رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس والعشرون
في صباح يوم جديد...
كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء عبر نوافذ المنزل الواسعة، تنشر دفئًا خفيفًا داخل المكان بعد أيام طويلة من التوتر والخوف، لكن رغم هذا الهدوء الظاهري، كانت الأرواح ما زالت تحمل بداخلها آثار كل ما حدث.
هبطت ترنيم من أعلى الدرج بخطوات بطيئة، وعيناها تبحثان تلقائيًا عن غريب، وكأن قلبها منذ شجارهما الأخير لم يعد يطمئن إلا بوجوده أمامها. لكنها لم تجده في الردهة، فالتفتت نحو أروى التي كانت تجلس على الأريكة تعبث بهاتفها، ثم سألتها بقلق خفيف:
"بابي فين يا أروى؟"
رفعت أروى عينيها إليها وأشارت ناحية المكتب قائلة ببساطة:
"بابي فى المكتب يا مامي."
أومأت ترنيم برأسها، ثم تحركت ببطء نحو المكتب، وكل خطوة كانت تشعرها بثقل غريب داخل صدرها. منذ تلك الليلة وهي تشعر أن المسافة بينهما أصبحت موجعة، حتى صمته معها كان يقتلها أكثر من أي عتاب.
وقفت أمام الباب لحظات مترددة، قبل أن تطرقه بخفة.
جاءها صوته من الداخل هادئًا:
"ادخل."
فتحت الباب ببطء، ثم أطلت برأسها تنظر إليه بتوتر واضح وقالت:
"ف فاضي نتكلم شوية؟"
كان يجلس خلف مكتبه يرتدي نظارته الطبية، يتابع بعض الأوراق أمامه، لكنه ما إن رآها حتى خلع النظارة بهدوء، ثم تراجع بظهره للخلف وأومأ لها قائلًا:
"تعالي يا ترنيم."
دخلت بخطوات مترددة وتحركت نحو المقعد المقابل له، جلست وهي تشبك أصابعها ببعضها بتوتر، ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا:
"جواهر والحمدالله خرجت والدنيا بقت احسن من الاول ممكن بقى تسامحني، وبلاش التجاهل اللي انت من يومها بتعمله معايا."
تنهد غريب ببطء، وكأن كلماتها لمست شيئًا موجوعًا داخله، ثم نهض من خلف مكتبه وتحرك نحوها، توقف أمامها مباشرة ونظر داخل عينيها بوجع صامت قبل أن يقول بلوم عميق:
"انتي عارفه كلام ده عمل فيا أيه يا ترنيم؟ كسرني من جوه، معنى كده انتي مش نسياها ليا بقى إن كنت السبب فى حبسه، للاسف اكتشفت أن بعد السنين دي كلها، مش بتحبيني، ولسه بتحبي هو."
اتسعت عيناها فورًا بصدمة، ونهضت بسرعة تمسك يده بكلتا يديها وكأنها تخشى أن يبتعد عنها أكثر، ثم قالت بأسف حقيقي ودموع بدأت تتجمع بعينيها:
"أنا آسفه والله، قلتلك مليون مرة انا مكنتش عارفه بقول ايه قلبي كان محروق على ابني، الموقف غصب عني فكرني بيوم سلطان، لاقتني دون وعي مني بقارن الموقفين ببعض، لكن مش معنى كده، أني بقول كده علشان مش نسياها ليك، خالص والله، غريب بلاش الشك يدخل ما بينا بعد العمر ده كله، سلطان مات، بس مستحيل أنساه، وانت ربنا يخليك ليا، حبيبي وأبو ولادي، انت سندي، لما أنا ولا حد العيلة بنقع في أي مشكله أنت أول حد بنجري عليه، علشان عارفين وواثقين انك هتحلها، وده لوحده بالنسبالي الامان كله، علشان خاطري سامحني وبلاش تتجاهل وجودي في حياتك زي ما بتعمل دلوقتي."
