رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والعشرون
بعد مرور عدة أيام…
كان الصباح لا يزال غارقًا في هدوئه الثقيل، والسكون يلف أرجاء الغرفة كستار باهت لا تقطعه سوى خيوط الشمس الخافتة المتسللة من بين الستائر. كانت مريم تغط في نوم متقطع، ملامحها ساكنة ظاهريًا، بينما عقلها لم يعرف الراحة منذ أيام، وكأن شيئًا ما في داخلها كان يترقب لحظة بعينها.
وفجأة…
شق صوت رنين الهاتف ذلك الصمت، حادًا ومتكررًا، حتى انتفضت قليلًا وهي تتحسس الفراش بجانبها بعينين مغمضتين. التقطت الهاتف ببطء، ثم أجابت بصوت يغلب عليه النعاس والضيق:
“ألو مين معايا؟”
وصلها صوت نسائي يحمل نبرة متحفزة ومشحونة بالكثير من التوتر، وكأن صاحبته كانت تكبت غضبها منذ ساعات طويلة:
“انا والبنات وصلنا مصر يا مريم، عايزة العنوان.”
في تلك اللحظة تحديدًا، تبدلت ملامح مريم تمامًا.
اختفت آثار النوم عن وجهها كأنها لم تكن، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة خبيثة بطيئة، ابتسامة امرأة شعرت أخيرًا أن الخيوط بدأت تتجمع بين يديها كما أرادت تمامًا. اعتدلت في جلستها فوق الفراش، بينما لمعت عيناها بمكر واضح، ثم قالت سريعًا بنبرة بدت هادئة ظاهريًا، لكنها كانت تخفي خلفها الكثير:
“لااا، خليكي عندك، وانا هبعتلك مروان ابني، يخدكم الفيلا ترتاحوا من السفر، وبعد كده هقولك تعملي ايه.”
لكن الطرف الآخر لم يكن في حالة تسمح له بالهدوء أو المجاملة.
خرج صوت أماليا حادًا وغاضبًا، كأنها تقف فوق حافة انفجار حقيقي:
“احنا مش جاين نضايف ولا نرتاح يا مريم، أنا عايزة اقابل شاهين.”
ضيقت مريم عينيها قليلًا وهي تستمع إليها، ثم أخذت نفسًا بطيئًا، محاولة السيطرة على اندفاعها. كانت تعرف جيدًا أن أماليا ما زالت تحمل داخلها نارًا لم تنطفئ، وأن أي خطوة متهورة قد تفسد كل شيء قبل أن يبدأ.
لذلك تحدثت بهدوء مدروس، بنبرة امرأة تعرف كيف تحرك الآخرين دون أن يشعروا:
“اهدي بس واسمعي كلامي، ظهورك دلوقتي لشاهين وبطريقه مفاجأة، هيعصبه وهيعاند معاكي، إنما لما نهدى وناخد الموضوع خطوة خطوة الود هيرجع تاني.”
ساد الصمت للحظات قصيرة، لكن أنفاس أماليا الغاضبة كانت تسمع بوضوح عبر الهاتف، وكأن الكلمات لم تقنعها تمامًا.
ثم قالت بضيق مرير، يحمل وجع سنوات كاملة:
“بس انا مش عايزة ارجع تاني، أنا عايزة حق بناتي، وحق إهماله فيهم.”
توقفت مريم لحظة، ومالت برأسها للخلف فوق الوسادة، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ماكرة أخرى، ابتسامة امرأة ترى ما لا يريد الآخرون الاعتراف به.
قالت بنبرة خبيثة ناعمة:
“أنا عارفه انك لسه بتحبي شاهين يا أماليا، وانا هساعدك انكم ترجعوا لبعض من تاني.”
وفي الجهة الأخرى، ضحكت أماليا بسخرية قصيرة، ضحكة خرجت ممتلئة بالخذلان والمرارة، ثم قالت بتهكم واضح:
“وده من أمتى؟ الا لو مكنتيش أنتي السبب فى كل حاجه حصلت ما بينا.”
للحظة، اشتدت ملامح مريم قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها المعتاد، ذلك الهدوء الذي طالما أخفى خلفه أنانية قاسية ورغبة دائمة في التحكم بكل شيء.
أغمضت عينيها لثواني قبل أن تقول بصوت منخفض وثابت:
“أنا وقتها كنت عايزة ابني يرجع تاني لحضني فى مصر، وانتي كنتي مصممة يعيش معاكي في بلدك، كان لازم اعمل كده، علشان انفذ اللي انا عايزاه.”
كانت تتحدث بلا ندم حقيقي، وكأن ما فعلته لم يكن سوى خطوة طبيعية للحصول على ما تريده، حتى لو احترقت قلوب الآخرين في الطريق.
أما أماليا، فقد ساد صمتها لثواني، ثم قالت بتساؤل مشوب بالحذر:
“وايه اللي جد دلوقتي وخلاكي غيرتي رأيك؟”
هنا، اتسعت ابتسامة مريم أكثر، وظهر ذلك البريق اللئيم داخل عينيها مجددًا، كأنها تستمتع بما تخطط له في الخفاء.
أجابتها بنبرة تحمل الكثير من الخبث:
“هقولك كل حاجه بس مش دلوقتي، لما نتقابل، دلوقتي بس هبعتلك مروان وروحي معاه على الفيلا.”
زفرت أماليا بضيق واضح، وكأنها تحاول كبح نفاد صبرها، ثم قالت أخيرًا:
“ماشي، بس بسرعه ميتأخرش.”
أُغلق الخط.
لكن مريم لم تبعد الهاتف عن يدها مباشرة.
ظلت تحدق أمامها لثواني طويلة، وعيناها تلمعان بشر خفي، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ماكرة باردة، ابتسامة امرأة بدأت ترى النار تشتعل ببطء، تمامًا كما أرادت.
