تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثالث» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت الجلسة مرحة و ممتعة و زادت أكثر في بهجتها بقدوم العروسين معًا، حيث التفت الفتيات الصغيرات حول "خلود" و كذلك الصبية حول "عمار" الذي جلس هادئًا كعادته يوزع الابتسامات البشوشة لكل من ينظر له، بينما "خلود" فكانت كلما يلتقي وجهها بوجهه، تشاكسه بملامحها و تعبيرات وجهها و تتصنع البراءة وسط الصغار، فيما يحاول هو جاهدًا كتم ضحكته عليها. اقتربت منها "فاطيما" تقول بضجرٍ لا يتناسب مع طفولتها: خالتو خلود، يزن و جاسمين فضلوا بغيظوني علشان أنتِ ساكنة معاهم، ليه مش ساكنة معايا أنا كمان ؟!" حملتها "خلود" عل...
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الأول 1 - بقلم شمس بكري
كانت الجلسة مرحة و ممتعة و زادت أكثر في بهجتها بقدوم العروسين معًا، حيث التفت الفتيات الصغيرات حول "خلود" و كذلك الصبية حول "عمار" الذي جلس هادئًا كعادته يوزع الابتسامات البشوشة لكل من ينظر له، بينما "خلود" فكانت كلما يلتقي وجهها بوجهه، تشاكسه بملامحها و تعبيرات وجهها و تتصنع البراءة وسط الصغار، فيما يحاول هو جاهدًا كتم ضحكته عليها.
اقتربت منها "فاطيما" تقول بضجرٍ لا يتناسب مع طفولتها:
خالتو خلود، يزن و جاسمين فضلوا بغيظوني علشان أنتِ ساكنة معاهم، ليه مش ساكنة معايا أنا كمان ؟!"
حملتها "خلود" على قدميها و هي تقول بنبرةٍ هادئة و كأنها نزلت لعمر التي تحدثها:
يا فاطيما يا روح قلبي هما بيغيظوكي و خلاص، إنما أنا مش بتحرك و مش بشوف حد، حتى هما، أوعدك هخلي عمو عمار يجمعكم كلكم عندنا و نبات مع بعض"
سألتها "جاسمين" بلهفةٍ بعدما تدخلت في الحديث:
بجد ؟! طب و عمو عمار هنعمل فيه إيه ؟!"
ردت عليها "زينة" أبنة "ياسر" بعدما تدخلت هي الاخرى:
يروح يبات عند عمو عامر أو عند جدو فهمي"
قالت "خلود" تفكر في الحديث و كأنها تُقلبه في رأسها:
أو ممكن نخليه يبات في الشغل علشان لو احتاجنا حاجة ؟!"
ردت عليها "نغم" تُشفق عليه:
حرام يا خالتو !! عمو عمار طيب أوي"
تدخل "عمار" يقول مُهللًا:
روحي ربنا ينصرك على من يعاديكِ، تصدقي بالله ؟! أنا هطرد خالتك و اكتبلك الشقة باسمك"
أرسلت له "نغم" قبلة في الهواء فبادلها هو القبلة بأخرى من جهته وسط ضحكات البقية عليهم جميعًا، بينما "جاسمين" تحركت تجلس بجوار "وليد" تُشير له كي ينخفض لمستواها حتى امتثل لمطلبها فقالت هي بنبرةٍ هامسة:
عاوزة أروح معاك تاني"
رد عليها هو بنفس طريقتها و نبرتها الهامسة بسخريةٍ:
ليه ؟! مش أنا عيالي محدش رباهم ؟؟ تيجي تعملي إيه عند واحد عياله متربوش ؟؟"
_"علشان أربيهم"
حركت كتفيها و هي تجاوبه ببساطةٍ بتلك الجملة التي جعلته يعض شفته السفلى بغيظٍ ثم أمسك خصلاتها يَلُفها على يده حتى توجهت الأبصار جميعها نحوهما فسأل "طه" بنبرةٍ جامدة:
أنتَ بتعمل إيه في البت يالا ؟"
رد عليه بضجرٍ:
بربيها، الأشكال دي عاوزة تتربى"
ابتعدت عنه هي ثم قفزت عليه تقبله عُنوةً عنه و تدخل أناملها الصغيرة في ظهره أسفل قميصه حتى ضحك هو بملء شدقيه و هو يقول من بين ضحكاته:
خلاص....خلاص يخربيت أهلك"
ابتعدت عنه تلهث بقوةٍ ثم ارتمت بين ذراعيه تتعلق به بدلالٍ طفولي فتحدث "عامر" شامتًا بالأخر:
مش كان نفسك في بنوتة ؟! أشرب بقى، وريني هتسد ازاي"
احتواها "وليد" بكلا ذراعيه ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما طبع قُبلة على قمة رأسها:
دي نور عيني دي، أعيش و أدلعها، كل ما بشوفها بشوف خلود و هي صغيرة، نفس حركاتها"
ابتسمت "خلود" له فيما سأل "عمار" باهتمامٍ عند ذِكر اسمها وكأن سؤاله عفويًا:
هي خلود من يومها شقية ؟؟"
رد عليه "طارق" بنبرةٍ ضاحكة:
قصدك من ساعتها، أنا نفسي كنت بنفذ طلباتها ليها من غير تفكير، محدش يقدر يزعل خلود هنا"
حمحمت "خلود" بقوةٍ ثم قالت بحديث يحمل رسالةً مُبطنة:
خلاص يا شباب ألف شكر"
ضحك الجميع عليها و خصوصًا "عمار" الذي ابتسم لها بعدما توقفت ضحكاته، بينما تحركت "رؤى" تجلس بجوار "مريم" زوجة "عبدالرحمن" و هي تسألها ببراءة الأطفال:
هو أنتِ ليه مش عملتي فرح زي خالتو خلود ؟! مامتك مش راضية ؟!"
ردت عليها "مريم" بنبرةٍ ضاحكة:
لأ والله راضية أوي، بس لسه الشقة بتتوضب، بعد العيد الكبير الفرح إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً ثم سألتها بلهفة طفولية:
يعني هنلبس الفساتين البيضا تاني ؟! و هنروح الفرح ؟؟"
حركت رأسها موافقةً فيما اقترب "يزن" يجلس بجوار "عبدالرحمن" و هو يقول بمشاكسىةٍ و عبثٍ:
على فكرة أنا مش ناسي إنك هتخليني ظابط لما أكبر، اوعى تكون بتكدب !!"
قالها مُحذرًا و هو يُشهر بسبابته في وجهه بينما "عبدالرحمن" رد عليه بنبرةٍ ضاحكة بعدما جذبه نحوه:
عيب عليك يا معلم، أنا وعدتك خلاص، ذاكر أنتَ بس و أنا هخليك أجمد ظابط في الدنيا كلها"
تدخلت "فاطيما" تقول بحيرةٍ طفولية:
إزاي و أنتَ مش ظابط ؟! مش أنتَ دكتور زي عمو عمار ؟!"
قبل أن يرد عليها و يجاوبها تدخلت "جاسمين" تقول بسخريةٍ:
يعني هيخلي يزن ظابط و هو دكتور أصلًا ؟! طب ما كان هو بقى ظابط و خلاص"
انتشرت الضحكات بصوتٍ عالٍ بعد حديثها و هي تبتسم بخبثٍ لا يُلائم عمرها الصغير فيما رفع "عبدالرحمن" صوته و هو يقول بغيظٍ من هؤلاء الصغار:
انتوا هتحلووا عليا ولا إيه ؟! طب زودوا علشان أمنع دخولكم الفرح خالص، أنا بتلكك أصلًا"
رد عليه "حسن" بلهفةٍ:
طبعًا أنا ماليش دعوة بالعيلة دي، أنا بريء منها"
رد عليه "علي" مُسرعًا:
خدني معاك"
عمت السخرية في الأجواء من جديد و اختلفت الأوضاع من بين صامتًا يشرد في الأخر و بين متجاهلًا رغمًا عنه، و بين زوج من الأعين يراقب البقية مع بعضهم.
_________________________
عادوا جميعهم إلى مساكنهم بعد العزيمة أخيرًا و انتهاء جلستهم المرحة و لم يكن الوقت متأخرًا للغاية، بل في مقدمة حلول الليل.
أسفل منازل الشباب توقفوا جميعًا كعادتهم يودعون بعضهم و بعد مشاكسات الصغار لبعضهم أيضًا نوىٰ "عمار" الصعود لشقته فتفاجأ بـ "خلود" تمسك يده تسحبه نحوها و هي تسأله بنبرةٍ جامدة:
إحنا رايحين فين إن شاء الله ؟!"
رد عليها مُردفًا ببلاهةٍ:
طالعين بيتنا"
ردت عليه هي مُسرعة:
لأ انسى !! إحنا عرسان جداد و هنروح نتمشى سوا شوية، و من غير نقاش لو سمحت"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
يا خلود أنا عاوز أنام و دماغي وارمة، تعالي بس نطلع فوق و أنا هفرحك"
نظرت له بشكٍ فيما سحبها هو نحو الداخل يقف أمام المصعد دون أن يترك لها الفرصة حتى تُدلي باعتراضها، فقط وقف ثابتًا يضغط بكفه على كفها حتى وصلا لشقتهما.
كانت هي متذمرة الملامح و التبرم يظهر عليها بوضوحٍ بينما هو التفت لها يضع ذراعيه على كتفيها و هو يقول بصوته الرخيم:
قوليلي عاوزة إيه و نعمله هنا سوا ؟! و مش هسيبك و أنام"
نظرت له بتمعنٍ في وجهه و سرعان ما تحولت نظرتها إلى الخبث دون أن تتكلم.
بعد مرور دقائق كان "عمار" واقفًا في المطبخ و هي بجواره تراقبه أثناء تجهيزه للطعام، أما هو ففاجئها بسرعة تحركه و كأن متمرس في تلك الهواية، لذا سألته هي بانبهارٍ:
هو أنتَ إزاي يا عمار بتعرف تطبخ و مقولتليش ؟!"
رد عليها بزهوٍ يفخر بنفسه:
دا سر من أسرار شخصيتي، يهمك في إيه بقى ؟!"
حركت رأسها باستنكارٍ فيما قال هو بنبرةٍ مرحة يُسرد باقي تفاصيله:
اتعلمته يا ستي من ياسين لما كنا بنروح عند ميمي، و بعدها لما عامر اتجوز ماما ساعات كانت بتتعب و بابا بيحتاج أكل في المحل، اتعلمت كذا حاجة كدا سريعة منهم الكبدة دي الاسكندراني"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فيما تابع هو بقوله:
بقيت بقى بعرف أطبخ و أساعد الحجة سيدة في البيت، أصلها مجابتش بنات"
اقتربت منه تقول بلهفةٍ:
أنا بنتها أهو، مامتك طيبة اوي و أكيد زعلانة إنك سيبتها بعد عامر أنتَ كمان، ممكن نبقى نروح هناك و نقعد معاهم و أنا لو أنتَ في الشغل هروح اقعد معاها و تيجي تاخدني إيه رأيك ؟!"
سألها بتعجبٍ غلف نبرته و نظراته:
بجد ؟! مش هتضايقي ؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ قاطعة:
مستحيل طبعًا، بالعكس أنا هفرح أوي، خصوصًا يعني لو....لو دا هيفرحك أنتَ"
قالتها بشيءٍ من الخجل جعله يقربها منه يسألها بنبرةٍ هامسة:
قولتي إيه ؟!"
ردت عليه بثباتٍ يتنافى مع خجلها الذي لم يَدُم طويلًا:
بقولك لو دا هيفرحك هعمله، هو أنا بتكلم تركي ؟؟"
سألها هو بثباتٍ:
بتحبي التركي أنتِ يا خوخة ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم شردت بهيامٍ و هي تبتسم بحالمية في أحلامها الوردية فيما رفع هو حاجبه بخبثٍ ثم اقترب من أذنها يهمس فيها بقوله بِـ لُغتها المفضلة:
Seni seviyorum,
Kholoud"
بحبك يا خلود"
شهقت هي بفرحةٍ و فرغ فاهها و هي تطالعه بصدمةٍ ألجمتها، فيما قال هو من جديد بنفس اللُغة:
Benden ayrılığın benim hastalığımdı ve yalnız senin yakınlığın benim ilacım
كَانَ فُراقكِ عَني دَائيِّ و قُربكِ وَحدهُ هُو دَوائيِّ"
قالها باللغة التركية ثم فسرها باللغة العربية الفصحى و هو يحتضنها بنظراته و هي كذلك بفرحةٍ لمعت في عينيها، فقال هو بصوته الرخيم:
لما عرفت إنك بتحبي التركي خليت ولد في ألسن بياخد مننا العلاج في الصيدلية لجده يعلمني أقولك كدا"
سألته بتعجبٍ نتج عن غرابة الموقف حتى خرج صوتها مُتحشرجًا:
علشاني ؟؟ خليته يعلمك علشاني ؟"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
علشانك و علشان تكوني مبسوطة، صحيح أنا مش تركي و مش ملون، بس محسوبك مصري و أبو الرجولة كلها، و من رجولتي بقى إنك تكوني معايا مبسوطة و في أمان"
تعلقت برقبته بعفويةٍ و دموعها تنهمر على وجنتيها لم تصدق حلاوة ما تشعر به معه، بينما هو ابتسم بسعادةٍ نتيجة حركتها تلك التي تفعل دومًا، و للحق تأكد هو أنها أبلغ منه في التعبير عما تريد، فبتلك الطريقة أو بأخرى تُثبت له أن أمانها دومًا بجواره هو، أما "عمار" فتأكد أن نتيجة صبره و حبه الحلال، يحضتنها بين يديه كما تعانق السماء القمر و يحاوطهما النجوم في ليلةٍ صافية.
_________________________
كانت "سلمى" غافيةً في غرفتها و هي تشعر بالوخم و الوهن بسبب حملها، بينما "أحمد" أخذ "ليلى" و جلس معها في الشُرفة على المقعد و هي على قدمه تلعب بلعبتها الصغيرة و تداعبه بين الحين و الأخر حتى غفيت على ذراعيه و كذلك احتواها هو بذراعيه مُضللًا عليها.
خرجت "سلمى" من الغرفة بعدما شعرت بالفراغ من حولها و الصمت يعم المكان، فاقتربت من الشرفة ظننًا منها أنهما مستيقظان لكنها تفاجأت بهما في ثُباتٍ عميق، تنهدت براحةٍ ثم جلست على المقعد المقابل لهما تبتسم بهدوء و هي تقارن بين "أحمد" الطائش القديم و بين ذلك الرجل الناضج الذي يجلس حاملًا ابنته بين ذراعيه.
ابتسمت "سلمى" و تذكرت صبره و قتاله لأجلها و كيف تحمل مصاريف دراستها دون أن يلجأ لأي معاونات خارجية، حتى من والده، كان أكثر الشباب عملًا و محاربةً و جِدًا، لمعت العبرات في عينيها و هي تتذكر ما مر عليهما أثناء تخرجها.
(منذ سنواتٍ قليلة)
في العام الثاني من أعوام دراستها بعد زواجها شارفت الاختبارات على القدوم و أعلنت الكلية عن بدء الامتحانات دون أن تعلم "سلمى" بذلك، فقد تفاجئت بموعد الاختبارات دون أن تحصل على ما يساعدها في مذاكرة دروسها، جلست على الأريكة تهز قدميها و هي تفكر في الحل، و كعادته دلف من العمل متأخرًا، فوجد ملامحها باهتة و القلق يخيم عليها، سألها باهتمامٍ:
مالك يا سلمى ؟! حصل حاجة زعلتك ؟! فيه حد ضايقك ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بتوترٍ:
الجدول نزل و اتفاجئت بالامتحانات يا أحمد، مجيبتش ملازم و قولت المحاضرات معايا و خلاص، بس اللي حصل أني اتفاجئت، المحاضرات مش كفاية"
ابتسم هو لها ثم سألها بسخريةٍ:
يا عبيطة ؟! هو دا اللي قالب وشك كدا ؟! أنا قولتي الأكل اتحرق ولا حاجة، و ساعتها كنت هروح اوصلك عند أبوكِ"
طالعته بدهشةٍ من حديثه، بينما هو أبتسم لها ثم أخرج هاتفه يطلب رقمًا لم تعرفه هي حتى وصله الرد و استمعت هي للمكالمة بعد ضغط هو على مكبر الصوت؛ ليصله صوت "عمار" يقول بنبرةٍ هادئة:
أبو حميد الغالي متقلقش، طلبك جهز و بكرة هيوصلك متخافش، حتى اللي لسه هينزل نسختك محفوظة منه"
رد عليه "أحمد" براحةٍ ظهرت في نبرته:
الله يباركلي فيك و ينجحك و يرزقك باللي بتتمناه، متشكر اوي و بكرة هقابلك و أخدهم منك"
أغلق معه الهاتف بينما هي نظرت له بتعجبٍ فقال "أحمد" بنبرةٍ هادئة:
مش عاوزك تقلقي و لا تخافي من أي حاجة و أنا معاكِ، أنا عرفت و الملازم هتوصلك و تذاكري، و مش عاوز منك حاجة تانية، لحد ما امتحاناتك تخلص"
سألته بلهفةٍ:
طب أنتَ عرفت ازاي ؟!"
أجابها هو بفخرٍ:
حاجة مش جديدة، أنا متابع كل أخبار جامعتك و عارف كل حاجة، و عمار برضه بيعرفني كل حاجة، ذاكري من محاضراتك اللي معاكِ و أنا بكرة لما أخد الملازم هجيبهم هنا علشانك"
سألته هي بنفس اللهفة السابقة و قد غلف الاختناق صوتها من البكاء:
ليه تتعب نفسك و عمال تضغط عليها كدا ؟؟ عمال تشتغل أكتر منهم، و مش قابل بمساعدة حتى، و شاغل نفسك بيا، حتى حقوقك مني صابر عليها، أنا زي الحِمل عليك هنا، صدقني لو سيبتني أنا مش هزعل"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
أنتِ بتقولي إيه يا سلمى ؟! حِمل ؟؟ أنتِ حِمل إزاي ؟! و قولتلك كفاية وجودك معايا، انجحي و افرحي و أنا اللي هنجح و أفرح باللي هتوصليله، أنا بحبك يا بنت الناس"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
بس دا كتير عليك، أنا بقيت أحس أني ظالمة، واحد بيحارب علشاني من كل الجهات و أنا في الأخر باخد على الجاهز"
زفر هو بقوةٍ ثم تحرك يجلس على ركبتيه أمامها و هو يسألها بنبرةٍ هادئة حنونة:
أنا أشتكيت ؟! أو تعبت حتى ؟! أنا الحمد لله ربنا مقدرني أوي، و صحتي بقت الضِعف، و طاقتي كبرت من غير ما أعرف السبب، كل دا علشانك أنتِ، و هحارب علشانك أنتِ، و لو أخر نفس فيا أنا هحارب بيه علشانك أنتِ، اللي بيحب الورد بيراعيه مش يقطفه، و أنا قولتلك أرضي معرفتش الخير غير بوجودك فيها، بلاش هرمونات الامتحانات تطلع عليا، بدل ما أبوظ وشك دا"
ضحكت من بين دموعها، فيما ضحك هو الأخر ثم رفع جسده يحتضنها و هو يربت بكفيه عليها ثم قال بصوته الرخيم:
يعني عمال ألمحلك بأغاني بهاء سلطان، و عمال أقول هتفهم أني بعمل كدا علشانها، و البت مفيش مُخ خالص"
سألته بصوتٍ مختنقٍ بعدما مسحت دموعها:
فين أغاني بهاء سلطان دي مسمعتهاش، جدول الامتحانات نكد عليا و مشوفتش حاجة"
ضحك هو عليها ثم أخرج هاتفه يضعه أمامها بعدما فتحه على فيديو قصير خاص بصورهما سويًا في مختلف الأعمار يمر بتلك الصور و يرافق ذلك المرور صوت الكلمات الآتية:
أنا مش معاهم أنا معاكِ....مطرح ما هتروحي وراكِ..... أنا كنت تايه و صغير....و الحب خلاني أتغير....أنا كنت حبيبتي كأني شيطان و بقيت ملاك و أنتِ ملاكِ.... صدقيني أنا عاوز أعمل أي حاجة علشان أرضيكي، عاوز ابقى حد يستاهل بجد يبقى ليكِ....صدقيني أنا عاوز أعمل أي حاجة علشان أرضيكي....عاوز ابقى حد يستاهل بجد يبقى ليكِ....كنت تايه و لما شوفتك أبتدت أحلامي بيكِ....و اللي فات بقى ذكريات دا أنا ابتديت عمري بـهــواكِ"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة و انفرحت اساريرها، فيما قال هو بنبرةٍ صوتٍ رخيمة:
كل ما أحب افرح بنفسي و أحس أني إنسان بجد، بعرف أني لازم أفرحك و أساعدك أنتِ"
بعد مرور ساعة تقريبًا بعدما تناولا العشاء سويًا، حينها أمرها بالجلوس حتى تستذكر دروسها، بينما تحرك هو للداخل يقوم بعمل النسكافيه لهما سويًا، ثم جلس يتابع عمله على الحاسوب و هي بجواره تُذاكر المحاضرات التي سبق و دونتها في دفترها، و سرعان ما أتت فكرةٌ ببالها لتقول بحماسٍ:
وقف شرب بسرعة !! استنى"
توقف "أحمد" عن ارتشاف مشروبه فيما أخرجت هي هاتفها بسرعةٍ ثم أمسكت كفه تُشكل بإصبعيه نصف قلب و أكملته هي باصبعيها، و قامت بالتقاط الصورة و سط حاسوب عمله و دفتر دروسها، ثم قالت بحماسٍ له:
أحلى US في الدنيا كلها"
خرجت من تلك الذكرى لتذهب لأخرىٰ أكثر سعادةً و فرحًا حيث
كانت "سلمى" ترتدي زي التخرج و القبعة أيضًا و تبتسم بسعادةٍ و بجوارها العائلة بأكملها و أولهم هو و على ذراعه صغيرته "ليلى".
كانت "سلمى" حينها تشعر بالفخر و الحماس و كأنها امتلكت الدنيا لنفسها، ففي كل دور فُرض عليها؛ أثبتت نفسها فيه بجدارة، ذُكر اسمها من وسط أكفأ الطالبات و أكثرهم تفوقًا في الدُفعة التعليمية، فحثها "أحمد" يشجعها بقوله:
قومي يالا بينادوا عليكِ، قومي"
حركت رأسها موافقةً ثم أمسكت كف صغيرتها التي كانت في شهور عمرها الأولى تقبله ثم سارت حيث المكان المطلوب وقوفها عليه، حصلت على الشهادة و الدرع الذي يحمل اسمها و شهادة تقدير في إطار من الخشب و يَحفهُ من الجوانب الزجاج الذي يُغطي الشهادة خلفه.
وقفت أمام مُكبر الصوت "المايك" تبتسم و هي ترى النظرات موجهة نحوها بالفخر و الحماس و خاصةً و هو يتابعها بفخرٍ، لم يكن الفخر كونها زوجته فقط، بل نظرة تشبه فخر الأب بصغيرته في تفوقها الدراسي، تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ هاديء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طبعًا عمري ما كنت أتخيل أني أقف هنا في يوم من الأيام و اتكلم قصاد حضراتكم، زي ما عمري صدقت أني ممكن أدخل كلية الصيدلة و أنجح فيها كمان، أنا بس عاوزة اقول حاجة واحدة، إن الكف لوحده مستحيل يسقف و كذلك الانسان بدون دعم مش هيحس بمتعة اللي بيعمله، الحمد لله طبعًا اولًا و أخيرًا، بس فيه ناس تستحق التقدير و الشكر، أولهم افراد عيلتي كلهم، أخواتي و ولاد عمامي و كل فرد في عيلتي، و فيه حد تاني زي الجندي المجهول، مقدرش أجحد دوره في اللي وصلتله، علشان زي ما وراء كل رجل عظيم إمرأة....فيه كمان وراء كل ست ناجحة، زوج ناجح في كل الأدوار، الشريك الداعم و المُساعد، و اللي بيبذل مجهود أكبر من الشخص الأساسي"
كان "أحمد" يبتسم لها و عينيه تلمع بالفخر و الاعتزاز و في تلك اللحظة ودَّ لو رفع صوته للعالم بأكمله يخبرهم أنها زوجته و من يحملها بين ذراعيه ابنتهما، و قبل أن يغوص في الأفكار أكثر من ذلك، قالت هي بحماسٍ:
أنا بهدي نجاحي و كل اللي وصلتله لأحمد الرشيد، جوزي و أبو بنتي، و الشريك الداعم اللي كان السبب في اللي وصلتله"
انشترت التصفيقات الحارة و الصيحات الحماسية، فمالت "خديجة" عليه تحمل ابنته و هي تحرك رأسها له حتى يذهب لها، بينما هو أخفض جسده يحمل باقة زهور اخفاها عنها منذ الصباح حتى يُفاجئها بها، و على الجهة الأخرى خلعت هي قبعة التخرج السوداء، فاقترب منها بثباتٍ و هو يحمل باقة الزهور و هي تحمل القبعة، حينها حمل هو القبعة يضعها على رأسها و هي تنظر له بامتنانٍ فقدم لها باقة الزهور و هو يبتسم، فاقترب منهما "حسن" يلتقط لهما صورةً بمفردهما، ثم جلب "ليلىٰ" لهما لتكون صورةً عائليةً، صورة فيها ثلاثة أفراد كلٍ منهما يشكل الحياة للأخر و صوته بهمس في أذنها بكلمة:
مبروك عليكِ التخرج يا عز أحمد و خيره"
(عودة إلى الوقت الحالي)
تنفست بعمقٍ و هي تبتسم و كأن رحلتها القصيرة للماضي شحنتها بطاقة الحب، حيث نزلت من على المقعد و جلست على ركبتيها تُملي انظارها منهما، حيث هو يتمسك بابنته بين ذراعيه بملامحه الهادئة و لحيته المنمقة، كذلك هيبته و هدوئه كما هما بل زادا مع مرور الوقت، أما ابنته فتلك الصغيرة تشبه الملائكة الصغار، خصلاتها السوداء و غُرتها التي تغطي جبينها و وجنتيها المنتفختين و شفتيها المضموتين بهيئةٍ طفولية، حركت كفيها تعانق كف الصغيرة، ثم حركت أحدهما تمسك كف "أحمد" الذي شعر بها من رائحتها، ففتح عيناه ليكون وجهها اول ما يطالعه هو حتى تشكلت البسمة على وجهه ثم قال بنبرةٍ مُتحشرجة لازال بها أثر نومه:
صحيتي ليه؟! أنا خدتها بعيد عنك علشان تعرفي تنامي"
حملتها على يدها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
تعالى يلا يا علشان تنام جوة كدا هتتعب، كفاية عليك كدا"
تنهد هو بعمقٍ ثم استند بكفيه على المقعد و هو يشعر بالآلام المتفرقة في جسده، و هي تطالعه بشفقةٍ لما يتحمله فقط لأجلها هي.
دلف الغرفة يجلس على الفراش حتى وضعت هي الصغيرة في فراشها، ثم دلفت له و هي تبتسم و دون أن يتحدث احتضنته و هي تربت على رأسه و ظهره حتى سألها هو بسخريةٍ:
هرمونات حمل دي ولا محبة لله ثم الوطن ؟! قبل ما أتعشم بس"
ضحكت هي على سخريته ثم حركت رأسها تطالع عينيه و هي تبتسم بهما قبل فمها و تقول بنبرةٍ هادئة:
دي محبة، محبة ليك و لعيشتي معاك هنا مُعززة مُكرمة، محبة لمحبتك ليا و لكل حاجة مستحملها علشاني، حنيتك و طيبتك و رجولتك كانوا سبب في نجاحي، مينفعش أكون قليلة الأصل معاك"
تنفس بعمقٍ ثم أغمض عيناه و هو يبتسم بفرحةٍ كبرىٰ، و كذلك هي تنهدت بعمقٍ و قلبها يتمنى دوام وجوده معها.
_________________________
كان "خالد" جالسًا في الخارج يتذكر حديث "رياض" عن ابنه و عن احتياجه له خلال تلك الفترة حيث اخبره "رياض" بنبرةٍ هادئة:
يمكن تكون مش واخد بالك بس يونس دلوقتي محتاجك، سنه صعب و هيكون محتار، قرب منه أكتر من الأول، خليه يقولك ماله و إيه اللي مزعله، يونس مكانش كدا، بقى ساكت و بيحسب كل خطواته، الحق ابنك قبل ما التراكمات تزاحم بينكم"
زفر "خالد" بعدما تذكر ذلك الحديث و تردد على مسامعه، هو صديق ابنه و كليهما يحب الأخر بشدة، لكن تلك الفترة أصبح "يونس" غريبًا عنهم، يحب الجلوس بمفرده، و النوم في أوقات غير مناسبة، خرج من شروده على صوت "ريهام" تقول بتعجبٍ:
يا بني !! يا عم ؟! بكلمك أنا"
حرك رأسه نحوها يطالعها بتعجبٍ فسألته هي بحيرةٍ من أمره:
مالك يا خالد ؟! سرحان في إيه"
تنفس بعمقٍ ثم قال موجزًا:
ولا حاجة يا ريهام، خير عاوزة حاجة ولا إيه ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
عاوزين فينو و حاجات من السوبر ماركت ضروري، هات فلوس علشان يونس ينزل يجيبهم"
حرك رأسه موافقًا ثم أخرج المال من جيب بنطاله و قبل أن تتحرك زوجته للداخل تطلب من ابنها النزول، اوقفها بقوله:
استني يا ريهام، أنا هدخله"
عقدت ما بين حاجبيها فيما سحب "خالد" الأموال منها ثم دلف لغرفة "يونس" يطرقها بهدوء فاستمع لصوت ابنه يسمح بالدخول، تنهد "خالد" بعمقٍ ثم فتح الباب و هو يقول مبتسمًا:
أستاذ يونس المحترم لو قولتلك عاوزين حاجات من تحت ينفع تنزل ؟!"
نظر له "يونس" بقلة حيلة ثم قال بنبرةٍ هادئة:
يعني هخلي ماما و لا يُسر تنزل يعني ؟! أكيد هنزل"
رد عليه "خالد" بتهكمٍ زائفٍ:
أنتَ بتلقح عليا يا حيلتها ؟!!"
رفع "يونس" كفيه ببراءةٍ ينفي عن نفسه تهمة لم يقم بها، فضحك عليه "خالد" ثم اقترب منه يعطيه الورقة التي حضرتها زوجته و يرافقها الأموال، فوقف "يونس" يرتدي ثيابه عبارة عن كنزة شتوية "سويت شيرت" باللون الأبيض و البنطال باللون الأسود، ابتسم له "خالد" ثم اقترح بلهفةٍ زائفة:
بقولك إيه ؟! الرجال للرجال، أجي معاك و نسيب أمك و يسر هنا ؟؟ إيه رأيك"
رد عليه "يونس" بثباتٍ:
بس بشرط !! تلبس السويت شيرت الأبيض بتاعك، إيه رأيك"
غمز له "خالد" ثم تحرك من أمامه فيما ابتسم "يونس" و هو ينظر في أثره بفرحةٍ تنطق بها عينيه.
دقائق قليلة استعد فيها "خالد" و كذلك "يونس" و قبل أن ينزلا سويًا اقتربت "يُسر" منهما تقول بحزن:
خدني معاك يا بابا علشان خاطري، اشمعنا يونس ؟!"
اخفض نفسه لمستواها يحتضن وجهها بكفيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
الدنيا ليل و أنتِ حلوة اخاف يعاكسوكي، أنا و الواد يونس هنروح نجيب الحاجة للبيت، و أنتِ هنا زي أميرة البرج كدا، معززة مكرمة، و هجيبلك حاجة حلوة، مرضية ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم ثم رفعت نفسها تقبل وجنته، فابتسم هو لها ثم قال موجهًا حديثه لزوجته:
طب البت و بتفهم باستني، مفيش أي حاجة خالص منك"
زفرت بقوةٍ ثم قالت بضجرٍ:
استغفر الله العظيم على قلة الأدب و السفالة !! يقولوا عليك إيه ؟؟"
رد عليها بمشاكسىةٍ:
أب بيفهم بيعاكس أمهم"
ضحكت و هي تضرب كفيها ببعضهما و كذلك "يونس" الذي ضحك على والده و قبل أن يفتح الباب نادته "يسر" بلهفةٍ و هي تقول:
يونس !! هاتلي حاجة حلوة و أنتَ جاي"
حرك رأسه موافقًا ثم أرسل لها قبلة في الهواء و سبق والده الذي قال مقلدًا طريقتها:
يونس هاتلي حاجة حلوة و أنتَ جاي، مال أبوكِ هو ؟!.... آه صحيح دا مال أبوكِ، لامؤاخذة"
قالها بعدما تذكر الأمر، ثم لوح لهما و خرج من الشقة، فالتفتت "يسر" تقول لوالدتها بمرحٍ:
شكلهم حلوين مع بعض أوي"
ردت عليها "ريهام" بحماسٍ:
طول عمرهم ولاد الإيه دول، مشوفتيهمش و هما رايحين يصلوا الجمعة سوا، أقسم بالله من كتر الوسواس بكون عاوزة اقفل عليهم، و خصوصًا خالودي"
_"خــالودك !!"
قالتها "يسر" باستنكارٍ واضح، فظهر التوتر على "ريهام" و هي تقول بخجلٍ من ابنتها:
خالودنا كلنا يا ستي مالك ؟!"
ضحكت "يسر" بصوتٍ عالٍ فاحتضنتها "ريهام" و هي تضحك معها هي الأخرىٰ.
_________________________
وصل "خالد" بـ "يونس" أمام السوق التجاري فوجد به عددًا لا بأس به من الأناس، حينها قال مقترحًا عليه و هو يشير بيده على الأريكة الخشبية الموضوعة على الطريق:
بقولك إيه ؟! تيجي نقعد هنا الزحمة تكون خفت شوية ؟؟ و نتكلم مع بعض ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك في كف والده يعبر معه الطريق حتى جلسا سويًا عليها، كانا ينظرا أمامهما، فتحدث "خالد" دون تزيين في حديثه:
قولي مالك يا يونس ؟! مين مزعلك ؟! أنا و لا ماما ؟! و لا مين ؟!"
نظر له "يونس" بتعجبٍ فنظر له "خالد" هو الأخر و هو يقول:
لو فاكر اني مش واخد بالي تبقى عبيط، أنا حاسس بيك، و ممكن أقولك اللي مزعلك بدأ من امتى كمان، قولي مالك ؟!"
تنفس "يونس" بعمقٍ و هو يفكر على يتحدث مع والده أم يظل كما هو كاتمًا على نفسه، و قبل أن يتخذ قراره، قال "خالد" بنبرةٍ هادئة:
هبدأ أنا و أحكيلك، كنت قدك في أولى اعدادي لما أبويا سابني و مشي، سابني من غير انذار واحد يقولي بيه إني هكمل الطريق من غيره، ساعتها أنا كنت تايه، مش عارف أعمل إيه، لسه جوايا عيل صغير عاوز يفرح و يلعب و يخرج طاقته، و جوايا خالد تاني ظهر اتحكم عليه بالكبر، واحد في رقبته عيلتين و ملزوم بيهم، بقيت بحسب النفس على نفسي، بقيت راجل بيت في يوم و ليلة، إيمان بقت متعلقة بيا بسبب خوفها، و وصلت إنها بقت تقولي يا بابا، بابا ازاي بس و أنا عيل زيي زيك، كبرت و عودي اشتد و مهونش عليا الطريق غير وجودهم هما "ياسر...ياسين...عامر...عمار" كانوا كل حاجة ليا، هما اللي خالد كان بيخرج معاهم و يضحك و يرقص و يفرح، الدنيا كبرتني قبل أواني و أنا رضيت بكدا، بس أنا أبويا كان ميت، إنما أنتَ....أنا موجود معاك، ليه تكبر نفسك ؟؟"
رد عليه "يونس" بنبرة صوتٍ تائهة يغلب عليها التشوش و الضياع:
أنا محتار.....مش فاهم نفسي و مش فاهم حاجة، أنا حاسس أني بدأت أكبر و أكون واحد تاني، و ساعات أقول اني لسه صغير، أنا يعتبر عندي ١٣ سنة، يعني كدا أنا بكبر، الحاجات اللي كنت متعود عليها، مينفعش اعملها، تصرفاتي محيراني، أنا ماكنتش عاوز أكبر"
رد عليه "خالد" بقلة حيلة:
و مين فينا كان عاوز يكبر ؟؟ كلنا كبرنا يا يونس من غير ما نحس، مش بمزاجنا هي دنيا"
رد عليه "يونس" بقلة حيلة:
مش عجباني، دنيا مش عجباني و مش عارف أحبها، الناس برة مش شبهي، صحابي في المدرسة مش زيي، عقلهم مش فاهم عقلي، مين اللي صح أنا و لا هما ؟!"
رد عليه "خالد" بثباتٍ:
الحق هو اللي صح يا يونس، كونك مش شبهم ديه ميزة فيك، أنتَ متربي و عاقل و مخك أكبر من سنك، أنتَ مالك بس؟!"
سأله بقلبٍ ملتاع على صغيره ليرد عليه "يونس" بعدما تنفس بعمقٍ:
أنا كبرت يا بابا لما عرفت اني لازم أخد بالي من تصرفاتي، كبرت لما عرفت اني مش هعرف اتعامل مع اللي بحبهم براحتي، مش هينفع اكلم نغم و لا زينة علشان أنا كبرت و كنت واخد عليهم، بس غصب عني أنا متعلق بيها"
_"هي ؟! هي مين فيهم؟!"
سأله "خالد" و هو يتصنع عدم الفهم، فرد عليه "يونس" بقلة حيلة:
نغم يا بابا....أنا كنت صاحبها، كنت بفرح لما بتيجي عندنا، كلهم كانوا معاهم أخواتهم بس هي لأ، كانت هنا لوحدها، ليه مش هينفع أكلمها ؟! أنا مش هأذيها"
كان حديثه بريئًا للغاية فرد عليه "خالد" بعدما التفت له و وضع يده على كتفه:
أنتَ مش هتأذيها بس علاقتك بيها هتأذيها، أنتَ في سن صعب، هو دا سن المراهقة اللي أنتَ داخل عليه، دوري أني أوجهك و أعرفك الإشارات اللي تمشي عليها، و أنتَ تختار، لما لقيناك أنا و ياسين متعلق بيها، خوفنا عليك، أنتَ صغير لسه و الكلام دا مش وقته، و هي كلها ٧ سنين شبر و نص مش فاهمة حاجة، فكراكم كلكم أخواتها، بس أنتَ مش عاوز كدا"
سأله "يونس" بلهفةٍ:
ليه مينفعش ؟؟"
رد عليه "خالد" بعقلانية:
علشان ربنا أمرنا بكدا، ينفع يسر اختك حد منهم يقرب منها و يبقى عاوز يلعب معاها و يشيلها ؟! ينفع عمر و لا زين و لا علي و لا فارس ؟!"
رد عليه "يونس" بسرعةٍ و غيرة فطرية يتميز بها الرجال:
لأ طبعًا !! هي مش أختهم"
ابتسم له "خالد" ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنتَ قولت أهوه، هي مش أختهم، و نغم مش أختك، أنتَ بس جواك مشاعر ليها علشان هي علطول كانت معانا، كانت بتعيط و أنتَ تلعب قصادها و تطبطب عليها تضحك، لو عاوز ترتاح، أدي لكل حاجة وقتها، دا وقتك أنتَ، تفرح و تلعب و تخرج و تذاكر و تتصور و تلبس، دا سنك أنتَ، سيبك من نغم و سيبك من الكل، نغم هييجي وقتها الصح، و ساعتها النصيب هو اللي هيكرمك باللي نفسك فيه طالما رعيت ربنا فيه، و ابقى أسأل عمك عمار و هو يقولك"
عقد "يونس" ما بين حاجبيه فتنهد "خالد" بعمقٍ ثم قال:
دنيا....أنتَ من يوم ما شوفتها و هي علقت معاك أنا عارف، لسه فاكر الجملة بتاعتك لما عرفت اسمها"
انتبه له "يونس" بلهفةٍ و سألت نظراته عن تلك الجملة، فيما تصنع "خالد" اللامبالاة ليسأله "يونس" بسرعةٍ:
لا قول متهزرش علشان خاطري"
قلد "خالد" طريقته في صغره و هو يقول مثله تمامًا:
نغم !! هي نغم و أنا يونس ؟!"
ضحك "يونس" بملء شدقيه على طريقه والده و هو يقلده و كذلك ضحك "خالد" فقال "يونس" من بين ضحكاته:
أكيد مقولتهاش بالعبط دا"
رفع "خالد" حاجبيه و رمش ببلاهةٍ ثم سأله بتهكمٍ:
أومال قولتها إزاي يا حكيم زمانك ؟!"
تنحنح "يونس" ثم نظر أمامه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
نغم !! هي نغم و أنا يونس ؟!"
حاول جعل نبرته طفولية أكثر حتى ضحك عليه "خالد" و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
قولتلها بطريقة أعبط من اللي أنا قولتها، جتك خيبة"
ضحك "يونس" بيأسٍ ففتح له "خالد" ذراعيه حتى ارتمى عليه "يونس" يحتضنه بعمقٍ بسعادةٍ و قال ممتنًا لوالده:
شكرًا اننا اتكلمنا سوا يا بابا، أنا ارتحت أوي، أوعدك أني هتكلم معاك علطول"
رد عليه "خالد" و هو يربت على ظهره:
أنتَ روحي و نصي التاني و حتة مني، أنا قلبي نور بيك، ربنا يحميك يا يونس و يبارك فيك"
رفع "خالد" رأسه ينظر أمامه ليقول بنبرةٍ جامدة:
الله يكسفك يا ابن الرغاية !! قوم يالا بسرعة"
ابتعد عنه "يونس" منتفضًا بتعجبٍ من تغير والده الذي قال بقلة حيلة:
أنتَ لسه هتبحلقلي ؟! السوبر ماركت قفل يا ابن الموكوسة"
شهق "يونس" و ركض خلف والده نحو الوجهة، فرد عليهما العامل:
للأسف يا فندم، مواعيد العمل خلصت، تؤمروني بحاجة ؟!'
نظر "خالد" و "يونس" لبعضهما بنفس الطريقة و ما لبثا ثوانٍ حتى انفجرا سويًا في الضحكات بنفس الطريقة و كأنهما واحدٌ و انقسم لشطرين، حتى احتضن "خالد" ابنه و هو يضحك و الأخر مثله، فسأله "يونس" بحذرٍ:
فكرني كدا قولت إيه لما شوفتها ؟؟"
_"نغم ؟ هي نغم و أنا يونس ؟!"
قالها "خالد" بنفس الطريقة الساخرة التي قلد بها ابنه، ليضحكان سويًا من جديد و كأنهما في حالة سُكرٍ.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثاني 2 - بقلم شمس بكري
مر اسبوعين على الجميع من بعد زواج "عمار" كانت الأجواء هادئة و مرحة كما هي و كأنهم تمسكوا بالفرحة معهم، و خصوصًا في الغد، و مع ذكر الغد فهو اليوم الذي قرر به "محمود" أن يجمعهم سويًا معه حتى تتم عزومة العروسين كبقية الشباب من بعد العودة من شهر عسلهما.
اليوم هو الخميس و حل وقت تجهيزاتهم لذلك اليوم، و لكن لكلٍ منهم طريقته الخاصة في ذلك، حيث وصل "ياسين" بيته بعد نهاية دوامه كعادته وسط النهار، فوجد "خديجة" ترتدي ثيابها و بجوارها الأطفال الثلاثة، فسألها بتعجبٍ من على أعتاب البيت:
رايحين فين كدا ؟؟ أوعي تكوني غضبانة ؟! بالله عليكي مش رايق خالص"
ردت عليه بقلة حيلة من سخريته:
دا بعينك والله، قعدالك فيها متخافش، بس رايحين نجيب حاجات من تحت و قولت بدل ما يتخانقوا أخدهم معايا"
حرك رأسه موافقًا ثم دلف الخطوة المتبقية و أغلق الباب فيما ركضت "جاسمين" نحوه تقول بحماسٍ:
أنا هقعد مع بابا هنا و انتوا روحوا خلاص، مش هاجي"
قال "يزن" مسرعًا بلهفةٍ:
أحسن، هتيجي تخنقيني، هروح مع نغم و أخلي ماما تجيبلي حاجة حلوة"
أخرجت له لسانها تعانده فيما حملها "ياسين" ثم قال بنبرةٍ مرحة:
خلاص خلوها معايا هنا و أنا هغير لحد ما تيجوا علشان ناكل سوا، هما هيمشوا امتى ؟!"
ردت عليه "نغم" بحماسٍ:
خالو هيكلمنا نجهز قبلها"
حرك رأسه موافقًا فيما تحركت "خديجة" بهما سويًا و تركت الأخرى معه، فسألها "ياسين" بخبثٍ زائفٍ:
عندك مصايب تعمليها لحد ما أدخل أغير هدومي ؟! ولا أغير و نعمل المصايب سوا ؟؟"
ضحكت هي بشدة على حديثه و طريقته ثم قالت بنبرةٍ هامسة و كأنها تُفشي بـ سرًا حربيًا:
ادخل غير هدومك و تعالى عاوزاك ضروري"
حرك رأسه موافقًا ثم رفع كفه يحك فروة رأسه من الخلف ثم تحرك من أمامها و هو يفكر في حديثها، فيما ركضت هي نحو الأريكة ترتمي ثم امسكت جهاز التحكم الخاص بالتلفاز تقوم بفتحه ثم صفقت بكفيها معًا.
بدل "ياسين" ثيابه لأخرى بيتية مُريحة باللون الرمادي و خرج لفتاته الصغيرة التي قامت باطفاء الأضواء العالية و تركت فقط الخافتة، عقد ما بين حاجبيه و هو يرمقها بحيرةٍ و يقترب منها بخطىٰ متمهلة، فركضت نحوه تفرد كلا ذراعيها و هي تقول بحماسٍ:
شيلني يلا بسرعة"
حملها على مضضٍ و قد انتبه لتوه للأغاني التي قامت هي بتشغيلها على التلفاز، فسألها بريبةٍ:
بت ؟! هو فيه إيه ؟! فرحك النهاردة و عملهالي مفاجأة ولا إيه ؟!"
ضحكت عليه ثم طوقت عنقه بذراعيها و هي تقول بحماسٍ:
عاوزاك بقى ترقص معايا و تدوخني، يلا بسرعة قبل ما هما ييجوا تاني و أنا مش هقول لحد"
حرك فمه يمنةً و يسارًا بتهكمٍ يسخر منها، فيما ألحت هي عليه حتى ابتسم هو رغمًا عنه ثم بدأ يتحرك بها و هي على يده و يغني بنبرةٍ هادئة بصوته العذب:
بحس و هي بتكلمني عيونها الحلوة جاية تقولي قرب شوف يا حبيبي ازاي خلصت كل الجـمال....دي أجمل ما شافت عين....دا جمال مقسوم نصين....نص أقدر أوصفه و التاني فوق الخـيـال...دي أجمل ما شافت عين....دي جمال مقسوم نصين....نص اقدر اوصفه و التاني فوق الخـيـال"
كان يتحكرك بها و هي على ذراعيه تبتسم بسعادةٍ بالغة مع حبيبها الأول "ياسين"، أما هو فاستمر في التحرك بها و هو يُغني لها حتى قربها لعناقه و دار بها و كليهما يضحك بسعادةٍ بالغة حتى فُتح الباب و طلت منه "خديجة" بالأخرين معها، حينها شهقت "جاسمين" فيما قال "ياسين" بسخريةٍ:
براءة أنتِ المرة دي، أنا اتفضحت خِلقة خلاص"
سألته "نغم" بحزنٍ:
طب و أنا مش هترقص معايا"
وضع "جاسمين" على الأريكة ثم اقترب من "نـغـم" يحملها على يده ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
إزاي بس من غير نغم ؟! نغم حياة ياسين"
ضحكت بسعادةٍ بالغة فيما احتواها هو بين ذراعيه يغني لها و يدور بها كما الأخرى حتى عانقته "نـغم" و هي تقبل وجنته فدار هو بها ثم وضعها على الأريكة و هو يضحك لهما، ثم حمل "يزن" الذي قال بسرعةٍ كبرى:
مش مهم أنا هروح أرقص مع زياد و مازن"
ضحكت "خديجة" رغمًا عنها فيما وضعه "ياسين" على كتفيه ثم دار به و الأخر يضحك بصوتٍ عالٍ حتى انزله "ياسين" و هو يلهث بقوةٍ و يقول بنفسٍ متقطع:
الحمد لله كدا رضينا كل الأطراف"
تحدث "يزن" بلهفةٍ يلفت نظره:
طب و ماما يا بابا !!!"
اقترب منه "ياسين" يقبل وجنتيه ثم قال بمرحٍ:
أنتَ بتفهم ياض، هات بوسة لأبوك يا روح قلب أبوك"
قبل أن يقترب منها تحدثت هي بسرعةٍ كبرى:
بقولك إيه؟! أنتَ فاضي أنتَ و هما، خلوني أغديكم و بعدها نشوف مين هيرقص لمين"
تحركت من أمامهم فسألهم هو بخبثٍ:
انتم هتباتوا عند خالو صح ؟!"
حرك الثلاثة رأسهم بموافقةٍ فيما قال هو بنفس الخبث:
حبايب قلبي انتوا و خالو"
_________________________
ارتدى "وليد" ثيابًا أخرى بعد عودته من العمل و ذهابه لشقته و قبل أن يخرج من الغرفة دلف له التوأم يركضا نحوه، فقال هو مؤكدًا دون أن ينطق أيًا منهما:
قبل ما حد منكم ينطق، لأ مش هتيجوا معايا، أنا هروح أجيبهم وأجي علطول، خليكم هنا ساعدوا ماما علشان متبقاش لوحدها، تمام يا رجالة ؟!"
وافق "مازن" بسرعةٍ فيما صمت الأخر حتى سأله "وليد" بحاجبٍ مرفوع:
و حضرتك ؟! معترض ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
لأ خلاص، هات بقى حاجة حلوة كتير و أنتَ جاي، زود العصير لنغم و الشيبسي علشان جاسمين"
ابتسم له "وليد" و هو يقول بقلة حيلة:
سبحان الله، كنت بقول نفس الكلام و بقول زود عصير لخديجة و شوكلاتة لخلود"
قال "مازن" بسرعةٍ كبرى:
و هات معاك فينو علشان نعمل سندوتشات أنا و يزن بليل"
حرك رأسه موافقًا ثم قبل كليهما و تحرك من المكان حتى قابل "عبلة" أمامه تأكل ثمرة الخيار فقال هو بسخريةٍ و هو يضربها بخفة على جبينها:
بطلي أكل هتتخني كدا"
ردت عليه بسخريةٍ:
دا خيار مش بيتخن، لو مش عاجبك اطلع عند أختي أكل براحتي و لا انزل عند أخويا"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة يشوبها المكر و كأنه انتبه لتوه:
أبوكِ دا سوسة، عامل نفسه رافض الجوازات و هو واخد البيت كله لعياله، مش سهل"
اقتربت منه تمسك يده تحاول عضها فيما ضحك هو بصوتٍ عالٍ ثم قبل وجنتها و رحل و هو يضحك عليها فاقتربت هي من ابنائها تقول بضجرٍ:
يلا ياض منك ليه تعالوا ساعدوني علشان نعمل الكيكة"
سألها "زياد" بتهكمٍ:
إحنا رجالة هنعمل معاكِ إيه ؟!"
ردت عليه بسخريةٍ:
مفيش فرق يا حبيب أمك علشان ربنا مكرمنيش ببنت، يبقى ساعدوني و خلوا فيه دم"
دلفا معها كليهما للمطبخ فيما وقفت هي تقسم عليهما الأدوار حتى انخرطوا سويًا في العمل و هم يضحكون بسعادةٍ معها.
_________________________
أنهت "خديجة" الغداء برفقة أسرتها و قد ركض أبنائها للداخل حتى يتجهزون للذهاب إلى "وليد".
طرق باب الشقة في تلك اللحظة فركضت "نـغـم" تفتحه لخالها و لكن الطارق كان شخصًا غيره، فقالت بنفس الحماس الذي غلف نبرتها:
يونس !! ازيك عامل إيه ؟؟"
ابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
كويس الحمد لله يا نغم، أنتِ عاملة إيه ؟! طنط خديجة موجودة ؟!"
أتت له "خديجة" من الداخل و هي تقول بحماسٍ:
قولتلك بلاش طنط دي، مش متعودة عليها منك"
ابتسم لها بسعادةٍ ثم مد يده لها بحقيبةٍ بلاستيكية و هو يقول:
هي دي الحاجة اللي ماما قالت عليها، بعتتهم معايا علشان العزومة بكرة"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فقالت "نغم" بسرعةٍ:
طب تعالى ادخل، بابا موجود"
قبل أن يعترض هو و يرفض الدخول شدته "خديجة" من كفه للداخل و قد أغلقت "نـغـم" الباب، جلس "يونس" على الأريكة فركض له "يزن" و هو ينادي اسمه بحماسٍ حتى أجلسه "يونس" على قدمه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
جيبتلك معايا حاجة حلوة علشان كدا صممت أني أجي"
استحوذ على اهتمام "يزن" بحديثه فيما أخرج "يونس" الحلوى المفضلة للثلاثة من جيبه يقدمها لهم، اخذها منه "يزن" بحماسٍ و كذلك "جاسمين" التي ركضت نحوه، فيما اقتربت منه "نـغم" بهدوء تأخذها منه ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
شكرًا يا يونس"
_"متشكرنيش، دي حاجة بسيطة"
ابتسمت هي له ثم قالت بسرعةٍ:
طب عن اذنك هنروح نجهز علشان خالو وليد زمانه جاي"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بسرعةٍ:
سلميلي على مازن و زياد لحد ما أشوفهم بكرة، متتأخروش علينا بقى"
حركت رأسها موافقةً ثم رحلت من أمامه نحو الداخل فسألته "خديجة" بنبرةٍ هادئة:
مش هيتأخروا، بكرة الصبح هيكونوا هناك"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فخرج له "ياسين" من الداخل و هو يقول مهللًا بفرحةٍ:
دا إيه النور دا ؟! يونس باشا عندنا ؟! الشقة نورت يا راجل"
اقترب منه "يونس" يُحييه و يعانقه كما الصديقين المقربين، فقال "ياسين" بنبرةٍ أهدأ:
هو أنتَ حالف متجيش هنا تاني ؟! بتوحشني يا عم"
رد عليه بوجهٍ مُبتسمٍ:
لأ والله عادي، بس بكون في البيت مش بروح في مكان تاني علشان يسر هي كمان بتطلب تنزل زيي، لما بتيجي فرصة باجي هنا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ماشي هصدقك، البيت مفتوح ليك وقت ما تحب كمان"
تحرك "يونس" من المكان بعدما ودعهم جميعًا بلطفه المعتاد لهم، فيما سألت "خديجة" زوجها باهتمامٍ:
مش بعرف أشوفه كبير، الوحيد فيهم اللي مش متقبلة إنه كبر"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بثباتٍ:
بس واعي و فاهم، لما عرف إن فيه حدود مبنعديهاش احترمها و خلانا كلنا نحترمه، يونس هيفضل دايمًا زي ما هو ببراءته و هدوئه، أظن كدا أني هشوف عمار تاني فيه"
قال جملته الأخيرة بتلميحٍ مبطن جعلها تبتسم بمكرٍ بعدما التقطت مقصد حديثه، فيما غمز هو لها حتى قالت بنبرةٍ ضاحكة:
طلبتها و هنولها إن شاء الله"
صدح صوت جرس الباب بصوتٍ عالٍ و جلبة في تناغم ما بين الطرقات و صوت الجرس حتى تسبب به "وليد"، حتى اقتربت "خديجة" من الباب تفتحه له و هي تطالعه بيأسٍ أما هو فاحتضنها و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
الكتكوتة حبيبة أخوها"
ضحكت هي رغمًا عنها و هي تعانقه فابتعد عنها هو اقترب من "ياسين" يقول مرحبًا و مهللًا بسخريةٍ:
جوز أختي حبيبي، وحشتني"
رمقه "ياسين" بلامبالاةٍ و هو يقول بغيظٍ منه:
و أنتَ موحشتنيش، تتفضل تاخد نفسك و ولادك أختك معاك و تريحونا"
جلس "وليد" بجواره و هو يقول بخبثٍ:
و على إيه ؟! ما آخد أختي هي كمان معانا ؟! إيه رأيك يا مهلبية؟"
أمسكه "ياسين" من عنقه يهزه بعنفٍ في يده فيما ضحك "وليد" و هو يتوسله بالتوقف حتى تركه "ياسين" دفعةً واحدة و على قبل أن يستفزه "وليد" ركضت "جاسمين" من الداخل تصرخ باسمه مهللةً:
خــالو..... حبيب قلبي"
حملها "وليد" و هو يقول براحةٍ:
حبيبي حبيبي....عيون خالو و روح قلبه"
جلست بين ذراعيه و ركض خلفها أخوتها يركضون نحوها، فقالت "خديجة" بسخريةٍ:
يا سلام ؟! أول مرة تتفقوا يعني على حاجة، خير"
قال "وليد" بنبرةٍ ضاحكة:
و هو فيه اتنين يختلفوا على حب وليد الرشيد ؟! عيب"
اعتدل واقفًا و لازالت "جاسمين" تتعلق برقبته، فقال "ياسين" بتهكمٍ:
قافشين فيك كأنك بتوزع فلوس، دا إيه الهم دا ؟!"
رد عليه "وليد" بفخرٍ في ذاته:
بيقولك الخال والد، ما بالك بوليد الرشيد ؟!"
وقف "ياسين" معهم يوصلهم نحو الباب فيما نطقت "خديجة" تحذرهم:
مش عاوزة شقاوة، و محدش يضايق خالتو عبلة، ساعتها وليد هيجيبوا علطول هنا"
ردت عليها "نغم" مسرعةً:
حاضر متخافيش و الله، باي"
لوحت بكفها الصغير و هي تمسك يد أخيها فيما حمل "وليد" حقيبتهم ثم ركب المصعد و "جاسمين" بين ذراعيه.
أغلقت "خديجة" الباب و هي تبتسم بسمتها الهادئة فيما وقف "ياسين" بجوارها يقول بصوتٍ عالٍ:
روح يا وليد ربنا يفتحها في وشك من وسع يا رب، زي "
_________________________
مر على زواجهما أسبوعين فقط و ها هي تشعر بالاختناق هنا، ذلك الروتين لم تعتاد هي عليه، و ها هي تجلس تنتظر عودته من الصيدلية، زفرت "خلود" بقوةٍ حتى استمعت لصوت مفتاحه في الباب فابتسمت بسعادةٍ كعادتها كلما أتى "عمار" للبيت تبتسم براحةٍ كبرى كما الطفل الصغير الذي يجلس في مدرسته و ها هي أتت والدته حتى يحتمي في كنفها، ركضت له تتعلق برقبته و كم كانت أفعالها غريبة عليه كليًا، حتى ألجمته الصدمة و تيبس جسده لكنه أدرك الوضع سريعًا فرفع ذراعيه يعانقها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
إيه وحشتك أوي كدا ؟!"
_"لأ زهقت أوي"
ردت عليه هي بذلك حتى رمش هو ببلاهةٍ ثم قال بسخريةٍ:
هو أنتِ لو كنتي قولتي وحشتني كنتي هتخسري حاجة ؟؟ بوظتي الحضن الله يسامحك"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
مليش أنا في المياعة دي، بس بزهق من غيرك، ما بصدق إنك تيجي"
ابتسم هو لها فقالت هي بنبرةٍ متلهفة و كأنها تتوسله:
ينفع طيب ننزل و نخرج سوا ؟! نتمشى حتى و نرجع تاني، ممكن"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
يلا و عزمك على شاورما كمان بس الحساب عليكِ"
رفعت حاجبيها له فقبل هو رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بهزر معاكِ، تعالي و أنا هخليكِ تتبسطي"
تحركت ركضًا من أمامه فيما وقف هو يضحك رغمًا عنه لكن كلما أمعن التفكير ابتسم أكثر، و كأنه يخبر نفسه متحدثًا: ألم تكن تلك التي تمنيت فقط مجاوراتها و التحدث معها؟! ها هي لك و معك و بجوارك و أصبحت دارها هي نفسها دارك.
