعه في بنصرها ليردف بنبرة مرحة لم تخفِ بقايا عتابه:
_زي النهارده من سنة شفتك أول مرة...واخترت أدخل برجليّ القفص علشان خاطر عيونك...كان ممكن أفضل زعلان والذكرى تتوه في الخناقة بس ماقدرتش ...ممكن أصالحك الليلة دي ونكمل خصامنا بكرة عادي!


ابتسمت رغماً عنها وعيناها تلتمعان بشمس عاطفة تحدت كل ظلمات مخاوفها وحذرها ...
فرفع كفها لشفتيه يقبله هامساً بنبرة تحدّ لذيذة:
_رامز ما بيزهقش...هافضل وراكِ لحد ما تحبيني بالطريقة اللي أنا عايزها ...
ثم خبط جبينها بجبهته بخفة مردفاً:
_الأيام بيننا يا دكتورة !
_رامز ...الناس هتقول علينا إيه ؟!
غمغمت بها بخجل نال من صرامة لهجتها المعهودة فقهقه ضاحكاً ليغيظها بقوله :
_ماتقلقيش ...أنا صلحت غلطتي واتجوزتك من زمان !
عادت تبتسم من جديد وهي تهز رأسها بلا معنى فتنهد ليقول فجأة دون مقدمات:
_ليه ما تتعلميش من صاحبتك؟! مش شايفة كانت بتحب أحمد إزاي؟! دي مش قادرة تعيش من غيره...هتموت نفسها عشا...


قطع عبارته عندما لمح عينيها تتسعان مع حديثه ...تنبضان بألم حقيقي...تصرخان بجزع كاد يسمع صداه ...حتى قبل أن تتمتم :
_وعشان كده مش عايزة !
انفرجت شفتاه وعيناه تتسعان هو الآخر بإدراك لكنها لم تمنحه الفرصة عندما وقفت مكانها لتقول بصوت متحشرج:
_هاشوف خالتو فين .
راقب انصرافها بنظرات ضائقة وهو يشعر بمزيج غريب من المشاعر ...
الآن فقط يتفهم "عقدة الفقد" التي جعلتها تهاب تعلق العشق ...
هذه العقدة التي بدأت بخسارتها والديها ويبدو أن مصاب غادة زاد من ضراوة هذه "الفوبيا" لديها...
لكن...ألا تبالغ قليلاً في هذا؟!
هي ليست أول امرأة تفقد والديها والموت يحصد كل يوم عزيزاً فلماذا تظلمه بنظرتها المعقدة هذه ؟!
زفر بقوة عند الخاطر الأخير ورغماً عنه وجد هاجساً ما يحتل ذهنه بقوة...
ترى لو كانت غادة هي التي أهداها زوجها قميص النوم ذاك اليوم أو هذا الخاتم الذي تعب في انتقائه الليلة كيف كانت لتكون ردة فعلها؟!!
وبدأت المقارنة .....!
=======


وصلت بهما سيارة العرس لبيته الخاص لتتوقف أمام حديقته ...
وبينما ترجل وجدي من سيارته التي توقفت خلفهما ليتوجه نحوهما بخطوات فضحت لهفة قلقه ، اكتفت نبيلة بمباركة متعجرفة دون أن تغادر مكانها في سيارتهما ...


_مبروك يا "سمسمة"...مش محتاج أفكرك باللي قلناه !
قالها وهو يضمها إليه بقوة وكأنه يطارد آخر بقايا "أبوته" معها فابتسمت بتماسكها المعهود لترفع عينيها إليه بقولها:
_ما تقلقش ...انت عارف بنتك ما يتخافش عليها!
التمعت عيناه بحنان متشح بالذنب قبل أن تقسو نظراته نوعاً وهو
يتوجه ليامن بقوله:
_مبروك يا دكتور...مش هاوصيك على ياسمين .
صافحه يامن ببروده الظاهر الذي لم يتكلف فيه وداً فمال الرجل على أذنه ليهمس له بنبرة حملت بعض التهديد:
_لو مش هتشيلها في عنيك...عندي اللي يحطها فوق راسه !
انعقد حاجبا يامن بغضب جعل ياسمين تتوتر نوعاً مكانها وهي لا تدري ما الذي قاله له والدها لكن ابتسامة باردة شقت غيوم هذا الغضب ليقول يامن أخيراً بنبرة من كظم غيظه:
_أنا وهي متفقين على كل حاجة...وأنا عن نفسي مش هاخلف اتفاقي!
عقد وجدي حاجبيه وقد بدت له العبارة غريبة غامضة ...
فيما ظهر بعض الألم على وجه ياسمين التي فهمتها كما أرادها يامن تماماً!!
مجرد اتفاق محدود الأجل!!


