الفصل 2 | من 7 فصل

رواية ظلك بعيد الفصل الثاني 2 - بقلم الاء محمد حجازي

المشاهدات
27
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

جبتِ القوة دي كلها منين؟ ولا بُعد الأربع سنين دول عني علّموكِ القوة؟ قرّب خطوة، وعيونه كانت بتلمع وهو بيبص لي من فوق لتحت: _بقيتي جميلة يا هدير. ابتسمت، بس مش ابتسامة خجل، ابتسامة قوة: _أنا جميلة طول عمري يا راشد، يمكن إنت اللي كان نظرك مش سليم قبل ما تسافر. اتشدّ، بس حاول يبان ثابت: _طيب، ما اتجوزتيش ليه لحد دلوقتي؟ كنتِ مستنياني... صح؟ ضحكت ضحكة خفيفة، بس فيها سخرية:

_لا، مش صح. أصلًا يا راشد إنت، من ساعة ما سافرت وأنا طلعت من حياتك. إنت كنت فترة مراهقة، حاجة كده عدّت بسرعة... وخلاص. سكت شوية، وبعدين قربت أكتر: _بس أحب أقولك حاجة. الرجالة بس هي اللي بتوفي بوعودها. إنت المفروض تتعلم منهم يعني إيه وفاء. صوته واطي شوية: _هدير... أنا عارف إني غلطان، وعارف إني بعدت، بس صدقيني... غصب عني. رفعت حاجبي، وصوتي طلع تقيل: _غصب عنك؟ غصب عنك ما عرفتش في مرة تكلّمني وتقول لي: شوفي حالك؟

ولا كنت واثق إنك هترجع تلاقيني مستنياك؟ قربت أكتر: _أحب أقولك على فكرة... إنت غلطان. بلع ريقه وقال بسرعة: _اسمعيني بس... أنا اتجوزتها علشان أخد الجنسية. ضحكت، بس المرة دي بمرارة: _عذر أقبح من ذنب. حتى المبررات اللي بتجيبها بتخلّيك تقل في نظري أكتر. ثبّت عينيّ في عينه: _تعرف؟ أنا بحمد ربنا إنك اتجوزت. علشان عمري ما كنت أرضى إن يبقى في حياتي شخص زيك. ابتسم بغرور: _ولو مش زيّي... كنتِ مستنياني ليه؟

ليه ما دخلتيش حد في حياتك؟ نفخت نفس عميق: _قلتلك قبل كده، دي مش علشانك. وباندفاع: _وبعدين... مين قالك إني مش في حياتي حد؟ أنا في حياتي شخص، وقريب قوي كمان. وهعزمك على شبكتي، بما إنك رجعت من السفر. اتسعت عينه: _إنتِ بتقولي كده بس علشان تغيظيني. ابتسمت بثقة: _أنا لو هغيظ حد، يبقى حد فارق معايا. إنت؟ إنت مش فارق. لفّيت علشان أمشي. خطوت خطوتين... وبعدين وقفت. رجعت له تاني، بصّيت له نظرة أخيرة: _آه صح يا راشد...

حمد لله على السلامة. وسبته. مشيت. وسيبت قلب كنت فاكرة إنه وطني... وطلع محطة. أخدت بعضي ومشيت من المكان. ما قدرتش أكمّل دقيقة زيادة. كل حاجة كانت بتخنقني... ناس، ضحك، مجاملات، نفاق ملفوف في ابتسامات. روحت البيت. غيرت هدومي بسرعة، لبست بنطلون جينز وتيشرت بسيط. كنت محتاجة أكون أنا... من غير تزيين، من غير تمثيل. أنا من الناس اللي ما بتعرفش تنهار قدّام حد. ما بعرفش أعيّط وأنا بحكي. موجوعة؟

آه. بس الوجع ده دايمًا بشيله لوحدي. مفيش حد أحكيله. فبروح للمكان الوحيد اللي ما بيحكمش... البحر. ركبت وروحت. كان في كافيه فاتح على البحر. مش جديد قوي... هو قديم، بس مجدّدينه. وأنا بحبّه. مكان هادي. دافي. روحه حلوة. دايمًا مشغّلين قرآن. النوع اللي يدخل القلب من غير ما يستأذن. بحب أقعد هناك علشان الراحة اللي بحسّها كل مرة. وصاحب المكان...