هكذا تحدث "عمار" مع نفسه و هو ينتظر عودتها من الداخل، حتى خرجت له ترتدي ثيابها الخاصة بالخروج، عبارة عن قميص باللون الأبيض و أسفل منها "جيبة" باللون الأسود بها نقوشات باللون الأبيض و الحجاب باللون البيج و الحذاء باللون الأبيض، قيمها "عمار" بنظره و قد ابتسمت عينيه قبل فمه خصوصًا أن ملابسها فضفاضة على عكس قبل زواجهما، و دون أن يتحدث هو معها راعت تلك النقطة و اهتمت بتطوير ملابسها و كم كن لها كامل الاحترام بعد تلك النقطة.
اقتربت منه تتمسك بذراعه و هي تقول بسخريةٍ:
يلا علشان تعزمني على الشاورما و الحساب عليا"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
و الراجع ؟!"
_"يبقى عيل بيتدلع على التاني"
قالتها بنبرة دلال عليه جعله يبتسم بسعادةٍ بالغة و فرحةٍ كبرى تشكلت على مُحياه.
بعد مرور دقائق قليلة نزلا سويًا للأسفل يتوجها حيث أراد هو يفاجئها، كان يسيرا بجانب بعضهما و ضوء القمر يُضلل عليهما و تشهد على أُنسهما لبعضهما نجوم السماء.
وصلا لشارعًا يقع بالقرب من مسكنهما، لكنه يختلف عن بقية الشوارع، حيث كان هادئًا و يخلو من السكان، نظرت له بتعجبٍ فيما قال هو بثقةٍ:
متأكد إنك هتفرحي هنا و تتبسطي"
حديثه غريب و نبرته أغرب بينما ثقته فهي تحمل كل الغرابة التي في العالم، و قد زادت دهشتها حينما أشار لها على مقصده.
شهقت "خلود" بفرحةٍ بعدما اقترب منها من الدرجات الهوائية الموجودة، ثم اختار واحدةً منهم تكفي لفردين، ركب هو أولًا و هي خلفه على المقعد العريض المزود بالدراجة حتى تكفي لهما.
قاد "عمار" الدراجة و هو يضحك بسعادةٍ بالغة و هي خلفه تضحك بصوتٍ عالٍ يُجلجل بفرحٍ فسألها هو:
فرحانة يا خلود ؟!"
ردت عليه مؤكدةً:
كلمة قليلة على اللي أنا حاسة بيه معاك، أنا فرحانة أوي"
زاد هو من سرعة الدراجة و هي في الخلف تبتسم لمداعبة الهواء لوجهها و للمشاعر التي تعايشها معه.
_________________________
في شقة "وليد" وصلها بالأطفال الثلاثة حتى ركضوا نحو الأخريـْن بحماسٍ، فيما ركضت "نـغـم" نحو "عبلة" تحتضنها و هي تقول بودها المعتاد لها:
وحشتيني أوي"
ردت عليها "عبلة" بوجهٍ مُبتسمٍ:
أنتِ اللي وحشتيني اوي، اسبوعين كاملين مشوفتكيش فيهم، يا شيخة وحشتيني"
احتضنتها "نـغـم" فيما قال "وليد" مسرعًا:
يلا ادخلوا غيروا هدومكم علشان تسهروا براحتكم"
دلف هو يبدل ثيابه و كذلك الأطفال الثلاثة، فيما جلست "عبلة" تنتظر قدوم أيًا منهم.
بعد مرور دقائق قليلة تبدل الوضع حيث جلس "وليد" في الخارج و زوجته تقوم بإعداد الطلبات لهم و الاطفال جميعهم في الغرفة الخاصة بالجلوس.
قامت "عبلة" بصنع المشروبات لكلٍ منهم طلبه الخاص بما فيهم زوجها يريد قهوته، دلفت الغرفة لهم و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
اتفضلوا، حد عاوز حاجة قبل ما. روح القهوجي اللي جوايا تمشي ؟! فكروا ؟!"
حركوا رأسهم سلبًا ينفون إجابة حديثها، فيما أعطت هي لكل منهم طلبه ثم خرجت لزوجها، جلست بجواره و هي تزفر بقوةٍ فقال هو ساخرًا:
معلش يا سوبيا خليها عليكِ"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
على قلبي زي العسل، دول بييجوا ينوروا البيت و تحس أنهم بيخلوه فيه طعم"
ابتسم هو لها و فور انتهاء حديثها، ركضت له "جاسمين" بتذمرٍ و هي تقول بثباتٍ لا يناسب عمرها البتة:
خالو تعالى روحني يلا"
نظر لها بتعجبٍ و كذلك "عبلة" فيما قال هو بسخريةٍ:
هو إحنا لحقنا ؟! مالك ؟!"
_"عيالك اللي محدش رباهم زعلوني، أنا همشي أحسن"
ردت عليه هي بذلك الحديث حتى قال هو موجهًا حديثه لزوجته:
افرحي يا عبلة، كان نفسي أكون قدوة بقيت عِبرة، عيالي اللي محدش رباهم"
ربتت "عبلة" على كتفه بسخريةٍ فيما وقف هو ثم اقترب من الآخرى يجلس على ركبتيه أمامها و هو يقول بنبرة هادئة:
مالك بس ؟! مين زعلك ؟!"
ردت عليه تفسر سبب ضجرها:
مازن قعد يزن مكاني، و زياد زعقلي علشان باخد اللعبة من نغم، أنا هروح عند بابا أحسن"
قبلها على وجنتها ثم قال:
محدش فيهم و لا حتى أنا يقدر يزعلك حتى، تعالي معايا و ناخد حقك و حق الكل منهم"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ و هي تركض أمامه فيما التفت هو ينظر لزوجته و هو يقول بنبرة ضاحكة في طياتها السخرية:
بينوروا البيت و يخلوا فيه طعم ؟! أكيد بطعم الخل و الملح"
قال جملته ثم دلف للداخل و هو يتوعد للبقية، و قد وصل أمام الغرفة و فتح الباب ليجد "جاسمين" تقف أمامهم بغيظٍ ز البقية يجلسون على المقاعد الصغيرة يشاهدون الفيلم سويًا.
اقترب "وليد" منهم يجلس في المنتصف ثم سحب "جاسمين" حتى جلست بين قدميه فقال هو بنبرةٍ هادئة:
مين فيكم يا كلاب اللي زعل جاسمين ؟!"
ردت عليه بسرعةٍ:
الكلاب دول كلهم"
كمم فمها ثم قال بثباتٍ:
المفروض انكم متجمعين سوا علشان تفرحوا و علشان انتم بتحبوا بعض، إنما اللي بيحصل دا كدا غلط، انتم الخمسة أخوات و كدا عيب"
ردت عليه "نغم" بهدوء:
محدش زعلها والله، هي زعلت علشان زياد سابلي اللعبة"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بتفهمٍ:
أنا عارف والله، بس مش عاوزكم تكونوا زعلانين من بعض، انتم كبار خلاص....اتفقنا !!"
حركوا رأسهم بموافقةٍ و قبل أن يقوم هو أوقفته الصغيرة بقولها:
سرحلي شعري أنتَ رايح فين ؟!"
زفر هو مستسلمًا لها ثم أمسك خصلاتها يقوم بصنع الجديلة لها و هو يبتسم بحنانٍ و كأنها قطعةً منه أو بالأحق هي قطعة صغيرة من شقيقة روحه لذا حتى إذا أرادت عيونه لن يبخل عليها بها.
انهى صنع الجديلة حتى قامت هي تقفز عدة مراتٍ فجلس محلها "يزن" بين قدمي الاخر الذي قال بسخريةٍ:
نعم ؟! عاوزني أضفرلك شعرك أنتَ كمان ؟!"
_"ليه هو أنا اسمي جاسمين ولا إيه ؟! خليني قاعد هنا و هي تقعد على الكرسي بلاش صداع"
تفوه "يزن" بذلك حتى ضرب "وليد" كفيه ببعضهما لا يصدق أن هذا الصغير ابن شقيقته ففي كل مرة يتأكد أن "نغم" هي من حملت صفات والديها معًا على عكس الأخرين.
_________________________
أنهت "خديجة" عملها في البيت و ترتيبه بعدما استغلت رحيل سبب دماره، ثم جلست في أمام التلفاز تطالعه بمللٍ و بجوارها "خدوش" التي كبرت معهم و ترعرت في كنفهم حتى أصبحت كبيرة الحجم لكن هيئتها كما هي بريئة، جلست معها بعدما نام "ياسين" و قد قرر استغلال الهدوء المخيم عليهما.
زفرت بقوةٍ و قبل أن تقوم من محلها وجدته يخرج لها من الداخل لكن النوم لم يكن ظاهرًا على وجهه، فسألته بتعجبٍ:
أنتَ ماكنتش نايم ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
لأ معرفتش أنام، حاولت بس معرفتش كان فيه حاجات تبع الشغل بخلصهم قولت علشان أعرف اقعد معاكِ"
رفعت حاجبيها باستنكارٍ و كذلك ابتسمت و هي تحاول كتم ضحكتها تلك، فجلس هو بجوارها و على حين غرة قام بسحب الرباط من شعرها ثم قام بفرد خصلاتها التي ازدادت طولًا و نعومةً على كتفيها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
شكلك حلو لما بتفرديه"
تجاهلت حديثه و هي تحرك رأسها موافقةً فيما أوقفها هو ثم قال بتهكمٍ:
هتفضلي تهزي في راسك كتير يا كتكوتة ؟! يعني وليد قايم بالواجب و أنتِ وحشاني و ضرايرك مش هنا"
ردت عليه بقلة حيلة:
نعم !! عاوز إيه سيدي ؟!"
سحبها من يدها ثم اوقفها أمامه يمسك كفها و كفه الأخر يضعه في خصرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة يغني لها بصوته العذب:
من أول يوم في لُقانا....خدني هواك....عيشت معاك أحلى سنين عمري يا غالي....بان علطول إيه جوانا لما العين جت في العين....و لا حسيت باللي جرالي....بينا نعيش دا العمر ليلة... متقوليش....نستنى ليلة....دي الايام جنبك جميلة.... و عمري يا غالي لقيته معاك....بينا نعيش دا العمر ليلة.... متقوليش... نستنتى ليلة....دي الايام... جنبك جميلة و عمري يا غالي لقيته معاك".
كان يغني لها بملء صوته كل كلمة تتفوه عن نفسها بصدقٍ و هي تبتسم له بسمتها المشرقة المعتادة منها حتى قربها من عناقه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
يمكن العمر جري و بقيت أب لتلاتة غير بعض و كل واحد فيهم واخد غلاوة عندي غير التاني، بس غلاوتك في قلبي زي ما هي يا خديجة، بنتي الكبيرة و أول فرحتي زي ما بيقولوا، فرحتي و حبي لولادي دا علشان أنتِ أمهم"
لمعت عينيها كما تلمع النجوم في السماء و هي تطالعه و كأنها تتأكد منه عما تفوه به فحرك هو رأسه موافقًا يؤكد لها أن مكانتها كما هي ثابتة منذ البداية بل تزداد مع مرور الأيام و خاصةً و هي تعانقه و تتمسك به و كأنها تنتظر فقط حديثه لتشرق من جديد كما الشمس في الصباح.
_________________________
انهى "عمار" جولته مع "خلود" بالدراجة الهوائية وسط شوارع المنقطة الفارغة من الجميع عدا الدراجات الهوائية و التي يركبونها، ثم توجه بها نحو محل وجبتها المفضلة يجلسان سويًا.
جلست "خلود" أمامه و هي تبتسم له و هو يُملي طلباته للعامل و كم كان دقيقًا في وصف ما تريده هي حتى أدق من نفسها، رحل العامل فيما قال هو بثباتٍ:
أظن لفة العَجَل دي جوعتك"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
أوي بصراحة و أنا اصلا معرفتش أكل لوحدي و قولت أستناك، و بما إنك جيت قولت ننزل"
حرك رأسه موافقًا فقالت هي بتعالٍ و تكبرٍ:
أنا أصلًا كان المفروض افهمك الكتالوج بتاعي، شكلك غلبان و لبست في حيطة معايا"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
بالعكس، مش يمكن أنا اللي كنت مستني يوم زي دا نكون سوا فيه كدا ؟! حتى لو إنك تدلعي عليا ؟! لو مش أنا اللي هتكوني على راحتك معاه، أومال مين اللي المفروض يطمنك ؟!"
ابتسمت له بسعادةٍ بالغة و ضربات قلبها تتصارع خلف بعضها حتى وُضع الطعام أمامها فقال هو بنبرةٍ هادئة:
كلي يا خوخة بألف هنا و شفا"
ابتسمت هي بيأسٍ ثم قالت تحذره:
خلي بالك !! مش أي حد مسموحله يقولي خوخة، بس علشان أنتَ حبيبي و غالي عليا هعديها"
غمز لها بمشاكسىةٍ و رافق فعله ذلك قوله العابث:
لو أنا غالي عليكِ ... فأنتِ أغلى ما ليا في الدنيا في الدنيا ديا"
اقتربت منه تقول بنبرةٍ هامسة:
مش هرد عليك هنا، لما نروح بقى أحسن علشان المنظر العام"
ضحك رغمًا عنه و هو يراقبها تغمز له ثم شرعت في تناول الطعام فيما ضحك هو من جديد و ضرب كفيه ببعضهما لا يصدق أنه أفنى سنوات عمره ينتظر تلك التي ستوقعه في مصيبة ذات يوم.
_________________________
في صباح اليوم التالي و قبل صلاة الجمعة و خاصةً في المكان المفضل الذي بدأت منه معظم القصص هيا بنا لنرى الآتي:
_انزل يا عُمر بدل ما أخلي الباقي كلهم يتفرجوا عليك لما أصورك و أنزلها ؟! انزل و أرحم السفرة"
تفوه "يونس" بذلك و هو يقف بجوار طاولة السفرة و "زين" بجواره و "عمر" فوقها و "ميمي" تتابعهم كما كانت تتابع الكبار، بينما قال "عمر" بخوفٍ:
والله قولت لعمو خالد إن حجز الكورة باسمك علشان ميزعقش ليا، أنا بخاف من ابوك اكتر من أبويا"
ضحك "زين" بصوتٍ عالٍ فقال "يونس" بسخطٍ:
يا زفت ماهو زعقلي أنا !! أنا من ساعة ما اتعورت وعدته مش هعمل كدا تاني، و معاه حق فكرني مش بسمع الكلام"
سألتهم "ميمي" بتعبٍ من صوتهم:
فيه إيه يا حبيبي أنتَ و هو ؟! فهموني طيب و نحل الموضوع، السفرة دي ربت أجيال"
اقترب منها "يونس" يقول بغيظٍ:
مش بابا آخر مرة لما اتعورت قالي مفيش حجز كورة تاني ؟! و أنا قصادك وعدته ؟! عمر كلم العيال و حجز و خلى الحجز باسمي، و بابا قالي أني مش بسمع الكلام و هو معاه حق بصراحة"
أشارت له بجوارها حتى اقترب منها فقالت هي بنبرةٍ هادئة:
بابا روحه فيك و لما اتعورت كان هيتجنن علشانك، خايف عليك يجرالك حاجة، مش قصده يحرمك من الحاجة اللي بتحبها، متزعلش منه يا يونس"
ابتسم لها ثم قال بهدوء:
مش زعلان منه علشان هو فاهمني كل حاجة، بس عمر اتسرع و دبسني معاه و أنا مش عاوز بابا يزعل مني"
اقترب منه "زين" يقول بلهفةٍ:
خلاص أنا هقول لخالو و هعرفه كل حاجة و هو مش هيعمل حاجة، يلا بس علشان نصلي، الساعة خلصت من بدري اصلا"
اقترب منهم "عمر" يقول بوقاحةٍ:
بس ياض يا خواجة أنتَ !! هو أنا هخاف ولا إيه ؟! أنا هقوله يا عمو خالد يونس بريء و أنا اللي حجزت الساعة من وراكم و دبسته"
_"يا وقعة أبوك سودا يا ابن عامر ؟! تصدق ياض حلال فيك الدبح !!"
تفوه "خالد" بذلك بعدما استمع لجملة "عمر" الذي ركض نحو السفرة فضحك البقية عليه حتى قال "ياسر" بسخريةٍ:
صحيح اللي خلف مماتش، نفس حركات أبوك بالظبط، خليك كدا"
تدخل "عامر" يقول بغيظٍ منه:
دي جينات وراثية خد بالك !! أصل هيطلع لمين يعني ؟! صحيح هذا الشبل من ذاك الاسد"
رد عليه "ياسين" بسخريةٍ:
شبل و أسد ؟! إيش حال مكانتش السفرة دي هي اللي مربياكم سوا ؟!"
رد عليه "عامر" بنفس السخرية:
مالك يا حلويات ؟! شوف مين بيتكلم ؟؟ قولي بصحيح عيالك فين ؟؟ يوه نسيت عند خالو وليد"
ضحكوا جميعًا عليهما حتى الصبية الصغار، فيما عض "ياسين" شفته السفلى بغيظٍ و قبل أن يبدأ العِراك مع "عامر" قال "خالد" مسرعًا:
بس أنتَ و هو خلونا نلحق الصلاة علشان نروح العزومة و منتأخرش، قلة أدبنا دي نخليها هنا"
انسحبوا خلف بعضهم بالعباءات البيضاء و كذلك الصغار بعدما قاموا بتوديع "ميمي".
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" قامت النساء بالتعاون مع بعضهم لتقديم الطعام و تجهيزه و كذلك ذهبت فتيات العائلة منذ الصباح حتى تعاون البقية.
كانت "هدير" تجلس وسطهن تحمل "سيلينا" فركضت لها "فاطيما" تتشدق بنذقٍ:
إيه دا إن شاء الله ؟!"
ردت عليها "هدير" و هي تحاول جاهدة كتم ضحكتها:
خير ؟! مالك إن شاء الله ؟!"
ردت عليها بضجرٍ:
شيليني أنا يا ماما و أديها لمامتها، بابا بيصلي و راح من غيري و علي مش هنا"
حملتها "هدير" على قدميها و هي تقول بنبرة صوتٍ هادئة:
دي أختك أنتِ كمان و كلكم هنا أخوات مع بعض، مش أنا و خالتو هدى أخوات ؟! و بابا و عمو وئام و كلهم ؟! أنتِ كمان أختها"
حركت رأسها موافقةً ثم قبلتها في كفها الصغير و قالت بحماسٍ:
هاتيها أشيلها بقى طالما أختي"
ردت عليها "مشيرة" بتهكمٍ:
معندكيش وسط ؟! هتقع منك لو شيلتيها ياختي"
ظهر التبرم و الضيق على وجه "فاطيما" فركضت لها "نغم" تقبلها و تراضيها ثم أخذتها تجلس مع "جاسمين".
في الأسفل قاموا بترتيب الجزء المخصص لهم و لمناسباتهم و قاموا بوضع المقاعد الطاولات و كانوا يعانوا بعضهم البعض حتى يليق اليوم بهم.
بعد مرور ساعة تقريبًا اجتمعوا بعدما وصل "ياسين" و الشباب و الفتيات أيضًا و "ميمي" برفقتهم، بدأت الأجواء تزداد حماسًا و فرحةٍ باجتماع البقية و الصغار مع بعضهم، كان "طارق" جالسًا بجوار الشباب و صغيرته على قدمه، بينما "زياد" كان يبتسم له و الأخر يتجاهل نظرته مقررًا تجاهله بالكامل، حتى ركضت نحوه "رؤى" و هي تقول بحزنٍ:
يا بابا العلبة بتاعة العجلة اتكسرت تاني، قولتلك خلي زياد يصلحها هو بيعرف"
تدخل "وئام" يقول بنبرةٍ هادئة:
علي أو فارس بيعرفوا برضه شوفيهم برة كدا"
تذمرت هي فيما وقف "زياد" يقول بنبرةٍ هادئة تعكس شخصيته الأخرى:
عادي يا عمو هصلحها أنا علشان متبوظش تاني زي ما خالو طارق بيعملها"
تدخل "حسن" يقول بسخريةٍ:
يا واد يا أبو الشهامة !! صداع من كرم أخلاقك، صحيح أبوك مين"
قال "عامر" ساخرًا:
قصدك جده و جيناته مين"
استمرت السخرية على البقية و "زياد" يقوم بوضع العلبة بعدما سحب المسمار الصغير الذي وضعه بها يمنع دخول العلبة و بعدما انتهى صفق له البقية فابتسم هو لها حتى قالت هي بحماسٍ:
شكرًا يا زياد، أنا قولت لبابا إنك شاطر و هتعرف تعملها بس هو مصدقش"
تحركت من أمامه بالدراجة فيما اقترب منه "يونس" يسحب المسمار الصغير و هو يغمز له ثم وضعه في جيب بنطاله، حينها ضحك "زياد" و كذلك البقية.
و بعد مرور دقائق قليلة من الاجتماع بدأ "عمر" كعادته في نشر البهجة حيث التقاط الصور و تصوير الفيديوهات الساخرة مع الأطفال جميعهم و قد شاركهم "عامر" و "وليد" معًا.
في الأسفل وصل "عمار" و "خلود" معه و فور رؤية الصغار لهما ركضوا نحوهم يلتفون بدائرةٍ و كلٍ منهم يود أخذ الأخر حتى قال لها "عمار" بسخريةٍ:
واضح أنهم بيحبوكي اوي يا خوخة، عاملة كبيرة علينا بس ؟! طلعتي بتحبي العيال يا تافهة"
ردت عليه بنبرةٍ هامسة:
مش هما بس اللي بيحبوني يا عمار و أنا مش بحبهم لوحدهم، فيه كتير بحبهم و يا بخته اللي خلود تحبه"
ابتسم هو لها ثم حمل "يزن" على ذراعه و مال على أذنها يقول بنبرةٍ هامسة:
يبقى يا بخته عمار ابن فهمي"
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثالث 3 - بقلم شمس بكري
في شقة "ياسين" ظل "يزن" يشاكس شقيقته حتى صرخت فيهما "خديجة" و حملتهما نحو غرفتهما حتى يخلدا للنوم، بينما "جاسمين" جلست كعادتها بهدوءٍ تمسك الكتاب الذي جلبه لها "ياسين"، كتاب يحكي عن الأساطير و الأميرات في قديم الزمن، على الرغم من قرائتها الضعيفة لكنها كانت تحاول تقرأ الكلمات المكتوبة، فقد كان هوسها يزيد شغفها في الانغماس بذلك الكتاب، كانت ترى الصور الموجودة بداخله و هي تبتسم و تغلق عيناها لعلها ترى نفسها أحداهن، جلست في الشُرفة و بجوارها القطة "خدوش" التي تلزمها كعادتها لم تفارقها.
في الغرفة بالداخل نام الصغيرين كليهما على فراشه و "خديجة" امامهما على المقعد الخشبي تضم ذراعيها على بعضهما و هى تراقب احاديثهما الكبيرة و التي تتنافى مع صغر عمرهما، حيث قال "يزن" بصوته الصغير:
يا ماما فاكرة لما قولتيلي لو عاوز حاجة اعملها لغيرك ؟! أنا عملت كدا و كنت فرحان"
عقدت ما بين حاجبيه و هي تنظر له بكامل تركيزها، فيما أضاف هو مُفسرًا:
في الحضانة كان فيه ولد معايا مش معاه سندوتشات، كان معاه فلوس بس، أنا اديته من أكلي، و لما هو جه يديني الفلوس خدتها منه، و جيبت عصير و اديتهوله، كدا أنا حلو ؟!"
ابتسمت له بفخرٍ ثم اقتربت منه تقبل وجنته و هي تقول بمرحٍ:
كدا أنتَ أحلى الحلوين كلهم يا روح ماما، فرحانة بيك اوي"
رد عليها مُسرعًا:
هو قالي إن جده تعبان و مامته مش بتعرف تسيبه، و باباه مش بيعرف يعمل أكل علشان كدا بيديله فلوس، بكرة بقى اعملي لينا إحنا الاتنين أكل إيه رأيك.؟!"
ردت عليه بحبٍ:
حاضر عيوني الاتنين، بس متقولش لحد من صحابك، طالما عملت حاجة حلوة، متعرفش حد"
قبل أن يسألها هو تدخلت "جاسمين" تسألها بتعجبٍ:
ليه يا ماما ؟! طب ما هو عمل حاجة حلوة يقول و خلاص، مش احسن ما يعمل حاجة وحشة"
تنهدت "خديجة" بعمقٍ ثم قالت:
بصي، لما أعمل الحاجة و امشي أقول أنا عملت، كدا أنا مش كويس، علشان أنا ممكن ازعل الشخص اللي عملتله، يعني صاحب يزن دا، صغير أكيد و متضايق علشان مامته، مينفعش يزن يقول لباقي صحابه، كدا هو هيجرح صاحبه، افتكر الجملة اللي بابا علطول يقولها، الجدع بيخدم و ينسى، و كدا كدا كل حاجة بنعملها بترجع لينا"
سألها تلك المرة "يزن" بقوله:
إزاي ؟! يعني حد هييجي تاني يديني سندوتشات لما جدو طه يتعب ؟!"
ردت عليه هي بسرعةٍ هدأت مع خروج كلماتها:
بس يا جزمة !! بعد الشر، مش قصدي حرفيًا كدا، بس اقصد يعني الموقف، يعني مثلًا لو اتحطيت في موقف و عاوز مساعدة، من غير ما تطلب هتلاقي اللي يساعدك، علشان أنتَ مسبق بالخير، فهمتني ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسألتها "جاسمين":
طب دلوقتي فيه بنوتة بتقعد لوحدها علطول شكلها حلو أوي بس رخمة، مش بتكملنا، عارفها يا يزن ؟!"
حول ملامحه للامتعاض و هو يتشدق بنذقٍ:
يوه !! دي بت رخمة اوي، أنا كنت فاكرها خرسا"
أكملت "جاسمين" حديثها تتابعه من جديد:
بفكر أروح اتكلم معاها، بس لو زعلتني هعمل زي خالو وليد و أمسك في شعرها"
ردت عليها "خديجة" بلهفةٍ:
لأ أبوس ايدك، بلاش تعملي زي خالو وليد، بلاش تكلميها أحسن خلاص"
ردت عليها بقلة حيلة:
يا ماما هي حلوة أوي زي زينة كدا، بس علطول تبصلنا بقرف، و مش بترضى تتكلم مع حد، و لما حد يكلمها مش بترد عليه، كلهم بقوا يقولوا ليها يا رخمة"
تنفست "خديجة" بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة تحاول توصيل مغزى الحديث لهما:
و دا غلط، هي ممكن تكون مش واخدة عليكم، و أكيد هي جاية جديدة وسطكم صح ؟!"
_"آه بقالها شوية صغيرين"
ردت عليها ابنتها بذلك، فيما قالت "خديجة" مسرعةً:
شوفتي بقى ؟! هي لسه مش عارفة تتعود عليكم، بصي، بكرة خدي حاجة حلوة من اللي هنا و أديهالها و اضحكي في وشها، و هي واحدة واحدة هتلاقيها بتفك معاكم"
رد عليها "يزن" يتدخل في الحديث موجهًا حديثه لتوأمه:
بصي اديهالها و لو زعلتك، أنا موجود و هزعلها علشانك"
ردت عليه الأخرى بشغبٍ:
و ليه ؟! أنا موجودة، لو احتجتك هجيبك"
غمز لها بمشاكسىةٍ فيما ضربت "خديجة" كفيها ببعضهما لا تصدق أن ذلك التوأم هي امهما و حملتهما في أحشائها، لولا الشبه بينهما و أنهما التوأم الوحيد الذي وُلِدَ في ذلك اليوم لكانت شكت في الأمر بِـرمته أنه قد تم تبديلهما في المشفىٰ
_________________________
في الخارج أغلقت "نـغـم" الكتاب و هي تبتسم بحالميةٍ تتخيل نفسها في وضع أميرة من تلك الأميرات، بينما "خدوش" ارتفعت على قدميها تجلس عليهما، فرفعت كفها الصغير تربت عليها.
خرج "ياسين" من الداخل بعدما استيقظ كعادته، فنظر حوله بعدما خرج من الغرفة و وجدها خاليةً منها، سار حتى وقع بصره على "نـغـم" تجلس في الشرفة مع القطة، ابتسم هو بسمته الهادئة حيث ذكرته هيئتها تلك بنفس هيئة "خديجة" قبل حملها حينما كانت تجلس بالقطة، اقترب منها يقول بنبرةٍ متحشرجة:
مساء الخير يا قلب بابا، صاحية لحد دلوقتي ليه ؟!"
حركت كتفيها و هي تقول بتلقائيةٍ تشبه تلقائية والدتها البريئة:
عيني مش فيها نوم"
ابتسم بقلة حيلة نفس البسمة التي يبتسمها لزوجته، ثم جلس بجوارها و هو يقول بقلة حيلة:
أنا لو كنت عملت Copy Paste من خديجة مكانتش هتطلع كدا"
شعرت بالسخرية في حديثه لءا سألته بتعجبٍ:
اومال اسمها إيه ؟! ماهو عيني مش بتغمض خالص"
رد عليها مُردفًا بتفسير:
اسمها مش جايلي نوم، مش عيني مش فيها نوم"
ابتسمت هي له فيما تحرك هو بجسده يُلقيه على فخذيها ثم قال بنبرةٍ ظهر بها أثر النوم و هو يتثاءب:
طبعًا ماما دخلت تنيم الثنائي المغامر، نيميني أنتِ بقى يلا"
ادخلت كفها الصغير في خصلات شعره الكثيفة تدلك فروة رأسه كعادتها، فيما ابتسم هو ثم أغمض عيناه تحت تأثير نعومة كفها الرقيق، في تلك اللحظة خرجت "خديجة" بعدما تأكدت من نومهما و زفرت بعمقٍ من كثرة حديثهما و تفاهة مواضيعهما حتى ناما سويًا.
خرجت حيث الشرفة حتى تُتتم على الشقة و الشرفات، لكنها تفاجأت بهما في الشرفة، فسألت باستنكارٍ لوجودهما هنا:
بتعملوا إيه هنا ؟! و بابا نايم كدا ليه يا نغم ؟!"
ردت عليها "نـغـم" بتلقائيةٍ:
بابا معرفش ينام و أنا بنيمه أهو، تعالي اقعدي معايا شوية مش عارفة أنام"
تنهدت "خديجة" ثم اقتربت منها تجلس بجوارها و هي تبتسم لها ثم نظرت في وجه "ياسين" الذي غفىٰ في ثباتٍ عميق، حينما لاحظت الصغيرة نظرتها نحوه سألتها ببراءةٍ:
بتحبيه أنتِ يا ماما، صح؟!"
حركت "خديجة" رأسها موافقةً بشرودٍ و أعينها مُثبتة عليه، حتى قالت "نغم" بنبرةٍ ضاحكة:
و أنا كمان بحبه أوي، أحلى ياسين في الدنيا كلها"
ردت "خديجة" تؤكد صدق حديثها:
هو فعلًا أحلى ياسين في الدنيا كلها، هو كله أحلى حاجة في الدنيا أصلًا"
سألتها "نـغـم" بمرحٍ:
هو أنتِ ليه اتجوزتي بابا ؟!"
نظرت لها "خديجة" باستنكارٍ لسؤالها فردت "نـغـم" على نظراتها المتساءلة بقولها:
اقصد يعني ليه بابا ؟؟"
ردت عليها "خديجة" بتفسيرٍ:
علشان بابا هو أحن حد في الدنيا كلها، مش أنا اللي اختارته، أنا طلبته من ربنا و هو كرمني بيه، كنت بقول يارب اكرمني بواحد أحن عليا من نفسي، لحد ما جِيه هو، مكانش عندي صحاب و مكنتش اعرف حد علشان جدو طه كان بيخاف عليا أوي هو و خالو وليد، بس ياسين بقى صاحبي و كل حاجة ليا، الوحيد اللي حسيت معاه بالإحساس دا"
_"احساس إيه دا ؟!"
خرج ذلك السؤال من الصغيرة لترد عليها "خديجة" بعدما نظرت في ملامح وجهه:
أني بحس، أول مرة أحس بحاجة كانت معاه هو، طمني و أنا ماكنتش بعرف اتطمن"
سألتها "نـغـم" بفرحةٍ من حديثها عن والدها:
طب حسيتي بإيه بالظبط معاه؟"
تنهدت "خديجة" بعمقٍ ثم قالت:
حسيت معاه إن الدار أمان"
قالتها "خديجة" بنبرةٍ هائمة فيما سألتها "نـغـم" بمرحٍ:
علشان كدا كل ما تزعلوا سوا و يصالحك بتقوليله الدار أمان ؟!"
حركت "خديجة" رأسها موافقةً بحماسٍ فصفقت "نـغـم" بحماسٍ و هي تقول بنبرةٍ طفولية:
الله !! يارب اتجوز واحد زي بابا كدا يا رب"
نظرت لها "خديجة" بدهشةٍ ثم اقتربت منها تحتضنها و هي تقول بنبرةٍ هادئة نتجت عن عاطفة امومتها:
ربنا يكرمك باللي يقدر جمال قلبك و يحط في عينه"
كان "ياسين" مُستمعًا للحوار الدائر بينهما، فانتفض مسرعًا يقول بتهكمٍ:
يعني البت بتقولك يارب اتجوز واحد زي بابا، أمني وراها ياختي"
ردت عليه بنبرةٍ عالية:
أنتَ بتزعقلي ليه ؟! الله ؟!"
_"علشان أنتِ مستفزة يا ست الكل، مش محتاجة يعني"
رد عليها هو بذلك و قبل أن تقترب منه أمسك هو ذراعها ثم قال بنبرةٍ هامسة:
ها !! تحبي أضرب و اتقل ايدي، و لا تجيبي بوسة و نلم الدور ؟!"
نظرت له بتعجبٍ فيما اقترب هو منها يقبل وجنتها حتى قالت هي بنبرةٍ مرحة:
خلاص يا مهلبية الدار أمان"
اقتربت منهما "نـغـم" تعانق والدها و هي تقول بمرحٍ:
الدار أمان يا ياسين"
_________________________
في شقة "عامر" كان جالسًا في الخارج يتصفح هاتفه و أتت زوجته من الداخل و هي تحدثه و سرعان ما قطعت حديثها و هي تقول بغرابةٍ من عدم تواجد الأخر:
اومال عمر فين ؟؟ مش كان معاك هنا ؟!"
حرك كتفيه و هو يقول بلامبالاةٍ:
أنا عارف ؟؟ هتلاقيه نام ولا بيلعب في أوضته"
ردت عليه بشرٍ:
اقسم بالله لو بيصحي ريتاج لأجيبه من شعره، أنا ما بصدق تنام بقى"
وقف "عامر" مسرعًا بلهفةٍ و هو يقول بنبرة صوت اظهرت غموضه:
اقسم بالله لأخليه يسهر بيها علشان يتعلم الأدب"
دلف للداخل حيث غرفة ابنته و قام بفتح الباب و قبل أن يرفع صوته يعنف "عُـمر" تفاجأ به يجلس على المقعد بـقرب فراشها البلاستيكي المزود بألعاب و إضاءة لها، كان "عمر" جالسًا أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و هي تلعب بكفيها و قدميها الصغيرين تستمع له:
و عارفة كمان لما أكبر و أدخل الجامعة أنا هاخدك معايا، علشان أنا فضلت كتير من غيرك، و البيت هنا كان وحش أوي من غيرك، صحيح كل شوية تعيطي، بس أقولك سر ؟؟ أنا بحب عياطك اوي، و لما تكبري أنا مش هخليكي تعيطي، هحبك زي ما بابا حب عمو عمار، و بحوش علشان اجيبلك عروسة تلعبي بيها، اكبري بقى !!"
قالها بقلة حيلة و يأسٍ من صغر عمرها مقارنةً بعمره، ثم زفر مستسلمًا ثم قال بنبرةٍ اهدأ من السابق:
خلاص اكبري براحتك و أنا هستنى، و أوعدك أني هفضل أحبك لحد ما تكوني قد زينة كدا و اخدك و نروح عندهم نلعب هناك سوا"
تلاشت بسمة "عامر" ثم رفع صوته و هو يقول بغضبٍ مبالغًا فيه:
آه يا كلب يا واطي ؟! واخد أختك كوبري علشان زينة ؟! دا أنا هرقصك يا ابن عامر"
شهق "عمر ثم ركض نحو الأريكة و هو يقول بخوفٍ:
كانت عمالة تعيط قولت افضفض معاها، مالك بس"
رد عليه "عامر" و هو يشيح بكفيه معًا:
يا فرحتي بيك، عاوزها تكبر علشان تروح تسرح بيها على زينة ؟! اخس يا واطي"
رد عليه "عمر" مسرعًا:
بس متنكرش أني بحبها، ريتاج أختي و هتكون صاحبتي بس هي تكبر علشان أنا خلقي ضيق"
قبل أن يقترب منه "عامر" ركضت "سارة" تسألهما بلهفةٍ:
فيه إيه ؟! ريتاج حصلها حاجة؟!"
رد عليها "عمر" بلهفةٍ:
يعني هي ريتاج بس اللي هنا، طب و أنا يا أم عمر ؟!"
اقتربت منه تقف أمامه تحميه و هي تسأله بتعجبٍ:
عمل إيه يا عامر ؟! خير"
رد عليه بقلة حيلة:
هو دا وش خير ؟؟ العيال دي عمار لازم يديهم درس في الأدب، عمر كفاية هزار في موضوع زينة، ماشي ؟!!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
خلاص من هنا لحد ما نروح نخطبها مش هتكلم عنها والله"
ضرب "عامر" كفيه ببعضهما ثم خرج من الغرفة و قد لحقته "سارة" فيما اقترب "عُمر" من "ريتاج" يسألها بمعاتبةٍ ساخرة:
مش لو كنتي كبرتي كان زماني واخدك و رايحين عندها ؟! خليكِ كدا جايبة لينا الكلام".
_________________________
في شقة "وئام" ببيت الشباب كان صوت ابنته و بكائها يرتفع طوال الليل، و والدتها "هدى" تسير بها في الغرفة و هي تهدهدها بكفيها و الأخرى كما هي تبكي بصوتٍ عالٍ حتى دفع "وئام" الغطاء من على جسده و قال بضجرٍ:
ما تنامي بقى يا ستي، نامي الواد نايم بقاله ساعتين، دا إيه وجع الراس دا"
ردت عليه "هدى" بصوتٍ عالٍ:
متزعقلهاش بقولك !! عيلة هنعمل إيه يعني ؟!"
زفر بقوةٍ ثم اندفع من الفراش يأخذها من والدتها فارتفع صوت الصغيرة، بينما هو تحرك نحو الخارج فوجد "فارس" يغط في ثباتٍ عميق، زفر مُستسلمًا ثم فتح باب الشقة و صعد للدور الخاص بشقيقه.
طرق باب الشقة حتى فتحت له "عبلة" و هي تبتسم له فيما قال هو معتذرًا:
معلش يا عبلة أنا أسف، بس هي مش عاوزة تسكت و مش قادرين عليها، وليد صاحي ؟!"
ردت عليه بودٍ ترفع عنه حرجه:
متقولش كدا يا وئام، دي بنتنا برضه، هاتها وليد بيصلي بيهم جوة"
حرك رأسه موافقًا ثم سلمها الصغيرة بينما "عبلة" ابتسمت له حتى نزل هو ثم أغلقت الباب و دلفت للداخل حيث كان "وليد" واقفًا على سجادة الصلاة و بجواره "زياد" و "مازن"، كان يصلي بهما قيام الليل كعادته حتى لو ركعتين في جوف الليل.
جلست "عبلة" على بعدٍ منهما تحمل الصغيرة التي انخفض بكائها بشكلٍ ملحوظ و هي ترتجف من فرط البكاء، خلعت "عبلة" حجابها و هي تبتسم لمنظر زوجها و أبنائها حتى انتهت الصلاة و قام "وليد" بالتسليم مُعلنًا نهاية الصلاة، بينما الأخرين اندفعا حتى يركضان نحو الصغيرة، فأمسكهما بيده يردع حركتهما و هو يقول من بين أسنانه:
اقعد يا جزمة منك ليه، قولنا نختم الصلاة و بعدها نتحرك، سيلينا مش هتطير"
جلس "مازن" أمام والده و جاوره "زياد" و كلٍ منهما يمسك المسبحة الالكترونية الخاصة به يختم بها صلاته، و كذلك "وليد"
حتى انتهوا فرفع "وليد" كفيه يتضرع لله سبحانه و تعالىٰ و كذلك ابنيه اللذان ركضا فورًا نحو الصغيرة و لاحقهما "وليد" و هو يضحك بيأسٍ.
حمل "سيلينا" على يده يهدهدها حتى ضحكت بصوتٍ عالٍ و هي تحرك رأسها بشدة، فقالت "عبلة" بنبرةٍ ضاحكة:
والله العظيم ملبوسة زيك، الله يصبرهم عليها، حالتها بقت صعب"
رد عليها "وليد" و هو يربت على ظهر الصغيرة:
علشان محدش تحت بيلاعبها، فارس بينام بدري و هي متعلقة بيه، و وئام آخره يلف بيها شوية و هدى تزهق من كتر العياط، إنما هنا عندنا اراجوزات، يرقصوا الجن"
نظر التوأم لبعضهما و هما يضحكان على حديث والدهما، بينما "عبلة" قامت و هي تقول بحماسٍ:
بما أنهم في إجازة يعني أنا هقوم أحضر ليها اللبن علشان نلعب معاها، و أنتَ ترتاح شوية"
قبل وجنة الصغيرة و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
لا مفيهاش نوم خلاص، اعمليلي كوباية قهوة لحد ما نشوف الأستاذة هتنام امتى"
دلفت "عبلة" للداخل فيما ركض لها "مازن" يجلس امامها و يلاعبها بملامح وجهه و هي تضحك عليه و كذلك "زياد" انضم لهما هو الأخر، فقال "وليد" بسخريةٍ:
ياترى بقى لما تكبري هتقدري لعبهم معاكِ و لا هترزعيني واحدة عيالك متربوش تجيب أجلي ؟!"
ضحك "مازن" و "زياد" معًا، فيما قال "زياد" بعبثٍ:
فاكرين سيلينا لما شافتنا أول مرة مع بعض و عيطت من الخوف ؟! بصراحة أنا كنت ميت من الضحك"
رد عليه "مازن" بغموضٍ:
أصلًا مش كلهم بيعرفونا غير عمتو خديجة و ماما و ساعات عمو ياسين، الباقي كلهم بتيجي معاهم كدا"
رد عليهما "وليد" بثقةٍ:
و أنا بعرفكم، و عارف مين فيكم اشتغلني قبل كدا و خد مصروف مرتين، هو أنا عيل ؟!"
نظرا لبعضهما فيما قال هو بثقةٍ:
دا أنا بابا ياض أنتَ وهو، هتشتغلوا بابا !!"
_________________________
في اليوم التالي و مع بداية حلول الليل كانت "إيمان" تشعر بتعبٍ و البرودة تسير في جسدها، تغير الموسم الجوي أصابها في جسدها بالكامل و ارتعشت فجأةً و هي تشعر بالثقل في رأسها و الآلم عظامها، أتى "ياسر" من عمله و دلف الشقة فوجد "زين" يجلس أمام التلفاز بمفرده، فسأله عن البقية، حينها قال "زين" بهدوء:
زينة في اوضتها جوة، و ماما خلصت الغدل و دخلت اوضتها"
حرك "ياسر" رأسه مومئًا ثم دلف غرفته، لكنه تفاجأ بزوجته تهزي اثناء نومها و تغمغم بكلماتٍ غير مفهومة، اقترب منها يتفحص حرارتها حتى صُعِق حينما وجدها مرتفعة بذلك الشكل و تحول وجهها للون الأحمر، ترك حقيبته و ركض للخارج ينادي على أبنائه حتى وقفا أمامه فقال هو بصوتٍ عالٍ:
تعالوا شوفوا ماما مالها مفيش دم خالص كدا عندكم ؟!"
ركضا خلفه الاثنين نحو الداخل فيما جمع هو ما يريده و الإبرة الطبية اخذها من الثلاجة ثم اقترب من زوجته يقوم بعمل الكمادات الطبية لها و هي ترتعش من برودة القماشة التي تتحول إلى السخونة الشديدة في الحال، كان "زين" يمسك كفها يدلكه لها، فيما وقفت "زينة" تطالعها بعينين دامعتين حتى ارتمت عليها تحتضنها و بكت.
ربت "ياسر" على ظهرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
هتكون كويسة متخافيش، ماما زي الفل الحمد و هتفوق دلوقتي"
ردت عليه "زينة" بنبرةٍ باكية:
أنا بحبها و مش عاوزة يجرالها حاجة، مش هزعلها والله تاني، بس هي صعبت عليا أوي، خليها تفوق و أنا والله هضايقها"
ربت "ياسر" على خصلاتها و هو يبتسم لها ثم ربت على كف زوجته التي تهزي في نومها و كأنها في عالمٍ أخر دون عالم البقية.
_________________________
في بعض الأحيان يكون التعب لأجل الأخرين هو أكثر أنواع التعب راحةً !! أمرٌ يجعلك تشعر بالشيء و نقيضه، هكذا كان يفكر "عمار" و هو يصعد لشقته حتى يتقابل مع تلك المغامرة كما يلقبها، "خلود" صاحبة الحب المُخلد بفؤاده، الوحيدة التي لاح طيفها أمامه في ثوانٍ ليشغله أعوامٍ.
دلف الشقة بعدما فتح الباب منتظرًا عناقها له و هي ترتمي عليه كعادتها، لكنها ضربت بمخيلته عرض الحائط حينما وقفت أمامه بتهذيبٍ على عكس طبيعتها و هي تقول بنبرةٍ هادئة ألبستها وشاح البراءة الزائفة:
أنا حضرت نفسي و لبست أهو علشان هنروح نجيب حاجات للشقة بالموتوسيكل بتاعك"
تلاشت بسمته و سألها بتهكمٍ:
نعم ؟! دا من إيه إن شاء الله ؟! استهدي بالله و ادخلي غيري هدومك"
اقتربت منه تستخدم دلالها الأنثوي عليه و هي تتعلق برقبته و تقول بنبرةٍ هادئة:
طب يعني يرضيك اتعشم كدا و في الأخر تخذلني ؟! يعني معملتهاش و أنتَ عيل صغير في ثانوي، تعملها و أنتَ دكتور كبير كدا ؟! يلا يا عموري"
رفع عينيه ينظر لقسمات وجهها و هي ترمقه بسهام عينيه، فسألها بتيهٍ من تأثير كلمتها عليه:
يلا يا إيه ؟!"
حاولت كتم ضحكة كانت على وشك الانفلات من بين شفتيها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
عموري، عموري قلب خوخة"
اقترب منها هو يقبل وجنتها ثم قال بمشاكسىةٍ:
طالما فيها عموري قلب خوخة، عمورك ميقدرش يرفضلك طلب"
صفقت بكفيها معًا ثم ارتمت عليه و رفعت قدماها عن الأرض و هي تتعلق به، و على الرغم من دهشته بفعلتها تلك، إلا أنه حاوطها بذراعيه ثم همس لها:
Gökyüzündeki yıldızları istiyorsa aşk isteğimi reddedemem ama o ayken bu nasıl oluyor?
_لا أستطيع رفض طلب حُبي إذا كانت تُريد نجوم السماء ولكن كيف يحدث ذلك عندما تكون هي القمر؟"
ضحكت هي بسعادةٍ بالغة و هو أيضًا، حتى ابتعدت عنه تطالعه بنفس السعادة البادية على وجهها فيما قال هو بنبرةٍ هادئة:
حبيت التركي علشانك و بقيت مهووس بيه، أنا اتكفيت على وشي في حبك يا خلود، بقيت هايم فيكِ بعدما كنت زاهد في الدنيا، تسمحي إنك تكملي معايا الكافية ؟؟"
ردت عليه بحماسٍ:
موافقة و مدياك عمري كله كمان، اللي يحافظ عليا و على حبه في قلبي علشان ميغضبش ربنا فيا، يستاهل أني اديله عمري كله، بس لو عينك زاغت على حتة تركية كدا و لا كدا، ربنا يكفيك شر قلبتي"
رفع رأسه يفكر في حديثها ثم قلب عيناه يتصنع التفكير ثم قال بنبرةٍ مرحة:
اطمني عيني مش مشغولة غير بيكِ، و أنتِ قولتي معملتهاش و أنا عيل صغير، هعملها و أنا دكتور كبير محترم ؟! خليكِ معايا بس أنتِ في السراء و الضراء"
ردت عليه مسرعةً:
ربنا معاك يا سيدي، بس أنا قليلة الأصل، مش حمل ضراء، كفاية علينا السراء مع بعض"
تلاشت بسمته للمرة الثانية فيما قبلته هي على وجنته و هي تقول ببراءةٍ:
يلا علشان نلحق السراء"
نزلا سويًا للأسفل بعدما بدل ثيابه لأخرى عصرية عبارة عن قميص باللون الأسود و بنطال بنفس اللون من خامة الجينز الاسود و الحذاء باللون الابيض، و هي كانت ترتدي بنطالًا قماشيًا باللون الاسود فضفاض و فوقه قميصٌ باللون اللافندر و حجاب يجمع اللونين سويًا، ركب هو الدراجة و وضع الخوذة الخاصة به، ثم أعطاها خاصتها فصفقت هي بحماسٍ ثم ارتدها و هي تتمسك بظهره، و قبل أن يبدأ التحرك سألها بعبثٍ:
حاسبي تقعي !! امسكي و كلبشي فيا عِدل"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة حماسية:
ماسكة و مكلبشة فيك لأخر العمر، اتطمن"
قاد الدراجة النارية بينما هي شردت به، يبدو منذ الوهلة الأولى كما اللغز، مظهره صباحًا بملابسه الرسمية يجعلها تبتسم رغمًا عنها من وقاره، و هيئته الآن تبدو عابثة و مشاكسة، و كأنه أحد الشباب المغامرون، قيادته للدراجة بتلك المهارة و موجات الهواء البارد تلفح وجهيهما بصدماتٍ تُزيد من حماسها و تزيد من حرصه، و يظهر ذلك من خلال التفات رأسه نحوها و تمسكها به تحاوط ظهره بذراعيها.
أوقف الدراجة أخيرًا و هو يتنهد بعمقٍ بعدما وصل لوجهته المُحددة، وقفا سويًا بعدما نزلا من على الدراجة، فيما تمسكت هي بذراعه و هي تبتسم.
دلفا سويًا للسوق التجاري الكبير "السوبر ماركت" حتى يبتعيان ما يريدانه منه لشقتهما، دارا سويًا بداخله و أمامه العربة الخاصة بالسوق يضعان بها المنتجات التي وقع عليها الاختيار.
صدح صوت هاتفه باستمرارٍ حتى زفر هو بقوةٍ ثم أخرجه يُجيب على المكالمة، لكن الشبكة الرديئة أوصلت الصوت متقطع، استأذن منها بهدوء:
معلش يا خلود، عبدالرحمن بيتصل و شكله محتاج حاجة في الصيدلية اقفي هنا أو كملي و أنا هجيلك"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ فيما خرج هو نحو الخارج حتى يستطع الرد على صديقه، بينما هي استمرت في اختيار ما تريد دون أن تبتعد كثيرًا المكان حتى يسهل له العثور عليها، و أثناء وقوفها أمام إحدى الثلاجات بالمكان اقترب منها عامل من العاملين بالمكان يتصنع الاقتراب من الثلاجة فيما ابتعدت هي عنه بسرعةٍ و هي تنظر له بصدمة، لكنها لم تسيء الظن و قررت الابتعاد عنه بينما هو نظر لها نظرات لم تكن مريحة البتة و استطاعت هي تميزها على الفور حتى اقترب منها بشكلٍ ملحوظ و كأنه يأخذ أحد الأشياء من جوارها حتى دفعته هي على الفور و هي تقول بنبرةٍ عالية تنفعل في وجهه:
جرى إيه يا حيوان أنتَ !! ما تحترم نفسك إيه قلة الأدب دي"
حدثها الرجل بطريقةٍ سوقية:
جرى إيه أنتِ يا استاذة ؟! حد جه جنبك ؟! أنا بشوف شغلي"
ردت عليه بصوتٍ عالٍ:
و هو أنتَ هتشوف شغلك بقلة الأدب و إنك تقرب كدا من بنات الناس ؟؟ دي قلة أدب و سفالة"
رفع صوته و هو يشيح بكفيه في وجهها:
بالراحة على نفسك يا ست، محدش جه جنبك، أنتِ شكلك مسطولة"
قبل أن ترد عليه هي و تعنفه وجدت كف "عمار" يطبق على كفها و نظراته لا تبشر بالخير أبدًا، ثم سأله بهدوء ما قبل العاصفة:
حصل إيه يا كابتن ؟؟!"
رد عليه بنفس الطريقة السوقية:
الأستاذة شكلها عبيط ولا معرفش مالها، بترمي بلاها عليا، يا باشا أنا بشتغل مش فاضي للهبل دا"
ردت عليه هي بسرعةٍ:
هو اللي كداب و حيوان و حاول يقرب مني يا عمار، و لما بعدت عن الرف، قرب مني تاني"
_"كدابة، أنتِ كدابة، شكلك مجنونة والله و عاوزة تتعالجي انتم الغلطانين"
تركها "عمار" ثم اقترب منه يقف مقابلًا له و هو يقول بنبرة صوتٍ جهورية تدل على نيرانه الداخلية:
معاك حق، احنا الغلطانين فعلًا، الحق مش عليك"
نظرت هي له ببلاهةٍ لا تصدق موقفه بينما "عمار" أمسك رأسه و هو يقول بنبرةٍ متريثة:
الحق علينا علشان جينا هنا و سيبتها لأشكالك القذرة و أدي راسك ابوسها"
ضربه برأسه في وجهه حتى اصطدمت رأسه بالثلاجة خلفه، فأمسكه "عمار" من تلابيبه و هو يقول بصوتٍ متقطع:
اثبت يا حيلتها علشان أعرف اتأسفلك كويس"
قال جملته ثم لكمه في وجهه حتى سقط الأخر أرضًا يتألم بصوتٍ عالٍ، فارتمى عليه "عمار" يضربه من جديد، أما "خلود" فتركته يهذب ذلك القذر دون أن تتدخل حتى لا يثور عليها.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الرابع 4 - بقلم شمس بكري
_"اثبت يا حيلتها علشان أعرف اتأسفلك كويس"
تفوه بها "عمار" و هو يمسك بتلابيب ذلك البغيض الذي تجرأ و نظر لزوجته بل و أصر على مضايقتها و اتهامها بما لم تقوم هي بفعله، ثم لكمه برأسه في وجهه حتى ترنح للخلف و سقط أرضًا و "عمار" فوقه يضربه و الأخر يحاول الفرار من قبضته.
وقفت "خلود" تتابع ما يحدث شامتةً في ذلك البغيض و ذلك لتمكن "عمار" منه و تكميمه لفمه، لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر و قام الرجل بافلات أحد كفيه و قام بسحب الهاتف و ضرب "عمار" بمؤخرة الهاتف في وجهه عدة مراتٍ متتالية بِـ غِلٍ دفينٍ _تحديدًا تجاه عينيه اليُسرى _ حينها فقط شهقت "خلود" بخوفٍ بالغٍ و ركضت نحو "عمار" الذي تأوه بعنفٍ بعدما وضع كف يده على وجهه، و قبل أن بتحرك الرجل ساحبًا نفسه للخلف، صرخت "خلود" تطلب المعاونة في ذلك المكان _شبه فارغًا _ و قبل أن يجتمع الناس على أثر صوتها لاحظت محاولة هروب ذلك البغيض لذا و بدون تردد امسكت علبة طعام من خلفها ثم قذفته بها و قد أصابت هدفها خاصةً أن "عمار" تشوشت رؤيته و ظل مُمسكًا لـ عينه يحاول التحكم في الألم الذي يتسرب إلى رأسه.
اجتمع البقية على صوت تأوه الرجل بعدما أصابته العُلبة البلاستيكية المزودة بقاعدة من الصفيح في رأسه و كأنها أصابته في مقتل، حتى جلس على الأرض الرخامية يصرخ من شدة الألم بينما هي لم تتمكن من فعل أي شيءٍ أخر سوى الاطمئنان على "عمار" بقلبٍ مُلتاعٍ عليه و هو يشبه المُغيب عن الواقع، و قد اجتمع الناس مع بعضهم ينظرون لذلك الموقف بتعجبٍ حتى وصل المدير المسئول عن المكان يقول بنبرةٍ جامدة تكسوه الغلظة:
إيه اللي بيحصل هنا بالظبط ؟! فيه إيه أنتَ وهو ؟! أمور البلطجة دي مش هنا"
رفعت "خلود" حاجبيها و هي تجلس بجوار "عمار" على ركبتيها تحاول الاطمئنان عليه بينما هو جاهد لفتح عينه لكن الألم قد بلغ أشده و لم يعد مُحتملًا.
_________________________
_في شقة "ياسر"
استكانت "إيمان" على الفراش بعدما انخفضت حرارتها بشكلٍ ملحوظ بعدما أعطاها "ياسر" الإبرة الطبية و قام بعمل الكمادات الطبية لها، كانت "زينة" تلازمها و تجلس بجوارها تتابع "ياسر" و هو يقدم الرعاية لزوجته و كذلك "زين" الذي عاونه و قام بتبديل المياه و تزويدها بقطع الثلج، بينما "ياسر" صدح صوت هاتفه برقم "خالد" فانسحب من الغرفة و تركها برفقة ابنائه.
استفاقت "إيمان" بوهنٍ و الحُمرة تغزو وجهها الساخن و عينيها الزائغتين في الغرفة، فانتبه لها "زين" و سألها بلهفةٍ:
مـامـا !! أنتِ فوقتي !! طب حاسة بإيه طيب ؟!"
نظرت له و هي تجبر شفتيها على التبسم، بينما "زينة" نظرت لها بدهشةٍ تغلفها الحيرة و عينيها دامعتين، لا تصدق أن والدتها يظهر عليها التعب بتلك الطريقة، فهي اعتادتها قوية و صلبة دومًا، و نظرًا لصغر عمرها ظنت حدوث الأسوأ فهل ممكن أن تفقد والدتها !! لذا و بدون تفكير ركضت نحوها فورًا ترتمي عليها و هي تقول بنبرةٍ باكية:
قومي علشان خاطري، مش هزعلك والله تاني، بس قومي مش بحب أشوفك تعبانة، قومي علشان خاطري"
رفعت "إيمان" ذراعيها تطوق ابنتها بتعجبٍ لم يَدُم طويلًا حيث ابتسمت بفطرة الأمومة لديها ثم قبلت رأسها و هي تقوم بابعاد خصلاتها عن وجهها، ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
أنا كويسة اهوه متخافيش، دول شوية برد بس و هيروحوا لحالهم، أنا يا ستي بتدلع عليكم"
شددت "زينة" عناقها لوالدتها و هي تردد بصوتٍ خافت وصل لمسامع "إيمان":
بعد الشر عنك يا رب، أنا بحبك اوي اوي و مش عاوزاكي تزعلي مني"
انتفض قلب "إيمان" من محله بمشاعر غريبة عليها من ابنتها التي تُكن لها بمشاعرها التي قلما اعترفت بها، بينما "زين" اقترب منها يربت على كفها مبتسمًا فسألته هي بنبرةٍ متحشرجة:
بابا فين يا زين ؟! هو مجاش؟"
رد عليها مسرعًا:
لأ جه و هو اللي لحقك بس جاله تليفون تقريبًا خالو خالد هو اللي بيكلمه"
حركت رأسها بتفهمٍ ثم فتحت له ذراعها الأخر حتى اقترب منها فيما احتضنتهما هي ثم قالت بآسفٍ لهما:
معلش بقى خضيتكم عليا، بس أنا كويسة الحمد لله متخافوش"
رد عليها "زين" مُسرعًا:
إحنا كويسين متخافيش، المهم أنتِ كويسة ؟! بقيتي أحسن ؟!"
حركت رأسها موافقةً فسألتها "زينة" بنبرةٍ باكية:
طب فيه حاجة بتوجعك طيب؟!"