هذا هو عمر "الحلم" الذي قبلت تقاضيه...
الحلم الذي سقت بذوره طوال هذه السنوات حتى كادت ترى بعينيها أول أزهاره ..
أو لم تكوني تعلمين يا صغيرة أن الزهور قصيرة العمر؟!


لهذا أخذت نفساً عميقاً لتتدارك الوضع ثم ابتسمت لتقول لوالدها مطمئنة:
_يامن معاه حق ...احنا متفاهمين جداً ...ما تقلقش!
رمقهما الرجل بنظرة قلقة أخيرة قبل أن يومئ برأسه ليقبل ابنته تاركاً إياها لزوجها الذي تأبطت ذراعه لتدلف معه إلى داخل البيت ...
"معركتها الأقوى" التي توشك أن تبدأها ...
بل بدأتها حقاً الآن عندما لم يطق هو صبراً بعدما صفق الباب خلفه بقوة فضحت غضبه ليلتفت نحوها قائلاً من بين أسنانه:
_ودلوقت معاد الحقيقة اللي وعدتِ بيها!


تشبثت أناملها بقماش ثوبها الملون وكأنما تستمد منها دعماً وهمياً من بقايا "الحلم"...
نظراتها تتعلق بما ظهر من بيت عاشت طويلاً تتمنى مشاركته معه ...
ذوقه "الأسود" المميز للمكان بأرائكه الجلدية الأنيقة وطرازه الحديث
الأنيق مع طلاء الجدران ناصع البياض ...
الجدران التي خلت من اللوحات تماماً ك"حياته" التي تعرفها وقد خلت تماماً من "الزينة"!


_ضروري دلوقت؟!
قالتها وهي تدرك عبثية السؤال مع شخصية "موسوسة" مثله تكاد تحترق بفضولها وشكوكها ليجيبها الإجابة المتوقعة:
_حالاً!!
التفتت نحوه لتتفحص ملامحه ببعض الدهشة وقد انتبهت لقسوة حديثة تخصها هي لم تكن في عينيه الحبيبتين من قبل ...لتسأله بتمعن:
_مالك ؟! شكلك زعلان مني .
_واضح إن الحلوة فاهماني قوي!
غيظه الساخر كسا كلماته وجعلها تتنهد بعمق لتشيح بوجهها فاستطرد بغضب أكبر :
_ممكن أقصر أنا عليكِ الطريق وأقوللك افتكرت شفتك فين .


رفرفت رموشها للحظات وكأنما اهتز تماسكها للحظة...
لحظة واحدة سبقت قولها وهي تقترب منه أكثر بينما يردف بنفس الغضب :
_صاحبة الحيّة هتكون إيه غير حية زيها؟! يا ترى هدفك إيه من اللي بتعمليه ؟! فيلم جديد زي فيلم صاحبتك زمان ؟!
دمعت عيناها رغماً عنها وصوته العالي في هذه اللحظة بالذات يبدو أكثر قسوة بكثير مما توقعت ...
لكن دموعها لم تزده إلا جنوناً ووساوس ظنونه ترسم له أبشع السيناريوهات ...
قبضته تمتد لتجذب ذراعها نحوه مع استطراده العاصف:
_انطقي خلاص اللعب بقى على المكشوف ...أنا عرفت كل حاجة!
_مهما عرفت ...ما عرفتش حاجة !


المرارة التي صبغت حروفها ممتزجة بنزف دموعها الحبيسة بعينيها كانت ل"وسواسه" بالمرصاد !
أنفاسها التي تلاحقت وهي منه بهذا القرب ...
جسدها الذي ارتجف رغم محاولتها الواهية للتظاهر بالقوة ...
كل هذا أطفأ حرائق "غضبه" وإن بقي "رماد" الشكوك يحاصر عينيه المتفحصتين لها ...