ثم، أجرت اتصالًا سريعًا بابنها مروان، حتى يذهب إلى أماليا ويأخذها مع ابنتيها إلى الفيلا، بينما داخل عقلها كانت الخطط تتشابك كخيوط عنكبوت، تنتظر اللحظة المناسبة لتطبق على الجميع.
*****************************
عند جواد…
كان الصباح يشع ضوءه على المكان، والغرفة غارقة في هدوء دافئ لا يقطعه سوى صوت أنفاس جواد المنتظمة وهو نائم بعمق فوق فراشه، مستسلمًا لراحة نادرة بعد أيام طويلة من الإرهاق والتوتر.
لكن تلك الراحة لم تدم طويلًا…
إذ شعر فجأة بضربة خفيفة فوق ظهره، أعقبتها أخرى أكثر ضيقًا، ثم وصل إلى أذنه صوت جواهر الغاضب والمختنق بالتوتر:
“وليك نفس تنام وانا خايفه ومتوترة؟!”
تململ جواد بضيق بسيط، بينما ظلت عيناه مغمضتين، ثم تمتم بصوت ناعس متحشرج:
“سبيني أنام يا أخرة صبري.”
زفرت جواهر بقوة، وقد كانت تجلس جواره بعينين ممتلئتين بالقلق، أصابعها متشابكة بتوتر، وقلبها يخفق بعنف كلما تذكرت جلسة الغد.
تكلمت بصوت مختنق، كأن الخوف يضغط فوق صدرها بقسوة:
“لا مش هسيبك تنام، قوم بقى يا جواد أنا خايفه بجد.”
لكن قبل أن تستوعب ما يحدث…
تفاجأت بذراعه تمتد فجأة وتسحبها نحوه بقوة، حتى ارتطم ظهرها بصدره مباشرة، ثم التف حولها محتضنًا إياها من الخلف وكأنه يرفض أن يسمح لها بالابتعاد.
اتسعت عيناها بصدمة، بينما اقترب وجهه من أذنها وهمس بصوت خافت ناعس، يحمل دفئًا غريبًا جعل قلبها يرتجف رغم توترها:
“خليكي فى حضني وكل التوتر والخوف هيروح.”
ارتبكت أنفاسها فورًا، وشعرت بحرارة جسده تلتف حولها بطريقة أربكتها أكثر مما طمأنتها.
تلعثمت وهي تحاول التحرر من بين ذراعيه:
“ج جواد ا ايه اللي انت عملته ده؟ سيبني اقوم يا مجنون.”
لكن جواد، الذي كان نصف غارق في النوم ونصف مستمتع بقربها، شدد ذراعيه حولها أكثر، ثم قال بنفاذ صبر طفولي:
“شش، بس بقى مش عايز ازعاج، سبيني أنام شوية.”
حاولت النهوض مجددًا، لكن تمسكه بها كان أقوى مما توقعت، وكأنه وجد راحته أخيرًا بين يديه، فزفرت بضيق واستسلمت في النهاية، لتخف حركتها تدريجيًا.
وما إن شعر بهدوئها، حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خافتة، قبل أن يسألها بصوت هادئ مليء بالحب:
“مالك ايه مضايقك؟”
عندها فقط، انكسرت نبرتها قليلًا، وخرج صوتها مختنقًا بالخوف الحقيقي الذي كانت تحاول إخفاءه طوال الوقت:
“خايفه من جلسة بكرة، أنا مش عايزة ارجع المكان ده تاني.”
فتح جواد عينيه أخيرًا، واختفت آثار النعاس تدريجيًا من ملامحه، لتحل محلها نظرة حانية مليئة بالاحتواء.
كان يشعر بارتجافها الخفيف بين ذراعيه، ويعرف جيدًا أن خوفها لم يكن مجرد قلق عابر، بل بقايا ألم قاسي ما زال يطاردها حتى الآن.
لذلك تحدث بهدوء متعمد، وكأنه يحاول بث الطمأنينة داخل روحها:
“مش المحامين طمنونا، وقالوا إن جلست بكره دي مجرد إجراء عادي، وان الجريمة ثبتت خلاص على اللي اسمه زين ده بعد ما اتأكدوا أنه القاتل الحقيقي، خايفه ليه بقى؟”
أومأت برأسها ببطء، لكن القلق ظل واضحًا داخل عينيها، ثم قالت بخوف شديد:
“أيوه قالوا، بس مش هرتاح غير لما القاضي يحكم بالبراءة، والاقي نفسي حرة طليقه.”
شعر جواد بانقباض قلبه وهو يسمعها، كم مرة حاولت التظاهر بالقوة بينما كانت من الداخل ترتجف خوفًا؟
اقترب منها أكثر، ثم طبع قبلة دافئة فوق رأسها وقال بحنان صادق:
“إن شاءالله يا حبيبتي، نخرج من المحكمة مجبورين الخاطر، علشان بقى نحددت الفرح، هموت عليكي يا بت.”
وفور سماعها كلماته الأخيرة، اشتعل وجهها بخجل واضح، وانخفضت عيناها تلقائيًا، بينما قالت بتوتر مرتبك:
“م ما تصبر شوية، ا انت مستعجل على الفرح ليه بس؟”
رفع جواد حاجبيه للأعلى وكأنها قالت شيئًا غير منطقي تمامًا، ثم رد بتهكم مضحك:
“وحياة امك! مستعجل ليه؟ أنا بنهار يا جبله، نفسي يتقفل علينا باب واحد.”
ضحكت بخفة رغم خجلها، ثم قالت بعفوية بريئة زادت الأمر سوءًا بالنسبة له:
“طيب ما احنا مقفول علينا باب واحد اهو يا جواد، ايه المشكله يعني؟”
في تلك اللحظة…
أغمض جواد عينيه للحظة وهو يضغط على أسنانه بنفاذ صبر، وكأنه يقاوم رغبة حقيقية في هزها حتى تفهم ما يقصده.