ردت عليها "إيمان" بمرحٍ قليل:
حاسة إن دماغي كبرت، أو الوجع فيها مش محسسني بحاجة، بس طالما مفقدتش الذاكرة و نسيتكم و نسيت ياسوري يبقى كله تمام"
اقتربت منها "زينة" تقبل قمة رأسها ثم ربتت عليها و كأنها بفعلتها الصغيرة تلك تؤازرها، و للحق تلك الفعلة البسيطة كان لها دورًا كبيرًا في راحة "إيمان".
في الخارج كان "ياسر" يتحدث مع "خالد" و أخبره بما حدث لشقيقته حتى لا يُعاتبه بأمر تخبئته عليه، فسأله "خالد" عنها بلهفةٍ:
طب هي كويسة طيب ؟! اتحسنت و لا نروح مستشفى ؟!"
رد عليه مُسرعًا:
لأ لأ متتعبش نفسك، أنا اديتها حُقنة و عملتلها كمادات و هتبقى تمام متخافش، هخليها تكلمك لما تفوق"
أغلق معه الهاتف بعدما طمأنه على شقيقته ثم عاد أدراجه للداخل ليرى وضعهم بتلك الطريقة فابتسم رغمًا عنها و تحدث بعتابٍ زائفٍ:
والله ؟! طب حيث كدا أروح عند أمي بقى، خلاص مليش مكان ؟!"
ابتسمت له "إيمان" و هي تُحرك رأسها نحوه، فاقترب منهم يجلس على طرف الفراش مقابلًا لها ثم مد يده يتحسس حرارتها _التي انخفضت بشكلٍ ملحوظ _ فابتسم هو برضا ثم سألها بنبرةٍ أظهرت جَمّ اهتمامه:
كويسة دلوقتي ؟! حاسة بإيه؟"
حركت رأسها بإيماءةٍ خفيفة و هي تقول بصوتٍ خافت:
تمام.....بس جسمي واجعني شوية"
تنهد بعمقٍ ثم قال بثباتٍ:
دا طبيعي علشان حرارتك عليت فجأة و البرد متراكم في جسمك، هتاكلي دلوقتي و تاخدي العلاج و كله هيبقى تمام....تمام ؟!"
سألها بمرحٍ فحركت رأسها موافقةً فقال هو يأمر أولاده:
يلا روحوا اغسلوا وشكم علشان نحضر الغدا لماما و تاخد العلاج، تعالوا معايا علشان ترتاح شوية"
ردت عليه "زينة" بلهفةٍ:
لأ خليني معاها، روح و خد زين معاك، أنا هفضل جنبها"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه بتفهمٍ لموقفها بينما "زين" تحرك مع والده نحو الخارج، و زرقاوتيه تتابعا والدته و شقيقته التي تمسكت بوالدتها أكثر و اندست بين ذراعيها و عينيها الزرقاوتين تتابع قسمات وجهها عن كثبٍ تُشبع نظراتها من تلك الملامح خشيةً من فقدانها.
_________________________
في شقة "خالد" أغلق هاتفه مع صديقه ثم خرج من الشرفة يجلس بجوار زوجته التي كانت تقوم بتقطيع الخضروات لعمل أطباق السَلطة، لاحظت هي تغير ملامحه فسألته و عينيها ثابتتين على شاشة التلفاز:
مالك !! استر يا رب"
نظر لها بسخريةٍ و هو يقول:
مالك شوفتي عفريت ؟! إيمان تعبانة و بفكر أروح اشوفها دلوقتي و لا أخليها كمان شوية؟!"
تركت ما بيدها و التفتت له تقول بغيظٍ:
هو أنتَ ناوي تشلني !! أختك تعبانة مستني إيه ؟! روح شوفها و اتطمن عليها، بطل قساوة قلب"
رد عليها بنفس الغيظ منفعلًا بعدما رفع صوته:
بالراحة يا ست، أنتِ متجوزة أبو لهب !! بقولك بفكر اروح دلوقتي ولا استنى شوية !!"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
روح دلوقتي و شوفها و خد ابنك معاك و ادخلوا عليها كدا، يلا أنتَ هتتفرج عليا !!"
لاحظ هو تغير تبرتها لذا سألها و هو يتفحص ملامح وجهها:
أنتِ زعلانة من حاجة ؟! شكلك متضايق"
زفرت بيأسٍ ثم قالت بحزنٍ بائن في صوتها:
مخنوقة شوية متشغيلش بالك"
عقد ما بين حاجبيه ثم أمسك يدها بتلقائيةٍ و هو يسألها:
مخنوقة ؟! أوعي يكون مني هديكِ قلم يظبطك !!"
ابتسمت له ثم حركت رأسها نفيًا و قالت بصوتٍ مُهتز الوتيرة:
لأ مش منك، بس أنا فكرت يعني لو مكان إيمان أكيد هفرح لما أخويا يدخل عليا و يهتم بيا، أنا هنا مليش حد بس غيركم، و محدش مهتم بيا، علشان كدا بقولك لو روحت لأختك هي هتفرح أوي"
ابتسم هو لها بتفهمٍ و إدراك لحجم مشاعرها المكلومة و التي تتألم من عائلتها حتى تلك اللحظة، لذلك و بدون تفكير، قربها منه حتى اسندت رأسها على صدره و قال هو بصوتٍ رخيم هادئ:
و أنا هنا علشانك قبل أي حد"
هتف تلك الكلمات بصدقٍ تام نبع من داخله و وصلها على الفور، ثم أضاف هو مُجددًا:
مش يمكن دا حظي أنهم مش بييجوا و لا بيسألوا !! علشان تكوني هنا ليا لوحدي و هما ميشاركونيش فيكِ ؟!"
ابتعدت عنه توكزه في كتفه و هي تقول بغيظٍ مكتوم تواري خلفه فرحتها:
اتلم....بطل قلة أدب"
رفع حاجبيه مستنكرًا ثم تشدق بنذقٍ:
تصدقي أنا محدش رباني....قومي حضري الأكل خليني أروح أشوف أختي و اتطمن عليها"
قال جملته يعاندها و يثير غيظها لكنها فاجئته برد فعلها و هي تقول:
ربنا يخليك ليها و يخليكم ليا، إن شاء الله تبقى كويسة"
أمسكت الطبق من أمامه ثم دلفت للداخل بينما هو زفر بقوةٍ و رفع كفيه يمسح وجهه بعنفٍ.
في الداخل كان "يونس" في غرفته كعادته يشعر بالملل من كل حوله، يبدو و كأنه غريبًا وسط الجميع، إجازة يُكللها الملل و الفتور و ها هو يجلس في غرفته يتصفح هاتفه الممل هو الأخر من وجهة نظره.
دلفت "يُسر" الغرفة له و هي تقول بحماسٍ:
لو صاحي ينفع أقعد معاك شوية ؟! و لا هتزهق عليا !!"
أخفض قدماه من على الفراش و هو يبتسم لها ثم قال بقلة حيلة:
تعالي أنا قاعد لوحدي و زهقت"
ركضت نحوه بكتاب كبير مُلون بعدة ألوانٍ كثيرة و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
احكيلي حدوتة يا يونس، مش فاهمة حاجة من هنا و الصور كلها شبه بعض"
حرك رأسه موافقًا ثم تنحى جانبًا حتى تجلس بجواره على الفراش فيما جلس بجوارها هو الأخر و أمسك الكتاب و يختار منه قصة قصيرة يقصها عليها، كانت عينيها تتابعه و هو يتقلب صفحات ذلك الكتاب حتى زفر بضجرٍ ثم قال بضيقٍ:
مش لاقي يا يُسر، الحواديت هنا كلها بناتي اوي و أنا مش فاهم منهم حاجة"
حركت كتفيها بقلة حيلة بينما هو جال بخاطره فكرةٌ أخرىٰ لذا قال بحماس:
أنا هقولك حدوتة حلوة من عندي إيه رأيك ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم ضمت كفيها معًا أسفل وجنتها و هي تنظر له، بينما هو تنحنح يُجلي حنجرته ثم بدأ قوله بالكلمات التالية يسرد لها الحكاية القديمة:
مرة زمان واحد كان رايح عيد ميلاد و راح يختار هدية على قد الفلوس اللي معاه، أول حاجة شافها خدها و حطها في شنطة و مشي، من غير ما يعرف هي إيه لازمتها حتى ماخدش باله انها فيها عيب و إن مفتاحها من الجنب، المهم راح العيد ميلاد و سلم الهدية و عمل اللي عليه، البنت بقى اللي خدت الهدية دي مكانتش تعرف من جابها، و لا عرفت الهدية دي لازمتها إيه علشان شكلها مكانش مفهوم، كانت زي البلورة و مقفول عليها و محدش عارف إيه جواها و مفتاحها مش باين"
سكت عن الحديث حينما وجد نظراتها موجهة بكامل تركيزها فأضاف مُتابعًا:
المهم محدش اهتم بالهدية دي، و سابوها مقفولة لحد ما عدى شوية وقت حلوين و البنت قررت ترمي كل حاجة ملهاش لازمة، و من ضمنهم الهدية دي"
شهقت "يُسر" بفزعٍ من هول الأمر بالنسبةِ لها، فيما أضاف شقيقها متابعًا سرد البقية:
المهم يا ستي رمت الهدية زي ما هي بشنطتها كدا، و في نفس الوقت حد من عيال الجيران شافها و أخدها عنده"
قاطعت حديثه تسأله بلهفةٍ:
طب و هو كدا مش حرامي !!"
رد عليها مفسرًا:
هي حطاها في صندوق العمارة يعني هترميها، هو خدها علشان عارف ان صاحبها مش عاوزها"
حركت رأسها بتفهمٍ تنتظر منه تكملة البقية حتى أضاف هو من جديد متابعًا السرد:
المهم يا ستي خدها و كان فاكرها حاجة حلوة بس لما لقاها مقفولة و مش ظاهر منها حاجة زهق منها و سابها، و جت مامته و رميتها هي كمان"
زفرت بيأسٍ ثم قالت بضجرٍ:
طب و ليه التعب دا !! ما حد يقولي هي فين و نروح نجيبها و خلاص يا يونس"
ابتسم هو بقلة حيلة ثم قال:
اترمت تاني في نفس المكان و المرة دي اللي خدها راجل غلبان اوي لبنته الصغيرة تلعب بيها و قال أي حاجة تفرحها، و علشان كدا خدها علطول و جري بيها يفرح بنته"
ظهر الحماس في نظراتها و ملامحها و هي تتأهب لاستماع البقية حتى تابع هو من جديد بثباتٍ:
خدها الراجل و راح يا ستي لبنته الصغيرة و اللي بالمناسبة كانت قدك كدا و حلوة زيك، المهم راح و بنته فرحت بيها أوي و علشان هو طيب و مش معاه فلوس كتير يجيب ليها حاجات كانت أول مرة يجيب ليها لعبة زي البنات التانية، و هي من فرحتها جريت بيها على مامتها بس للأسف، وقعت بيها قبل ما توصل لمامتها"
شهقت هي للمرة الثانية و ظهر الحزن على وجهها تأثرًا بما سمعته و هي تشعر بشعور الفتاة و كيف لاحقتها خيبة الأمل، و قبل أن يتمكن منها حزنها قال "يونس" مُسرعًا:
لما البنت وقعت باللعبة المفتاح بتاعها اتحرك و ظهر اللي جواها و اللي محدش كان متوقعه خالص ساعتها، حاجة محدش يصدقها"
عاد الحماس لـ "يُسر" من جديد و لمعت عينيها ببريق الأمل و كأن الحكاية تخصها هي، فتابع "يونس" بقوله:
المفاجأة إن البلورة دي كان جواها عروسة أول ما تدوسي على المفتاح تظهر و ترقص و ليها جناحات زي الفراشة، و معاها موسيقى حلوة أوي كمان، محدش توقع حاجة زي دي"
ابتسمت "يُسر" بفرحةٍ كبرى و سألته بحماسٍ:
طب هو محدش حاول معاها خالص يعني ؟! حرام كدا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال مُفسرًا:
هما محاولوش معاها علشان هي مش لازماهم، و في نفس الوقت فيه بديل غيرها، لكن الراجل معندوش بديل تاني"
_"طب و هو عمل إيه بعد كدا !!"
كان هذا سؤالها الذي خرج باهتمامٍ شديد، فأجابها بقوله:
الراجل دا عرف أنها فيها مشكلة في مكان المفتاح علشان كدا حاول يصلحه و علم بنته ازاي تتعامل معاها من غير ما تكسرها علشان تفضل معاها علطول فرحانة بيها....فهمتي حاجة !!"
سألها بنبرةٍ ذات مغزى لعله يفهم ما أدركته هي حتى فاجئته بقولها:
آه.. لما حد يجيلي هدية أشوفها الأول علشان لو معجبتنيش أديهاله"
ضحك "يونس" رغمًا عنه ثم وضع يده على خصلاتها و غرة رأسها الموضوعة على جبينها و هو يقول بنبرةٍ هادئة حنونة:
هقولك أنا فهمتي إيه، إن ساعات الظروف بتبقى مش زينا، و اننا لما بنكون وسط حاجات مش شبهنا بنتخنق، و إن الحلو اللي جوانا مش كل الناس بتشوفه و احنا ساعات مبنعرفش إننا حلوين كدا، علشان محدش ساعدنا نعرف نفسنا زي الناس اللي الهدية كانت معاهم و معرفوش إيه اللي فيها، و ساعات الظروف ممكن تضايقنا و الحياة تزعلنا شوية بس و نتكسر بس ساعتها الحلو اللي فينا يظهر بجد، زي الهدية لما اتكسرت عرفت إنها حلوة و أنها مميزة، حاجة كمان، الحلو اللي فينا مش كل الناس هتحاول تشوفه، فيه ناس هتزهق و تمشي و فيه ناس تانية هتمسك فينا علشان معندهاش غيرنا، زي الراجل اللي علم بنته ازاي تتعامل مع العيب دا، حاجة كمان مش عيب أننا عندنا عيوب، العيب اننا ننكرها و منحاولش نغيرها"
حركت رأسها موافقةً بقدر توصلها للحكمة التي حصلت عليها من القصة فسألته بإعجابٍ جليِّ في نبرتها:
طب و هو أنتَ عرفت القصة دي منين، حلوة أوي"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
عمو ياسين هو اللي قالهالي، لما كنا في المصيف سوا الصيف اللي فات، و عجبتني و خليته بعتهالي علشان اقرأها تاني"
سألته بلهفةٍ:
طب ينفع لو حكالك حاجة تاني تقولي ؟! بس تكون حلوة زي دي"
حرك رأسه موافقًا فاقتربت منه هي تقبل وجنته ثم احتضنته تربت على ظهره، بينما هو ابتسم بقلة حيلة و هو يرى تعلقها به و كذلك هو فهي الوحيدة التي ظلت معه في صغره و استمرت معه و هي الوحيدة التي يحق لنفسه بقول أنه أبيها الأخر.
كان "خالد" واقفًا على أعتاب الغرفة يتابع حديث أبنائه مع بعضهما و لم ينكر إعجابه و فرحته بهما سويًا و بتلك القصة التي قام ابنه بسردها، فها هي النسخة المصغرة من "ياسين" بحكمته و رجاحة عقله تتجسد في "يونس".
اقتربت منه "ريهام" تمسكه من الخلف و هي تقول بهمسٍ حانق:
بتتسنط على عيالك !! اخس"
كمم فمها ثم ابتعد بها عن الغرفة و هو يقول بتهكمٍ:
هو أنا عديم الرباية في وجهة نظرك ليه ؟! أنا كنت داخل علشان أخد يونس و نروح لايمان لقيته مع يسر عجبني كلامهم سوا قولت مقطعش عليهم اللحظة"
حركت رأسها بتفهمٍ ثم قالت باقتضابٍ:
طب يلا علشان تاكل و تروح لأختك قبل ما تنام"
قبل أن تلتفت و تتركه امسكها من رسغها و هو يقول بخبثٍ:
ما تيجي أحكيلك حدوتة زي الواد يونس !!"
ردت عليه بضجرٍ:
هو أنتَ معندكش وسط !! يا إتم و كِشري، يا فضيحة علطول !!"
لوى فمه بتهكمٍ و هو يقول:
اعتبريني كنت باخد عليكِ"
نظرت له بتعجبٍ فسألها هو باهتمامٍ بعدما خلع وشاح المزاح:
المهم أنتِ لسه زعلانة !!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ والله الحمد لله، أول ما بزعل بفتكر انكم معايا و كل حاجة بترجع أحسن من الأول"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنفس الثبات:
و عاوزك تعرفي كدا دايمًا أني هنا علشانك و معاكِ قبل أي حد"
حركت رأسها موافقةً ثم ابتسمت له و أخبرته أن يلحقها مع أبنائه حتى يتناولون الطعام جميعهم.
_________________________
بداخل غرفة المسئول في السوق التجاري احتدت الاوضاع و كلٍ منهم يُلقي التهمة على الأخر، مع صمت "خلود" التام و هي ترى تورم عينه اليُسرى بشكلٍ واضح للعيان كما أنه يجلس و يضع عليها كيسًا بلاستيكيًا بداخله مكعبات الثلج حتى تساعد في خفض التورم...
نطق المدير بنبرةٍ جامدة:
و بعدين يا فندم !! حضرتك مصمم أنه يمشي و هو عاوز يعمل محضر للمدام علشان ضربته"
قبل أن ينطق "عمار" التفتت "خلود" نحو الرجل بنبرةٍ جامدة:
نعم !! هو اللي عاوز يعمل محضر كمان ؟! إيه البجاحة دي ؟! بقولك حاول يقرب مني أكتر من مرة و تعدى على جوزي بالضرب و بجح فينا، و كمان عاوز يعمل محضر !!"
أمسك "عمار" يدها يضغط عليها ثم نظر للرجل و هو يقول بنفس الحِدة و الجمود:
بص يا فندم علشان أنا ساكت من الصبح و محترم نفسي، و مش عاوز أقل أدبي تاني، مراتي خط أحمر لو حد فكر بس يبصلها أنا هاخد روحه، و وش الأستاذ و اللي فيه دا أقل واجب عندي، إنما فكرة أنه يعمل محضر دي هو حر، بس فيه كاميرات في المكان و أظن كل حاجة متسجلة و ظاهر أنه بيضايقها و أنا متأكد من كدا، دا غير أنه قل أدبه و غلط فيها و شتمها قصادي و دي أنا مش ساكت عنها، بس أنا باخد كل حاجة بدورها صح، يبقى نلم نفسنا و نسمع الكلمتين اللي هقولهم، بدل ما أقفل المكان دا و أقلبها على دماغ الكل....ها نلم نفسنا و نسمع الكلمتين ؟!"
كانت نبرة "عمار" جامدة تحمل في ثناياها التهديد والوعيد، بينما "خلود" فهي لم تقوم سوى بلوم نفسها على ما حدث منذ بدايته حتى تحوله بتلك الطريقة التي تعهدها منه لمرتها الأولىٰ.
وزع "المسئول" نظراته بينهما ثم سأل "عمار" بطريقةٍ لبقة و منمقة:
اؤمر يا فندم حضرتك عاوز إيه"
ابتسم "عمار" بظفرٍ ثم أعاد ظهره للخلف و هو يقول بثباتٍ:
الأستاذ اللي هو حضرتك يعني و هو كمان معاك يعتذر لمراتي عن غلطه في حقها و دا رقم واحد عندي"
نظر الرجل للعامل بغيظٍ ثم نظر لـ "عمار" مرةً أخرى فتابع الأخير بنفس الثبات:
تاني حاجة يمشي من هنا و مشوفش وشه بدل ما أعمل شوشرة تتسبب في قفل المكان و تخرب سمعته، أظن أنتَ ابن سوق و فاهم السُمعة تأثيرها إيه"
ابتلع الرجل ريقه بصعوبةٍ بالغة فتابع "عمار" متشدقًا بنذقٍ:
لحد دلوقتي دا اللي عندي، غير كدا مش هينفع يتقال"
قام الرجل بتقديم الاعتذار و كذلك الشاب البغيض بأسلوب يخلو من الذوق و الأدب، حتى رفعت هي أحد حاجبيها لكنها آثرت الصمت تقديرًا لزوجها، الذي وقف أمام الشاب الذي يقاربه في العمر غالبًا، ثم قال بنبرةٍ جامدة:
أنتَ لما ضايقتها هي بعدت عنك مرة و اتنين بالأدب و أنتَ صممت تقل أدبك، و غلطت فيها، و غلطك كان بالجامد و ضربك ليا على عيني دي كوم لوحده بس المهم عندي مراتي"
تابعه الشاب بملامح وجه جامدة فسأله "عمار" بجمود في نبرة صوته:
اتاسف ليها عدل و لم نفسك في كلامك علشان أنا ماسك نفسي عنك بالعافية"
رد عليه بغلظةٍ:
يا باشا هو مش أنا اتهببت !! و المدير قالك هيغورني من هنا !! واجع دماغنا ليه ؟!"
عند هذا الحد و يكفي، فلم يعد "عمار" قادرًا على التماسك أكثر من ذلك حيث أمسك تلابيبه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
هو أنتَ بروح أمك مش لامم نفسك ليه ؟! أنتَ عاوز تفضل هنا بعد كل حاجة ؟! واحد مش مراعي لقمة عيشه يبقى يستاهل إنه يتحرم منها علشان يتعلم الأدب"
تركه "عمار" على مضضٍ فحاول الرجل تهدئته بقوله:
يا فندم بالراحة و كل حاجة هتتحل، هو غلطان و إحنا بنتأسف لحضرتك و أظن المدام مش معترضة على طريقته"
رفع "عمار" حاجبه الأيسر مستنكرًا قول الرجل و نظر للشاب مرةً أخرى فوجده يسلط أنظاره نحو "خلود" حينها اقترب "عمار" منه و على حين غرة دفعه بعلبة الأقلام في وجهه خاصة عند عينه و قد باغته بتلك الحركة حتى تألم الشاب و هو يضع كفيه على وجهه و يصرخ متألمًا، بينما "عمار" اقترب منه يهمس بفحيحٍ في أذنه:
لو أنتَ مريض و مش عارف تلم نفسك و تتحكم فيها، أحب أقولك الضرب على العين شِفا، علشان عينك تثبت مكانها و متبصش تاني لبنات الناس، و علشان تبطل بجاحة يا حيلتها بعد كدا"
التفت للمدير الذي انتفض واقفًا بهلعٍ:
تمشيه...متمشيهوش دي مش قضيتي، بس لو أنتَ تقبل كدا على ستات بيتك فأنا راجل دمي حر و مقبلش بكدا، أصل الرجولة درجات، و واضح ما شاء الله هنا الدرجات تحت الصفر، بس لو المكان دا اتقفل في مرة متجيش تزعل في الاخر، انما الاستاذ الايام هتربيه كويس و هييجي يوم عينه تروح خالص علشان متترفعش في بنات الناس بعد كدا"
قال حديثه ثم التفت يمسك يدها و رحل دون كلمةً واحدة من ذلك المكان تارك الأخران خلفه ينظران لبعضهما بخزيٌ بعدما ألقنهما "عمار" دروس الرجولة.
خرج "عمار" و هو يسحبها خلفه تمرر أنظارها عليه لا تدري ما القادم معه، لذا آثرت الصمت تجنبًا لبطشه و غضبه حتى وصل للخارج و ركب الدراجة النارية فيما وقفت هي تتابعه بذهولٍ و كأنها لا تعرف ما يجب عليها فعله حتى أمرها بنبرةٍ جامدة:
ما تركبي يا خلود أنتِ عاوزة عزومة ؟! يلا !!"
انتفض جسدها على الفور من صوته الجامد القاسي _من وجهة نظرها _ ثم ركبت خلفه بتوترٍ ثم وضعت ذراعيها على كتفيه و كأنها تخشى لمسه، فيما رحل هو على الفور بالدراجة و كانت العودة تتنافىٰ تمامًا مع الذهاب.
_________________________
أسفل بناية "ياسر" وقف "خالد" و معه "يونس" فنطق الأخير مُسرعًا بلهفةٍ:
بابا معلش هروح أجيب حاجة و جاي بسرعة اسبقني أنتَ"
سأله "خالد" بتعجبٍ:
حاجة إيه دي ؟! لما ننزل هات اللي أنتَ عاوزه و خلاص"
رد عليه بلهفةٍ:
حاجة زين قالي عليها، علشان ميزعلش بس ماشي !!"
_طيب
قالها "خالد" بإيجاز ثم دلف البناية بينما "يونس" أخرج النقود من جيبه ثم قام بعدها حتى ابتسم برضا ثم ذهب نحو الوجهة التي أرادها.
صعد "خالد" شقة شقيقته ففتح له "زين" مُرحبًا به و هو يقول بلهفةٍ:
خالو !! نورت البيت"
اقترب منه "خالد" يقبله ثم عبث بخصلاته الذهبية و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
البيت منور بيك يا حبيب خالو، ماما فين و بابا ؟!"
أشار له نحو الغرفة فدلف "خالد" ثم وقف على أعتاب الغرفة مراعيًا حُرمة المنزل حتى و إن كان بيت شقيقته، فقال "زين" ببراءته:
اتفضل يا خالو، زينة معاهم جوة"
ابتسم "خالد" بسخريةٍ و هو يقول:
ماهي المصيبة السودا إن زينة معاهم جوة، زمانها كلت أختي"
ابتسم "زين" و فتح الباب و لحقه "خالد" يحمحم بخشونةٍ فوجد "ياسر" يجلس بجوار الفراش على المقعد و "زينة" بين ذراعي والدتها و الأخرى تربت على خصلاتها.
عقد "خالد" ما بين حاجبيه و هو يقول بسخريةٍ:
هي هتودع ولا إيه ؟! زينة حاضنة إيمان ؟! استر يا رب"
اقترب منه "ياسر" و هو يقول بقلة حيلة:
أنا زيي زيك....هما كدا من الصبح، اقعد بس تعالى"
جلس حيث أشار له "ياسر" بينما "إيمان" ابتسمت له بمجرد ما أمسك كفها ثم سألها باهتمام جليِّ:
طمنيني عليكِ، أحسن ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بصوتٍ متحشرجٍ:
كتير الحمد لله، حاسة بس إن ريقي ناشف أوي و مصدعة"
ربت على كفها مبتسمًا ثم وجه انظاره نحو زينة" يسألها بسخريةٍ:
أنتِ اللي عملتي كدا في أختي ؟! انطقي !!"
ردت عليه مسرعةً:
لأ والله يا خالو دا أنا عيطت علشانها والله، خوفت تتعب أكتر"
اقترب منها يقبل كفها ثم طمئنها:
هي هتقوم و تبقى زي الفل، هي إيمان طول عمرها كدا تتعب و تتعب اللي حواليها كلهم، بتدلع عليكم اسمعي مني"
تشبثت بها "زينة" و هي تقول:
مش مهم، بس تكون كويسة"
ابتسموا جميعًا لها و في تلك صدح صوت جرس الباب فقال "خالد" مُتذكرًا لتوه:
آه...دا يونس افتحله يا زين معلش كان بيجيب حاجة من تحت"
ركض "زين" نحو الباب يفتحه لرفيقه و قدوته حتى رحبا ببعضهما و دلف "يونس" خلف "زين" ثم طرق الباب على الرغم من كونه مفتوحًا، أذن له والده من الداخل فدلف هو يلقي عليهم التحية ثم اقترب من عمته يقبل رأسها فسألته هي بتعجبٍ:
أنتَ كنت فين مجيتش مع بابا ليه يا يونس ؟!"
رفع كفه بالحقيبة التي يمسكها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
كنت بجيبلك عصير علشان الدوا اللي بتاخديه، دي حاجة بسيطة بقى"
نظر له الجالسون بدهشة من فعلته الكبيرة التي تتتافى مع عمره الذي بدأ في النضوج لتوه، فسأله "ياسر" بتعجبٍ يخالطه العِتاب:
هو أنتَ جاي لحد غريب برضه ؟! دا أنتَ ابننا الكبير و أول فرحتنا، ليه كدا يا يونس"
التفت له يقوم بحرجٍ:
مش قصدي والله يا عمو ياسر بس أنا اتكسفت أجي بايدي فاضية علشان عمتو تعبانة، و بعدين دي حاجة بسيطة يعني"
سحبته "إيمان" نحوها تحتضنه و هي تمسد على ظهره ثم قالت بصوتٍ خافت:
ربنا يفرحك و يحفظك و يبعد عنك العين و الشر، و يبعد عنك عين الحُساد يا رب....أنتَ بتصلي صح !!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ ممتنة للخالق:
الحمد لله مش بفوت فرض و لا نوافل كمان"
ربتت على ظهره و خصلاته و العبرات تلمع في مقلتيها ثم قالت بتمني:
ياريت جدك كان عاش و شافك و فِرح بيك زينا كدا، الله يرحمه"
اقترب منه يقبل رأسها ثم ربت عليها و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
ربنا يرحمه يا عمتو و يجمعنا بيه في الجنة إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً بينما "خالد" لمعت عينيه على الفور ببريق يشبه لمعة النجوم في سمائها المعتمة، فها هو يرىٰ ثمار جهده و تربيته بنتيجةٍ مُشرفة و قد غاص في تفكيره حتى جلس "يونس" أمامه و غمز له بمشاكسىةٍ و زهوٍ جعلت "خالد" يرسل له قبلة في الهواء خلسةً
_________________________
أوقف "عمار" الدراجة أمام بنايته أخيرًا و قد هدأ كثيرًا بعدما أفرغ طاقته المشحونة في القيادة، بينما "خلود" حينما وجدت سرعته عالية بتلك الطريقة تشبثت به نتيجة خوفها حتى و إن كان لا يشعر هو بوجودها.
نزل هو أولًا و هي خلفه فخلع الخوذة الخاصة به و كذلك هي و هي تطالعه بحزنٍ بينما هو زفر بعمقٍ ثم سألها بنبرةٍ ثابتة:
عاوزة حاجة قبل ما نطلع !!"
حركت رأسها نفيًا بخوفٍ منه ثم دلفت داخل البناية بخطواتٍ أقرب للركض حتى نظر هو في أثرها بتعجبٍ ثم حرك كتفيه و دلف خلفها.
صعدا للشقة مع بعضهما فدلف هو أولًا بعدما فتح الباب بينما هي تسمرت مكانها و خشيت أن يلومها و يفقد أعصابه عليها و هي لم تكن على استعدادًا للقادم، لاحظ هو سكون حركتها لذا سألها بنبرةٍ جامدة:
فيه إيه ما تدخلي !!"
استجمعت شجاعتها ثم دلفت للداخل و أغلقت الباب خلفها و قبل أن ينطق هو يعتذر عن الذي حدث أوقفته بشجاعةٍ زائفة:
قبل ما تتكلم.... أنا داخلة أغير هدومي عن اذنك"
لم تمهله الفرصة حتى في الاعتراض بل واصلت الركض للداخل تحت نظراته المُتعجبة من أفعالها، بينما هي أغلق الباب على نفسها ثم رفعت كفها تُهديء من ضربات قلبها.
قامت بتبديل ثيابها لأخرى بيتية مُريحة عبارة عن منامة حريرىة باللون الأسود ثم فتحت باب الغرفة أخيرًا تتنهد بعمقٍ و خرجت له لتراه جالسًا على الأريكة يضع المرهم الطبي على وجهه و يحاوط حول عينه به، شعرت هي بالذنب و كعادتها ألقت اللوم على عاتقها هي و على الفور تجمعت العبرات في عينيها.
شعرت أيضًا بسخونة وجهها لذا تحركت نحو الشرفة تختلي بنفسها حتى و إن بكت لا يراها، بينما هو تابعها بنظراته و لم يقو على مقاومة فضوله نحوها لذا قام بالتوجه للمرحاض و غسل كفيه حتى يزيل أثر المَرهم، ثم وقف على أعتاب الشُرفة، وجدها تجلس على الارضية تضم ركبتيها معًا و تطوقهما بذراعيها و هي تبكي بصوتٍ متقطع، لاحظها هو حينما اخفصت رأسها تحاول كتم شهقاتها، فاندفع نحوها بسرعةٍ ثم جثى أمامها يسألها باهتمامٍ جليِّ أظهر لهفته:
بتعيطي ليه يا خلود ؟! إيه اللي مقعدك كدا و مين ضايقك ؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ نتيجة حشرجة البكاء:
أنا اللي مضايقة نفسي، كل مرة اتغابى و أعمل حاجة مستفزة تضيع مني كل حاجة، و اخرتها أنا السبب في اللي حصلك دا، كان ممكن اعمل مليون حاجة علشان دا ميحصلش"
ربت على كتفها يتفهم تخبط مشاعرها خوفها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بس دا مش بايدك أنتِ اللي حصل، هو عمل كدا نتيجة قلة تربيته، و أنا اتصرفت علشان أنا راجل دمي حُر مقبلش حد يبص لمراتي بعينه"
رفعت رأسها تنظر له و هي تقول بصوتٍ متحشرجٍ:
بس أنا وقفت اتفرج عليك و أنتَ بتضربه و محوشتش عنك، و هو ضربك في وشك و عينك ورمت، كل دا بسببي و متقنعيش بغير كدا، أنا لحد دلوقتي مستنياك تزعقلي و تغلطني"
ردد خلفها مستنكرًا قولها:
أغلطك !! ليه و أنتِ مالك أصلًا ؟! دا واحد حيوان يستاهل اللي حصله و بيكِ من غيرك كنت هعمل كدا يا خلود، بطلي تلومي نفسك على كل حاجة، بقالك ٨ سنين متغيرتيش فيهم ؟!"
نظرت له بتعجبٍ تتخلله لمعة البكاء المحيطة بعينيها، فيما أضاف هو مُفسرًا:
فاكرة لما خديجة وقعت من على السلم ساعة فارس ؟! برضه قعدتي نفس القعدة دي و عيطتي كدا و شيلتي نفسك فوق طاقتها، حرام عليكِ نفسك، اللي حصل كله مش بايدينا نغيره"
زفرت بقوةٍ تسحب الهواء عنوةً داخل رئتيها بينما هو ربت على ظهرها ثم رفع كفه الأخر يمسح على خصلات شعرها السوداء، حتى قالت هي مسرعةً:
شكرًا علشان طمنتني و خلتني أبطل أخاف....شكرًا إنك معايا يا عمار"
اقترب منها هو يقبل رأسها ثم قبل وجنتيها كلٍ منهما على حِدة ثم قال بنبرةٍ هادئة:
شكرًا لكِ أنتِ علشان أنتِ معايا"
ابتسمت هي له بسعادةٍ بالغة بينما هو قال بقلة حيلة:
ما تيجي تحطيلي المرهم علشان اقسم بالله أنا حطيته في وشي كله ماعدا عيني"
حركت رأسها موافقةً ثم ركضت من أمامه تجلب ما كان يستخدمه هو منذ قليل، ثم عادت له من جديد تجلس أمامه في الشرفة الواسعة المغلقة بنوافذ معدنية "ألوميتال" حتى يكونا على راحتهما بها، جلست أمامه تمسك القطنة الطبية و تمررها على وجهه ثم قامت بوضع المطهر، لكنها شعرت بالقلق حينما وجدت عَينه اليسرى متورمة بشدة و يحيطها هالة ممتزجة باللونين الأحمر و الأزرق معًا، لذا نطقت بأسفٍ و ندمٍ:
أنا أسفة والله العظيم، أقولك !! لو بموت من الجوع و قولتلك ننزل متسمعش كلامي، طالما دا هيضيعك مني كدا، أنا أسفة والله"
زفر هو بيأسٍ ثم قال بقلة حيلة:
يا ستي بطلي تتأسفي، أنتِ ملكيش ذنب، أنا راجل دمي حُر و مقبلش يجيب سيرتك، بطلي بقى كل شوية تضايقيني بكلامك دا"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ ثم سألته بترددٍ:
يعني هي الغيرة اللي خليتك تتصرف كدا ؟! مش عصبيتك مني ؟!"
ضحك رغمًا ضحكةً يائسة و هي يحرك رأسه يمنةً و يسارًا و كأنه يقول _ لا فائدة منكِ_ لذا سحبها نحوه يقول بنبرةٍ هامسة:
يمين بالله من غيرتي عليكِ، أنتِ ملكيش ذنب و محدش يقدر يلومك، و لو حد فكر بس يبصلك أنا هقطع خبره من الدنيا حلو كدا ؟!"
ردت عليه هي بحماسٍ:
الله !! احساس الغيرة دا طلع حلو أوي، كنت عسل و أنتَ غيران، كنت هموت و أبوسك"
اقترب منها بوجنته قائلًا:
يلا إحنا فيها !!'
وكزته في كتفه و هي تقول بحنقٍ:
بالمرهم اللي في وشك دا !!"
ضحك هو رغمًا عنه بينما هي عاودت تطهير الجرح فوجدته ينطق بعدما شرد في ملامحها الهادئة:
الإمام علي بن أبي طالب قبل كدا قال:
_فَـقـدُ الأحـبَّـة غُـربـة
كانت الجملة دي بتعدي عليا مش فاهمها علشان عمري ما فارقت حد قبل كدا، لحد ما...."
توقف عن الحديث و توقفت هي وضع المرهم على جرحه فوجدته يقول بصدق و نظراته تحتضنها بصفاءٍ:
لحد ما حبيتك أنتِ، ساعتها عرفت أني غريب في الدنيا دي حتى عن نفسي، أنا استودعتك الله و سلمتك في حفظه، كنت غريب لحد اليوم اللي اسمك بقى على اسمي فيه، ساعتها عرفت إن الغريب دا رجع تاني، بعد لُقاء الأحبة، و يا رب ميحكمش علينا بفراق و لا غُربة"
كان شاردًا بها و ملامحها بقرب وجهه _نصب عيناه _ و قد ترقرق الدمع بهما، لذا قالت بنبرةٍ أقرب للبكاء:
عمار !! لو سمحت بطل تقولي كلام حلو، علشان أنا مبعرفش أقول كلام حلو خالص، متتحسسنيش أني جاهلة لو سمحت"
ضحك هو على طريقتها لذلك اقترب منها متعمدًا الاحتكاك ببشرتها ثم همس لها بنبرةٍ هادئة:
طب ما تغازليني بالقانون يا خوخة !! مش أنتِ بتاعة قانون برضه ؟!"
أرجعت رأسها للخلف تطالعه مستنكرةً طلبه فألح عليها هو بنفس الهدوء حتى تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بزهوٍ:
جَميلٌ أنتَ كَالقانون الذي يُطبق بأثر رَجعي بـ حُجية أنه الأصلَحُ للمُتهم"
ابتسم هو لها بتعجبٍ فيما أضافت هي مُسرعة بحماسٍ:
جميعهم يشبهون القوانين المؤقتة و أنتَ وحدك الدستور الثابت"
ارتفع صوت ضحكاته بصخبٍ حتى شردت هي في ضحكته ثم قالت بنبرةٍ تلقائية و بكلماتٍ صادقة نبعت من داخلها:
تعرف إن بحب ضحكتك أوي ؟؟ و إن جينا للحق أنا بحبك كلك على بعضك يا عمار.....ماهو برضه مكانش ينفع أنتَ متتحبش و مكانش ينفع أكابر مع قلبي و أنتَ محافظ علينا حتى من نفسك، كنت هبقى ظلمت قلبين، و لو فكرنا بطريقة أحمد أخويا.... إياك أن تُعطي قلبك لغير أهله، و أنتَ أهل القلب دا و كل ناسه كمان"
نظر لها بدهشة بعدما توقف عن الضحك، فوضعت هي رأسه على صدره تتنفس الصعداء ثم قالت بقلقٍ عاد لها من جديد:
أنا أول مرة في حياتي أخاف على حد، و يوم ما خوفت، خوفت عليك أنتَ، وحش اوي احساس خوفك على حد هو كل حاجة ليك، أنا حسيت أني طفلة صغيرة و أنتَ بتتخبط و كل تفكيري وقف لو جرالك حاجة بعد الشر يعني، هاعمل إيه ؟! أنا عارفة أني مش مفهومة و شخص كله نعكشة، بس وسط كل دا أنا معرفش غير أني بحبك يا عمار، علشان خاطري استحملني لو لقيت فيا عيوب، أنا بخاف أوي اتساب علشان كدا معرفش حد، و معنديش صحاب غير سلمى بس، علشان هي الوحيدة اللي استحملتني، بس والله أنا بحاول ساعات أبطل تحكمات و أبطل عصبية، هتستحملني ؟!! أنا عاوزاك تكون صاحبي ينفع ؟!"
سألته بحذر دون أن ترفع رأسه حتى لا تتقابل نظراتها العاشمة بنظراته أيًا كانت هي، بينما هو ترك لها فرصة التعبير عما تشعر بها، كونها شخصية نادرة التعبير لما يجول بخاطرها، حينما وجد القلق تمكن منها، احتواها بين ذراعيه يربت على خصلاتها و ظهرها ثم تنهد بعمقٍ و قال بنبرةٍ خافتة:
أنا معاكِ و شاريكِ بعمري كله"
كانت تلك هي إجابته عليها حينما سألته، بينما هي رفعت رأسها تطالعه بعينين دامعتين، فقال هو متابعًا:
أنا علشانك أعمل أي حاجة، لو العالم كله إنك غلطانة أنا شايفك صح، لو كله قال إنك مليانة عيوب، أنا هشوفهم مميزات، قوليلي كل اللي تحسي بيه و أنا معاكِ لو معرفتش أصلح المشكلة، على الأقل أطمنك إنك مش لوحدك، بلاش أنتِ تعملي غُربة بيننا....اعتبريني كل أصحابك"
حركت رأسها موافقةً بتأثرٍ بدا في نظراتها واضحًا ثم شددت مسكتها له و قبضت على سترته بكفها بينما هو تنهد بعمقٍ ثم بدأ في قوله الخاضع لله _سبحانه وتعالى _ كعادته:
اللهُم أني أحببتُها و من بين سائر النساء مَلكت قَلبها، فاللهم أني أستودعك نفسي و زوجتي، فأجعلها خير النساء في عَيِّني و سَبب فَرحتيِّ، اللهم أبعد عن قلبها الحُزن و الهُموم، و أرح قلبها المَهموم، اللهم أنك أنتَ العاطي و الوهاب، فأعطيتني قلبها و أنتَ وحدك من تملك الأسباب، فأجبرها في صُحبتي و أجعلها آمنةً مُطمئنةً و لكل سؤالٍ حيرةٍ في أمرها أكون خير الجَواب".
تنفست هي الصعداء و نزلت دموعها فورًا بعد دعائه لها، ثم انتحبت بشدة، بينما هو لازال مُربتًا على ظهرها يحاول تهدئتها، لكنه فضل أن تخرج كل ما بها من حزنٍ و هَمٍ حتى تصل للراحة المقرونة بتواجدها بجواره.
_________________________
مرت عدة أيام أخرى لينتهي الأسبوع و يصل لنهايته يوم الخميس مساءًا، كانت الأمور تسير بشكلٍ طبيعي، حيث استعادت "إيمان" عافيتها، و كذلك "عمار" الذي ابتعد عن الجميع عداها هي فقط و "عبدالرحمن" صديقه الذي رأه في العمل، أما بقية الشباب فقام هو بتخبئة الأمر عليهم.
في وسط النهار كان "رياض" يقوم بتجهيز البيت ترحيبًا بأحفاده الذين شارفوا على القدوم لقضاء يوم الجمعة مع بعضهم، تحرك بخطواتٍ واسعة نحو الشُرفة فوجد السيارة تصف أمام البيت ركض مُسرعًا نحو الباب يمسك البالونات البلاستيكية المزودة بمادة الهيليوم حتى ترتفع عن الأرض، بينما "زهرة" اقتربت منه تقول بسخريةٍ:
يا رياض أنتَ موترني من الصبح !! حرام عليك يا سيدي"
رد عليها بفرحةٍ كبرى في صوته:
يا ستي دا يوم جييتهم هنا عيد، الأحباب طالعين يا زهرة"
ابتسمت هي له بحنانٍ و سرعان ما دُفع الباب بواسطة الصغار يهللون بمرحٍ، بينما "رياض" التفت لهم يمسك البالونات حتى اقترب منه الثلاثة بمرح، فيما فتح هو ذراعيه يضمهم له.
ابتسمت "زهرة" باتساعٍ ثم رحبت بابنها و زوجته ترحيبها المعتاد بحماسٍ، فتحدث "ياسين" بسخريةٍ:
طب أجيلك في وقت تاني يا حج طيب ؟! أمشي يعني ؟!"
تركهم "رياض" الذي لم يظهر عليه أثر العمر و كأنه لازال في شبابه ثم وقف أمام ابنه يقول بضجرٍ:
ياض يا هادم اللذات، ما تسيبني أشبع من حضنهم، يا باي منك"
رد عليه "ياسين" بتهكمٍ:
يا سلام !! طب ما أنا قولتلك خدهم ليك مش عاوزهم و مش هنختلف، أنتَ اللي مرضيتش"
التفتت له "جاسمين" تقول بضجرٍ:
هو أنتَ بتبيعنا يا بابا !!"
بس أنا ألاقي شاري يا روح بابا"
كان ذلك رده عليها حتى شهقت هي بقوةٍ فيما قالت بخبثٍ:
طب أنا هقول لجدو أنتَ قولتلنا إيه قبل ما ننزل من العربية"
رد عليها بثقةٍ:
قولي أنا مبخافش"
ظهر الشر في نظراتها و هي تقول بلهفةٍ:
قالنا متعملوش شقاوة و خليكم محترمين و متلعبوش في حاجة و تبوظوها، و قالي كمان اقعد محترمة، يرضيك يا جدو !!"
ردت عليها "زهرة" بسخريةٍ:
لأ طبعًا، دا واحد بيربي عياله اللهم احفظنا يعني، مالناش دعوة بيه"
حملها "رياض" على ذراعه يقبلها ثم أعطاها البالون الطائر الخاص بها، ثم كرر الكرة مع الأخرين حتى شكرته "نغم" بقولها:
شكرًا يا جدو شكلها حلو أوي"
و كذلك "يزن" الذي قال:
حلوة أوي يا جدو، شكرًا"
تحدثت "خديجة" تسأل الصغيرة بتعجبٍ من صمتها:
و حضرتك ؟! مش هتقولي لجدو شكرًا ؟!"
ردت عليها بثباتٍ يتنافى مع عمرها:
و هو فيه حد بيشكر جده ؟!"
ارتفع صوت ضحكات "رياض" و هو يشدد عناقه لها، بينما "ياسين" ضرب كفيه ببعضهما من تلك الدُمية كما يلقبها هو.
_________________________
وقف "عمار" في الصيدلية يتابع شئونها مع "عبدالرحمن" الذي أخبره بالأدوية الناقصة و التي يحتاجون لها، فأخبره "عمار" بحل تلك الازمة و تم حلها، فقال "عبدالرحمن" مسرعًا:
فكرت في موضوع الـ Shift بتاع بليل ؟! الموضوع هيفيدنا أوي، و فيه كتير محتاجين وجود الصيدلية بليل، قولت إيه ؟!"
تنهد "عمار" في انهاكٍ واضحٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا فكرت فيها لقيتها حلوة اوي لينا، بس مين هيضحي إنه يقلب حياته علشان شغل بليل مش مضمون، طبعًا دا رزق في يد ربنا، علشان كدا كلمت ياسر و هو يشوف حد زميله محتاج لشغل بليل و يكون أمين، و أهو بالمرة يساعدني في فترة فرحك، ما أنا برضه هوجب معاك"
ارسل له "عبدالرحمن" قبلة هوائية حتى ضحك الأخر رغمًا عنه ثم أرسل له قبلةً هو الأخر، و بعد مرور ثوانٍ صدح صوت هاتفه بصوتٍ عالٍ فأخرجه ليجد رقم والدته يظهر على الشاشة، رد عليها بتعجبٍ فوجدها تقول بلهفةٍ:
عمار معلش يا حبيبي هاتلي الدوا بتاع الصداع اللي أنتَ بتجيبه دماغي وجعاني أوي، تعالى يا حبيبي و ابقى أرجع خد مراتك تاني"
اغلقت الهاتف دون أن تمهله فرصة للإجابة، بينما هو ركض نحو رف الأدوية يسحب العلاج الخاص بوالدته ثم رد على صديقه الذي استفسر منه بإيجازٍ و رحل بعدما ركب دراجته على الفور.
في شقة "فهمي" أغلقت "سيدة" الهاتف و هي تبتسم بخبثٍ ثم نظرت لـ "خلود" و هي تقول بحماسٍ:
زمانه جاي مش هيتأخر"
ابتسمت لها "خلود" بثباتٍ و بعد مرور دقائق قليلة طُرق باب البيت فقالت "سيدة" بحماسٍ:
دول سارة و عامر وصلوا"
قبل أن تقوم حتى تفتح الباب لهم، أوقفتها "خلود" بقولها:
خليكِ أنتِ يا ماما أنا هفتح"
تحركت "خلود" نحو الباب فيما رفعت "سيدة" صوتها بمرحٍ:
ياختي حبيبة قلب ماما يا ناس، زي العسل والله منك"
فتحت "خلود" الباب فوجدت الترحيب بها من "سارة" و "عمر، بينما "عامر" قال بنبرةٍ ضاحكة:
مرات أخويا الغالي، ازيك يا غالية"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
كويسة الحمد يا أبو عمر، عامل إيه"
ركض "عمر نحو جدته التي فتحت له ذراعيه ثم طوقته بهما و هي تقول بحماسٍ يتخلله المرح:
حبيب تيتة يا ناس....روح تيتة يا ناس.....عيون تيتة يا ناس"
استكان هو بين ذراعيها بينما "خلود" حملت الصغيرة على ذراعها من "سارة" حتى قال "عامر" ساخرًا:
ما شاء الله كل ما بنكبر قيمتنا هنا بتقل، طب أنا هاخد مراتي و أروح بقى"
ردت عليه "سيدة" و هي تقبل وجنتي الصغير:
يكون أحسن يا حبيبي"
رفع "عامر" حاجبيه ثم قال بقلة حيلة:
طب أنا هروح أقفل المعرض مع بابا و هاجي تاني، عاوزين حاجة من تحت ؟! عاوزة حاجة يا خلود ؟!"
ردت عليه بوجهٍ مُبتسمٍ:
شكرًا يا عامر، تسلم يا رب، بابا جايب كل حاجة"
حرك رأسه موافقًا فركض نحوه "عمر" يقول بلهفةٍ:
ظبطني و أنتَ جاي بقى"
بعثر "عامر" خصلات الصغير ثم قال بضجرٍ زائفٍ:
حاضر، هظبطك و أظبط أمك معاك كمان"
رفعت "سارة" حاجبيها و هي تقول:
الله !! مالك و مال أمه"
غمز لها بمشاكسىةٍ و هو يقول:
لما أجيِّ هقولك"
رحل من المكان فورًا بمرحه المعتاد، و بعد مرور دقائق قليلة وصل "عمار" ففتح له "عمر" الباب و هو يقول بلهفةٍ:
وحشتني يا عمار، مش بشوفـ....إيه دا وشك ماله ؟!"
زفر "عمار" بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
واحد حيوان كان عاوز ياخد منب الحاجة الحلوة بتاعتي، لو مكاني كنت هتعمل إيه ؟!"
رد "عُمر" بعصبية و انفعالٍ:
دا أنا أعمي عيون أمه"
رد عليه "عمار" بثباتٍ:
و أنا عملت كدا، عميت عيون أمه"
حياه "عمر" بفخرٍ بينما "عمار" دلف للداخل و قد أغلق الباب بقدمه و هو ينادي على أبنة أخيه بقوله:
يا ريتاج....يا تيجو....يا ريتا...."
توقف عن المناداة حينما وجدها بين ذراعي زوجته، فاقترب منها بلهفةٍ يسألها:
جيتي هنا ازاي مقولتليش ليه إنك جاية ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ هادئة:
قولت أعملهالك مفاجأة، إيه رأيك"
زفر هو بقوةٍ ثم تغاضى عن الموضوع و اقترب من والدته يطمئن عليها، فيما قالت والدته بمرحٍ:
أنتَ هتفول عليا ؟! أنا كويسة الحمد يا أخويا، أنا كلمتك بس علشان تيجي على هنا، خوخة معايا من الصبح مسابتنيش"
نظر لزوجته بتعجبٍ يرسم الجدية بينما عينيه كانت تبتسم لها، فيما غمزت هي له و هي تبتسم بخفةٍ ثم قبلت الصغيرة على وجنتها.
بكت الصغيرة على يد "خلود" فاقتربت منها "سارة" تقول بلهفةٍ:
هاتيها قبل ما تبهدلك أنتِ، هغيرلها هدومها و أجيبهالك"
دلفت للداخل بعدما حملت صغيرتها و خلفها "سيدة"، بينما "عمر" لاحظ نظراتها نحوه و هي تحاول كبت ضحكاتها، لذا وقف أمامها يسألها بمنتهى الجدية:
هو أنتِ ليه بتضحكي كدا ؟! هو أنا شكلي عبيط قدامك ؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تضم شفتيها على بعضهما بينما "عمار" تابع حديثهما حتى قال "عمر":
طب بتضحكي عليا كدا ليه ؟!"
اقتربت منه تقول بنبرةٍ هادئة:
أقولك و متفهمنيش غلط ؟!"
حرك رأسه موافقًا فقالت هي بنبرةٍ مكتومة تحاول بها اخفاء ضحكاتها:
علشان أنتَ شبه Ben 10
بِن تن" الكارتون، أنا أسفة"
عقد ما بين حاجبيه مرددًا خلفها:
بن تن ؟! أنا شبهه ازاي ؟!"
ردت عليه مفسرةً:
والله شبهه أوي، شعرك نازل على راسك زيه و نفس طريقة لبسه و عينك العسلي، شبهه أوي و عسول زيه"
ركض نحو المرآة بسرعةٍ كبرى يتأكد من صدق حديثها، بينما هي انفجرت في الضحكات حتى شعرت بـ "عمار" يقترب منها خلسةً و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
طب هو شبه بن تن، أنا شبه مين بقى ؟!"
قلبت عيناها تفكر لبرهةٍ عابرة ثم هتفت بحماسٍ شديد:
ساموراي"
_"بتاع طوكيو ؟!"
قالها مستنكرًا لتنفي حديثه بقولها:
لأ....ساموراي رحال بتاع كايروكي، لما كان بيقول هفضل ألف ألف ألف وراكي ألف ألف ألف، بفتكرك أوي"
ابتسم هو لها ثم اقترب منها يقول بنبرةٍ هامسة:
طب حاليًا احنا في وضع الصحاب، ما تودينا وضع المتجوزين علشان عاوز أقولك حاجة مهمة"
_"حاجة إيه يا سافل اللي هتتقال يا سافل يا أخو السافل"
اتسعت حدقتيها تزامنًا مع شهقةً جامدة خرجت منها، بينما "عمار" سلط أنظاره على المتحدث بوجهٍ محتقن.
_________________________
في بيت شباب الرشيد بدأوا يجتمعون سويًا فوق السطح الذي شابه صالة التدريبات و التنزه بعدما قام "وليد" بوضع ألعاب صغيرة للفتيات و أكياس ضخمة لتدريب الصبية الصغار.
كان هو فوق السطح برفقة "فارس" و "مازن" و "زياد"، كان الأول غارقًا في الكتاب الذي يقرأه، فقد ورث تلك الهواية من عمه، بينما "وليد" وقف يعلم التوأم الصغير بعد التدريبات الرياضية الاقرب للملاكمة.
لهث كليهما بتعبٍ و خارت قواهم، و في تلك الأثناء صعد "وئام" بصغيرته و كذلك "طارق" بابنته "روشان" و "روزي" معه، فتحدث الأخير بضجرٍ:
أنتَ عامل إيه في العيال يالا ؟!"
رد عليه "وليد" بثباتٍ:
بدربهم، عندهم فرط حركة و فاكرين نفسم فُرقع لوز ماشيين يرزعوا في بعض، حلفت يمين بالله استغل طاقتهم دي"
ضرب "طارق" كفيه ببعضهما، فيما تحدث "وئام" بحنقٍ:
كدا !! العيال قاطعة النفس، دول شكلهم تعب خالص"
التفت "وليد" لهما يسأل بمرحٍ:
محصلش....حتى بص، أنتَ تعبت ياض أنتَ و هو ؟!"
_"آااااه
قالها كليهما بصراخٍ، فيما قال "وليد" بمرحٍ:
شوفت أهم زي الفل و متعبوش ولا حاجة، لو عاوزين يا حبايبي تقوموا، اتفضلوا هو أنا بجبركـ..."
قبل أن يتمم جملته ركضا الاثنين خلف بعضهما يرتميان على الأريكة بتعبٍ بلغ أشده منهما.
ارتفعت ضحكات الاثنين و معما "فارس" فيما تحرك "وليد" نحو الأريكة يرتمي عليها بجوار ابنيه ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
خلي بالك من الكتاب دا، دي نسخة واحدة جايالي هدية، خليه معاك و سلمه للورثة بتوعك"
رد عليه "فارس" بزهوٍ:
متخافش، في عينيا، أنا عمري بوظتلك كتب قبل كدا ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
و دي أكتر حاجة بحبها فيك إنك بتحافـ......"
قبل أن ينهي جملته كانت "سيلينا" ركضت نحو الكتاب و قامت بتمزيق إحدى صفحاته لتخيم حالة صمت على الجميع و الأنظار موجهة نحو الصغيرة التي ضحكت ببراءةٍ و هي تقبض على الصفحة الممزقة بقبضتها.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الخامس 5 - بقلم شمس بكري
_حاجة إيه يا سافل اللي هتتقال، يا أخو السافل ؟!"
تفوه "عامر" بذلك بعدما استمع لحديث شقيقه مع زوجته، حتى حرك "عمار" رأسه ينظر له بوجهٍ محتقن، بينما هي توردت وجنتيها بخجلٍ و أخفضت رأسها ثم نطقت بتلعثمٍ:
طب...أنا هروح أشوف ريتاج....و سارة أكيد حد منهم عاوزني عن اذنكم"
سحبت يدها من يد "عمار" ثم دلفت للداخل بخطواتٍ شبه راكضة حتى اصطدمت بـ "فهمي" حينما دلف الشقة فشهقت بخوفٍ و هي تقول بارتباكٍ:
أنا آسفة....معلش والله حقك عليا بس....يوه أنا متأسفة"
ضحك "فهمي" رغمًا عنه ثم ربت على كفها و هو يقول بنبرةٍ هادئة حنونة:
أهدي بس محصلش حاجة لكل دا، دا أنا كنت بدخل ألاقي كورة لابسة في وشي و مخدات الكنب، طب يارتني كنت اتخبط في الحلويات دي من بدري"
ضحكت هي بخجلٍ بينما "عامر" رفع صوته يقول بضجرٍ:
هو أنتَ مش هتبطل معاكسة، طب دي لسه جديدة معانا مش عاوزينها تفهمنا غلط"
رد عليه "فهمي" بنفس الضجر:
طول عمري اسمع إن البيت اللي فيه بنات زي الأرض عمرانة بالنبات، جت خلفتي ولدين، سيبوني بقى، قرفتوني"
ضحكت "خلود" ببلاهة فيما اقترب "عمار" يقف حائلًا بينها و بين والده و هو يقول بثباتٍ:
معلش بقى يا حج فهمي الحتة دي محجوزة و عليها العين، حظ أوفر المرة القادمة"
رد عليه "فهمي" بتهكمٍ:
بقى كدا !! طب خليها تنفعك يا دكتور عمار....سارة فين ؟!"
اقترب "عامر" يقول بضجرٍ:
هو أي شقط و خلاص، ما تشوف مراتك يا سيدي، و سيب كل واحد مع مراته"
أتت والدته من الداخل تسأل بتعجبٍ:
مالك ياض أنتَ و هو، تاعبين سي فهمي ليه ؟!"
_"سـي فهمي ؟!"
رددها كليهما باستنكارٍ لكلمة والدتهما التي قالت بحنقٍ:
آه يا أخويا سي فهمي، و بطلوا قلة أدب، انتوا بقيتوا سَافلين ليه ؟! بس أنا عارفة انتم عالم مشافتش رباية"
عقدت "خلود" ما بين حاجبيها لا تصدق ما تراه أمامها، فقال "عامر" يعاتب والدته:
عيب يا سيدة عندنا سواح، متفضحيناش، البت جديدة وسطنا تقول علينا أيه ؟!"