_تحب أبدأ منين؟!
واللهجة التي نطقتها بها جعلته رغماً عنه يخفف ضغطه على ذراعها وإن لم يستطع أن يبعدها أكثر ...
الآن فقط يفهم سر إحساسه المتناقض نحوها ب"الألفة" و"النفور"!


بينما غامت عيناها بشرود وهي تردف:
_أول مرة شفتك كنت بقرأ في رواية في النادي ...البطل فيها لمس حاجة جوايا وكنت منفعلة جداً لأن المؤلف خلاه خسر كل حاجة...برفع عيني لقيتك قاعد على الترابيزة قدامي...كأنك نسخة منه ...نفس التوتر...نفس الوحدة ...عنيك اللي بتلف وتدور في المكان كأنك حاسس بالغربة...ستايل لبسك الغريب عن اللي في سنك وقتها ...
ثم التوت شفتاها بابتسامة مع قولها:
_حتى نفس الشنب من غير ذقن !


انعقد حاجباه بشدة وهو يحاول تذكر هذا الذي تحكي عنه ...
بينما عادت هي لشرودها بقولها:
_الشنب اللي حلقته بعدها بفترة بسيطة ...غيرت فيها كل حاجة في شكلك ...لكن فضلت صورتك في عيني هي هي اللي شفتها أول مرة ..
الانسان الوحيد اللي حاسس بالغربة...ولأني وقتها كنت شبهك قوي حسيت إني مشدودة ليك...حاولت أكلمك وأتعرف عليك أكتر لكن كل مرة كان كسوفي بيمنعني ...ولما اتجرأت كان الوقت فات ...


ازدرد ريقه بتوتر ولازال ينظر إليها بشك ...
بينما أطرقت هي برأسها لتكمل:


_بسنت ظهرت في الصورة...أي طفل صغير كان هيلاحظ حبك المهووس بيها ...مشيك وراها ...عنيك اللي بتلمع لما بتبص لها ...غيرتك المجنونة لما كنت بتشوفها واقفة مع حد ...مكانش صعب عليّ أعرف إنك بتحبها ...


انزاحت أنامله عن ذراعها دون وعي وهو يود لو يرى عينيها في هذه اللحظة بالذات ...وكأنما قرأت شعوره عندما عاودت رفع رأسها إليه بقولها:
_الطبيعي وقتها كان إني أبعد لكن أنا مع قلبي عمري ما كنت طبيعية...ولأني عارفة بسنت كويس كنت متأكدة إن عمركم ما هتكمللوا مع بعض...عشان كده بدل ما أبعد قربت منها أكتر ...مكانش صعب أبقى واحدة من شلتها ...بس اللي كان صعب بجد هو حبك ليها اللي عشت تفاصيله يوم بيوم ...


ارتعش صوتها في عبارتها الأخيرة فعادت تطرق برأسها أمام عينيه المصدومتين باعترافاتها:
_كل حاجة كنت بعرفها عنك كانت بتقربني منك أكتر ...كل إحساس كنت بتوصفه كان جوايا زيه...إحساسك باليتم ومامتك لسه عايشة كان هو نفس إحساسي مع بابا...شعورك بالغربة وسط الناس اللي بتحاول تتغلب عليه كأنك كنت بتتكلم عني...غصب عني بقيت زي المجنونة بتابع تفاصيلك منها وأحفظها ...بتحب إيه..بتكره إيه...حتى المكان المهجور اللي قلت لها إنك بتحب تروحه لوحدك لما بتبقى زعلان لقيتني
بدور عليه عشان أروحه زيك ...كل كلمة حب قلتهالها ...كل وعد وعدته لها ....كل موقف رجولة عشته معها...كل حاجة رمتها هي تحت رجليها أنا...أنا اللي كنت بحلم بيها !



اختنق صوتها في عبارتها الأخيرة فضم قبضته بقوة جواره للحظات محترماً صمتها قبل أن يرفع ذقنها نحوه بنظرة فقدت غضبها وإن بقيت تحوم حولها الشكوك ...
لكنها بدت وكأنما استنفذت رصيد قوتها كله فتحركت لتعطيه ظهرها قائلة:
_القلم اللي ضربته لها في النادي كان نفسي أضربه لها أنا ...كتير كان بيبقى نفسي أجيلك وأحذرك منها ...لكن كنت أجبن من إني أواجهك...وكمان كان عندي شوية أمل إنها تبطل غباء وتقدر قيمتك...يمكن ما تصدقنيش بس حقيقي مكنتش أتمنى لك جرح زي اللي اتجرحته منها .


