القطعة التاسعة
**********
_برضه بتذاكري؟!
سألها رامز بمرح لم يخفِ ضيقه وهو يدخل عليها غرفة المعيشة ليجدها ناثرة أوراقها حولها وقد ارتدت نظارتها وعقصت شعرها خلف رأسها لترد دون أن ترفع نظرها إليه:
_خمس دقايق بس يا رامز وأكون معاك.
هز رأسه وهو يجلس على الأريكة متابعاً ملامحها الجميلة التي انهمكت فيما تفعله ...
قبل أن يقول بنفس النبرة:
_مين كان يقول إن هييجي يوم أغير عليكِ فيه من شوية ورق؟!
رفعت إليه رأسها مبتسمة وقد مستها عبارته لتقول بشبه اعتذار:
_شوية الورق دول هم طريقي عشان أكمل رسم صورة نفسي اللي أنا عايزاها ...ترضى تحب واحدة ناقصة ؟!
_غلَبتيني!
قالها ضاحكاً ثم نظر إليها نظرة عميقة مردفاً:
_بس انتِ مش ناقصة أبداً...بالعكس فيكِ حاجة بتخلليني دايماً مشدود ليكي...أنا عرفت بنات كتير قبل الجواز ...ومع ذلك عمري ما حسيت مع أي واحدة باللي حسيته معاكِ.
تغيرت ملامح وجهها فجأة مع هتافها المصدوم:
_بنات كتير؟! انت عمرك ما قلت لي حاجة زي كده .
_انتِ ما سألتيش!
قالها وهو يهز كتفيه ببساطة مردفاً:
_وأنا كمان ما سألتكيش.
_بس أنا عمري ما حبيت حد قبلك.
ابتسم لاعترافها الحار الذي خرج من شفتيها رغماً عنها ثم اقترب منها بجلسته لينظر لعينيها قائلاً:
_ودي أجمل حاجة فيكِ!
لكنها أشاحت بوجهها بضيق فضحته ملامحها مع عبارتها:
_ما كانتش دي أبداً صورتك في عيني...أنا ما اتجوزتكش عشان شكلك أو مركزك...أنا اتجوزتك عشان أخلاقك...حسيتك صورة من بابا الله يرحمه .
فاقترب منها أكثر لينزع عنها نظارتها ثم رفع ذقنها إليه ليهمس لها بصدق:
_ده كان ماضي وراح لحاله ...والدليل إني بحكيلك عليه دلوقت ببساطة ...قلبي خلاص دخلتيه انت وقفلت الباب وراكِ.
ورغم شعورها بصدق حديثه لكن ذاك الخوف الذي احتل قلبها جعلها تقول بنبرة جافة:
_إخلاصك ده ليك مش لي...لأني لو حسيت للحظة إنك بتخونني ولو بمجرد مشاعر أنا هاخرج من حياتك من غير تردد .
_ممممم...من غير ما تسأليني عن السبب؟!
_الخيانة مالهاش مبرر ...طلقة غدر ماينفعش ترجع مسدسها تاني ...عرفت ليه أنا ما بنجرفش ورا مشاعري ؟!..عشان في لحظة زي دي قلبي ما يتكسرش.
قالتها بانفعال هادر جعله يهز رأسه بضيق والحوار ينسحب منه لوجهة أخرى غير التي قصدها ...
لقد تعمد ذكر هذا الأمر أمامها كي يختبر غيرتها وحبها فإذا بها تصدمه بهذه العدوانية الصارخة !
لهذا ابتعد عنها ليعاود مناولتها نظارتها دون كلمات قبل أن يتحرك ليشغل الشاشة أمامه ثم تناول أحد ذراعي اللعب ب"البلاي ستيشن"ليضع سماعات خاصة في أذنيه تحجب عنها وعنه الصوت!
رمقته بنظرة طويلة حانقة ثم عادت لأوراقها تحاول التركيز فيما تفعله لكن ...هيهات!
حديثه هذا بدا وكأنه قد هدم صرحاً بداخلها كانت قد أقامته له !
لقد كانت تثق به ثقة عمياء فكيف الآن تفعل مع ماضيه الذي اعترف به ؟!
المرء لا يتخلص من خصاله بسهولة ...فهل انتهى حقاً عهده مع العبث بالنساء؟!
تأففت بضجر وهي تخلع عنها نظارتها لتختلس نظرات ساخطة نحوه لكنه تجاهلها تماماً وهو ينهمك بكليته في اللعب والاهتزاز بجسده يميناً ويساراً في استجابة لقواعد اللعبة أمامه...
كادت تغادر المكان وتعود لغرفتها متجاهلة إياه هي الأخرى لكن شعوراً ما بداخلها منعها ...
أجل..."خوف الفقد" الذي عاشت سجينة رهابه عمرها كله !
هذا الخوف الذي كان يجعلها تبتعد دوماً عن سلطان المشاعر مكتفية بدورانها الحر حول أسوارها ...
وهو نفسه الآن الذي يجعلها تود الاقتراب منه كي تحمي ما صار حقاً لها !
لهذا نزعت عنها نظارتها بعنف ثم قامت لتتوجه نحوه حيث نزعت السماعات عن أذنيه لتسأله بلهجة جافة :
_كانوا كام واحدة؟!
كتم ابتسامته بصعوبة وهو يتظاهر بالانهماك في اللعب قائلاً بلامبالاة :
_مش فاكر ....كله كان "ترويش" يعني!
_أيوة كنت ب"تروش" لغاية فين؟!
هتفت بها بحدة أسعدته كثيراً وهو يراها تنزع عنها قناعها الجليدي لكنه استمر في تظاهره باللامبالاة مما جعلها تهتف بحدة أكبر:
_رد عليّ يا رامز وسيب اللي في إيدك.
ولم تكد تهتف بها حتى شعرت به يجذبها فجأة ليجلسها بين ساقيه ملتقطاً نظراتها الغاضبة بأخرى عابثة ناسبت همسه جوار أذنها:
_العبي معايا دور "بلاي ستيشن"...واهي فرصة تستدرجيني وأقوللك كل حاجة من غير ما أحس.
دق قلبها بانفعال وبروده العابث هذا يثيرها أكثر بمشاعر صاخبة تتأرجح بين غضب وحب وترقب ورهبة...
هذا المزيج الذي فهمه هو كاملاً فابتسم بمكر وهو يشدد ضغط ذراعيه حولها مردفاً:
_هه؟! نلعب؟!
أطرقت برأسها محاولة السيطرة على انفعالاتها كي لا تبدو ضعيفة أمامه فاتسعت ابتسامته وهو يناولها الذراع البلاستيكي الآخر للعبة ...
تنهدت بحرارة وهي تستجيب لمطلبه...
لم تكن المرة الأولى التي يلعبان فيها بهذا الوضع وكثيراً ما كانت تغلبه فيها ..لكنها الآن تشعر أنها مشتتة خاصة عندما مد أنامله ليفك عقدة شعرها ثم أسدله على ظهرها أمامه قائلاً بعبثه الماكر:
_كحكة الدكتورة مش مخلياني أشوف كويس.
رمقته بنظرة جانبية مختلسة وهي تحاول التركيز في اللعب قائلة:
_ما قلتليش كانوا كام واحدة...وإيه حكايتهم؟
صمته الطويل كان جوابه فالتفتت نحوه لتقول بتحفز:
_ما بتردش ليه؟!
_هتصدقيني لو قلتلك مش فاكر؟!