ردت عليه مسرعةً:
هتقول متربوش، انتوا من ساعة ما نزلتوا تجيبوا لبس العيد من غيري و أنا مبقاش ليا حكم عليكم، ربنا يعوض عليا بقى"
ردت "خلود" عليها بجديةٍ زائفة:
إيه ؟! نزلوا يجيبوا لبس العيد من غيرك ؟! إيه الانحطاط الأخلاقي دا ؟! أخس عليهم، و ازاي تستكي على حاجة زي دي"
ردت عليها بضجرٍ:
سكت علشان منكدش عليهم بقى، راحوا هما الخمسة و فالحين بس يقولوا احنا مش صغيرين و اتضحك عليهم و خالد معاهم يلا بقى"
ضحكت "خلود" بصوتٍ عالٍ فقال "عامر" لوالدته:
أبوس ايدك كفاية و ادخلي شوفي الأكل، الواد عريس جديد"
تحركت والدته و هي تلوح بكفيها معًا بينما "عُمر" أتىٰ ركضًا من الداخل نحو جده الذي حمله بين ذراعيه و هو يقول بحماسٍ:
حبيبي و حبيب قلبي"
كان يقبله أثناء حديثه بينما "عمر" تشبث به ثم قال بحماسٍ:
جيبلتي حاجة حلوة و أنتَ جاي يا جدو ؟! و لا نسيت ؟!"
رفع حينها "عامر" كفه بالحقيبة البلاستيكية الممتلئة بالأكياس و الحلويات و هو يقول بسخريةٍ:
اتفضل يا أخويا، جابلك شنطة في يوم، جابهالي على مدار ٣٠ سنة، أمسك يا ابن المحظوظة"
خطف "عمر" الحقيبة من والده بفرحةٍ فيما قال "فهمي" حينما لاحظ نظرات ابنه الحاقدة:
أنتَ هتقارن نفسك بيه ولا إيه ؟! على العموم يا عمر الشنطة دي ليك و لماما و لخلود معاكم"
حرك رأسه موافقًا فوجد "عامر" يمسكه من ثيابه من الخلف و هو يقول بضجرٍ من بين أسنانه:
اقسملك بالله لو خلصت البسكوت من غيري، لأكون بالعك أنتَ"
رد عليه "عمر" بمعاندةٍ:
طب مش هديك، وريني بقى"
قبل أن يركض قد حمله "عامر" على كتفه بالحقيبة و الأخر يضحك و هو يحرك قدماه في الهواء، فركض به "عامر" نحو الداخل و خلفه "سيدة" و "فهمي" و "خلود" تتابع أثرهم ببسمةٍ هادئة و كذلك "عمار" يتابعها هي حتى التفتت له تقول بنبرةٍ هادئة:
ما شاء الله، شكلهم حلوين مع بعض، ربنا يحفظهم و يباركلك فيهم، شكلك بتحبهم أوي"
حرك رأسه موافقًا ثم أطلق تنهيدة قوية اتبعها بقوله:
مليش غيرهم في الدنيا دي، حتى عيال عامر، عيالي و ليهم في قلبي غلاوة كبيرة اوي، أنا كنت بعمل كل حاجة علشان افرحهم و اخليهم يحسوا بالفخر أني ابنهم، و لحد دلوقتي بتمنى كدا"
اقتربت منه تقول بحماسٍ:
اتطمن، فخورين بيك أوي، و مش هما بس، أي حد بيعرفك بيفتخر بيك و يتمنى كل الناس تكون زيك كدا"
_"حتى أنتِ منهم ؟!
سألها بثباتٍ ينتظر جوابها و قد توقع منها الخجل أو التردد لكنها فاجئته بقولها الثابت:
خصوصًا أنا أولهم، مش منهم"
ضحك هو لها ثم أشار بابهامه فوجدها تقول بحماسٍ:
أنا قررت أننا نكون صحاب و ندعم بعض، أنا قررت أعتبرك لوز، و أنا سكر إيه رأيك ؟!"
حرك رأسه لليسار قليلًا و هو يبستم بعيناه لها فوجدها تقول بنبرةٍ مرحة:
لطالما كنتُ "سكر" بمفردي، هل تقبل أن تكون"لوز" الخاص بي ؟!"
اقترب منها يمسك كفها ثم قال بصوتٍ رخيم هاديء كعادته:
و أنا يا سكر العُـمر أشيلك العُـمر كله بين جفوني"
ابتسمت باتساعٍ تحاول السيطرة على فرحتها و قبل أن تحتضنه تركها هو و اقترب من "عمر" الذي ركض نحوهما و انتبه له هو، بينما هي تنحنحت بخجلٍ ثم قال بنبرةٍ هامسة:
غبية و هبلة و قليلة الأدب"
التفت لها "عمار" يقول بخبثٍ:
خير ؟! بتقول حاجة يا سكر ؟!"
حركت رأسها نفيًا بسرعةٍ كبرىٰ، بينما "عمر" ركض نحوها يعطيها أحد الأكياس التي يمسكها في يده ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا جيبت دا علشان تاكليه لحد ما ناكل سوا الحاجة الباقية، مش هاكلهم من غيرك ماشي ؟! و هأكل عمار كمان"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فسألها "عُمر" بترددٍ:
خلود !! ينفع نكون صحاب ؟!"
عقدت ما بين حاجبيها فأضاف هو مسرعًا:
يعني عادي لو بقيتي صاحبتي زي يزن و علي و فارس و كلهم ؟! و لا مش هينفع ؟!"
اقتربت منه تمسك وجهه بين كفيها و هي تقول بسرعةٍ كبرى:
طبعًا ينفع و من غير ما تطلب أنا هكون صاحبتك و ربنا يصبرك عليا بقى، أنتَ حبيبي"
حرك رأسه موافقًا ثم احتضنها بشدة و كذلك هي لمعت العبرات في عيناها تأثرًا بموقف الصغير ثم ربتت على ظهره و وقف "عمار" يتابعهما مبتسمًا لهما.
_________________________
حالة الصمت خيمت على الجميع بعدما قامت "سيلينا" أبنة "وئام" بتمزيق إحدى صفحات الكتاب، ثم حركت الصفحة الممزقة بقبضتها تلوح بها أمامهم جميعًا، بينما "وليد" رفع كفيه يضرب رأسه و هو يقول مُرثيًا حاله:
ياريتك كنتِ قطعتي رقبتي ولا عملتي كدا يا بنت وئام !! يا وقعة اللي خلفوكِ سودا !!"
ركضت نحوه تعطيه الصفحة و تلك البسمة السخيفة ترتسم على وجهها الصغير، فيما سحبها هو من يدها و تشدق بنذقٍ:
هاتي ياختي ياخد عدوينك يارب"
ضحك عليه البقية فيما ركض نحوه "فارس" و التوتر يكسو ملامحه و نظرته و هو يقول بنبرةٍ مهتزة:
عـ....عمو وليد.....أنا آسف والله ماكنتش أعرف أنها هتعمل كدا....حقك عليا والله"
اقترب منه "وليد" يربت على رأسه ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم له:
بطل عبط ياض أنتَ، فداكم كل حاجة، براحتك يا حبيبي، و بنت الكلب دي أنا هربيها"
قال سبته و هو يرمق الصغيرة، ثم سحب الكتاب و اقترب من "طارق" يقول بنفس تذمره القديم الملازم له منذ صغره:
صلحهولي يا طارق، أنتَ بتعرف"
ضيق "طارق" جفناه فوق مُقلتيه و بدا عليه التعجب الممتزج بالحيرةِ و هو يُمعن النظر في وجه الأخر ثم لاح أمام نظره ذكرى تُشبه ذلك الموقف.
(منذ عدة سنوات كثيرة)
كان "وليد" في صغره يجلس فوف سطح البيت و "خلود" تتهادى في خطواتها يعلمها كلٍ من "طارق" و "وئام" السير، في حين ذلك كان "وليد" غارقًا في صفحات كتابه الذي يحكي عن أسطورة من أساطير الحروب التي قادها الفارس الشجاع، و حينما قطعت "خلود" مسافةً كبرى دون أن تتعثر في خطواتها، رفع "وئام" صوته مهللًا بقوله:
موقعتش....مشيت من غير ما تقع يا وليد"
ترك "وليد" حينها كتابه بل مغامرته من وجهة نظره ثم ركض نحوها يسير بلهفةً، بينما هي ركضت لهم في الاتجاه المعاكس، تحدث "طارق" حينها بصوتٍ ظهر به أثر ضحكاته:
هتمشي الناحية التانية سيبوها لوحدها علشان تتعود مع الوقت"
تحركت "خلود" نحو الطاولة بمفردها تتهادى بخطواتها حتى وصلت عِند الكتاب ثم قامت بتمزيق إحدى صفحاته، حينها شهق "وليد" بفزعٍ فيما ضرب "وئام" كفيه برأسه خوفًا من ردة فعل أخيه، فيما نطق "وليد" بنبرةٍ أقرب للبكاء:
ليه يا خلود ؟! حرام عليكِ"
ركض نحو الكتاب و هي تقف تبتسم ببلاهةٍ و كأنها حصلت على جائزةً، فيما سحب هو الكتاب و اقترب من "طارق" يقول بتذمرٍ و عينيه تلمع بالعبرات الحارقة:
صلحهولي يا طارق، أنتَ بتعرف"
أخذه منه "طارق" ثم قام بوضع الصفحة الممزقة بداخل الكتاب و حاول مرارًا فردها حتى نجح في ذلك ثم أخذه و نزل للأسفل و بعد مرور دقائق قليلة عاد من جديد بعدما لصق الورقة وسط الكتاب، ثم اقترب من "وليد" يقول بثباتٍ:
صلحته....سيبه ينشف و هيرجع تاني، الحمد لله هي قطعته من الجنب"
احتضنه "وليد" حينها بسعادةٍ بالغة ثم قبله على وجنتيه و خطف منه الكتاب.
(عودة إلى الوقت الحالي)
كان "طارق" شاردًا في تلك الذكرىٰ متذكرًا ما مر به الزمن، و دون أن يعي لفارق التوقيت قال بلهفةٍ يحاول بها إرضاء الأخر:
متزعلش هصلحهولك"
تعجب "وليد" من طريقته فقطب جبينه بحيرةٍ، بينما "طارق" هز رأسه في عدة جهات غير متناسبة ثم تنهد بعمقٍ حينما أدرك فارق السنوات و لم يعقب فقط نظر أمامه يتعجب من سرعة الأيام، حينها أمسك "وليد" الوسادة الموضوعة خلفه يفاجيء "طارق" بضربة قوية بها في وجهه، مما جعله يرتد للخلف فيما ارتفعت ضحكات البقية عليهما، حتى قام "طارق" بالركض خلف "وليد" و هو يقول بنبرةٍ عالية:
اقسملك بالله لو مسكتك ما هسيب فيك حتة سليمة"
اصطدم "وليد" بـ "عبلة" في وجهه، حينها وقف خلفها يضعها هي في مواجهة أخيها و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
أنا في حماية السوبيا بتاعتي"
رد عليه "طارق" بتهكمٍ:
بتتحامى في اختي يا سيِّد الرجالة ؟! عيبة في حقك"
رد عليه "وليد" مُبررًا بمزاحٍ:
دي ست بـ ١٠٠ راجل، إيش فهمك أنتَ ؟! دي الأصيلة اللي طول عمرها سنداني"
التفتت له تقول بفرحةٍ:
بجد ؟!"
قبل أن ينطق هو تدخل "طارق" يقول بضجرٍ و هو يضرب كفيه ببعضهما:
أنتِ هطلة يا بت ؟! بيقولك ست بـ ١٠٠ راجل، فرحانة يا متخلفة ؟!"
ردت عليه ببساطةٍ بعدما التفتت له:
ما توحد الله يا عم !! بيقولك دي الأصيلة اللي طول عمرها سنداني"
اغتاظ "طارق" منها فتركهما و هو يقول بنبرةٍ جامدة إلى حدٍ كبير:
اشبعوا ببعض، بس مش هسيبه برضه يا أنا يا هو"
في تلك اللحظة صعد البقية دون "أحمد" و "سلمى" و كانت في مقدمتهم "رؤى"
تحدث "وئام" بتعجبٍ:
اومال أحمد و سلمى فين ؟!"
ردت عليه "هدى" مفسرةً:
ليلى تعبانة و واخدة دور برد، مش هيعرفوا يطلعوا علشان الهوا، و احنا نازلين هنتطمن عليها"
حرك رأسه موافقًا فيما اقتربت "رؤى" من والدها تمسك يده بفرحةٍ و هي تقول:
أنا حطيت العصير في الكوباية مع ماما و عمتو عبلة، و موقعتش حاجة"
حملها هو ثم قبل وجنتها بينما قال "زياد" يثير حنق "طارق":
طب والله أشطر واحدة تصب العصير في الدنيا، دا لو عصير تمر هيبقى كدا مانجا"
ضحك الجميع على كلمات الصغير العابث، بينما أخيه لاخظ نظرات خاله فمال "مازن" على أذن "زياد" يهمس له بنبرةٍ خافتة:
الحمد لله إنها مشافتش صراع الحماوات دا، أبوها هينفخك في المهر دي خد بالك"
ابتسم "زياد" بسخريةٍ و قال بنفس الهمس:
سمعته بيقول لجدو محمد إنه هيطلب المهر بتاعها واحد حافظ القرآن كله"
شهق "مازن" ثم قال متحسرًا:
ياختــاي !! احنا حافظين كام جزء ؟!"
_"جــزء"
قالها "زياد" بسخريةٍ فرد عليه "مازن" ببساطةٍ:
طب الحمد لله، غيرنا مش حافظ خالص"
رد عليه "زياد" بضجرٍ:
فوق يا مازن، احنا حفظنا الجزء دا سنة كاملة"
حينها رفع "مازن" أنظاره للأعلى يفكر في الأمر ثم اخفضها بسرعةٍ و هو يقول:
يعني لو كل جزء في سنة، فاضلنا ٢٩ جزء ؟! بـ ٢٩ سنة، مش كتير والله"
نظر له أخيه رافعًا أحد حاجبيه فيما قال الأخر بضجرٍ:
بلاش بصة أبوك دي بقى"
ضحك "زياد" رغمًا عنه و كذلك الأخر الذي ضمه إليه يربت على كتفه في حنوٍ بالغٍ لفت أنظار "وليد" على الفور و سرعان ما تعلقت بهما أنظاره و لم يقو على محايدة تلك النظرات، و زادت رجفة قلبه أكثر حينما وضع "زياد" رأسه على كتف "مازن" فحرك الأخر كفه يربت على رأسه و خصلات شعره.
اقترب منهما "فارس" في تلك اللحظة يجلس وسطهما و هو يقول بسخريةٍ:
خدوني وسطكم ياض منك ليه"
جلس وسطهما فوضع كليهما رأسه على كتفيه، فتحدث "وئام" بسخريةٍ:
عاملين زي أسدين قصر النيل، و ابني بقى الكوبري بتاع النيل نفسه"
قفزت إليهم "سيلينا" فحملها "فارس" يضعها على قدمه فقال "طارق" بسخريةٍ:
و الأستاذة إيه بقى إن شاء الله ؟!"
رد عليه "وليد" بنفس السخرية:
بياعة الورد و الترمس على الكوبري نفسه"
انتشرت الضحكات على سخريتهما فيما قالت "هدى" بضجرٍ:
هتحلووا على بنتي ؟! هقوم أمسك عيالكم افرمهم، هــا؟!"
قالت كلمتها الأخيرة بتحذير واضح فغمز "وليد" لـ "مازن" الذي غمز له هو الأخر ثم ركض نحوها يسبل عيناه و هو يقول ببراءةٍ:
خالتو هدى، أنا عاوزة كيكة بالشيكولاتة اللي أنتِ بتعمليها، ينفع ؟!"
قبلته في وجنته ثم قالت بودٍ:
يا روح خالتو هدى، عيوني ليك"
تحدثت "جميلة" بسخريةٍ:
إيه دا خلاص كدا ؟!"
رد عليها "وليد" يجاوبها:
اومال أنتِ فاكرة إيه ؟! دي بوق على الفاضي، هدى لو زعلت نملة متنامش"
ابتسمت هي بقلة حيلة فيما سألت "جميلة" بتعجبٍ:
هو مش النهاردة الخميس ؟! التوأم دول هنا ليه ؟! مش معادهم عند ماما خديجة ؟!"
ردت عليها "عبلة" بسخطٍ:
خديجة عملتها و باعتهم، راحت عند حماها، و أنا كنت مخططة أروق الشقة بكرة و هما مش هنا، بس هعمل إيه ؟! نصيبي"
فور انتهاء جملتها أضاءت السماء بضوءٍ غريب عليهم و أول من لاحظه كان "فارس" الذي رفع صوته قائلًا بمرحٍ تخللته الدهشة:
الحقوا السما بتنور !!"
عقب جملته تلك صوت الرعد العالي الذي فزع الصغار و خصيصًا الفتيات، فقام "طارق" يقول مسرعًا بلهفةٍ حينما وجد قطرات المياه بدأت بالهطول:
بسرعة على تحت يلا، بسرعة"
جمعوا الصغار مع بعضهم في المقدمة حتى ينزلون قَبلهم، فيما تحدث "وليد" مسرعًا حينما وجد الأمطار تنزل بكثافةٍ:
خدهم يا وئام عندك و أنا هقفل الكهربا هنا و احصلكم، يلا"
نزلوا جميعهم للأسفل بينما "وليد" تحرك بخفةٍ يغلق الأضواء و ينزع أسلاك الكهرباء من المقابس الكهربائية و قبل أن ينهي مهمته لاح طيفه و هي تختبأ خلف الباب و كأنها تصارع نفسها حتى لا تتسرع، التفت هو بكامل جسده و سرعان ما ابتسم لها، ففهمت هي مغزى تلك البسمة و ركضت على الفور للمنتصف ترقص أسفل المطر.
وقف "وليد" منزويًا يضم ذراعيه على صدره و يراقبها بتمعنٍ و البسمة الصافية تزين ثغره، فها هي كما هي، لم يغيرها الزمن، لازالت تملك روح الطفلة المغامرة لديها، كادت "عبلة" أن تتعثر في خطواتها، لكنه كان الأسرع حينما قبض على خصرها بذراعيه حتى التصقت هي به و رافق تلك الحركة شهقة جامدة خرجت منها بفزعٍ، بينما قال هو بحديثٍ غلفه الخبث:
أخس على الأرض كانت هتوقع القمر"
تلك الجملة التي قالها لها منذ عدة سنوات ها هو يُلقيها لسمعها من جديد، بينما هي رفعت عيناها نحوه تطالعه بابتسامة هادئة نطقت بها عينيها قبل شفتيها، فمسح بكفيه وجهها ثم قال بنبرةٍ خافتة تعبر عن عاطفته لها و بعينيها التي دومًا تسرق لُبه:
عِـيونك حَـبايب عِـيوني"
لمعت عينيها ببريقٍ غريب فيما وقف هو يمر أمامه ومضات من الماضي الذي مر به معها و كان أخره في زفافهما، اقترب منها يضمها ثم همس بنبرةٍ خافتة:
طب والله حاسس إنك وحشاني يا سوبيا....."
ابتعدت عنه ترمقه بتعجبٍ من سهام عسليتيها فيما قال هو بنبرةٍ لعوبة و قد تشكل العبث على مُحياه:
فاكرة طيب ؟! .....طب ليه بيداري كدا و لا داري كدا و أنا اداري كدا... الله ؟!"
ضحكت "عبلة" بصوتٍ عالٍ و هي تتذكر ذكريات تلك الكلمات ثم سألته بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ مبتنساش أبدًا ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بصوتٍ عالٍ نسبيًا بعدما رفعه بسبب صوت المطر:
لأ مبنساش زي ما أنا مش ناسي و عارف إنك تعبتي و عارف إنك استحملتي كتير و زياد و مازن طلعوا عينك معايا، بس أنا و هما ملناش غيرك أنتِ، اتكتبنا عليكِ"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة ثم دارت حول نفسها أسفل المطر و كانت هذه هي ردة فعلها على قوله، فيما ضحك هو بيأسٍ ثم وقف يتابعها حتى اقتربت منه و ألقت بنفسها بين ذراعيه حتى ارتفع صوت ضحكاتهما سويًا و كأنهما عاشقين في بداية حبهما.
_________________________
في شقة "حسن المهدي"....
كاد أن يخرج هو و أسرته للخارج لكنه تفاجأ بالمطر و بتلك الأجواء الأوروبية التي غزت وقتهم فجأةً، فوقف في المنتصف بقلة حيلة يطالعهم بيأسٍ، بينما هم ارتسمت على وجوههم خيبة الأمل و خصوصًا "فاطيما" التي قالت بضجرٍ:
يعني كدا مش هنخرج ؟! إيه الظلم دا بقى ؟! اتصرف يا بابا"
حرك كتفيه بقلة حيلة ثم أضاف:
اتصرف أعمل إيه يا روح بابا ؟! انزل بيكم في الجو دا كدا و تتعبوا مني ؟! خلينا و أنا هعوضكم بكرة إن شاء الله"
تذمرت الصغيرة و ركضت نحو الأريكة تجلس عليها و قدر ظهر الحزن الجليِّ على وجهها، فنظر هو لـ "هدير" التي قلبت فمها للأسفل ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
اتصرف معاها"
زفر هو مستسلمًا ثم اقترب من الأريكة يجلس على ركبتيه مقابلًا لها ثم رسم إبتسامة على وجهه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ إيه اللي مزعلك ؟! مش لو خرجنا كنا هنكون سوا ؟! أدينا سوا أهوه"
ردت عليه بحنقٍ:
بس أنا كنت عاوزة أخرج"
أمسك كفيها بين راحتيه و هو يقول بنبرةٍ رخيمة:
و الدنيا بتمطر و كل حاجة هتقفل أهوه، انزل احتاس بيكم يعني ؟! بعدين دا أنا حسن حبيبك، هتبوزي في وشي كدا ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم ابتسمت له فقال هو بمشاكسىةٍ:
طب إيه يثبت إنك مش زعلانة؟"
ارتمت عليه و هي تقول بحماسٍ و بنبرةٍ مرحة:
احـضني يا حسن"
ضحك هو بصوتٍ عالٍ و هو يلف ذراعيه عليها، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
عيون حسن و عمر حسن كله"
ابتعدت عنه تقول بسرعةٍ كبرى:
يبقى تسمع كلامي و اللي اقولك عليه نعمله، ماشي ؟!"
حرك رأسه موافقًا فركضت هي نحو "علي" تمسك يده و هي تسحبه معها نحو الداخل، فزفر "حسن" براحةٍ، فرفعت "هدير" حاجبيها مستنكرةً، حينها قال هو بسخريةٍ:
آه....صالحنا الحتة الصغيرة، نروح للحتة الكبيرة"
اقترب من زوجته يسألها بتهكمٍ:
زعلانة ليه يا حلوة الملامح ؟!"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
لا زعلانة و لا حاجة، أنتَ اللي بيتهيألك، سلامة الشوف يا أبو علي"
رد عليها بتهكمٍ:
الله يسلمك يا ختي، بس افردي وشك بدل ما أفرده بطريقتي"
_"وريني هتعمل إيه"
قالتها بسخطٍ فاقترب منها هو بخبثٍ ثم طوقها بذراعيه و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
هحضنك، هعمل إيه يعني ؟!"
ابتسمت رغمًا عنها فسألها هو بقلة حيلة:
مالك يا بومة، مكشرة في وشي ليه، هو أنا عملت حاجة ؟!"
ردت عليه بضجرٍ:
علشان مبقتش بتقعد معانا، بتيجي من الشغل تاكل و تنام و لو قعدت معانا شوية، فاطيما بتاخدك فيهم، و بكرة هتخترع مليون حاجة تخليك تشتغل، لو إحنا خنقناك عرفني علشان اتصرف"
عقد ما بين حاجبيه و هو يردد خلفها مستنكرًا ما تفوهت به:
تتصرفي ؟! هتتصرفي ازاي يعني"
حركت كتفيها و هي تقول بغموضٍ:
هتعرف لوحدك، أصل دي حاجات متتقلش يا أبو علي"
اتسعت عينيه بفزعٍ و حينما أدرك مقصد حديثها الغامض قال مسرعًا بلهفةٍ:
يا شيخة ربنا ياخد اللي يزعلك، و بعدين عيب احنا ناس محترمة بنقدم خدمات محترمة لـلزباين بتوعنا، عيب يا ست"
ربتت على كتفه ثم ابتسمت له بسخافةٍ و تحركت من أمامه تدخل للأبنائها، فيما وقف هو ينظر في أثرها بتعجبٍ سرعان ما تحول إلى الغموض.
دلفت "هدير" للغرفة الخاصة بالجلوس المُصممة على هيئة الأفلام الكرتونية، وجدت "علي" يبحث عما ستتم مشاهدته، بينما الأخرى كانت تقوم بسكب المقرمشات و المقبلات في الأطباق، سألتهما "هدير" بتعجبٍ:
أنتم بتعملوا إيه ؟!"
رد عليها "علي" بقلة حيلة:
هنشغل فيلم كرتون و نقعد ناكل لب و فاكهة، هنعمل إيه يعني ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
طب أنا هدخل أغير هدومي و اقلع الخمار دا قبل ما يتبهدل"
تحركت هي نحو غرفتها، بينما انتظر "حسن" خروجها كي يدلف الغرفة، دلف ثم قال بلهفةٍ لأبنائه:
بقولكم إيه ؟! ما تيجوا معايا نعمل سندوتشات علشان أنا جعان و أمكم فاشلة مطبختش"
رد عليه "علي" مسرعًا يدافع عن والدته:
على فكرة ماما مش فاشلة، بس أنتَ اللي قولتلها متعملش أكل علشان هناكل برة، بلاش ظلم"
رفع "حسن" حاجبيه و هو يردد بسخريةٍ:
ظلم !! و حياة أمك يا علي ؟!"
ابتسم له "علي" فزفر "حسن" ثم فرك وجهه بكفيه معًا و قال بنفاذ صبر:
خلصوا هتساعدوني ولا لأ ؟!"
تحركت "فاطيما" ركضًا نحوه و لحقها "علي" ثم توجهوا ثلاثتهم نحو المطبخ.
خرجت "هدير" من غرفتها تتوجه نحو الغرفة؛ فوجدتها فارغةً منهم، عقدت ما بين حاجبيها ثم توجهت نحو مصدر الصوت، لتجدهم بالمطبخ يجلسون سويًا، و قد كانت "فاطيما" تجلس على الطاولة الخشبية في المطبخ تهز قدميها و "حسن" يقف أمامها يناولها الطعام داخل فمها و هي تتناوله منه بدلالٍ.
كان "علي" يقوم بفتح الشطائر و يقوم بوضع بعض المكونات بها و "حسن" يعاونه، لكن في الأغلب كان يُطعم صغيرته المُدللة الطعام التي كانت تبتسم بغرورٍ، حتى سألتهم "هدير" بتعجبٍ:
انتوا بتعملوا إيه ؟!"
التفت لها "حسن" يقول بلامبالاةٍ:
بنعمل أكل، جعانين ياما"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت منهم تسألهم:
طب عاوزين مساعدة ؟!"
قبل أن ينطق أيًا من الصغيرين، اوقفهما "حسن" يقول بلهفةٍ:
آه....هاتيلنا مخلل من التلاجة و قطعيلنا خيار أو اعملي شوية سلطة صغيرين"
حركت رأسها موافقةً فيما تحدث هو بحماسٍ للصغيرين:
علي، خد فاطيما و روحوا جهزوا الترابيزة يلا علشان ناكل عليها، و جهز الفيلم"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك كف شقيقته التي قبلت "حسن" قبل أن تخرج من المطبخ، وقف هو يتنهد بعمقٍ ثم ظهر في نظراته الخبث و هو يرمق "هدير" التي اقتربت من الطاولة الرخامية تضع عليها ما تمسكه في يدها و تجاهلت وجوده و انشغلت بتجهيز ما طلبه هو منها، بينما هو انتظرها حتى اقتربت من الطاولة الرخامية ثم وقف خلفها و طوق خصرها بذراعيه ثم أسند ذقنه على كتفها حتى ابتسمت هى تلقائيًا لتلك الحركة ثم دارت برأسها حتى تواجهه، ثم قالت بنبرةٍ صبغتها بالجمود:
نعم ؟! خير يا أستاذ حسن ؟!"
رد عليها بنبرةٍ خافتة بعدما ابتسمت:
أستاذ حسن ؟! يخربيت أبو حسن علشان زعلك يا شيخة، دا أنتِ قلبك أسود أوي"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن تنطق مُحتجة عليه وجدته يقول بنبرةٍ هادئة بعدما قربها منه أكثر:
بعدين أنا قولتلك احنا ناس بنفهم و بندلع زباينا و أنتِ أهم زبونة عندنا"
_"لأ يا شيخ ؟!"
قالتها باستنكارٍ و تهكمٍ، فيما أضاف هو مُجددًا:
و الله، و بعدين بما أني ابن سوق و فاهم، عندنا قانون بيقول إن الزبون دايمًا على حق، و أنتِ معاكِ كل الحق فيا"
ابتسمت بسمتها الهادئة و سألته:
بجد ؟!"
_"والله بجد، أنتِ ليكِ حق فيا أكتر من نفسي، ازعلك إزاي يا حلوة الملامح ؟!"
ضحكت بفرحٍ مثل الصغار بينما هو قبل رأسها ثم قربها منه حتى تضع رأسها على كتفه و قال بنبرةٍ رخيمة:
أنا لو قصرت مع نفسي و الدنيا كلها بس أنتِ مينفعش أكون معاكِ كدا، حقك عليا أنا"
ابتسمت هي بفرحةٍ ثم التفتت حتى تقوم بتكملة ما كانت تفعله، بينما وقف هو خلفها يمسك كفيها و يحركهما و حينما نظرت له بتعجبٍ، أضاف هو مُفسرًا:
هساعدك....دي فرصة حلوة أهوه مش هتتكرر، حسن المهدي بقى طباخ على إيديكم، دُنيا"
قبل أن تنطق هي دلفت "فاطيما" تقول بحنقٍ تحتج على عدم مجيئهما:
كل دا !! أنا جوعت و الفيلم علي عاوز يشغله"
اقترب منها "حسن" يضعها على كتفيه ثم قال أمرًا لزوجته بعدما ألبس حديثه وشاح الجدية:
يلا يا هدير بطلي دلع، عاوزين ناكل، حصلينا يلا"
خرج من المطبخ بعد حديثه و ابنته على كتفيه تهز قدميها بينما "هدير" نظرت في أثرهما و قالت بغموضٍ:
حرباية صغيرة و اللي قاهرني مش هقدر أتكلم، ماهو أنا أمها"
بعد مرور دقائق دلفت لهم الغرفة تحمل الأطباق في يدها فوجدتهم يرتصون على الأريكة بجوار بعضهم و مكانها فارغًا بجواره، اقتربت منهم تقفز على الأريكة فتأوه "حسن" بصوتٍ عالٍ ثم قال:
إيه دا يا ست !! بتنطي على دبابة ؟! دي كنبة يتيمة"
ابتسمت هي و بررت له موقفها بقولها:
ما صدقت لقيت مكاني فاضي، يلا يا علي شغل الفيلم يا حبيب ماما"
قام "علي" بالضغط على زر التشغيل فقالت "فاطيما" بضجرٍ:
هو إحنا مش ورانا غير الجميلة و الوحش ؟! أنا تعبت منه"
نظر "حسن" إلى "هدير" و ابتسامة هادئة تُزين ثغره، فوجدها تبتسم هي الأخرى، حينها قال بنبرةٍ هادئة:
معلش...أصل الجميلة حبت الوحش...."
توقف عن التكملة ثم مال على أذن زوجته يقول هامسًا بنبرةٍ هادئة:
و هدير حبت حسن"
انفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيها بينما هو قام بالاعتدال في جلسته حيث كان في المنتصف و على يساره "هدير" و على يمينه "فاطيما" و يجاورها "علي" فقام "حسن" بفرد الغطاء عليهم جميعًا ثم قام بتقليل الإضاءة إلى أخرى خافتة ثم أطمئن بنظره عليهم و فرد ذراعيه يضمهم إليه حتى أخذت "فاطيما" الشطيرة الخاصة به تعطيها له حتى يأكل و كذلك أعطت الباقي تزامنًا مع بداية الفيلم الكرتوني، و كذلك "هدير" التي جلست تتابع الفيلم بنظراتٍ ثاقبة بكامل تركيزها.
نظر "حسن" للشطيرة في يده بتعجبٍ ثم وزع نظراته لهم من جديد، لازال لا يصدق أن بيته أصبح هكذا، زالت عتمته و حل محلها الضوء، و راح صمته و باتت أصوات المرح تُخيم على أرجائه، تلاشت وحدته و ظهر مكانها الونس، أكثر الأماكن التي كرهها، بات الآن كنفه الآمن، حيث الهروب من بشاعة العالم للدفء وسطهم، تنهد هو بعمقٍ فسأله "علي" حينما انتبه لشروده:
مش بتاكل ليه يا بابا ؟! الأكل مش عاجبك ؟! سرحان في إيه"
رد عليه "حسن" مبتسمًا:
لأ الأكل زي الفل يا علي تسلم ايدك يا غالي، سرحت شوية بس"
سألته "فاطيما" بسرعةٍ:
سرحت في مين ؟!"
وزع انظاره من جديد على الثلاثة الذين يترقبون إجابته و خصيصًا زوجته، و عند رؤيته لفضولها قال بصوتٍ رخيم:
هيكون في مين يعني ؟! فيكم يا ونس العمر"
زفروا بارتياحٍ شديد، فيما قال "علي" بنبرةٍ هادئة:
ربنا يخليك لينا طول العمر يارب يا بابا ؟!"
تحدثت "فاطيما" هي الأخرى:
يارب تفضل علطول معايا و تجيبلي كل الحاجات الحلوة اللي عاوزاها يا بابا"
ضحك هو بصوتٍ عالٍ ثم احتضنها بين ذراعيه و سرعان ما ترددت الكلمة على سمعه، فرددها هو مستنكرًا:
بابا! هي العيال دي جت امتى؟"
_________________________
في شقة "رياض" أغلقوا الشُرفات و الأبواب حتى تتم تدفئة المكان، ثم جلسوا على الطاولة يتناولون الطعام جميعهم في جو المرح و المشاكسات حتى نطق "رياض" يحذر الصغار:
بقولكم إيه كل واحد يخلص طبقه و النايب بتاعه، مش عاوز دلع، ماشي ؟!"
حرك الثلاثة رأسهم بموافقةٍ فوجه حديثه لـ "خديجة" و هو يقول بثباتٍ:
و حضرتك طبعًا مش لازم آكد عليكِ، عمالة تخسي و شكلك ضعف"
ردت عليه "خديجة" بنبرةٍ خافتة:
باكل والله بس جريي وراهم هو اللي مخسسني، اتطمن يا بابا"
نظر لـ "ياسين" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و الاستاذ ياسين برضه كُل علشان تقدر تدي العيال دي حقوقهم، كلوا يا جدعان متزهقونيش"
تحدثت "زهرة" بضجرٍ:
اقسملك بالله ما في حد هيزهقنا غيرك أنتَ، كُل يا سيدي و سيبنا ناكل احنا بقى"
ابتسم لها باستفزازٍ، بينما قالت "نغم" بنبرةٍ هادئة:
إحنا هناكل لما حضرتك تاكل....بس تقعد معانا و نغني كلنا إيه رأيك ؟!"
اقترب منها يقبل وجنتها ثم قال بحماسٍ:
بس كدا ؟! نغومة تؤمر و رياض ينفذ علطول من غير تفكير هو أنا عندي أعز منكم ؟!"
**************
بعد مرور بعض الوقت من تناولهم للطعام جلسوا جميعًا في غرفة الجلوس بجوار بعضهم و قد قام "ياسين" بتشغيل المدفأة و جلس بجوار زوجته و "زهرة" بينما "رياض" أخذ الثلاثة بين ذراعيه، حتى سألته "جاسمين" بمرحٍ:
هنعمل إيه بقى ؟!"
قبلها على رأسها ثم قال بمرحٍ:
هنغني و نفرح و نلعب كلنا، بما إن المطرة مكملة برة كدا"
صفقت بكفيها معًا فقال هو:
ها حفظتوا إيه بقى ؟! اوعوا الواد ياسين يكون بوظ ذوقكم في الأغاني ؟!"
رد عليه "ياسين" بفخرٍ:
لأ والله خالص، طب سمعوا جدو يا عيال أنا حفظتكم إيه ؟"
رفع "ياسين" رأسه بشموخ يستمع لكلمات أبنائه التي وصلت لأذانه بسرعةٍ كبرى و هي:
أديني حب أكتر....أديك الشوق يا سكر....أديني حب أكتر أديك الشوق يا سكر....الجو هادي خالـ...."
قبل أن يكملوا الغناء تلاشت البسمة من وجوه الحاضرين و سعل "ياسين" عدة مرات متلاحقة و "خديجة" تربت على ظهره و هي تحاول كتم ضحكتها، فيما سأله "رياض" بتهكمٍ:
إيه دا ؟! إيه دا يا روح أبوك؟"
رد عليه "ياسين" بنبرةٍ مهتزة:
مش أنا والله، معرفهمش، غني عدل ياض منك ليها بدل ما أطلع جناني عليكم"
زفر الثلاثة بضيقٍ ثم أعادوا الغناء من جديد بقولهم:
في الأول جرجرتك....من خيبتك خدرتك.....في الأولـ....."
اندفع "ياسين" نحوهم يحاول الإمساك بهم، لكنهم اختبئوا في جسد "رياض" و هو يُضلل عليهم بذراعيه وسط صرخاتهم العالية، فقالت "زهرة" بنبرةٍ ضاحكة:
على الله تمد إيدك على حد منهم، مالكش دعوة بيهم، فاهم ؟!"
ضيق جفناه ثم قال بغموضٍ:
ماشي....ماشي يا صيع، لينا بيت يلمنا حاضر، و خصوصًا أنتِ يا برص يا صغير"
وجه حديثه لـ "جاسمين" التي راقصت له حاجبيها و هي تتشبث بوالده، بينما قال "رياض" بسخريةٍ:
و هما هيعرفوا الأغاني دي منين يا هندسة ؟! أكيد دا ذوقك المنحدر"
رد عليه "يزن" مسرعًا:
لأ والله يا جدو، عرفناهم من مازن و زياد لما بنروح هناك بنشغلها و نرقص سوا كلنا"
سألته "نغم" بهدوء:
طب هنغني إيه يا جدو ؟!"
فكر قليلًا بعد سؤالها ثم جاوبها بنبرةٍ هادئة:
بصوا، إحنا نمشيها نظام لعبة، يعني كل واحد فينا يفكر في حد و يقوله أغنية، تمام، و أنا اللي هسأل، ولا اقولكم ؟! أنا هخلي كل واحد فيكم يقول أغنية لواحد تاني، تمام ؟!"
حركوا رأسهم بموافقةٍ فقال "رياض" لزوجته بنبرةٍ هادئة:
يلا يا زهرة دورك، غنيلي و لا علشان متبقاش كوسة، يبقى نخليها لخديجة، هتدي خديجة أغنية إيه ؟!"
ابتسمت "خديجة" بخجلٍ لها بينما "زهرة" تابعتها بنظرها و تلقائيًا ابتسمت لبرائتها ثم قالت بحماسٍ:
الأغنية اللي كانت بتيجي على النت دي و كنت بشوفها، استنى"
سكتت عن الحديث ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
بالصدفة تقابل بنت جميلة و تخطف قلبك خطف، من نظرة تشقلب كلّ حياتك قبل ما تنطق حرف......بحس خديجة كدا بنوتة جميلة جميلة بس سبحان الله تشد كل القلوب قبل العيون، مأظنش فيه حد شافها و محبهاش"
لمعت العبرات في عينيها فرفعت أناملها تمسحها، فقال "رياض" بتهكمٍ زائف:
نكدتي على البت و على أبونا، ارتاحتي يا زهرة ؟! طيب"
ردت عليها "خديجة" بنبرةٍ مختنقة:
شكرًا يا ماما، ربنا يعلم غلاوتك عندي نفس غلاوة ماما بالظبط"
ردت عليها "زهرة" بنبرةٍ هادئة:
أنا عمري ما هنسى إنك كنتي لسه والدة يزن و جاسمين و وقفتي معايا في عمليتي و شيلتيني و مكنتيش بتروحي و كمان مراعية ابني و عياله التلاتة، يمكن ربنا مكرمنيش ببنوتة، بس رزقني بيكِ، مين عالم مش يمكن تكون بنت قليها قاسي عليا ؟!"
اقتربت منها "خديجة" تقول بنبرةٍ هادئة:
اللي عملته دا واجبي و حقك عليا، أنا معملتش حاجة اتفضل عليكِ بيها، أي بنت اصول مكاني كانت هتعمل كدا، و بعدين إيه زي بنتك دي، مش بنتك أنا و لا إيه ؟!"
احتضنتها "زهرة" بقوة و هي تقول بحماسٍ:
من غير ما تقولي بنتي و حبيبتي كمان"
ابتسمت "خديجة" لها ثم وضعت رأسها على صدرها و هي تبتسم بينما "ياسين" نظر لهما بحبٍ يفيض من عينيه لهما.
تحدث "رياض" بضجرٍ زائفٍ:
طب علشان نقطع وصلة النكد دي، أنا هدي زهرة أغنية و هقولها اتقي ربنا فيا و بزيادة حس بيا"
ضحك عليه الجميع فيما رفعت "زهرة" حاجبيها فتحدث "ياسين" مسرعًا:
طب بالله عليك !! هي اللي تتقي ربنا ؟! دي الست قربت تهاجر مننا حرام عليك"
نظر له "رياض" بسخريةٍ فقالت "جاسمين" بضجرٍ:
خلصونا !! هنغني ولا ندخل ننام الجو ساقعة أوي"
وكزها "ياسين" في قدمها ثم قال بقلة حيلة:
هنغني ياختي عقبال ما نغنيلك في فرحك و نخلص"
_"يارب يا خويا"
قالتها بنفس طريقته حتى أوشك على الفتك بها لكنه تذكر أنها تجلس بين ذراعي والده، لذا آثر الصمت على تلك "الدمية" الصغيرة، بينما "رياض" قال بنبرةٍ هادئة:
يلا هنغني حاجة احنا حافظينها، بس هنسأل خديجة الأول، لو هتدي ياسين أغنية، تديله أغنية إيه ؟!"
نظرت له "خديجة" بخجلٍ من الموقف برمته لكنها استجمعت بعض الشجاعة و قالت بنبرةٍ هادئة تحاول اخفاء خجلها:
ياللي ابتديت الحب معاك.....عمري الحقيقي ابتدا وياك....ياللي ابتديت الحب معاك....عمري الحقيقي ابتدا وياك"
ابتسم "ياسين" بسعادةٍ بالغة ظهر أثرها من خلال نظراته التي تعلقت بها، بينما بدأ "رياض" الغناء و هو يأمر البقية بمشاركته الغناء، حتى أيدوا قراره بالموافقة و بدأ هو الغناء و جميعهم يصفقون معه:
ياللي ابتديت الحب معاك....عمري الحقيقي ابتدا وياك....ياللي ابتديت الحب معاك.....عمري الحقيقي ابتدا وياك...احلو....احلو....احلو....احلو...احلو....احلو....احلو عمري.....احلو عمري....احلو عمري في غمضة عين....لما اتقابلنا إحنا الاتنين.....احلو عمري في غمضة عين....لما اتقابلنا إحنا الاتنين..."
كانوا جميعهم يتشاركون الغناء و هم ينظرون لبعضهم و معهم الصغار بصوتهم الهاديء و قد بدت عليهم الموهبة منذ صغرهم، فاسترسلوا في الغناء بنفس الهدوء:
و بعد أول لُقا علطول....لقتني من أشواقي بقول....لا حد بعدك يملى عيوني....و لا حب غير حبك يرضيني....لا حد بعدك يملى عيوني.... و لا حب غير حبك يرضيني....ياللي ابتديت الحب معاك....عمري الحقيقي ابتدا ويــاك"
صفقوا بعد نهاية الأغنية ثم عادوا للغناء بأغنيات مختلفة في تلك الجلسة الممتعة، بينما "رياض" وزع انظاره على الجميع يشعر بسعادةٍ غريبة عليه كليًا وسطهم خصيصًا أن أسرته كانت ضئيلة الحجم، و الآن زادت و زادت معها السعادة.
_________________________
في شقة "أحمد الرشيد"
كانت صغيرته "ليلىٰ" تأنِ من كثرة التعب و الوخز في جسدها بسبب حرارتها المرتفعة، بينما "أحمد" كان جالسًا على فراشها و هو يحتضنها بين ذراعيه و يمسد بكفه على وجنتها و هي ترتجف بسبب بكائها، اخفض رأسه يسألها بنبرةٍ هادئة:
لسه تعبانة ؟!"
حركت رأسها موافقةً بوهنٍ، بينما هو تابع قسمات وجهها فوجد اللون الأحمر يغزو وجهها و السخونة الشديدة تبدو عليها و خاصةً من خلال نظراتها الزائغة و الدموع التي تلمع في محجريهما بدون سبب، تنهد هو بثقلٍ ثم قال بصوته الرخيم:
مش ليلى حبيبة بابا ؟! و بتسمع الكلام ؟! و اتفقنا سوا أنها تاخد العلاج علشان تخف ؟! تيجي ناخد العلاج أنا و أنتِ؟"
حركت رأسها نفيًا و هي تبكي ثم أشارت على موضع رأسها حيث مكان الآلم، بينما هو تنهد بثقلٍ لا يعلم ماذا يفعل معها، و إذ به تفاجأ بـ "سلمى" تقترب منهما و في يدها الدواء ثم جلست على ركبتيها أمام الصغيرة و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
علشان خاطري خدي العلاج طيب و أنا مش هديهولك تاني، علشان بابا ميروحش يديكِ حقنة، ماشي ؟! و بابا هياخد العلاج معاكِ، يلا علشان تلعبي تاني معاهم"
نظرت لوالدها بضياعٍ فقبلها على وجنتها ثم داعب خصلاتها الملساء و هو يحرك رأسه موافقًا، اقتربت من والدتها تفتح فمها لها بخوفٍ و اضطراب من مذاق الدواء، بينما "سلمى" ابتسمت لها ثم أعطتها الدواء بلطف و هدوء و "أحمد" رفع رأسها للخلف حتى لا تتقيأ الدواء كعادتها.
انتظر حتى ابتعلت الدواء و ظهرت بوادر البكاء عليها لذا انتفض واقفًا من على المقعد ثم دار بها في الغرفة يمسد بكفه على ظهرها حتى أمسكت الدُمية الخاصة بها حينما اقترب "أحمد" من الرَف، أمسكتها بيدها ثم وضعت رأسها على كتفه و كفها الأخر كانت تحركه على ذقنه بنعومة كالحرير.
تابعتهما "سلمى" بأنظارها و البسمة الهادئة تزين وجهها، لم تصدق أنه يحصل على الأمتياز في كل الادوار التي واجهها، لم تصدق "سلمى" أن "أحمد" ينجح في دور الأب بتلك الطريقة، أحيانًا تشعر أنه الأب لها و لابنتها، لاحظ هو نظراتها الموجهة نحوه، فسألها بتريثٍ خبيث:
عينك الله يعينك، هتاكلينا يا ست أنا و بنتي"
ابتسمت له ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
ياريت أعرف آكلكم، مقطقطين أوي سوا، بس أنا كنت سرحانة فيك"
اقترب منها يجلس مقابلًا لها و ابنته على ذراعه تمسك دُميتها و تلعب بها، فيما سألها بكامل تركيزه:
سرحانة فيا أنا ؟! ليه ؟!"
ردت عليه بوجهٍ مُبتسمٍ:
منكرش أني كنت ساعات بخاف منك إنك تطلع مش قد المسئولية، و ساعات كنت بقول إنك أكيد هتزهق، بس طلعت سوسة و شاطر في كل الأدوار، سواء الصاحب أو الزوج أو الأخ أو الحبيب، بس أكتر حاجة فاجئتني علاقتك بـ ليلى"
داعب هو وجنة الصغيرة ثم تنهد بعمقٍ و قال بنبرةٍ هادئة:
الفكرة أني عمري ما اتخيلت نفسي كدا، بس أنا فاكر حسن و وليد قالولي إيه كويس، قالولي إن اللي خربها و عاشها طول و عرض لما تجيله فرصة يثبت نفسه، هيمسك فيها، و آه أنا خربت الدنيا خروج و سهر و سفر، و حاجات أنا بنسى أني عملتها، منكرش ساعات بفكر هل هقدر أكمل كدا و لا هييجي يوم و أزهق، بس لما بركز بلاقيها سنة الحياة، مشوار اتكتب علينا كدا بكل حاجة فيه، و الله اللي عاوز يعيشه بمزاجه حلو و يشوفه فرصة، هيقدر يعمل كدا، و اللي عاوز يندب حظه و يعيش نفسه في هم و غم هيعمل كدا بسهولة"
عقدت ما بين حاجبيها و لم تفهم مقصده فسألته عن حديثه و أجابها هو مفسرًا:
يعني أنا لو عاوز أشيل نفسي فوق طاقتها هفضل أقول أنا اللي عملت كدا و أنا اللي اتجوزت بدري و أنا و أنا....و حاجات كتير أشيل نفسي الهم بيها، بس في نفس الوقت أنا أقدر أشوف الحلو و أتمتع بيه، زي أني معايا واحدة بنت حلال و بحبها و عمرها ما قصرت معايا حتى لو زعلنا مع بعض، و معايا بنت و غيري بيتمنى النعمة دي، يبقى ليه انكد على نفسي في حاجة ربنا كتبهالي أصلًا و شايلي رزقي ؟! إحنا ليه بنحارب في حاجة أصلًا بيد ربنا و ما علينا غير اننا نسعى علشان نستحقها ؟! اللي يفهم الدنيا صح، هيعرف إن ساعات الراحة بتكون في التعب نفسه، و أنا راحتي كلها في تعبي علشانكم أنتم"
دون أن تتحدث اقتربت منه تضع رأسها على صدره و هي تتنهد بعمقٍ فحركت "ليلى" كفها تمسد على رأسها ثم سألته بنبرةٍ خافتة:
هي ماما واوا ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يجاري الصغيرة التي مدت يدها بدميتها لوالدتها حتى تؤازرها، فرفعت "سلمى" رأسها بسرعةٍ كبرىٰ و حينما رآت نظرات الصغيرة حملتها على ذراعيها تقبلها ثم شددت عناقها لها، بينما "أحمد" تحرك نحو الفراش يجلس عليه و عينيه تتابعهما و البسمة الهادئة تزين ثغره، لم ينسى أن هناك أوقات مرت عليهما عصيبة و خصيصًا في فترات دراسة زوجته لكن كليهما تحمل و أصر على التمسك بالأخر.
أرجع رأسه على الوسادة حتى نام مكانه دون أن يشعر بذلك، بينما "سلمى" حملت ابنتها و اقتربت منه تجلس بجواره و وضعت ابنتها في المنتصف بينهما، ثم فردت ذراعها تحاوطهما و كأنها تحميهما من التعب، خاصةً أن "أحمد" ظهر عليه بوادر التعب، أما هي فاعتادت تخبئة خوفها و قلقها، لكن الآن تود البكاء خوفًا من أي أذى قد يلحق بهما، مسحت دموعها ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
ربنا يخليكم ليا يا رب"
_________________________
استمر الليل في السير حتى وصلنا بعد منتصفه، كان "ياسين" جالسًا على فراشه في غرفته بشقة والده و "خديجة" على الأريكة تقوم بصنع شيئًا ما، أما هو فكان يتابع هاتفه و يهاتف أصدقائه، بينما أولاده في الغرفة التي خصصها لهم "رياض" و قام بتجهيز كافة الأشياء التي قد يحتاجونها.
تنهدت "خديجة" بعمقٍ ثم اقتربت منه و هي تبتسم له بتوترٍ فسألها هو بتشككٍ:
خير شكلك عاوزة تقولي حاجة !! و شكلك متوترة"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
بص !! هما ٣ حاجات فأنا هأمن نفسي و أبدأ باللي يعصبوك و بعدها أختم باللي يفرحوك، تمام؟"
حرك رأسه موافقًا و لازالت عينيه مُثبتتين عليها، فتنهدت بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ مهتز:
بابا عازمنا يوم السبت بتاع بكرة دا، كان المفروض يعزمنا يوم الجمعة بس اتفاجأ بخلود عند عمو فهمي و احنا هنا، و هو كان عامل حسابه و أنا اتهورت معاه و قولتله اننا هنروح يوم السبت"
زفر هو مستسلمًا ثم قال بسخريةٍ:
يعني زي ما روحنا عند جدو رياض هنروح عند جدو طه ؟! و دي علقة محترمة يومين ورا بعض، بس مش مشكلة"
ردت عليه بحذرٍ:
لأ ماهو دي مش المشكلة، المشكلة في حتة تانية خالص"
طالعها بتعجبٍ فوجدها تقول بلهفةٍ:
بص العقبة جاية أهييه، إحنا هنبات هناك مع بعض، احنا و خلود و أحمد و المفروض عمار"
_"نبات فين يا أختي ؟!"
سألها مستنكرًا بنبرةٍ جامدة فقالت هي بتوترٍ:
يوم الجمعة بليل اللي هو بكرة هنروح عند بابا نبات هناك و نقضي السبت مع بعض، أنا واقعة في ورطة والله و أنا وعدت بابا أني هعمل كدا"
زفر هو بقوةٍ ثم سألها بجمود:
خديجة أنتِ بتدبسينا ؟! طب افرضي مثلًا عندي شغل و لا مش هعرف أروح يبقى الحل إيه ؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
أعمل إيه طيب ؟! لقيته متعشم أوي و نفسه يجمعنا و معانا خلود و هي عروسة، قولتله أنا هتصرف، و كان غرضي أهون عليه، متزودش ضيقي بقى"
مسح وجهه بكفيه معًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ماشي يا خديجة، بكرة بعد الغدا هنمشي و أروح اوصلكم حاضر"
سألته بحذرٍ:
بجد ؟! يعني مش هتديني دروس في كيفية التعامل ؟!"
طالعها بسخريةٍ و لم يعقب، فأضافت هي بنفس الحذر:
طب ممكن أقولك على الحاجة التانية و اللي هي أصعب من اللي جاي كله ؟!"
سألها بفزعٍ من حديثها:
هو لسه فيه أصعب من كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
عاوزاك تقنع عمار علشان خلود خايفة تكلمه، بتقولي خايفة يحسبها غلط و يفتكر أنه ملزم يروح عندنا زي ما هي راحت عندهم"
ضرب وجهه بكفيه معًا ثم سألها بنبرةٍ جامدة:
ثانية بقى !!! هو أنتِ قولتيلها تفاتحه في الموضوع أصلًا"
حركت رأسها موافقةً فأغمض عيناه بضجرٍ و قلة حيلة، بينما هي طالعته بحذرٍ لا تدري ماهو القادم.
*************
على الجهة الأخرى فاتحته "خلود" في الموضوع بحذرٍ و هي تتوقع منه الكثير، ربما يغضب و ربما يرفض و ربما يثور، لكنها تفاجئت به يتنهد بعمقٍ ثم سألها بنبرةٍ جامدة:
و هو أنتِ خايفة تتكلمي معايا ليه ؟! هعضك مثلًا ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ ثابتة:
خوفت تفهم غلط يا عمار، خوفت تحسبها بحط عيلتك قصاد عيلتي و بصراحة لما حطيت نفسي مكانك فكرت فيها كدا، خوفت بقى أنتَ تفكر كدا بس أنا غصب عني اتفاجئت و حضرت حاجات كتير اقنعك بيها، بس أنا مش بعرف أخدع حد"
زفر هو بقوةٍ ثم سألها بتعجبٍ:
هو أنتِ ليه بتخافي مني ؟! أنا عمري ما أفكر آذيكي حتى، ليه علطول بتفترضي فيا الوحش ؟"
ردت عليه مسرعةً تنفي التهمة عن نفسها:
أنا مش بخاف منك و مش بفرض فيك السوء، بس ردود الأفعال بتختلف، و أنا معرفش أنتَ هتفكر إزاي في الموقف دا علشان كدا كلمتك و أنا خايفة، عاوز تشوفني وحشة، براحتك دي مش اول مرة يعني حد يشوفني شخص وحش"
زفر هو بقلة حيلة ثم جلس بجوارها يقول بنبرة هادئة:
و أنا مش شايفك وحشة أبدًا، و مش فاهم أنتِ ليه يا خلود مصممة إنك مليانة عيوب و عمالة تزودي على نفسك هموم ملهاش أي لازمة، أنا متفاجيء من طريقة كلامك اكتر من الموقف نفسه، بتكلميني و كأني و اقفلك بالحزام مثلًا، بتحسسيني بالذنب في حاجة مليش علاقة بيها"
نزلت دموعها فورًا و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
أنا أسفة والله بس أنا اتصرفت بناءًا على تفكيري و على كلام خديجة، مش قصدي أقول إنك وحش أو بتخوفني، بس أنا خوفت تفتكر أني جيت و ساعدت مامتك علشان تروح معايا عند بابا و ماما"
زفر هو بقلة حيلة ثم رفع ذراعه يضمها إليه و يربت عليها بحنوٍ بالغٍ، بكت هي كعادتها ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ:
عارفة أني ممكن أكون ضايقتك، بس أنا غبية و متسرعة بس مش ظالمة، لو أنتَ زعلان قولي"
رد عليها بقلة حيلة:
أنا مش زعلان منك بس زعلان علشان أنتِ مصممة تاخدينا في حتة كلها سدود و تتعاملي فيها، افترتضي أني هزعل و أني هلومك و اني وحش و دماغي بتفكر غلط، مع أني أطيب من كدا بكتير و لو كنتي كلمتيني من غير خوف كنت هقولك أني فرحان أني هروح معاكِ بصفتي جوزك و حبيبك و دي هتكون أول مرة ادخل بيتكم و أنا ليا كامل الحق فيه بعدما خدت حقي منه، أنتِ اللي غاوية نكد اعملك إيه ؟!"
مسحت دموعها ثم رفعت رأسها تطالعه بعينين دامعتين و هي تقول بصوتٍ متحشرجٍ:
طب أقولك على حاجة ؟! أنا عمري ما عرفت أعيط قدام حد خالص، غير مرات قليلة اوي و عمري ما قدرت أقول أنا حاسة بأيه علشان علطول بيقولولي أني جامدة و مفيش حاجة بتهمني و أني قوية، بس....."
توقفت عن الحديث و أخفضت رأسها للأسفل فرفع وجهها بكفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
اتكلمي.... أنا معاكِ و سامعك"
تنفست بعمقٍ ثم قالت بنفس الصوت المختنق:
بس معاك كل حاجة مختلفة، حاسة إن فيه خلود تانية أنا ماكنتش أعرف حاجة عنها جوايا، خلود بتحس و تقدر و كمان عندها استعداد تعيط و تشارك اللي قدامها كل حاجة، بس دا معاك أنتَ بس، لكن حد تاني مش بعرف، علشان كدا بكون خايفة بحركة غباء مني أخسرك، و أنا يعز عليا و على قلبي خسارتك"
تنهد "عمار" بعمقٍ ثم جلس أمامها على ركبتيه يحتضن كفيها بين كفيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و أنا عليا أني أفضل ماسك فيكِ و مخسركيش أبدًا، دوري أني أطمنك و أكون معاكِ دايمًا، صحيح مش علطول هيكون نفس رد فعلي ثابت، بس أنا هحاول علطول أني أحطك قدام كل حاجة، لو فعلًا عاوزانا نكون صحاب مش مجرد اتنين متجوزين و خلاص، يبقى تكلميني بصراحة و من غير فروض و لا خوف الدنيا بسيطة بس احنا بنصعبها على نفسنا، مش كدا يا....يا سكر ؟!"
قال كلمته الأخيرة بمزاحٍ جعلها تضحك رغمًا عنها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
كدا يا....يا لوز"
اعتدل في وقفته فوجد هاتفه يصدح برقم "ياسين"، عقد ما بين حاجبيه و هو يقول بتعجبٍ:
ياسين !! غريبة بيكلمني دلوقتي ليه ؟!"