ورغم أن جزءاً عميقاً بداخله كان يصدقها ...
لكن وسواس ظنونه جعله يهتف بسخريته السوداء:
_عايزة تفهميني إنك بتحبيني طول السنين دي ؟! امال اتجوزتِ ليه؟!


_ما اتجوزتش غير لما انت سافرت واتجوزت هناك !
قالتها ولازالت تعطيه ظهرها فتحرك ليقف قبالتها هاتفاً بنفس النبرة المتهكمة :
_وأظن هتقوليلي اتطلقتِ لما أنا طلقت مراتي ورجعت؟!
احتضنت جسدها بساعديها وهي تهرب من عينيه بقولها:
_لا ...اتطلقت من قبلها ...وما تسألنيش عن تفاصيل ...أعتقد ده كان اتفاقنا!
همهمة ساخرة كانت جواب عبارتها مع هتافه الذي فضح انفعاله:
_والمفروض أصدق قصة الحب الأفلاطوني العظيمة دي؟!
_لا...مش هتصدقها!
قالتها وهي تقترب منه خطوة لتردف بنبرتها الخبيرة به :
_عمرك ما هتصدق إن في الوقت اللي فقدت فيه ثقتك بكل الستات وبكل الناس ...كان فيه واحدة في الظل حياتها كلها مرتبطة بيك...هتفضل شاكك إن فيه لعبة في الموضوع وإني أكيد بخطط لحاجة...هتراقبني في كل حركة وممكن ما تخلنيش أخرج من البيت ...وبمجرد ما تطمن إنك خلصت من طليقتك هتنهي الجوازة دي .


ربما كان حديثها بهذه النبرة الواثقة عنه ليزيد غيظه في أي وقت آخر ...
لكنه الآن كان يشعر بالكثير من الارتباك ...
هذه الحرارة التي تشع صدقاً بين حروفها تلفحه بشعور لا يريد تصديقه...
لا يريد أن "يؤمن" به...بل ولا يريد أن يمنحه "الأمان"!
لهذا زفر بقوة ليهتف:
_ومادام عارفة كده ...قبلتِ تتجوزيني ليه؟!
_عشان أخف منك يا يامن...أنا مريضة بيك!



هتفت بها فجأة بانفعال مشابه لأول مرة يراها به !!
عيناها تبوحان بألم نال من حيويتها المعهودة فذبلت معه ملامحها بينما تلوح بذراعيها مردفة :
_أنا مش عارفة أعيش حياتي من غير ما اطمن عليك كأنك ابني اللي ما خلفتوش ...يمكن هوسي بيك ده عشان كنت حلم بعيد...
ثم عضت على شفتها لتردف بخيبة :
_يمكن لو قربت منك أكتشف إني كنت غلطانة...يمكن ألاقي إنك ما تستحقش عمري اللي عطلته عشانك.


قالتها ثم توجهت بخطوات سريعة نحو غرفتها التي خصصها له في الطابق الأرضي ...
فوقف مكانه للحظات مبهوتاً وكأنما لا يصدق كل هذا الذي سمعه...
حديث "دقائق" روى له حكاية عمرها "سنوات"...
حكاية لا يصدقها ولا يريد أن يصدقها ...
لكن كيف يفعل؟!
وحديثها قد تغلغل داخل روحه ليمس تلك "الندبة" القديمة التي يخفيها عن العالمين ؟!


_استني!
هتف بها بنفس الحدة قبل أن يندفع بدوره نحوها ليستوقفها عند باب الغرفة بسؤاله:
_امبارح واحنا بنشتري الدبل مارضيتيش نشتري لي دبلة...وقلتِ إنك لبستيني دبلتي من زمان ...عايزة أعرف كان قصدك إيه؟!
تنهدت بحرارة ثم أغمضت عينيها لتجيبه بصوت منهك:
_الليلة اللي اتهجمت فيها على بسنت في النادي خرجت وراك...كنت قلقانة عليك ومتأكدة إنك هتعمل حاجة عكس طبيعتك...يتهيالي انت فاكر رحت فين ليلتها ...لما اتأخرت قلقت عليك ودخلت المكان لقيتك سكران وبتهلوس ...مااعرفش ازاي قدرت أقنعك إنك تخرج معايا...روحتك لشقتك المفروشة اللي كنت قاعد فيها وقتها قبل ما تاخد البيت ده ...والبواب ساعدني أطلعك فوق ...ليلتها وأنا راكبة معاك العربية راسك مالت على الكرسي ونمت...وقتها ما قدرتش أمنع نفسي إني أقلع دبلتي الفضة اللي كنت كاتبة عليها أول حرف من اسمك...ما دخلتش غير في صباعك الصغير...كان كفاية عليّ وقتها أحس إني كنت جنبك وقت ما احتجتني...حتى لو هتصحى مش فاكر أي حاجة !


