رواية ثمن العناد الجزء الثاني 2 بقلم نور محمد ثمن العنادرواية ثمن العناد الحلقة الثانية الورقة وقعت من إيد طارق كأنها جمرة نار حرقت صوابعه. البيت اللي كان من دقيقة واحدة مليان صريخ وزعيق وردح، اتقلب في ثانية لـ “قبر” ساكت، مفيش فيه غير صوت أنفاس مكتومة ورعب بيتحرك في الزوايا. منى صرخت صرخة هزت حيطان الشقة: ”ابنييييي! يوسف ضاع يا طارق! ضيعت ابني عشان فلوسك وعنادك! يا رب يا رب رجعهولي!
جريت منى على الشباك المفتوح، رمت نص جسمها برة وهي بتبص في ضلمة المنور الضيق، بتناديه بأعلى صوتها وصوتها بيشرخ من العياط: “يوسف! يا حبيبي رد عليا لو سامعني! يوسف متوجعش قلبي عليك! ”.. لكن المنور مكنش فيه غير صدى صوتها المرعب اللي بيرد عليها بالخيبة. طارق كان واقف في نص الأوضة زي الصنم، عينه مبرقة على السرير الفاضي، الكلمات اللي في الورقة بتتعاد في ودنه زي السكاكين
(أنا مشيت عشان أنتوا بتزعقوا بسببي.. ومحدش فيكم بيحبني) . مسك راسه بإيديه الاتنين وبدأ يلوش في الأوضة زي المجنون، يفتح الدولاب، يدور تحت السرير، يقلب المرتبة كأن الواد ممكن يكون استخبى في أي حشر من الخوف. سعاد (أم منى) لوت بوزها برعب وحطت إيدها على صدرها: “يا مري! الواد هرب؟ هرب إزاي ومنين؟ الشباك ده علوه مترين عن الأرض ومطلي على منور البيت!
يا نهارنا مش فايت لو الواد حصله حاجة في الحارة.. فضيحتنا هتبقى بجلاجل والناس هتقول أكلوا بعض لحد ما طفشوا العيل! الحج محمود بصلها بغل وبصق على الأرض وعينه حمرة من الغضب: “أنتِ لسه بتفكري في الفضيحة يا ست يا ناقصة؟ العيل ضاع بسبب لسانك وبسبب الخراب اللي دخلتِ بيه بيتنا! ابني طلق بنتك غضب عنه من قهرته، لكن أنتِ جاية تخدي الواد تذلينا بيه؟ اشبعي بقى بالبيت والحيطان والواد ضاع! الحج محمود مسمحش للوقت يسرقهم. زعق
في طارق وزق منى وقالهم: “مفيش وقت للعياط والندب! الواد لسه مالحقش يبعد، الشباك ده بيسلم على سطح المحل اللي تحتنا، أكيد نزل منه للحارة.. اخلصوا انزلوا معايا! خرجوا كلهم يجرو على السلم كأنهم مطاردين. في الشارع، كانت الساعة دخلت على واحدة بعد نص الليل. الحارة الهادية فجأة اتملت بحركتهم وصوت عياط منى اللي مكنش راضي يقف. طارق بيجرى يمين وشمال: “يوسف! يا يوسف! رد عليا يا واد أنا أبوك! منى
بتسأل المحلات القريبة: “ما شوفتوش يوسف؟ عيل صغير لابس بيجامة زرقاء؟ بالله عليكم حد شافه؟ صاحب كشك سجاير على أول الشارع بصلهم باستغراب وقال: “في إيه يا حاج محمود؟ مالكم بتجروا كدا ليه في نص الليل؟ الحج محمود بلهفة وسرعة: “يوسف الصغير يا عبده.. خرج من البيت ومش لاقينه، ملمحتوش بيمر ؟ خرج من يجي نص ساعة كدا ولا حاجة؟ عبده بتفكير وهو بيمسح وشه:
