رواية ثمن العناد الجزء الثالث 3 بقلم نور محمد ثمن العنادرواية ثمن العناد الحلقة الثالثة صرخة منى وهي بتقع على أرضية القسم كانت زي الطلقة اللي أصابت قلب كل واحد واقف في الأوضة. الدنيا اسودت في عين طارق، لقى نفسه بين نارين؛ نار ابنه اللي مش عارف جراله إيه والدم اللي اتلاقى جنب شريط المترو، ونار مراته وأم عياله اللي مرمية بين إيديه زي الجثة الهامدة، وشها أبيض من القماش، وعينها مقفولة كأنها بتهرب من واقع ميرحمش.
طارق صرخ بأعلى صوته وهو بيترمي على الأرض جنبها: ”منى! قومي يا منى بالله عليكي! متعمليش فيا كدا.. يا رب خد من عمري ورجعلي يوسف سليم.. أنا السبب.. أنا اللي خربت بيتي بإيدي وعنادي! سعاد (أم منى) قعدت على الرصيف وبدأت تلطم على وشها بندم حقيقي لأول مرة: “يا خرابك يا سعاد.. يا قهرة قلبك يا بنتي.. الواد ضاع بسببي.. أنا اللي سخنتك وأنا اللي قولتلك اكسري عينه وعين أبوه.. يا رب ارحمنا ورجع الواد!
الحج محمود وقف وسند ضهره على الحيطة، دموعه نزلت على لحيته البيضاء، وبص لطارق بحسرة: “قوم يا ابني.. قوم الحق ابنك.. سيب أمك وسعاد هنا مع العساكر يفوقوا منى، واجري مع الباشا الظابط.. يوسف ملوش ذنب يدفع تمن قلة عقلنا.”
الضابط مسمحش بأي تأخير، شد طارق من إيده وخرجوا يجرو على عربية البوكس، السارينة اشتغلت وصوتها كان بيشق سكون الليل وزي ما يكون بيعلن عن مصيبة.. عربية الشرطة كانت بتطير في شوارع القاهرة الضلمة متجهة لمنطقة شريط المترو القديم. في عتمة شريط المترو.. مواجهة الموت
المكان كان يقطع النفس. ريحة الرطوبة والزبالة، والضلمة الكحل اللي مش بيقطعها غير كشافات عربيات الشرطة. أول ما العربية وقفت، طارق رمى نفسه منها قبل ما تقف تماماً. جرى زي المجنون ورا الظابط والعساكر لحد ما وصلوا للنقطة اللي الدورية واقفة فيها.
على الأرض، وسط الحصى والتراب، كانت الكارثة.. البيجامة الزرقاء اللي منى اشترتها ليوسف في العيد الصغير، مقطوعة ومتبهدلة بتراب الأرض، وجنبها ساعته الصغيرة اللي بتنور، والاتنين متغرقين بقع دم حمراء لسه مانشفتش. طارق ركبه خانته واترمى على الأرض، مسك الساعة والبيجامة وحضنهم لصدره وبدأ يصرخ بصوت مكتوم كأنه ذبيحة: ”لااااااا! يوسف لا!
يا رب ارحمني.. يا رب متوجعش قلبي فيه.. ده حتة مني.. ده أنا كنت بشتغل الليل بالنهار عشان أجيب له اللقمة.. أنا أسف يا يوسف.. أسف يا ابني إن صوتي كان بيعلى.. أسف إني مخدتكش في حضني قبل ما تمشي! الضابط نزل على ركبه وبدأ يعاين المكان بكشافه، وبص لطارق بحدة بس فيها رحمة: “أقscreen تماسك يا طارق!
الدم ده كتير على عيل عنده 6 سنين.. لو كان دمه هو، كان زمان جثته هنا أو كان هيبان أثر سحب.. ركز معايا.. الحصى ده متبهدل، وده معناه إن كان فيه خناقة قوية بين اتنين كبار أو عيال شوارع أشد شوية.. فتشوا المنطقة المهجورة دي حالا! الواد ممكن يكون استخبى في وسط الكراكيب!
بدأوا العساكر يفتشوا بالبيادات والكشافات وسط البيوت المهجورة والغرف القديمة بتاعة عمال السكة الحديد. طارق كان بيتحرك برجل بتترعش، يدخل من أوضة لأوضة، يزق الخشب القديم، ينادي بصوت مبحوح: “يوسف.. أنا بابا يا حبيبي.. متخافش من بابا.. مش هعلو صوتي تاني.. والله ما هخليك تسمع كلمة وحشة.. اظهر يا قلب أبوك.” المفاجأة وراء القطار القديم
وفجأة.. من ورا عربية قطار بضاعة قديمة ومصدية، طارق سمع صوت حركة خفيفة.. صوت نفس مخنوق وعياط مكتوم جداً كأن صاحبه بيموت من الرعب ومش عايز حد يحس بيه. طارق جرى بكل ما فيه من عزم، لف ورا العربية، وسلط كشاف تليفونه.. المنظر كان يوجع الحجر:
يوسف كان مستخبي جوه صندوق حديد قديم ومصدي، ضامم رجله لبطنه، وشه كله تراب ودموع، وهدومه الداخلية مقطوعة.. كان بيترعش لدرجة إن سنانه كانت بتخبط في بعضها من الخوف والبرد. وعلى بعد مترين منه، كان فيه واد من عيال الشوارع (حمو) مرمي على الأرض ومغمى عليه، وراسه بتنزف دم.. وهو ده صاحب الدم اللي كان على البيجامة! يوسف لما حاولوا يسرقوه ويخطفوه، ضرب حمو بحجر على راسه بكل قوته وجرى استخبى هنا، وحمو وقع سايح في دمه! طارق
صرخ بفرحة هزت المكان: “يوسف!!! ابني!! يوسف أول ما شاف أبوه، مرفعش إيده ولا جرى عليه.. بالعكس، اتكمش أكتر جوه الصندوق وحط إيده على راسه وصاح برعب: ”لا يا بابا متضربنيش! متزعقش لماما! أنا مش هطلب ألعاب تاني.. مش هطلب مصاريف.. بس متخليش ماما تمشي وتسيب البيت.. أنا بخاف لما بتزعقوا!