ثم تمتم بصوت هامس ساخر:
“طيب اقولها ايه دي دلوقتي؟ ولا اشرح ليها عملي واخلص؟”
وقبل أن تستوعب مقصده، أرغمها بلطف أن تستدير نحوه، لتصبح مواجهة له مباشرة، ثم نظر داخل عينيها وقال بنبرة مثيرة مليئة بالمشاكسة:
“قفلت باب بتفرق عن قفلت باب تانيه، انتي دلوقتي مراتي مع إيقاف التنفيذ، إنما بعد الفرح هيتقفل علينا باب واحد وتبقى مراتي مع قيد التنفيذ.”
اتسعت عيناها بصدمة فور أن فهمت معنى كلماته، ثم شهقت بخجل وضربته فوق صدره بضيق:
“تصدق انك قليل الادب والله.”
عض جواد على شفته السفلية وهو يرمقها بنظرة جعلت قلبها يتوتر أكثر، ثم قال بصوت منخفض مغري:
“وانتي لسه شوفتي قلة ادب.”
وببطء، اقترب منها أكثر، وعيناه معلقتان بشفتيها، بينما أنفاسه الدافئة بدأت تربكها بصورة أكبر.
لكن فجأة، صدح صوت طرقات فوق الباب.
انتفضت جواهر من مكانها وكأن أحدهم أنقذها من كارثة محققة، ثم نهضت بسرعة وابتعدت عنه، بينما تنفست بتوتر شديد.
أما جواد، فأغلق عينيه بنفاذ صبر قاتل، ثم تمتم بصوت هامس ساخر:
“بركاتك يا عم غريب، الدعوة بتاعتك استجابة.”
بعدها رفع صوته مرددًا بنبرة رجولية:
“مين؟”
جاءه صوت أروى سريعًا من خلف الباب:
“مامي بتقولك هات جواهر وانزلوا يلا علشان تفطروا.”
زفر جواد بضيق شديد، ثم قال على مضض:
“طيب انزلي واحنا جاين وراكي.”
وما إن ابتعد صوت أروى، حتى التفت نحو جواهر، ليجدها واقفة بعيدًا تنظر إلى الأرض بخجل شديد، بينما لا تزال حمرة وجهها تزداد أكثر وأكثر.
ابتسم رغمًا عنه، ثم نهض من فوق الفراش واتجه نحوها ببطء.
وقف أمامها مباشرة، ومد يده يداعب وجنتها بحنان مشاكس، ثم قال بشقاوة:
“نجدتك من تحت ايدي، بس وحياة امك، يوم الفرح ما هنيجي على هنا، اصل أبويا دعى عليا من قلبه، وانا الليله دي عندي مهمه اوي.”
رفعت عينيها إليه باستغراب واضح، غير مستوعبة ما يقصده بالكامل، لكنه لم يمنحها فرصة للسؤال، إذ غمز لها بعين مشاكسة، ثم تركها واتجه نحو المرحاض وهو يبتسم بخبث.
أما جواهر، فظلت واقفة مكانها للحظات، تشعر بأنفاسها متسارعة بصورة محرجة، بينما خداها يشتعلان بحمرة قوية من شدة الخجل، وقلبها ينبض بعنف كلما تذكرت قربه وهمسه ونظراته.
ثم تحركت بصعوبة نحو الأريكة وجلست فوقها تحاول تهدئة نفسها، منتظرة خروجه حتى يهبطا معًا إلى الأسفل، بينما داخلها كان مزيج غريب من التوتر والخجل والسعادة يعبث بها بلا رحمة.
****************************
عند رنيم…
تسلل صوت المنبه إلى أذنها بهدوء متكرر، ممزقًا ذلك السكون الناعم الذي كان يحيط بالغرفة. تحركت رنيم ببطء فوق فراشها، وكأن النوم ما زال متشبثًا بأطرافها، ثم اعتدلت في جلستها أخيرًا وهي تزيح خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها بتعب خفيف.
مدت يدها نحو الهاتف وأغلقت صوت التنبيه، قبل أن تبقى جالسة لثواني طويلة تحدق أمامها بشرود.
كان الصباح هادئًا بصورة غريبه، لكن داخلها لم يكن هادئًا أبدًا.
منذ دخل شاهين حياتها، وأصبحت تستيقظ كل يوم بقلب مختلف، بمشاعر لا تفهمها تمامًا، وكأن روحها التي عاشت طويلًا خلف الأسوار بدأت تتغير رغمًا عنها.
أطلقت زفرة بطيئة، ثم أنزلت قدميها إلى الأرض وتحركت بتكاسل نحو المرحاض.
نزعت ملابسها وألقتها بإهمال فوق الأرض، قبل أن تقف أسفل المياه الدافئة التي انسابت فوق جسدها ببطء، محاولة أن توقظها من حالة التشتت التي تعيشها.
أغمضت عينيها، وتركت المياه تمر فوق وجهها وعنقها بصمت، بينما عقلها لم يتوقف عن استحضار ملامحه، صوته، طريقته معها، ذلك الأمان الغريب الذي تشعر به بقربه رغم كل شيء.
ظلت واقفة لعدة دقائق طويلة، وكأنها تحاول غسل خوفها وحيرتها معًا، ثم أغلقت المياه أخيرًا وارتدت برنس الاستحمام، قبل أن تعود إلى غرفتها بخطوات هادئة.
لكن ما إن اقتربت من الفراش، حتى انتبهت إلى هاتفها الذي كان يعلن عن وجود اتصال.
تناولته بهدوء، وما إن وقع نظرها على الاسم الظاهر فوق الشاشة حتى ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة دافئة لا إرادية، شاهين.
مجرد رؤيتها لاسمه كان كفيلًا بأن يبدل مزاجها بالكامل.
أجابت عليه بسرعة وهي تبتسم بحب:
“صباح الخير.”
وصلها صوته فورًا، دافئًا، عميقًا، يحمل ذلك العشق الذي أصبح يحيطها به دون خوف:
“صباحك بلون عيونك.”
