وقف عاصم واضعاً يديه في جيوب بنطاله يراقبها من بعيد وهي تقف أمام لوحة التخطيط الهندسي تشرح لفريق العمل تفاصيل المشروع الجديد ببراعة وثقة.
مِسك… الاسم الذي يحمل من صاحبته كل النصيب
منذ أن عادت من الخارج وتسلمت إدارة القسم الهندسي في شركته وهي تعامله ببرود قاتل
برود يمحو كل ذكريات عشقهما الذي كاد أن يحرق العالم يوماً ما كان يعلم أنه هو من دفعها للرحيل منذ ثلاث سنوات بحجة حمايتها من صراعات عائلته
لكنه لم يتوقع أبداً أن تعود بهذا الجليد الذي يغلف روحها.
بمجرد أن انصرف المهندسون وبقيت وحدها تجمع أوراقها، لم يستطع كبح جماح الشوق الذي ينهش صدره.
بخطوات هادئة ومدروسة كفهد يقترب من فريسته، أغلق باب المكتب بالمفتاح، وتقدم نحوها.
شعرت بهالتها تُسلب بمجرد اقترابه، فرائحة عطره كانت كفيلة بإرباك حواسها. تصنعت الانشغال بأوراقها وقالت دون أن ترفع عينيها
الاجتماع خلص يا عاصم بيه، في تعديلات تانية حابب تضيفها؟
توقف خلفها مباشرة، مسافة شعرة تفصل بين جسده الصلب وظهرها. انحنى قليلاً حتى لامست أنفاسه الحارة صوان أذنها، وهمس بصوت أجش يحمل كل عذاب السنين
هتفضلي تمثلي دور المديرة الباردة ده لحد إمتى يا مِسك؟
أغمضت عينيها لثانية واحدة، تبتلع ريقها وهي تحاول السيطرة على جيش النبضات الذي تمرد في صدرها.
استدارت ببطء لتواجهه، رافعة رأسها بشموخ، وقالت بنبرة حاولت جعلها جليدية
ـ أنا مابمثلش. دي النسخة اللي حضرتك صنعتها، ولا نسيت؟
ابتسم بمرارة، وعيناه السوداوان تتفحصان ملامحها بشغف كاد أن ينطق. رفع يده ببطء شديد، وبظهر أصابعه مرر لمسة خفيفة على طول خط فكها حتى ذقنها، وقال
بصوت خفيض أقرب للرجاء
ـ النسخة دي بتكدب.. عينيكِ بتفضحك يا مِسك. لسه بتترعشي لما بقرب، ولسه ريحة عطري بتلخبط أنفاسك.
ضربت كلماته وتراً حساساً في أنوثتها. كيف يتجرأ على اقتحام حصونها بهذا الغرور بعد كل ما فعله؟ قررت أن تقلب الطاولة، وأن تلعب على أوتار جنونه هي الأخرى.
ابتسمت ابتسامة ساحرة، مليئة بالدهاء الأنثوي، واقتربت منه خطوة إضافية بدلاً من التراجع، حتى تلامس صدريهما.
رفعت كفيها ببطء، ووضعتهما على صدره العريض، تحديداً فوق موضع قلبه، ونظرت في عينيه مباشرة بتحدٍ أربك حساباته
ـ تصدق معاك حق؟ نبضي فعلاً سريع…
(توقفت لثانية وهي تضغط بخفة على صدره، ثم تابعت بهمس خطير
ـ بس ده مش من الشوق يا عاصم بيه… ده من الإشفاق عليك، لإن قلبك اللي تحت إيدي ده بيدق بسرعة كإنه هيخرج من مكانة. مين فينا اللي بيكدب دلوقتي؟
اتسعت حدقتاه بذهول من جرأتها. لم تعد تلك الفتاة الرقيقة التي كانت تبكي لغيابه. أصبحت امرأة تعرف كيف تشعل النيران وتنسحب.
استفزته كلماتها وثقتها المهلكة، فامتدت يداه في حركة خاطفة لتمسك بخصرها النحيل، رافعاً إياها قليلاً عن الأرض ليثبتها على حافة المكتب الخشبي خلفها. حاصرها بجسده، وانحنى حتى تلاقت أنفاسهما في مساحة لا تتسع لمرور الهواء.
قال بنبرة تحمل تحذيراً مبطناً وعشقاً مهلكاً
ـ بتلعبي بالنار يا مِسك، وإنتِ عارفة إني مابرحمش في اللعب.
مالت برأسها للخلف قليلاً، شعرها الحريري ينسدل كشلال أسود على المكتب، ونظرت لشفاهه التي تبعد عنها مليمترات بابتسامة غاوية، قبل أن تعود لعينيه وتقول بصوت خافت كالحرير
ـ النار دي بتاعتي أنا يا عاصم، وأنا اللي بقرر إمتى تحرق.. وإمتى تدفي.
كانت شفاهها تدعوه، وعيناها تتحداه. لم يعد يحتمل هذا التعذيب اللذيذ. اقترب ليلتهم شفتيها ويحطم كل المسافات، مستسلماً لعطشه الطويل لها…
ولكن، قبل أن تلامس شفتاه خاصتها، وضعت إصبعها السبابة برقة بالغة على شفتيه، مانعة إياه من التقدم.
نظرت في عينيه المليئتين بالرغبة المشتعلة والخذلان في آن واحد، وقالت بهمس مدمر:
ـ مش بالسهولة دي.. اللي كسرتُه في سنين، مش هصلحُهولك في لحظة ضعف.
أزاحت يديه عن خصرها ببراعة وتماسُك يُحسد عليه، وانزلقت من على المكتب واقفة بكامل أناقتها وكبريائها.
التقطت ملفاتها من على الطاولة، وقبل أن تتجه نحو الباب، التفتت إليه. كان يقف مكانه، صدره يعلو ويهبط بأنفاس لاهثة، وعيناه تشتعلان بغضب ورغبة لم يسبق لها مثيل.
ابتسمت مِسك بدلال وثقة، وقالت بنبرة عملية وكأن شيئاً لم يكن:
ـ على فكرة، الاجتماع الجاي الساعة 3. ياريت حضرتك تظبط الجرافتة بتاعتك قبل ما تخرج.. شكلها اتلخبط أوي.
أعطته ظهرها وفتحت الباب مغادرة، تاركة إياه في حالة من الفوضى العارمة. مسح عاصم على وجهه بقوة، وأطلق ضحكة خافتة مذهولة من سحرها الذي تضاعف، وهو يتمتم لنفسه
ـ “والله لتدفعي تمن اللحظة دي غالي يا مِسك”.
في تلك اللحظة، دخل “طارق”، صديقه ومدير أعماله، وهو يحمل بعض الأوراق. نظر إلى عاصم، ثم إلى الباب الذي خرجت منه مِسك للتو. لاحظ طارق تنفس عاصم السريع، وعقده لربطة عنقه التي كانت شبه مفكوكة، فابتسم طارق بخبث وقال:
ـ أنا كنت جاي أراجع معاك الميزانية.. بس من الواضح كده إن “البشمهندسة” لسه مراجعة معاك حسابات تانية خالص، وطلعتك خسران!
رمقه عاصم بنظرة حارقة كادت أن تذيبه، وقال بغضب مصطنع يخفي وراءه عاشقاً مهزوماً:
ـ حط الورق واطلع برا يا طارق.. برا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!