ردت عليه بتوترٍ:
علشان يقنعك بالعزومة و يقولك على موضوع البيات كمان"
ردد خلفها مستنكرًا:
يقنعني ؟! هو أنا اتفضحت خلاص ؟! روحي ربنا يسترك"
حاولت كتم ضحكتها فيما تحرك هو نحو شرفته يتحدث في الهاتف و بعد مرور ثوانٍ قليلة عاد لها من جديد و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
بكرة بعد الغدا إن شاء الله هنروح عند باباكِ، حاجة تاني ؟!"
حركت رأسها نفيًا فوجدته يقترب من الفراش و يستعد للنوم، فسألته بنبرةٍ جامدة:
هو أنتَ هتنام و تسيبني ؟!"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تقفز بجواره و هي تقول بلهفةٍ:
لأ أنا مش هعرف أنام دلوقتي، علشان خاطري اقعد معايا و كلمني"
مسح وجهه بكفيه ثم تنهد بقوةٍ و فتح ذراعه حتى اقتربت منه تضع رأسها عليه براحةٍ فرفع كفه يُمسد على خصلاتها حتى سألته بتعجبٍ:
عمار أنتَ بتعمل إيه ؟!"
_"بنيمك يا خلود، عاوز أنام ياما قبل الفجر علشان اعرف انزل أصلي، نامي بس ربنا يهديكِ"
كان ذلك حديثه الذي قاله بقلة حيلة فيما قالت هي بحماس:
أقولك !! أحكيلي أي حاجة، أي حدوتة تخليني أنام، كدا أنا هنام أكيد"
تثاءب هو و وضع كفه على فمه ثم حرك رأسه موافقًا حتى وجدها تتشبث به بحماسٍ فطوقها هو بذراعيه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
فيه مرة واحد كان غلبان أوي عمره ما كان ليه في أي حاجة في الدنيا، لو طال يمشي جوة الحيط كان هيعمل كدا، راح مرة مع أخوه علشان كتب كتابه و كان لسه عيل مراهق في تانية ثانوي، كان فاكرها مناسبة زي أي مناسبة عادية هتعدي و تخلص و يرجع عادي، بس اللي حصل خالف كل التوقعات"
توقف عن الحديث فوجدها ترفع رأسها و تسأله بلهفةٍ:
إيه اللي حصل ؟! جراله حاجة؟"
حرك رأسه موافقًا ثم تابع حديثه:
جراله حاجات كتير، طلت واحدة خدت قلبه من مكانه، كانت أول مرة هو يبص لحد و أول مرة عينه تتعلق كدا، لو قولنا إنه عمره ما بص لبنت، يبقى دي البنت الوحيدة اللي قدرت تخليه يخالف مبادئه، منسهاش، لسه فاكر كل تفصيلة فيها لحد دلوقتي، واحدة واحدة صاحبنا غرق فيها و بقى يدخل يشوف صورها و يبدأ يتابع تحركاتها، و الشيطان بدأ يلعب عليه لعبة صح، حلله الحرام في عنيه"
شهقت هي بخوفٍ و سألته بحذر:
أوعى تقول إنه أذاها يا عمار ؟!"
اخفض بصره نحوها ثم حرك رأسه نفيًا بينما تنهدت هي براحةٍ فأضاف هو:
جاله طوق نجاة على هيئة أخوه و قاله أنه حرام يبص في صورها و حرام يعلق نفسه بيها لأن سنه صغير، و لازم يركز في حاجة من الاتنين يا يبني نفسه و يتعلم علشانها، يا يسلم لشيطانه و يغويه و في كل الحالات تضيع منه، كان قدامه طريقين، واحد صعب أوي و التاني سهل، لو بصينا على النتايج هنلاقي إن السهل كان ممكن يوصله ليها و يخليها معاه، بس نهايته هتكون فراقها للأبد، و لو بصينا للصعب رغم أنه طريق طويل و مليان حواجز بس نهايته خير و أكيد جبر لقلبه، تفتكري هو أختار أنهي ؟!"
فكرت قليلًا ثم قالت بتشككٍ:
حاسة إنه اختار الأسهل ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال ببسمةٍ هادئة:
صاحبنا اختار الأصعب، اختار الفراق و البعد و اختار الغيبة، عمل كل حاجة تضمن أنها تكون ليه بس بحلال ربنا، كلم أخوها و كلم أخوها التاني و عرف أخواته علشان يتابعوه قبل ما يغلط، راح لشيخ في الجامع و سأله ازاي يحافظ على قلبه و على حبه، سلمها لله و طلب منه يحفظهاله، بقى يصلي قيام الليل علشان يدعيلها قبل ما يدعي لنفسه، خاف عليها تشيل ذنوب بسببه هو، عمل كل حاجة تخليه راجل يعتمد عليه إلا إنه يروح يكلمها من ورا أهلها، أو يخليها تغلط بسببه، صاحبنا دا حارب نفسه و رباها على الصبر علشان ينول الجبر"
تأثرت هي من حديثه و استنتجت أن القصة تخصهما سويًا، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم أضاف:
رغم نجاحه و تخرجه و فرحته بكل حاجة وصل ليها، بس لسه اليوم اللي قعد فيه قدام باباها يطلب إيديها متنساش و مراحش عن باله، مكانش مجرد واحد بيطلب الجواز، دا كان واحد بيسترد ضلعه من تاني، واحد كل ما يشوفها قصاده ما يصدقش نفسه و يردد حاجة واحدة بس"
رفعت رأسها من جديد تطالعه باستفسارٍ من خلال نظراتها فجاوبها هو بنبرةٍ هامسة:
ألَّم تَكُن تِلكَ التيِّ تَمنَيْتُ فَقَط مُجاورَتُها و التَحدثُ مَعها ؟ هَا هِي لَـك و مَـعكَ و بِجِوَارَك و أصبحتْ دَارها هِي نَفسُها دَارَك"
تنهد هو بعمقٍ بينما هي أغمضت عيناها تَغُط في ثباتٍ عميق و أخر ما وصل لسمعها هي تلك الجملة التي حفظتها في قلبها قبل سمعها، تابعها هو حتى تنهد براحةٍ ثم رفع الغطاء يدثرها به جيدًا و يعدل وضع نومها بين ذراعيه و هو فقط يفكر في كيفية بثها الشعور بالاطمئنان لنفسها قبل الأخرين.
_________________________
أغلق "ياسين" الهاتف مع "عمار" ثم زفر براحةٍ حتى سألته "خديجة" بتوترٍ:
ها قالك إيه ؟! اصدمني يلا"
رد عليها بقلة حيلة:
مقالش حاجة الواد، طلع متفهم و مقدر و اتفاجيء انكم مكبرين الموضوع و ظنين فيه السوء"
تنهدت هي بعمقٍ و كأن هناك همًا أُزيح عن قلبها فقال "ياسين" بسخريةٍ:
شوف ازاي ؟! تدبسنا و تورطنا و في الأخر تطلع منها زي الـ ٢٠ جنيه من المحفظة"
ردت عليه هي بحنقٍ:
فيه إيه هي أول مرة يعني ؟؟ ما أنا علطول مدبساك، أعيش و أورطك و تعيش و تلم ورايا"
رفع حاجبيه و هو يقلد طريقة حديثها بقوله:
تعيش و تلم ورايا..."
وكزته في كتفه فسألها هو بعدما تذكر بقية حديثها:
خدي هنا !! كان فيه حاجة تانية قولتي انها هتفرحني، هتاكليها عليا يا كتكوتة ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بحماسٍ:
لأ طبعًا، دا أنا عملاها مخصوص علشانك، غمض عينك بس"
رد عليها بخبثٍ:
لأ بوسيني علطول مش لازم أغمض، أنا عادي يعني"
وكزته في كتفه و هي تقول بضجرٍ:
اتلم أحسنلك !!"
اغمض عيناه بعدما زفر بقلة حيلة، فيما وضعت هي القماشة نصب عينيه ثم قالت بنبرة صوتٍ ظهرت بها البسمة:
فـتـح يا مـهـلبـيـة"
قبل أن ينفذ ما تريد قال بقلة حيلة:
والله العظيم ما هيوديني في داهية غير المهلبية بتاعتك دي"
قال حديثه ثم فتح عيناه حتى وقع بصره على تلك القماشة "الطارة" التي تميزت هي بصنعها، رفرف بأهدابه عدة مرات فسألته هي بحذرٍ:
إيه رأيك فيها ؟! عجبتك ؟!"
خطفها من يدها يمرر أصابعه عليها حيث كانت القماشة باللون الأبيض و الخيط المستخدم باللون الأسود و معه بعض الألوان الأخرى منها اللون السماوي، أضافت عبارة في منتصف الطارة و أسفلها اسمه كما اعتادت كتابته دومًا و في الأسفل ثلاث زهرات باللون السماوي و أسفل كل زهرة حرف من حروف أبنائها.
مرر بصره عليها مرة و أخرى و أخرى و في كل مرة تأسره التفاصيل، وقع بصره على العبارة التي زينت الطارة في المنتصف فوجدها صعبة إلى حدٍ ما، لكنه جاهد لقراءتها و هي:
كَيْفَ أَكُفُ عَن كَفَ مَن أَكفَاني في كَنفه كِفايةً، فمن الكِفاية كَفُكَ أكفاني و كَفاكَ"
قرأها بتلعثمٍ واضح التقطه هي و كتمت ضحكتها حتى لا تحرجه، بينما سألها هو بتعجبٍ:
معلش يا ست الكل، أصل محسوبك طول عمره ساقط عربي و ماشي فيه بالزق، انزلي بالترجمة"
كتمت ضحكتها على سخريته ثم قالت مفسرةً بنبرةٍ ضاحكة:
يعني ازاي الأيد اللي كفتني من حمايتها و كنفها ابعد عنها، علشان من كفاية العالم دا كله الايد دي كفتني و كفته معايا، معناها يعني إن أنا مش هبعد عنك"
ابتسم هو بسعادةٍ و أشرق وجهه في ثوانٍ و هو يتابع الطارة في يده، فأضافت هي من جديد:
أنا حطيت ٣ وردات و كل وردة تحتها حرف من حروف ولادنا، حسيتها كدا أحسن، بس أنا علشان آخر حاجة عملتها كانت في ولادة يزن و جاسمين، قولت أني أول ما أرجع أعمل تاني يكون ليك أنتَ، بتفائل أوي"
قام هو بطي "الطارة" ثم وضعها في جيب سترته البيتية، ثم رفع ذراعه يضمها إليه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ربنا يباركلي فيكِ و يقدرني و أفرحك علطول أو على الأقل أفضل أنا سبب راحتك، زي ما أنتِ علطول سبب راحتي كدا، شكرًا إنك علطول مخلياني مسنود عليكِ، أمي بقالها خمس سنين مش قادرة تنسى إنك شيلتيها و رفضتي أني أنا اساعدها، لحد دلوقتي أنا لسه مرديتش الدين دا ليكِ"
ابتعدت عنه تعاتبه بنظراتها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
فيه واحدة بترد دين لبنتها ؟! و لا فيه واحد بيرد دين لمراته اللي المفروض أنها نصه التاني يا ياسين ؟! اللي عملته دا كان واجب عليا، هي قالتلي إني بنتها و أنا لا يمكن أتخلى عنها، ريح نفسك و بطل كلامك اللي يزعل دا"
تنهد هو بعمقٍ ثم ضمها إليه من جديد و قبل أن ينطق سمع طُرقات على باب غرفته فزفر بضجرٍ ثم قال بسخريةٍ:
قومي افتحي لضرتك"
ضحكت "خديجة" بيأسٍ ثم تحركت من جواره تفتح الباب فوجدت الصغيرة تطالعها ببراءةٍ زائفة، سألتها "خديجة" بثباتٍ:
نعم !! جاية ليه ؟! مش قولنا ننام في اوضتنا احنا مش صغيرين ؟!"
ردت عليها بضجرٍ:
جدو نايم و حاضن يزن و تيتة خدت نغم و حضنتها، طب و أنا يرضيكي أنام من غير حضن"
_"آه يرضيني عادي"
تفوهت بها "خديجة" بلامبالاةٍ جعلت الصغيرة تشهق ببلاهةٍ، بينما "خديجة" ابتسمت لها ثم حملتها على ذراعيها حينما رق قلبها لها ثم أغلق الباب بقدمها.
جلس "ياسين" على الفراش يراقب تلك "الدُمية" التي قفزت بجواره عدة مراتٍ بحماسٍ فيما قال هو بصوتٍ عالٍ:
بس يا بت السرير هيبوظ منك، قولت نبطل شقاوة و تنطيط، خير أي رياحٍ طيبة أتت بكِ إلى هنا"
كان يحدثها بسخريةٍ بينما طالعته هي بوجه مشمئز مما لا تفهمه و تدريه بحديثه، فجلست "خديجة" بجوارها تُمسد على خصلاتها، بينما قالت الصغيرة ببراءةٍ:
أنا قولت أجي أنام هنا في حضنكم، بدل ما هما مش حضنني هناك، كدا أنا غلطت يا بابا ؟؟"
حرك رأسه نفيًا بسخريةٍ بينما جاهدت والدتها لكتم ضحكتها، فنامت هي في المنتصف تضع قدمًا فوق الأخرى، فقال "ياسين" بحنقٍ و هو يدفع قدمها:
بطلي ألاطة ياختي و نامي عِدل، حاطة رجل على رجل ؟!"
زفرت هي بقلة حيلة قفزت تقف أمامه و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
أنا عاوزة و مش بعرف أنام غير كدا، هعمل إيه يعني ؟! بطل تستزهـ.....تستـ....تسهزقنـ...، قول معايا كدا اسمها إيه ؟!"
سألها بحذرٍ:
قصدك أني بستهزءك يعني و مخليكِ مالكيش لازمة ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت مؤكدةً:
أيوا هي دي، برافو عليك"
ضحكت "خديجة" بصوتٍ عالٍ و لم تقو على الصمود أكثر أمام تلك الصغيرة المشاكسة، بينما "ياسين" قام بعض سبابتها التي تُشهرها في وجهه حتى صرخت هي بصوتٍ عالٍ و قالت من صراخاتها:
سيب ايدي بدل ما أروح اصحيلك باباك، سيب ايدي بقى"
لم يتركها و كذلك لم يضغط على اصبعها، انما استمرت هي في سحب اصبعها لكنه لم يترك لها الفرصة حتى ابعدت هي خصلاتها الثائرة عن وجهها ثم قالت له بتحدٍ:
طب والله هصحيلك جدو و أقوله تعالى شوف ابنك اللي مـ...."
قبل أن تكمل حديثها ترك اصبعها ثم سحبها من سيارتها القطنية و هو يسألها بنبرةٍ جامدة:
ابنك اللي إيه يا بت ؟! كملي كدا علشان أقوم أعملك كورس إعادة تربية يا روح أمك !!"
وزعت انظارها بينه و بين والدتها التي نظرت بها بتحذير من التكملة، فقالت هي ببراءةٍ:
تصدق مش هينفع علشان أنتَ بابا ؟!"
ضغط على سترتها أكثر يقربها منه حتى قالت هي بتيهٍ:
كنت هقوله تعالى شوف ابنك المهلبية مش عاوزني أنام في حضنه، يرضيك ؟!"
رفع حاجبيه مستنكرًا قولها و أفعالها التي لا تتناسب مع عمرها، بل و ذكاؤها الغريب بينما هي ارتمت عليه تعانقه بشدة ثم قبلت وجنته اليسرى عدة مرات و كذلك جبينه حتى ضحك هو مستسلمًا لها ثم أبعدها عنه و ألقاها على الفراش و طلب من "خديجة" بنبرةٍ ضاحكة:
امسكي أيدها بسرعة يا خديجة"
أمسكت "خديجة" ذراعي الصغيرة بينما "ياسين" استمر في تحريك أنامله في بطنها و قدمها "يدغدغها" و هي تضحك بصوتٍ عالٍ تتوسلهما بالتوقف، لكن صوت ضحكاتها، كان مثل الطرب في أذانهم حيث جعلهما يزدادا فيما يفعلاه فيها خاصةً أنها لم تكف عن المزاح دومًا.
_________________________
في صباح اليوم التالي يوم "الجمعة"....
استيقظت "خديجة" مُبكرًا و كعادتها قامت بتشغيل القرآن الكريم و أشعال البخور في الشقة و قامت بتحضير الفطور حتى استيقظ البقية و امتلأ البيت بالأصوات المبهجة، بينما "رياض" كعادته كل يوم جمعة يقضونها معه يمر عليهم جميعًا يرحب بهم و يناولهم الحلويات بيده و خصيصًا "خديجة" تلك التي ازدادت مكانتها لديهم مع مرور السنوات.
بعد تناول الفطور ارتدى "رياض" عباءته البيضاء و كذلك "ياسين" و "يزن" فوقفت "زهرة" أمامهم تقول بحماسٍ:
الله أكبر ربنا يحفظكم و يبارك فيكم و يبعد عنكم العين"
اقترب منها "ياسين" يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ربنا يخليكِ أنتِ لينا يا زوزو"
اقترب منها "يزن" يقبل كفها ثم قال مثلما قال والده:
ربنا يخليكِ لينا يا زوزو، أنا بحبك اوي اوي"
ربتت على خصلات الصغير، فقال "رياض" بنبرةٍ ضاحكة:
ربنا يخليكِ لينا يا زوزو، أنا بحبك أوي أوي"
ضحكت رغمًا عنها فاقتربت منهم "جاسمين" تقول بضجرٍ:
أنا عاوزة أجي أصلي معاكم تحت في الجامع، اشمعنا أنا ؟!"
ردت عليها "نغم" بهدوء:
علشان احنا بنات بنصلي في البيت، تحت فيه زحمة كتير أوي تعالي صلي معايا هنا و ماما و هتصلي معانا"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ و قبل أن تقف بجوار شقيقتها قالت لوالدها:
بابا.... هاتلي أيس كريم و أنتَ جاي"
رد عليها بضجرٍ:
البعيدة مش بتحس ؟! الجو السقعة دا مش واكل معاكِ بحاجة ؟! المطرة اللي مطرت دي مش مخلياكِ سقعانة ؟!"
حركت رأسها نفيًا فعض هو شفته السفلى حتى وجدها تركض نحوه و هي تقول بلهفةٍ:
هات بوسة بقى قبل ما تمشي"
حملها على مضضٍ يقبلها ثم فعل المثل مع "نـغم" التي ابتسمت له بسعادةٍ ثم قبلته هي.
نزل الرجال و بقيت النساء في البيت، فقالت "زهرة" بحماسٍ:
يلا ألبسوا علشان نصلي سوا يلا"
ركضت الفتاتين و هي تتبعهما نحو الداخل، بينما "خديجة" وقفت تراقبها و هي تبتسم باتساعٍ و تحمد ربها على ما هي عليه
_________________________
في الأسفل تقابل "رياض" مع "فهمي" و أبنائه و حفيده، و ذهبوا جميعًا نحو المسجد.
بعد نهاية الصلاة و خروجهم من المسجد تحدث "ياسين" بتعجبٍ:
اومال فين ياسر و خالد ؟! ماجوش هنا ولا إيه ؟!"
رد عليه "عامر" مفسرًا:
لأ خالد عزمهم كلهم عنده و قال علشان يكونوا كلهم سوا النهاردة، و أنا و عمار روحنا لميمي الصبح اتطمنا عليها و غيرنا و جينا على هنا"
حرك رأسه موافقًا ثم سأل الأخر:
هتمشي معايا بليل و لا هتروح لوحدك أنتَ و خلود ؟!"
رد عليه بحيرةٍ:
لسه مش عارف والله، بس علشان معطلكش يعني، روح أنتَ و أنا هروح بالموتوسيكل و خلود معايا"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم وقفوا مع بعضهم يتحدثون في شتى المواضيع.
***********
على الجهة الأخرى خرج "خالد" و "ياسر" و معهما الصغار من المسجد، فقال "خالد" لابنه بنبرةٍ هادئة:
طبعًا يونس هيروح يجيب الفطار و معاه زين لحد ما أروح أجيب أنا باقي الحاجة للبيت، صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم قال بقلة حيلة:
مشوار كل جمعة، اللي هو أصعب من فتح عكا صح ؟!"
رد عليه "ياسر" بنبرة ضاحكة:
والله معاك حق المطعم كله فوق بعضه بس الراجل عرفك مش هيوفقك يلا وزين معاك
رد زين بلهفة :
طب خلوا تليفوناتنا معاكم عشان متتسرقش في الزحمة زي عمو اللي اتسرق المرة اللي فاتت
انتبه له يونس ثم مد يده لوالده وكذلك زين ثم تحركا نحو المطعم وتحرك الاخرين نحو وجهتهما المحددة
وقف خالد يجلب بعض الاشياء من محل البقالة حتي وصلت رسالة لهاتف ابنه لم ينتبه هو وظنه هاتفه وقرأ الرسالة من الشاشة الخارجية فوجده رقم فتاة مسجل باسم ناني والرسالة محتواها:
وحشتني اوي يا يونس الاجازة رخمة من غيرك هشوفك امتي؟
صعق خالد مما رآه والدماء احتقنت في وجهه وجف حلقه لم يصدق ما يراه هل في هذا العمر وتصله رسائل مثل هذه؟ فماذا اذا وصل للمرحلة الثانوية؟! شهق بقوة واغلق الهاتف وهو يحاول الوصول للأمر ويضع في جميع الاعتبارات براءة ابنه
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل السادس 6 - بقلم شمس بكري
وقعتُ أسيرًا لعينيكِ وما أنا بفلسطيني لأقاوم، و ظل سؤالًا يؤرقني في ليلي كيف لشخصٌ مثلي اعتاد الانتصار أن يهزم بسبب عينين؟"
_________________________
ارتفعت درجة حرارة الهواء حتى باتت عملية التنفس بالنسبة لـ "خالد" أصعب مما يكون، عقله بات منشغلًا بالتفكير في تلك الرسالة و طريقة تحدث الفتاة نفسها، تبدو و كأنها لم تكن المرة الأولى، زفر هو بقوةٍ فوجدها ترسل رسالةً أخرى محتواها:
ما ترد عليا يا يونس بقى ؟!"
اتسعت عينيه بدهشةٍ غلفت نظراته و ملامحه، فلاحظ "ياسر" ذلك و سأله متعجبًا من حالته:
مالك ياض وشك قلب ليه ؟! فيه حاجة ؟!"
حرك رأسه نفيًا وانعقدت ملامح وجهه و ظهر العبوس عليه، فقلب "ياسر" فمه للأسفل ثم سأله بثباتٍ:
خالد ؟! مالك وشك جاب ألوان كدا ليه ؟! حصل حاجة ضايقتك؟"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال يُخفي عنه الموضوع قدر الامكان:
مفيش، دا واحد معايا في الشغل مطلوب منه ملف يخلصه بس هو في فرح أخوه، عاوزني اعمله و ابعته باسمه هو، هعمله... أكيد يعني مش هقوله سيب الفرح، بس هو ملف مهم"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم حرك رأسه للجهةِ الأخرىٰ فوجد "يونس" و "زين" يقتربا منهما، انبسطت ملامح وجه "ياسر" و اشار بسبابته نحوهما و هو يقول:
وصلوا أهُم يلا علشان نطلع و نفطر"
انتبه "خالد" حيث أشار الأخر و هو يطالع ابنه بنظراتٍ ثاقبة يتفرسه كما الصقر بعدما ضيق جفناه فوق عينيه، لا يدري لماذا شعر بشعور غريب عليه، لا يريد أن يخذله ابنه، لطالما كان محاربًا حتى يحصل على ثقته، فلماذا ؟!.
ظل شاردًا نحو ابنه حتى قال "زين" بتعجبٍ:
إيه يا خالو سرحان في إيه ؟! يلا علشان الطعمية هتبرد و تيتة عفاف بتحبها سخنة"
حرك رأسه موافقًا بعدما انتبه لصوت الصغير ثم زفر بقوةٍ، فاقترب منه "يونس" يسأله عن الهاتف و هو يقول بنبرةٍ هادئة و ثباتٍ:
هات الموبايل يا بابا، حد رن ؟!"
سأله "خالد" بنبرةٍ جامدة دون أن يعي لنفسه:
ليه هو أنتَ مستني مكالمة من حد ؟! خير إن شاء الله"
عقد "يونس" ما بين حاجبيه بسبب طريقة تحدث والده، بينما "خالد" انتبه لطريقته فزفر بضجرٍ ثم مد يده بالهاتف له و تحرك بعدما أمرهم باتباعه.
نظر "يونس" في أثره بتعجبٍ ثم تبعه نحو البيت و هو يفكر في طريقة والده التي تغيرت و تبدلت بتلك الطريقة، لكنه ظن أن هناك ما أثار حفيظته أو تسبب في ضجره، بينما "خالد" كل ما وصل لذهنه أن ابنه خالف وعده معه حتى كل ما سيطر على فكره شيءٌ واحد و هو أن:
الممنوع.... مرغوب"
لطالما منعه عن "نغم" و محادثتها قرر ابنه ملء الفراغ بأخرى حتى و إن كان سنه لا يتناسب مع أفعاله، تبًا لسن المراهقة و لبداية الشباب التي تلعب في ذهن صغار مثل هؤلاء.
_________________________
في شقة "رياض" وصلها هو و ابنه و حفيده الصغير و معهم وجبة الإفطار المعتادة في معظم البيوت في ذلك اليوم، ثم اجتمعوا حول المائدة جميعهم يتناولون الطعام سويًا و كعادة "رياض" أصر على إطعام الصِغار الثلاثة بنفسه.
تحدثت "خديجة" بحرجٍ منهما بعدما نظرت لـ "ياسين" فوجدت اللامبالاة على وجهه، حينها قررت هي خوض المعركة و اعلامهما بالأمر:
بابا... ماما....للأسف مش هنبات هنا النهاردة، بس هنقضي اليوم سوا مع بعض، بس بابا عازمنا بكرة و عازم خلود و عمار و أحمد معانا كمان، فأنا بستأذنكم بس نمشي بعد الغدا إن شاء الله"
ظهر الحزن على وجه "زهرة" فورًا بينما "رياض" قال متفهمًا لما قالته:
براحتكم يا حبيبتي، لو بابا عاوزكم بالنهار كمان مفيش مشاكل"
ردت عليه مسرعةً:
لأ يا بابا، تسلم يا رب، إن شاء الله هنروح بليل نقضي السهرة معاهم و بكرة كمان و بعدها نروح إن شاء الله"
حرك رأسه موافقًا فيما قالت "زهرة" بقلة حيلة:
خلاص أمري لله، بس هتتعوض مليش فيه، طالما هما في إجازة يبقى تقعدوا معايا اسبوع ولا حاجة"
ردت عليها "نغم" بقلة حيلة:
مش هينفع يا تيتة، يزن و جاسمين عندهم حضانة، مش عندهم أجازة"
زفر كليهما عند ذكر شقيقتهما تلك السيرة الغير مرحب بها، بينما قال "ياسين" ساخرًا:
اهو اتفضلي، تجيبي سيرة الحضانة ينفخوا و يزهقوا كأنك بتكهربيهم، عيال فاشلة"
ردت عليه "جاسمين" بضجرٍ:
ماهو حرام يعني بصراحة، كله خد إجازة و أنا و هو لأ !! و لسه هنروح مدرسة كمان لما نغم تروح ؟! دا اسمه تـقــ...تـقـعيد ضغطوتـ.... إيه ؟! قول معايا كدا اسمها إيه ؟!"
ابتسم"ياسين" بتهكم و هو يجاوبها:
تعـقيد و ضغوطات....قصدك كدا ؟!"
جاوبته بمرحٍ يتنافى مع ضجرها:
أيوا هي دي برافو عليك"
ضحكوا عليها جميعًا، بينما "نغم" سألته بمرحٍ هي الأخرى:
هي خالتو خلود هتروح معانا يا بابا ؟! و لا هييجوا بليل ؟!"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
خالتو خلود و عمار هيروحوا سوا، ممكن عمار يروح بالموتوسيكل بتاعه و خالتو معاه"
حركت رأسها بتفهمٍ، بينما "رياض" أمرهم جميعًا باكمال الطعام، فقال "يزن" مسرعًا:
أنا هاكل علشان أكون ظابط، خالو وليد قالي كُل و ذاكر كويس و أنتَ هتكون ظابط، صح كدا يا جدو ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بزهوٍ:
صح يا حبيب جدو، حفيد رياض الشيخ هيكون أشطر ظابط في الدنيا كلها"
ابتسم "يزن" باتساعٍ بينما "جاسمين" طرأت ببالها فكرةٌ جعلتها تنظر بكامل تركيزها نحو ما تريد حتى تصل لما تريد !!.
_________________________
في بيت "فهمي" جلسوا جميعًا يتناولون الطعام في مرحٍ و بهجة أضافها "عامر" و "عُمر" و معهما "خلود" التي كانت تحمل الصغيرة على قدمها، حتى قالت "سيدة" بضجرٍ:
سيبيها يا خلود علشان تعرفي تاكلي يا حبيبتي، و لا أنتِ مش عاوزة تاكلي ؟!"
ردت عليها بوجهٍ مُبتسمٍ خالطه الاحراج:
لأ خالص يا ماما والله، أنا بس اتعلقت بيها شوية و هي ربنا يحفظها روحها حلوة أوي"
ردت عليها "سارة" بمرحٍ:
أبوها عامر و جدها فهمي و جدتها سيدة و أخوها عمر، هتطلع كشرية لمين ؟!"
سألتها "خلود" بلهفةٍ:
مقولتيش عمار يعني ؟!"
انتبهوا لها جميعًا حتى هو حاول جاهدًا كتم ضحكته، بينما هي تدرج وجهها بحمرة الخجل من اندفاعها، فقالت "سارة" حتى ترفع عنها الحرج:
ماهو عمار علطول راسي و هادي، إلا لو كان بقى معاكِ حاجة تانية، بس اللي قدام الكل أنه علطول تقيل و هادي"
حركت "خلود" رأسها بتفهمٍ ثم تصنعت الانشغال مع الصغيرة حتى تهرب من النظرات المصوبة نحوها و خصيصًا هو الذي رفع كوب الشاي يرتشف منه و عينيه مصوبتين عليها لا يحيدهما.
لاحظ "عامر" نظراته فقال مغيرًا للحديث:
هتمشي امتى يا عمار ؟!"
رد عليه "عمار" بنبرةٍ هادئة:
بعد الغدا إن شاء الله، ياسين قبل ما يجهز هيكلمني علشان نجهز إحنا كمان"
حرك رأسه موافقًا فسألته "سيدة" بتعجبٍ:
طب ما كنتوا تخليكم معانا وخلاص، و تروحوا مرة تانية عند حماك، ملحقتش اشبع منكم"
رد عليها هو بثباتٍ بعدما ابتسم لها:
هروح منك فين يعني ؟! وعد ليكِ مني كام يوم نقضيهم معاكِ أنا و خلود سوا و لو عاوزاني يبقى اجيلك من غير خلود"
ردت عليه والدته تتكأ على حروفها:
قبلك....خلود تيجي هنا قبلك"
ضحكت "خلود" بفرحةٍ بينما هو كتم ضحكته ثم حرك رأسه موافقًا ثم وجه رأسه نحو "خلود" يغمز لها بينما هي تجاهلت نظراته للمرة التي لا تعلم عددها.
**********
على الجهة الأخرى بعد تناولهم الفطور، كانت "نغم" تجلس بالغرفة تقوم بالتلوين في أحد الكتب الخاصة بذلك حيث عالمها الخاص الذي يشبه حياتها الملونة، اقتربت منها "جاسمين" تقفز بجوارها و هي تقول بنبرةٍ هامسة:
نغم !! ينفع أطلب منك طلب؟"
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها و هي تحرك رأسها موافقةً، فزاد حماس الأخرى و هي تقول:
هجيب موبايل بابا و هخليكي تعملي حاجة صغيرة، ممكن ؟!"
نظرت لها "نغم" بكامل اهتمامها فركضت الأخرى من أمامها نحو الخارج حتى قالت "نغم" ببلاهةٍ:
هي البت دي عبيطة ؟!"
في الخارج كان "ياسين" جالسًا مع والده و معهما "يزن" الذي استقر على فخذ "رياض" يلعب بهاتف جده، ركضت نحوهم "جاسمين" ثم قفزت بين ذراعي "ياسين" الذي ابتسم بيأسٍ ثم طوقها بكلا ذراعيه، ثم طبع قُبلة أعلى جبينها، بينما هي قالت ببراءةٍ:
بابا....عاوزة تليفونك"
رد عليها بثباتٍ نفىٰ أملها:
لأ، بتفضلي تهبلي و بلاقيكي لاعبة في كل حاجة فيه، خشي اتفرجي على كارتون و لا مصاص دماء من اللي بتحبيهم"
تحدثت بلهفةٍ:
مش هعمل حاجة تبوظه، والله هلعب شوية صغيرين، يلا علشان خاطري، مش بتحبني طيب ؟!"
طريقتها و براءتها في الحديث جعلته يبتسم رغمًا عنه و ود في تلك اللحظة أن يأخذها بين ذراعيه و يثبت لها حبه، بينما هي أسبلت عيناها له و حركت رأسها لليسار قليلًا بتوسلٍ جعله يقربها منه ثم قبل رأسها و أخرج هاتفه يضعه في يدها مستسلمًا لها، بينما أمسكت هي وجهه بكفيها و هي تقبله كعادتها عدة قبلات في معظم أنحاء وجهه حتى ضحك هو بيأسٍ ثم أبعدها عنه.
بينما "يزن" اقترب منه يجلس على قدمه دون أن يتحدث و التصق بظهره على صدر والده، حتى فهم "ياسين" ما يريد، لذا طوقه بذراعيه ثم ربت على خصلاته البنية الكثيفة، بينما الأخر ابتسم أراح رأسه على كتف والده الذي استمر في تحريك أنامله في خصلاته.
في داخل الغرفة ركضت "جاسمين" نحو شقيقتها و تحدثت بنفس الهمس:
بصي !! اسمعي كلامي و متقوليش لحد خالص ماشي؟"
زاد خوف "نغم" بعد طريقة شقيقتها تلك بينما الاخرى بدأت في سرد ما تريده من شقيقتها التي طالعتها بتعجبٍ من طريقة تفكيرها.
_________________________
في شقة "فهمي" جلسوا سويًا يتحدثون في شتى المواضيع حتى تحدث "عمر" يوجه حديثه لعمه:
عمار هو أنتَ اتجوزت خلود ليه؟"
رد عليه "عمار" سؤاله بسؤال أخر:
نصيبي يا أستاذ عمر"
رفع "عمر" طرف شفته العُليا و هو يقول بتهكمٍ:
بس كدا ؟! ليه خلود يعني؟"
زفر "عمار" بقوةٍ ثم نظر في أوجه البقية وجدها ما بين متحمسة و ساخرة و خجولة، فتنهد بقلة حيلة ثم قال:
علشان هي خلود يا عمر، مفيش حد بيحب حد بيكون عارف السبب، الحاجة الوحيدة اللي معروفة إن الحد دا هو اللي قلبك شافه، ممكن أقولك بتحب بابا و ماما ليه ؟! عارف الاجابة ؟!"
رد عليه الصغير ببساطةٍ:
علشان هما ماما و بابا، مش علشان حاجة واحدة"
ابتسم له "عمار" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
بالظبط، علشان هما ماما و بابا... أنا برضه بحبها علشان هي خلود، اللي بيحب حد مبينقيش حاجة فيه، بس بيحب كل حاجة فيه"
ارتفعت ضربات قلبها بصخبٍ تكاد تجزم أن البقية يستمعون له، بينما "عمر" سأله من جديد:
طب ليه اتجوزتها ؟! علشان حبيتها ؟!"
رد عليه "عمار" بخبثٍ:
هي اغرتني بصراحة، لعبت في دماغي و بهدلت افكاري"
سعلت هي بخفةٍ تحاول الهروب من وكر كلماته _ المبهمة_ بالنسبة لهم، فيما أضاف هو مُفسرًا يرأف بحالها:
أول ما شوفتها قولت بس هي دي اللي تستاهل أني أسهر معاها في بلكونة واحدة، أول ما شوفتها حسيت أني عاوز أكل معاها شاورما، و نركب عَجل سوا"
تحدث "عامر" ساخرًا:
مروحناش بعيد يعني، أنا برضه لما شوفت سارة حسيت كدا إني عاوز أكل معاها بطاطس بالفراخ"
صدح صوت الضحكات و معها صوت هاتف "عمار" الذي استأذن منهم و ابتعد عن المكان حتى يجاوب على الهاتف، بينما "خلود" قررت الهروب من وسطهم و ملاحقته و على ذراعها "ريتاج" التي تشبثت بها.
وصلت خلفه و هو يتحدث في الهاتف فسمتعه يضحك بصوتٍ عالٍ ثم قال بنبرةٍ لازال بها أثر ضحكاته:
أنتِ عيون عمار، تؤمري و عمار ينفذ علطول، حاضر اللي عاوزاه هعمله"
صُعقت "خلود" مما سمعته و اتسعت عينيها بهلعٍ و الخيالات الكثيرة تعصف بذهنها، بينما هو أغلق الهاتف ثم التفت لها فوجدها تنظر له بنظرات زائغة و الدمع قد بدا يلمع في مقلتاها، فيما سألها هو باستغرابٍ:
خير يا خلود ؟! واقفة كدا ليه؟"
أغلقت جفونها بشدة ثم سألته بصوتٍ متحشرجٍ:
هو أنتَ كنت بتكلم مين يا عمار، و بتقولها أنتِ عيون عمار ؟!"
عقد ما بين حاجبيه و سرعان ما انبسطت ملامحه و سألها بتريثٍ و ثباتٍ:
و هو أنتِ يفرق معاكِ بكلم مين ؟! غيرانة عليا ولا إيه ؟"
سألته بنبرةٍ جامدة:
عمار !! أنا مش بهزر، مين دي اللي تطلب و أنتَ تنفذ ؟! و بتقولها أنتِ عيوني ؟! اومال أنا ابقى إيه ؟!"
اقترب منها ثم قربها إليه و هو يقول بنبرةٍ هامسة بعدما لصقها به و لا يفصل بينهما سوى "ريتاج" التي تحملها "خلود":
أنتِ كل حاجة حلوة لـ عمار، عيب لما تفتكري أني ممكن أعمل حاجة زي دي يا...يا سكر !!"
سألته بنبرةٍ اهدأ تميل للبكاء قليلًا:
طب كنت بتكلم مين طيب ؟! طالما مامتك برة و أنا هنا معاك، أوعى تكون بقى زهقت مني و بتبص برة، دا إحنا لسه في أول شهر"
ابتسم هو بيأسٍ ثم رفع كفه يحركه على وجنتها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لأ متخافيش، أنا مش هزهـق منك، و بعدين ثقي فيا شوية عن كدا، مش كل يوم هفضل أبرر"
قبل أن تنطق و تسأله من جديد، كان اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
كمان شوية هتعرفي، تعالي بقى برة نشوف العالم دي، قبل ما عامر ييجي يخربها علينا"
أنهى حديثه ثم حمل "ريتاج" على ذراعيه و الأخرى تسير خلفه بتعجبٍ من طريقته و حديثه لكنها قررت الصمت حتى يحين موعد إرضاء فضولها.
على الجهة الأخرى قامت "جاسمين" بتقبيل "نغم" حينما نفذت لها ما أرادته هي ثم قفزت عدة مرات خلف بعضها بفرحٍ.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت من صلاة الجمعة في شقة "حسن المهدي"
دلف الغرفة وجد الثلاثة يجلسون بها يشاهدون التلفاز، اقترب بجسده يقف أمام الشاشة يقطع عليهم المشاهدة حتى ظهرت الهمهمات الحانقة المّضجرة من مقاطعته لهم، بينما هو التفت يغلق التلفاز ثم قال بنبرةٍ هادئة:
قوموا ألبسوا يلا علشان نخرج"
نظروا له بدهشةٍ فابتسم هو ثم كرر جملته بمرحٍ أكثر:
يلا يا عالم يا غَم، علشان مترجعوش تقولوا أني منكد عليكم، يلا !!"
قفز "علي" بفرحةٍ كبرى و كررت "فاطيما" فعلته هي الاخرى ثم ركضا نحو الخارج، بينما "هدير" اقتربت تسأله بتعجبٍ:
بجد هنخرج ؟! أوعى تكون اشتغالة ؟! هزعلك ؟!"
انفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيه ثم قال بنبرةٍ هادئة لازال بها أثر المرح:
لأ يا ستي مش حمل زعلك أنا، يلا البسي علشان أخرجكم، قررت أصيعكم النهاردة"
قفزت هي مثل صغارها ثم اقتربت منه تُقبل وجنته ثم تعلقت برقبته بعفويةٍ كعادته، كل انفعالات جسدها الفرحة و الغاضبة تلقيها بين ذراعيه و كأنها تلقي المياه على النيران، فتخمدها للأبد، بينما هو احتواها بين ذراعيه ثم ربت على ظهرها بحنانٍ أغدقها دومًا منذ أول مرةً اجتمعا بها سويًا.
بعد مرور دقائق قليلة كانت "هدير" ارتدت ملابسها بعدما ألبست صغارها، جلست "فاطيما" في صالة الشقة ترتدي الحذاء الخاص بها و هي تحاول ربط الحذاء لكنها فشلت مع كل المحاولات، حتى وجدته يجلس أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
قولتلك مليون مرة، بالراحة يا فاطيما، الدنيا مش هتطير، أنا و ماما موجودين علشان نساعدكم، بطلي جو المرأة المتحررة دا"
حركت رأسها موافقةً و هي تضحك ضحكةٍ واسعة جعلته يبتسم لها ثم رفع قدمها يضعها على فخذه يربط لها الحذاء حتى انتهى هو و قبل أن يقف وجدها تتعلق به و هي تقول بحماسٍ:
شيلني يا حسن"
ابتسم هو بسخريةٍ ثم قال:
ما شاء الله نسخة منها حتى في الكلام، هي طول حملها كانت ماسكالي في شيلني يا حسن دي"
فهمت هي أن الحديث عن والدتها لذلك ضحكت بسعادةٍ ثم قالت بحماس طفلة صغيرة:
أنا أصلا عاوزة أكون زيها علطول، و عاوزة اكون شبهها، و لما أكبر ألبس زيها، و يكون عندي حسن زيك كدا"
عقد ما بين حاجبيه و هو يسألها:
حسن زيي ؟! زيي ازاي يعني ؟"
ردت عليه بحماسٍ:
عاوزة يكون عندي حسن زيك ليا لوحدي"
صفعها هو بخفةٍ على وجنتها يمازحها و هي تضحك معه حتى اقترب منهما "علي" يقف مجاورًا لهما، حتى ضمه "حسن" إليه يربت على رأسه وفي تلك اللحظة خرجت "هدير" من الداخل تركض بمرحٍ امتزج بالحماس و هي تقول:
يلا يا حسن علشان خاطري، هنتأخر كدا يلا بسرعة"
رمقها بتعجبٍ من أفعالها و هو يقول:
يا بت اعقلي بقى !! دا عيالك معملوش كدا، اكبري يا هدير"
اقتربت منه بدلالٍ و هي تقول:
يعني أكبر و أبقى نكدية يا أبو علي ؟؟ ما تخليك فريش كدا معايا"
أشار بنظراته نحو صغاره و هو يقول محذرًا:
طب خلي بالك أنتِ مين معانا"
انتبهت هي لوجودهما فابتعدت عنه تقول بجديةٍ مبالغ فيها:
آه معلش نسيت والله، الضغوطات كتير معلش"
رمش هو ببلاهةٍ ثم قال بنفاذ صبر:
يا رب صبرني"
نزلوا سويًا بعد مشاكستهم لبعضهم يركبون السيارة و بعد مرور القليل من الوقت وصل بهم الحديقة الموجودة في المنطقة الخاصة بسكنهم، تلك الحديقة القديمة مكانه المفضل الذي شهد على سهرهما سويًا في الليل، تم تطويره حتى أصبح مكانًا مناسبًا لجميع الأسر بمختلف الأفراد.
نزل بهم و دلف الحديقة ثم جلسوا على إحدى الطاولات و تحدث هو بنبرةٍ هادئة:
طبعًا عارف طلبكم، هروح أجيبه و أجي حد عاوز حاجة تاني غيره ؟!"
حرك الثلاثة رأسهم نفيًا فتحرك هو من المكان ثم توجه نحو وجهته المحددة، وقف أمام ذلك المحل الشهير و هو يقول بسخريةٍ:
الله يرحم....مالها القُرص أم عجوة بكوباية الشاي أنا مش فاهم ؟! دونتس....أيس كوفي....دا أبوكم لو شاف قهوة بلبن بيعتبرها كابتشينو"
حدث نفسه بسخريةٍ و هو يتذكر ما يحبه صغاره الثلاثة، و إن وضعت "هدير" في حد الاعتبار فهي أصغرهم عقلًا، لذا يعاملها كما يعامل الصغيران، اقترب من العامل يُدلي أمامه بطلباته المحددة لكلٍ منهم حتى هو أيضًا ثم عاد لهم من جديد فوجد الحماس في وجوههم و انفعلات جسدهم يتتوقون لتلك الحلوى المفضلة دون مللٍ حتى و إن كانت معتادة لديهم، و أولهم كانت "هدير" التي تتأهب لذلك المذاق الشهي.
_________________________
في شقة "خالد" كانت زوجته و شقيقته برفقتها تقومان بتحضير وجبة الغداء و معهما في المطبخ "زينة" تعاونهما و في الخارج جلست "يسر" بين كلٍ من "عفاف" و "ميرفت" تلعب في هاتفها.
كان "خالد" برفقة "ياسر" في الشرفة يتحدثان سويًا و عقل الأول لازال شاردًا في تلك الرسالة التي وصلت ابنه، أما "يونس" ففي غرفته كان جالسًا برفقة "زين" يلعبان سويًا إحدى الألعاب الإلكترونية فوجد رسالةً تصل لهاتفه من نفس الفتاة.
زفر هو بقوةٍ ثم قال موجهًا حديثه لـ "زين":
برضه لسه بتبعتلي، أعمل إيه يا زين ؟! أعمل بلوك و خلاص ؟"
رد عليه "زين" بحيرةٍ:
مش عارف يا يونس، مش أنتَ قولت إنك مش هترد عليها، يا عم ما كنت خليته يضربها و خلاص"
زفر "يونس" بضجرٍ ثم قال:
فيه ولد يضرب بنت برضه ؟؟ بس هي عبيطة، افتكرتني بحبها، دي هبلة يا زين !!"
ضحك "زين" بسخريةٍ فقال "يونس" بقلة حيلة:
بص أنا مش هرد و هقولها بابا خد مني التليفون، لو هي مش عارفة إن كدا عيب، أنا عارف، بس أنا مش عاوز حد يزعل مني"
رد عليه "زين" مسرعًا:
طب اعملها بلوك، و هي مش هتبعت تاني خالص و كدا أحسن، أقولك ؟! نسأل عمر هو ممكن يعرف يتصرف"
تنهد "يونس" بضجرٍ ثم أخرج رقم صديقه "عُمر" الذي أجاب على الهاتف فورًا و هو يقول بمعاتبةٍ:
قاعدين مع بعض من غيري ؟! طب يا رب عمو خالد ينكد عليكم"
رد عليه "يونس" بتهكمٍ:
طب ما عمار معاك و خلود كمان، و معاك جدو فهمي، تعالى نبدل"
وكز "زين" الأخر في يده و هو يقول:
يابني قوله على موضوع زميلتك"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
بقولك يا عُمر، ناني بعتتلي رسالة النهاردة، أعمل إيه ؟!
رد عليه الأخر بعبثٍ:
اديها بلوك يا عم، ولا اقولك اديني رقمها أحسن"
تدخل "زين" يقول بضجرٍ:
لم نفسك يا صايع، عيل قليل الأدب"
زفر "عمر" ثم قال بضجرٍ:
خلاص يا عم زين، خليه يسيب رقمها و عمو خالد يعرف و يضربه، يونس !! دي بت رخمة و احنا بنشوفها في المدرسة كانت بتكلمك ازاي، مش هما قالولنا عيب ؟! حد يقولها هي"
تنهد "يونس" بعمقٍ ثم قال:
أنا همسح الرقم خالص و لو هي بعتت تاني أنا هقول لماما و خلاص، هي شكلها رخمة أوي"
وافقه الأثنين بينما هو قرر أن ينهي ذلك الموضوع حتى يصل لنهايته و هو يفكر أن مبادئه التي تربى عليها لم يقو على مخالفتها حتى و إن وضع نصل السكين على رقبته.
_________________________
مر الوقت سريعًا حتى بدأوا بتجهزوا للرحيل كلٍ منهم إلى وجهته، في غرفة "عمار" ارتدى قميصًا من خامة الجينز باللون الأسود و أسفله سترة قطنية "تيشيرت" باللون الأبيض و بنطال باللون البيج و حذاء باللون الأبيض، ثم وضع ساعته في يده و مشط خصلاته حتى بدا في كامل أناقته و وسامته الهادئة المتواضعة.
دلفت "خلود" الغرفة حتى تطلب منه أن يتعجل فيما يفعله لكي يذهبا سويًا، و حينما طالعته بما يرتديه، اقتربت منه تقف أمامه و تثني على مظهره:
إيه السكر دا يا لوز ؟! حلو اوي الطقم دا، كدا هتتعاكس مني و أنا بغير،"
ابتسم هو لها ثم قربها منه حينما وضع ذراعيه خلف ظهرها حتى اصبح في مواجهة بعضهما و ظهر التوتر عليها، بينما قال هو بنبرةٍ خافتة:
طب ما أنا بغير أنا كمان، و أنتِ عمالة تحلوي و تزيدي حلاوة يا سكر، شوفيلنا حل بقى في جمالك"
ابتسمت هي له فيما قال هو بنفس الهدوء:
لسه عاوزة تعرفي مين عيون عمار ؟! و لا خلاص وثقتي فيا؟"
ردت عليه هي بسرعةٍ:
أنا واثقة فيك على فكرة و مش بشك فيك، بس احنا صحاب، فيه صحاب بيخبوا على بعض ؟! بغض النظر يعني أني مراتك حبيبتك ؟!"
ابتسم هو بظفرٍ ثم أخرج تنهيدة قوية من جوفه وقال بصوتٍ رخيم:
بصي !! هي قالتلي متقولش لحد، و أنا قررت أني مقولش، بس أنتِ هتعرفي يعني كمان شوية، مش فاضل كتير"
زفرت بقوةٍ ثم حركت رأسها بقلة حيلة و قالت بيأسٍ:
و أنا علشان واثقة فيك مش هسأل لحد ما أعرف....بس متراهنش على فضولي و صبري كتير"
قلب عيناهُ و كأنه يفكر في حديثها، ثم حرك رأسه موافقًا يستسلم لحديثها ثم اقترب منها يهمس في أذنها بقوله:
Seni seviyorum, Kholoud"
ابتسمت هي بنفس السعادة التي تبتسم بها في كل مرّةٍ، بينما هو كان يحاول تشتيت تفكيرها و صرفه عن الموضوع، خاصةً أن نظراتها تتهمه بما لم يفعله هو.
طرق باب الغرفة و صوت "عامر" من الخارج يقول بضجرٍ:
خلص يا عم روميو، ياسين اتصل و لبس عياله و نازلين، انجز يا عموري"
قالها بتهكمٍ جعل "عمار" يعض شفته السفلى بغيظٍ بينما "خلود" كتمت ضحكتها ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
يلا يا عمار بدل ما أخوك يفضحنا، يلا كفاية كسوف لحد كدا"
فتح "عمار" الباب و زوجته خلفه فقال "عامر" بسخريةٍ:
مش عاوزين شقاوة عند الناس، عيب كدا، نقعد مؤدبين و بلاش قلة أدب"
رد عليه "عمار" بضجرٍ:
فيه إيه ؟! ناقص تقولي متتنطش على الأنتريه، إيه الهم دا"
صفعه "عامر" بخفة يمازحه ثم قال بنبرةٍ لعوبة:
جيبتلك بقى جاتوه !! يرفع راسك قدام حماك، عاوزك ترفع راسي هناك يا عموري"
ضحكت "خلود" ببلاهةٍ فيما ضرب "عمار" كفيه ببعضهما و هو يرى انسحاب أخيه.
بعد مرور بعد الوقت من نزول "عمار" و "خلود" أوقف دراجته النارية أمام بناية لم تتوقعها هي، فسألته بتعجبٍ:
هو إحنا وقفنا هنا ليه يا عمار ؟"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
دي أوامر من القيادات العليا، ثواني و هتعرفي كل حاجة، اتعلمي تصبري، دا أنتِ متجوزة واحد معملش حاجة غير انه بيصبر"
ضحكت "خلود" ضحكة مكتومة حتى وجدت "جاسمين" تركض من المصعد نحوهما و هي تقول مهللةً:
عمار !! وحشتني اوي"
نزل من على الدراجة ثم اقترب منها يحملها بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عيون عمار، وحشتيني اوي"
احتضنته هي بينما "ياسين" خرج من البناية و حينما وجدهما أمامه قال بدهشةٍ:
عمار ؟! جيت هنا ليه ؟! مش قولت هتمشي من برة برة ؟!"
رد عليه مفسرًا بينما "خلود" اقتربت من شقيقتها تذكر اسمها بلهفةٍ و شوقٍ إبان حديث الأخر:
جاسمين هانم طلبت مني أجي أخدها علشان عاوزة تركب الموتوسيكل، و أنا عيوني لجاسمين، دي من ريحة الحبايب"
رد عليه "ياسين" بنفس الدهشة:
أصلًا ؟! كلمتك ازاي دي ولا قالتلك امتى ؟! هو أنا مخلف جِنية ؟!"
رد "عمار" بمرحٍ:
و أحلى جِنية كمان، المهم خد معاك الجاتوه و أنا هاخد الحلويات دي معايا"
تحدث "يزن" بلهفةٍ:
عاوز أروح معاه يا بابا على الموتوسيكل، علشان خاطري"
ردت عليه "خديجة" بلهفةٍ:
لأ أنتَ كنت بتكح امبارح كتير يا يزن، علشان الهوا و صدرك خليك في العربية أحسن، طالما عاوز تبقى ظابط يبقى خلي بالك من نفسك"
تحدث "عمار" بسخريةٍ:
طب هو فيه ظابط بيلبس سويت شيرت أحمر كدا ؟!"
رد عليه "يزن" بسرعةٍ:
وأنا بجيبه بابا قالي عادي، بابا مش عادي ظابط يلبس أحمر"
_"آه يا حبيبي عادي....بس ظابط إيقاع"
ضحك البقية عليهما فسأله "يزن" ببراءةٍ:
طب هو ظابط الايقاع دا ماسك حرامية برضه ؟!"
تدخل "عمار" يقول بسخريةٍ:
لأ يا حبيبي، دا ماسك وسط البلد"
رحل "ياسين" و الصغيرين بينما "جاسمين" جلست أمام "عمار" على الدراجة النارية و قبل أن يبدأ القيادة قالت بضجرٍ:
أنا عاوزة خوذة زيكم، كدا الهوا هيبهدلني و شعري هيكون بايظ"
ردت عليها "خلود" بضجرٍ:
هو أنتِ فيكِ حاجة علشان تلبسي خوذة يا شبر ونص أنتِ ؟! خلتيني ظلمت الواد يا مصيبة، بس هقول إيه، اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا"
ضحك "عمار" رغمًا عنه ثم قال بجديةٍ زائفة:
خلاص بقى !! أنا مش واخد معايا اتنين ضراير، خدي يا جاسمين الخوذة بتاعتي أهيه"
أعطاها لها ثم ساعدها في ارتدائها بينما هي احتضنته قبل أن يبدأ القيادة ثم قالت:
أنا بحبك اوي يا عمار"
رفعت "خلود" حاجبيها معًا ثم قالت بنبرةٍ خافتة وصلته هو:
ابقى خالتها و مربياها و قليلة الأصل تحب في جوزي، يارتني كنت غيرتلك و أنتِ صغيرة"
التفت "عمار" برأسه نحوها و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
أنا قولت طالما هي خلود الصغيرة أهو ألحق اشوف النسختين مع بعض، و الحق اللي ضاع من غير ما أشوف الأبداعات دي"
ضحكت هي رغمًا عنها فيما قالت الأخرى بضجرٍ:
يلا يا عمار سوق بقى، أنا عاوزة أوصل قبل بابا و ماما"
حرك رأسه بيأسٍ ثم بدأ القيادة و "خلود" تتمسك به من الخلف و "جاسمين" تفرد كلا ذراعيها و هي تضحك بسعادةٍ بالغة.
_________________________
في شقة "خالد" و خاصةً بعد رحيل البقية و خلو الشقة عدا من سكانها، دلف غرفة "يونس" الذي كان جالسًا بمفرده بعد رحيل العائلة، حاول التحكم في نفسه و طريقة حديثه، لكن رغمًا عنه سيطر الجمود عليه و هو يقول:
يونس !! عاوز اتكلم معاك"
حرك رأسه موافقًا فدلف "خالد" و أغلق الباب خلف ثم جلس بجواره و هو يقول بنبرةٍ هادئة إلى حدٍ ما:
هو أنتَ بتكلم حد على تليفونك يا يونس ؟! بنات يعني ؟!"
اتسعت عينيه بدهشةٍ و هربت الكلمات من طرف لسانه، فأضاف والده من جديد:
من غير لف و دوران أنا شوفت رسالة و كانت من غير قصد، وصلت و أنا شوفتها بس الاسم لفت نظري، ناني مين يا يونس ؟!"
تنهد "يونس" بعمقٍ ثم سأله بثباتٍ:
طب أنا هسألك سؤال واحد بس، واثق فيا ولا لأ ؟؟ و يهمني اعرف الإجابة منك"
رد عليه "خالد" مسرعًا:
أنا لو مش واثق فيك مش هيكون دا رد فعلي، كان زماني واخد رد فعل تاني، بس أنا عارف ابني و علشان كدا بكلمك زي أي اتنين صحاب"
ابتسم "يونس" له ثم قال:
و أنا علشان تربيتك ليا هقولك كل حاجة، بس كان يهمني اعرف أنتَ شايفني ازاي"
سأله "خالد" بكامل اهتمامه:
هيفرق معاك أوي أشوفك ازاي"
حرك رأسه موافقًا و قال مؤكدًا:
يهمني أشوف أبويا اللي مربيني واثق فيا ولا لأ، يهمني إنك متتهمنيش بحاجة أنا معملتهاش، إنك تفتكرني وحش يا بابا دي حاجة تزعلني أوي، أظن دا كلامك صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا و عينيه ثابتتين على وجه ابنه الذي قال بتوترٍ:
بص هي بنت زميلتي في الفصل، كان فيه ولد بيتخانق معاها و كان هيضربها و أنا حوشت عنها عادي يعني، و مليش علاقة بيها، و كان معايا عمر و زين، هي بقى فضلت تشكرني و قالتلي إنها مش هتنسى الموقف دا و فضلت كتير تعتذر ليا و خلاص أنا كبرت دماغي"
سأله "خالد" من جديد:
ها كمل و بعدين ؟!"
رد عليه يجاوبه:
بعدها لقيتها بتيجي تسلم عليا و لما تشوف عمر أو زين في الحوش تسألهم عني، و خلت واحد زميلي يديها رقمي علشان عاوزة تشكرني تاني، أنا مليش دعوة بيها والله بس هي علطول تيجي تسلم عليا و تسألني عامل إيه و في الفصل بتقعد تبصلي هي و صحابها و غيرت مكاني بسببها، بعدها فضلت تبعت في رسايل كتير و تقولي أنها فخورة بيا و أنها عاوزانا نكون صحاب و هي مش عندها اخوات، بصراحة عمر و زين عرفوا، بس أنا بطلت أرد عليها و لما تيجي تسلم عليا بعمل نفسي مش شايفها، بس هي علطول مصممة تكلمني بس والله مش برد عليها خالص، حتى الموبايل اهو شوف بنفسك"
مد يده بالهاتف لوالده لكنه رفض ثم قال بنبرةٍ ثابتة:
مش هشوف حاجة، أنا واثق فيك، كمل بس لحد الأخر"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
بس بتفضل تقول أني وحشتها، و عاوزة رقم يسر علشان تروح عيد ميلادها و حاجات كتير بعمل نفسي مش شايفها، و كل ما أجي أقفل التليفون أو أعمل بلوك اتكسف، بخاف تتحرج و في نفس الوقت أنا حاسس أني مش مرتاح كدا، خايف أقول لحد ابقى أنا وحش، اصلا عمر و زين عرفوا بالصدفة، و أنا سجلتها أصلًا علشان الجروب بتاع الفصل كلنا فيه و أنا مسجل الأسماء كلها و هي مكانتش تعرف رقمي غير لما زميلي قالها، بس أنا مش بكلمها والله"
تنهد "خالد" بقوةٍ ثم قال:
طب و أيه السبب اللي يخليك متكلمهاش ؟! ما ممكن ترد عليها"
رد عليه بحكمة:
لأ مش ممكن، علشان أنتَ قولتلي إني عندي أخت بنت، و أني مش هرضى إنها تكلم حد كدا، و بعدين هكلمها أقولها إيه، إذا كنت أنا مش فاهمها و مش حاببها ؟!"
