الفصل 2 | من 7 فصل

رواية تمرد برائحة المسك الفصل الثاني 2 - بقلم نون

المشاهدات
61
كلمة
912
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

وقف عاصم في منتصف مكتبه لثوانٍ، يحدق في الفراغ حيث كانت تقف منذ لحظات.
تنفس بعمق، فملأت رائحة عطرها ذلك المِسك الآسر ـ رئتيه، وكأنها تركت جزءاً من روحها متعمداً ليعذبه.
التفت نحو المرآة الطولية المثبتة في زاوية الغرفة. كانت ربطة عنقه الحريرية مائلة قليلاً، وياقة قميصه العلوية تحمل تجاعيد خفيفة أحدثتها قبضتها.
مرر أصابعه على مكان لمستها وابتسامة بطيئة، خطيرة، وذات مغزى لُعبت على شفتيه. لقد أعلنت الحرب، ولامست غروره في مقتل ولم تكن تعلم أن “عاصم الدمنهوري” لا يلعب ليتعادل.. بل ليمحو الخصم.
تمتم بصوت خفيض وعيناه تلمعان بتحدٍ مفترس
هنشوف يا مِسك.. مين اللي ناره هتحرق التاني الأول.
على الجانب الآخر من الردهة..
بمجرد أن دخلت “مِسك” مكتبها وأغلقت الباب بالمفتاح، سقط قناع الجليد الذي كانت ترتديه ببراعة. أسندت ظهرها إلى الباب وأغمضت عينيها بقوة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف وكأنها كانت تركض في ماراثون.
رفعت يدها المرتجفة لتلمس شفتيها.. كادت أن تضيع. مسافة مليمترات قليلة كانت تفصلها عن الانهيار بين ذراعيه والعودة لتلك الفتاة الساذجة التي كان يحرّكها بكلمة. أنفاسه، رائحته، نظرة الخذلان والرغبة في عينيه..
كل شيء كان يسحبها نحو الهاوية.
لا تضعفي يا مِسك.. إياكي همست لنفسها بصرامة وهي تتوجه نحو مكتبها، تسند كفيها على سطحه وتنظر لتلك المرأة القوية التي تنعكس على زجاج النافذة
“اللي رماكِ في نص العاصفة زمان متستنيش منه يكون هو الأمان دلوقتي
مرت الساعات ثقيلة ومزدحمة بالعمل. دقت الساعة التاسعة مساءً.
أصبحت الشركة شبه خاوية إلا من أفراد الأمن، وصوت المطر الذي عاد ليضرب النوافذ بشراسة أكبر.
في مكتبها، كانت مِسك تقف حافية القدمين بعد أن تخلصت من حذائها ذي الكعب العالي الذي أرهقها.
جمعت شعرها في كعكة فوضوية عشوائية باستخدام قلم رصاص، وكانت تنحني فوق لوحة هندسية ضخمة، تمسك بمسطرتها وتضع تعديلات أخيرة على التصميم.
في هذه اللحظات، عندما تكون وحدها، تعود لطبيعتها العفوية، بلا تكلف، بلا أقنعة.
فجأة، انفتح الباب بهدوء لم تلاحظه في البداية، حتى تسللت إلى حواسها تلك الرائحة المهلكة..
انتفضت بحدة واستدارت، ليسقط القلم من يدها ويتدحرج على الأرض.
كان “عاصم” يقف مستنداً بكتفه على إطار الباب، واضعاً يداً في جيبه، واليد الأخرى تحمل فنجانين من القهوة الساخنة
كان قد تخلى عن سترته الرسمية وطوى أكمام قميصه الأسود إلى منتصف ساعديه، مما أعطاه مظهراً فوضوياً، رجولياً، وجذاباً حد اللعنة.
تأملها من قمة رأسها وحتى قدميها الحافيتين بنظرة بطيئة، التهمت كل تفصيلة فيها، قبل أن يقول بصوته الرخيم الذي كسر الصمت
من الواضح إن “المديرة الباردة” بتنسى تلبس الكعب وبتلم شعرها بقلم رصاص لما بتكون لوحدها.
شعرت بالارتباك، لكنها التقطت درعها الدفاعي سريعاً. انحنت ببرود لتنتعل حذاءها، وأسدلت شعرها بحركة متقنة، ثم قالت وهي تعقد ساعديها أمام صدرها
الباب ليه مقبض عشان نخبط عليه يا عاصم بيه، ولا قوانين الشركة مابتتطبقش على صاحبها؟