أغلق عينيه بضيق واستدار بظهره لها، ثم عقد ذراعيه أمام صدره محاولًا التماسك. من الخارج بدا صامتًا جامدًا، لكن داخله كان ينهار بالكامل أمام ضعفها، وأمام خوفه من فكرة واحدة فقط، أن تكون ما زالت تحمل لرجل آخر مكانًا بقلبها مهما مر العمر.
كان يريد أن يعاقبها قليلًا، أن يجعلها تشعر بوجعه كما شعر هو، لكن المشكلة الحقيقية أن ترنيم كانت دائمًا نقطة ضعفه الأكبر.
تحركت سريعًا حتى وقفت أمامه مرة أخرى، ثم رفعت وجهها إليه بنظرة جعلت ملامحه تلين رغمًا عنه، وقالت بصوت ناعم دافئ:
"يرضيك تسيب حبيبتك قلبها واجعها كده؟ أنا متأكده اني مش ههون عليك."
ثم اقتربت أكثر، وأحاطته بذراعيها بدلال يعرف جيدًا أنه لا يملك مقاومته، وهمست قربه بصوت محبب لقلبه:
"طيب بذمتك مش وحشتك؟"
أغمض عينيه للحظة مستسلمًا بالكامل.
انتهت مقاومته فورًا.
رفع ذراعيه وأحاط خصرها بقوة، ثم جذبها إليه حتى التصقت بصدره، وكأنه أخيرًا استعاد شيئًا كان ناقصًا منه طوال الأيام الماضية، قبل أن يطبع قبلة رقيقة فوق شفتيها وقال بصوت هامس ممتلئ بالعشق:
"مشكلتي، انك عارفه أن قلبي ضعيف قصادك، بحبك بجنون، ومش بقدر اشوفك زعلانه، وبضعف بكلمة واحده منك."
أغمضت عينيها براحة، ثم أسندت رأسها على صدره وقالت بسعادة صادقة:
"أنا اسفه والله، أنا بحبك اوي يا غريب، ومقدرش على زعلك مني."
ابتسم بحب وقبل أعلى رأسها، ثم قال بنبرة دافئة:
"وانا بعشقك يا قلب وعمر غريب كله."
وفي تلك اللحظة...
انفتح باب المكتب فجأة.
دخل جواد بخطوات سريعة، لكنه توقف مكانه فورًا حين رأى والديه بهذا القرب، فاتسعت عيناه بصدمة درامية قبل أن يهتف بمزاح:
"يادي الفضيحه اللي بجلاجل يادي الجرسه ام حناجل، امي وابويا في المكتب! قلبي الصغير لا يحتمل."
ابتعدت ترنيم عن غريب بسرعة بخجل واضح، بينما نظر غريب إلى ابنه بغضب وقال:
"مش تخبط الأول يا بغل انت."
غمز جواد بعينه بمكر وقال ضاحكًا:
"حب بقى ما بين الكتب والمراهقه المتأخرة دي أنا عارفها."
رمقته ترنيم بضيق وقالت وهي تتحرك للخارج:
"تصدق بأيه؟ أنا معرفتش اربيك وربنا."
غادرت المكتب سريعًا هربًا من الإحراج، بينما ظل غريب يتابعها بعينيه حتى اختفت من أمامه، قبل أن يعيد نظره إلى جواد بنفاذ صبر وقال:
"ربنا يوعدك باللي يُقفلك زي اللقمة فى الزور كده كل ما تقرب لجواهر، علشان تحس باللي بتعمله فيا كل مرة."
انفجر جواد ضاحكًا وقال بمزاح:
"فال الله ولا فالك يا حاج، طيب انا لسه شباب وعندي حماس يهد جبل، إنما حضرتك يعني."