وضع "خالد" يده على كتفه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا هقولك هي إيه، هي واحدة مراهقة شايفة نفسها بدأت تكون آنسة، لقت واحد شهم دافع عنها و قصة شبه الأفلام اترسمت في خيالها، بالنسبة ليها بقيت يونس الجامد الشهم، بس هي متعرفش إن دا حرام و غلط، و لأ سنكم مش صغير، أنتم في اعدادي، يعني اخطر سن بيمر عليكم هو دا، أنتَ عاقل و متربي و مع ذلك احترت، فيه غيرك هيسلم للشيطان و يفرح إن بنت عاوزة تكلمه، و هي شافت الطريق غلط من بدري، غلطك هنا واضح و معروف يا يونس"
_"أنا غلطت ؟! في إيه طيب؟"
سألها بلهفةٍ حينما ذكر الخطأ أمامه، فقال "خالد" موضحًا مقصده:
غلطت إنك سيبت الباب مفتوح من الأول، من أول مرة كان لازم تقول لأ و تعمل بلوك أو تكلمها بجدية و تقولها إنك مش هينفع تكلم بنات علشان دا ضد أخلاقك"
رد عليه بلهفةٍ:
عملت كدا والله، و قولتلها، لقيتها اعجبت بيا أكتر و قالتلي إني لُقطة"
رفع "خالد" حاجبيه مستنكرًا و هو يقول بسخريةٍ:
يا بنت العبيطة ؟! دي مُصممة، بعدين أنتَ ليه مسميها ناني ؟!"
ضحك "يونس" رغمًا عنه ثم أضاف:
والله هي مصممة، و دا اسمها والله، هي متسجلة كدا في الكشف، و كل ما أبعد الاقيها بتحاول تاني، بس بصراحة البلوك دا أنا خوفت أعمله، حسيت أني بحرجها"
حرك والده رأسه نفيًا ثم قال:
الباب اللي الشيطان بيدخلك منه كويس هو باب الذوق، يقولك مد إيدك و سلم على الست علشان متكونش قليل الذوق، يقولك متعملش بلوك علشان متبانش قليل الذوق، يقولك رد على رسالتها علشان متكونش قليل الذوق، كل دا بيفتح معاه باقي الابواب، مرة مع مرة تلاقي الطريق بقى سهل عليك، و الغلط أسهل يا يونس، صدقني لو من أول مرة قفلت الباب هترتاح، لكن طول ما أنتَ سايبه موارب كدا، هتلاقي بيتفتح تاني و تالت و بيفتح معاه حاجات كتير أوي تخالف مبادئك، عارف إن كلامي ممكن يكون كبير على الموضوع دا، بس أنا بكلمك عن اللي جاي بعد كدا، و أظن أنتَ عارف نفسك في إيه"
حرك رأسه موافقًا ثم أخرج الهاتف أمام والده يرسل لها بثباتٍ:
معلش يا ناني مش هينفع أكلمك تاني، لو سمحتي كدا غلط و عيب احنا لسه صغيرين"
قبل أن يقوم بحظرها وجدها متواصلة و قد أرسلت له في التو:
يا يونس أنا عاوزة نكون صحاب، أنا معجبة بيك أوي"
ذُهل هو من جرأتها و صراحتها لكنه اتخذ قراره و قام بحظرها ثم تنهد بعمقٍ فوجدها تهاتفه بعدما حظرها من تطبيق المراسلات، فتح عينيه على وسعهما، فقال "خالد" بسخريةٍ:
أنا لو حد كان اتمسك بيا كدا من صغري كان زماني الأول على العالم"
رد عليه "يونس" بقلة حيلة:
طب أعمل إيه طيب ؟!"
قبل أن يجاوبه والده اتخذ قراره و قام باغلاق المكالمة فأعادتها هي من جديد، حينها قال "خالد" بجدية زائدة:
لو هي لسه مُصممة اديني رقمها، مهما كان برضه دي زي بنتي و عاوزة حد ينصحها أو يحتويها"
نظر له "يونس" بهلعٍ سرعان ما تحول إلى الضحكات العالية و قد شاركه والده تلك الضحكات و كليهما يضحك على الموقف الغريب و على جرأة الفتاة.
_________________________
في الحديقة كان "حسن" جالسًا يراقب أولاده بنظراته و هما يلعبان سويًا و البسمة الهادئة تزين ثغره، لاحظت "هدير" نظراته لذلك سألته بمرحٍ و هي توكزه في مرفقه:
سرحت بعيونك لفين؟ أيوا أنا جنبك و هعيشلك سنين"
ضحك هو رغمًا عنه ثم وجه بصره نحوها و هو يقول بصوته الرخيم:
فكرتيني بأحلى يوم في حياتي، اليوم اللي قررت اتخلى عن هبلي و أعلن خوفي قدامك"
ردت عليه بيأسٍ تخللته الضحكات:
برضه خوفك؟! هتفضل خايف كتير كدا طيب ؟! هنتطمن أمتى ؟! لما نشوف احفادنا ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال ببساطةٍ:
أنا مش عاوز أبطل الخوف دا، علشان اكيد معناه اني بطلت أحبكم، و دا لو على رقبتي مش هيحصل يا هدير، خوفي زاد أكتر بكتير من الأول لما شوفت علي و فاطيما في حياتي، قولتلك إن اللي بيحب لازم يخاف، و أنا طالما حبيت يبقى بخاف"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ لما يُقال بينما هو شرد بها يتذكر هيئتها القديمة و ماهي عليه الآن، و قد زاحمت البسمة الهادئة ملامحه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لسه فاكر أول مرة جينا هنا سوا فيها واحنا صحاب، و لسه فاكر اول مرة لما اعترفتلك، و لسه فاكر كل لحظة كانت السبب إنها نكون سوا مع بعض، بس اللي مش فاكره خالص هو هدير القديمة، فيه هدير جديدة قدامي مخلية قلبي فرحان بيها"
كانت تتابعه بعيناها بينما هو قال بنبرةٍ هادئة:
هدير اللي قدامي دي أحلى حاجة في الدنيا، منكرش أني كنت بحب هدير القديمة برضه، بس اللي معايا دي أغلى و أعز إنها تتقارن بحد حتى لو بنفسها"
اقتربت منه تلتصق به و هي تقول بنبرةٍ خافتة:
يعني كان هيحصل إيه لو قولتلي كدا في البيت ؟! ردود افعالي سافلة يا حسن و مش عاوزة اشبهك"
حاول كتم ضحكته قدر المستطاع لكنه فشل في ذلك، بينما هي ابتسمت له ثم قالت بمرحٍ:
مش خسارة فيك حضن و بوسة لما نروح إن شاء الله، بس فكرني"
رد عليها بسخريةٍ:
هو أنتِ بتخرجي من حضني يعني ؟! دا أنا بقيت مقسم نفسي بينك و بين فاطيما، لما العيلة كلها عرفت موضوع احضني يا حسن، بقت شُهرة ليا"
ضحكت هي بملء صوتها بينما هو قال بهدوء:
سبحان الله الواحد كان كل أمله بس إن يلاقي حد يطبطب على كتفه، ربك كرمني من وسع في الموضوع دا"
انتبه هو لحديثه لذلك قال مسرعًا:
هدير !! هاتي العيال و تعالوا هنروح مشوار مهم، بقالنا كتير مروحناهوش، يلا"
عقدت ما بين حاجبيها بينما هو تحرك من جواره ركضًا نحو صغاره، فضربت كفيها ببعضهما و هي تقول:
احفظنا يا رب، أنا قولت ملبوس محدش سمع مني....بس عسل"
_________________________
في بيت شباب الرشيد خاصةً فوق سطح البيت كان الشباب يجلسوا مع بعضهم و كذلك الصغار حولهم.
كان "مازن" يتصفح هاتفه فوجد صورًا لاحتفال أحد أصدقائه بيوم ميلاده وسط رفقائه، لم يدري لماذا شعر بغصة في حلقه و انقباضة في قلبه لذلك ازدرد لُعابه بتوترٍ، و قام بفتح الصور فوجد جميع اصدقائه و زملائه بالدراسة مع بعضهم في ذلك الاحتفال بدونه.
لاحظ "زياد" نظراته و العبرات التي ظهرت و لمعت في مقلتيه فاقترب منه يسأله:
مالك يا مازن ؟! أنتَ عاوز تعيط ؟! فيك إيه ؟!"
رفع "مازن" رأسه يطالع شقيقه و بمجرد التقاطه نظراته القلقة عليه، انفجر في البكاء و هو ينتحب بشدة يشعر بمرارة الخذلان للمرة الأولى في عمره الصغير، احتضنه "زياد" و هو يربت على ظهره و اقترب منهما "فارس" يسأله بخوفٍ:
مالك يا مازن ؟! مين زعلك طيب؟! حد جه جنبك ؟!"
انتبه البقية لما يُقال بينما "مازن" احتضن شقيقه و هو يقول بصوتٍ متقطعٍ من البكاء:
زعلوني يا زياد، كنت فاكرهم صحابي و أنهم هيخلوني معاهم، بس طلعوا كدابين، أول مرة أزعل كدا و أحس إن قلبي بيتكهرب"
عبارات رغم صغر سنه وصف بها الشعور المقيت الذي يشعر به للمرة الأولى، و كأنه لأول مرة يتذوق تلك المرارة في حياته، بينما البقية انتابتهم حالة ذهولٍ من حديث الصغير الذي تسبب بحزنهم.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل السابع 7 - بقلم شمس بكري
لا تسأليني لماذا أنتِ، فمن وسط عالمٍ مليئًا بالرفضِ؛ أتيتِ أنتِ لتصبحي قبولي الوحيد"
_________________________
احتضن "مازن" شقيقه و هو يقول بصوتٍ متقطعٍ من البكاء:
زعلوني يا زياد، كنت فاكرهم صحابي و أنهم هيخلوني معاهم، بس طلعوا كدابين، أول مرة أزعل كدا و أحس إن قلبي بيتكهرب"
عبارات رغم صغر سنه وصف بها الشعور المقيت الذي يشعر به للمرة الأولى، و كأنه لأول مرة يتذوق تلك المرارة في حياته، بينما البقية انتابتهم حالة ذهولٍ من حديث الصغير الذي تسبب بحزنهم، لذا أقترب منه "وليد" بلهفةٍ يجلس بجواره ثم أخذه بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
هما مش صحابك يا مازن، دول زمايل مش أكتر، مجرد مكان جمعك سوا بيهم، كل اللي يربطك بيهم معاملة طيبة و خلاص لحد كدا إنما الصحاب بجد، بيفكروا في شعور صاحبهم و ازاي يكون وسطهم زيه زي الباقي، أوعى تزعل نفسك علشان ناس متستهلش دا"
مسح دموعه ثم ابتعد عنه يقول بنبرةٍ غلفها الحزن:
هما لما كانوا بيحتاجوا حاجة مني كنت بعملها، علطول كنت برسم ليهم و اساعدهم في النشاط و مالك دا لما راح من غير تيشيرت الألعاب أنا أديته التيشيرت بتاعي، لما هو عمل عيد ميلاده مقاليش ليه ؟!"
رد عليه "وئام" يمازحه:
أحسن ياض وفر تمن الهدية"
انفلتت ضحكة خافتة من الجميع، بينما "طارق" جلس على ركبتيه أمام الصغير و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
بص !! مش هقولك متزعلش بقى و أنتَ راجل مش عيل و الكلام اللي ميأكلش عيش دا، بس هقولك إنك بتاخد دروس تعرفك مين هما صحابك، الموقف دا تزعل منه لو خرج من فارس ابن عمك او من علي أو من يونس، عمر، زين، دول كلهم صحابك بجد، إنما دول أغراب عنك و عن قلبك يا مازن، هقولهالك بطريقة أبوك...
اللي متعرفش تغيره....غوره"
زادت الضحكات أكثر بينما "جميلة" أقتربت منه تجلس بجوار زوجها و تمسك بكفي الصغير و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
الصحاب مش كدا يا مازن، الصحاب بجد بيخافوا على مشاعر بعض، بيراعوا بعض، مش مجرد ناس و خلاص، مش علشان صورتين و خروجة مع بعض بقوا صحابك، لأ، افتكر موقف سيدنا محمد و أبى بكر، و قوله تعالي:
{ إِذْ يقُولُ لصَاحِبِه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا }
تنقطع أسباب المخلوق فيرتجف الفؤاد كما ارتجف فؤاد الصديق في الغار فثبته الحبيب ﷺ
( لاتحزن إن الله معنا )
أعظم صحبة تلك التي تخفف عنك عناء الحياة والتي تواسيك وقت الضيق و أفضل صديق من احبك في الله ، و ذكرك بالله ويُعينك على طاعته ، وخوَّفك من غضبه ، ورغَّبك في لقاءه فذلك خير الزاد ليوم المعاد.."
استطاعت بفطنة حديثها أن تجذب الأنظار نحوها، بينما استطردت هي قولها:
شوفت فارس علطول بيفكركم بالصلاة ازاي ؟! و شوفت يونس عمل جروب ينزلكم فيه أدعية و احاديث ازاي ؟! و شوفت بابا و خالو و عمو حسن و عمو وئام علطول بيروحوا مع بعض الصلاة ازاي ؟! متزعلش طالما معاك اللي ياخد بايدك للجنة، و حتى لو مش معاك دور عليه، إنما الباقيين دول صُحبة مزيفة، جمعتك بيهم ظروف حياتية مش أكتر"
مسح "مازن" دموعه ثم قال بحزنٍ بالغ و هو ينظر لشقيقه:
أنا زعلان علشان كانوا بيخلوني أزعل من زياد علطول، بسببهم كنت بزعله علطول مني"
سأله "وليد" بعدما انتبه لحديثه:
تزعل من أخوك ؟! إزاي و ليه ؟"
رفع رأسه بخزي و هو يقول بصوتٍ خافتٍ:
علشان علطول بيقولولي أنه بيكرههم و أنه مش بيحبهم، كنت بفضل ازعله علشانهم، بس هو كان علطول يقولي أنهم مش صحابي.....ماكنتش بصدقه"
تنهد "زياد" ثم قال بعصبية زائدة عن الحد بعدما وصل لذروة غضبه:
علشان أنا بشوفهم و أنتَ لأ، واحد عاوز منك رسمة علشان ينزلها عنده و الناس تقول عليه جامد، و التاني عارف إنك شاطر في الإنجليزي بيقعد جنبك لحد ما تغششه و بعدها يرجع لصحابه، و التالت لما يعوز ألوانك و حاجتك يجيلك، و لما اتكلم تقولي أني بغير عليك، آه بغير، علشان أنتَ صاحبي أنا و أخويا أنا، و أنتَ بتحبهم، و أنا بحبك أنتَ، بس هنا بيزعلوك يا مازن، و بابا قال اللي بيحب حد مش بيزعله"
كان "زياد" منفعلًا بطريقة تشبه غضب والده و خاصةً حينما يخص الأمر أحبائه، بينما "وئام" تحدث برزانةٍ:
زياد !! بالراحة، أخوك زعلان علشان هو بيحبهم، مش معنى كدا أنه مش بيحبك، كلنا عارفين إن مازن روحه فيك أنتَ، مهما حصل محدش بيحب حد اكتر من أخواته"
رمقه "زياد" بسخريةٍ بينما "مازن" لم يجد مهربًا من الشعور بالذنب سوى بين ذراعي أخيه، لذا ارتمى عليه يعانقه، فرفع "زياد" ذراعيه يحتضنه بعمقٍ ممسدًا على ظهره، فقال "مازن" باصرارٍ:
أنا مش هكلم حد فيهم تاني، و لو حد طلب مني حاجة منهم مش هعملها ليه، و لو لقتني بسمع كلامهم ابقى اضربني"
رد عليه "مازن" بسخريةٍ:
طب ما أنا ممكن أضربك من غير حاجة عادي، هستنى ليه"
اقتربت منهما "عبلة" تحتضنهما و هي تقول بمرحٍ في محاولةٍ منها لتخفيف الحزن المخيم عليهم:
خلاص ياض يا كئيب أنتَ و هو بقى !! بصوا صاحبوني أنا و خلاص، امري لله قابلة بيكم"
احتضنها الأثنين، و على حين غرة كان "طارق" يسحب "مازن" من بين ذراعيها و كذلك "وليد" قام بسحب "زياد" و تبعهما "وئام" بحمله لـ "فارس" يركض الثلاثة بالصغار على أذرعهم و ضحكاتهم الرنانة ترتفع بصخبٍ بعدما فعلوا ذلك لـلتخفيف عن "مازن" و من الواضح أن جميعم يحتاجون لذلك المرح و قد بدا عليهم و هم يركضون خلف بعضهم بالصغار الذين صرخوا بالتوسل للتوقف من بين ضحكاتهم.
________________________
أوقف "حسن" سيارته أسفل البناية بعدما رحل بأبنائه و زوجته من الحديقة، ثم التفت لهم يقول بمرحٍ:
هنقضي السهرة مع تيتة و نمشي بعدها، أظن كدا أنا عملت بأصلي معاكم و مع أمكم، مسمعش سيرة خروج دي تاني غير السنة الجاية، ماشي يا صيع ؟!"
حركوا رأسهم بموافقةٍ فيما قالت "هدير" بمعاندةٍ:
لأ هنخرج برضه و هنقول عاوزين نخرج، صح يا عيال ؟!"
رفع حاجبيه مستنكرًا بينما هي راقصت له حاجبيها قاصدة إثارة حنقه، حتى قال هو متوعدًا:
براحتك، العبي في دماغهم كويس علشان المرة الجاية أخرجهم هما و أحبسك أنتِ في البيت، هترتاحي كدا يعني ؟!"
حركت رأسها نفيًا بذعرٍ ثم اقتربت منه تمسك يده و هي تقول بلهفةٍ:
خلاص خلاص قلبك أبيض، أصلا مش هتقدر تعملها، هتزعلني يعني ؟!"
حرك رأسه موافقًا فشهقت هي بلهفةٍ ثم ابتعدت عنه تحدث صغارها و هي تقول بنفس المعاندة:
طب اقولكم يا عيال !! أنا هخليها خروجة كل خميس و جمعة و كلمة كمان هتبقى خميس و جمعة و سبت و حد"
سألها "حسن" بسخريةٍ:
طب و باقي الاسبوع ؟!"
ردت عليه بنفس السخرية:
صيانة ليا يا خفيف"
بعد مرور ثوانٍ نزلوا من السيارة يتوجهون لشقة "ميمي" التي كعادتها دومًا تجلس على المقعد الخاص بها في الشرفة تقرأ القرآن من المُصحف الشريف حتى وصلها صياح الصغيرين بكلمة "تــيـتة".
تلك الكلمة التي تجعل قلبها يطير مثل الفراشات مُحلقًا نحو الضوء الوهاج، كذلك تركت المصحف من يدها بعدما أغلقته و صدقت بعد قرائتها ثم فتحت ذراعاها لهما يركضان نحوها بفرحةٍ تشبه فرحة الصغير عشية العيد ممنيًا نفسه بملابسه الجديدة و صباحٌ كُله بهجة و سرور، و كذلك هو حالها قبل حالهم، بينما تتبعهما "حسن" ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم سألها بنبرةٍ حنونة:
عاملة إيه يا ماما ؟! طمنيني"
ردت عليه بودها المعتاد:
زي الفل الحمد لله، طالما انتم معايا و حواليا يبقى كله تمام"
اقتربت منها "هدير" ترحب بها ثم قبلت رأسها و كفها ثم سألتها بنفس الحنان:
أخبارك إيه ؟! أحسن دلوقتي؟"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
أحسن علشان شوفتكم داخلين عليا و مفرحني كدا، دا لو فيا أمراض الدنيا كلها، هبقى تمام بِـ طَلتكم دي"
التفوا حولها عدا "فاطيما" التي استقرت بين ذراعيها و الأخرى "ميمي" تحتويها و هي تربت على رأسها، فقال "حسن" بنبرةٍ ضاحكة:
طب سيبي تيتة و تعالي اقعدي جنبي، هي مش هتطير يعني"
حركت رأسها نفيًا ثم تشبثت أكثر بجدتها، بينما "ميمي" ربتت على ظهرها و خصلاتها ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
سيبها و خليها في حضني، علشان تروح تغيظ جاسمين كويس و تيجي التانية تحضني عندًا فيها"
ردت عليها "هدير" بقلة حيلة:
المصيبة أنهم حربايتين و صحاب، الله يصبر اللي يقع معاهم، طب أنا و عارفة اتعامل، خديجة دي بتتعامل إزاي ؟!"
ردت عليها "فاطيما" بضجرٍ:
هو أنا بعمل حاجة ؟! الله ؟!"
رفعت "هدير" طرف شفتها ثم قالت بسخريةٍ:
لأ أمي يا بت، أومال مين اللي معلي صوتي و مخرجني عن شعوري ؟!"
مخرجك عن شعورك !! يلهوي بقيتي قرعة ؟!"
قالتها الصغيرة بفزعٍ بعدما فشلت في التوصل لمقصد والدتها، بينما من حولها ارتفعت ضحكاتهم عليها فيما أغمضت "هدير" جفونها ثم أضافت بنبرةٍ خافتة وصلت لـ "حسن" الذي جاهد لكتم ضحكته:
صبرك عليا، أنا هخليكِ تغسلي المواعين حاضر، يا أنا يا أنتِ"
تدخل "علي" يسأل "ميمي" كما اعتاد دومًا على مراعيتها:
هو أنتِ كلتي يا تيتة ؟! و لا لسه علشان الدوا ؟!"
ردت عليه بتأثرٍ:
كلت يا علي، كلت يا حبيبي و خدت العلاج كمان، تسلم من كل ردي يا رب"
حرك رأسه موافقًا فيما قالت "هدير" بحماسٍ:
حيث كدا بقى حسن ينزل يجيبلنا حاجة حلوة طالما هنقضي السهرة هنا، دا بعد اذنك طبعًا"
رد عليها هو بتهكمٍ:
من غير ما تقولي كنت نازل أصلًا، مجبتيش حاجة من عندك"
تدخلت "ميمي" تقول بضجرٍ منهما:
انتم يا عيال حصلكم إيه ؟! علطول ناقر و نقير كدا ؟!"
ضحك "حسن" بقلة حيلة ثم وقف يهندم ثيابه و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
أصل النكش دا محبة، و أنا واقع فيها مش بس حاببها"
صفقت بكفيها معًا مثل البلهاء فقال هو بسخريةٍ:
طول عمري اسمع عن سقفة البطاريق أول مرة أشوفها"
ارتفعت الضحكات عليها بينما هو تحرك بعدما غمز لها جاعلها تتأكل من الغيظ خلفه خاصةً بنظرات صغارها الساخرة عليها.
_________________________
في بيت آلـ "الرشيد" وصل "عمار" أولًا بدراجته النارية فصفقت "جاسمين" بسعادةٍ و هي تقول:
Yes وصلنا قبل بابا و ماما"
رد عليها "عمار" بسخريةٍ و هو ينزلها من أعلى الدراجة:
أنا مشوفتش في قلة أصلك يا بت أنتِ، بدل ما تقلقي أنهم اتأخروا ؟!"
تجاهلت حديثه ثم اقتربت تمسك بكف "خلود" ثم أمرتها:
خلود !! لميلي شعري"
زفرت "خلود" بقلة حيلة ثم أمسكت خصلات الصغيرة تقوم بضبطها بعدما خلعت الخوذة عن رأسها، بينما "عمار" تابعهما بنظراته و هو يرى العبوس البادي على وجهيهما و كأنهما نسخة واحدة من نفس الشيء !! زاد الأمر أكثر حينما وقفت "خلود" بجواره و بجوارها "جاسمين" التي سألت بحنقٍ:
هو إحنا واقفين هنا ليه ؟!"
ردت عليها "خلود" بسخريةٍ:
يعني نطلع من غيرهم ؟! دا إيه قلة الذوق دي ؟! لما ماما و أخواتك يوصلوا هنطلع سوا"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت من "عمار" تمسك يده و هي تسأله بنبرةٍ طفولية:
هو أنتَ مش هتحبني تاني خلاص ؟!"
عقد ما بين حاجبيه ثم نزل لمستواها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ليه بتقولي كدا ؟! أنا بحبك علطول عادي يعني"
رفعت رأسها تشير بعيناها نحو "خلود" و هي تقول بنفس الطريقة:
علشان اتجوزت خلود، كدا مش هتحبني تاني ؟! و برضه مش هتلعب معايا تاني ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم لها:
لأ أنا بحبك علطول و هلعب معاكِ علطول لحد ما تكوني أحسن عروسة في الدنيا كلها كمان و تروحي لعريسك زي خلود كدا، و حتى لو بحبها، أنا بحبك أنتِ كمان"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
طب و هي كدا هتكون صاحبتك برضه زيي ؟! و لا لأ ؟!"
قبل أن يرد عليها هو، نطقت "خلود" تعاندها بقولها:
آه بقيت صاحبته و مش زيك، لأ اكتر منك، في إيه يا بت ؟! مكوشة على أبويا و أخويا و أخويا التاني و جوزي كمان ؟! خلي بالك أنا صبري ملوش حدود"
رمقتها "جاسمين" بحنقٍ ثم حركت رأسها بآسفٍ تتعجب من أفعال خالتها التي عضت شفتها بينما "عمار" حال بينهما يقول بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص دا انتم علاقتكم صعب أوي، أومال شبه بعض ازاي ؟"
ردت عليه "جاسمين" بحنقٍ:
أنا عاوزة أكون شبه ماما علشان هي طيبة اوي، خلود شريرة"
شهقت "خلود" و قبل أن تمد ذراعها تمسك بخصلات الصغيرة كان اوقفها "عمار" بيده و هو يحاول جاهدًا كتم ضحكته حتى استكانت الأخرى على أثر لمسته فيما قال هو بهدوء:
أهدي يا ستي أنتِ و هي، هو ياسين اتأخر ليه كدا ؟! ما كان ماشي جنبنا"
أشارت له "جاسمين" حتى نزل لها و اصبح في مستواها فقالت هي بنبرةٍ خافتة:
بابا راح يجيب حاجة حلوة مش عارفة هي إيه، و جاي هنا علطول، بس أنا مش هقول لحد خالص والله"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بسخريةٍ:
يا شيخة من غير حلفان باين على وشك، مين الكداب اللي يقول كدا إنك تقولي حاجة لحد"
حركت رأسها موافقةً بثقةٍ بينما هو حملها بين ذراعيه ثم استند بها على الدراجة فيما قالت هي بحماسٍ:
عمار أفتح شنطتي بسرعة"
أشار لزوجته و هو يقول بمرحٍ:
معلش يا خلود افتحي الشنطة علشان أنا شايلها"
اقتربت الأخرى منهما بحنقٍ تفتح الحقيبة فقالت "جاسمين":
فيه شوكلاتة عندك هاتيها بقى"
زفرت "خلود" ثم امتثلت لمطالب الصغيرة و مدت يدها لها بالحلوى، فأخذتها الاخرى منها ثم فتحتها و قسمتها بينها و بين "عمار" و هي تطعمه في فمه، فسألها هو بتعجبٍ قبل أن يفتح فمه:
مش هتدي خلود طيب ؟"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
خدت مني كتير قبل كدا، كدا هيكون هي بتستر.....بتكستـ...قول كدا اسمها إيه ؟!"
حاول كتم ضحكته عليها فيما رفعت الأخرى حاجبيها تراقبها حتى توقفت سيارة "ياسين" أمام البيت و نزل منها يقول بأسفٍ:
أنا أسف بجد كنت بجيب حاجات و دخلت من شارع تاني الطريق واقف فيه، معلش"
التفتت "جاسمين" و لازالت بين ذراعي "عمار" تسأله بلهفةٍ:
بابا....هي الكلمة بتاعة أني بضحك عليك دي اسمها إيه ؟!"
عقد ما بين حاجبيه و هو يقول:
انهي كلمة دي ؟! بتاعة إيه؟!"
ردت عليه بطريقتها المعتادة:
بتاعة بتستركـ....بتسكتـ... قول معايا كدا اسمها إيه ؟؟"
ابتسم بسخريةٍ و هو يقول:
بتستكردني !! دي قصدك ؟"
شهقت بفرحةٍ و هي تقول:
أيوا هي دي برافو عليك، شاطر"
تحدث "يزن" بضجرٍ منها:
بتختاري الكلام الصعب ليه؟! كل مرة تسألي كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً فقالت "خلود" لـ "نغم" بسخريةٍ:
خليكِ أنتِ مالكيش دعوة بحد، العيال دي هتبوظ أخلاقك"
حركت رأسها موافقةً و بعد مرور ثوانٍ كان "أحمد" يفتح شقة والده مرحبًا بهم و هو يقول بمرحٍ:
يا هلا يا هلا بعرسانا الحلوين"
احتضنه "عمار" يرحب به و خلفه "خلود" التي تشبثت بشقيقها تشعر حقًا بالشوق نحوه، بينما هو ربت على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
وحشتيني اوي يا خوخة"
ابتعدت عنه تطالع وجهه و هي تبتسم له ثم قالت بتأثرٍ:
و أنتَ كمان وحشتني أوي"
ركضت نحوه "نغم" و هي تقول:
خــالـو"
حملها "أحمد" بين ذراعيه و هو يقول بحماسٍ و فرحة بسبب رؤيتها:
حبيبة قلب خالو، وحشتيني اوي اوي، كل دي غيبة ؟"
حركت كتفيها مما يدل على عدم علمها بالأمر بينما خرج "طـه" من الداخل مرحبًا بهم جميعًا حتى ركضت "خلود" نحوه بلوعةٍ بعدما قاربت على شهر تقريبًا لم تراه منذ زواجها و ذهابه لبيتها ليبارك لها.
احتضنها هو بتأثرٍ ثم قال يحاول إضافة المرح للأجواء:
وحشتيني اوي اوي، ماكنتش متوقع أني هقول كدا في يوم بس البيت بقى وحش من غيرك أوي، بقى ضلمة و ساكت، طلعت شقاوتك فيه و مناهدتك معايا هي دي اللي مخلياه بيت بجد"
تشبثت به تشعر بكافة مشاعره نحوها خاصةً أنها قضت معه الكثير و الكثير بعد رحيل أخوتها من البيت، بينما هو ابتعد عنها ثم اقترب من "نغم" يحملها بين ذراعيه و يشدد عناقه لها يرى فيها "خديجة" الصغيرة، كل ما يخرج منها حتى ردود أفعالها الهادئة منذ صغرها، لذا قرر تعويض ما فاته معها هي، حيث حصلت "نـغم" على حبه و كامل قلبه فيكفي انها ابنة "خديجة".
خرجت "زينب" من الداخل ترحب بهم بحماسٍ و فرحةٍ بسبب تجمع أبنائها و أحفادها مع بعضهم و زوجي ابنتيها، المُجمل في الموضوع جعل السعادة باديةً على وجوههم جميعًا.
بعد مرور دقائق جلسوا جميعًا بجوار بعضهم فتحدث "طه" مرحبًا بهم:
منورين يا ولاد، منور يا عمار"
رد عليه "عمار" بأدبه المعتاد:
دا نور حضرتك يا عمي، البيت منور دايمًا بأهله و صحابه"
حرك رأسه موافقًا باستحسانٍ ثم رحب بـ "ياسين" الذي رد عليه التحية بقوله:
دا نورك يا عم طـه، ربنا يجعله مفتوح بحسك و حس أحمد معاك يا رب"
وضعت "زينب" أطباق الحلويات و ضيافة الترحيب بهم و هي ترحب بهم بمرحٍ بينما "عمار" تقدم بجسده يعاونها حتى ربتت على كتفه و هي تقول:
ربنا يبارك فيك يا حبيبي"
ابتسم لها ثم حرك رأسه موافقًا فتحدثت "خلود" تسأل شقيقها بتعجبٍ:
أومال فين سلمى و ليلىٰ ؟"
رد عليها مفسرًا:
تحت عند عمك محمد و هياخدوا لفة على عمك محمود و عمتك مشيرة، خليهم بقى، ليلى علطول عاوزة حد يشيلها"
رد عليه "عمار" بنبرةٍ ضاحكة:
اديها لخلود، غاوية تشيل العيال لحد ما يوصلوا لسن جاسمين بعدها بتتبرى منهم"
ضحك الجميع على قوله بينما "جاسمين" اقتربت منه تجلس بجواره و هي تقول مدعية البراءة:
هو أنا عملت حاجة ليها ؟!"
حرك رأسه نفيًا فالتفتت هي تقول:
أهو هو قال لأ، شوف بنتك يا جدو بقى"
ضحك "طـه" ثم سحبها نحوه يقول بنبرةٍ ضاحكة:
هي بنتي كدا غريبة شوية، إنما أنتِ الله يحفظك سكر"
وضعت "جاسمين" رأسها على كتفه ثم أخرجت لسانها لـ "خلود" التي رمقتها بغيظٍ بينما "نغم" جلست توزع نظراتها بين الجميع بتعجبٍ تود كعادتها الاختلاء بنفسها و تغوص في عالم الكتب الخاص بها، لكنها قررت الجلوس وسطهم.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت كانت الفتيات مع "زينب" بداخل الغرفة يجلسن معها و برفقتهن الصِغار، بينما الرجال مع بعضهم في الخارج و كانت "زينب" تطمئن عليهن في حياتهن و خاصةً "خلود" التي قالت بصوتٍ مضطرب:
مش عارفة كدا حاسة أني استغفر الله العظيم بقيت واحدة مايعة كدا، و بعيط كتير و أعبر كتير، و الواد الله يصبره ساكت، هو دا إيه ؟! أنا مستغربة وضعي أوي"
ردت عليها "خديجة" بتفهمٍ:
دا طبيعي، يعني أنتِ غيرتي حياتك كلها و سيبتي البيت هنا و أنتِ متعلقة بيه و بقيتي مع شخص تاني عايشين سوا تحت سقف واحد، أكيد فيه نسبة خوف بسيطة بتسيطر عليكِ، بس عمار متربي و طيب يا خلود، بلاش تخلي خوفك هو اللي يسيطر عليكِ"
ردت عليها بلهفةٍ:
مش خوفي منه يا خديجة، قد ما هو خوف من نفسي، أنا لسه مش عارفة اتقبل فكرة إن حد عاوزني أصلًا، من بعد الجامعة و اللي حصلي و أنا بقيت كارهة كل الناس، علطول فكرة أني شخص ممل و مش محبوب تيجي في بالي، كل ما أحاول اتعامل عادي بطبيعتي ارجع أخاف، المفروض أني اتعامل إزاي طيب ؟؟"
ردت عليها "زينب" تتدخل في مجال الحديث:
تتعاملي بالعادي بتاعك من غير ما تتصنعي حاجة مش فيكِ، و برضه تراعيه هو كمان يا خلود، أكيد مش هيكون فرحان و هو شايفك حاطة حواجز بينكم، الجواز مودة و رحمة يعني علاقات أكبر من علاقتك بينا هنا، حد قريب منك زي نفسك، كون بقى أنتم سايبين الحياة تخبط فيكم و الماضي يكون ليه دور يبوظ الحياة دي يبقى دا غباء، بطلي تفكري في اللي فات، و إذا كان على صحابك بتوع الجامعة فدول مش شبهك و لا أصلًا كان ينفع يفضلوا معاكِ، و كلامهم دا علشان هما مش زيك، مش علشان كلام قديم مُحبط نوقف حياتنا يا مدام خلود !!"
سألتها هي بلهفةٍ:
طب يعني لو اتصرفت بتلقائية زي ما أنا عاوزة دا عادي ؟! و لا كدا ههبل ؟؟ يا جماعة أنا بقيت بموت في خلود القديمة من كتر خوفي منها"
ردت عليها "خديجة" بثباتٍ:
لأ، محدش يستاهل إنك تموتي نفسك علشانه غير نفسك أنتِ، لو بتحاربي نفسك علشان تكوني شخص حلو فدا لنفسك أنتِ مش المفروض إنه بسبب كلام حد، مش كل الناس ذوقها واحد و مش كل الناس بتشوف الحلو و مش كل الناس بتقدر قيمة الغالي يا خلود، اللي واخد على السهل عمره ما هيقدر قيمة الصعب، أما عمار فهو شاري بكل حاجة فيكِ و أظن هو عارف كل حاجة عنك، صح ولا لأ ؟!"
أومأت موافقةً بإذعانٍ تدري أن حديثهما صحيحًا، و أن ثقتها المذبذبة في نفسها بالطبع ستقف عائقًا بينهما، لكنها قررت أن تستعيد نفسها القديمة إن كانت تود الحفاظ عليه هو.
في الخارج جلس الشباب مع بعضهم برفقة "طـه" الذي كان يحتضن "يزن" بين ذراعيه ثم رحب بالشباب للمرة التي لا يعلمون عددها، ثم وجه حديثه لـ "عمار" حينما لاحظ صمته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
منور يا عمار، مالك ساكت ليه طيب ؟! شكلك لسه ماخدتش علينا بقى !! أومال لو مش معاك ياسين ؟!"
رد عليه "عمار" بحرجٍ منه:
لا أطلاقًا يا عمي، هو أنا في العموم طبعي ساكت شوية، بس كفاية أني قاعد وسطكم، دا شيء يشرفني"
صدح صوت هاتف "ياسين" في تلك اللحظة و حينما وقع بصره على اسم المتصل قال بسخريةٍ موجهًا حديثه للأخر:
شيء يشرفك ؟! طب الشيء اللي هيعرك بيتصل أهوه، هرد عليه و أشوفه عاوز أيه"
حرك "عمار" رأسه موافقًا بينما "ياسين" فتح المكالمة فوصله صوت "عامر" يقول بصوتٍ عالٍ بالتأكيد وصل للبقية:
عملتوا في عموري إيه ياض ؟! الواد تليفونه مقفول ليه ؟! انطقوا ؟! مضيتوه على الشقة و لا لسه؟!"
رد عليه "ياسين" بحنقٍ بعدما لاحظ ضحكات البقية:
شقة مين يا معفن ؟! هنعمل فيه إيه يا أخويا ؟! ماهو جنبي أهو زي الفل، اتهد أنتَ بس"
رد عليه "عامر" بنفس الانفعال:
ياترى بقى فاكرنا و لا نسينا خلاص طالما راح عند نسايبه ؟!"
خطف "طه" الهاتف من الاخر ليتولى مهمة الرد على ذلك الوغد و هو يقول بنبرةٍ لازال بها مرحه:
نسيك و شالك من ذاكرته كمان، عاوز إيه أنتَ ؟! مش خلود كانت عندكم ؟! حد راجع وراكم ؟؟"
رد عليه "عامر" بنبرةٍ مرحة:
يعني هو أنتَ عزمتني معاه ؟! و لا هما علشان متجوزين بناتك يعني ؟! للأسف جيت متأخر و الدور راح عليا يا عم طه"
رد عليه "طه" بنبرةٍ ضاحكة:
و دي تيجي ازاي ؟! مش حضرتك قولتلي إنك عندك شغل بكرة و مش هينفع تيجي ؟! عزومتك في الحفظ و الصون كمان"
رد "عامر" بنبرة صوتٍ مرحة:
حبيبي يا عم طه، خلاص عموري عندك رهن لحد ما أجيلك أنا"
أغلق معه المكالمة و هو يضحك عليه بينما "ياسين" أمسك كف ابنه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
عن اذنك يا عمي هنزل بس أجيب حاجة من تحت و جاي علطول مش هتأخر"
سأله "أحمد" بتعجبٍ:
حاجة إيه دي ؟! كل حاجة موجودة هنا، اقعد أنتَ بس"
رد عليه بهدوء:
يا سيدي جاي بسرعة و هاخد يزن معايا متقلقش، عن اذنكم"
أمسك كف صغيره ثم نزل من الشقة بينما "أحمد" وجه حديثه لـ "عمار" بقوله:
أدخل بقى غير هدومك دي و رحرح كدا و اعتبر البيت بيتك"
حرك رأسه موافقًا ثم استأذن منهما و دلف الغرفة الخاصة بزوجته بعدما وجهه "أحمد" نحوها، دلف "عمار" الغرفة فوجد ثيابه موضوعة على الفراش و قد أخبرته "خلود" بأنها مهداة له قِبل عائلتها.
ابتسم هو برضا و هو يطالع ذلك الطقم الشتوي الرياضي باللون الأسود و ما زاد من تعجبه هو الحرف الذي توسط تلك السترة حيث كان "Kh" ابتسم بسخريةٍ لا يدري هل هي صدفة عابرة أم أن من أختاره تعمد ذلك ؟!
جلس على طرف الفراش يراقب الغرفة بعينيه و خاصةً أنها لم تكن مجرد غرفة مثل غيرها، انما قامت هي بتزويدها بالكثير و الكثير مثل الاضاءات الخافتة و المرايا التي وضعتها على شكل سيارة، و صورها في مراحل عمرها وضعتها في إطار يشبه الحبال بـ مشابكات صغيرة، و اكثر ما لفت نظره هو مكتب دراستها، و تلك الجُمل الموضوعة على الحائط فوقه.
اقترب بخطى ثابتة نحوه و كفه يتلمس تلك الوريقات الصغيرة و هو يرى مختلف الجمل الذي سبق و قالها لها كنوع من أنواع الدعم حيث تنوعت ما بين:
الشخص الوحيد اللي يحقلك تسابقه هو أنتَ"
لازم تتحدى نفسك و تثبتلها إنك تقدر على كل حاجة"
لو سيبت نفسك لنفسك هي هتتحكم فيك، قوم و حاربها"
أنا واثق إن خلود هتتحدى خلود و تكسبها"
كل تلك الجمل الخاصة به لها جعلته يبتسم بفخرٍ، فيبدو إنه دون أن يعي لذلك كان له تأثيرًا عليها، دلفت هي غرفتها في تلك اللحظة شاردة الذهن و لم تلاحظ وقوفه إلا حينما استدار هو ينظر نحو الباب فوجدها تشهق بقوةٍ ثم وضعت كفها على صدرها، فسألها هو متعجبًا:
مالك شوفتي عفريت ولا إيه؟"
حركت رأسها نفيًا ثم اقتربت منه تقول بتوترٍ من الموقف:
لأ....بس يعني.... مستغربة بصراحة، عمار في أوضتي عادي كدا ؟! و أهلي برة و أنا جاية هنا، الموقف غريب شوية عليا"
حرك رأسه موافقًا فسألته هي:
إيه رأيك في أوضتي بقى ؟!"
ابتسم و هو يجاوبها بهدوء:
حلوة....زي كل حاجة ليها علاقة بيكِ"
ابتسمت هي له إبتسامة واسعة ثم قالت بنبرةٍ مرحة:
هي حلوة آه، بس قضيت فيها أكئب أيام حياتي خصوصًا فترة الجامعة، أو بالأدق يعني لحد ما أحمد اتجوز و مشي من هنا، مكانش عندي حد يونسني غيره و كان هو اللي فاهمني، فجأة الجواز و الشغل خدوه مني، حتى مشاكلي بقيت اخبيها عليه علشان مزودش همه، و مع ذلك تخطيت كل دا و حاولت أحب الأوضة دي"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ بينما هي سحبته من كفه نحو الفراش يجلس عليه ثم قالت بلهفةٍ:
خليك ثواني هنا"
نظر لها ببلاهةٍ بينما ع
هي كانت تتحرك بعشوائية مفرطة ثم ركضت تجلس بجواره تحمل في يدها الحاسوب الخاص بها و هي تقول بحماسٍ:
كنت بسهر هنا أخلص موسم كامل من المسلسل في يومين، و كنت بحط كل اللي تتخيله هنا، لب و اندومي و كل حاجة تسليني، و كنت كل ما أخلص مسلسل أعيط علشان فارقني أبطاله، ممكن أبان سطحية بس أنا بتأثر بالحاجات دي اوي"
رفع كفه يضعه على كفها و هو يقول متفهمًا لها و ما تمر به:
دي مش سطحية، دي مشاعر حقيقية أنتِ بتحسي بيها تجاه الحاجات اللي بتأثر فيكِ، يعني كل دا طبيعي جدًا، و أنتِ برضه شخص بيقدر قيمة المشاعر كويس أوي بالتالي هي بتكون صادقة حتى لو مجرد مسلسل أو حاجات أنتِ اتعلقتي بيها"
تنهدت هي بعمقٍ ثم ردت عليه بفرحة لم تقو على مدارتها:
عارف ؟! كنت خايفة أوي اطلع تافهة بس بجد أنا بحب كل الحاجات و بتعلق بيها أوي، ممكن لو شنطة عندي بحبها و جرالها حاجة أحافظ عليها بس مرميهاش، أنا بستغرب ازاي ناس ممكن تخون العشرة و يأذوا ناس تانية بيحسوا لمجرد الأذى ؟! طبيعي إنك تخرج الوحش اللي جوايا علشان أنتَ تستاهله"
رد عليها هو بعدما فكر لوهلةٍ عابرة:
بس مش كل حاجة تخلينا نطلع الوحش اللي جوانا، في النهاية كل واحد فينا هيتحاسب لوحده و يقف قدام ربنا لوحده، ساعتها بقى إيه العمل ؟! مين هينفعنا يا خلود ؟! مين اصلا يستاهل أني أضحي بالجنة علشانه ؟!"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تقول مستنكرة:
ايوا بس لو هما بدأوا بالأذى أسكت أنا إزاي ؟! أكيد لازم أرد الأذى أو على الأقل الإساءة ليهم"
ابتسم هو بحكمة ثم أردف بثباتٍ:
طب لما هو يسيء ليا و أنا أرد إساءته و يرجع تاني يسيء ليا، امتى الإساءة دي هتنتهي ؟! مش هنخلص كدا، إنما لما اقول فوضت أمري إلى الله يبقى أنا كدا شخص حكيم، فيه مرة واحد شتم "خالد بن الوليد" ساعتها لفله و قاله جملة واحدة:
إنها صحيفتك، املؤها بما شئت"
استحوذ بحديثه على كامل انتباهها لذا أضاف هو:
يعني أنا لما هملى هملى في صحيفتي أنا، يبقى الأفضل أني أوكل ربنا و أكون أنضف من أني ارد أذى بشر بأذى زيهم و دا مش ضعف، بالعكس دي قمة القوة و أنا ثابت و قادر أني أرد و أغضب بس قررت أني اتحكم في غضبي، فهمتي بقى إن مش كل الناس تستاهل أننا نغضب بسببهم ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم ركضت من جواره تقترب من مكتب غرفتها القديمة ثم عادت تجلس بجواره و هي تقول بلهفةٍ بعدما مدت يدها له:
طب امسك، اكتبلي الكلام دا هنا بنفس الجملة علشان منساش، بس أكتب كل حاجة قولتها ماشي ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم سحب منها الورقة و القلم بينما هي تنهدت بعمقٍ و هي تتابعه عن كثب في كل تفصيلة لو بسيطة تصدر عنه ترى فيه كنزها الثمين، بينما هو كان يراقبها بطرف عينه يحاول كبت ضحكته و بسمته و هو يرى نظراتها نحوه.
_________________________
في الأسفل و على مقربة من بيت آلـ "الرشيد" كان "ياسين" يسير و بجواره ابنه يمسك كفه، بينما هو كان يشتري اشيائًا لابنائه و كذلك للبقية معه كعادته كلما أتى لهم، لكنه لاحظ سعال ابنه الذي بدأ يظهر أكثر من السابق لذا قرر أن يتجهز هو و يجلب له الدواء مُسبقًا، لطالما كان بارعًا في دوره كـ أب، و قد لاحظ هو تغير ابنه.
سأله "يزن" بتعجبٍ و هو يسير بجواره:
بابا....هو ليه أنتَ جيبتلي دوا ؟"
رد عليه "ياسين" مفسرًا و هو يسير بدون توقف و كذلك الصغير بجواره:
علشان بدأت تكح أكتر و أكيد مش هتعرف تنام بليل و صدرك هيوجعك، قولت خد احتياطك يا واد يا ياسين، قبل ما يعملها فيك"
ابتسم "يزن" بخفةٍ ثم سأله:
طب لو تعبت هتعمل إيه طيب؟"
رد عليه "ياسين" بحنانه المعتاد:
هزعل أكيد يعني، علشان مش بحب حد فيكم يتعب، بس برضه هديك العلاج علشان تخف و ترجع تاني أحسن"
توقف "يزن" عن السير ثم قال:
طب حتى و أنا شقي كدا و مخلي ماما تتعصب ؟! هتديني الدوا ؟!"
التفت له و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أكيد طبعًا، الشقاوة ملهاش دعوة بأنك تعبان، أنا هديك الدوا علشان مش هقدر أشوفك تعبان"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم رمش ببلاهةٍ يتذكر حديث والدته السابق لذا ركض نحو والده يمسك يده و هو يقول بنبرةٍ يغلبها البراءة:
بابا أنا بحبك أوي"
التفت له "ياسين" يطالعه بتعجبٍ ثم سأله و شبح ابتسامة يهدد بالظهور على وجهه:
اشمعنا يعني يا يزن ؟!"
حرك الصغير كتفيه و هو يقول بنبرةٍ تلقائية:
مش علشان حاجة، بس ماما قالت إن لما أنا أحب حد أقوله، و قالت كمان إن ممكن هو يكون زعلان بس أنا لما اقول كدا هو يفرح، و أنا قولت كدا لصاحبي في الحضانة و هو فرح أوي و حضني، يعني هي بتفرح صح؟"
تنهد "ياسين" بعمقٍ ثم جلس على ركتبيه أمام الصغير و هو يسأله بوجهٍ مُبتسمٍ:
ماما قالتلك إيه تاني ؟!"
حرك رأسه لليسار قليلًا ثم قال:
آه....قالت إن بابا اللي هو أنتَ بيروح الشغل علشانا، يعني برضه لازم نحبك زي ما بنحبها، و قالت كمان نعرفك اننا بنحبك علشان هي كلمة حلوة و بتفرح و طالما أنتَ بتفرحنا، احنا نعمل زيك، بس مش عارف حاجة تاني"
احتضنه "ياسين" يربت على ظهره و هو يقول بتأثرٍ حاول صبغه بالمرح:
الواد صاحبك دا شكله حَبيب ياض، بقالي ساعة بدور على حاجة ارد بيها مش لاقي غير أني أحضنك"
احتضنه "يزن" ثم قال بفرحةٍ:
و أنا بحبك اوي أصلًا، و بحب ماما هي كمان، ماما جميلة أوي"
ابتعد عنه "ياسين" يقول بمرحٍ:
لو حد غيرك كان زماني بترحم عليه، إنما أنتَ براءة يا نجم، يلا بقى بطل لكاعة عاوزين نروح"
حرك الصغير رأسه موافقًا ثم شبك كفه بكف والده الذي ابتسم له ثم سارا سويًا نحو البيت.
_________________________
كان "خالد" جالسًا أمام الحاسوب الخاص به يقوم بتكملة عمله بينما "ريهام" تشاهد التلفاز و "يسر" أيضًا معها، أما الضلع الأخير فكان بغرفته كعادته يجلس بها دون أن يفارقها.
تحدثت "ريهام" بعدما أزاحت نظرها من موضع التلفاز و هي تقول بتعجبٍ:
هو يونس قاعد لوحده ليه ؟! ما ييجي يقعد معانا هنا، و لا هيتعصب برضه ؟!"
زفر "خالد" ثم ترك ما بيده و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لأ مش هيتعصب يا ريهام، بس محدش يضغط عليه و سيبوه براحته، طالما مش بيعمل حاجة غلط يبقى خلاص"
سألته هي بلهفةٍ:
ماشي أنا معاك بس دا سن خطر يا خالد، يونس من ساعة الإجازة يا نايم يا ماسك الموبايل، يا قاعد في أوضته، مش من حقي أقلق ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
من حقك لو هو تصرفاته غلط، بصي يا ريهام علشان السن دا صعب و كل حاجة عنده بتتفسر بمزاجه، بلاش نقفله على الواحدة كل شوية، اتابعه آه بس من بعيد، من غير ما أحسسه أني بخنقه، اسيبه براحته بس في نفس الوقت عيني عليه، هو عاقل و ناضج أكبر من سنه بكتير، بس لما أبدأ أنا اديله أوامر هو كان في نيته يعملها، هيعند معايا لمجرد العند و خلاص، و أظن أنا بقالي فترة أهو بحاول و بهتم علشان ميطلعش زي الأشكال اللي بشوفها، كفاية أني وسط كل الناس بيتقالي يارب نشوف عيالنا زيه، ريحي أنتِ"
زفرت هي بعمقٍ ثم سألته بنبرةٍ هادئة:
طب ممكن أدخل أشوفه و انكش فيه شوية ؟! الواد بقى بيبعد عني من غير ما أحس"
أشار لها ببساطة و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
اتفضلي هو أنا هقولك لأ يعني ؟! بس بلاش تقوليله كلام يحسسه إنه بيعمل حاجة غلط"
حركت رأسها موافقةً ثم دلفت للداخل بينما "يسر" اقتربت منه تجلس بجواره ثم همست في أذنه:
بابا !! ما تقعدني جنبك و أنتَ بتشتغل و مش هعمل حاجة والله"
تنهد بقلة حيلة ثم رفع ذراعيه بينما هي جلست تحتضنه و عينيها ثابتتين على الجهاز اللوحي و هو يباشر عمله ثم وضعت رأسها على كتفه و قالت بنبرةٍ يغلب عليها النعاس:
لو نمت شيلني بقى"
رد عليها بسخريةٍ:
قال يعني هي مش هتنام، دا أنا ضهري اتقطم من شيلك أنتِ بالذات"
في الداخل دلفت "ريهام" غرفة ابنها بترقبٍ فوجدته يجلس و هاتفه في يده فجلست بجواره تسأله بنبرةٍ هادئة:
حبيب ماما بيعمل إيه ؟!"
حرك كتفيه بقلة حيلة ثم قلب شفتيه للأسفل ثم قال:
ولا أي حاجة !! بس كويس إنك جيتي تقعدي معايا، بدل ما الواد دا عمال يزن عليا"
عقدت ما بين حاجبيها تسأله بتعجبٍ:
واد ؟! واد مين دا يا يونس ؟!"
رد عليها بقلة حيلة:
واحد زميلي و بشوفه في حجز الكورة، بيلعب لعبة كدا غريبة و عمال يقولي العبها معانا في الأجازة بس أنا مش فاهم فيها حاجة علشان كدا كبرت دماغي و بحمل فيلم أكشن حلو كدا"
حركت رأسها بتحفظٍ ثم سألته بقلقٍ:
طب و هو اللعبة دي عبارة عن إيه طيب ؟! قالك عنها إيه ؟!"
حرك كتفيه ثم قال بتشوشٍ:
بيقولي لعبة بالأكونت بتاعك و لما بتكسب فيها الكوينات بتتحولك فلوس و لو دخلت ناس تانية كتير بيجيلك هدايا، و هو عمال يجمع في ناس كتير يلعبوا، واضح كمان أن كل اللي معايا بيلعبوها"
سألته باستنكارٍ واضحٍ:
هي الحداية بتحدف كتاكيت يعني ؟! علشان لما تلعب لعبة تاخد فلوس ؟! أكيد فيها حاجة غلط، و طبعًا مش هتلعبها صح ؟!"
كانت تحذره دون أن تقصد بينما هو حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ لذا قبلته هي على وجنته ثم ربتت على خصلاته و هي تقول:
تعالى أقعد معانا برة شوية طيب، متقعدش لوحدك كدا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
هاجي وراكي بس أقفل النور و الشباك"
خرجت من الغرفة و هي تبتسم له بينما هو لما يتحكم في فضوله تلك المرة و قد أثر الموضوع على عقله بشكلٍ ملحوظ لذا قرر أن يبدأ بالبحث عن تلك اللعبة و مصادرها و ما يمكن أن يلاحقه من لعبها، لا يدري ما هو كم الأضرار التي من الممكن أن تلاحقه لذا بدأ بآلية شديدة في البحث عنها و عن كل ما يخصها.
_________________________
في شقة "طـه" و قبل السهرة التي قاموا بتخصيصها كانت "خديجة" في غرفتها بمفردها تتحدث في هاتفها مع أحد الشباب المسئولين في الدار التي تعمل هي مسئولة بها و حينما وصلها حديثه فركت جبينها بتوترٍ ملحوظ و هي تقول:
ماشي يا استاذ محمود أنا مع حضرتك بس على الأقل كنت أعرف قبلها بفترة مش في خلال الأيام دي ؟! و بعدين الحاجات اللي مطلوبة أكيد ملحقتش تتوفر"
رد عليه ذلك الشاب "محمود" بطريقة مهذبة متفهمة:
أنا فاهم يا مدام خديجة بس للأسف الظروف كلها خارج طاقتنا و خارج إمكانياتنا كمان، لو استنينا أكتر من كدا للأسف هنخسر وقت و مجهود و فلوس كمان"
دلف "ياسين" غرفتها بمفرده في تلك اللحظة فانتبه لها و هي تتحدث فى الهاتف، بينما هي زفرت بقوةٍ ثم قالت:
تمام يا استاذ محمود أنا هحاول اتمم على كل حاجة إن شاء الله و هبلغ حضرتك"
رد عليها هو مُسرعًا بآسفٍ:
أنا آسف و الله يا فندم بس حضرتك عارفة ضغط الوقت اللي إحنا فيه فكان لازم نبدي حاجة على حاجة تانية"
ردت عليه بتفهمٍ ثم أغلقت معه الهاتف و قد التفتت تنظر خلفها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
متأخرتش يعني يا ياسين"
حرك رأسه موافقًا ثم قال ببساطةٍ:
هتأخر ليه يعني ؟! كنت بجيب حاجات كلها من الشارع تحت، أنتِ مالك فيه إيه يا خديجة ؟!"
زفرت هي بقوةٍ فسألها هو:
كنتي بتكلمي مين و شكلك متضايق كدا ؟! خير إن شاء الله"
تنهدت هي بعمقٍ ثم جلست بجواره على طرف الفراش و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
متغيلش بالك أنا هكلم وليد بس اسأله على حاجة يقدر يعملها ولا لأ"
قبل أن ينطق هو كانت أخرجت الرقم و قامت بطلب أخيها الذي رد على الفور بتعجبٍ و هو يقول:
استر يا رب، مبخافش أنا غير من مصايب بليل دي، هاتي اللي عندك يا حلوة"
ردت عليه بضجرٍ:
صدقني آخر حاجة ممكن اعملها دلوقتي هي أني اجادل معاك و أنتَ تعصبني، لو جهزت الحاجة اللي طلبتها منك هاتهالي"
رد عليها بسخريةٍ:
على أساس يعني اني خارج من الفانوس السحري ؟! حاجة طلبتيها من اسبوع و هي بتاخد شهر، أكيد لسه"
زفرت بحدة ثم فركت وجهها و هي تقول بنبرةٍ عصبية:
للأسف عاوزة الحاجة دي يوم الأربع الصبح، الميعاد اتقدم تاني، وأنا مش قدامي غيرك تساعدني"
كان "ياسين" يراقبها بتمعنٍ بينما "وليد" زفر بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
ماشي يا خديجة، اقفلي و أنا هتصرف بس موعدكيش، علشان متعدميش عليا بس"
ردت عليه بامتنانٍ تحييه قبل أن تغلق الهاتف بينما الأخر سألها بسخريةٍ:
هتحني عليا و تقوليلي و لا أنا أباجورة هنا مليش لازمة ؟!"
ابتسمت له ثم اقتربت منه تلتصق به فقال هو بتهكمٍ:
آه....طالما بدأنا شغل الدلع دا يبقى فيه مصيبة هتنزل دلوقتي عليا تجيب أجلي، خير !!"
ردت عليه بنبرةٍ ناعمة تعمدت التحدث بها:
ياسين ؟! يعني هي أول مرة يعني أعمل كدا و أحطك في وش المدفع ؟! بقالي كام سنة ملبساك في الحيطة ؟!"