“والله يا حاج أنا قاعد هنا من العشا.. ماشوفتش يوسف، بس من حوالي ربع ساعة لمح قطر عيال بتوع الخردة اللي بيلموا كنزات من الصناديق كانوا بيجروا، ومعاهم عيل صغير كدا لابس هدوم بيت.. أنا افتكرته من عيال الشوارع الصغيرين ومخدتش في بالي لأن الدنيا ضلمة والواد كان مغطي راسه بـ “زعبوط” البيجامة.. بس الواد مكنش بيصرخ، كان ماشي معاهم وهو باصص في الأرض.” منى صرخت ولطمت على وشها: “عيال شوارع؟ ابني يمشي مع عيال شوارع يا طارق؟
ده الواد بيخاف من خياله! ده لو شاف قطة في الضلمة بيستخبى في حضني! يا لهوي يا غلبي.. ابني اتمسك.. ابني اتخطف يا ناس! في قسم الشرطة.. طارق من غير ما يفكر مسك إيد منى وجري بيها على رئيس المباحث في قسم الشرطة القريب. الحج محمود وسعاد حصلوهم وهم بينازعوا في أنفاسهم. دخلوا القسم، طارق وشه أصفر زي الليمونة وجسمه كله بيترعش، دخل على مكتب الضابط والنفس طالع داخل بصعوبة:
“الحقني يا باشا.. ابني يوسف عنده 6 سنين ضاع.. هرب من البيت ومش لاقينه، وفي ناس قالوا إنه مشي مع عيال شوارع! الضابط بصلهم بهدوء وثبات، أخد نفس من سيجارته وبص لملامح منى المنهارة وطارق اللي بيموت من الرعب، وسأل ببرود محترف: ”الواد هرب؟ عيل عنده 6 سنين يهرب من بيته في نص الليل لوحده؟ أكيد فيه مصيبة حصلت في البيت خلته يعمل كدا.. انطقوا، كنتوا بتعملوا إيه في البيت قبل ما يهرب؟
منى لفت وشها لطارق وبدأت تصرخ في مكتب الضابط من غير ما تعمل حساب للمكان: “أبوه رمى عليا اليمين يا باشا! طلقني قدام الواد وبسبب الفلوس والمصاريف! فضلنا نصرخ ونزعق والواد واقف يتفرج علينا ويموت من الرعب لحد ما طفش! طارق رد عليها بزعيق وغضب: “أنا اللي طفشته ولا أمك اللي دخلت تشتم وتقول عليا مكسح ومش راجل؟ أنتِ وأمك اللي صغرتوني قدام ابني وكنتوا عايزين تاخدوه مني ذل وقهر! الضابط ضرب المكتب بإيده بقوة هزت المكان،
وصوته رعد في الأوضة: “بسسسس! اخرس أنت وهي! أنتوا جايين تشرشحوا لبعض في القسم؟ الواد ضاع بسبب قرفكم وعنادكم وأنانيتكم! عيل صغير مش فاهم حاجة في الدنيا يشوف أبوه وأمه بيقطعوا في بعض بالطريقة دي عايزينه يعمل إيه؟ يسقف لكم؟ أنتوا الاتنين ما تستاهلوش تكونوا أهل أصلاً! الكلام نزل على طارق ومنى زي المية الساقعة. سكتوا تماماً وبصوا للأرض بخزي وندم حقيقي لأول مرة.. الندم اللي جه بعد فوات الأوان. الضابط
نده على العسكري وقال بحدة: ”اكتب محضر غياب فوراً.. وعمموا مواصفات الطفل يوسف طارق محمود على كل الدوريات ونقاط التفتيش في المنطقة والمناطق المجاورة.. وفتشوا في طائفة عيال الشوارع والمسجلين بتوع التسول اللي بيلموا كنزات في المربع ده حالا! في الجانب الآخر.. في نفس اللحظات دي، في منطقة مهجورة ورا خط المترو القديم.. مكان ضلمة مش بينور فيه غير لمبة واحدة مرعشة من عمود نور مكسور.