وقبل أن يكمل جملته، شعر بضربة قوية على مؤخرة رأسه جعلته يتأوه، بينما قال غريب بتهديد:
"هتتلم؟ ولا أقل منك قدام جواهر واخليك متسواش بصله فى عنيها؟"
وضع جواد يده فوق رأسه بألم مصطنع وقال متذمرًا:
"ايدك ناشفه اوي يا حاج، بهزر معاك يا وحش ايه مبتهزرش؟"
عاد غريب إلى مقعده خلف المكتب أخيرًا، ثم نظر إلى ابنه بابتسامة اشتياق خفيفة وقال:
"وحشني هزارك يا ابن الكلب."
جلس جواد أمامه وقال ضاحكًا:
"طيب ده اسميه ايه؟ مدح ولا تهزيق؟"
لكن ملامح غريب بدأت تتحول تدريجيًا للجدية، فتراجع بظهره للخلف وقال بنبرة مختلفة تمامًا:
"خلينا في المهم دلوقتي، مراتك عينك متغفلش عنها ثانيه واحده، وعرفها أنها ممنوع تخرج لوحدها نهائي يا معاك يا مع الحرس، فاهم."
اختفت ابتسامة جواد تدريجيًا وأومأ برأسه قائلًا:
"فاهم يا بابا، بس انت دماغك فيها ايه؟ من أمبارح حاسس أن فيه حاجه شغلاك."
تنهد غريب ببطء، ثم نظر أمامه بشرود وقال بنبرة حائرة:
"اللي أسمه شاهين ده، حاسس ان وراه لغز، هو أزاي عرف القاتل الحقيقي؟ ومنين يعرف زين ده؟ ومعنى أنه يعرف القتيله، يبقى اكيد يعرف اخوها ومريم، حاسس ان فيه صله ما بينهم، وبعدين انا سمعت التسجيل اللي أشتغل كله فى المحكمة، وكذا حاجة اتقالت تأكد أنه يعرفها، واكتر حاجه خلتني اشك فيه لما قاله ما انت معانا وعارف كل حاجة، معنى كده أن لسه فيه حاجات تانيه كتير مظهرتش."
عقد جواد حاجبيه بعدم فهم وقال:
"أنا الصراحه مركزتش خالص في اللي اتقال فى التسجيل لأن وقتها كل اللي شاغلني هو خروج جواهر، بس حضرتك فى التقرير اللي جبته عنه، قولت مافيش اي صله ما بينهم."
أومأ غريب برأسه ببطء وقال وهو غارق في أفكاره:
"أيوه المعلومات كلها بتأكد أنه ملهمش صله ببعض، بس احساسي بيقول غير كده، وانا مش هسكت غير لما أعرف ايه اللي بيدور فى الكواليس."
هز جواد كتفيه بعدم معرفة ثم نهض من مكانه قائلًا:
"يمكن كده، ويمكن ده مجرد شك عندك يا بابا بسبب الظروف اللي عشناها."
ثم ابتسم بخفة وأضاف بحماس واضح:
"هروح انا بقى، امبارح على ما خلصت الإجراءات روحنا متأخر اوي، هروح اطمن على جواهر واشبع منها علشان كانت وحشاني اوي ومشبعتش منها."
أومأ غريب برأسه بصمت، وظل يتابع ابنه حتى غادر المكتب.
لكن بعد خروجه، عاد الصمت يسيطر على المكان من جديد.
أما عقل غريب، فكان يغرق أكثر وأكثر داخل دوامة الشكوك، بينما اسم شاهين الرواي بدأ يتحول أمامه إلى لغز حقيقي يشعر أن خلفه أسرارًا أخطر بكثير مما ظهر حتى الآن.
****************************
عند رنيم...
استيقظت رنيم من نومها على صوت جرس الباب، فانتفض جسدها بعنف فوق الفراش، وكأن ذلك الصوت أعادها دفعة واحدة إلى كل ما حاولت الهروب منه طوال الليل. ارتفعت أنفاسها بصورة مضطربة، وشعرت بقلبها يخبط داخل صدرها بعنف مؤلم، فما حدث بالأمس لم يكن أمرًا عابرًا تستطيع تجاوزه بالنوم أو الصمت، بل صدمة مزقت شيئًا عميقًا داخلها، وجعلتها تخشى حتى الأصوات المفاجئة.