همس بها وهو يقترب بعينيه من عينيها ليردف بنبرة دافئة:
_هتصدقيني لو قلتلك إن دورهم بس كان إني أعرف قيمتك لما أقابلك وأتأكد إنك انتِ بس حبيبتي؟!
كان يزداد اقتراباً بوجهه مع كل كلمة ينطقها حتى تلاصقت شفتاه ببشرتها مع كلمته الأخيرة ليتبعها بقبلاته التي نثرها على وجهها بحرارة ألهبتها لكنها تمسكت بعنادها محاولة الابتعاد بوجهها عنه هامسة بصوت متحشرج:
_رامز ...بطل طريقتك دي ...أنا عايزة...
_انتِ عايزة إثبات إني ماحبتش ولا هاحب غيرك...وأنا هاثبتلك!
_رامز!
انقطعت همسة اعتراضها منصهرة في لهيب عاطفته الذي وجدت نفسها تستجيب له هذه المرة بأقوى ما وجدته في نفسها يوماً ...
وكأنها تتشبث حقاً بملكيتها له ...وكأنها تغالب خوفها من فقده ...
بينما كان هو منتشياً بإحساسه بأثر "غيرتها" عليها...!
ذاك الذي بدا واضحاً في استجابتها بمزيج من الاشتعال والذوبان !
لقد بدأت خطته معها تؤتي ثمارها وها هو ذا يجنيها بحرارة مشاعر لم يختبرها معها من قبل ...
وها هو ذا ظنه يتأكد عندما صدح رنين هاتفها بنغمة خاصة جعلتها لغادة ...
ربما في ظروف أخرى كانت لتنتفض تاركة إياه كي تهرع إليها كما فعلتها مراراً من قبل ...
لكنها الآن تتشبث به منغمسة معه في عاطفة يدرك كم تحاول الهروب منها لكنه لن يسمح لها ...
ليس وقد ذاق لذة احتراقها كالسكر تحت لهيب عشقه !
==========
وقفت تطالع وجهها في المرآة بضيق وتلك الحبوب الصغيرة التي ملأت وجهها تثير حنقها أكثر ...والتي تعلم أنها نتاج حالتها النفسية السيئة.
تناولت قلم الكحل خاصتها لتبدأ في وضع زينتها لكنها ألقته بضجر مع هتافها الساخط:
_مش لازم النهارده ...هتفرق في إيه ؟!
زفرة حارة تبعت عبارتها وهي تتجه نحو خزانة ملابسها لتستخرج قميصاً أسود يلائم مزاجها لكن عينيها اصطدمتا بتلك الحقيبة هناك في زاوية الخزانة ...
دمعت عيناها وهي تستخرجها لتفتح سحابها قبل أن تستخرج ما بها ...
ثوبٌ طفوليّ بطراز قديم أبيض اللون بزهور صغيرة قرمزية مع قبعة بنفس اللون وحذاء صغير بداخله جورب أبيض ...
آخر ثوب اشتراه له والداها للعيد لكنها لم ترتده أبداً!
ظلت تحتفظ به بعد وفاتهما في تلك الحقيبة مع آلة "هارمونيكا" موسيقية اعتادت العزف عليها مع والدها ...
تعرفون هذه الدموع التي تمتزج بابتسامة حنين ؟!
هذه ما كانت تملأ عينيها الآن وهي تتحسس الأشياء بأنامل مرتجفة ...
هي لا تدري ما الذي يدفعها لاستجلاب ذكرياتها البائسة الآن ...
ربما هي حالة الاكتئاب التي تسيطر عليها مؤخراً وهي تشعر بوحدة تكاد تخنقها ...
رانيا منشغلة بترتيبات عرسها ...ويامن هو الآخر بعروسه...هانيا دخلت دوامة المذاكرة من جديد ...
ونبيلة لاتزال غائبة حاضرة لا تفكر سوى في نفسها فحسب...
هيثم غاضبٌ منها منذ آخر لقاء لهما في المطعم وقد انقطع عن الرد على مكالماتها ...
حتى عاشقها الغامض اكتفى برسالة واحدة مبهمة بالأمس:
(لا تبحثي عن الشمس بين الجحور)!
هذه الوحدة تكاد تصيبها بالجنون ...تجعلها تشعر أنها بلا قيمة...
آآآه...كم تريد التكلم...بل الصراخ بملء فيها ...
أنا هنا !! ألا ترونني؟!
لكن قناع تمردها وعنادها يخفي كل هذا خلف أفعالها الطائشة والتي كان آخرها زيارة لذاك الملهى الليلي بالأمس !!!!
حتى الآن لا تصدق أنها تجرأت على فعلها ...لكن شعورها بتدفق "الأدرينالين" في عروقها مع المغامرة أكسبها نشوة لحظية أنستها الخوف ...
رقصت كثيراً حتى كادت تسقط...بل إنها كادت تتذوق بعض النبيذ ...لكنها تراجعت في آخر لحظة إذ خشيت أن يتأثر وعيها وهي هناك وحدها ...
تعرض لها بعضهم أكثر من مرة وقد ظنوا بها سوءاً لكنها لم تكن بعاجزة عن التصدي لهم حتى عادت للبيت زاعمة أنها كانت تتلقى دروساً هامة مع صديقاتها في بيت إحداهن!
مخاطرة لم تكن لتجرؤ عليها لولا غياب يامن !
الغريب أنها الآن لا ترغب في تكرار الأمر ...ذهبت نشوة المغامرة وعاد الملل يحتل روحها ...
الملل الذي تحاول قتله كل يوم دون جدوى!
وعند خاطرها الأخير زفرت بحنق ثم أعادت تذكاراتها مكانها قبل أن ترتدي ثيابها بإهمال ليس من عادتها ...
ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى كانت في ساحة الكلية تجلس على إحدى درجات السلم تعبث بهاتفها في ضجر ...
حاولت بعض رفيقاتها محادثتها لكنها كانت في غنى عن نفاقهن الذي تدرك ما خلفه من غيرة ...
_هاي!
الصوت الأنثوي أمامها جعلها ترفع عينيها إليها ...فتاة عشرينية من زميلاتها هنا تذكر وجهها لكنها لا تعرفها شخصياً ...مدت إليها كفها مصافحة لتقول بنبرة ودود:
_كويس إني لقيتك لوحدك ...بقى لي فترة عايزة أكلمك ومترددة.
رمقتها داليا بنظرة متشككة فابتسمت الفتاة ببشاشة مردفة :
_أنا ريماس...خالي معتز الشريف لو تسمعي عنه .
عقدت داليا حاجبيها وهي تتبين اسم المخرج الذي تحكي عنه والذي تصدر فيلمه السابق قائمة السينما الموسم السابق كما كانت تقول بيللا ...
لهذا قالت للفتاة بتعجب منتظرة ما ستدلي به:
_أهلا بيكي.
فاتسعت ابتسامة الفتاة الودود مع قولها وهي تجلس جوارها :
_خالو محتاج وجه جديد خالص للفيلم الجاي ...ولما عرفت إنك قريبة النجمة العظيمة بيللا قلت بس ...العيلة دي جيناتها فنية ...إيه رأيك؟!
اتسعت عينا داليا بصدمة فلم تتوقع يوماً عرضاً كهذا!
سينما؟! تمثيل؟! شهرة؟!
هل ستكون نجمة حقاً مثل بيللا؟!
وقتها لن تشكو الوحدة أبداً ...سيكون حولها العشرات بل المئات ممن يودون صحبتها ...
ستكون "قِبلة العيون والقلوب" كما كانت تحلم دوماً...