اتسعت ابتسامتها بخجل، وشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجنتيها، ثم قالت وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
“انت بتجيب الكلام ده منين؟”
أغمض شاهين عينيه للحظة على الطرف الآخر، وكأنه يتخيلها أمامه الآن، بشعرها المبلل وخجلها الذي يعشقه، ثم قال بنبرة عاشقة خرجت من أعماقه دون تصنع:
“عيونك هي اللي بتخليني شاعر ولهان بقول فيهم أجمل الابيات، أنتي متعرفيش عيونك دول، عملوا فيا أيه؟ النظره فيهم بتقلب كياني كله، لو سألوا شاهين الرواي، أيه هي نقطة ضعفك، الرد يتلخص فى كلمة واحده، “عيونك”.”
ارتجف قلبها بعنف فور سماع كلماته، وضعت يدها فوق صدرها وكأنها تحاول تهدئة دقاته المتسارعة، بينما تسللت إلى داخلها سعادة حقيقية لم تختبرها من قبل. لكن خلف تلك السعادة، كان هناك خوف.
خوف كبير من أن تفقد كل هذا فجأة.
لهذا خرج صوتها أهدأ، أصدق، وأكثر هشاشة:
“اوقات كتير بخاف أوي يا شاهين، بخاف يجي يوم وأتحرم من كلامك الحلو ده، بخاف اتحرم من صوتك وضحكتك، بخاف ليكون كل ده مجرد حلم وهصحى منه وأرجع لحياتي وشخصيتي القديمة، بلاش تعلقني بيك اوي كده يا شاهين، علشان متبقاش صعبه عليا في يوم من الايام.”
في تلك اللحظة، شعر شاهين برجفة صوتها بوضوح، شعر بذلك الرجاء المختبئ خلف كلماتها، وكأنها تخشى أن تمنحه قلبها كاملًا فيكسره القدر كما فعل دائمًا.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بنبرة ممتلئة بالعشق والاحتياج:
“افتحي الباب أنا جايلك.”
اتسعت عيناها فورًا بصدمة وهي تنظر إلى نفسها بارتباك، ثم قالت متلعثمة:
“لا لا اصبر شوية، متجيش دلوقتي.”
قطب حاجبيه باستغراب وسألها:
“ليه؟”
شعرت بالحرج يلتهمها بالكامل، فنظرت حولها بتوتر ثم تنحنحت بخجل شديد وقالت:
“ك كده، ا اصبر شوية و وانا اللي هرن عليك.”
ساد الصمت لثانية، ثم ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي شاهين عندما فهم أخيرًا ما تقصده.
خفض رأسه ضاحكًا بخفة، قبل أن يقول بنبرة هادئة مليئة بالحنان:
“ماشي يا قلبي، بس ابقى تقلي على نفسك علشان متبرديش.”
ثم أغلق الخط.
أما رنيم…
فظلت تنظر إلى الهاتف لثواني، قبل أن تبتسم بخجل وهي تدرك تمامًا أنه فهم سبب رفضها لمجيئه الآن.
حركت رأسها بنفاذ صبر من نفسها، ثم أسرعت ترتدي ملابسها وتمشط شعرها بعناية، بينما قلبها ما زال ينبض بتلك الكلمات التي أغرقها بها منذ دقائق.
وما إن انتهت، حتى خرجت من غرفتها وبدأت تجهز الطعام فوق الطاولة بهدوء، تتحرك بخفة وسعادة واضحة، وكأن مجرد معرفتها بأنه سيأتي جعل الصباح أكثر دفئًا.
بعد أن انتهت، عادت إلى غرفتها سريعًا، التقطت هاتفها وأجرت اتصالًا قصيرًا بشاهين، تخبره أن يأتي الآن.
ثم خرجت مرة أخرى، ولم تمر سوى ثواني قليلة حتى دوى صوت جرس الباب.
ابتسم قلبها قبل شفتيها، واتجهت نحوه بسرعة هادئة، ثم فتحت الباب.
كان يقف أمامها بعينيه الممتلئتين بها وحدها.
ابتسمت له تلقائيًا وابتعدت قليلًا تفسح له الطريق حتى يدخل، بينما هو اقترب منها مباشرة وطبع قبلة حانية فوق رأسها قبل أن يتحرك إلى الداخل.
أغلقت الباب خلفه، ثم أشارت بيدها نحو الطاولة قائلة:
“يلا أنا حضرت الفطار.”
نظر إليها بعشق واضح، ثم أمسك يدها وقبلها بحب وقال:
“تسلم ايدك يا عمري.”
دق قلبها بعنف من طريقته.
بينما أبعد لها المقعد لتجلس، ثم جلس بجوارها وبدأا يتناولان الطعام وسط صمت هادئ ومريح، صمت لا يحتاج إلى كلمات، لأن وجود كل منهما بجوار الآخر كان كافيًا.
لكن فجأة، كسر شاهين ذلك الهدوء بصوته العميق وهو يقول بكل بساطة:
“تتجوزيني يا رنيم؟”
تجمدت تمامًا، اتسعت عيناها بصدمة هائلة، بينما شعرت بالطعام يقف في حلقها فجأة، لتبدأ بالسعال بقوة.
أما شاهين، فابتسم على ردة فعلها بعشق واضح، ثم تناول كوب الماء سريعًا ومده إليها.
أخذته منه بيد مرتجفة، وارتشفت القليل بصعوبة قبل أن تعيده إلى الطاولة، ثم نظرت إليه بتوتر شديد وهمست:
“ا انت قولت ايه؟”
أمسك يدها بين يديه بحنان، وأعاد كلماته مرة أخرى بثبات أكبر:
“تتجوزيني؟”
وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن العالم توقف حولها.
اختلطت المشاعر داخلها بصورة مرعبة، فرح، خوف، ارتباك، أمل، ووجع قديم لم يختفي بعد.