ظلت لثواني جالسة مكانها تحدق أمامها بتيه، بينما كانت كلمات زين تتردد داخل رأسها بصورة قاسية، وكأنها تقال الآن من جديد. حاولت أن تهدأ قليلًا، ثم أنزلت قدميها على الأرض وتحركت ببطء نحو الخارج، وما زال الخوف يسكن ملامحها.
توقفت أمام الباب وابتلعت ريقها بصعوبة، قبل أن تقول بصوت خرج مرتجفًا دون إرادة منها:
"م مين؟"
وما إن وصلها صوته حتى شعرت بشيء من الطمأنينة ينساب داخل قلبها المرهق.
"أنا يا رنيم افتحي."
أغمضت عينيها للحظة وكأنها تتمسك بذلك الإحساس الآمن الذي لا تشعر به إلا معه، ثم فتحت الباب سريعًا، وما إن رأته أمامها حتى خرج صوتها مختنقًا رغم محاولتها التماسك:
"صباح الخير."
وقف شاهين يتأملها بصمت لثواني، وعيناه تتحركان فوق ملامحها بقلق واضح. كان وجهها شاحبًا بصورة أوجعته، وعيناها متورمتين من أثر البكاء الطويل، حتى ابتسامتها الباهتة بدت وكأنها تحاول الوقوف فوق قلب محطم.
انعقد حاجباه بتوتر وهو يقول بقلق صادق:
"انتي كويسه يا رنيم؟"
أومأت برأسها سريعًا، لكنها لم تستطع حتى أن تنظر إليه وهي تقول بصوت متعب:
"كويسه."
لكن شاهين كان يعرف جيدًا أنها ليست بخير، وأن هذه الكلمة مجرد محاولة ضعيفة منها للتماسك.
ابتعدت قليلًا تفسح له الطريق، فتحرك إلى الداخل بهدوء ووضع الطعام فوق الطاولة، ثم استدار إليها من جديد. ظل ينظر لعينيها للحظات طويلة وكأنه يحاول قراءة كل ما تخفيه خلف ذلك الصمت، قبل أن يقول بضيق واضح:
"انتي كنتي بتعيطي طول الليل صح؟"
انخفضت عيناها فورًا نحو الأرض، وشعرت بغصة مؤلمة تخنقها، ثم أومأت برأسها ببطء وهي تقول بصوت محمل بالحزن:
"غصب عني يا شاهين، زين اخويا، مهما عمل فيا هفضل احبه، عمري ما هقدر اكرهوا، انت عارف يعني أيه حتة منك من دمك المفروض يكون السند، هو أكتر واحد عايز يهدك ويكسرك لسبب مالكش أي ذنب فيه؟ بس رغم كل ده مكرهتوش حاسه أنه اتظلم، يمكن لو ماما مكانتش سابته واتربى فى حضنها مكانش بقى كده، أنا فاكره مرة زمان وانا صغيرة، كانت واقفه معاه، ولما سألتها قالتلي ده واحد من بتوع الشوارع قالت كده قصاده، انت عارف طفل سمع امه بتقول كده لاخته ايه شعوره واحساسه وقتها، أنا مكنتش اعرف وقتها ده مين، بس لما كبرت وشفت صورته وهو صغير افتكرته، زين ضحية أنانية ماما الله يرحمها، يمكن علشان السبب ده، بحبه وصعبان عليا."
كانت تتكلم وهي تشعر بثقل هائل فوق قلبها، وكأنها تحاول أن تبرر لنفسها قبل أي أحد لماذا ما زالت عاجزة عن كرهه، رغم كل ما فعله بها. كانت ترى داخله الطفل المكسور قبل أن ترى الرجل المؤذي، ولهذا كان ألمها مضاعفًا، لأنها لا تعرف كيف تكره من تشفق عليه.