يالله !!
هل تأتي الفرصة بسهولة هكذا؟!
لكن...يامن!!!
انطفأ انبهارها فجأة وهي تتبين استحالة موافقته على أمر كهذا ...
فأشاحت بوجهها لتقول بضيق لم تملكه:
_شكراً للعرض ده ...لكن للأسف الموضوع ده مرفوض عندنا .
ظهر الأسف على وجه الفتاة التي وقفت مكانها لتقول بنبرة مهذبة:
_خسارة...كنت شايفاكي جداً في الدور ده ...
ثم مدت يدها في حقيبتها لتستخرج بطاقة ورقية ناولتها لها مردفة:
_ده كارت خالو ...لو غيرتِ رأيك.
تناولت منها البطاقة لتغادرها الفتاة بنظرة آسفة فزفرت بقنوط وهي تضعها في جيبها ...
وعندما حانت منها التفاتة نحو تلك الشجرة هناك وجدت هيثم واقفاً يضاحك زميلتهما شوشو بصوت عالٍ متجاهلاً إياها بينما الأخيرة ترمقها بنظرات متشفية...
هنا تجمعت الدموع في عينيها وهي تشعر بأنها مجرد خاسرة كبيرة !
رغبة عارمة في البكاء وحدها انتابتها فهبت واقفة لتتوجه بخطوات سريعة نحو أحد تلك الأروقة الجانبية التي تخلو عادة من المارة حيث أعطت وجهها للحائط سامحة لدموعها بالانهمار...
كان جسدها يرتجف بانفعالها خاصة مع حزنها لتلك الفرصة الأخيرة -العظيمة -التي خسرتها ببساطة...
كم تشعر الآن بالقهر ...بالعجز حتى عن فهم نفسها وماذا تريد ...
_بطّلي عياط .
انتفضت وهي تلتفت خلفها لتجده واقفاً خلفها وملامحه العاتبة لم تبخل بحنانه المعهود عليها ...
ربما في ظروف أخرى غير هذه كانت لترد بمكابرة...كانت لتتجاهله كما تجاهلها ...كانت لتفعل أي شيء غير ما فعلته الآن ...
فقد ارتمت فجأة على صدره وهي تخفي وجهها بين كفيها مغمغمة بانهيار:
_ماتعملش كده تاني يا هيثم...أنا ماليش حد غيرك أكلمه .
ظهرت الصدمة على ملامحه وهو لا يدري ماذا يفعل ...!!!
صحيحٌ أنها لم تكن المرة الأولى التي يشهد بها انهيارها بهذه الطريقة لكنها كانت كذلك بالنسبة لتقارب خطير كهذا ...
ورغم أن عقله كان يدق كل نواقيس الخطر لكن قلبه العاشق جعله لم يملك إلا احتضانها مع تربيته على ظهرها برفق قبل أن ينتبه لذاك الجرح العميق على ذراعها فهتف بقلق:
_إيه الجرح ده يا داليا؟!
_لعبة بلعبها ع الموبايل!
اتسعت عيناه بصدمة مع إجابتها بلا مبالاة يائسة وهو ينتبه لطبيعة تلك الألعاب التي تستغل الحالة النفسية السيئة للاعبيها كي تطلب منهم تنفيذ مثل هذه الأوامر العجيبة والتي رصد انتهاء الكثير منها بحالات انتحار !
لهذا هتف بها بجزع:
_هي حصلت كده ؟! انتِ...
_متزعقش ...أرجوك متزعقش ...أنا مش ناقصة .
تمتمت بها بانهيار ولازالت تخفي وجهها بين صدره فزفر بقوة وهو يعاود التربيت على ظهرها وقد أدرك أن حالتها تزداد سوءاً...
_إيه اللي بيحصل ده ؟!
انتفضا مكانهما والهتاف السابق يبدو وكأنه بعث من الفراغ حولهما ...
لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر بل ...هوية صاحبته !!
أجل...زوجة الدكتور ياسر والتي كانت ملامحها تفضح غضباً هادراً بعيداً تماماً عن تعقلها المعهود ...
خاصة وهي تجذب داليا بعنف من ذراعها لتردف بحدة قاسية:
_أنا من زمان عارفة إنك مش مظبوطة...لكن يوصل بيكِ الاستهتار إنك تعملي كده في قلب الجامعة ! أنا مش مصدقة بجاحتك.
كان جسد داليا يختض برعبها وهي تدرك المصيبة التي وقعت فيها والتي ستنتهي حتماً بفضيحة...
فيما تمالك هيثم نفسه ليهتف بانفعال :
_أرجوكِ يا دكتورة...هي مالهاش ذنب أنا اللي ...
_انت كمان حيوان وقليل الأدب ...دي مش أول مرة أشوفكم فيها مع بعض بتصرف متجاوز ...انتم الاتنين لازم معاكم إجراء شديد .
هتفت بها بانفعال وهي تهز جسد داليا بعنف بينما الأخيرة تبكي بحرقة ليظهر الدكتور ياسر في الصورة أخيراً وهو يسأل زوجته بدهشة:
_في إيه ؟! ماسكاها كده ليه؟!
تجمدت ملامح داليا برعب وهي تشعر بساقيها يتخاذلان تحتها بينما ترمق المرأة بنظرات راجية ...
المرأة التي انفرجت شفتاها وكأنها على وشك الصراخ بفضيحتها من جديد لكنها عادت تطبقهما بقوة ليسأل ياسر هيثم بتشكك:
_داليا بتعيط ليه ؟! عملت لها حاجة ؟!
أطرق هيثم برأسه وهو لا يجد رداً فيما تمالكت زوجة الدكتور جأشها لتقول مخاطبة داليا:
_امشي دلوقت .
قالتها وهي تنفض ذراعها من يدها بعنف قبل أن تلتفت لزوجها مردفة :
_الحق انت محاضرتك ...ده موضوع تافه .
تردد الرجل قليلاً قبل أن يقرر غض الطرف الآن والاستفسار منها فيما بعد فغادرهم بخطوات متعجلة فيما غمغمت زوجته مخاطبة هيثم:
_أنا مارضيتش أفضحكم قدام الدكتور ...بس لو اللي حصل ده اتكرر تاني أنا هاسعى إني أفصلكم انتم الاتنين من الكلية خالص.
ولم تكد تنتهي من عبارتها حتى رمقت داليا بنظرة مزدرية لكن الأخيرة كانت غائبة تماماً عن وعيها بانهيارها الباكي ...
فجذبها هيثم من مرفقها برفق ليسير جوارها مغادرين المكان تلاحقهما نظرات المرأة الغاضبة ...
والتي تناولت هاتفها لتنظر لشاشته بحسرة متمتمة:
_يعني ما لقيتش غير البنت دي يا مروان؟!
=========
_انتِ هتسافري كده ؟!
هتف بها يامن بسخط وهو يتطلع لثيابها التي استعدت بها للسفر إلى قريته فعاودت النظر لنفسها في المرآة قبل أن تغمغم بدهشة:
_ماله شكلي؟! ده أنا حتى مكبرة الطرحة عشان تغطي أكتر.
_ولو الطرحة طارت ...الشعب يعيش!!
هتف بها بنفس السخط وهو يقترب منها ليرفع حافة وشاحها الرقيق الذي بدا تحته قميصها الضيق ...لكنها ابتسمت بتفهم وهي تقول له بنبرتها الرقيقة :
_حاضر ...هاغير هدومي... ثانية واحدة .
