رواية تمرد برائحة المسك الجزء العاشر 10 بقلم نون تمرد برائحة المسكرواية تمرد برائحة المسك الحلقة العاشرة نزل الهاتف من على أذن عاصم ببطء و عروق رقبته تنذر بكارثة. نظر إلى مِسك وقال شادي بيهدد يا مِسك. بيقول إنه أخد معاه حاجة هتهد كل اللي بنبنيه ابتسمت مِسك ببرود ثلجي، وأسندت خصرها على حافة الطاولة الزجاجية بثقة الكلب اللي بيهوهو مابيعضش يا عاصم بس شادي جبان، والجبان لما بيترعب، بيعض في طارق لازم يراجع الـ (Logs)
بتاعت سيرفرات الشركة فوراً، نعرف هو سحب إيه قبل ما يمشي. قبل أن يمسك عاصم هاتفه دخل طارق الغرفة بدون استئذان. كان وجهه شاحباً، يتنفس بصعوبة، واللاب توب في يده مصيبة يا عاصم! مصيبة سودة صرخ طارق وهو يضع الجهاز على الطاولة. عاصم … انطق يا طارق في إيه؟ ابتلع طارق ريقه وقال بصوت مهزوز شادي سحب الداتا بيز بتاعت (مشروع العاصمة)
.. الملف المالي والهندسي بالكامل. والأوسخ من كده، الكاميرات جابته من نص ساعة وهو قاعد في كافيه مع رشدي السلحدار تجمد الدم في عروق عاصم، بينما ضاقت عينا مِسك بحدة. رشدي السلحدار هو الحوت الأكبر في السوق والمنافس الأشرس لعاصم. وغداً في تمام التاسعة صباحاً، سيتم فتح المظاريف لمناقصة “المدينة الذكية بالعاصمة”، وهو أكبر مشروع حكومي في تاريخ الشركة. إذا عرف رشدي السعر الذي وضعه عاصم، سيقوم بتقديم سعر
أقل بـ 1% فقط، ويفوز بالمشروع الذي وضعت فيه مجموعة الدمنهوري كل سيولتها النقدية لضمان الفوز. خسارة المناقصة تعني إفلاس الشركة فعلياً ضرب عاصم الطاولة بقبضته ضربة كادت أن تهشم الزجاج وصاح بغضب أعمى ابن الـ… باع شقى سنة كاملة وتعب مهندسين الشركة لعدوي عشان يكسرني! أنا هروح أخلص عليه وأشرب من دمه النهاردة!
تحرك عاصم نحو الباب كوحش كاسر، لكن “مِسك” اعترضت طريقه. وقفت أمامه مباشرة، وضعت يديها على صدره، وقالت بلهجة حاسمة و صارمة “إهدى! الغضب دلوقتي مش هيفيد حاجه يا عاصم. لو روحت ضربته أو قتلته، رشدي السلحدار هياخد المناقصة بكرة الصبح وإنت في السجن. شادي عمل كده عشان يخرجك عن شعورك وتغلط.. مش هسمحلك تديله المتعة دي!
توقفت أنفاس عاصم وهو ينظر في عينيها المشتعلتين بالتحدي. صدره يعلو ويهبط، لكن لمستها على صدره كانت كالماء البارد على الحديد المنصهر. همس من بين أسنانه المظاريف هتتفتح بكرة الساعة 9 الصبح يا مِسك. رشدي معاه تسعيرتنا بالقرش. إحنا انتهينا، مفيش وقت نغير دراسة جدوى بتاخد شهور في 12 ساعة! أبعدت مِسك يديها عن صدره، واستدارت نحو شاشة العرض. التمعت عيناها ببريق عبقرية هندسية خطيرة
وقالت بابتسامة ماكرة جعلت طارق وعاصم يتبادلان النظرات “مين قال إننا محتاجين شهور؟ إحنا مش هنغير السعر يا عاصم… إحنا هنضرب المشروع نفسه في مقتل التفتت إليهما، وبدأت تشير إلى الشاشة بسرعة وثقة “رشدي معاه التصميم القديم. التصميم ده بيعتمد على الكهرباء العادية في تشغيل المدينة الذكية، وده اللي مخلي تكلفة التشغيل عالية. إيه رأيك لو الليلة دي، أنا وفريق الديزاين حولنا 40% من طاقة المشروع لـ
(طاقة شمسية متكاملة في واجهات المباني) اتسعت عينا طارق بذهول ده هيقلل تكلفة التشغيل على الحكومة للنص! بس تكلفة البُنى علينا هتبقى أغلى! قاطعته مِسك بنظرة شرسة وهنا يجي دور عاصم الدمنهوري. علاقاتك بمصانع الخلايا الشمسية في الصين يا عاصم.. تقدر تجيبلي توريد مباشر بسعر التكلفة الليلة دي وتوقع معاهم أونلاين؟ لو عملت كده، هنقدر ننزل بسعر عطائنا بكرة 15% كاملين عن السعر اللي شادي باعه لرشدي..