اقترب شاهين منها ببطء، وكأن كل خطوة يخطوها نحوها تحمل رغبة حقيقية في احتواء ذلك الوجع. رفع يده بحنان ووضعها فوق خدها، ثم مرر أصابعه برفق على بشرتها وهو يقول بصوت هامس دافئ:
"علشان انتي طيبه وقلبك ابيض، و بتشوفي الناس بعيونك الحلوين دول."
ثم مال برأسه وقبل عينيها ببطء شديد، وكأنه يحاول أن يمحو أثر الدموع العالقة بهما، قبل أن يهمس بعشق صادق:
"دول اتخلقوا علشان يضحكوا ويسحروني بجمالهم، مش علشان يحزنوا وينزلوا دموع."
ارتبكت ملامحها فورًا أمام قربه وكلامه، وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها رغم حزنها، فحاولت الهروب من تأثيره عليها وتغيير الحديث بسرعة وقالت بتلعثم:
"ا انت جايب فطار ايه؟"
ابتسم شاهين بخفة على محاولتها الواضحة للهرب من مشاعرها، ثم تحرك نحو الطاولة وأشار بيده قائلًا:
"بيض ولانشون وجبنه وزيتون."
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها وقالت بتوتر لطيف:
"ابن حلال، أنا صحيت جعانه اوي."
وما إن خرجت الكلمة من فمها حتى شعر شاهين بوخزة حادة داخل قلبه.
"ابن حلال..."
كلمتان بسيطتان قالتهم بعفوية كاملة، لكنها بالنسبة له كانت تلامس أكثر جروحه عمقًا. أغمض عينيه للحظة بألم خافت، فالحقيقة التي يحملها داخله كانت تطارده دائمًا، مهما حاول أن يهرب منها، ومهما منحته رنيم من شعور بأنه إنسان يستحق الحب.
انتبه على صوتها وهي تقول باستغراب بعدما لاحظت شروده:
"ااايه روحت فين؟"
فتح عينيه سريعًا، ثم رسم فوق شفتيه ابتسامة هادئة أخفى خلفها كل ما شعر به، قبل أن يبعد لها المقعد بحنان قائلاً:
"اقعدي يا قلبي."
جلست على المقعد بسعادة، بينما مال شاهين برأسه مقبلًا رأسها بحنان عميق، ثم تحرك نحو المقعد المجاور لها وجلس عليه، وبدأ الاثنان يتناولان الطعام سويًا وسط أجواء دافئة لم تعش رنيم مثلها من قبل.
لكن شاهين سرعان ما توقف عن تناول طعامه، واكتفى بالتحديق بها فقط، يتأمل ملامحها الصغيرة وهي تأكل بعفوية، وكأن عينيه وجدتا أخيرًا موطنهما الحقيقي. كانت كل حركة منها تسلب أنفاسه أكثر، حتى شعر أن مجرد وجودها أمامه نعمة يخشى أن تنتزع منه فجأة.
وما إن شعرت رنيم بنظراته الطويلة المعلقة بها، حتى احمرت وجنتاها بخجل، وتكلمت بتوتر:
"ا انت م مش بتاكل ليه؟"
امسك يدها وقبلها بعشق وقال بنبرة هامسه:
"مش قادر ابعد عيوني عنك، خايف حتى ارمشهم لو ثانيه واحده، تختفي من قصادي، أنا بقيت مهوس بيكي يا رنيم، بشوفك حتى فى احلامي، انا مش لاقي وصف لحالتي دي معاكي، لأن ده مش حب، ده حاجة اكبر من كده بكتير، حالة عمري ما اتخيلت أن اوصلها ولا احس بيها، أنا بقيت مجنون بيكي يا رنيم."
تجمعت الدموع بعينيها، فذلك الحب الذي يمنحه لها بهذه الطريقة كان أكبر من قدرتها على الاحتمال. شعرت بقلبها يذوب بين كلماته، يريد أن يهرب من صدرها ويذهب إليه، يعانقه بقوة ويتمسك به إلى الأبد حتى لا يتركه يومًا. كانت تسمع نبضاتها تتسارع بعنف، بينما روحها كلها ترتجف تحت تأثير عشقه الصادق لها.