زفر بضيق لم يعلم سببه وهو يعطيها ظهره بينما هرولت هي نحو غرفتها لتعود إليه بثوب أكثر اتساعاً أخفى معالم جسدها كاملة وزاده حجابها العريض ستراً لتهتف وهي تتقدم نحوه بترقب:
_كده كويس؟! أنا عارفة إن هناك مش زي هنا ...ومش حابة يكون شكلي ملفت.
التفت نحوها ليتفحص شكلها بنفس الضيق قبل أن يقترب منها أكثر ليمد أنامله نحو منابت شعرها التي بدت من مقدمة حجابها فيدخل ما ظهر منها تحته بحركة عصبية ثم جذب حافة الوشاح نفسها للأمام كي تغطي جبينها أكثر بغيظ بدا لها مضحكاً ...
فابتسمت وهي مستسلمة تماماً لحركاته لتقول أخيراً بهدوء:
_براحتك خالص...مش هنخرج من هنا إلا وانت راضي عن شكلي ...أنا عارفة إن الموضوع ده فارق معاك خصوصاً هناك .
ورغم هدوء نبرتها لكنه هتف بانفعال لا مبرر له:
_أنا عارف أول ما نحط رجلنا هناك كل العيون هتبقى عليكِ.
_وده مضايقك ؟!
قالتها بعينين ملتمعتين وضحكتها الحيوية تتبعها فأشاح بوجهه دون رد لتستمر هي في الضحك للحظات سبقت قوله المغتاظ:
_بتضحكي ليه ؟!
فتنهدت بحرارة لتطرق برأسها قائلة بصوت خفيض:
_تعرف لو حكمت غيرتي عليك زي ما بتعمل كده ...ماكنتش خليتك تخرج من البيت ولا خليت أي واحدة تلمحك بس بطرف عينيها .
كعادتها كلما تفصح عن أحد اعترافاتها بحبه تخفض صوتها حد الهمس وتتحاشى لقاء عينيه ...
هذا التصرف الذي يغيظه كثيراً لكنه لا يملك أن يطلب منها أكثر ...
ليس وهو -إلى الآن- غير قادر على منحها أي شيء في المقابل ...ولا حتى مجرد الوعد !
هذا الشعور الذي زاد ضيق صدره ليجعله يهتف بفظاظته المعهودة:
_مين قالك إني غيران؟! أنا بس بحاول أحافظ على صورتنا هناك .
_مممم...طب عيني في عينك كده ؟!
هتفت بها بمرح عاد يكسو صوتها وهي ترفع إليه عينيها وكأنها لم تكترث بجفاف عبارته...
نظراته الحائرة تتشبث بحبال عشق تلقيها له روحها في كل لحظة ...
وكل لحظة معها عمرٌ من عشق !
_كل اللي يعرفني من قريب بيقول إني مجنونة جداً في حكاية الغيرة دي ...بغير جداً على اللي بحبهم...لكن معاك انت اتعلمت ألجمها من زمان ...يمكن لأني عمري ما حسيت إنك من حقي!
لازالت تخفض بصرها عنه بينما همساتها شديدة الخفوت تخترقه كسهام من نار تذيب جبال جليده ...
إلى متى سيصمد أمام غزو غرامها هذا ؟!
شعوره بالضعف نحوها يكاد يخنقه مع أن كل ذرة في جسده تناشده الاستسلام ...
لهذا زفر بقوة متجاهلاً عبارتها التي لا يعرف -صدقاً- لها رداً ...
ثم رفع ذقنها إليه ليقول بلهجته الخشنة التي لا تشي بما في صدره:
_آسف لو تصرفاتي النهارده حادة شوية...بصراحة قلقان من الزيارة دي .
_انت خايف ...وأنا كمان خايفة ...
قالتها بابتسامة متفهمة لتشرد ببصرها مردفة:
_انت خايف تقابل هناك الوحش اللي عشت عمرك بتهرب منه ...ماضيك وذكرياتك بخصوص مامتك...بس صدقني أول ما تحط رجليك هناك هتكتشف إنك كنت بتبالغ ...الناس دلوقت مش هتشوف ابن النجمة ولا حتى ابن عبد الرحيم حمدي...الناس هتشوف دكتور يامن الناجح وبس..اسمك اللي تعبت عشان تعمله وجه الأوان إنك تفرح بتعبك ده.
رمقها بنظرة طويلة متفحصة وهو يشعر بحديثها يرمم صدعاً ما بداخله ...
كيف تفهمه إلى هذه الدرجة ؟!
بل ...ولماذا لا تفعل؟!
وهي "توأم روحه" في معاناتهما التي تشاركا فيها قدراً ...
هي لا تتكلم عنه فحسب هي تتكلم عن نفسها كذلك!
ولما طال شرودها أمامه تنحنح بخفة ليدير وجهها نحوه بخفة متسائلاً:
_وانتِ خايفة من إيه؟!
أغمضت عينيها بألم لتتنهد هامسة:
_مش مهم.
_هتقولي!
بنبرته- الآمرة الراجية -التي لا يجيدها مثله نطقها لتعطيه هي ظهرها صامتة للحظات قبل أن تجيب:
_أنا اتجوزتك عشان أكسر الصنم اللي عملتهولك جوايا...كنت بقول لنفسي إن الحكاية كلها مجرد إن الممنوع مرغوب...وإني لما هاقرب منك هاشوف كل العيوب اللي ماكنتش شايفاها ...أنا قربت قوي عشان أقدر أبعد قوي ...بس...
صمتت بعدها قليلاً لتطرق برأسها فتحرك ليقف قبالتها متسائلاً بحذر:
_بس إيه؟!
تصنعت ابتسامة باهتة وهي ترفع وجهها نحوه لتقول ببعض المرح:
_كل يوم بتأكد إن قلبي "ذوقه حلو" ...ولأول مرة مابقاش عارفة دي حاجة حلوة واللا حاجة وحشة .
ارتفع حاجباه بتأثر من هذه البساطة الدافئة التي تعبر بها عن مشاعرها ...
ليته يستطيع الإفصاح عن إحساسه بهذه الطلاقة ...ليته يملك جرأة بوحها عما يعتمل في صدره ...
لهذا اقترب منها أكثر ليحيط كتفيها بكفيه بقوة حنون بينما نظراته تخونه قسراً أمام عينيها الخبيرتين به وإن بقي لسانه على ولائه الخشن له:
_مش عارف أقوللك إيه .
_اوعدني ما تكسرنيش...أنا ممكن أستحمل إنك تسيبني وأفضل طول عمري بحبك من بعيد لبعيد ...بس مش هسامحك لو كسرتني...لو خلتني في يوم أكرهك .
انقبض قلبه بوجع كعهده كلما أتت على سيرة الفراق هذه...لكنه أرجأ التفكير في هذه النقطة ليعاود سؤالها بينما كفاه يقربانها منه أكثر لا شعورياً:
_وإيه اللي ممكن يخلليكِ تكرهيني؟!
انفلتت منها آهة خافتة قبل أن تسند جبينها إلى كتفه هامسة :
_إنك تطفيني...أنا عمري مااتطفيت...لا بُعد بابا ...ولا وفاة ماما...ولا حتى طلاقي قدروا يطفوني...دايماً جوايا روح بتعافر ..بتقومني على رجلي كل ما أقع...لو روحي دي اتطفت هموت بالحياة.
ابتسم رغماً عنه بعاطفة لم يجد لها مسمى وهو يجدها تتحدث هكذا بمنتهى القوة...وبمنتهى الضعف!