امتلأت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها بعدم فهم، ثم قالت بصوت مهتز:
“مش عارفه ارد عليك واقولك ايه؟ يعني جوايا مشاعر كتير اوي جوايا، فرحانه على متوترة على رفض على قبول على خوف، حاسه ان الخطوة دي بدري أوي، خايفه اتسرع واوافق اندم على الخطوة دي بعدين، أنا اصلا لسه كل ده فى مرحلة التعرف على نفسي، لسه لحد دلوقتي بحاول اتقبل فكرة انك ابن الست اللي قتلت أهلي، واثقه فيك وبرتاح وبحس بالأمان فى وجودك، بس ده مش كافي علشان اوافق على طلب زي ده.”
ثم استقامت بجسدها قليلًا، وكأنها تحاول ترتيب فوضى قلبها، وأكملت بصراحة مؤلمة:
“أنا واحده لحد من كام شهر كنت شايفه أن مشاعر الحب والكلام ده فارغ ملوش قيمة، كنت شايفه أن المشاعر والحب بيضعفوا صاحبه، كنت قافله على قلبي وبنيه قصاده ألف جدار علشان محدش يقدر يدخل فيه ويخترقه، وفي يوم وليلة ظهرت انت فى حياتي قلبتها عاليها واطيها، اتسللت بشكل غريب ومخيف، كنت عدو وبعد كده بقيت حاجه تانيه أنا مش عارفها ولا فاهمها، عيشت معاك كل حاجه لاول مره، احساس جديد ومختلف، بس مش معنى كده ان اوافق على قرار مهم زي ده، ا انا لحد دلوقتي معرفش اي حاجه عنك غير انك ابن الست دي، معرفش حياتك كانت ازاي معرفش عشت فين ولا كنت ايه قبل كده، يعني صورتك لسه مش كاملة فى عيوني يا شاهين، انت ممكن تأجل الطلب ده شوية، لحد ما اتعرف عليك اكتر، واقدر افهمك كويس.”
استمع إليها شاهين بصمت كامل، لم يغضب، ولم ينزعج.
بل كان ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالفهم، وكأنه يدرك تمامًا حجم المعركة التي تخوضها داخل قلبها.
استقام بجسده واقفاً، ثم اقترب منها قليلًا وقال بهدوء عميق:
“شوفي عايزة تعرفي عني ايه وانا اقولهالك يا رنيم، بس عايزك تعرفي حاجه واحده بس، أنا حياتي قبل منك مكانتش وردي، شخصيه تانيه خالص غير اللي انتي شيفاها دلوقتي، أنا ليا ماضي مش مشرف لو عرفتي ممكن تبطلي تحبيني، أنا عايزك تشوفيني شاهين الرواي اللي اتولد على ايدك مش شاهين الرواي بتاع زمان، أنا لو كنت قابلتك من زمان، كان فيه حاجات كتير أوي اتغيرت في حياتي، من الاخر أنا عايزك محتفظة بصورتي بتاعة دلوقتي مش بتاعة زمان.”
شعرت بخوف خفي يتسلل إلى قلبها من كلماته، لكن ذلك الخوف تلاشى قليلًا عندما سمعته يقول بصوت ممتلئ بالعشق الصادق:
“أنا بحبك يا رنيم، ومستعد استناكي العمر كله، بس توعديني انك مهما حصل مش هتبعدي عني.”
نظرت إليه طويلًا، ثم أومأت برأسها بتوتر، لكن بثقة حقيقية هذه المرة:
“اوعدك يا شاهين.”
تنفس براحة وكأنها أنقذته من شيء كان يخشاه، ثم مال برأسه وقبل خدها بحنان قائلًا:
“هستناكي لحد ما تثقي فيا، بس بلاش تطولي اوي علشان أنا نفسي تبقى فى حضني على طول ومتبعديش عني لحظة واحدة.”
ابتسمت له بحب، بينما اكتفت بإيماءة صغيرة دون أن تجد كلمات تصف ما تشعر به.
وبعد لحظات،.نظر شاهين إلى ساعة يده، ثم أعاد نظره إليها وقال:
“تعالي يلا اوصلك الشركه على سكتي.”
أومأت برأسها سريعًا وقالت:
“ثواني طيب اجيب شنطتي.”
تحركت نحو غرفتها، أمسكت حقيبة يدها وهاتفها، ثم خرجت بسرعة قائلة:
“أنا جاهزة.”
اقترب منها شاهين، أمسك يدها وقبلها بحب قبل أن يحتفظ بها بين أصابعه، ثم تحركا معًا نحو الباب.
خرجا من الشقة، ودخلا المصعد الذي هبط بهما إلى الأسفل وسط صمت هادئ، لكنه كان مليئًا بالمشاعر التي لا تقال.
اتجه شاهين إلى سيارته، فتح لها الباب بنفسه، فجلست بالمقعد الأمامي، ثم أغلق الباب واتجه إلى الجهة الأخرى.
جلس خلف المقود، ثم التفت ينظر إليها بعشق واضح وقال:
“هوصلك وعلى ما تخلصي شغل هتلاقيني مستني تحت علشان نروح سوا.”
لكن رنيم حركت رأسها بالرفض، ثم تنحنحت بتوتر وقالت:
“لا مش هينفع، ع علشان جواهر هتيجي ليا وهنروح الفيلا عندها علشان هفضل معاها لحد بكرة نروح المحكمة سوا.”
وفور سماعه ذلك، زفر شاهين بضيق واضح، ثم قال بصوت مختنق بالاعتراض:
“يعني مش هشوفك لحد بكرة؟”
أومأت برأسها وقالت بهدوء:
“امم، مش عايزة اسيب جواهر في يوم زي ده، علشان خايفه ومتوترة.”
أسند ظهره إلى المقعد، ثم مرر يده فوق شعره وهو يقول باستسلام متعب:
“ربنا يصبرني بقى لحد بكرة.”
ابتسمت له بحب، ثم أدارت رأسها نحو النافذة، تتابع الطريق بشرود، بينما داخل عقلها لم تتوقف كلمته عن التردد:
“تتجوزيني.”
اتسعت ابتسامتها ببطء، وظلت معلقة بين وجع الأمس، وأمل الغد، وبين خوف قديم وحب جديد يتسلل إلى قلبها دون استئذان.