حركت رأسه بقلة حيله وتكلمت بصعوبه من فرط المشاعر وقالت:
"مش قادره ألاقي رد مناسب لكل كلامك ده، انت تخطيت مراحل كتير اوي فى وقت صغير، معاك بحس بحالة غريبه، شعور عمري ما عيشته ولا حسيته، كل حاجه معاك غريبه عليا بعيشها لاول مره، بس مش مضايقه من ده، بالعكس أنا مرتاحه ليها وحابة الحالة اللي عايشها دي."
كانت كلماتها تخرج بصعوبة، وكأن مشاعرها المتزاحمة تخنقها، بينما عيناها كانتا تلمعان بذلك الوهج الذي يظهر لأول مرة على امرأة وقعت في الحب الحقيقي دون مقاومة.
حرك يده على خدها بهدوء وتكلم وهو ينظر بعينيها:
"بعشقك يا رنيم، وربنا يقدرني، واقدر اعيشك معايا كل الاحاسيس والمشاعر الجديدة عليكي اللي عمرك ما عشتيها، وأخليكي سعيده ومبسوطة."
ابتسمت له من بين دموعها، وأومأت برأسها بسعادة حقيقية لم تعرفها منذ زمن طويل، ثم قالت:
"أنا واثقه فيك، ومتأكده أن كل لحظة معاك، هتكون جديدة ومختلفة."
شعر شاهين أن قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه من شدة فرحته بثقتها، فاقترب منها أكثر، وقبل رأسها بحب بالغ وكأنها أغلى ما يملك، ثم قال بنبرة هادئة:
"تشربي قهوة، ولا شاي؟"
ابتسمت له وقالت:
"الصراحه أنا بحب الشاي اكتر."
اومأ برأسه وقال بحب:
"وانا من النهاردة هحب الشاي اكتر زيك."
تحرك نحو المطبخ، بينما ظلت رنيم تتابعه بعينيها دون وعي منها، تشعر بدفء غريب كلما رأته يتحرك داخل بيتها بهذه الألفة، وكأنه أصبح جزءًا من تفاصيلها اليومية التي لا تستطيع الاستغناء عنها.
وبعد عدة ثواني وجد رنيم تقف على الباب تنظر له بأبتسامه جميله على وجهها، غمز لها وقال بمزاح:
"ايه معجبه."
ارتبكت فورًا، واعتدلت في وقفتها سريعًا وهي تحاول إخفاء خجلها الواضح، ثم تنحنحت بتوتر وقالت:
"ا انا لاقيتك اتأخرت جيت اشوفك لو محتاج حاجة."
ابتسم لها بمكر وقال:
"امم، جيتي فى وقتك، مش لاقي السكر."
تحركت سريعا لداخل واقتربت منه واستدارت حتى تمسك السكر، لكنها تفاجئت بذراع شاهين تلتف من الأمام على خصرها، فشهقت بخفة عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس عنقها، بينما قلبها بدأ يدق بعنف أربكها بالكامل.
قبل عنقها بعشق وتكلم بصوت هامس:
"انا قصدي على السكر انتي، فيه حد يبقى معاه الحلاوة دي كلها ويدور على سكر عادي."
ابتلعت ريقها بخجل وتكلمت بصعوبه:
"ش شاهين ا ايه اللي انت بتعمله ده؟ ا ابعد شوية."
ألتصق بها من الخلف أكثر، وكأنه لا يكتفي أبدًا من قربها، بينما أغمض عينيه للحظة يستمتع برائحتها التي أصبحت تفتك بعقله كلما اقتربت منه.
وتكلم بنبرة هامسه مغوية:
"عمري ما ابعد عنك يا رنيم حتى لو أنتي اللي طلبتي ده، أنا ما صدقت لاقيتك."
