يعني إيه أتجوز؟ يعني إيه بعد أربع سنين أستنى فيهم رجوعه يوم ورا يوم، شهر ورا شهر، أعد الغياب على صوابعي، وأقنع نفسي إن البُعد اختبار، وإن اللي بينا أقوى من أي سفر؟ يعني إيه يرجع... مش ليا؟ خرج صوتها مكسور وهي بتكلم نفسها: _اتجوز... يعني سابني؟ يعني أنا كنت إيه؟ محطة؟ وقت فاضي؟ ولا كنت غبية قوي وأنا مصدقة؟ دخلت أماني، مرات أخوها، بخطوات هادية، أول ما شافتها بالحالة دي فهمت من غير ما تسأل. قعدت جنبها، ومدت إيديها
تمسك إيد هدير بحنان: _يا حبيبتي... أنا قلتلك من الأول راشد ده مش شخص كويس، لا أنا ولا سيف أخوكي كنا مستريحين له، بس إنتِ اللي صممتي تستنيه... صدقيني ربنا هيعوضك. ضحكت هدير ضحكة مكسورة، ضحكة مالهاش صوت، وبصّت قدامها: _هو أنا زعلانة علشان اتجوز؟ أنا زعلانة علشان كسرني. ليه؟ ليه ما قالش من الأول إنه مش عايزني؟ ليه سابني أستناه؟ ليه ما خلانيش أشوف حياتي؟ حد حاسس بالكسرة اللي جوايا؟ حد حاسس بالوجع ده؟ سكتت شوية،
وصوتها واطي بس موجوع: _أنا كنت بعدي الأيام على أمل... وهو كان بيبني حياة من غيري. شدت أماني عليها وحضنتها: _والله ما يستاهل دمعة منك. في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل سيف. أول ما شاف هدير بالشكل ده، ملامحه اتشدت، وراح عليها على طول، فتح دراعه وحضنها بقوة: _حقك علي من كل الدنيا يا هدير... سامحيني. دفنت وشها في صدره، وعيطت بوجع ما كانتش سامحة لنفسها تطلعه: _أنا تعبت يا سيف... تعبت قوي. مسّد على شعرها بحنية:
_بس إنتِ اللي عملتي نفسك كده يا هدير... هو مش راشد ابن عمنا أهو، بس أنا... أنا مش بستريح له، ما بحبهوش عمومًا. وإنتِ أطيب من إنك تتكسري بالشكل ده. بس كل اللي أقدر أقوله دلوقتي إنك لازم تحاولي تنسي، وتشوفي حياتك، وتتأقلمي. بعدت عنه شوية، ومسحت دموعها بإيدها، وقالت بصوت مبحوح: _عندك حق. سكتت ثانية، وبصّت لأماني فجأة: _هو... العزومة اللي عملها امتى؟ أماني بصّت لها بخضة: _بكرة آخر النهار، بس إنتِ بتسألي ليه يا هدير؟
رفعت هدير راسها، ونبرة صوتها بقت هادية على غير العاصفة اللي جواها: _ابن عمي راجع من السفر بعد أربع سنين غربة... مش لازم أروح أطمن عليه؟ وأبارك له على جوازه... وأخد عزاء قلبي بنفسي. سيف قال بسرعة: _بس يا هدير... قاطعته بعينين مليانة وجع وإصرار: _سيف... هو مش عزمني. بس أنا لازم أروح. سيف قرب منها ومسك إيديها: _عمومًا، اللي يريحك يا حبيبتي. وأي حاجة إنتِ عايزاها... أنا هقف جنبك فيها، وأعملها لك.
سيف وأماني خرجوا، والباب اتقفل بهدوء، هدوء كان تقيل علي أكتر من أي صوت. فضلت واقفة في نص الأوضة، وبصّة قدامي، فجأة كل حاجة سكتت... وبدأت أفتكر. من صغرنا. من وأنا طفلة، كانوا دايمًا يقولوا: هدير لراشد... وراشد لهدير. كبرنا على الجملة دي، كأنها حقيقة مسلّم بيها، كأنها قدر مكتوب من غير ما حد يسألنا. كبرنا سوا. لحد الإعدادي... لحد الثانوي. كان دايمًا قريب، دايمًا أمان. كنت أبص له وأحس إن الدنيا مهما تعمل فيا، هو موجود.