الكلام ده نزل على طارق زي الخنجر اللي اتغرس في قلبه. حس بالخزي والعار من نفسه.. ابنه اللي من لحمه ودمه شايفه مصدر رعب ومصدر تهديد، مش مصدر أمان! طارق اترمى في التراب تحت رجلي يوسف، وبدأ يبوس رجله الصغيرة المتوسخة ودموعه بتغرقها: “أنا اللي أسف يا قلب أبوك.. أنا الكلب.. أنا اللي غبي ومفهمتش قيمتك.. اطلع في حضني يا يوسف.. مش هرفع صوتي تاني أبدًا.. أمك جاية وراك وزمانها بتموت من الخوف عليك.”
يوسف لما حس بنبرة الضعف والدموع الحقيقية في صوت أبوه، رمى نفسه في حضنه.. طارق شاله ورفعه لفوق وكأنه بيملك الدنيا كلها، حضنه بقوة لدرجة إنه كان حاسس بضربات قلب يوسف السريعة اللي بدأت تهدى أول ما شم ريحة أبوه. المشهد الأخير.. في المستشفى والدرس القاسي بعد ساعتين.. في مستشفى دمنهور العام.. يوسف كان قاعد على السرير، الممرضة بتنظف له الخدوش اللي في جسمه وبتعلق له محلول جلوكوز بسبب حالة الانهيار والجوع.
الباب اتفتح ودخلت منى، كانت لسه دايخة وساندة على الحج محمود وأمها سعاد. أول ما عينها وقعت على يوسف، سابتهم وجريت عليه زي القطة اللي بتدور على ابنها، أخدته في حضنها وبقت تبوس كل حتة في وشه وإيديه وهي بتعيط بهستيريا: “يوسف.. الحمد لله يا رب.. رجعتلي يا حتة من قلبي.. أنا أسفة يا ابني.. أسفة إني فكرت في عنادي وفلوسي ونسيتك.. حرمت عليا الدنيا من بعدك.”
طارق كان واقف بعيد.. باصص لمنى وباصص لابنه.. وعينه جت في عين الحج محمود وأم منى (سعاد) . المكان كله كان ساكت، مفيش فيه غير صوت دموع ونفس نادم. الحج محمود قرب من طارق ومنى، وبص لهم بنظرة أب حكيم وقال بصوت مؤثر: ”شفتوا العناد وداكم لفين؟ شفتوا لما كل واحد فيكم فكر في كرامته المزيفة وأنانتيتكم، كنتوا هتخسروا إيه؟
البيوت مابتتبنيش بالصوت العالي ولا بالردح والمحاكم.. البيوت بتتبني بالستر والرحمة.. العيل ده كان هيبقى ضحية، كان هيموت أو يتشرد في الشوارع بسبب كلمة (أنا طالق) وكلمة (هخرب بيتك) سعاد (أم منى) نزلت راسها الأرض وبكت بكسرة:
“أنا أسفة يا جماعة.. أنا اللي دخلت بينكم بالخراب.. الحموات اللي بيدخلوا يشعللوا النار في بيوت عيالهم عشان يثبتوا كلمتهم هما السبب في خراب نص بيوت البلد.. من اليوم وطالع، أنا ماليش دعوة ببيتك يا بنتي.. عيشي مع جوزك بالرضا والستر.” طارق قرب من سرير يوسف، وبص لمنى وقال بنبرة هادية ومكسورة:
“منى.. أنا عارف إني غلطت.. وعرفت إن ضغط الحياة والمصاريف خلاني أبقى عصبي وأنسى إنك شريكة حياتي.. الطلاق اللي حلفته ده لغو يمين من الغضب، وإحنا لازم نروح لدار الإفتاء نوثق رجوعنا.. بس قبل ما نرجع لبعض، لازم نتفق.. يوسف خط أحمر.. مشاكلنا تتشال جوه أوضتنا وقفل بابنا، والواد ده ملوش ذنب يشيل هم فوق همه.” منى بصت لطارق ودموعها نازلة، بس كانت دموع راحة، وهزت راسها بالموافقة:
“أنا موافقة يا طارق.. العيشة المرة بالرضا والأمان أحسن من ألف قصر وفلوس مليانة خوف وزعيق.. يوسف رجع لنا بالدنيا.. ومش هسمح لشيطان يدخل بيننا تاني.” يوسف بص لأبوه وأمهم وهم ماسكين إيد بعض، ولأول مرة من شهور، تترسم ابتسامة حقيقية وصغيرة على وشه الطفولي، وحط راسه على صدر أمه وهو ماسك إيد أبوه.. وعرف إن العاصفة عدت، وإن بيته رجع له تاني.
انتهت حكاية يوسف وطارق ومنى.. درس قاسي لكل أب وأم بيفكروا في عنادهم وبينسوا أطفالهم.. البيوت أمان، والأطفال مش سلاح للحرب في المحاكم! لو القصة دي عجبتكم وفيها فكرة مفيدة شاركوها واكتبوا لي في التعليقات رأيكم بصراحة في تصرف طارق ومنى؟ وتفتكروا مين الغلطان أكتر.. الأهل ولا الزوجين؟ استنوني في روايه جديدة وفكرة جديدة مشوقة.. مستعدين؟ تمت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!