شعوره أنها تستند الآن -طوعاً- إلى كتفه بعد نفورها القديم من اقترابه منها ملأه بشيء من الفخر ...
الفخر الذي تضاءل سريعاً وهو يراها تبتعد عنه وكأنها تنتزع نفسها انتزاعاً من بين ذراعيه لتهتف بمرح يوقن أنها الآن تدعيه:
_كفاية كده رغي عشان نلحق القطر.
لسانه بدا وكأنه التصق بسقف حلقه طوال الطريق بعدها حتى استقر بهما في القطار المتجه لقريته حيث ينتظره عمه بلهفة ظهرت واضحة في صوته على الهاتف وهو يحدثه كل بضع دقائق ليتأكد منه أنه في الطريق...
هذه اللهفة التي وجدت صداها في صدره ليشعر بدفء لم يكتنفه منذ عهد بعيد ...
لهذا أغمض عينيه على كرسيه في القطار تتلقفه ذكرياته بين حلوها ومرها فلم يشعر بنفسه إلا وقد غفا رغماً عنه لوقت لم يعلمه ...
حتى إذا استيقظ فجأة وقعت عيناه على الكرسيين المقابلين لهما في القطار واللذين شغلهما رجلٌ وامرأته يبدوان في عقدهما الرابع أو الخامس...
لكن هذا لم يكن ما أثار انتباهه بل وضعهما الذي اختلف تماماً عن وضعه هو وياسمين ...
فأمامه كانت المرأة مستسلمة تماماً للنوم وقد أسندت رأسها على كتف زوجها الذي أسند رأسه فوقه بينما يمسك بكفها وقد راح في النوم هو الآخر!
ربما في وقت آخر كان ليسخر في نفسه من هذا التصرف الصبياني الذي لا يليق بسنهما لكنه الآن يجد نفسه يراقبهما بمزيج من انبهار وتحسر ...
قبل أن تحيد عيناه لتلك النائمة بجواره والتي أسندت رأسها على كرسيها في عكس اتجاهه وكأنما تخشى أن يسقط رأسها على كتفه ولو سهواً في نومها!
ترى هل يمتد بهما العمر كهذين أمامه ليعيش معها حياة طبيعية متنعماً بهذا الحب الذي -تزعمه-؟!
أم أن دخولها حياته مجرد عاصفة ممطرة سيعود بعدها العمر لجديبه وقفره؟!
وعند خاطره الأخير لم يملك نفسه وهو يمد أنامله ليحتضن كفها الضئيل ...بينما يحرك ذراعه الآخر ليضم رأسها لكتفه برفق...
تململت وهي تفتح عينيها فجأة لترمقه بنظرة متسائلة بينما تحاول سحب كفها منه بارتباك اعتاده لكنه تشبث بيدها هامساً بحزم رفيق:
_عنيكي تعبانة...كملي نوم.
ترددت قليلاً وهي تسبل جفنيها بإرهاق لكنه مسد ظاهر كفها بإبهامه مردفاً:
_الطريق لسه طويل ...حاولي تنامي على أد ما تقدري.
تيبس جسده للحظات مترقباً ردة فعلها ليعود بعدها لارتخائه وهو يشعر برأسها يعود ليستكين على كتفه ..
ابتسم ابتسامة واهنة وهو يراقب ملامحها من علو بعدما انتظمت أنفاسها معلنة عودتها للنوم ...
أهدابها الكثيفة القصيرة التي التمع لونها في ضوء الشمس المنعكس من النافذة...أنفها الدقيق ...شفتاها الرقيقتان...وأخيراً أناملها المنمنمة التي استقرت في راحته ...
كل ما فيها دقيق ضئيل عدا قلبها الذي تضخم بحبه للحياة !
هنا حانت منه التفاتة نحو خاتمه "الملون" الذي كان هدية زفافهما والذي استقر في بنصرها الأيمن ...
الأيمن؟! ألا يفترض أن يكون في الأيسر؟!
نظراته تنسحب نحو بنصرها الأيسر الذي تركته دون خواتم ...ترى لماذا ؟!
عقله يصور له عدداً من الأسباب لكنه تخير منها ما يرضي غروره ...
إنها لا تريد وضع خاتمه في إصبع سبقه إليه خاتم رجل غيره!
ويبدو أن هذا التفسير أبهجه كثيراً ليجد نفسه يضمها لكتفه بحرص أكبر بينما عيناه تعودان للرجل والمرأة أمامه لكن..بنظرة راضية هذه المرة...
قبل أن يتنهد بارتياح وهو يسند رأسه إلى رأسها مرتشفاً إحساسه المستحدث معها ...
ب"الأمان"!
=======
_عجبتك الأوضة؟!
هتف بها متسائلاً وهو يستقر معها أخيراً في الغرفة التي خصصها لهما عمه في الطابق العلوي من بيته ...
غرفة رحبة لا تقل رحابة عن استقباله الحافل لهما وكأنه لقي ابنه الغائب منذ زمان ...هذا الاستقبال الذي رأت أثره واضحاً على وجه يامن الذي التمع بفرحة حقيقية غلبت قلقه الذي كان.
_عجبتني بس؟! دي مدهشة!
قالتها بحماستها الحيوية وهي تتفحص الغرفة الواسعة بأثاثها الأنيق رغم قدم طرازه...
لقد ظنت أنها ستجد بيت عمه أحد بيوت الفلاحين البسيطة التي تراها على التلفاز ، لكن البيت المكون من طابقين واسعين وتطل خلفيته على مساحة شاسعة من الحقول كان أجمل كثيراً مما تخيلت ...
لهذا اندفعت نحو النافذة الخشبية الكبيرة لتفتحها قبل أن تأخذ نفساً عميقاً وهي تملأ عينيها من اللوحة الرائعة أمامها حيث التحمت خضرة الأرض مع زرقة السماء على مد البصر ...
_فيه أجمل من كده ؟! أبسط وأجمل مكان رحته في حياتي!
غمغمت بها برضا حقيقي فتقدم نحوها ليضمها بذراع واحدة إلى كتفه وهو ينظر مثلها لما أمامه قائلاً بشرود:
_كنت فاكر إني هلاقي كل حاجة اتغيرت ...لكن بالعكس...كله زي ما هو ...
ثم أشار لساقية قديمة هناك في جانب قصيّ مردفاً بابتسامة حالمة :
_كنت بحب الساقية دي قوي ...بالليل كنت بشوفها بيت العفاريت أقعد أبص لها من بعيد وأنا خايف ولما كنت أصحى الفجر كنت أفضل أحدفها بالطوب كأني بطردهم منها...وأفضل أقرب منها بالراحة لحد ما ألمح نور الشمس بيلمع فوقها وأفتكر إني صحيح هزمت العفاريت .
ضحكت بانطلاق وهي تلتفت نحو جانب وجهه الذي تألق بشعور الحنين لتقول بنبرتها المرحة :
_خلاص ...يبقى نتغدى هناك النهارده ...نستأذن عمك ونسيبنا من جو الرسميات ده ونفرش على الأرض جنب الساقية .
_تموتي انتِ في قعدة الأرض.
قالها بنبرة حانية حملت الكثير من المرح وهو يلتفت نحوها برأسه لتضحك ضحكة رائقة سبقت همسها الدافئ:
_وبموت في أي حاجة تقربني منك .
التمعت عيناه ببريق خاطف كعهده كلما عبرت عن عشقها الجارف له لكنه لم يجد رداً سوى أن يضمها إلى كتفه أكثر متجاهلاً ذبذبات جسدها النافرة ...