لحد ما أهلي اتوفوا. ساعتها كل حاجة اتشقلبت. سيف أخويا وقف وقال إن ده حرام، وإن الاختلاط ده مينفعش، وإن القُرب لازم يقف عند حد. بعدت... غصب عني بعدت. بس قلبي؟ قلبي ما بعدش. حبه كان لسه عايش جوايا، ساكت، مستخبي. كنت أوقات أكلمه من ورا أخويا... نطمن على بعض. يطمن عليا... وأطمن عليه. كفاية علي أسمع صوته، أعرف إنه بخير. وفجأة... فلاش باك جالي في يوم الكلية: _إزيك يا هدير، عاملة إيه؟ قلبي وقتها دق بسرعة، صوتي طلع مكسوف:
_الحمد لله يا راشد... إنت أخبارك إيه؟ _الحمد لله تمام... سكت شوية، وبعدين قال: _أنا كنت جاي بس أقولك إني مسافر. اتلخبطت، قلبي وقع: _مسافر؟ يعني إيه مسافر؟ وفين؟ ضحك ضحكة هادية: _اهدي بس يا حبيبتي... أنا مسافر أكون نفسي. عايز أرجع وأطلب إيدك من أخوك وقلبي جامد. وأتجوزك. سكت شوية، وبصوته اللي عمري ما نسيته قال: _بس أهم حاجة يا هدير... أهم حاجة إنك تستنيني. مش عايز أرجع وأعرف إنك بقيتي لغيري. صدقيني ممكن أموت.
صوتي وقتها كان صادق، نضيف: _أنا ليك يا راشد... وعمري ما هكون لغيرك. أنا وعدته. بس هو؟ هو ما وعدنيش. فوقت من الذكريات، وقلبي اتقبض. ضحكت ضحكة مكسورة وأنا بحط إيدي على وشي: _أنا غبية... غبية إزاي صدقت إن واحد مسافر بره، يقعد أربع سنين من غير ما يكلمني ولا يسأل علي ولا يعرف أنا عايشة إزاي ويكون لسه باقي على حبي؟ إزاي فكرت إنه وفي؟ إزاي؟! مش كان بيأكل؟ مش كان بيشرب؟ مش كان بيعيش؟ إزاي قلبه ما فكرش غيره؟ إزاي ما ضعفش؟
إزاي؟ بس ليه علقني؟ ليه سابني أعيش على أمل؟ ليه يوعد وهو عارف إنه مش قد الوعد؟ ضربت بإيدي على صدري، الصوت طلع مخنوق: _ليه تكسر قلبي كده يا راشد؟ ليه؟ وقفت أبكي... بكاء ما كنتش فاكرة إني قادرة عليه. دموعي نزلت بعنف، جسمي كان بيرتعش، نفسي كان بيتقطع. _مش مسامحاك... مش مسامحاك أبدًا. قعدت على الأرض، ضامة رجلي، حاضنة نفسي كأني بحاول أحمي اللي فاضل مني: _يا رب... يا رب أنا تعبت. تعبت قوي. عيطت... عيطت لحد ما صوتي راح،
ولحد ما قلبي وجعني. قعدت من الليلة دي لتاني يوم الضهر... مكاني. ما بتحركش. ما باكلش. ما بشربش. ما بعملش حاجة غير إني بعيط. بعيط على أمل ضاع. على وعود كدابة. على حب طلع مش حقيقي. على واحدة كانت فاكرة إن الاستنى بطولة، وإن الصبر دايمًا نهايته خير. بس فجأة... فوقت. مش فَوْقة هادية، فَوْقة واحدة تعبت. قلت لنفسي وأنا ماسحة وشي بعنف: _لا... مش هينفع. مش هينفع حد يشوف الكسرة دي غيري.
مش هسمح لحد يشمت، ولا يشفق، ولا يفسر وجعي بطريقته. أنا لازم أروح، النهارده. قومت فجأة. فتحت الدولاب، وبصيت للفستان اللي عمري ما لبسته غير في المناسبات الكبيرة. قلت: _هو ده. اخترت أحسن فستان عندي. أحسن هيلز. أحسن إكسسوارات. دخلت أخدت دش، وكأني بغسل الوجع عن جسمي. لبست، ظبطت نفسي، حطيت ميكاب خفيف خالص... مش علشان أبان قوية. علشان ما أبانش مكسورة. مع المغرب، كنت جاهزة. طلعت لسيف، أول ما شافني وقف مكانه: _إيه الحلاوة دي؟
تعرفي إنك وإنتِ كده عاملة زي نجمة طالعة من فيلم من الخمسينات... بس نجمة حلوة. ابتسمت غصب عني. وفجأة طلعت أماني، قربت مني، مسكت إيدي، ولفتني كده: _الله... ده المعنى الأصلي لكلمة تحفة. حقيقي. الكلام دخل قلبي. قوي. وحلو. حسيت إني محبوبة في الوقت اللي كنت فيه محتاجة الحب أكتر من أي وقت. أحلى إحساس في الكون... إن حد يدعمك، يقف جنبك، من غير ما تطلبي، من غير ما تتكلمي. أصل مفيش حد كبر علي الاهتمام...