أغلقت عينيها وابتلعت ريقها بصعوبه، وشعرت بأن أنفاسها تختل تمامًا من تأثير قربه، بينما حرارة جسده خلفها جعلتها ترتجف دون إرادة منها.
وتكلمت بأنفاس لاهثه:
"ش شاهين، ارجوك سبني."
وعندما شعر بتوترها وفرط مشاعرها التي ظهرت بصوتها، ابتعد ببطء عنها، رغم أن داخله كان يصرخ رافضًا الابتعاد، ثم جعلها تستدير له ونظر بعينيها وقال بصدق عميق:
"أنا عايزك تثقي فيا مهما حصل يا رنيم، أنا عمري ما هعمل حاجة تأذيكي، اه هموت عليكي، بس انا كبير كفايه علشان اقدر اتحكم فى نفسي وفى مشاعري، وهفضل محافظ عليكي لحد ما يتكتب اسمك على اسمي، ووقتها بس هعمل معاكي كل اللي نفسي فيه."
مجرد ذكر أنها بيوم ستكون على اسمه، جعل جسدها ينتفض مكانه بعنف، وكأن تلك الكلمات لامست أعمق نقطة داخل قلبها، فنظرت له بتوتر وقالت:
"هو ممكن يجي يوم وابقى على اسمك؟"
نظر لها بعدم فهم وتكلم بأستغراب:
"اكيد طبعًا إن شاءالله، هيجي اليوم اللي تبقي فيه مراتي، وتنوري حياتي كلها، انتي عندك شك فى ده؟"
لكن ملامحها تبدلت سريعًا، وحل الحزن محل خجلها، ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالوجع وتكلمت بصوت مختنق:
"لا طبعا معنديش شك فيك، بس موضوع امك ده، مصعب الفكره عليا، مش متخيله أن هيجي يوم، واللي قتلت أهلي تبقى أم جوزي وحماتي، صعب اوي عليا."
شعر شاهين وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل قلبه، فهذه الحقيقة ستظل تطارده مهما حاول الهرب منها. تنفس بصعوبة، ثم جذبها إليه برفق، ووضع رأسها فوق صدره حتى تسمع دقات قلبه التي تخفق بعشقها وحدها.
وتكلم بنبرة مختنقة:
"للاسف أنا عمري ما هقدر اغير الحقيقه المره دي يا رنيم، بس اللي اقدر اوعدك بي أن حياتنا هتكون بعيده عنها خالص."
احاطته بذراعيها وأغلقت عينيها تستنشق رائحته التي تعشقها، وكأنها تبحث داخل حضنه عن السكينة التي افتقدتها طوال حياتها.
وتكلمت بصوت هامس:
"ريحتك بقت بالنسبه ليا مصدر الامان، مجرد ما اشمها، بحس نفسي مطمنه."
أغمض عينيه متأثرًا بكلماتها، ثم ابتسم
وقبل رأسها قائلا:
"وانا موجود بس، علشان راحتك يا قلب وعمر شاهين."
ابتعدت عنه سريعا وكأنها تذكرت شيئًا فجأة، وتكلمت بتوتر:
"ا الشاي ا انت نسيته."
ابتسم لها وتكلم بحب:
"أنا بنسى الدنيا كلها وانتي معايا."
ثم تحرك الجنب الآخر وحضر الشاي، بينما كانت رنيم تراقبه بصمت وقلبها يزداد تعلقًا به لحظة بعد الأخرى.
امسك بكل يد كوب واقترب منها وقال:
"خدي يا قلبي الشاي بتاعك."
أخذته منه وابتسمت له بأمتنان وقالت:
"ش شكراً."
ثم أرتشفت منه رشفه وابتسمت له وقالت:
"انت حاطط سكر كتير، أنا بشربه بنص معلقة بس."
رد عليها بمزاح:
"حقك عليا يا صغنن المرة الجايه هنفذ أوامرك بالحرف."
أبتسمت بخجل، بينما ظل هو يتأملها بصمت، بعينين ممتلئتين بعشق جعل العالم كله يتلاشى من حوله، ولم يبقى أمامه سوى هي.