هنا اتسعت عيناه قليلاً بترقب فحركته الأخيرة جعلت ياقة ثوبها الواسعة تنحسر تحت حجابها لتبدو منها ندبة كتفها التي يبدو أنها تثير حفيظتها والآن تثير جنونه!
لكنها كانت غافلة عن هذا بشرودها في الفضاء أمامها وهي تقول :
_بس تعرف رغم إني بحب دايماً قعدة الأرض لكن مش كل مكان يشبه التاني...مثلاً قعدتي على الأرض قدام سرير ماما الله يرحمها وأنا بحكيلها أخبار يومي غير قعدتي على الأرض في أوضتي لوحدي...قعدتي على رمل البحر غير قعدتي على جنينة بيتك...كل أرض بيبقى لها إحساس تاني وكلام مختلف...
كان بالكاد ينتبه لكلماتها وعيناه تختلسان النظر لندبتها المستفزة هناك...
وسط بياض بشرتها الناصع تبدو هي هناك كوصمة داكنة لم تنل من جسدها فحسب بل من روحها كذلك...
ليجد نفسه يضمها إليه بقوة أكبر بينما يسألها فجأة:
_ليه كنتِ بتيجي ورايا في كل مكان أروحه رغم إنك ماكنتيش بتحاولي تكلميني؟!
فأطرقت برأسها لتغمغم بنبرتها الدافئة:
_مش بس عشان أطمن عليك...لكن عشان كمان كنت بدور على نفسي القديمة...فيه ناس غصب عنك بياخدوا جزء من تاريخك...ماضيك الحلو بتلاقيه مرسوم على جبينهم...لما بشوفك بحس إن عمري ماعداش وإني لسه بنوتة بضفيرة طويلة مستخبية ورا كتاب وبتبص عليك وهي مكسوفة...
ثم تحشرج صوتها رغماً عنها مع استطرادها:
_وكأن مفيش حاجة فيّ اتغيرت ولا اتكسرت!
الحزن الذي اعتصر عبارتها الأخيرة زلزل قلبه بطبيعته الحمائية كالعادة مدركاً ما تقصده بماضيها البائس فهتف بحدة لم يقصدها:
_عمل فيكِ إيه؟!
انتفضت فجأة للسؤال لتشحب ملامحها بينما لم يشعر بنفسه وهو يكاد يعتصرها بين ذراعيه مردفاً بنبرة أكثر حدة :
_ليه مش عايزة تقوليلي؟! اشمعنا دي بتخبيها عني؟!
فاضت عيناها بالدموع مع ارتجافة شفتيها وهي تحاول التملص من ذراعيه لكنه لم يفلتها بل كاد يخفيها في صدره وهو يعتصرها بين ذراعيه أكثر وعيناه تتشبثان أكثر بندبتها التي لا تزال تتحداه بمشهدها الصارخ هناك ...
لهذا أغمض عينيه بقوة وهو يغطيها بنفسه بوشاحها الذي شد طرفه ليستر ماظهر منها بينما كانت هي غافلة تماماً عن كل هذا ...
حتى رفعت إليه عينيها أخيراً لتهمس له بصوت مختنق:
_عشان أنا مش عايزة افتكر وعشان انت مش هتصدق...لو حكيتلك هتقول إني بحاول أصعب عليك واني بدات خطة مقصودة عشان أعلقك بيّ ...طبيعتك الشكاكة لحد دلوقت مش مصدقاني ...مالوش لازمة نقلب في ماضي مش هينفع حد .
عقد حاجبيه بشدة وهو يشعر من جديد بالعجز أمامها ...وكيف لا؟! وهي تفهمه بهذه الدرجة؟!
ماذا عساه الآن يفعل؟!
هل يخبرها -كاذباً- أنه يصدقها...يثق بها...يأمن لكل ما ترويه ؟!
أم يكتفي منها بهذا الذي تمنحه بسخاء ودون مقابل ؟!
_الغدا جاهز يا دكتور.
هتاف الخادمة من الخارج قطع أفكاره فتنهد بحرارة وهو يبعدها عنه ليشيح بوجهه قائلاً :
_لو تعبانة ممكن تستريحي شوية ونأجل الغدا.
لكنها صمتت مطرقة لبضع لحظات ثم تمالكت نفسها لتقول بمرح مصطنع:
_بتهزر؟! ده أنا هاموت والحق الغدا هناك عند الساقية قبل الشمس ما تغيب ...ماتخافش مش هاعمل ضيفة ...هانزل وأساعدهم ننقل الحاجة هناك ...مراة عمك ست سكرة ومش هترفض لي طلب .
قالتها لتختفي من أمام عينيه سريعاً كي تنفذ ما قالته تلاحقها نظراته التي ما عاد يملك تعلقها بها ...
قبل أن يزفر بقوة وعيناه تنسحبان من جديد نحو النافذة لتستريح ظنونه قليلاً على واحة من ذكريات ماض بعيد ...
وأخيراً ترتسم على شفتيه ابتسامة حقيقية وهو يميز قامتها الضئيلة هناك جوار الساقية القديمة تلوح له بكفها بانتصار وقد بدت وكأنها نجحت في إقناعهم بتناول الطعام هناك ...على الأرض!
======
_عجبك الأكل يا عروسة؟!
قالتها زوجة عمه بلكنتها المحببة وهي ترمق ياسمين بنظرات إعجاب واضحة فابتسمت الأخيرة بود لتقول بنبرتها الحماسية كالعادة:
_هو فيه أحلى من كده ؟! عمري ما أكلت بنفس مفتوحة زي النهارده !
كان الأربعة يفترشون مفرشاً عريضاً على الأرض جوار الساقية القديمة وقد أخذت الشمس رحلتها للغروب صابغة السماء بتلك الألوان الدافئة المحببة ، وقد بدأت أسراب الطيور رحلتها للعودة بمشهد جمع بين الشجن والسكينة ...
هذا الذي ملأه هو بشعور خاص وهو يشعر وكأنما تغتسل روحه بكل هذه البساطة والصفاء اللذين افتقدهما منذ عهد بعيد ...
ابتسامته تتسع على شفتيه وهو يستمع لثرثرتها -الحيوية- مع زوجة عمه وكأنما يعرفان بعضهما منذ عهد بعيد ...
هذه الثرثرة التي تدخل فيها ليقول بنبرته المرحة التي حملت الكثير من الفخر:
_ما تتغروش بشكلها الخواجاتي ده ...ياسمين طباخة ممتازة وفاتحة مطعم كبير في القاهرة.
أصدرت زوجة عمه صيحة استحسان وهي تربت على كتف ياسمين التي التفتت نحوه بنظرة امتنان وقد سرّها حقاً أن يمتدحها هكذا بينهم ...
ربما كانت هذه إحدى ميزاته التي اكتشفتها فيه بمعاشرته...أنه مهما كان بينهما يرفع قدرها دوماً أمام الآخرين ...
ميزة خاصة لا تتوافر لدى الكثير من الرجال !
ويبدو أن الخاطر الأخير قد حمل لها ذكرى بائسة من ماضيها فقد تغيرت ملامحها فجأة بعدها لتطرق برأسها في حركة لم تخفَ عليه ...
لكن عمه تناول دفة الحديث بقوله :
_ما أكلتش حاجة يا دكتور ...قسماً عظماً مافي حاجة راجعة من الأكل ده !
هتف بها بلكنته القروية وهو يضع له قطعة من "بطة مشوية" مع زوج من الحمام المحمر في طبقه بيده العارية فاتسعت عينا ياسمين بترقب وهي تراه يتناول الطعام دون تحفظ توقعته مع طبيعته الوسواسية !