***************************
عند غريب وترنيم…
كان المطبخ يغرق في دفء الصباح، ورائحة الطعام تنتشر في الأجواء بهدوء مريح، بينما كانت ترنيم تتحرك بخفة بين الأواني، تعد الطعام بكل حب، وابتسامة هادئة لا تفارق شفتيها.
كانت دائمًا تجد سعادتها في تلك التفاصيل الصغيرة، في بيتها، وعائلتها، والرجل الذي ما زال يجعل قلبها يخفق رغم مرور كل تلك السنوات.
انشغلت بتقليب الطعام، قبل أن تشعر فجأة بذراعين قويتين تلتفان حول خصرها من الخلف، أعقبهما دفء قبلة حانية استقرت فوق عنقها.
أغمضت عينيها تلقائيًا، بينما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة عاشقة اعتادت أن تظهر كلما اقترب منها.
ثم قالت بنبرة هادئة ممتلئة بالدلال:
“صباح الخير يا قلبي.”
اقترب غريب أكثر، حتى لامست أنفاسه أذنها، ثم همس بصوت عميق يحمل عشق سنوات طويلة لم يبهت أبدًا:
“صباح النور يا قلب وعمر غريب، انتي رجعتيني امبارح عشرين سنه وراه.”
اشتعلت وجنتاها بحمرة خفيفة رغم كل تلك السنين التي مرت بينهما، وتلعثمت بخجل حقيقي وكأنها ما زالت تلك الفتاة الصغيرة التي تقع في حبه للمرة الأولى:
“غ غريب بس بقى متكسفنيش.”
تعالت ضحكاته الرجولية الدافئة داخل المطبخ، ضحكات خرجت بصعوبة من فرط سعادته بها، ثم قال وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
“لسه بعد العمر ده كله بتتكسفي يا توته؟”
استدارت إليه أخيرًا، ورفعت ذراعيها تحيط عنقه بحب، بينما كانت تنظر داخل عينيه بنفس النظرة التي أحبته بها منذ سنوات بعيدة.
ثم قالت بصوت ممتلئ بالمشاعر الصادقة:
“أنا على طول بحس نفسي معاك بنت عشرين، كلامك ليا نظرة عيونك اللي عمرها ما اتغيرت من أول مقابله كانت ما بينا، ضمتك ليا، كل حاجة منك بترجعلي شبابي، كأني لسه البنت المجنونة الطقه اللي اتجوزتها.”
تغيرت نظرة غريب فورًا، امتلأت عيناه بعشق خالص نادر، ذلك النوع من الحب الذي لا تقتله الأيام ولا تهزمه الحياة مهما مر العمر.
شدها بقوة داخل صدره، وكأنه يريد أن يحتفظ بها بين ضلوعه للأبد، ثم قبل رأسها بحنان عميق وقال:
“انتي فعلا لسه شباب يا ترنيم، فى عيوني اجمل وأحلى ست شافتها عينيا، مهما كبرتي هتفضلي الدكتورة ترنيم اللي عالجت قلبي، قبل ما تعالج جسمي، هتفضلي الست اللي خطفت قلبي بدمها الخفيف وضحكتها الحلوة.”
ارتجف قلبها بسعادة غامرة، تمسكت به أكثر، وكأنها تخشى أن يبتعد عنها ولو للحظة، ثم قالت بصوت ممتلئ بالامتنان والحب:
“بحبك اوي يا غريب، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدا يارب.”
ارتسمت ابتسامة عشق واسعة فوق وجه غريب، قبل أن يبتعد عنها قليلًا، بينما لمع داخل عينيه بريق مشاكس مألوف، ثم قال بمزاح:
“كفايه كده بقى احسن ما أخدك الاوضة ونكمل موضوع امبارح، والبغل ابنك يدخل علينا.”
وفور انتهاء كلماته، وصل إليهما صوت جواد المازح من خلفهما:
“البغل والله سامع كل حاجه، بس محبتش ادخل وأقطع عليكم اللحظة الحلوة.”
شهقت ترنيم بخفة والتفتت بسرعة، بينما انفجر غريب ضاحكًا، أما جواد فاقترب منهما بابتسامته العابثة المعتادة، ثم قال وهو يضع يده فوق قلبه بطريقة درامية:
“حسيت بيك يا كبير، أنا اتثبت النهاردة، فى اللحظة الأخيرة.”
ابتعدت ترنيم عن غريب فورًا وهي تزفر بضيق مصطنع، ثم قالت بنفاذ صبر أمومي:
“يا ابني انت طالعلي في البخت؟ انا مني لله والله اني معرفتش اربيك.”
تعالت ضحكات جواد وغريب بقوة على كلماتها، بينما كانت ترنيم تنظر إليهما بغيظ خفيف لا يخلو من الحب.
لكن غريب لم يمهل ابنه فرصة ليستمر، إذ أمسكه من ملابسه فجأة وهو يقول بتحذير ساخر:
“أمشي يا اخويا قصادي واطلع بره، بلاش نلخمها بوقفتنا هنا.”
رفع جواد إحدى حاجبيه للأعلى، ثم قال بمزاح وهو ينظر بينه وبين والدته:
“يا سلااام، يعني وقفتي انا هتلخمها ووقفتك انت، تنظيم مرور.”
ضيق غريب عينيه بتهديد مرح، ثم قبض على ملابسه أكثر وأجبره على التحرك معه نحو الخارج وهو يقول:
“امشي يا بغل اخلص.”
تعالت ضحكات جواد مجددًا وهو ينسحب معه خارج المطبخ، بينما ظل غريب يدفعه أمامه وكأنه طفل مشاغب اعتاد على أفعاله منذ سنوات.
أما ترنيم…
فوقفت مكانها تتابع أثرهما بعينين ممتلئتين بالحب والسعادة.
كانت تنظر إليهما وكأن قلبها يحتضن المشهد بالكامل، زوجها الذي ما زال يعشقها كأول يوم، وابنها الذي يملأ البيت بالحياة والضحك.