كلنا محتاجين اللي يهتم بينا مهما كبرنا بيفضل جوانا طفل محتاج يحس بحنية وطبطبة من اللي حواليه واللي بيحبوه... محتاجين نحس إن لسه وجودنا مهم في حياة اللي بنحبهم... مهما كنا ظاهرين إننا قويين للي يخصونا عشان نطمنهم بس مش أكتر لكن جوانا بردو محتاجين اللي يهتم بينا ويطمنا...
بلاش نبخل علي اللي بنحبهم بكلمة حلوة فيها اهتمام أو بسؤال من وقت للتاني الحاجات دي بتفرق قوي وبتهون علينا الدنيا وهي اللي بتخلينا قادرين ندي أكتر ونكمل... وصلنا المكان. وأنا داخلة... حسيت بخنقة فظيعة. أول ما دخلت. النظرات اتوجهت لي. نظرات شفقة. نظرات عطف. نظرات شماتة. نظرات كتير في نفس اللحظة. نظرات كانت كفيلة تقتلني. مسكت إيد سيف واتكت عليها جامد. سلمت على اللي نعرفهم... وعلى اللي ما نعرفهمش. وفجأة... طلع.
بنفس الطلة اللي كانت بتخطفني زمان. بس دلوقتي؟ مش طايقاها. أول حاجة جات في دماغي إني أجري عليه وأصرخ: _ليه؟ ليه كسرتني كده؟ بس تماسكت. عيني اتعلقت بيا... كان باصص لي قوي. هو، وعمامي كلهم، كأنهم شايفين حاجة جديدة، يمكن علشان كنت تحفة، وأنا عارفة. وفجأة... سمعت أكتر صوت مش بطيقه. شادية. بنت عمي، وأخت راشد. بصوتها المستفز: _عاملة إيه يا هدير؟ أخيرًا شفناكي... إنتِ ولا كأنك عاملة بيات شتوي، بس ده بيبقى شتوي وصيفي!
بلعت ريقي. ما قدرتش أرد. قلت بالعافية: _الحمد لله... إنتِ عاملة إيه يا شادية؟ _الحمد لله بخير يا حبيبتي. قوليلي بقى... إنتِ مش ناوية تتجوزي؟ ولا إيه؟ خصوصًا إنك داخلة على التلاتين. حسيت الكلمة نطت في قلبي. والنظرات اتوجهت لي تاني. كل اللي كان بيعمل حاجة سابها، وبقى باصص. ليه دايمًا مصممة تحرجني؟ ليه؟ أماني كانت لسه داخلة علشان ترد... بس أنا مسكت إيديها. لا. من النهارده، أنا اللي هجيب حقي بنفسي.
كنت قبل كده ساكتة علشان شادية تبقى أخت راشد. إنما دلوقتي؟ ولا شادية... ولا راشد... بقى يفرقوا معايا. رفعت راسي، وبصيت لها بثبات: _هو إنتِ ليه محسساني إن الجواز هو الإنجاز الوحيد في الكون؟ سكت المكان. كملت: _هو آه، سنة الحياة، بس مش هو الحياة كلها. إنتِ قبل ما تفكري في الجواز، لازم تكوني بانية نفسك، مستقبلك، شهادتك، وشغلك. ابتسمت بهدوء: _الحمد لله... أنا دلوقتي خلصت كلية التمريض، وعملت دبلومة،
وكمان بقيت مُعدة في الكلية. قربت خطوة: _قوليلي بقى إنتِ... عملتي إيه إنجاز غير الجواز؟ ما سبتلهاش فرصة ترد. لفت، وأخدت بعضي، وطلعت بره. كنت سامعة الهمس ورايا. ومستغربة... القوة دي كلها جات لي منين؟ وفجأة... سمعت الصوت. أكتر صوت كنت بحبه في حياتي... ودلوقتي؟ مش طايقاه. قال بهدوء مستفز: _جبتِ القوة دي كلها منين؟ ولا بُعد الأربع سنين دول عني... علموكي القوة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!