وما كادوا ينتهون من الطعام حتى هتفت زوجة عمه وهي تنهض بخفة لا تتناسب مع ثقل وزنها:
_شاي الخمسينة وقت العصاري ...كان مزاج عندك زمان يا دكتور ...فاكر؟!
ضحك يامن بخفة وهو يشعر بود حقيقي نحو المرأة التي لم تنسَ هذا رغم مضيّ كل هذه السنوات ليكمل له عمه الفكرة بقوله وهو يربت على كتفه:
_انت عارف إن ربنا ما أرادش لنا الخلفة ...طول السنين دي وأنا بتمنى ترجع هنا لأرضك وناسك...أبوك الله يرحمه كان له تفكير تاني...ياما غلبت أفهمه إن اللي بيعمله كان غلط ...لكن هو كان دماغه ناشفة...والظاهر إنك ورثت ده منه .
_الله يرحمه !
تمتم بها يامن باقتضاب وهو يطرق برأسه لتهتف زوجة عمه وهي تعاون الخادمة في جمع بقايا الطعام:
_مالوش لازمة الكلام ده دلوقت يا حاج...الدكتور شكله تعبان من السفر والمهم أنه رجع يزورنا...ده احنا الفرحة مش سايعانا والله .
_ما بلاش "الدكتور" دي يا عمة...هو أنا هاكبر عليكم واللا إيه؟!
قالها يامن بابتسامة حنون فربت عمه على كتفه ليقول بفخر أبوي:
_لو ماكناش نفرح واحنا بنتباهى بيك ...هنفرح بمين؟!
التمعت عينا يامن بعاطفة التقطتها عينا ياسمين بخبرتها به لتبتسم بحنان وهي تشعر بأن هذه الزيارة قد آتت ثمارها حقاً...
خاصة عندما أردف عمه بنفس الفخر:
_ولاد أعمامك كلهم عايزين يسلموا عليك...بس أنا أجلتها لبكرة بإذن الله عشان تكون ارتحت...حاكم دول هيصدعوك ...أنا عارفهم!
ضحك يامن ببشاشة وهو يرد عليه بما يليق بينما ظلت ياسمين تتابع حديثه مع عمه وزوجته بعينين راضيتين حتى تناولوا جميعاً الشاي بنكهته المحببة ...لينتهي الحوار بسؤال عمه الذي بدا عارضاً:
_وإزاي الست والدتك ؟! صحتها كويسة؟!
تغيرت ملامح يامن الراضية لأخرى متحفزة وكأنما يحاول أن يفهم ما يقصده عمه من سؤاله لكن ياسمين التقطت طرف الحوار لتجيب هي بذكاء:
_الحمدلله يا عمي...من ده على ده ...حضرتك عارف مفيش حاجة بتفضل على حالها .
ابتسم الرجل بفطنة متفهماً جوابها المحايد ليعود مخاطباً يامن بقوله:
_مراتك شكلها "بنت أصول" ...ربنا يبارك لكم.
ظلت ملامح يامن على تحفزها لبعض الوقت قبل أن تلين رويداً رويداً مع انسحاب الحوار لجوانب أخرى حرصت ياسمين أن تجعلها أكثر مرحاً ...
قبل أن تلكز زوجة عمه رجلها بحركة ذات مغزى جعلته يقوم من مجلسه قائلاً بنفس النبرة الودود:
_نسيبكم تاخدوا راحتكم شوية على ما نخلص أنا والحاجة شوية شغل جوه!
اتسعت ابتسامة ياسمين وهي تراقب انصرافهما شاعرة لهما بالامتنان لهذه الخلوة لها معه في مكانه المفضل وفي هذا الجو الدافئ ...
قبل أن تعود ببصرها نحوه لتقول بحنان :
_أكلت على الأرض ومن غير تحفظاتك كالعادة...مش ملاحظ إنك بتنسى كل وسوستك لما بتحكّم قلبك وبس؟!
اتسعت عيناه للحظة من ملاحظتها قبل أن يبتسم وهو يقترب بجلسته منها بينما هي تستطرد بنفس النبرة:
_هو ده الفرق بيننا ...انت عيان ب"عقلك" وأنا عيانة ب"قلبي"...لو بطلت تفكر زيادة هترتاح وأنا كمان لو ...
انفرجت ابتسامته وهو يضع سبابته على شفتيها مقاطعاً وكأنما لم يعجبه ما ستنطق به ثم فاجأها بأن ألقى رأسه على حجرها وهو يمدد جسده أمامه باسترخاء تام صاحب آهة عميقة !
_تعبان؟!
تمتمت بها بقلق حان ليجيبها :
_بالعكس...مرتااااح جداً.
همس بها مغمض العينين وهو يشبك ساعديه على صدره فتلفتت حولها تتأكد من خلو المكان ثم امتدت أناملها تداعب خصلات شعره التي يحرص أن يطيلها دوماً بما يمنحه مظهراً عابثاً هو أبعد ما يكون عنه ...
لتهمس له بعاطفتها التي تصبغ كل كلماتها بلون خاص بها:
_شفت بقى إن خوفك من الزيارة مكانش في محله ؟! ساعات كتير بنلاقي نفسنا بنهرب من حاجات لو ادينالها الفرصة هنلاقي فيها فرحتنا .
أصدر همهمة راضية ولازال مغمضاً عينيه ليرد بشرود:
_تعرفي؟! مش عايز أفتح عيني...عايز الزمن يقف هنا...تفضل نفس الصورة في بالي ما تتغيرش...الساقية...الزرع...لون السما...ضحكة عمي...طعم الشاي...و...انتِ!
هيئ إليه أنه قد سمع صوت خفقات قلبها الراضية بما يقول وإن حافظت على صمتها بينما أصابعها تعزف لحن عشقها الخاص بين خصلات شعره ليردف بعد صمت قصير:
_آخر مرة جيت هنا كان من زمان قوي ...زيارة "صدّ ردّ" زي ما كان الحاج بيسميها...كنت فاكر إنهم نسوا كل حاجة عن نبيلة ...لكن يومها سمعت مراة عمي بتقولله : إحنا هنموت على حتة عيل وناس ترمي ضناها وتروح تجري ورا المسخرة ...ماخدتش بالها إني سمعتها ويمكن أنا كمان حاولت أنساها ...مش عارف إيه اللي فكرني دلوقت !
مدت كفها الحر لتضعه على ساعديه المتشابكين على صدره هامسة:
_عارف إيه مشكلتك ؟! إنك ردمت على النار من غير ما تطفيها ...ليه ما حاولتش تقرب لوالدتك ...تعاتبها...تفهم منها سبب اللي عملته ...مش هاقوللك عشان تسامحها بس على الأقل تفهمها .
فابتسم ساخراً دون أن يفتح عينيه مع قوله:
_أعاتبها ؟! العتاب بيكون لحد قريب وأنا عمري ما حسيتها قريبة ...زمان وأنا صغير لما كنت بشوفها في التلفزيون وجنبي حد كنت بقلب بسرعة وكأني عامل عملة...بس لما كنت ببقى لوحدي ...