رد عليها بسخريةٍ:
خليكِ لحد ما الحيطة دي تقع على دماغي في مرة و معرفش اتصرف، بس خير المرة دي"
اقتربت منه تمسك كفه بين راحتيها و هي تقول بنبرةٍ هادئة صادقة:
والله العظيم أنا مش بتصرف كدا غير علشان اتعودت إنك ورايا علطول و بتلم ورايا كل حاجة، دلعتني أنتَ و دا مش ذنبي"
تنهد بعمقٍ ثم سألها:
و المرة دي إيه المطلوب بقى؟"
ردت عليه مسرعةً:
عاوزة ميكروباص"
رفع حاجبيه و رمش عدة مرات يعبر عن استنكاره حديثها بينما قالت هي بلهفةٍ:
يوم الأربع عندنا ايفينت صغير كدا للمُسنين في الدار و أنا المسئولة عنه للأسف، و عاوزة ميكروباص ضروري جدا اليوم دا"
تنهد بقلة حيلة ثم قال:
حاضر يا خديجة، هشوفلك عامر كدا يجيب حد من الناس اللي يعرفهم"
انفرجت أساريرها ثم ارتمت عليه تغمغم بسعادةٍ:
كنت عارفة إنك مش هتسيبني احتاس كتير من غيرك"
ربت على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة يعبر بها عن قلة حيلته:
هعمل إيه يعني ؟! طالما دا هيفرحك يبقى احنا في الخدمة يا بنت الرشيد، بس مقولتليش عاوزة ميكروباص ليه!"
اتسعت عينيها و ظهر التوتر عليها و هي تبتعد عنه فقال هو بحذرٍ و ريبةٍ:
هو لسه فيه مصايب تانية ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحركةٍ خافتة جعلته يضرب رأسه بكفيه معًا تزامنًا مع طرقات على باب الغرفة و لم يتطلب منهما الأمر كثيرًا لمعرفة الطارق حيث طلت "جاسمين" بعدما فتحت لها "خديجة" فقالت بحنقٍ:
هتروحوني و لا أضربلكم خلود؟"
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثامن 8 - بقلم شمس بكري
أود أن أسألكِ في أي سماءٍ تَسكنين فما أنتِ سِوىٰ قَمرٌ مُنيرٌ في فلكُ قلبي تَدورين و علىٰ مجراتَ حُبي تتحركين"
_________________________
_"هتروحوني و لا أضربلكم خلود؟"
تفوهت "جاسمين" بذلك بحنقٍ لا يتلائم مع صِغر عمرها، حتى سألتها "خديجة" بتعجبٍ حينما اقتربت منها:
نعم ؟! تضربي مين أنتِ ؟! احترمي نفسك و قولتلك تتكلمي عن الأكبر منك كويس"
جلس "ياسين" على ركبتيه أمامها ثم قال موجهًا حديثه لزوجته:
استني أنتِ يا خديجة"
التفت ينظر لتلك "الدُمية" كما يُلقبها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
فيه إيه ؟! و بتتكلمي عن خالتك كدا ليه ؟!"
ردت عليه بحنقٍ بعدما ضمت ذراعيها أمام صدرها:
علشان هي مش عاوزاني أطردها من الأوضة و أنام فيها"
اتسعت عيني "خديجة" ببلاهةٍ فيما ظهر الاستنكار على وجه "ياسين" و هو يقول بسخريةٍ:
نعم ياختي ؟؟ مش عاوزاكِ تطرديها من الأوضة، لأ ملهاش حق بصحيح"
_"شوفت بقى ؟!"
قالتها باندفاعٍ جعله يحاول كظم غيظه فيما اقتربت "خلود" من خلفها و هي تركض نحوها و حينما توقفت قالت بغيظٍ مكتوم:
بت !! انا صابرة و ساكتة عليكِ علشان الدم اللي ما بينا، لكن كدا كتير، أنتِ عاوزة إيه ؟!"
التفتت لها تقول بحنقٍ:
عاوزة أنام في أوضتك و أنتِ تنامي مع ماما هنا"
_"طب و عمار دا أعمل فيه إيه"
سألتها "خلود" بتهكمٍ و هي تضع يدها في خصرها، بينما "جاسمين" قالت بضجرٍ:
أنا بحب اسهر في أوضتك مليش دعوة بقى، تعالوا ناموا هنا"
اقترب "عمار" من الخلف و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
طب نحلها سوا طيب ؟! إيه رأيك نسهر كلنا سوا ؟! أنا و أنتِ و خلود و يزن كمان ؟!"
قلبت عيناها بتفكيرٍ ثم هزت رأسها بقوةٍ كعلامةً على الموافقة، بينما قالت "خلود" بتهكمٍ:
يا سلام ؟! أنتَ هتنصر المفعوصة دي عليا يعني؟"
نظرت لها "جاسمين" بضجرٍ بينما "عمار" حملها على ذراعيه ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
خليها عليكِ، هاتيها تقعد معانا شوية و نسهر ولو نامت أنا هجيبها هنا تاني، تمام ؟!"
تحدثت "خديجة" بلهفةٍ:
لأ معلش، اقعدوا انتم براحتكم و خليها هي معايا هنا أحسن"
قبل أن تنطق "خلود" و توافقها كان "عمار" سبقها و هو يقول متفهمًا:
لأ متقلقيش مش أول مرة يعني نسهر سوا أنا و هي، هاتي يزن كمان و نغم"
رد عليه "ياسين" بقلة حيلة:
يزن هينام معايا في اوضة أحمد، و البنات هنا مع خديجة، هاتها بس و روح نام أنتَ"
حرك رأسه نفيًا فقالت "جاسمين" ببراءة:
بص يا بابا نام أنتَ و متشتـ...متغلشـ... قول معايا كدا اسمها إيه ؟!"
سألته كعادتها حينما تتعثر في نطق الكلمة بينما زفر هو ثم قال بتهكمٍ:
قصدك متشغيلش بالك بيا صح؟"
حركت رأسها موافقةً ثم أشارت باصبعها نحوه و هي تقول بمرحٍ:
أيوا صح هي دي برافو عليك، شاطر"
ارتسمت الضحكات اليائسة على وجوههم بينما "عمار" شدد مسكته لها ثم قبلها في وجنتها، ورحل بها من أمامهم بينما "خلود" سارت خلفه بضجرٍ و هي تحاول كتم غيظها منهما.
_________________________
في غرفة "خلود" وقف "عمار" و هو يبتسم لـ "خلود" ثم قال بنبرةٍ هادئة:
يلا يا خوخة، شوفي بقى كنا هنسهر ازاي و جاسمين معانا أهيه تسهر معانا تونسنا"
رمقته هي بغيظٍ ثم قالت:
أنا على جثتي أسهر مع البت دي، بوظت الليلة اللي رسمتها في خيالي"
قالت "جاسمين" تعاندها:
أحسن، نامي أنتِ و هسهر أنا و عمار لوحدنا، مش عاوزينك"
بعد مرور دقائق قليلة، كانت "خلود" تجلس على الفراش أمام الحاسوب الخاص بها و "جاسمين" تجلس على فخذيها و كلتاهما تشاهد الحاسوب، بينما "جاسمين" كانت تمسك أحد الاكياس الخاصة بالبطاطس المقلية "الشيبسي"، و "خلود" تضمها بكلا ذراعيها، أما "عمار" فجلس على المقعد المجاور للفراش يضم ذراعيه و هو يطالعهما بسخريةٍ ثم قال بتهكمٍ:
يا سـلام ؟! هو دا اللي هنسهر سوا ؟! دا أنا اتنسيت خالص، بس هقول إيه ؟! جوز جزم"
أشارت "خلود" بقربها و هي تقول بضحكةٍ مكتومة:
تعالى يا عموري اقعد جنبنا"
أرخى ذراعيه ثم اقترب منها يجلس معهما على الفراش و هو يبتسم ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بتتفرجوا على إيه ؟! كارتون؟"
ردت عليه "جاسمين" تُصحح كلمته:
اسمه أنمي مش كارتون"
حرك رأسه موافقًا بقلة حيلة ثم تابعهما بنظره حتى اندمج في المشاهدة هو الأخر و قام بعدل جلسته بجوار "خلود" حتى باتت بقربه تلتصق به و "جاسمين" على قدمها تأكل الشيبسي باندماجٍ حتى قال "عمار" بسخريةٍ:
و هي جاسمين فاهمة حاجة بقى ؟! دول بيتكلموا لغة عربية فُصحىٰ"
حركت رأسها موافقةً فيما قالت "خلود" بنبرةٍ ضاحكة:
دي قردة، هو فيه حاجة دي متعرفهاش أصلًا ؟!!"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها بينما قفزت "جاسمين" من موضعها و هي تقول بحماسٍ:
تعالوا نلعب سوا !! إيه رأيكم؟"
نظرت لها "خلود" بتعجبٍ بينما "عمار" عقد ما بين حاجبيه لتقول هي بسرعةٍ كبرى:
بصوا، هنلعب هنا، كل واحد فيكم يشيلني و يدوخني هنا، و اكتر واحد فيكم هيعمل كدا، هيكسب"
سألتها "خلود" بتهكمٍ:
هيكسب إيه إن شاء الله ؟! الصلاة على النبي ؟!"
رد "عمار" بثباتٍ:
عليه افضل الصلاة والسلام، صلوا على النبي كدا و اتهدوا علشان أنا كان زماني نايم أصلًا"
اقتربت منه "جاسمين" تقول بحماسٍ:
علشان خاطري شيلني و دوخني زي خالو وليد و بابا و خالو أحمد، يلا يا عمار بقى"
كانت تتوسله بحديثها حتى وقف هو يحملها على ذراعيه ثم سألها بنبرةٍ ضاحكة:
طيب نفترض أني دوختك و أني كسبت، هكسب إيه بقى؟"
ردت عليه بلهفةٍ:
هحضنك، اللي يكسب هحضنه"
انتفضت "خلود" تقول بضجرٍ:
بت !! دا جوزي أنا بس و أنا اللي هحضنه، روحي احضني أبوك ولا أي راجل من اللي برة دول"
زفرت بقوةٍ بينما شرع "عمار" في الدوران بها و هو يضحك و ضحكت معه هي الأخرى بينما "خلود" خطفتها من يده ثم دارت بها هي الأخرى و "جاسمين" تضحك بسعادةٍ و انتصار بعدما وقع كليهما في فخها ليفعلان ما تُريد.
_________________________
في الغرفة المجاورة لتلك الغرفة كانت "خديجة" تجلس بجوار "ياسين" و هي تحاول ترتيب الحروف حتى تفاتحه فيما تُريد، بينما هو سألها بثباتٍ:
ياستي انطقي !! عاوزة الميكروباص ليه ؟! و خير ؟!"
ردت عليه بتلعثمٍ:
علشان....علشان يعني بصراحة، هاخد العيال كلهم معانا يوم الاربع زي ما وعدتهم"
رفع كفه يَحك فروة رأسه و هو يسألها ببلاهةٍ غلفها الاستنكار:
نعم !! هتاخدي مين معاكي ؟!"
ردت عليه بلهفةٍ:
العيال يا ياسين كلهم، ركز معايا"
_"عيال مين بقى لامؤاخذة ؟"
سألها بسخريةٍ فأجابت هي بتلقائيةٍ و هو يردد خلفها:
_"نغم و يزن و جاسمين"
الله يحرسهم"
_"زياد ومازن وفارس ولاد اخواتي"
الله يحفظهم"
_"علي و فاطيما ولاد هدير"
الله يسترهم"
_"يونس و يسر ولاد خالد"
الله يُجبرهم"
_"عُمر و زين و زينة"
الله يطعمهم"
_"رؤىٰ و روزي ولاد طارق"
الله يخليهم"
و أنا و أنتَ"
قالتها بمرحٍ جعله يرمقها بغيظٍ ثم قال بتهكمٍ:
هو أنا لو شديت في شعري منك هيحصل حاجة ؟! أكيد مش هيحصل حاجة، يا ست الكل أنا عندي شغل فوق راسي يوم الأربع، هسيبك مع العيال دي كلها إزاي لوحدك ؟!"
حركت كتفيها بحيرةٍ فيما زفر هو بقوةٍ ثم قال:
طب بلاش !! روحي أنتِ ومش لازم تاخدي العيال معاكِ، خليهم مرة تانية يكون حد معاكي اليوم دا"
ردت عليه بلهفةٍ:
مش هينفع اليوم دا مش هيتكرر تاني يا ياسين غير بعد فترة كبيرة إن شاء الله، لازم يكونوا معايا علشان أنا وعدتهم و علشان محتاجة ليهم ضروري اليوم دا"
سألها باهتمام جليِّ:
ليه يعني ؟! خير"
أجابته تفسر ما تريده:
علشان مفيش أولاد اليوم دا في الدار و للأسف مش هينفع يكونوا موجودين، في نفس الوقت عاوزين أطفال تكون موجودة علشان دا بيكون أفضل للمسنين، و كمان بيحسن نفسيتهم، و أنا وعدتهم كلهم أني هاخدهم، ها !!"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
أمري لله، بس لوحدك مش هينفع يا خديجة، ثم استني كدا.....مين يا كتكوتة اللي هيجيب العيال دي من بيوتها !!"
ردت عليه بحماس:
الميكروباص يستنانا عند شقتنا و اتفق معاهم كلهم يتجمعوا عندنا، و كدا تبقى الدنيا سهلة، قولت إيه طيب ؟!"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ فسألته هي بحذرٍ:
ها خلاص كدا ؟! مش هنفضل نتناقش يعني ؟!"
نظر لها بطرف عينه ثم قال ساخرًا:
أحلى حاجة إنك عارفة إنك مورطاني و رغم كدا أنتِ برضه مصدرالي الهبل"
اقتربت منه تضع رأسها على صدره و تضع كفيها معًا على كتفيه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
عادي مش مشكلة، كدا كدا أنتَ معايا و احنا متفقين إننا طالما مع بعض نعمل كل حاجة، فبراحتي كدا كدا مش هتعترض يعني"
ابتسم هو بيأسٍ ثم رفع كفه يربت على رأسها و ظهرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ صح، و علشان كدا أنا ساكت و لامم نفسي اهوه، علشان ياسين التاني لو ظهر هيزعلك، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليه بقى"
ضحكت رغمًا عنها و هي تشدد من مسكها له ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ من شدة فرحتها و الحماس معًا:
ربنا يخليك ليا و تفضل معايا علطول يا رب، أنا بحبك اوي"
_"اوي اوي يعني ؟!"
سألها هو بمزاحٍ جعلها تحرك رأسها موافقةً عدة مرات فقال هو بنبرةٍ ضاحكة:
طب يا ستي ربنا يجبر بخاطرك"
ابتعدت عنه تقول بحنقٍ:
إيه دا ؟! حصلك إيه فين الكلام الحلو ؟! هو أنا بشحت منك"
ضحك هو عليها ثم قربها منه من جديد يربت على خصلاتها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لأ مبتشحتيش يا ستي، و أنا كمان بحبك أوي و بحب طيبتك و حنيتك و عيونك و بحب خديجة كلها على بعضها كدا"
صفقت بكفيها معًا فقال هو بقلة حيلة:
أهو خديجة الصغيرة طلعت أهيه، نفس حركة الدُمية الصغيرة بنتك"
وكزته في كتفه و هي تقول بحنقٍ:
ملكش دعوة بيها، دي زي القمر، هي بس علطول متسربعة و شقية و مطلعة عيني بس برضه على قلبي زي العسل"
تنهدت هي بعمقٍ بعد حديثها ثم سألته بقلقٍ:
اللي نفسي تكون زيها...نغم، نغم ساكتة علطول و هادية و مش بتتكلم مع حد خالص، بشوف فيها خديجة صغيرة مش عاوزة اشوفها و هي كبيرة، مع انها عكسي تمامًا في الظروف"
حرك رأسه موافقًا ثم قال يُطمئنها:
مش عاوزك تقلقي، دا طبيعي لأن هي خجولة اوي و بتتكسف لأن دا طبعها، بس هي لما بتكون وسط الباقي بتفرح و بتضحك عادي"
حركت رأسها موافقةً وفي تلك اللحظة طُرق باب الغرفة، فقامت "خديجة" بفتحه لتطل منه "نغم" و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
عاوزة أقعد معاكِ علشان مش هعرف أقعد مع خلود و عمار، ينفع ؟!"
حملتها بين ذراعيها ثم توجهت بها على الفراش و هي تقول بحماسٍ و تمسد على خصلات شعرها:
بس كدا، تقعدي معايا علطول و في حضني كمان، أنا عيوني ليكِ"
ابتسمت "نـغـم" لها ثم احتضنتها بينما "ياسين" قال بقلة حيلة:
طب أنا هروح أشوف يزن علشان ننام بقى كفاية سهر لحد كدا، تصبحوا على خير يا كتاكيت"
_"وحضرتك من أهله يا بابا"
قالتها "نغم" بلهفةٍ جعلته يقترب منها يمسك وجهها بين كفيه و هو يقول بنبرةٍ حنونة:
عيون بابا، نغم حياة ياسين، تصبحي على خير و نامي في حضن ماما بقى"
تحرك من الغرفة بعدما قبلها على جبينها بينما "خديجة" قامت بفرد الغطاء عليهما و هي تقول بحماسٍ:
حبيبة ماما بقى تقعد معايا و تتكلم معايا أحسن، مالك ساكتة ليه ؟!"
حركت كتفيها بحيرةٍ ثم قالت:
عادي أو مش عارفة...بصي خلاص مش مهم أحسن"
عقدت "خديجة" ما بين حاجبيها و هي تسألها بتعجبٍ:
ليه ؟! قولي إيه مزعلك و مين مضايقك، مش اتفقنا نكون صحاب ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
أيوا بس أنا بسكت عادي مش علشان حاجة، بصراحة بكون عاوزة أعمل زي جاسمين كدا و يزن كمان بس بخاف تزعلي، أنتي مش هتزعلي صح !!"
_"ازعل !! ازعل ليه ؟!"
_"مش عارفة بس أنا مش بحبك تزعلي مني أو حد خالص يزعل"
ابتسمت لها "خديجة" ثم قربتها منها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
مفيش أم بتزعل من ولادها يا نغم، الأم قلبها كبير أوي و طيب، و بعدين لما تهزري معايا و نلعب و نضحك أنا كدا هفرح مش هزعل"
ابتسمت "نغم" ثم قالت:
أنا أصلًا بكون عاوزاكي تشيليني زيها و عاوزة أعمل زيها بس علشانك أنتِ مش بعمل حاجة"
أمسكت "خديجة" كفها تقبله ثم قالت بنبرةٍ حنونة:
اعملي كل اللي نفسك فيه و اوعي تتكسفي مني أو حتى تخافي يا نغم، أنا كلي علشانك و علشان أخواتك، و أنا عليا يا ستي هبدأ و أرخم عليكِ"
حركت رأسها موافقةً ثم احتضنت "خديجة" و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
دا كدا بقى الدار أمان"
ضحكت "خديجة" بصوتٍ عالٍ ثم شددت على عناق الصغيرة و هي تقول بمرحٍ:
و احلى أمان في الدنيا كلها"
_________________________
في شقة "خالد" قام "يونس" بالبحث عن اسم تلك اللعبة و هو ينظر بهدوء للهاتف في يده و سرعان ما اتسعت عينيه بفزعٍ بعدما رآى أضرارها تباعًا و شكاوىٰ الناس من المصائب التي لحقت بهم نتيجة انخراطهم خلف تلك التفاهات دون أن يفكر أيًا منهم في عواقب ما يقدمون عليه.
وضع كفه على فمه بهلعٍ حينما وجد الاضرار التي لاحقت غيره مِن مَن هم في عمره، سحب هاتفه و خرج من غرفته و هو يفكر بقلقٍ كيف سمح لنفسه أن يفعل ذلك ؟! كيف فكر أن يلعب تلك اللُعبة ؟!
جلس بجوار والدته ثم قال بعدما استجمع شجاعته:
بابا !! أنا كنت هحمل اللعبة بس خوفت بصراحة و جيت أقولك أني شوفتها"
انتبه له كليهما فاقترب هو والده يقول بقلة حيلة:
بص أنا ماكنتش هشوفها والله بس فضولي حركني مش أكتر، بس لقيت فيها حاجات مش فاهمها"
سأله "خالد" بنبرةٍ جامدة:
لعبة إيه دي ؟! أنا مش فاهم حاجة يا يونس !!"
قام "يونس" بقص و سرد ما حدث مع والدته و مع زميل دراسته و بحثه عن تلك اللعبة الغريبة و حينما أنهى السرد قال بنبرةٍ هادئة:
أنا لما فتحت لقيت عيال كتير فيها مكملين غصب علشان هما مهكرين التليفونات بتاعتهم و بيفضلوا يسحبوا الفلوس منهم، بس والله قبل ما أحملها دورت علشان أعرف هي عبارة عن إيه"
تحدثت "ريهام" باندفاعٍ:
مش أنا قولتلك إنك مينفعش تلعبها يا يونس ؟!"
رفع "خالد" حاجبيه مستنكرًا فيما قال "يونس" بقلة حيلة:
ماهو أنا ماكنتش هلعبها، بس هو فضول مش أكتر والله، و بعدين أنا جيت قولتلكم أهو"
اقترب "خالد" منه يجلس بجواره ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما وضع ذراعه على كتفه:
و أنا بحترمك و بحترم صراحتك يا يونس، و أنتَ مش غلطان في أي حاجة، دا فضول طبيعي لسنك أنه يحصل و أنك تدخل تشوف الحاجة لمجرد الفضول، اللي مش طبيعي هو أنك تسلم دماغك للحاجة دي، يعني أني اكمل للعند، أهلك لما بيقولولك على حاجة لأ دا علشانك أنتَ مش علشانهم هما، صح ولا لأ ؟!"
حرك رأسه موافقًا و عينيه ثابتتين على وجه والده فقال "خالد" مُكملًا حديثه:
بص يا يونس، أنا صحيح مش علطول معاك و مش علطول شايفك بس ربنا معاك و شايفك علطول، حتى اللي جوة قلبك برضه ربنا اللي عالم بيه، قبل ما تفكر تعمل الحاجة علشان خوفك مني، فكر في خوفك من ربنا".
و لا تجعل الله أهون الناظرين إليك.....افتكر إن ربنا شايفك و إن خوفك من ربنا أهم من خوفك من العباد كلهم، أنا ممكن اتعصب عليك شوية و ازعل منك وخلاص موضوع و هينتهي، لكن فيه مكان تاني كل حاجة فيه محفوظة، اللي بيخليني أقولك كدا هو أنك هتفرح بنفسك إنك جيت قولتلي على كل دا، و في نفس الوقت هتحس إنك بتريح ضميرك و ممكن الشيطان يلعب في راسك....صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يحاول كتم ضحكته فابتسم "خالد" بظفرٍ ثم قال:
شوفت بقى حلاوة إن أبوك يكون صايع ؟! عارف أنا إيه اللي هيحصلك بعد كدا، بس اللعبة دي خلاص أي علاقة ليك بيها امسحها و لو احتاجت حاجة أنا معاك في كل وقت"
اقترب منه "يونس" يقبل رأسه ثم احتضنه و هو يقول بمرحٍ:
روح ربنا يخليك ليا و يجبر بخاطرك و أشوفك مدير الشركة"
ضحك "خالد" على حديثه ثم احتضنه بذراعيه و حرك كفه في خصلات الصغير الذي انسحب نحو الداخل، بينما "خالد" أقترب من زوجته يقول بثباتٍ:
ربنا ميز البشر كلهم بنعمة العقل يا ريهام، إلا أنتِ !! عندك طاسة فول باين"
قالها بسخريةٍ جعلها تضحك رغمًا عنها و هي تقول بغلبٍ و قلة حيلة:
يا عم خلاص بقى !! أنا كنت بحذره بس و بعدين يعني افرض ماكنتش حذرته مش كان ممكن يروح ينزلها علطول من غير ما يفهم ؟!"
عض شفته السفلى بغيظٍ ثم قال بيأسٍ:
اقسم بالله طاسة فول بجد"
دلف هو للداخل بعدما حمل ابنته النائمة على الأريكة فيما قالت "ريهام" بصوتٍ عالٍ:
هات بوسة طيب و متزعلش"
وصلها صوت غلق الباب فقالت بلامبالاةٍ مرحة:
خليك قطعت برزقك والله"
_________________________
في شقة "طه" كان "ياسين" في غرفة "أحمد" بعدما ترك لهم الأخر الغرفة، و بجواره "يزن" الذي كان يشاهد التلفاز في الغرفة، خرج "ياسين" من مرحاض الغرفة و في يده المنشفة، ثم اقترب من صغيره يتحسس جبينه ثم قال بقلة حيلة:
شكلك هتسخن !! طب إيه نلجأ للحقن و لا نعمل إيه طيب ؟!"
رد عليه "يزن" بضجرٍ:
لأ مش عاوز حقن، خلاص أنا هشرب العلاج و خلاص"
اقترب "ياسين" منه بزجاجة الدواء ثم جلس على الفراش و سحبه نحوه يجلسه على فخذه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
اشربه قبل ما التعب يزيد عليك علشان الحضانة اللي وراك يوم الحد دي و علشان تفوق كدا، ولا إيه يا سعادة الظابط"
ابتسم "يزن" باتساعٍ و هو يحرك رأسه موافقًا لوالده الذي فتح الدواء ثم مد يده به حتى ارتشف "يزن" منه و هو يشعر بالاستياء من ذلك المذاق المُر بينما "ياسين" اغلق الدواء ثم احتضنه و هو يقول:
بالشفا إن شاء الله"
احضتنه "يزن" و هو يسأله بنبرةٍ طفولية يغلبها النعاس:
بابا هو أنا شبهك بجد ؟! ولا تيتة قالت كدا و خلاص ؟"
أخفض "ياسين" بصره للأسفل ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أنا حلو كدا ؟! لأ أنتَ أحلى"
_"بس ماما قالتلي إنها عاوزاني شبهك أنتَ، يعني مش أحلى"
ابتسم "ياسين" ثم مسح على خصلات رأسه و هو يقول:
أنتَ حبيبي و يشرفني إنك تكون شبهي كمان، بس أنتَ عاوز تكون إيه ؟! عاوز تكون زي مين ؟!"
ابتعد عنه "يزن" يطالعه بعينيه ثم قال متلهفًا بتلقائيةٍ:
زيك.....أنا عاوز أكون زيك أوي"
_"زيي !! زيي ازاي يعني؟"
سأله "ياسين" بتعجبٍ حتى قال "يزن" مفسرًا:
يعني علشان انتَ طيب و مش بتزعقلي و كمان بتحبني أوي و تيتة و جدو بيحبوك هما كمان، و علشان مش بتخليني ازعل، و أنا لما أكبر مش هخليك تزعل برضه و هجيب كل حاجة عاوزها ليك، مش أنتَ بتعمل كدا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بص يمكن أنتَ متفهمش كلامي بس أنا بحبك علشان أنتَ صاحبي، أنا ممكن أكون من الأول حلو و طيب، بس لما لقيت ماما و بقت معايا علطول أنا بقيت أحلىٰ، و بقيت بحاول أكون أجمل، و لما جيت أنتَ و اخواتك حياتي أنا بقيت اجمل و أجمل، علشان ييجي يوم و ابني يقولي أنه مش هيزعلني لما أكبر، أنا كدا بقيت شاطر و ابني كمان شاطر و أنا بحبه أوي"
نطق "يزن" بحماسٍ:
أنا اللي بحبك اوي يا بابا"
فرد "ياسين" جسده على الفراش و هو يبتسم له و الأخر بين ذراعيه حتى قال "ياسين" بنبرةٍ ناعسة:
و أنا كمان بحبك اوي ننام دلوقتي بس و بكرة نصحى نحب في بعض للصبح"
في الغرفة الأخرى غاصت "خلود" في ثباتٍ عميق فيما ظلت "جاسمين" مستيقظة تتابع الحاسوب بجوار "عمار" الذي جلس بجوارها حتى سألها بضجرٍ:
أنتِ مش ناوية تنامي بقى ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أشارت بالسلب بسبابتها، فابتسم "عمار" رغمًا عنه ثم نظر لتلك التي تنام بجواره و هي تتشبث بذراعه و حينما حاول سحبه وجدها تضغط عليه أكثر تزيد من تمسكها به، حينها تركها ثم رفع الغطاء يضعه عليها ثم اقترب منها يقبل جبينها و هو يربت على منابت رأسها.
التفتت له "جاسمين" تقول بنبرةٍ خافتة:
هي نامت خلاص ؟! طب أنام فين أنا بقى ؟!"
سألته بحنقٍ و هي تهمس له بكلماتها فرد عليها هو بقلة حيلة:
يعني اطردها برة علشان ترتاحي يا ست ؟! نامي هنا و خلاص بقى !!"
_"يعني أكون هنا و المكان مش هيكفيني !! يرضيك ؟!"
_"آه يرضيني عارفة ليه ؟! علشان أنتِ اللي صممتي تنامي هنا"
رد عليها هو بذلك و لازال يتحدث بنبرةٍ هامسة حتى اقتربت هي من "خلود" و هي تقول بخبثٍ:
هصحيها والله !! اتصرف"
مسح وجهه بكفيه معًا ثم تحرك من على الفراش ثم سحب "جاسمين" يُلقيها بجوار "خلود" ثم دثرها هي الأخرى بينما هي سألته ببراءةٍ:
طب أنتَ هتنام فين ؟!"
رد عليها بسخريةٍ:
هنام على الكنبة ياختي"
حركت رأسها موافقةً بلامبالاةٍ ثم اقتربت من "خلود" و هي تقول:
خلود....احضنيني يلا"
تململت "خلود" في نومها خصوصًا تلك الصغيرة تندس بين ذراعيها حتى طوقتها الأخرى في نومها، بينما "عمار" ابتسم بسخريةٍ ثم ارتمى على الأريكة و معه الغطاء و هو يقول:
كنزاية بصحيح بس نينجا"
_________________________
في شقة "حسن المهدي"
وبعد عودتهم من شقة "ميمي" استلقى "حسن" على الفراش و بين ذراعيه "هدير"، كان كليهما مستغرقًا في نومه حتى وصله طرقات خافتة على باب غرفته فترك الفراش ثم فتح الباب بملامح ناعسة و هو يتثاءب، فوجد "فاطيما" تقف على أعتاب الغرفة.
نزل بجسده و هو يسألها بضجرٍ:
نعم !! عاوزة إيه دلوقتي ؟! منمتيش ليه يا فاطيما ؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
والله مش عارفة أنام، و خايفة علشان محدش صاحي ينفع تنيمني ؟!"
فرك وجهه بكفه ثم حرك رأسه موافقًا فقفزت هي عليه و هي تقول بحماسٍ:
هييه شيلني بقى يا حسن"
حملها بين ذراعيه ثم دلف بها الغرفة حتى جلس على الفراش و هي بين ذراعيه و قبل أن يغمض عيناه قالت بلهفةٍ:
مش عاوزة أنام دلوقتي !! أنتَ هتنام و تسيبني طيب ؟!"
رد عليها بقلة حيلة:
هعمل ايه يعني طيب ؟؟"
_"قوم بس كدا معايا"
سحبته من كفه و انصاع هو خلف أوامرها حتى وجد نفسه أمام طاولة التزيين "التسريحة" فسألها بتهكمٍ:
نعم احنا جايين هنا ليه؟!"
ردت عليه بلهفةٍ:
اقعد بس و استناني"
جلس على المقعد الصغير بينما ذهبت هي نحو مفتاح الإضاءة تقوم بتشغيله ثم عادت له من جديد و هي تقول:
هتحطلي مونيكير و روج و تسرحلي شعري"
رفع طرف أنفه بتشنج فاقتربت منه تضع أمامه الأشياء حتى زفر هو بقلة حيلة ثم أمسك كفها يضع عليه طلاء الأظافر بعنايةٍ لصغر أناملها، بينما جلست على الطاولة هي تهز قدماها و هي تراقبه بشغفٍ.
بينما هو اندمج فيما يفعله و هو يمسك كفها الصغير بين كفه الكبير، ثم أمسك الكف الأخر يفعل به مثل الأخر، انهى طلاء الاظافر ثم وقف أمامها يضع لها أحمر الشفاه و هي تبتسم باتساعٍ ثم اوقفها و قف خلفها يقوم بتمشيط خصلاتها ثم قام بفردها على كتفيها و هو يتنهد بعمقٍ.
دارت له "فاطيما" و هي تقول بحماسٍ:
حلو أوي يا حسن، أوي أوي، هات بوسة و احضني يا حسن"
حملها "حسن" بين ذراعيه يدور بها و هو يضحك بصوتٍ عالٍ و هي الأخرى حتى استيقظت "هدير" نتيجةً لصوتهما سويًا، و حينما رآتهما في ذلك الوضع اقتربت منهما تقول بتعجبٍ:
إيه دا !! انتم بتعملوا إيه دلوقتي ؟! نهاركم أبيض ؟!"
نظرت لها "فاطيما" بثباتٍ و ما أن ابصرتها "هدير" حتى شهقت بفزعٍ و هي تقول:
يلهوي !! أنتي اللي حطاه في وشك دا ؟! شوف بنتك يا أستاذ حسن"
_"أشوف إيه يا هدير ؟! أنا اللي حطه ليها أساسًا"
رد عليها بذلك بنبرةٍ ضاحكة جعلتها تشهق بقوةٍ ثم قالت باستنكارٍ:
يا أخي ياريتك خونتني أهون من إنك تعمل كدا، برة يا بت يلا روحي نامي"
ردت عليها بمعاندةٍ:
لأ مش هنام، أنا هفضل هنا و هنام في حضن بابا"
سألته "هدير" بتهكمٍ:
رأيك إيه يا أستاذ حسن في الكلام دا ؟!"
ضغط على ابنته بين ذراعيه و قال بنبرةٍ ضاحكة:
رايي إنك تلحقينا على برة يا هدير، حصلينا يلا"
ركض بالصغيرة نحو الخارج و "هدير" تركض خلفهما و هي تتوعد لهما سويًا و خصيصًا ابنتها التي شاركتها في زوجها.
_________________________
في شقة "وليد" كان جالسًا أمام الحاسوب الخاص به و بجواره مجموعة أوراق صغيرة و هو يقوم باختيار التصميمات و محاولة تنفيذها حتى ينفذ لـ "خديجة" ما أرادته.
اقترب منه "مازن" يجلس بجواره و هو يسأله بتعجبٍ:
بتعمل إيه يا بابا !!"
رد عليه بثباتٍ:
بعمل حاجات علشان خديجة عاوزاها قبل يوم الاربع يا مازن، و مزنوق فيهم زنقة الكلاب ليلة الامتحان"
ابتسم له "مازن" ثم أمسك الورقة و القلم و هو يحاول رسم ما يقوم والده بتنفيذه على الحاسوب، و على قدر محاولته و سنه الصغير إلا أنه برع في رسم ما حاول والده أن يقوم به، ثم وضع الصورة أمامه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
بابا....شوف كدا ؟!"
نظر له "وليد" بلامبالاةٍ و سرعان ما تحولت إلى الدهشة و هو يفتح عيناه و يغلقها عدة مرات ليتأكد مما قام ابنه به، بينما "مازن" قال بثباتٍ:
حاولت اعمل شبه اللي أنتَ بترسمه هنا، هي عاوزة تظبيط شوية، إيه رأيك ؟!"
رد عليه "وليد" بلهفةٍ:
دي عظمة، مش محتاجة رأيي يعني، يا بن القرود ؟! صحيح أنا عملتها قبلك، بس أنتَ عملتها أجمد"
ضحك "مازن" بسعادةٍ بينما "وليد" طرأت بباله فكرةٌ أفضل مما يقوم هو به لذا سأله بلهفةٍ:
بقولك إيه ؟ لو أنا جيبت ورق و اقلام تساعدني ننفذ الحاجة بايدك هنا ؟! و نعملها كلها بايدينا ؟!"
رد عليه "مازن" يستفسر منه:
الحاجة دي لمين ؟!"
_"لخديجة، محتاجاهم ضروري و أنا بحاول علشان مزعلهاش"
طالما لخديجة يبقى معاك طبعًا، دا أنا اتعلم مخصوص علشانها"
ابتسم "وليد" له بعد حديثه ذلك ثم سأله بنبرةٍ هادئة:
بتحب خديجة يا مازن ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
على رأي عمو ياسين، مين ميحبش خديجة ؟! كلنا بنحبها أوي و زياد كمان أكتر واحد بيحبها و لما بنروح هناك هو مش بيسيبها خالص، بيفضل معاها و بيعمل معاها كل حاجة، و أنا كمان، بس زياد بيحبها أكتر...علمتنا حاجات كتير اوي"
سأله "وليد" باهتمامٍ:
حاجات إيه دي ؟!"
_"قالتلنا اننا المفروض منخليش حد يزعل مننا لما نتكلم و قالت اننا المفروض نعمل كل حاجة علشان نحب نفسنا، و قالت إن لما حد فينا يحاول يساعد الناس من غير ما حد يقوله هو كدا بيكون شخص حلو و ربنا هيبعتله اللي يساعده، و قالت كمان إن إحنا لو فضلنا نركز مع الناس و نشغل بالنا بيهم هنضيع عمرنا من غير ما نحس بيه"
ابتسم له "وليد" بحنانه المعتاد فسأله "مازن" بثباتٍ:
أنتَ بقى بتحبها ليه ؟!"
رد عليه مفسرًا بحب:
علشان أنا ماكنتش اعرف حد غيرها، خديجة كانت أختي و كمان صاحبتي، كبرت معاها و عيشت طفولتي معاها كمان، كانت علطول معايا أو بالأحق علطول كنا سوا، الوحيدة اللي كان ممكن أقولها أني خايف و أني متضايق و أني زعلان و في نفس الوقت هي الوحيدة اللي كان ممكن أعمل أي حاجة علشانها، علشان كدا خليت نغم أختكم، علشان عارف يعني إيه هتكونوا محتاجين أخت ليكم و خصوصًا لو هي زي خديجة"
ضحك "مازن" له و في تلك اللحظة صدح صوت الهاتف الخاص بوالده فأخرج "وليد" الهاتف يجاوب على المتصل الذي لم يكن سوىٰ "عامر".
رد عليه "وليد" بحنقٍ و هو يقول:
خير يا رب على المسا !! نعم يا أستاذ عامر خير ؟!"
رد عليه بضجرٍ:
هو حد يعرفكم يا عيلة غَم و يشوف خير ؟! ميكروباص إيه اللي عاوزينه و اكلمك علشان أعرف التفاصيل ؟! احترموني شوية بقى أنا مدير محترم !!"
رد عليه "وليد" بسخريةٍ:
مدير محترم ؟! آه ما أنا عارف"
تحدث "عامر" بخبثٍ بعد حديثه و هو يقول:
طب سيبك بقى من الحوارات دي كلها علشان عاوزك في حوار تاني مهم و أهم كمان"
انتبه له "وليد" منصتًا وكله آذان صاغية بينما الأخر يقص عليه ما يريد و بالطبع لم تكن سوى كارثة أوشك على التسبب بها كليهما سويًا و ما علينا سوى الانتظار.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل التاسع 9 - بقلم شمس بكري
تعامدت آشعة الشمس على عيناكِ فتوغل الدفء إلى قلبي"
_________________________
_أنهى "وليد" مكالمته مع "عامر" بعدما اتفقا سويًا على ما سيتم فعله في ذلك اليوم من قِبلهما ثم عاد لما كان يفعله برفقة "مازن" الذي اندمج مع والده كثيرًا و مع تكرار ما يقوم بفعله كانت النتيجة تزداد وضوحًا و إثمارًا.
اندمج "وليد" في عمل الوريقات الصغيرة تُشبه القلوب المطوية و بداخلها عبارات كتبها بخطها و "مازن" يعيد الرسمة الخارجية للنمط، خرجت "عبلة" من غرفتها و هي تتثاءب و حينما لمحتهما اقتربت منهما تقول بتعجبٍ:
انتم صاحيين دلوقتي ليه ؟!"
اقتربت منهما بعد جملتها تجلس على الأرض و تستند بمرفقيها على الطاولة التي يعمل عليها كليهما، فيما قال "وليد" مُفسرًا:
بنعمل حاجات لخديجة علشان الجمعية، بس هي كانت عاوزاه حاجات مطبوعة بس أنا عملتها بالايد، إيه رأيك ؟!"
سألها بنبرةٍ غلفتها الحيرة و الاحباط، بينما هي سحبته ورقة من الوريقات الصغيرة تقوم بفتحها بحماسٍ و هي تشهق بقوةٍ و قد اتسعت عينيها بزهوٍ ثم قالت:
يا عفاريت ؟! دي عظمة على عظمة أوي بجد، تحفة"
سألها "مازن" بلهفةٍ:
بجد !! أنا اللي عامل الرسمة على شكل قلوب و بابا اللي كاتب الجُمل دي، و هنخلص و نلونها"
ردت عليه بفخرٍ كونه قام بصنع ذلك:
حبيب ماما عسل، ربنا يحفظه سكر مسكر زي أبوك يالا"
ضحك "وليد" رغمًا عنه من طريقتها، بينما هي ركضت من امامهما نحو الداخل حتى نظرا لبعضهما بتعجبٍ و قبل أن يطل تعجبهما خرجت هي ركضًا لهما و هي تقول بلهفةٍ:
يلا أنا هلون و أنتم كملوا، إيه رأيكم ؟! قولولي بس عاوزين ألوان إيه ؟!"
سألها "مازن" بتعجبٍ:
بجد ؟! هتقعدي تعملي معانا، طب بصي اعملي اللون مقارب للورق، تمام ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم أمسكت الورقة الأولى و شرعت في تنفيذ ما عرضته هي عليهما، و كذلك "مازن" بينما "وليد" دون أن يعيِّ لذلك وجد نظره يتعلق بها و هي تجلس على الطاولة تستند بمرفقها عليها و كفها أسفل وجنتها، و كفها الاخر تمسك به القلم الخشبي الملون و تقوم بتلوين الورقة الصغيرة و جديلتها الكبيرة موضوعة على أحد كتفيها، كانت كما في صِغرها لذا ابتسم هو بشرودٍ ثم مدَّ أنامله يُزيح عن عيناها تلك الخصلة المتمردة التي انفردت عن الباقي.
رفعت "عبلة" عيناها له بمفاجأةٍ من فعلته بينما قال هو مُفسرًا بنفس التيه:
الخصلة دي كانت مضايقاكي"
ابتسمت هي له ثم عادت لما تفعله بينما هو تنهد بحرارةٍ و البسمة الصافية ترتسم على عيناه قبل وجهه، خرج "زياد" من الداخل يضع السماعات الكبرى على أذنيه و هو يحرك رأسه مع الموسيقى بداخلها ثم دلف المطبخ دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة، في نفس الوقت قام "مازن" بدفع الطاولة بقدمه دون أن يقصد ذلك حتى رفع "وليد" صوته يعنفه و هو بتذمرٍ:
يا حيوان !! بوظت الجملة !!"
ابتسم له "مازن" ببرودٍ فيما تدخلت "عبلة" تقول بصوتٍ عالٍ:
أنتَ بتزعقله ليه ؟! محدش يزعل عيالي طول ما أنا عايشة حتى لو أنتَ، مفهوم ؟!"
رفع حاجبيه بسخريةٍ و قد وقع بصره على "زياد" و ما يفعله في المطبخ من خلال النافذة المُطلة على صالة الشقة، فأشار لها بسخريةٍ و هو يقول:
والله ؟! طب بصي كدا المحروس التاني بيعمل إيه؟!"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تلتفت خلفها و سرعان ما شهقت بقوةٍ و قالت بصراخ:
ولا !! بــتــعــمل إيــه بالــخلاط يالا ؟! يـــا حــيـوان !!"
لم يستمع لصوت صرخاتها بالطبع نتيجة السماعة الموضوعة على أذنه فقامت هي تركض نحوه و هي تنادي عليه بملء صوتها وحينما اقتربت منه عنفته و الأخرين يتابعاها و هي تتشاجر مع "زياد" ثم عادات تجلس كما كانت و زفرت بقوةٍ ثم قالت ببراءةٍ:
شوفت بقى كل حاجة بتتحل بالهدوء ازاي ؟! من غير عصبية و صوت عالي و لا حتى تنرفز نفسك"
نظر "مازن" و "وليد" لبعضهما باستنكارٍ و قد أتى"زياد" من الداخل و هو يرقص دون أن ينتبه للبقية حتى تعرقل في طرف السجادة الموضوعة على الأرض، و ما زاد من دهشتهم هو اعتداله جالسًا دون أن يتأوه ثم قال مبتسمًا بسماجةٍ:
لامؤاخذة....السجادة وقعتني في حبها"
نظر في وجوههم فوجد الدهشة باديةً عليهم لذا سألهم بتعجبٍ:
مالكم عاملين كدا ليه ؟!"
ضحك "مازن" بشدة و معه "زياد" أيضًا و هما ينظران لبعضهما و قد تبعتهما "عبلة" و هي تضحك عليهما، بينما "وليد" ضرب كفيه ببعضهما و ضحك رغمًا عنه و هو يردد بسخريةٍ غلفها الاستنكار:
يا شقة بنت مجانين !!"
_________________________
في شقة "طـه" كان "عمار" جالسًا في الشُرفة بمفرده بعدما خرج من الغرفة و نظرًا لأنها مرته الأولى في ذلك المكان لم يقو على النوم و قد غلبه السهرِ لذا خرج من الغرفة و دلف الشرفة يجلس بها حتى يَحين موعد صلاة الفجر.
شعر بكف أحدهم يُوضع على كتفه من الخلف فالتفت برأسه نحو الخلف فوجد "ياسين" و هو يقول بنبرةٍ ساخرة رغم هدوئها:
صاحي ليه يا عموري لحد دلوقتي ؟! خير إن شاء الله"
ابتسم له "عمار" ثم قال بقلة حيلة:
عادي يعني معرفتش أنام و البركة في الكنزاية بتاعتك خدت مكاني، يلا مسامح علشانك"
ابتسم "ياسين" ثم جلس مقابلًا له و هو يقول بسخريةٍ:
اسمها دُمية، بت هربانة من أفلام الكرتون باين ولا إيه"
تنهد "عمار" ثم رفع رأسه بشرودٍ يطالع السماء حتى سأله "ياسين" بتعجبٍ بعدما أمعن النظر فيه:
مالك يا عمار ؟! أنتَ فيه حاجة مزعلاك ولا إيه ؟! مالك ؟!"
تنهد بثقلٍ ثم قال مستسلمًا:
كنت فاكر إني لما اتجوزها كدا هي هتكون ليا خلاص و كل حاجة بينا هتختفي، بس خلود بعيدة عني أوي يا ياسين، بتحسسني أني غريب عنها، مش قادرة تثق فيا"
عقد "ياسين" ما بين حاجبيه فأضاف "عمار" متابعًا بنفس الطريقة:
خايفة مني و من كل حاجة، أنا كنت عارف إنها مش زي ما بتبان بس متوقعتش كدا أبدًا، حتى مش مستوعبة أني مش مؤذي، و حتى لو أنا مؤذي مع العالم كله، هي الوحيدة اللي مش هقدر آذيها في حياتي كلها"
فهم "ياسين" حديثه لذا قال بنبرةٍ هادئة و لهجةٍ ثابتة:
دا طبيعي لأي اتنين متجوزين يا عمار لسه حياتهم بتتبني مع بعض، اتنين أغراب عن بعض فجأة بقوا سوا و مقفول عليهم باب واحد، أكيد مش هيكون البيت زي بيتهم اللي اتربوا و عاشوا حياتهم فيه، أكيد الحياة دي بتكون مختلفة، بس مع الوقت بناخد على بعض و تبدأ الحياة دي تبان قدامنا"
سأله "عمار" بتعجبٍ:
حتى أنتَ و خديجة ؟!"
ابتسم "ياسين" بشرودٍ ثم تنفس بعمقٍ و قال بنبرةٍ هادئة:
يمكن يكون اكترهم أنا و خديجة، كانت بتخاف مني و من اسمي حتى، عملت كل حاجة تخليها تبعد عني، علشان كدا خدت دور الدفاع، كان لازم أكسب ثقتها و اطمنها، و لما اطمنت ليا قدرت تشوفني بقلبها، و لما قلبها شافني ... حبني، الحكاية كلها بدأت من الأمان يا عمار، طالما عرفت تطمنها يبقى خلاص، الإنسان مننا نقطة ضعفه الأمان و يكون متطمن مع اللي حواليه، من غير الأمان هنفضل مستوحشين في دنيتنا دي، مفيش حد يقدر عايش في خوف علطول و يقدر ياخد خطوة في حياته"
عقد "عمار" ما بين حاجبيه و قبل أن ينطق مستفسرًا وجد "يزن" يركض نحوهما و هو يقول بخوفٍ من نبرته الناعسة التي غلبها النوم:
بابا....خرجت ليه و سيبتني لوحدي مش عارف أنام"
احتضنه "ياسين" و هو يربت على ظهره ثم قال بنبرةٍ هادئة:
خرجت أشرب لقيت عمار قاعد قعدت معاه شوية، صحيت ليه ؟!"
رد عليه بنفس النبرة:
علشان كنت خايف و أنتَ مش جنبي، صحيت أدور عليك"
ابتسم "ياسين" رغمًا عنه ثم قال يمازحه:
جرى إيه يا بطل بقى ؟! ما أنا سايب النور مفتوح علشان متخافش، مكبر الموضوع ليه؟"
احتضنه "يزن" و هو يتثاءب فسأله "عمار" بسخريةٍ:
أنتَ هتنام دلوقتي يعني ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم التفت له يقول مفسرًا:
آه علشان دلوقتي مش خايف"
حمله "ياسين" على ذراعيه ثم سأل الأخر متكئًا على حروفه:
فهمت..فهمت هي ماشية ازاي"
حرك "عمار" رأسه موافقًا بعدما نظر لـ "يزن" على ذراعه ثم حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم و نظراته تنطق بما فهمه، فيما تحرك الأخر بصغيره نحو الداخل بعدما بادله النظرة بأخرى مُطمئنة.
وقف "عمار" يستند على سور الشُرفة بشرودٍ فوجد "زينب" تأتي من خلفه و هي تحمحم بقوةٍ جعلته يلتفت لها و حينما رآها قال بحرجٍ منها:
أنا متأسف حضرتك عاوزة تدخلي هنا أو محتاجة حاجة ؟"
ردت عليه بودٍ ترفع عنه حرجه:
لأ يا حبيبي، أنا قابلت ياسين برة و قالي إنك صاحي هنا، خير فيه حاجة مضايقاك ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بترددٍ:
يمكن بس علشان أول مرة و كدا مش عارف اتأقلم، لكن اتطمني أنا مرتاح والله، دا طبعي عمومًا"
أومأت له بموافقةٍ و هي تبتسم له فيما سألها هو بلهفةٍ:
هو أنا ممكن أسأل حضرتك عن حاجة ؟! حاجة بخصوص خلود؟"
حركت رأسها موافقةً فاقترب منها يقف أمامها و هو يقول بثباتٍ:
خلود مكانتش كدا، اللي اعرفه إنها كانت قوية و جريئة و مش بتخاف من حاجة، كان عندها ثقة في نفسها و يمكن دي من أكتر الصفات اللي خلتني معجب بيها، كل دا لقيت عكسه تمامًا بعد الجواز، إيه اللي حصلها ؟!"
تنهدت "زينب" بعمقٍ ثم قالت:
زي ما أنتَ قولت كدا حصلها إيه، خلود كانت جامدة و قوية و واثقة في نفسها زي ما وليد و أحمد عودوها طول عمرها، لما دخلت الجامعة لقت مكان جديد عليها و مش عارفة تتعامل معاه، رغم حبها لدراستها و للكلية بس كانت كل مرة تيجي من هناك مخنوقة و متضايقة و أنا و طه لاحظنا دا، بدأ طـه يركز معاها و يوصلها و ساعات يروح يجيبها علشان متفضلش لوحدها كدا"
توقفت عن الاسترسال بينما هو انتبه لها بكامل حواسه لطالما كان الموضوع يخصها هي، بينما استطردت "زينب" حديثها بقولها:
بدأت هي تنسى زعلها شوية لما لقت طـه بيركز معاها خصوصًا بعد جواز أحمد و سلمى و أنها بقت لوحدها، قابلت واحدة هناك من دفعتها و قربوا من بعض شوية و بدأت خلود تحب المكان و تفرح أنها تعرف حد هناك، حتى بقت بتحضر كل المحاضرات و بطلت تغيب كمان و بقى عندها حماس غريب إنها تحضر لدرجة أنها يوم الإجازة بقت بتتخنق"
سألها هو بتعجبٍ:
دا طبيعي، أنا لما اتعرفت على عبدالرحمن في الكلية كنت فرحان لدرجة بقت بتخليني عاوز انزل علشانه و كان مهون عليا، أنا جربت شعورها دا و حسيت بيه"
بعد حديثه ابتسمت بسخريةٍ ثم قالت:
أنتَ قولت أهو !! عبدالرحمن، إنما دول حاولوا يأذوها بأكتر من طريقة، و كل دا علشان كلام أهبل أصلًا"
سألها بنبرةٍ أودعت كامل اهتمامه:
عملولها إيه ؟!"
_"خلود من حبها في دراستها اللي وليد كان مشجعها عليها بدأت تهتم بيها و بدأت ترسم أحلام كبيرة أوي لنفسها، و كل الدكاترة عرفوها و خصوصًا في السكاشن و المحاضرات العملية، بس صاحبتها دي بدأت تضايق من كدا و تغير منها، خاصةً لما شافت دكتور السيكشن مهتم بيها لأنها شاطرة و حابة دراستها، علشان كدا بدأت تخليها تتأخر في الدراسة و تحبط فيها و لما فشلت في دا، بوظت سمعتها قدام الدكتور و سلطت عليها ولد من زمايلهم، و ساعتها الدكتور فهم غلط و عاتبها خصوصًا إنها كانت بدأت تكره الدراسة تاني و ترجع زي الأول"
اتسعت عينيه بدهشةٍ فاستطردت "زينب" حديثها:
خلود لما سألت صاحبتها انكرت وقالتلها انها شايفة أنها معجبة بالولد دا علشان كدا بتسهل عليهم الطرق، بس خلود مش كدا و لما قالتلها إنها مش كدا و دا مش طبعها و لا تربيتها، التانية زعقت فيها و قالتلها إن تمثيلها مش لايق و أنها كدابة و عاملة نفسها متربية، و الموضوع كان هيكبر لولا وليد و أحمد راحوا ليها و خلصوه و كملت خلود الباقي من جامعتها مش طايقة المكان و لا الناس اللي فيه و لحد دلوقتي مش قاردة تنسى اللي عملوه فيها، على قد حبها للنت دي على قد زعلها منها، خلود كانت فاكرة إن الناس كلها برة حقانية زيها و بيدافعوا عن بعض زي ما اخواتها بيعملوا كدا هنا، و إن الناس عمرها ما هتفتري على حد مظلوم و خصوصًا لو سمعة بنت زيها، بس خلود اللي زعلها أنها وثقت فيها من الأول، علشان كانت عاوزة أي صحاب يونسوها ماخدتش بالها أنها بتصاحب غلط، علشان كدا بقت بتخاف و علطول حاطة في دماغها أنها هي المذنبة، رغم اننا كلنا أكدنا ليها أنها ملهاش ذنب و طـه نفسه كان أول واحد في صفها، بس عندها خلاها تقفل على نفسها و لحد دلوقتي خلود زعلانة على سنين عمرها اللي كانت المفروض أنها أحلى سنين في الجامعة، بس كدا اتحسنت كتير، كانت الأول بتسرح و تعيط و يصعب عليها نفسها، حاولنا معاها لحد ما خرجت من اللي هي فيه، ماهو أنا أم و كان صعب عليا أشوف بناتي الاتنين بيضيع منهم عمرهم في الحزن"
تهدج صوتها و ظهر أثر البكاء، بينما "عمار" اقترب منها يمسك كفها مربتًا عليه ثم قال بثباتٍ:
و بنتك متربية أحسن تربية و أنا أتشرف بيها طول عمري، و إن شاء الله أي حاجة وحشة أنا هخليها تنساها، أنا مش عاوز غير أنها تكون فرحانة و هي معايا و دا أنا بفضل ربنا هقدر عليه إن شاء الله، متقلقيش"
هزت رأسها موافقةً ثم قالت بصوتٍ باكٍ:
هي خايفة منك أو يمكن خايفة من الأيام ولسه مش عارفة تطمن، بس عاوزاك تكون هادي معاها، خلود طيبة و قلبها أبيض رغم انها عنيدة شوية و دماغها ناشفة بس كل دا وراه خلود قلبها أبيض زي العيل الصغير"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
لو هي عنيدة و دماغها ناشفة فأنا أعند منها بمراحل و مبعرفش اتخلى عن حاجة عاوزها و أنا عاوز خلود تكون فرحانة، دا حقها عليا، اتطمني"
ربتت على كتفه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
و أنا واثقة فيك يابني"
تحركت بعد جملتها تلك بعدما أستأذنته بالرحيل بينما هو وافق مُرحبًا و هو يتابع تحركها من أمامه و في قرارة نفسه عزم النية على استعادة ثقتها.
_________________________
في صباح اليوم التالي تجهز "ياسين" حتى يذهب لعمله ثم دلف غرفة "خديجة" و قد فتحت له "نغم" الباب و هي تقول بحماسٍ:
صباح الخير يا بابا"
اقترب منها يقبلها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
صباح الخير يا عيون بابا فين ماما و فين جاسمين ؟؟"
اقتربت منه "خديجة" و هي تقول بنبرةٍ هادئة وفي يدها سجادة الصلاة:
كنت بصلي الضحى، نازل دلوقتي ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
آه و هحاول أجي بدري إن شاء الله، مش ورايا حاجات كتير، عاوزين حاجة و أنا جاي ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تبتسم له فقالت "نغم" بحماسٍ:
آه....عاوزة أشرب عصير قصب"
قلب عيناه يفكر في مطلبها ثم تنهد بعمقٍ و قال مقترحًا:
ماهو صعب أجيب و أنا جاي هنا، إحنا مروحين النهاردة و إحنا ماشيين هجيبلك اللي أنتِ عاوزاه"
صفقت بكفيها معًا ثم قفزت بمرحٍ و في تلك اللحظة فُتح باب الغرفة لتطل منه "جاسمين" و هي تقول بتبرمٍ و ضيقٍ:
هو انتم هنا من غيري ؟! مخبطش عليا ليه لما صحيت ؟"
زفر "ياسين" بقلة حيلة ثم قال:
هخبط إزاي و فيه ناس معاكِ في الأوضة، أنتِ قليلة ذوق أنا مش زيك يا ستي"
اقتربت منه تمسك يده و هي تقول بلهفةٍ:
هاتلي حاجة حلوة كتير و أنتَ جاي بقى و هاتلي معاك أي لعبة، و هاتلي شوكلاتة"
حرك رأسه نفيًا فاقتربت تقول بدلالٍ تستعطفه كعادتها:
بابا هو مش أنتَ بتحبني ؟"
ابتسمت "خديجة" و كذلك "نغم" بينما هو حرك رأسه نفيًا بجمودٍ جعلها تشهق بقوةٍ ثم سألته بصوتٍ مستنكرٍ:
يلهوي ؟؟ مش بتحبني ؟!"
حملها على ذراعيه ثم قال بنبرةٍ لعوبة تدل على خبثه في حديثه:
لأ مش بحبك.....أنا بموت فيكِ"
صفقت بكفيها معًا ثم احتضنته و قامت بإخراج لسانها تعاند "خديجة" و "نـغم" التي قالت بضجرٍ:
يلهوي على الرخامة، كيادة"
راقصت "جاسمين" حاجبيها لها بينما "ياسين" تركها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
مش هنبه أني مش عاوز شقاوة و مش عاوز عفرتة يا جاسمين و يزن معاكِ، و هكلم ماما لو قالتلي سكتت هجيبلك اللي عاوزاه، غير كدا لأ، مفهوم ؟؟"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بحماسٍ:
مفهوم يا روح قلبي"
حرك رأسه بيأسٍ منها ثم خرج من الغرفة بعدما أخذ حقيبته بينما هي ركضت نحو "خديجة" و هي تقول بتوسلٍ:
ماما !! أنا جعانة أوي يلا علشان نفطر"
سألتها "نـغم" ببلاهةٍ:
هو أنتِ قولتي برة إنك جعانة ؟"
حركت رأسها نفيًا بسرعةٍ كبرى و أضافت بلهفةٍ يشوبها القلق:
لأ والله مقولتش أني جعانة"
تنهدت كلتاهما براحةٍ فأضافت هي بنبرةٍ ضاحكة:
أنا قولت إن كلنا جعانين و خليت جدو طـه ينزل يجيب فطار و جابلي حاجة حلوة معاه"
في الخارج تقابل "ياسين" مع "يزن" و "عمار" و هما يحملان الأطباق سويًا نحو الطاولةِ، بينما و خلفهما "خلود" و "طـه".