والمشروع هيبقى بتاعنا، ورشدي هياخد خازوق عُمره نظر عاصم إلى هذه المرأة التي تقف أمامه كقائدة أوركسترا في وسط الجحيم لم يرَ فيها حبيبته فقط، بل رأى عقلاً يوزن ببلد كاملة ابتسم ابتسامة مفترسة، وسحب هاتفه قائلاً “طارق.. اطلبلي القهوة، واقفل أبواب الشركة دي بالضبة والمفتاح. مفيش مخلوق هيخرج لحد الصبح. مِسك.. هاتيلي التصميم الجديد.. وأنا هجيبلك الخلايا الشمسية بنص تمنها الرابعة فجراً –مكتب التصميمات
كانت المكاتب مغطاة بأكواب القهوة الفارغة والمخططات. المهندسون يركضون كخلية نحل. كانت مِسك تجلس على الأرض حافية القدمين، شعرها مرفوع بقلم، والآيباد على ركبتيها، ترسم وتعدل الأرقام بسرعة جنونية. دخل عاصم المكتب. كان قد خلع ربطة عنقه، وفتح أزرار قميصه محاولاً التقاط أنفاسه بعد 6 ساعات من المفاوضات القاتلة مع الموردين في آسيا. وقف يراقبها بصمت. تأمل إرهاقها، وتركيزها، وكيف تحارب من أجل كيانه بشراسة نادرة.
اقترب منها، وجلس على الأرض بجوارها. لم يقل شيئاً، بل أسند ظهره للحائط، ومد يده السليمة ليمسح بلطف على خصلات شعرها المتمردة. توقفت مِسك عن الكتابة للحظة وأسندت رأسها على كتفه بتعب شديد، وأغمضت عينيها. تعبتي؟ سألها بصوت دافئ جداً، ردت بهمس وهي تستنشق رائحة عطره التي تطمئنها أنا مابرتاحش غير في وسط المعركة… طول ما إنت اللي في ضهري بتحميني يا عاصم. طبع قبلة عميقة على قمة رأسها وقال بصدق يهز الجبال
أنا مش بس في ضهرك.. أنا سيفك اللي هتضربي بيه أي حد يفكر يمس شعرة منك. خلصتى الأرقام؟ فتحت عينيها، ورفعت الآيباد بابتسامة خبيثة …جاهزة للطباعة والختم.. رشدي وشادي بكرة هيقروا الفاتحة على روحهم التاسعة صباحاً –مقر وزارة الإسكان (قاعة فتح المظاريف) كانت القاعة تعج بكبار المستثمرين والصحفيين. في الصف الأول جلس “رشدي السلحدار” ينفث دخان سيجاره بغرور، وبجواره يجلس “شادي” مبتسماً بشماتة ينتظر لحظة إعلان انهيار أخيه
فُتحت الأبواب المزدوجة ببطء. دخل عاصم الدمنهوري بكامل أناقته بخطوات الإمبراطور الواثقة. وبجواره.. كانت مِسك ترتدي حذاءً ذا كعب عالٍ يطرق الأرض بإيقاع يشبه العد التنازلي للقنبلة، تمشي بجانبه كملكة لا تُقهر. مر عاصم من أمام شادي ورشدي. توقع شادي أن يرى الغضب أو التوتر في وجه أخيه، لكن عاصم لم ينظر إليه حتى.. وكأنه غير مرئي هذا التجاهل التام كان أقسى من ألف صفعة. وقف وكيل الوزارة على المنصة وبدأ في فتح المظاريف.
عطاء شركة (السلحدار جروب) .. بقيمة 4 مليار و 900 مليون جنيه. ابتسم رشدي بخبث، ونظر لشادي. هذا الرقم أقل بـ 100 مليون من الرقم القديم لعاصم. اللعبة انتهت. أمسك الوكيل بمظروف عاصم، فتحه، وعقد حاجبيه بذهول وهو يقرأ الورقة، ثم نظر إلى عاصم بابتسامة انبهار قبل أن يعلن في الميكروفون عطاء (مجموعة الدمنهوري)
.. تم تعديل العرض الفني بالكامل لمدينة تعتمد على الطاقة الشمسية، وبناءً عليه، قيمة العطاء الجديد هى 4 مليار و 200 مليون جنيه فقط.. مع توفير 30% من تكلفة تشغيل الدولة! الفائز بالمناقصة رسمياً.. عاصم بيه الدمنهوري! انفجرت القاعة بالتصفيق. سقط السيجار من فم رشدي السلحدار، بينما تحول وجه شادي إلى ورقة بيضاء خالية من الدماء. جحظت عيناه وهو يدرك أنه لم يتم اختراقه فقط، بل تم التلاعب به لسحب منافسهم إلى فخ مميت
نهض عاصم، وزرر بدلته بهدوء تام. التفت نحو مِسك، وأمام عدسات الصحفيين وكبار الدولة، أمسك يدها، وطبع عليها قبلة راقية تحمل كل معاني الاحترام والانتصار، ثم التفت ونظر مباشرة في عيني شادي المنهار تقدم عاصم ببطء حتى وقف أمام شادي ورشدي. انحنى قليلاً نحو شادي، وقال بصوت منخفض لم يسمعه سواه، بلهجة تقطر سماً وسخرية إنت فكرت إنك لما تسرق الورق، هتكسرني.. بس نسيت قاعدة مهمة أوي يا شادي…
أشار بعينيه نحو مِسك التي كانت تقف بشموخ تبتسم ببرود، وتابع “اللي بنى الإمبراطورية دي.. هي الملكة اللي واقفة هناك دي. طول ما عقلها معايا.. إنتوا مجرد اشياء بندوس عليها وإحنا ماشيين اعتدل عاصم في وقفته، ونظر لرشدي السلحدار قائلاً بابتسامة ثلجية هارد لك يا رشدي بيه.. ياريت المرة الجاية لما تحب تلعب، تنقي جاسوس دمه ميكونش رخيص للدرجة دي.”
استدار الإمبراطور، ووضع يده أسفل ظهر ملكته، وخرجا معاً من القاعة وسط فلاشات الكاميرات تاركين خلفهم رماد أعدائهم يتطاير في الهواء
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!