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة دافئة، بينما رفعت عينيها للأعلى تدعو داخل قلبها بصمت أن يديمهم الله في حياتها دائمًا، وألا ترى يومًا يخلو منهم.
ثم أطلقت زفرة هادئة مليئة بالرضا، وعادت مرة أخرى تكمل تحضير الطعام، بينما قلبها غارق في دفء عائلتها الصغيرة.
****************************
بالمساء…
كانت السماء قد بدأت تكتسي بزرقة داكنة، بينما أضواء المدينة انعكست فوق زجاج السيارات الممتدة أمام الشركة، في وقت بدا فيه كل شيء هادئًا ظاهريًا، إلا ما يدور داخل صدر جواد.
كان يقف بسيارته أسفل المبنى، مستندًا بظهره إلى المقعد، وأصابعه تضرب المقود بعصبية خفيفة، بينما ملامحه متجهمة بصورة واضحة.
أما جواهر، فكانت تراقبه بصمت منذ عدة دقائق، تدرك جيدًا أن مزاجه المتعكر ليس إلا بسبب شخص واحد، شاهين.
تنفس جواد بحدة، ثم التفت إليها فجأة بنظرة تحذيرية حادة وقال بصوت رجولي صارم:
“عارفه لما تنزل رنيم، لو جيبتي سيرة اللي اسمه شاهين ده، هكسرك راسك دي.”
رمشت جواهر ببطء وهي تنظر إليه بضيق واضح، ثم زفرت بنفاذ صبر وكأنها ملت من عناده، وقالت:
“أنا مش عارفه انت اخد موقف منه ليه؟ مع أن واضح اوي أنه بيحبها بجد، وهي كمان شكلها بتحبه، ودي معجزة أن رنيم تسلم قلبها لحد وتحبه كده.”
ما إن خرج اسم رنيم مقرونًا بالحب، حتى تبدلت ملامح جواد أكثر.
شد فكه بقوة، وكأن شيئًا داخله يرفض الفكرة بالكامل، ليس خوفًا من الحب ذاته، بل خوفًا ممن تحب.
قال بصوت غاضب يحمل رفضًا قاطعًا:
“انا معنديش مشكله أنها تحب أي حد، إنما ده بالذات لا.”
رفعت جواهر إحدى حاجبيها للأعلى، ثم استدارت نحوه بالكامل، وقد بدأ عدم الفهم يتحول داخلها إلى استياء حقيقي.
قالت وهي تنظر إليه بإصرار:
“يا سلام، واشمعنا ده بالذات، وبعدين، القلب معلهوش سلطان، وقلبها اختاروا هو، يبقى بلاش نقف ضدها، وخلينا نقف جنبها، وندعمها، حتى لو هو وحش ولا حتى شيطان، كفايه أنه حبها، وواقف جنبها، وساعدها أنها توصل للقاتل الحقيقي، ويقدموا للمحكمه.”
ساد الصمت للحظات، لكن ذلك الصمت لم يكن هادئًا.
كان ممتلئًا بتوتر خفي، وكأن كلمات جواهر لامست نقطة حساسة داخله.
اعتدل جواد في جلسته، وأبعد نظره نحو الأمام، بينما بدت ملامحه أكثر قسوة، ثم قال بعدم اقتناع واضح:
“ده فى حد ذاته اتهام ليه يخلينا منثقش فيه، واسكتي بقى علشان هي جايه اهي.”
التفتت جواهر تلقائيًا نحو باب الشركة.
وفي اللحظة التالية، فتح الباب الخلفي للسيارة بعنف نسبي، قبل أن تجلس رنيم في المقعد الخلفي بوجه متجهم ونظرات ممتلئة بالضيق، حتى سلامها لم تقله.
بل التفتت فورًا نحو جواهر وقالت بعبوس واضح:
“لو اعرف انك هتيجي في عربيته، كنت روحت أنا لوحدي على الفيلا.”
انعقد حاجبا جواد فورًا، ثم نظر إليها عبر المرآة الأمامية وقال بتهكم بارد:
“معلش تعالي على نفسك واعتبريني الشوفير بتاع جنابكم.”
عقدت رنيم ذراعيها أمام صدرها بعناد طفولي، ثم أدارت وجهها ناحية النافذة وهي تقول بصمت كل ما لم ترغب في قوله بصوت مرتفع.
أما جواهر…
فلم تستطع منع الابتسامة التي تسللت إلى شفتيها وهي تنظر إلى طريقتهما.
كانا يتشاجران كطفلين صغيرين رغم كل شيء، بطريقة مضحكة ومستفزة في الوقت نفسه.
هزت رأسها بيأس لطيف وقالت:
“اقسم بالله انتوا الاتنين عاملين شبه الأطفال، ربنا يصبرني عليكم.”
ردت رنيم فورًا بتهكم حاد:
“ده طفل بارد ورخم.”
ضحك جواد بسخرية قصيرة، ثم رد بنفس النبرة المستفزة:
“وانتي طفلة ثقيله ودمك يلطش.”
أطلقت جواهر زفرة طويلة وهي تنظر بينهما بعدم تصديق، ثم قالت بنفاذ صبر:
“بس بقى كفايه، ده ايه الجنان اللي احنا فيه ده؟”
لكن رنيم لم ترد، اكتفت بزفرة ضيق، بينما شد جواد قبضته فوق المقود، ثم اعتدل في جلسته وأدار السيارة بعصبية خفيفة، قبل أن ينطلق بها بسرعة نحو الفيلا.
وخلال الطريق، ظل التوتر يملأ الأجواء رغم الصمت.
رنيم كانت تنظر من خلف النافذة بعناد، بينما جواد يرمقها بين الحين والآخر عبر المرآة بنظرات مستفزة تزيدها غيظًا، وكأنه يتعمد ذلك فقط ليخرجها عن صمتها.
أما جواهر…
فكانت تراقبهما بصمت غير مصدق، ثم أخذت تحرك رأسها بخفة وهي تبتسم رغماً عنها. رغم كل ما مروا به، ما زالت هناك طفولة عالقة داخلهم، تظهر في خناقاتهم الصغيرة ونظراتهم الغاضبة التي لا تخلو من الألفة.