رمقهم "ياسين" متعجبًا من حالة النشاط تلك، فسألهم:
ما شاء الله على الهِمة و النشاط دا كله، صاحيين بدري كلكم كدا"
ردت عليه "خلود" بضجرٍ:
علشان حتة بت ميدالية جعانة، قلبت نظام البيت كله، عاوزة أفطر يا جدو، جعانين يا جدو، أنا مالي، يصحوني بدري علشان الطعمية سخنة ليه ؟!"
تحدث "طـه" مُحتجًا عليها:
طلباتهم أوامر بطلي أنتِ نفسنة منها و اكبري"
ردت عليه بتبرمٍ:
متدافعش عنها، أنتَ أبويا أنا مش أبوها هي، متعصبونيش"
أتت "جاسمين" من الخلف و هي تقول بسخريةٍ:
و نمتي في حضني ليه بقى؟"
_"علشان أنتِ اللي حشرتي نفسك و نمتي غصب عني"
_"عادي دا بيت جدو مش بيتك"
هكذا دار الحوار بينهما حتى أوشكت "خلود" على الاقتراب منها لكن "عمار" دون ذلك فقالت "خلود" بضجرٍ:
يا بت بطلي بجاحة، يخربيت بجاحتك يا شيخة"
تحدثت "زينب" بقلة حيلة:
خلاص بقى منك ليها !! اكبري يا خلود بتعملي عقلك بعقلها ؟!"
ردت عليها بحنقٍ:
و هي متكبرش عقلها لعقلي ليه"
طُرق باب الشقة في تلك اللحظة فانسحب "ياسين" يفتحه و هو يضحك بيأسٍ حتى رحب بالطارق و هو يقول:
آهلًا آهلًا حج مرتضى، دا إيه الصباح اللي كله خير و بركة دا"
احتضنه "مرتضى" و هو يرحب به ثم دلف للشقة و هو يلقى التحية على الموجودين بأكملهم حتى ركضت "جاسمين" نحوه و هي تصرخ باسمه فحملها بين ذراعيه و هو يقول بشوقٍ:
ياربي على الطعامة، حبيبة مرتضى و روح قلب مرتضى"
ضحكوا جميعًا عليهما فيما سأله "طـه" بتعجبٍ من تواجده:
أنتَ بتعمل هنا إيه ؟! مروحتش الشغل يا مرتضى ؟!"
رد عليه ببساطةٍ:
آه مروحتش الشغل، اشمعنا أنتَ و محمد متروحوش يعني ؟!"
رد عليه بجمودٍ:
علشان عيالنا هنا، هنروح ازاي"
تحدث "مرتضى" بتهكمٍ:
يا ســلام ؟! يعني علشان عيالكم هنا أشيل الطين أنا، و بعدين أنتَ هتعايرني يعني ؟! أفرض أنا عقيم مبخلفش، هتعايرني بخلفتك يعني ؟!"
ضحك الجميع على حديثه بينما "طـه" ضرب كفيه ببعضهما، أما "مرتضى" فأخرج من جيب سترته الرياضية حقيبة بلاستيكية صغيرة ثم قال لتلك الدُمية:
بصي !! الشيكولاتة دي بتاعتك أنتِ و أخواتك هديها لماما علشان مش ضامنك بصراحة يعني، ماشي ؟!"
حركت رأسها موافقةً بينما هو مد يده بالحقيبة لـ "خديجة" التي أتت من الداخل تبتسم له.
بعد مرور بعض الوقت هدأت الأوضاع قليلًا و تناولوا الفطور مع بعضهم وسط مرح الصغار و مشاكسة الكِبار لهم و "خديجة" التي تضحك بيأسٍ بين الحين و الآخر على أفعال هؤلاء الصِغار.
_________________________
رحل "ياسين" لعمله و ظل باقي أفراد الأسرة مع بعضهم يقومون بالتحضير لوجبة الغداء، بينما جلس "عمار" وسط الصغار الثلاثة في الشرفة يلعب معهم و هو يقوم ببناء الأشكال المختلفة بالمكعبات البلاستيكية و يلتقط لهم الصور برفقة تلك الأشياء.
اقتربت منه "نـغم" تقترح بلهفةٍ:
عمار تيجي نلعب كلنا استغماية، يعني احنا نغمض عيونك و أنتَ تجري ورانا و اللي تمسكه يكون عليه الدور، إيه رأيك ؟!"
رد عليها بنفس الحماس:
موافق طبعًا، يلا بينا"
في تلك اللحظة دلفت "خلود" لهم بتعبٍ و هي تزفر فوجدتهم يستعدون للعب، حينها سألتهم بتعجبٍ:
انتم بتعملوا إيه ؟! نازلين؟!"
رد عليها "يزن" باستمتاعٍ:
هنلعب استغماية كلنا و عمار هو اللي فيها، تلعبي معانا ؟!"
حركت رأسها موافقةً فقال "عمار" مقترحًا:
لو هتلعب يبقى بشرط، هي اللي فيها و تجري ورانا لحد ما تمسكنا"
وافق الصغار بمرحٍ بينما هي وافقت على مضضٍ حتى لا تُفسد فرحتهم، فاقترب منها "عمار" يقوم بتغطية عيناها بحجابٍ من البيت، ثم تفرقوا جميعهم و خرجت هي تبحث عنهم في حدود صالة البيت و الشرفة، و قد سبق "عمار" و أمرهم بالتخبئة في مكانٍ أخر و لم يبقى سواهما فقط.
بدأت "خلود" رحلة البحث عنهم و بدأت تُنادي عليهم بصوتها و هي تتفحص المكان و حينما طال ذكرها لهم كل ذلك كان يراقبه "عمار" حتى أوشكت على الاصطدام في الطاولة و قبل أن ترتمي عليها بثقل جسدها اقترب هو يقف بينها و بين الطاولة فقالت هي براحةٍ:
كنت عارفة إنك هتلحقني لو حصل و اتخبطت، أنا ناسية حوار الترابيزة دي"
قام هو بتحرير عيناها من الحجاب الموضوع عليها ثم قال بنبرةٍ هادئة و صوتٍ رخيم:
و دا اللي عاوزك تتأكدي منه، أني مش هسيبك تتأذي أو أي حاجة تحصلك، أنا موجود علشانك أنتِ"
سألته بلهفةٍ:
لحد أمتى طيب ؟! أنا بخاف"
_"لحد أخر نفس فيا"
ابتسمت له ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
يا رب نفضل سوا لحد أخر نفس يا عمار، يا رب أنتَ تفضل معايا طول العمر اللي الجاي"
رفع كفه يمسح على وجنتها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
اللي فات خلص و راح لحاله، إحنا كلنا ولاد النهاردة، نقدر نغير حياتنا و نبدأ من جديد كأن صفحاتنا متكتبش فيها أي حاجة قبل كدا، أوعي تخافي تبدأي من جديد، علشان وارد إن الجديد دا يكون افضل ١٠٠ مرة من اللي فات و انتهى"
ردت عليه هي بلهفةٍ تقاطع استرسال حديثه:
صعب....صعب يا عمار... أنا مبعرفش انسى أي حاجة تزعلني"
_"هتنسي لما تتأكدي ان اللي جاي يستحق منك المحاولة"
قال حديثه بنفس النبرة الناعمة التي جعلتها تبتسم له ثم قالت:
طب هتساعدني أنسى؟! أو على الأقل تدعمني يعني ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
أنا قولتلك....أنا يا سكر العمر أشيلك العُـمر كله بين جفوني"
تنفست بعمقٍ ثم اقتربت منه تقول بنبرةٍ هامسة:
و الله ما فيه حاجة عِدلة في العمر دا غيرك أنتَ و قلبك"
نظر لها بتعجبٍ و البسمة البلهاء تُهدد بالفضح في نظراته فيما غمزت له و هي تقول بمراوغةٍ:
عــم الـعَـالَـم"
رمش "عمار" ببلاهةٍ فيما قبلته هي على وجنته ثم دلفت للداخل حتى رفع هو صوته قائلًا بمشاكسىةٍ:
خليكِ فاكرة أنتِ اللي بدأتي..ها"
_________________________
في المساء بعدما عاد "ياسين" من عمله و تناولوا الطعام سويًا بأسرة "طـه" بأكملها و معهم "سلمى" أيضًا قرر الرحيل بأسرته مُتحججًا بحضانة الصِغار حتى سمحوا لهم بالرحيل و كذلك "عمار" متحججًا بعمله فرحل هو الأخر بزوجته بينما "أحمد" ظل مع والديه بأسرته.
أوقف "ياسين" السيارة بعد مدة من القيادة عند أكثر الأماكن المفضلة لديه و لدى زوجته و أولادهم أمام النيل مباشرةً بجوار عربة عصير القصب التي داوم على ارتشافه منذ صغره.
اقترب منه العامل يضع العصير أمامهم و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
نورت الدنيا يا بشمهندس ياسين، و الكتاكيت الصغيرين كمان، متبقاش تتأخر علينا بقى"
رد عليه بمرحٍ:
عيني يا حمادة، بس أنتَ عارف الدنيا تلاهي و كل واحد في دنيته، بس هعملك زيارة أسبوعية، أوضة الاجتماعات مش أحسن منك في حاجة يعني"
رحل العامل من المكان بينما قالت "نـغم" بفرحة الطفلة الصغيرة:
بابا شكرًا علشان جيبتلي العصير اللي بحبه، أنا بحبك اوي اوي"
قبل أن يرد عليها قالت "جاسمين" باستخفافٍ:
يا عبيطة هو حد بيشكر باباه ؟! خالو وليد قالي شكرًا دي بنقولها للغريب، إنما بابا و أي حد قريبنا عادي ناخد منهم"
رد عليها "ياسين" بضجرٍ:
طب خالو وليد بتاعكم دا فاهم التربية غلط، أنا ذنب أمي إيه يكون دا انتاجي يعني ؟!"
تدخل "يزن" يقول بحيرةٍ:
بس ماما قالت شكرًا دي نقولها لكل الناس، حتى لو لبابا أو ماما و أنا بحب اسمع كلام ماما"
ردت "خديجة" بسخريةٍ:
اقسم بالله هيجيلكم تضارب في التربية كدا، أنا ابني و وليد يهد، ربنا يسترها عليكم"
نطقت "جاسمين" بمعاندةٍ:
أنا كدا كدا بسمع كلام خالو وليد"
نظر "ياسين" و "خديجة" لبعضهما بيأسٍ فسألتهما "نغم" بحماسٍ:
بابا هو أنتَ بتيجي هنا من امتى ؟! جدو رياض قال إنك بتيجي هنا من زمان، كنت قد إيه؟"
تنهد بعمقٍ ثم قال مبتسمًا:
من و أنا في ثانوي كدا، باجي هنا من زمان و بعدها جيبت عمامك معايا، بعدها ماما"
سألته "جاسمين" بتعجبٍ:
ماما جت معاك في ثانوي ؟!"
ضحكت "خديجة" بيأسٍ فيما عض "ياسين" شفته السفلى ثم قال بتهكمٍ:
هتلبسيني مصيبة أنا و أمك ؟! جيبتها في ثانوي منين أنا ؟! جيبتها لما كتبت كتابي و بقت مراتي، اتنيلي"
حركت رأسها موافقةً فقال هو:
وبس من ساعتها و أنا لما باجي هنا بجيب ماما معايا لحد ما ربنا كرمني بــ نغم و بقينا نيجي احنا التلاتة، و بعدها جه يزن و ساحب في أيده الدمية الصغيرة و بقينا بنيجي إحنا الخمسة، و كأن المكان دا غلاوته في قلبي مش مكتوبلها تقل أبدًا"
تحدثت "جاسمين" بضجرٍ:
دُمية ؟! أنا دمية ؟! بابا هو أنتَ ليه علطول مقتصتسـ....مقطصـ..إيه قول معايا كدا اسمها إيه ؟!"
سألته حينما فشلت في العثور على الكلمة بينما هو قال بنفس التهكم و قلة الحيلة:
يا بنت الحلال فيه كلام سهل، بتصعبيها على أمي ليه ؟! بستقصدك، دا قصدك يعني ؟!"
ردت عليه بحماسٍ بعدما أشارت له بسبابتها:
أيوا صح هي دي برافو عليك، شاطر"
ضحكت "خديجة" بيأسٍ حتى أدمعت عينيها، و كذلك البقية بينما قال "يزن" مقترحًا بعدما ضحك هو الأخر:
يلا نتصور أحسن، إيه رأيكم؟"
أخرج "ياسين" هاتفه و هو يبتسم لهم ثم شرع في التقاط الصور لهم سويًا، على الرغم من اختلاف شخصياتهم و تنوعها إلا أن الحب داخل قلوبهم يجعلهم في أوجٍ من سعادتهم و خصيصًا "خديجة" و معها "ياسين".
_________________________
بعد مرور ثلاثة أيام من ذلك اليوم وقف "يونس" في غرفته يمسك حقيبة ظهره يضع بها عدة أشياء حتى دلفت شقيقته و هي تسأله بتذمرٍ:
يا يونس هو أنتَ جيبت الحاجات دي ليه ؟! مش هتقولي بقى ؟! هتاخد كل حاجة لوحدك من غيري ؟!"
ابتسم لها ثم قال مفسرًا:
دي حاجات واخدها علشان نفرح الناس بيها، يعني شوكلاتة صغيرة و معاها الاسورة دي يفضلوا فاكرينا بيها، و متخافيش هخليكِ أنتِ و نغم تدوا الستات و أكيد جاسمين معاكم"
قفزت بفرحةٍ و هي تُظهر حماسها أمامه بينما "ريهام" دلفت لهما و هي تقول على عجالةٍ:
يلا علشان بابا ينزلكم معاه خديجة مستنية تحت، خلصتوا ؟!"
تحركا سويًا نحو الخارج حتى تقابلا مع "خالد" الذي أخذهما ثم ودع زوجته متجهًا بهما للأسفل.
في الأسفل وقفت "خديجة" مع الحشد بجوار سائق الميكروباص و "ياسين" بجوارها أيضًا يمسك صغاره، فنزل البقية مع بعضهم يتقدمهم "عامر" و هو يرتدي ملابس عصرية على عكس الرسمية التي يرتديها في عمله دومًا، فسأله "ياسين" بتعجبٍ:
إيه دا ؟! أنتَ لابس جينز ليه، هتروح شغلك كدا يا عامر ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يبتسم له ثم قال موضحًا:
لأ هروح مع المدام خديجة و واخد أجازة علشان اليوم كله هقضيه هناك"
نظرت له "خديجة" بتعجبٍ بينما "وليد" أوقف سيارته بجوارهم و نزل منها مع الصغار يقترب منهم و هو يبتسم لهم و قد لحقه "حسن" بسيارته و نزل منها برفقة صغاره، فقال "ياسين" بتعجبٍ:
هي الرجالة دي مورهاش حاجة ولا إيه ؟! على فين العزم يا شباب إن شاء الله"
قال "وليد" بمعاندةٍ:
رايحين مع أختي علشان إحنا عالم فاضية زي ما عموري قال كدا، مش كدا يا عموري ؟!"
_"كدا يا ليدو"
قالها "عامر" بنفس المعاندة، بينما "خالد" قال بضجرٍ:
أنا مش فايق لهبلكم دا على الصبح، خدوا العيال معاكم أهيه، و سلام علشان ورايا شغل"
رحل "خالد" من المكان، بينما "حسن" تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
أنا معرفش أنا دوري معاكم إيه، بس الاستاذ عامر قالي أجيب الكاميرا و أجي و اخدلي إذن من صحاب الشغل كمان، فلو حد يقولي دوري إيه هكون شاكر ليكم جدًا"
ضحكوا عليه جميعًا فيما قال "ياسين" بقلقٍ واضحٍ:
هي فيها عامر ؟! لأ خير إن شاء الله يا رجالة، أنا كدا تفائلت، على العموم تحسبًا لأي حاجة أنا هكلم أبويا"
سألته "خديجة" بلهفةٍ:
برضه مش هينفع تيجي ؟! كنت عاوزاك تكون معايا أوي"
رد عليها معتذرًا بقلة حيلة:
ماهو لو كان يوم عادي و أنا عامل حسابي كنت خلصت كل حاجة قبلها، بس أنا مش هخلص غير بليل للأسف و حاولت أخد إجازة بس هما مضيقينها عليا"
حركت رأسها بتفهمٍ ثم اقتربت تأخذ الصغار معها تدخلهم في الحافلة الكبيرة و صعد معها الرجال، بينما "وليد" قال يطمئنه:
احنا معاها متخافش، كل حاجة هتكون كويسة يا ياسين و اليوم هيمشي زي الفل"
حرك رأسه موافقًا ثم انتظر حتى رحلت الحافلة بهم من المكان بينما هو ركب سيارته ثم ذهب لعمله.
_________________________
توقفت الحافلة أمام مقر الجمعية المسئولة بها "خديجة" و قد كان "وليد" هو متولي الحماية لهم جميعًا و على النقيض تمامًا "عامر" حيث تولى مهمة المرح للكبار قبل الصغار و هذا ما لم يُوضع بالحسبان، ولم يتوقعه أيًا منهم، أما "حسن" فهو مسئول التصوير الخاص باليوم.
بعد دخولهم المكان تحدثت "خديجة" بلهفةٍ تسأل "وليد":
وليد عملتلي الحاجة اللي طلبتها منك ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مفسرًا:
عملتها احسن من اللي طلبتيها كمان، تعالي بس ندخل و هتشوفي بنفسك"
دلفوا الغرفة جميعهم يقومون بتجهيز ما تم إحضاره فاقترب "يونس" منهم يخرج كيس الحلوى من حقيبته و هو يقول بودٍ:
دي شوكلاتة و حاجات أنا جيبتها بس خدت الفلوس من بابا بصراحة، علشان هما بيفرحوا بالحاجات دي أوي، حلوة ؟!"
اقترب منه "حسن" يقول بمرحٍ:
حلوة ؟! أنتَ ابن خالد ازاي نفسي افهم ؟"
تدخل "عامر" يقول بزهوٍ:
لأ ماهو تربيتي و تربية الأفاضل"
دلف الشاب المسئول عن المكان و هو يقول بعدما رحب بهم:
أستاذة خديجة لو فيه حد جاهز علشان يصور الناس للاستقبال ياريت يتفضل"
اقترب منه "حسن" و هو يبتسم له ثم غمز له و أشار على الكاميرا فركضت "فاطيما" نحوه و هي تسحب "جاسمين" معها ثم قالت بحماسٍ:
هنيجي معاك و نتصور معاهم"
حرك رأسه موافقًا قاقترب منهم "يونس" يعطيهم بعض الحلويات و الاساور القماشية و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
كل واحد واحدة شوكلاتة و إسورة من دي، متلغبطوش"
رحل بهم "حسن" نحو الخارج ز خلفه "وليد" بالبقية و معهم "عامر" و ظل بجوار "خديجة" "زياد" بمفرده و معه الحقيبة الخاصة بما قام والده بصنعه، سألته "خديجة" بمرحٍ:
هتفضل راهن الحاجة دي كدا كتير يعني ؟! هاخدها أمتى يا زياد ؟! بعدين قاعد معايا ليه ؟! اطلع جهز معاهم الحاجة برة"
رد عليها مفسرًا:
ماهو بصراحة أنا بحب اقعد معاكِ، هساعدك هنا و أنتِ بتجهزي الحاجة، هما برة كتير و بابا و عمو عامر و عمو حسن معاهم، و أستاذ محمود دا كمان، هتفضلي لوحدك يعني ؟!"
ابتسمت له ثم داعبت خصلاته و هي تقول بحماسٍ:
لو الحب بيتورث أنتَ أكيد ورثت حب أبوك و طريقته معايا، هو برضه كان بيحب يكون معايا"
قام بفتح الحقيبة بعد حديثها و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
ومازن كمان على فكرة، بصي عملوا علشانك إيه، عملوا حاجات حلوة أوي و ماما كانت معاهم"
قام بإخراج القلوب المطوية من الحقيبة يعرضها عليها و هي تتابعه بشغفٍ و حبٍ بينما قال هو بمشاكسىةٍ:
بابا قال إن اللي بيتعمل بالحب حتى لو بسيط بيدخل القلب علطول من غير استئذان علشان كدا هما عملوا الحاجات الحلوة دي، المهم إنك تكوني فرحانة"
احتضنته "خديجة" و هي تربت على ظهره و رأسه و البسمة الصافية ترتسم على ثُغرها، و قبل أن تندمج اكثر في شرودها لفت انتباهها صوت الطرق بالخارج أشبه بالعزف !! عقدت ما بين حاجبيها و سرعان ما شهقت و هي تقول بفزعٍ:
يلهوي دا عامر برة !!"
ركضت نحو الخارج و خلفها "زياد" و هو يضحك و حينما وصلا للخارج وجدا "عامر" يطرق على الدُف مُرحبًا بكبار السن و معه الصغار أيضًا يرقصون و يمرحون لينشر البهجة في خلال ثوانٍ قليلة و "حسن" يلتقط لهم الصور من مختلف الزوايا.
رمشت "خديجة" ببلاهةٍ و هي ترى ما خططت له ضُرب عرض الحائط لذا قالت بتمني:
فينك يا ياسين، ياريتك كنت هنا و كملت اليوم معايا على الأقل تفهمني دا حلو و لا وحش اللي بيحصل دا"
شعرت برائحته خلفها فالتفتت له و سرعان ما شهقت بفرحةٍ حينما وقع بصرها عليه لتسأله بلهفةٍ:
أنتَ جيت بجد ؟! مش تهيؤات"
ابتسم لها و هو يقول بصوتٍ رخيمٍ:
لكل مَرءٍ مَوطِنَهُ و أنا بدونِ عَيناكِ غريبًا"
رمشت ببلاهةٍ فيما غمز هو ثم قال لها بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي"
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل العاشر 10 - بقلم شمس بكري
اخبريني كيف لقلبٍ أنتِ مأواه أن يحيا بدونِك؟ خبريني كيف أتخذ وطنًا آخر غير عيونك"
_________________________
شعرت برائحته خلفها فالتفتت له و سرعان ما شهقت بفرحةٍ حينما وقع بصرها عليه لتسأله بلهفةٍ:
أنتَ جيت بجد ؟! مش تهيؤات"
ابتسم لها و هو يقول بصوتٍ رخيمٍ:
لكل مَرءٍ مَوطِنَهُ وأنا بدونِ عَيناكِ غريبًا"
رمشت ببلاهةٍ فيما غمز هو ثم قال لها بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي"
اقتربت "خديجة" منه تقول بصوتٍ مختنقٍ من شدة فرحتها و حماسها:
بجد جيت ازاي ؟! مش قولت وراك شغل و ماجتش معانا من الأول ليه ؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ ثم قال بسخريةٍ يقصد يمازحها:
عادي لقيتهم حَلوها في الشغل و كان المفروض أنزل موقع و اتابع بس فيه واحد زميلي هناك، قولت ياض روح أجبر بخاطر حبايبك، هيبقى لا دنيا ولا آخرة"
ابتسمت هي باتساعٍ أكثر و قد تشبثت بذراعه ثم قالت بنفس الحماس:
كدا أنا هتطمن إن الدنيا مش هتتعك، المهم قولي هو اللي عامر و وليد بيعملوه دا مش كارثة ؟!"
تحولت نبرتها من الحماس للقلق المفرط حتى اشرأب هو برأسه يطالع الوضع حوله ثم نظر لها و هو يقول بمرحٍ:
ماله بس ؟! ما الواد عامل شغل عالي أهو ربنا يكرمه، طب دا عامل ليلة عنب اهو، بصي الناس فرحانة ازاي ؟!"
التفتت تطالع الوضع خلفها و قد ارتسمت البسمة البلهاء على ثُغرها حينما وجدت كِبار السن يصفقون مع بعضهم بحماسٍ و "عامر" يطرق على الدف و "وليد" يعاونهم في الجلوس و "حسن" يتابع التصوير لهم مع الصغار.
سحبها "ياسين" معه دون أن يتحدث بكلمةٍ واحدة ثم اقترب من الناس حتى ركض نحوه الصغار بأكملهم فرحين برؤيته، و أولهم "جاسمين" التي صرخت باسمه و هي تركض له بقولها:
بــابــا.....أنتَ جيت ؟!"
حملها بين ذراعيه ثم قبل وجنتها و قال بمرحٍ يمازحها:
آه جيت علشان عارف إنك ممكن تعملي مصيبة كدا ولا كارثة كدا، قولت أجي"
صفقت بكفيها ثم طوقت عنقه بذراعاها الصغيرين و هي تبتسم بينما هو انزلها ثم اقترب من الشباب حتى سأله "وليد" باستفزازٍ:
نعم ؟! جيت ليه ؟! مش وراك شغل ومش فاضي ؟!"
بادله النظرة المزدرية بمثيلتها ثم قال بسخريةٍ:
جيت علشان آدب أشكالك"
تبادلا النظرات التهكمية بينهما ثم انخرطوا جميعًا في الترحيب بالناس و تقديم الهدايا لهم و خصيصًا حينما وقفوا الصغار وسط كِبار السن يرحبون بهم كما اعتادوا و تعلموا من "خديجة".
_________________________
في مكانٍ أخر تحديدًا في صيدلية "عمار" كان جالسًا بها كعادته في انتظار المرضى الذين يبتاعون منه العقاقير الطبية و "عبدالرحمن" بجواره يتحدث في الهاتف مع خطيبته و هو يقول بضجرٍ:
ننزل فين ياما ؟! بقولك هقضي اليوم مع الدكتور الجديد أفهمه الدنيا علشان عمار مش هينفع يفضل هنا و يسيب مراته لوحدها، أول ما نظبط الدنيا هنا أنا بنفسي هعوضك يا مريم، زوقي بس الفترة دي معايا"
تنفست هي بحدة ثم قالت بضجرٍ:
يا عبدالرحمن مانا بقولك مش هنتأخر هما شوية هننزل نتمشى و نرجع تاني، أنا مخنوقة والله"
رد عليها هو بقلة حيلة و قد بدا اللين يظهر على نبرته و ارتخاء قسمات وجهه:
حاضر يا مريم أنا عارف انها فترة صعبة علينا و خصوصًا اللي قبل تجهيزات الفرح دي، بكرة هقول لعمار و نقضي اليوم برة سوا، حلو كدا ؟! أظن عداني العيب"
ردت عليه بمرحٍ:
طب والله بحبك يا بودي، خلاص براءة مش هستناك تكلمني النهاردة، نام بدري مش لازم نتكلم بليل"
ضحك "عبدالرحمن" رغمًا عنه ثم قال بعدما غُلب كعادته أمامها:
لأ و دي تيجي ؟! هسلمك التقرير اليومي بتاعي و أنام، يلا سلام بقى"
أغلق معها الهاتف و "عمار" يتابعه مُبتسمًا حتى زفر "عبدالرحمن" ثم وضع الهاتف في جيبه و اقترب منه يجلس أمامه و هو يقول بضجرٍ:
أنا اللي جيبته لنفسي، كان مالي و مال الحوارات دي كلها، تفاصيل كتير أنا مش بركز فيها يا عم عمار"
رد عليه "عمار" بعدما ابتسم له:
لو قصدت تاخد بالك من التفاصيل مش هتيجي معاك، انما هي بتعلق معاك صدفةً كدا و هي بتتكلم، بس أقولك كويس انك معاك واحدة بتطلب و بتقول عاوزة إيه، اللي معايا مش عاوزة تتكلم أصلًا"
لاحظ "عبدالرحمن" تغيره فسأله بتعجبٍ:
مالك يا عمار ؟! مش دي اللي كنت هتموت عليها وفضلت تدعي ربنا بيها ؟! هو الجواز طلع كدب ولا إيه ؟!"
ابتسم له بقلة حيلة ثم قال:
بالعكس، أنا برتاح لما بوصل البيت أوي، سايب الدنيا تخبط فيا هنا و هناك بس عارف أني هرجع بيتي و أرتاح فيه علشان هي فيه، بس مش فاهم فيه مسافات بيننا ليه ؟ عاوزها تطلب مني الحاجة و تناقشني و نتجادل سوا، بس هي يا خايفة مني يا مكسوفة تتكلم معايا، بسحب منها الكلام بالقطارة أصلًا"
تحدث "عبدالرحمن" بلهفةٍ و هو يقول:
بس مريم عارفة كل حاجة عنها و هما الاتنين بحكم إن فيه كلام بينهم و مريم بتحاول تصاحبها أكيد عارفين عن بعض حاجات كتير، ممكن نتصل بيها و نسألها ؟! طالما أنتَ عاوز تعرف التفاصيل"
عقد "عمار" ما بين حاجبيه ثم فيما أخرج الأخر هاتفه يحادث زوجته "مريم" تحت نظرات الترقب من "عمار" الذي ابتسم رغمًا عنه فهل في نهاية المطاف يريد معرفة ما تريده من الأخرين؟!.
_________________________
في مقر الجمعية جلسوا كبار السن على المقاعد المُزينة للترحيب بهم و المتطوعين يعملون على مساعدتهم و تقديم العون لهم بصدرٍ رحب و على رأسهم "خديجة" التي تتنقل بين المُسنات بحماسٍ و حب شديدين و ترحب بهم و يرحبن بها و ذلك لانها تحظى بمكانةٍ عالية في قلوب الجميع.
جلس "عامر" و بجواره "عُمر" بجانب أحد الرجال كبار السن و الأخر يشكو لهم من شقيقه و هو يقول منفعلًًا:
راح بقى يا أستاذ عامر عامل إيه ؟! دخل عليا في نص الليل مضاني على نص نصيبي و النص التاني اخده ابني و الاتنين اتفقوا سوا و رموني في دار عندنا في البلد علشان يتجوز بنت عمه، و اخرتها طلعت من غير حاجة زي ما أنتَ شايف كدا"
رد عليه "عامر" بحنقٍ:
منه لله ابنك عديم الرباية و اخوك عديم الشرف دا، متزعلش مني يا حج عبده الغلط غلطك معرفتش تربي ابنك و تأدب أخوك ليه ؟! اخس"
جاوبه الرجل بقلة حيلة:
يلا داهية تاخدهم، بس اقولك ؟! والله يا بني أنا كدا فرحان و مرتاح، أصل بعد ما مراتي ماتت أنا مليش حد مين كان هيخدمني يعني ؟! يمكن ربك عمل كل دا علشان أجي هنا و متمرمطش، اغبيا هما الاتنين، أنا كدا كدا كنت ميت و هسيبلهم كل حاجة، بس هو غبي حرمني من ابنه و من فرحتي بيه"
طالعه "عامر" بتأثرٍ لذا سحب "عمر" من ذراعه يوقفه أمام الرجل و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و دا عمر ابني اهو اعتبره ابن ابنك يا سيدي، رغم أني أجدع من العرة ابنك دا"
احتضن الرجل الطفل الصغير و هو يربت على ظهره بينما "عمر" قال بحماسٍ:
أنا لما أكبر يا جدو هبقى أجيلك، و هعزمك في فرحي كمان، بس ابقى تعالى بقى"
على الجهة الأخرى كان "يونس" وسط الناس يقوم بتوزيع ما قام بجلبه لهم حتى يرسم على وجوههم البسمة و ينشر لهم السعادة كما اعتاد من صغره.
وقفت "خديجة" في الداخل و معها "ياسين" و "وليد" يقومون بتجهيز الهدايا و اعدادها و معهم "جاسمين" و "فاطيما" و "رؤى" و "روزي".
اقتربت "جاسمين" تهمس في أذن "فاطيما" و قد رآهما "وليد" لذلك قال دون أن يحيد ببصره عما يفعله:
سوسة و دودة !! خير يا شابة منك ليها ؟! لموا نفسكم"
ردت عليه "فاطيما" بحنقٍ:
هو أنا عملت حاجة ؟! و بعدين جدو محمود قال متقولش لينا كدا تاني"
تدخلت "جاسمين" تقول بضجرٍ:
أيوا جدو محمود و جدو مرتضى... قالولي لو قالكم كدا تاني هيربوك يا خالو وليد"
رد عليها بتهكمٍ:
ولازمتها إيه خالو يا روح امك؟! ما تخليها ياض يا وليد و خلاص"
نهرتها "خديجة" بقولها:
بت !! عيب كدا، دا خالك"
ردت عليها ببراءةٍ زائفة:
هو أنا جيبت حاجة من عندي ؟! مش جدو محمود اللي قال كدا و جدو مرتضى ؟!"
نطق "وليد" بتهكمٍ:
صبرهم عليا هما الاتنين سواء محمود ولا مرتضى"
تحدث "ياسين" بعد جملته و هو يقوم بتجهيز الحقائب ويضع الهدايا بداخلها موجهًا حديثه للصغيرتين:
جرى إيه يا كاريزما زي أبوك أنتِ و هي ؟! مفيش صوت خالص كدا ؟! واخدين وضع الصامت ؟!"
ردت عليه "رؤى" بنبرةٍ ضاحكة:
هقول إيه طيب ؟! ما أنا بساعد خالتو خديجة أهوه و روزي معايا هي كمان"
تحدثت "خديجة" بغموضٍ ترسل حديثًا مُبطنًا للأخيرتان بقولها:
ناس هادية و عسولة و مش بيعملوا مشاكل خالص، ربنا يحفظهم يا رب، و يهدي ناس كدا"
نظرت "فاطيما" لـ "جاسمين" و الأخرى نظرت لها أيضًا و كأن كلتاهما فهمت مغزى الحديث لذا نطقت كلٍ منهما في آنٍ واحدٍ:
بس احنا مش عاوزين نكون مؤدبين، عاوزين نكون زي خالو وليد"
جاهد حينها "ياسين" ليكتم ضحكته و كذلك "خديجة" بينما "وليد" ابتسم ببلاهةٍ و هو يقول بزهوٍ لا يتناسب مع الموقف:
ما شاء الله !! تربيتي....الناقصة"
أضاف الكلمة الأخيرة بإحباط و هو يرمق كلتاهما بتوعدٍ و هو يشير بكفه، بينما في تلك اللحظة دلف "محمود" الشاب الذي يعمل في المكان و هو يقول بأدبٍ:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أستاذ ياسين مدام خديجة، الوجبات وصلت برة، ندخلها هنا و لا نجهز برة علطول ؟!"
تركت "خديجة" ما تفعله ثم اقتربت منه تقول بلهفةٍ:
لأ برة علطول علشان الحاجة متتبدهلش، مش هأكد عليك يا أستاذ محمود اللي يحتاج حاجة ياريت تجيله لحد عنده، أهم حاجة يكونوا مبسوطين كلهم"
ابتسم لها و هو يقول بتفهمٍ:
يا فندم متقلقيش، كل حاجة برة زي ما حضرتك طلبتي بالظبط، و كلهم برة فرحانين و الاولاد معاهم كمان ربنا يبارك فيهم، عن اذنكم بقى"
حركت رأسها موافقةً بينما "وليد" أنهى عمله و كذلك "ياسين" فخرجا نحو الخارج فيما بقيت "خديجة" موضعها مع الصغيرات.
في الخارج بدأوا المتطوعين بمساعدة كبار السن في الجلوس على الموائد المخصصة لتناول الطعام، و كان "يونس" و "زين" و البقية الصغار يقومون بالمعاونةِ معهم، فيما وقفت الفتيات بمفردها على بعدٍ منهم.
كانت "نـغـم" تحمل عُلب صغيرة متوسطة الحجم فوق بعضها حتى أوشكت على السقوط فلحق بها "يونس" يحمل عنها الأشياء حينما رآها ثم سألها بتعجبٍ:
أنتِ بتعملي إيه يا نغم ؟! هو أنتِ هتعرفي تشيلي الحاجة لوحدك يعني ؟!"
ردت عليه بخجلٍ من موقفها:
مش عارفة بقى أنا كنت عاوزة اساعدهم و خلاص"
ابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
طب ساعدي على قد اللي بتعرفي تعمليه، لكن دي علب فيها حاجات تقيلة كويس إنها مش أكل كانت هتبهدلك"
حركت كتفيها بحيرةٍ ثم قالت بحماسٍ:
أنا أصلًا عرفت ماما أني هعمل معاهم هنا علشان اتعلم زيها، و لما اكون كبيرة كدا قدها هاجي هنا برضه و هجيب معايا ورد علشانهم كلهم"
ابتسم لها "يونس" ثم قال يمازحها:
خلاص كدا أنتِ هاتيلهم ورد و أنا هجيب ليهم شيكولاتة، اتفقنا"
حركت رأسها موافقةً ثم سألته بحيرةٍ:
طب و هو احنا هنفضل نيجي هنا علطول ؟! مش ممكن نبطل لما نكون كبار يعني ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا:
لأ إحنا لازم نكون هنا علطول علشان نخليهم كلهم يفرحوا زي ما خالتو خديجة قالت كدا، بصي كدا وراكي مكتوب إيه ؟!"
التفتت تنظر خلفها فوقع بصرها على اللوحة المطبوعة تحمل شعار الدار معها و في منتصفها تلك الجملة التي اعتادتها "خديجة" في حياتها اليومية:
فَـــــرَح...تِـــفْــرَح"
ابتسمت "نـغـم" ثم التفتت له تقول بقلة حيلة:
يعني إيه يا يونس ؟!"
اقترب منها خطوة واحدة و هو يقول مُفسرًا بثباتٍ و هدوء:
مكتوب فرح تفرح يا نغم، دي الجملة اللي مامتك بتحبها و بتحب تعلمها لينا، معناها يعني إن اللي يفرح الناس بيفرح و يتبسط و الخير بيرجعله، و زي ما عمو ياسين قال قبل كدا الخير دا زي الدايرة المقفولة، طالما بدأت أول نقطة في الدايرة دي بالخير يبقى الخير هيلف و يرجعلك، أنا عن نفسي هاجي هنا علطول مش هبطل"
ردت عليه بحماسٍ:
ينفع لما تيجي هنا أجي معاك أنا كمان ؟! أو كلنا نكون بنيجي سوا"
حرك رأسه موافقًا فيما قفزت هي عدة مرات بفرحةٍ كبرى ثم ركضت نحو الفتيات و هو يبتسم حتى قال بعدما نظر في أثرها:
نسخة من مامتها، و سكر زيها"
بعد مرور دقائق قليلة دلف الصغار بأكملهم لـ "خديجة" حيث غرفة الجلوس و التجهيزات و من بعدها "ياسين" و الشباب حتى ارتمى "حسن" على المقعد و هو يحرك رقبته يُمنةً و يُسرةً فوجد "فاطيما" تقترب منه تقف على المقعد خلفه تدلك عنقه و هو تقول باشفاقٍ عليه:
اعمهولك زي ماما ما بتعملك؟"
ابتسم "حسن" رغمًا عنه بينما "فاطيما" استمرت فيما تفعله ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه كعادتها، حتى قال "وليد" بسخريةٍ:
يا سلام على المياعة ؟؟"
اقتربت منه "جاسمين" تفعل مثل الأخرى حتى حملها "وليد" و هو يضحك عليها فقالت "فاطيما" بتهكمٍ:
يا سلام على المياعة، اشمعنا هي"
_"علشان هي جت تحضني أنا، إنما أنتِ خلي حسن ينفعك"
كان ذلك قول "وليد" و هو يرد عليها، بينما "فارس" سأل بتعجبٍ من الوضع حوله:
عمتو، هو إحنا قاعدين هنا ليه ؟! مش المفروض نكون برة معاهم ؟!"
ردت عليه "خديجة" مفسرةً:
علشان هما برة بياكلوا، نخليهم براحتهم و الشباب بيساعدوهم و بعدها هنخرج كلنا نقعد سوا معاهم نغني و نلعب و نكمل اليوم و نديهم الهدايا كمان، بس نصلي الأول"
سألها "علي" بعدما اقترب منها:
خالتو أنا عاوز اسألك على حاجة علشان أنا مش فاهم"
حركت رأسها موافقةً و هي تطالعه بكامل اهتمامها فيما قال هو بحيرةٍ ظهرت على أدق تفاصيله:
أنا كنت امبارح منزل الصورة بتاعة المرة اللي فاتت و احنا هنا علشان فرحان أني هاجي هنا و كتبت أني بكون فرحان أوي، واحد صاحبي دخل سألني بنعمل إيه هنا و باجي مع مين، و أنا قولتله إن إحنا كلنا بنيجي هنا معاكي، بس هو قالي إني كدا عادي مش بعمل حاجة حلوة، و أني كدا باخد حاجة مش فيا علشان الناس تقول عليا أني حلو، و أنا ماكنتش هاجي أصلا تاني، بس هو أنا لو بعمل حاجة حلوة حتى لو مش فيا، كدا أكون بكدب ؟!"
لفت حديثه نظر الشباب أيضًا و الصغار بأكملهم، فأضاف هو بنفس الحيرة:
يعني أنا دلوقتي جيت هنا علشان زي ما بنعمل كل مرة نفرحهم و نلعب معاهم و نوزع حاجات حلوة، كدا بقى أنا بكون باخد حاجة مش عندي ؟!"
تنهدت "خديجة" بعمقٍ ثم أمسكت كتفيه بكفيها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنتَ كدا شاطر يا علي، علشان بتعمل حاجة أكبر من سنك، يعني بتيجوا هنا كلكم تساعدوا الناس و نفرحهم و نضحك معاهم، كل دا بيخليك تاخد على الخير و إنك أي حاجة تحتاجها لازم تقدمها لغيرك، زي ما عاوز تفرح فرح اللي حواليك و زي ما عاوز تتساعد....ساعد اللي حواليك، الدنيا مش باقية أصلًا بس الخير و النية باقيين عند ربنا، أوعى تسمح لحد يقلل منك أو من حاجة حلوة أنتَ بتعملها، مفهوم ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها ثم رفع نفسه يقبلها على وجنتها، بينما هي تنهدت بعمقٍ ثم اعتدلت في وقفتها و هي تقول بحماسٍ توجه حديثها للصغار:
دلوقتي إحنا هناكل هنا و بعدين نخرج برة نكمل اليوم معاهم، أنا عاملة حساب الكل في الاكل"
قبل أن تكمل حديثها قاطعها "ياسين" بقوله المرح:
حتى أنا يا ست الكل؟!"
ابتسمت له ثم قالت:
آه....حتى أنتَ معانا"
غمز لها بمشاكسىةٍ فيما التفتت هي تحاول كتم ضحكتها ثم قالت بثباتٍ لم يخلو من نبرتها الضاحكة:
المهم بس على ما الأكل يوصل عاوزاكم تقعدوا علشان نتكلم كلمتين مهمين أوي، يلا"
جلسوا جميعًا أمامها فيما ظلت هي واقفةً تستند بظهرها على الطاولة الموضوعة ثم قالت:
أنا بخليكم تيجوا هنا علشان أنا عاوزة اعلمكم حاجات كتير من المكان دا و أي مكان زيه غرضه الخير و مساعدة الناس، إحنا بنيجي هنا علشان إحنا اللي محتاجين المكان دا مش هو اللي محتاجنا، إحنا اللي عاوزين نتعلم الصبر و ازاي نساعد أهلنا و إزاي نساعد كبار السن، إحنا اللي عاوزين نعرف قيمة النعم اللي عندنا و نحمد ربنا عليها، احنا عاوزين نعرف قيمة بابا و ماما و نساعدهم و نفضل معاهم، عاوزين نحافظ على الخير في قلوبنا علشان نكبر على كدا، سواء بنات أو شباب بقى أنا عاوزاكم دايمًا تعملوا الخير و ملكمش دعوة بحد و لا بالناس، احنا بنعامل رب الكون ورب الناس"
سألها "مازن" بتعجبٍ:
حتى لو حد اتريق زي صحاب علي كدا يا عمتو ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
من أكتر الحاجات اللي ممكن تظلم إنسان و توقفه عن الحلو اللي بيعمله هو ظلم الناس اللي حواليه و تفكيرهم أنه بيدعي المثالية، لكن النظرة بتختلف من نقطة للتانية، فكرة إن حد مش متقبل إن غيره بيعمل حاجة حلوة هو مش قادر يعملها بتخليه يتهمه إنه بيدعي صفات مش فيه و أنه بيحاول ياخد صفات مش عنده، رغم أنه ممكن يكون بيحاول علشان يكون شخص جميل و محبوب من الكل و نيته كلها خير، بس تشكيك اللي حواليه فيه بيخليه يتراجع و تبدأ النقاط السلبية اللي هي حاجات مش كويسة في شخصيته تظهر و تأثر عليه، علشان كدا بيكون فيه شخص مُشتت بين أنه يكمل الحلو دا و بين أنه يرجع تاني للسلبية"
أنهت حديثها و هي تطالع الصغار و جدت ظهر الإدراك لما تعنيه على وجوههم، بينما تدخل "وليد" يقول بحنقٍ:
بقولك إيه منك ليها !! الناقص بيدور على الكامل في غيره و يعايبه، يعني لما ييجي حد يقلل منك، قوله شكرًا عرفنا إنك ناقص......وعي طبعًا علشان متودونيش في داهية"
أضاف الجملة الأخيرة يمازحهم فيما قال "عامر" بتهكمٍ:
سبحان الله شرحها عامل زي قناة Z American English تحس إنه شرح نضيف كدا، إنما الواد دا اول ما فتح بوقه حسيت أني في قناة أم سماح لتعليم البريتيش المرتاح"
ضحك الجميع عليه حينما سخر من "وليد" الذي ضحك هو الأخر رغمًا عنه، بينما "خديجة" انتظرت حتى توقفت الضحكات ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
بغض النظر عن عمو عامر و هزاره يعني، بس فيه حاجة كمان عاوزة اتكلم فيها مهمة، و هو حديث مهم جدًا أنا هقوله ليكم"
استحوذت بحديثها على كامل اهتمام من حولها لتقول بثباتٍ:
قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ)
صحيح التِّرْمِذِى
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أنهت ذكر الحديث الشريف ثم قالت بتفسيرٍ:
يوم القيامة و هو اليوم اللي الدنيا هتنتهي فيه علشان نروح لمكاننا الأساسي اللي هو أصلًا هدفنا من الدنيا، ربنا هيسألنا عن عمرنا ضيعناه في إيه و الأيام دي راحت مننا على إيه، أنا عاوزاكم تتعودوا على الخير و المساعدة علشان تقدروا تقولوا أنكم استغليتوا عمركم في الخير، و كمان هنتسأل عن العلم اللي اتعلمناه استفدنا بيه إزاي؟ برضه إحنا بنساعدهم يقروا و يلونوا و يكتبوا و نقرأ معاهم القُرآن، كل دا احنا هنتسأل عنه و عن الفلوس اللي معانا جت منين و عملنا بيها إيه، برضه احنا هنا بنجيب ليهم هدايا و حاجات حلوة تفرحهم و هدوم جديدة تسعدهم، و هنتسأل عن جسمنا عملنا بيه إيه و استغلينا صحتنا ازاي، احنا هنا بنستغل الطاقة و الصحة دي في اننا نساعد الكل و نحضر ليهم المكان و نديهم الهدايا حاجات كتير أوي بنعملها علشان نستغل كل حاجة عندنا في الخير و الأهم من كل دا، اننا نحمد ربنا على كل دا علشان هو دا السبب اللي خلانا نتحرك، فهمتوني ؟!"
سألتهم بمرحٍ حتى ردوا عليها الصغار بمرحٍ في آن واحد:
فهمناكي يا ست الكل"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ فيما وقف "ياسين" يضم ذراعيه أمام صدره يطالعها بفخرٍ و حينما نظرت له أشار لها بابهامه و هو يبتسم لها.
_________________________
بعد مرور عدة ساعات من ذلك الوقت و مع حلول الليل تقريبًا، أنهى "عمار" عمله ثم ذهب لشقته بعدما فهم ما يتوجب عليه فعله، دلف بحماسٍ حتى دلف المطبخ حينما وصله صوت اصطدام الأواني به، لذا دلف للداخل و هو يبتسم لها ثم اقترب منها يقف خلفها و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
وحشتيني"
التفتت له و هي تبتسم بتعجبٍ من تواجده في ذلك الميعاد السابق لوقت عودته، بينما هو قربها منها و هو يضمها إليه بذراعيه معًا فيما سألته هي بنبرةٍ ضاحكة يخالطها الدهشة:
إيه دا في إيه ؟! جاي بدري و داخل هادي كدا تفاجئني ؟! أنا مش متطمنة والله"
رد عليها هو بضجرٍ زائفٍ:
يا ستي ثقي فيا بقى و افتحيلي قلبك، دا حبيبي حتى"
حركت رأسها للجهةِ الأخرى باستنكارٍ ثم قالت بقلة حيلة:
طب دلوقتي أنا لسه مخلصتش الغدا يا عمار، و حضرتك جيت بدري، هتستنى بقى ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بمرحٍ:
لأ، هنلبس و ننزل سوا نقضي يوم عشوائي سوا مع بعض، هنروح فين معرفش، هناكل إيه برضه معرفش، بس هننزل و رزقي و رزقك على الله يا خلود، إيه رأيك ؟!"
سألته بلهفةٍ:
بجد ؟! قول والله مش بكدب"
ضحك بيأسٍ منها ثم قال:
حاضر....والله مش بكدب، بس يلا علشان منتأخرش، أنا مدبس الواد عبدالرحمن هناك، جهزي نفسك"
سألته بتعجبٍ:
عمار ؟! أنتَ كويس صح ؟! مالك يا حبيبي عملوا فيك إيه"
حرك كتفيه ببساطةٍ ثم قال:
كل الحكاية أني قررت أنا و أنتِ نطلع العيال اللي جوانا، مخبيش عليكِ، كان جوايا عيل سافل هيموت و ينحرف، مكانش لاقي حد يوجهه، حاسس كدا أنه على إيدك هيرجع يتشاقى تاني"
ابتسمت بثقةٍ ثم قالت بمرحٍ:
أيوا بقى كدا، يا جدع لاغيني و قل ادبك كدا، تعبت و أنا متربية كدا والله، متكتفة يا عمار"
ضحك بصوتٍ عالٍ ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
اؤمري يا ستي، حاضر هطلع عمار السافل علشان ترتاحي، ياكش نعجب بس"
اقتربت منه تقول بدلالٍ:
بلاش بقى علشان كدا كدا أنتَ عاجب يعني، أنا هدخل أغير و أجي، اقف هنا و خمس دقايق اقفل على الصلصة"
قبلته على وجنته ثم تحركت بركض نحو الداخل كما الطفلة الصغيرة فيما وضع هو أنامله موضع قبلتها ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
مينفعش معاها غير عمار قليل الأدب دي، الأدب مش هييجي معاها سِكة"
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا أنهت ارتداء ثيابها ثم خرجت له، كان هو في الخارج ينتظرها حتى سألها بضجرٍ:
هو أنا مكتوب على أمي استناكي ؟! انجزي علشان نلحق بس"
ضحكت على تذمره ثم أمسكت ذراعه و هي تبتسم له حتى ضحك هو رغمًا عنه بقلة حيلة، ثم نزلا سويًا للأسفل حتى توقفا أمام الدراجة النارية الخاصة به، فقالت هي بريبةٍ:
بلاش أنا بتشائم من ساعة ما اتفرمت من الراجل بتاع السوبر ماركت"
التفت لها يقول بضجرٍ:
نعم يا حلوة ؟! مين دا اللي اتفرم ؟! شكلي هبدأ قلة الأدب من هنا بقى !!"
ضحكت هي رغمًا عنها لذا قالت ببساطةٍ:
الله ؟! مش هو اللي شلفط وشك و خلى عينك شوارع ؟!"
رفع حاجبيه بسخريةٍ فيما ركبت هي الدراجة و هي تستفزه بينما هو جلس أمامها ثم شرع في قيادة الدراجة النارية و كعادتها تمسكت به و هي تضحك بسعادةٍ و هو أيضًا لم ينكر سعادته بفرحتها تلك.
بعد مرور نصف المسافة تقريبًا سألته هي بحماسٍ:
هنروح فين طيب ؟! الحماس مموتني"
التفت لها يقول بصوتٍ عالٍ نتيجة صوت الهواء:
هنروح الكوربة نلف هناك و نقعد على الشارع زي الشحاتين"
ازداد حماسها أكثر و هي تتشبث بظهره بينما هو رفع سرعة الدراجة و كأنه على موعد مع أحلامه.
بعد مرور بعض الوقت أوقف الدراجة في منطقة الكوربة الشهيرة، تلك المنطقة التي امتزجت بين عدة أنمطة منها الكلاسيك و الحديث و الطراز الأوروبي و خصيصًا البلجيكي، نزلت هي من على الدراجة أولًا و هو خلفها و الحماس يعتلي وجهيهما.
أمسك كفها ثم قال بمرحٍ:
طبعًا أنتِ عارفة الباقي ؟! زود شاورما و كتر تومية"
حركت رأسها موافقةً و بعد مرور دقائق قليلة كانت تجلس على الرصيف تنتظره حتى اقترب منها يمسك الصينية بكفيه ثم جلس بجوارها و هو يقول بمرحٍ:
حلو حوار الرصيف دا، تحسيه شاعري كدا و يطلع المشاعر المكبوتة جواكِ"
ضحكت هي على حديثه الساخر فيما قدم لها الطعام و قبل أن تسحب هي الطعام الخاص بها، أمسك كفها ثم قدم لها هو الطعام و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
خدي دا فيه شاورما و تومية اكتر"
ضحكت و هي تسأله بتعجبٍ:
الله !! دا اجمل ما قيل في الحب خلي بالك"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
أيوا ما أنا عارف علشان كدا بتوصى بيكِ، كلي بس يلا"
أمسكت منه الطعام و أمسك هو خاصته ثم بدءا سويًا في تناول الطعام، بينما قال هو بنبرةٍ هادئة:
على ما ناكل فكري عاوزة إيه تاني ؟! يلا يا سُكر فكري"
طالعته بحماسٍ ثم قالت بحذرٍ:
كدا تضحيات كتير و مش هقدر أخد على كدا"
قلب عيناهُ يفكر في حديثها ثم قال براحةٍ بعدما تنهد بعمقٍ:
خدي على كدا يا خلود، طالما مش عاوزة تبدأي أنتِ هبدأ أنا بقى، ماهو أنا مش قدامي غير كدا"
تنهدت بعمقٍ ثم قالت بهدوء:
يبقى كتر خيرك كدا"
قبل أن ينطق هو و يرد على حديثها أوقفته هي بلهفةٍ:
عمار !! هي رموشك طويلة كدا ليه ؟! الحوار دا مضايقني بجد و بفكر جديًا هي طويلة كدا ليه ؟"
رمش هو ببلاهةٍ فسألته هي بحماسٍ:
قولي بجد....رموشكم دي رباني، أصل مش معقول دي تكون رموشك و رموشي أنا أخف كدا"
ضحك رغمًا عنه ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
أقولك على سر ؟! أمي و أنا صغير أنا و عامر كانت بتحط لينا زيت زيتون على رموشنا و حواجبنا، علشان و هي صغيرة تيتة كانت بتعمل كدا فيها، و دلوقتي بيعملوا كدا في ريتاج، تحسيها قريبة الحلاق بتاع طه حسين"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ و هو أيضًا ضحك معها حتى قالت هي بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ كنت فين أنتَ و عيلتك من زمان بجد ؟؟ ياريتنا كنا صحاب من زمان يا لوز"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
مش يمكن أكون كنت بجهز علشانك أنتِ، أكيد كدا القصة نهايتها أحلى و إحنا سوا"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
صح.....أكيد و إحنا سوا القصة أحلى بكتير"
_________________________
في مقر الجمعية بعد المرح و المزاح و الغناء و الطرق على الدفوف بواسطة "عـامـر" تم توزيع الهدايا بواسطة الصِغار ليسود الأنس في الأجواء و كذلك الألفة بين الجميع.
بعد ذلك رحل الجميع من المكان نحو مساكنهم بعدما عاد لهم السائق ليعود بهم من جديد و أول من تم توصيلهم كان "حسن" بصغاره على الطريق و قبل أن يستفسر عن سيارته، قال "وليد" مسرعًا:
متقلقش بكرة العربية هتكون عندك، بكرة الصبح هتلاقيها تحت بيتك، يلا علشان العيال اللي هتنام في إيدك دي"
رحل "حسن" بهما بعدما ودع صغاره البقية.
استأنف السائق سيره بعدما رحل من أسفل بناية "حسن" الذي دلف بصغاره ثم صعد بهما نحو شقته حتى فتحت لهما "هدير" و هي تقول بضجرٍ:
وحشتوني أوي.....الدنيا وحشة من غيركم، يارتني كنت جيت معاكم"
ردت عليها "فاطيما" بشوقٍ لها:
و أنتِ وحشتيني اوي يا هدير، هاتي حضن بقى"
حملتها "هدير" بين ذراعيها ثم قَبلتها عدة قُبلات على وجنتها، ثم انزلتها و اقتربت من "علي" تقبله هو الأخر حتى قال هو بمرحٍ:
والله وحشتيني أوي"
وقف "حسن" يحاول كتم ضحكته على طريقتها حتى اقتربت منه تقول بضجرٍ:
أقسم بالله وحشتنى اكتر من عيالك يا حسن، ماخدتنيش معاك ليه ؟!"
رد عليها بقلة حيلة:
اقفلي بس الباب أنتِ فضحانا و بعدين نتكلم"
دلفوا سويًا للداخل بينما هي أغلقت الباب و حينما دلف صغارها للداخل، اقترب منها "حسن" يقبل قمة رأسها ثم احتضنها دون أن تطلب هي ذلك و قال بنبرةٍ هادئة:
وحشتيني يا حلوة الملامح"
حاولت كتم ضحكتها بينما هو أضاف:
أقولك ؟! اليوم كان ناقصك والله كنت عاوزك تكوني معانا و تفرحي زينا"
ابتعدت عنه تطالعه بقلة حيلة و في تلك اللحظة اقتربت منهما "فاطيما" تقول بضجرٍ:
حد ييجي يجيبلي هدوم ألبسها علشان مش عارفة...ولا أقولك خلاص أنتِ ماكنتيش معانا، هخلي علي يساعدني"
دلفت للداخل من جديد بينما "هدير" ضحكت رغمًا عنها حتى احتضنها "حسن" من جديد ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
واخد الأذن من فاطيما، خليكِ كدا بقى لحد ما غزالتها تشتغل"
_________________________
توقفت الحافلة في شارع الشباب بعدما تم توصيل "وليد" و الصغار معه و منها ذهب كلٍ منهم لشقته، و قد فتحت "ريهام" الباب لصغارها و هي تقول بحماسٍ:
حبايب ماما وحشتونى، رغم إن البيت كان هادي و نمت كتير يا عيال"
دلف "يونس" بشقيقته نحو الداخل و هما يضحكان مع والدتهما، بينما "يسر" سألتها بتعجبٍ:
بابا فين يا ماما ؟!"
أجابتها بخبثٍ:
بابا ما صدق البيت هادي و دخل نام من ساعة ما جه، لو منك يا بت أدخل أصحيه و أرخم عليه"
ركضت "يسر" نحو الداخل توقظ والدها، فيما قال "يونس" بقلة حيلة:
طب أنا هدخل أغير هدومي و أجي احكيلك مغامراتي مع اليوم القمر زيك دا، باي يا ريري"
_"باي يا عيون ريري"
ردت عليه بذلك و هي تضحك بسعادةٍ حتى احتفى أثره من أمامها و قبل أن تدلف للداخل طُرق باب الشقة فذهبت نحوه بتعجبٍ ثم نظرت من العين السحرية حتى رمشت عدة مرات باستنكارٍ ثم فتحت الباب و هي تقول بدهشةٍ:
روان !! خير و إيه اللي جابك دلوقتي ؟!"
طالعتها شقيقتها بخجلٍ بينما "ريهام" نظرت لها ثم نظرت للفتيات التي تقف بجوارها بتعجبٍ.