دايما لامم حوالي خمس ستة واقفين جنبه، وبيكلمهم دايمًا في حاجات في الدين. بحب أسمعه. بيقول حاجات أول مرة أسمعها في حياتي. حاجات بجد بستفاد منها. وصلت. طلبت كابتشينو. وطلعت قعدت في ركني المعتاد. ترابيزة في وش البحر بالظبط. الهوى بيخبط في وشي، وصوت الموج كأنه بيحاول يفهمني إن الدنيا أوسع من وجعي. لسه بأخد أول رشفة... وفجأة حسّيت بحركة غريبة. بصّيت ناحية الباب. دخل...

بكاريزمته. مش محتاج يعمل حاجة. مجرد دخوله كان كفاية. نص الكافيه تقريبًا اتحرك ناحيته. واحد منهم قال له: _اتأخرت كده ليه يا مسلم؟ في ناس كتير مستنياك علشان تعرف موضوع النهارده عن إيه. وقف شوية، وبص حواليه. وفجأة... عينيه جت ناحيتي. بص لي من فوق لتحت، نظرة هادية، ثابتة، لا فيها قلة ذوق ولا فضول زيادة. وبعدها قال بصوت واطي بس واصل: _النهارده هنتكلم عن... تشبّه النساء بالرجال. أول ما قال كده...

الناس بصّت لبعضها. في همهمة خفيفة. في فضول. في انتظار. وأنا؟ قعدت مكاني. الكوباية في إيدي. قلبي مش عارف ليه دقّ دقة غريبة. وقف مسلم في نص المكان، لا رفع صوته ولا حاول يشد الانتباه بحركة. سكوته الأول كان أطول من أي كلام. وبعدين قال بهدوء عجيب: _قبل ما أتكلم... خلّينا نتفق على حاجة. الدين مش جاي يضيّق على حد، ولا جاي يكسر حد، ولا جاي يمنع الفرحة ولا الجَمال. الدين جاي يكرّم. سكت ثانية، وبص حواليه:

_النهارده هنتكلم عن تشبّه النساء بالرجال. مش علشان ندان، ولا علشان نجرح، لكن علشان نفهم: ربنا ليه فرّق؟ تنفّس بعمق: _ربنا سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان، ما خلقوش عبث. قال في كتابه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سورة التين: 4] يعني كل تفصيلة فيكِ... مقصودة. مدروسة. مُكرَّمة. هدير كانت سامعة. ساكتة. بس قلبها بدأ يتحرّك. كمّل: _ربنا خلق الرجل...

وخلق المرأة. وكرّم الاتنين. لكن كل واحد له طبيعة، وله دور، وله جَمال خاص بيه. وقال: _ربنا قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [سورة آل عمران: 36] مش تفضيل. مش انتقاص. تمييز حكمة. وقف لحظة: _المشكلة إننا بقينا فاكرين إن الجمال في التقليد. إن القوة إنك تبقي نسخة من غيرك. وإن الموضة اللي جاية من برّه هي اللي تقول لنا نلبس إيه ونخلع إيه. ضحكة خفيفة: _والغرب نفسه؟

بيغيّر الموضة كل شوية. إحنا بس اللي بنجري وراهم وكأنهم وصلوا للحقيقة. قال بصوت أعمق: _ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [سورة الأعراف: 26] يعني اللبس... ستر. وجَمال. مش مسخ للهوية. هدير شدّت إيديها على الكوباية. حاسّة إن الكلام داخل في حتة ما حدش لمسها قبل كده. كمّل:

_ربنا ما خلقش الست علشان تنافس الراجل. ولا علشان تقلّده. خلقها معزّزة، مكرّمة، محفوظة. وقال بهدوء موجع: _ربنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: 59] ليه؟ ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ يعني تُعرَف... مش تُخفى. تُحترم... مش تُستَهلَك. هدير حسّت بعينيها بتدمع، بس دموع هادية، فاهمة. قال:

_النبي ﷺ كان واضح. قال في حديث صحيح: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ». وسكت لحظة، وبعدين قال بلُطف: _اللعن هنا مش شتيمة. ده تحذير. يعني طريق مؤذي للروح. قرب خطوة: _مش كل بنطلون حرام، ولا كل لبس واسع غلط. لكن الفكرة... النية والهوية. هل أنا بلبس علشان أكون نفسي؟ ولا علشان أهرب من نفسي؟ هدير حسّت إن السؤال اتسأل لها هي. قال:

_النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال» [رواه مسلم] يعني ربنا بيحب الجَمال... بس الجَمال اللي ما يكسّرش الفطرة. سكت، وبعدين قال: _الست لما تحاول تبقى راجل... بتتعب. ولما تحاول تمسح أنوثتها... بتضيع. والراجل لما يحاول يبقى غير راجل... بيضيّع نفسه برضه. رفع عينه: _ربنا ستر الست... مش علشان يخنقها. سترها علشان يحميها. علشان ما تبقاش سلعة. ولا موضة. ولا تريند. صوته بقى أهدى:

_الرجوع للفطرة مش رجوع لورا. ده رجوع للأمان. هدير كانت سامعة... ومش سامعة بس. حاسّة. حاسّة إن في حاجة بتتفك جوّاها. حاجة كانت فاكرة إن القوة في القسوة. والصلابة. والتشبّه. ولأول مرة... تحس إن الأنوثة مش ضعف. دي نعمة. كمّل مسلم، وصوته بقى أعمق، وفيه وجع حقيقي: _بنعمل في نفسنا كده ليه؟ ليه سيبنا الموضة والترند يقودونا؟ وليه بقينا نقلّد من غير ما نفكّر؟ وليه سايبين بناتنا، وأخواتنا، ونفسنا نضيع

من غير ما حد يوقف ويسأل: هو ده صح؟ سكت ثانية، وبعدين قال: _الغرب نفسه مش ثابت. كل يوم ترند جديد. كل يوم شكل جديد. وإحنا؟ إحنا عندنا دين ثابت، وفطرة ثابتة، بس اللي بيتغيّر... إحنا. رفع إيده شوية: _محدش قال إن البنت لما تلبس واسع تبقى أقل جمالًا. بالعكس... في الستر جمال. وفي الهدوء هيبة. وفي الأنوثة رحمة. وبص للناس:

_المشكلة مش في البنطلون لوحده. المشكلة إننا بقينا نخلط. نمسح الفروق. نلغي الهويّة. ونرجع نشتكي إننا تعبانين ومش مرتاحين. قال بنبرة صادقة: _ربنا ما حرّمش علشان يضيّق، حرّم علشان يحمي. وربنا ما أمرش بالستر علشان يخنق، أمر بالستر علشان يرفع القيمة. تنفّس وقال: _إحنا محتاجين نرجع نفكّر. مش نقلّد. نرجع نسأل نفسنا: هو الغلط عندي؟ ولا عند الناس كلها؟ ولا إحنا كلنا محتاجين نراجع نفسنا؟ وبص للسقف: _ربنا يهدينا...

ويهدي بنات المسلمين أجمعين. سكت. والمكان كله ساكت. هدير كانت حاسّة إن الكلام اتقال في وقته. كأن حد ماسك قلبها وبيكلّمه. ليه بلبس كده؟ علشان أبقى جميلة؟ طب وأنا جميلة أصلًا؟ طب الغلط فين؟ عندي؟ ولا في الناس؟ ولا في الدنيا اللي بقت مقلوبة؟ حاسّة إنها تايهة. مش قادرة تفكّر أكتر. قررت تنام. قامت بهدوء، دفعت الحساب، ومشيت شوية على البحر. الهوى كان هادي. بس دماغها زحمة. وفجأة سمعت صوت وراها: _يا آنسة... آنسة!

لفّت. واتفاجئت. _أنه مسلم. اتلخبطت: _خير حضرتك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...