استندت جواهر برأسها إلى المقعد، ثم بدأت تتابع الطريق من خلف زجاج النافذة، تاركة لهما معركتهما المعتادة.
وبعد وقت طويل، توقفت السيارة أخيرًا أمام الفيلا.
وفور أن هدأت السيارة، فتحت رنيم الباب بعصبية وترجلت سريعًا، ثم دفعت الباب بقوة كادت تخلعه، وتحركت نحو الداخل بخطوات متسارعة دون أن تلتفت خلفها.
ظل جواد يتابع أثرها بعينيه للحظات، قبل أن يلتفت إلى جواهر بغضب مكتوم وقال:
“شايفه بنت خالك بتعمل ايه؟ أنا ماسك نفسي عنها بالعافيه.”
لكن جواهر انفجرت ضاحكة بخفة، ثم قالت وهي تنظر إليه بمكر لطيف:
“خليها عليك بقى يا جوجو، أنا تعبت من شغل العيال ده.”
وقبل أن يمنح نفسه فرصة للرد، اقتربت منه سريعًا، ووضعت قبلة خفيفة فوق خده. تجمد تمامًا. وكأن غضبه كله تبخر في لحظة واحدة.
ابتعدت عنه سريعًا وترجلت من السيارة وهي تبتسم بخبث، بينما بقي هو لثواني ينظر أمامه غير قادر على منع الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيه رغماً عنه.
تنهد أخيرًا، ثم أطفأ السيارة وهبط منها متجهًا إلى الداخل.
أما رنيم…
فما إن دخلت الفيلا حتى توقفت خطواتها فجأة. وجدت ترنيم وسمية تجلسان فوق الأريكة في الصالة، والأجواء بينهما هادئة بصورة أربكتها أكثر.
أغلقت عينيها بضيق خفي، وكأن رؤيتها لسمية أعادت إليها شعور الذنب الذي كانت تحاول الهروب منه منذ تركت الفيلا.
ورغم ذلك، تحركت نحوها في النهاية، ثم انحنت تحتضنها قائلة بصوت خافت صادق:
“وحشتيني اوي يا عمته.”
لكن سمية لم تبادلها نفس الدفء، بل نظرت إليها بعتاب موجع، وقالت بصوت مكسور:
“وحشتك ايه بقى؟ ما انا هونت عليكي، وبعدي عني.”
شعرت رنيم بوخزة حادة داخل قلبها، فهي تعرف جيدًا مكانتها عند سمية، وتعرف أيضًا أنها جرحتها أكثر مما توقعت.
لهذا حركت رأسها سريعًا بالرفض، ثم قالت بنبرة هادئة ممتلئة بالصدق:
“أنتي عمرك ما تهوني عليا يا عمته، انتي أمي التانيه، وليها فضل كبير اوي عليا، بس كان لازم اعمل كده، الخطوة دي كنت عايزه اخدها من زمان أوي، بس كل مره كنت بأجلها علشان خايفه على زعلك، بس خلاص مكانش ينفع أجلها اكتر من كده.”
امتلأت عينا سمية بالدموع فور سماعها كلماتها، ثم نظرت إليها بوجع حقيقي وقالت:
“أنا بحس فيكي بريحة اخويا سلطان يا رنيم، وانتي حرمتيني منها.”
وفور ذكر اسم سلطان، أغمضت ترنيم عينيها بحزن عميق، وكأن الاسم وحده قادر على إعادة كل الأوجاع القديمة دفعة واحدة.
لكنها تماسكت سريعًا وقالت بصوت هادئ تحاول تهدئة الأجواء:
“خلاص يا سميه، اللي حصل حصل خلاص المهم انها رجعت تاني لحضنك.”
لكن كلماتها سقطت فوق رنيم كشرارة فوق نار مشتعلة أصلًا.
التفتت إليها بعينين ممتلئتين بالغضب والرفض، ثم قالت بحدة واضحة:
“ومين قالك اني راجعه تاني؟ انا مش هسيب شقتي ولا ناويه ارجع تاني، وبعدين انتي مالك؟ بتدخلي فى اللي ملكيش فيه ليه؟”
اتسعت عينا سمية بصدمة، ثم قالت بسرعة وهي تنظر إليها بعتاب:
“رنيم! عيب يا بنتي اتكلمي بأدب معاها.”
لكن رنيم كانت في حالة لا تسمح لها بالهدوء، كانت مشاعرها متشابكة بصورة مرهقة، غضب، خوف، رفض، ووجع قديم لا تعرف كيف تتعامل معه.
أدارت وجهها بعيدًا وقالت بصوت غاضب مختنق:
“أنا لا عايزة اكلمها ولا تكلمني خليها في حالها بعيد عني.”
ورغم قسوة كلماتها، ظلت ترنيم تنظر إليها بهدوء غريب.
هدوء امرأة ترى خلف غضبها روحًا متألمة أكثر مما تبدو.
ثم قالت بنبرة ثابتة عميقة:
“مهما حاولتي، مش هسيبك في حالك، لانك مسؤوله مني برضاكي أو غصب عنك، ولسه فيه ما بينا كلام كتير اوي مخلصش، بس ليه وقته.”
اشتعلت عينا رنيم أكثر، وكأن كلمات ترنيم أصابت شيئًا حساسًا داخلها، شيئًا تحاول الهرب منه بكل قوتها.
لهذا لم ترد. تحركت بسرعة مبتعدة عنهما، وصعدت الدرج بخطوات متسارعة، بينما أنفاسها تعلو وتهبط بعنف.
وصلت إلى غرفتها القديمة، دفعت الباب بقوة ودخلت، ثم جلست فوق السرير بضيق شديد، بينما راحت تنظر حولها بصمت.
كل شيء في تلك الغرفة كان يحمل ذكرى، وكل ذكرى كانت تضغط فوق قلبها أكثر.
***************************
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!