صمت طويلاً بعدها حتى ظنته لن يكمل عبارته لكنه استطرد بنبرة متثاقلة:
_كنت بحضن الشاشة على صورتها ...أتخيلها بتكلمني أنا...بتضحكلي أنا...لكن ثواني وكان بيظهر حد تاني في الكادر قدامها يفوقني ...كأنه بيقوللي انت مش مهم...مش موجود ...لحد ما بطلت أتفرج عليها حتى في السر...لكن اللي حواليا مابطلوش يجيبوا سيرتها...عارفة يعني إيه أبقى في ثانوي وألاقي زمايلي بيتكلموا على صورها وأخبار آخر مشاهدها ؟! وقتها كان بيبقى نفسي أتخانق معاهم وأقطع كل صورها اللي في إيديهم ...بس كنت بخاف حد يحس ولو من بعيد إني أعرفها ...وإنها أمي.
دمعت عيناها عاجزة عن الرد بينما عاد هو يبتسم بنفس السخرية السوداء مردفاً:
_تعرفي السؤال الوحيد اللي نفسي أسأله لها إيه؟! يا ترى إيه الثمن اللي أخدته هي وكان يستاهل تعمل فينا كلنا كده ؟! أبويا لحد ما مات كان بيحبها ...ماقالهاش بلسانه اللي كان بيلعنها كل ما تيجي سيرتها لكن كنت بشوفها في عنيه اللي ماكسرهاش غيرها هي...
ابتلعت غصة دموعها بصعوبة وهي تخشى مقاطعته بأي شيء يفسد عليه صفاء بوحه هذا الذي أكمله بنفس الحسرة الساخرة:
_ومع ذلك لما ظهرت تاني في حياتي ماقدرتش أطردها منها...لا قدرت أبعد ولا قدرت أقرب ...لا عرفت أبقى ابن عبد الرحيم الفلاح أبو دم حامي ...ولا الدكتور المتحضر اللي كمل دراسته في انجلترا واتجوز هناك...ولسه برقص على الحبل مستنيه يتقطع يمكن ساعتها أرسى على بر.
هنا شدت بكفها على ساعده بقوة لتهمس له بحرارة :
_ياريتني ساعتها كنت معاك .
فتح عينيه أخيراً ليلتقط نظراتها الصارخة الآن بمشاعرها مع استطرادها:
_ماقدرش أقوللك إني عندي الحل لكل مشاكلك...لكن اللي أقدر أوعدك بيه إني هاكون جنبك لما تحتاجني...في أي وقت ومهما حصل بيننا...سواء كنت معاك أو لا...عايزاك تعرف إني بحبك أكتر من أي حاجة ومن أي حد .
اللهفة الحارة التي كانت تتحدث بها حملت صدقها لقلبه بأقوى ما يكون فعاد يغمض عينيه بتأثر أساءت هي فهمه لتردف بصوت مرتجف:
_عارفة إنك لسه مش عايز تصدقني...زي ما أنا عارفة إني ممكن أخرج من حياتك في أي لحظة...بس لو ماعملتش حاجة أكتر من إني أخلليك تصدق إني بحبك بجد...إني أرجع لك إيمانك بنفسك وبالناس ..أهزم وساوسك...وأبقى الحاجة الوحيدة اللي انت ما بتشكش فيها صدقني كفاية عليّ .
صمت صاخب بالمشاعر سادهما بعدها قبل أن يفك ارتباط ساعديه على صدره ليحتضن كفها وهو يفتح عينيه سامحاً لنظراته بقول ما عجز عنه لسانه ...
هذا الذي وصلها صادقاً لتجيبه بابتسامة عاد إليها مرحها وهي تقول بنبرتها الحيوية:
_على خدك رمش واقع...اتمنى أمنية ولو قلت هو فين يبقى هتتحقق!
ضحك بخفة لهذه الدعابة المشهورة وقد قرر الاستجابة لها ثم أشار بسبابته نحو وجنته اليمنى قائلاً:
_هنا؟!
_صح...قل لي بقى اتمنيت إيه؟!
رمقها بنظرة عميقة ثم تهرب من الإجابة بقوله المراوغ والذي حمل بعض المرح:
_أنا بتكلم من الصبح ...قولي انتِ بتتمني إيه ...الميكروفون مع حضرتك!
_ممممم...طول عمري نفسي ألعب كرة سلة بس ...احم...طولي ك"نخلة" ما سمحش!
ضحك ضحكة صافية وهو يرفع عينيه إليها ليقول مشاكساً:
_آدي أول أمنية طلعت مستحيلة...اللي بعده!
ابتسمت بشرود وأناملها تعاود العبث بخصلات شعره :
_عايزة أتبنى طفل.
انتفض فجأة من رقاده بما أجفلها ليسألها بدهشة:
_وليه تتبنيه؟!انتِ عندك مشكلة في الموضوع ده ؟!
_حاجة زي كده .
قالتها مطرقة برأسها وقد انطفأت ملامحها فجأة فعادت شكوكه توسوس له بشأنها ...
ألهذا طلقها زوجها ؟! هل اكتشف مثلاً أنها كانت تعلم قبل الزواج وخدعته بإخفاء الأمر عنه ؟!
نعم...هذا هو السبب المنطقي الذي يجعل أي رجل يفقد صوابه ليعامل امرأة كهذه بتلك القسوة؟!
هنا اجتاحه غضبٌ هادر وهو يعتدل بجسده في مواجهتها ...
غضبٌ منها ...ولأجلها!
جزء منه يشفق على حرمانها من عاطفة كهذه ...لكن الجزء الغالب بطبيعته الوسواسية جعلته يغضب لنفسه أكثر:
_وليه ما قلتليش قبل كده ؟!
_هتفرق في إيه؟! أظن حاجة زي دي مش هتأثر على خطتك مع سيلين.
قالتها بنفس النبرة المنطفئة ولازالت مطرقة برأسها ...
انهزامها الغريب هذا عن طبيعتها المتألقة زاد غضبه أكثر فأمسك ذراعها ليقول بحدة مكتومة:
_برضه كان من حقي أعرف ...عشان..
قطع عبارته وقد عجز عن إيجاد رد منطقي لكنها تحررت من ذراعه ثم نفضت ثوبها لتقوم واقفة ثم تحركت لتعطيه ظهرها قائلة بنفس النبرة :
_عشان إيه ؟! هتفرق إيه ؟! دوري في حياتك انت اخترته وأنا وافقت عليه ...يمكن لو كنت عرضته عليّ في أي فترة من حياتي غير دي كنت رفضته ...ويمكن بعدين أندم عشان رضيت بيه...لكن القدر اختار الوقت المناسب عشان أقدر أدخل حياتك من غير مااتحمل فوق طاقتي.
ازداد انعقاد حاجبيه للحظات ثم وقف بدوره ليقترب منها وهو يبحث عن كلمات تصلح للرد ...
لكنها استدارت نحوه لتتلفت حولها قائلة بصوت خفيض:
_ياللا نمشي الدنيا ضلمت...المكان بقى يخوف .
زفر بقوة وهو يشعر أن عبارتها تبطن أكثر مما تظهر ...
قبل أن يسير جوارها صامتاً وهو يشعر أنه يدور معها في دوامة لم يعد يفهمها ولم يعد يأمن مكرها ...
دوامة تبتلعه بشعور يأبى تصديقه ...لكنه يخطف بصره وقلبه بنور تشتاقه ظلمات روحه ...
لهذا مد أنامله يتناول كفها بقوة كانت هي تحتاجها في هذه اللحظة وما كاد يشعر بتشبث كفها بيده حتى تنهد بحرارة وهو يرفع رأسه للسماء التي اختنقت بظلمتها لولا نجمة بعيدة بدت وكأنها تناديه ...
أنا وسط الظلام دليلك...فلا تضيعني!
=========
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!