كان يوسف قاعد على حجر ناشف، ضامم ركبه لصدره وبيعيط في صمت، الدموع كانت عامله خطوط على وشه اللي اتبهدل بتراب الشارع. البيجامة الزرقاء الجميلة بتاعته اتوسخت، وكان فيه عيلين أكبر منه بسنتين أو ثلاثة، شكلهم يقطع القلب، هدومهم ممزقة ووشهم أسود من الشقى والشارع، واقفين بيبصوا له بخبث وفضول. العيل الأكبر (اسمه حمو) بصل ليوسف وهو بيقلب مطو*اة صغيرة في إيده:
“بقولك إيه يا شاطر.. أنت لابس بيجامة نظيفة أهو، وساعتك دي شكلها غالي.. أنت ابن ناس صح؟ إيه اللي رماك في حتتنا وفي وقت زي ده؟ يوسف بصوت مرعش ومبحوح من كتر الخوف: “أنا.. أنا مشيت من البيت.. بابا وماما مش بيحبوني.. علطول بيزعقوا بسببي وعايزين يسيبوا بعض.. أنا مش عايز أرجع هناك تاني.” العيل التاني (اسمه بلية) ضحك سخرية: “مش عايز ترجع؟ يا عم ده أنت لقطة!
الساعة دي تلزمنا، والبيجامة دي تجيب لها قرشين حلوين.. تعالى معانا بقى للمعلم “سليمان العور”.. وهو هيعرف يشغلك معانا في السريحة والمسح، وهتاكل عيش حاف لحد ما تنسى اسم أبوك وأمك!
يوسف لما سمع كلمة “المعلم” وشاف المنظر المرعب، حس بقلبه هيقف من الخوف. افتكر سريره الدافئ، افتكر حضن أمه لما كان بيخاف من الرعد، وافتكر أبوه وهو بياخده في إيده يشتري له ألعاب.. عرف في اللحظة دي إنه عمل أكبر غلطة في حياته، وإن الشارع مفيش فيه حنية زي ما كان فاكر. وقبل ما حمو وبلية يمدوا إيدهم عليه عشان يمسكوه، يوسف صرخ صرخة مكتومة وجري بأقصى سرعة عنده في الضلمة، وهو مش عارف هو رايح فين.. وعياطه مالي المكان. حمو
بزعيق: “امسكه يا بلية! الواد هيهرب مننا والسبوبة هتضيع! اخلص اجري وراه! في القسم.. كان الفجر بدأ يأذن. منى كانت قاعدة على الكرسي زي الجثة الهامدة، وطارق رايح جاي وعينه على الباب، بيدعي ربنا بكل آية حافظها إن ابنه يرجع سليم. فجأة.. تليفون الضابط رن. الضابط رد بسرعة ووشه اتقلب ملامحه للجدية والرعب التام. بصل لطارق ومنى بنظرة غريبة خلت ركبهم تخبط في بعضها. الضابط قفل التليفون ووقف:
”جالنا بلاغ من دورية قريبة.. لقوا عيل صغير بالمواصفات دي.. بس…” منى جريت عليه ومسكت قميصه بانهيار: “بس إيه يا باشا؟ انطق بالله عليك ابني جرى له إيه؟ يوسف ماله؟ الضابط بصوت منخفض ومكسور: “لقوا بيجامة زرقاء وساعة أطفال صغيرة غرقانين د*م جنب شريط المترو القديم.. وفيه شهود قالوا إن عيال الشوارع كانوا بيجروا ورا عيل ودخلوا المنطقة المهجورة.. إحنا لازم نتحرك حالا!
منى لما سمعت كلمة “د*م”، صرخت صرخة مكتومة ووقعت على الأرض مغمي عليها.. وطارق حس إن الدنيا بتلف بيه والحيطان بتقع فوق راسه.. هل عنادهم دفع تمنه ابنهم الصغير؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!