ابتسم ابتسامة هادئة، مستفزة، وتقدم نحو مكتبها بخطوات بطيئة
وضع أحد فنجاني القهوة أمامها وقال بهدوء وهو ينظر في عينيها
قوانين الشركة بتاعتي بتقول إن المدير من حقه يطمن على فريقه اللي سهران يشتغل
(أشار بعينيه للفنجان) قهوة فرنساوي.. سكر زيادة، ومغليّة مرتين. زي ما كنتِ بتحبيها بالظبط.
نظرت إلى الفنجان، ثم إليه. كان يحاول اللعب على وتر الذكريات يضرب على مناطق ضعفها بدقة جراح.
لم تمتد يدها للفنجان، بل قالت بابتسامة جليدية
كنت… فعل ماضي يا عاصم. ذوقي اتغير كتير في التلات سنين اللي فاتوا..
بقيت بشربها سادة، من غير أي إضافات تضيع طعمها الحقيقي.
ضاقت عيناه قليلاً، لقد فهم رسالتها المبطنة
هي لم تعد تقبل بأنصاف الأشياء أو الكلمات المعسولة
اقترب أكثر حتى التصقت حافة المكتب بينهما، وانحنى بجذعه نحوها، واضعاً كفيه على سطح المكتب ليحاصرها
قال بصوت منخفض، كاد أن يكون همساً، وعيناه لا تحيدان عن شفتيها
بس أنا متأكد إن في حاجات فيكِ ماتغيرتش يا مِسك.. حاجات مهما حاولتي تداريها ورا البدل الرسمية والكلام الناشف، بتفضحك.
مِسك بتحدٍ وهي ترفع ذقنها رافضة التراجع شبراً واحداً
ـ زي إيه مثلاً؟
مدّ يده ببطء شديد، وبدلاً من أن يلمسها، سحب القلم الرصاص الذي وقع منها على الطاولة، وكان قريباً جداً من يدها
أثناء سحبه، تعمد أن تحتك أطراف أصابعه بظهر كفها ببطء قاتل.
شهد كيف تسارعت أنفاسها، وكيف اتسعت حدقتا عينيها للحظة قبل أن تتمالك نفسها.
تحدث بصوت يحمل نبرة انتصار خفية
زي إنك لسه بتشدي على إيدك لما بتكوني متوترة… وزي إنك هربتي مني الصبح لإنك كنتِ عارفة إنك لو استنيتي ثانية كمان، كنتِ إنتِ اللي هتبدأي.
احمرت وجنتاها من الغضب والخجل معاً، لقد كشفها وقرأ حركتها الصباحية بدقة
حاولت استعادة السيطرة، فقالت بسخرية لاذعة وهي تقترب بوجهها منه لترد له الهجوم
غرورك لسه بيصورلك إن كل الستات هتموت عليك. الصبح أنا انسحبت لإن ببساطة.. مابقتش تثير اهتمامي.
التقت أعينهما في معركة صامتة الهواء بينهما كان مشحوناً
كان الغضب يغلي في عروقه من ردها، لكنه بدلاً من الانفجار، أطلق ضحكة خافتة، رجولية، أربكتها تماماً.
تراجع للخلف ببطء، أخذ فنجان القهوة السادة الخاص به، وارتشف منه رشفة وهو ينظر إليها بعينين تلمعان بالدهاء الماكر، وقال بنبرة هادئة ومزلزلة
مابقتش أثير اهتمامك؟ عظيم جداً.
(استدار ليتجه نحو الباب، ثم توقف فجأة والتفت إليها مجدداً بنظرة أوقفت الدم في عروقها)
بس ياريت تبقي تركزي المرة الجاية وإنتِ بتصلحيلي الجرافتة بتاعتي، عشان نسيتي أثر برفانك عليها.
ريحة الـ مِسك بتاعتك فضلت معايا طول الاجتماع، لدرجة إني مكنتش مركز في ولا كلمة بتتقال.. كنت مركز بس في إزاي هردلك الحركة دي.
فتح الباب، وقبل أن يخرج، ألقى كلمته الأخيرة التي سقطت عليها كالقنبلة
اشربي قهوتك يا بشمهندسة.. عشان الحرب لسه في أولها وهتحتاجي تساهري كتير
أغلق الباب خلفه بهدوء، تاركاً إياها تقف في منتصف الغرفة، تنظر للفراغ بذهول، وقلبها يقرع كالطبول.
لقد ظنت أنها وجهت له صفعة الصباح، ولم تدرك أنه امتص الضربة، وعاد ليحاصرها في زاوية الشغف، تاركاً إياها تحترق بنيران كلماته.
«تمرد برائحة المِسك»

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...