كانت عيناه تتسعان بذهول مع كل كلمة تحكيها ...
هو يذكر تلك الليلة جيداً ...
يذكر كيف دفعه يأسه ووحدته لذاك الملهى الليلي الذي تناول فيه الخمر لأول وآخر مرة في حياته...
لكنه لا يذكر رؤيتها هناك !
هو استيقظ صبيحة تلك الليلة ليجد نفسه في فراشه وقد أخبره البواب القديم أن امرأة ما هي التي صحبته إلى هنا ...
وقتها تصورها إحدى فتيات الليل اللاتي تعثر بهن هناك ...
لكن ما أثار دهشته تلك الدبلة الفضية التي وجدها في خنصره والتي خلعها ساعتها باشمئزاز لكن طبيعته "الوسواسية" جعلته يحتفظ بها في صندوق متعلقاته الخاص لعله يجد لها نفعاً وقتاً ما !


_كفاية كده النهارده...أنا تعبت...تصبح على خير!
همست بها بإعياء وهي تتجاوزه لتدخل الغرفة التي أغلقت بابها خلفها...
ولا تعلم أنها فتحت له بعدها أبواب ذكريات لم يكن يظنها ستعود لتقهره بكل هذا العنفوان ...


قدماه تقودانه نحو غرفته بالأعلى حيث خلع عنه بدلة العرس ليتوجه نحو خزانة ملابسه التي فتحها ليستخرج منها صندوق متعلقاته الخاص والذي ظل يبحث به حتى وجدها هناك منزوية في الركن...
دبلة فضية بسيطة الهيئة نقش عليها حرف الياء بطريقتها المميزة التي تثني طرفه لتصنع شكل القلب الشهير والذي وجده من قبل مطرزاً على مفارش مطعمها ...
دبلة ظلت قابعة هنا لسنوات شاهدة على ما تزعم هي أنه حب !
حب تريد الشفاء منه ويريد هو ....
هو؟؟؟!
ماذا يريد؟!
تأوه بخفوت وهو يقرب الدبلة من عينيه أكثر وكأنه يحاول بها قهر وساوس شكه...
نفسه تراوده أن يعاود ارتداءها في خنصره ...
حركة بسيطة لا تساوي شيئاً لكنها قد تحمل لها -لو صدقت- اعتذراً عن غفلته عنها طوال هذه السنوات...


لكنه وجد نفسه يعيدها مكانها ليغلق الصندوق بعنف معيداً إياه مكانه !
_جرى إيه يا يامن؟! لسه ما اتعلمتش ؟! كلهم شبه بعض ...اوعى تصدق وتتخدع تاني ...اوعى!!


نصيحته الصارمة لنفسه أعادت لملمة ما بعثرته كلماتها من شظايا روحه ...
فزفر بقوة ليبدل ملابسه مرتدياً منامته السوداء قبل أن يتوجه إلى فراشه الذي استلقى عليه شارداً لساعات حتى أذن الفجر ...
استغفر وقتها بخفوت ثم قام لتأدية صلاته ...
قبل أن تنتابه رغبة خفية في الاطمئنان عليها ...
خطواته تقوده نحو غرفتها التي توقف قليلاً أمامها بتردد قبل أن يفتح بابها بحذر شديد ...
فتحة ضيقة كشفت له جسدها النائم بسلام لكن هذا لم يكن ما أثار دهشته ...
بل هذه "البالونات" الملونة العديدة التي ملأت بها الغرفة حولها لتمنحها مظهراً حيوياً بعيداً تماماً عن طبيعته هو القاتمة ...
هنا لم يستطع منع ابتسامة حنون شقت طريقها وسط عبوس وجهه ...
قبل أن يغلق الباب من جديد بنفس الحذر!
==========

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...