****************************
عند جواهر...
لأول مرة منذ أيام طويلة، لم تستيقظ مذعورة على كابوس، ولا على صوت باب حديدي يغلق بعنف، ولا على ذلك الشعور القاسي بالاختناق الذي كان يلازمها منذ دخلت تلك التجربة المريرة. كانت نائمة بعمق، غارقة داخل دفء غريب افتقدته كثيرًا، حتى أن أنفاسها خرجت هادئة ومستقرة وكأن روحها أخيرًا عادت إلى مكانها الطبيعي.
تململت فوق الفراش بتكاسل، وامتلأت رئتاها برائحة تحفظها جيدًا، رائحة كانت دائمًا قادرة على تهدئة كل الفوضى داخلها.
فتحت عينيها ببطء، وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتخت ملامحها تلقائيًا.
كان جواد يجلس بجوارها فوق السرير، يتأملها بصمت طويل، وكأنه يعوض بعينيه كل لحظة حرم منها وهي بعيدة عنه. كانت نظرته مليئة بشوق موجع، شوق رجل عاش أيامه الأخيرة بقلب معلق بين الخوف والفقد.
ابتسمت له بنعومة، ثم اقتربت منه دون تردد، وضعت رأسها فوق صدره ولفت ذراعها حول خصره وكأنها تبحث داخله عن الأمان الذي سرق منها، ثم همست بصوت يغلب عليه النعاس:
"صباح الخير."
أغمض عينيه للحظة فور اقترابها منه، وكأن مجرد لمستها أعادت الحياة إلى قلبه، ثم انحنى يقبل رأسها بحب بالغ وقال:
"صباح الورد والفل والياسمين على عيونك يا قلبي."
رفعت وجهها قليلًا تنظر له، كانت ملامحه مرهقة رغم ابتسامته، وكأن النوم لم يزر عينيه منذ فترة، فقالت بتساؤل ناعم:
"انت هنا من بدري؟"
حرك رأسه بالنفي وهو يمرر يده بحنان فوق شعرها:
"لا لسه جاي من شوية، لاقيتك نايمة مرضتش اصحيكي، وفضلت قاعد جنبك لحد ما تصحي لوحدك."
تنهدت براحة، ثم أغلقت عينيها للحظة وكأنها تستمتع بإحساس السرير وغرفتها ووجوده بجوارها، قبل أن تقول باشتياق صادق:
"كانت وحشاني اوضي وسريري اوي، من يوم اللي حصل ده، مكنتش بعرف انام ساعتين على بعض، يلا أيام ربنا ما يرجعها تاني."
بمجرد أن لمح الوجع العابر داخل صوتها، شدها إليه بقوة أكبر، كأنه يريد أن يمحي بضمته كل ما مرت به، وربت على ظهرها بحنو بالغ وهو يقول:
"خلاص بقى متفكريش فى اللي حصل ده وانسي خالص، وربنا يقدرني وأعوضك عن الايام دي وأعيشك اسعد ايام عمرك."
أغمضت عينيها داخل حضنه، وشعرت أن قلبها لأول مرة منذ فترة طويلة يهدأ فعلًا. كان وجوده حولها يشبه النجاة، يشبه البيت بعد تيه طويل، لذلك تمسكت به أكثر وهمست بصوت دافئ:
"انا فعلا طول ما انا جنبك عايشه اسعد ايامي، انت الفرحه الوحيده اللي فى حياتي ووجودك جنبي هي السعادة الحقيقه بالنسبالي."
تبدلت نظراته فور كلماتها، ذابت ملامحه بعشق واضح، ثم رفع وجهها إليه بأطراف أصابعه ببطء شديد وكأنه يخشى أن يؤذيها حتى بلمسته، قبل أن يميل نحوها ويلتقط شفتيها بقبلة عميقة حملت كل لهفته وخوفه واشتياقه.
قبلة طويلة جعلت أنفاسها تتعثر داخل صدرها، بينما هو كان يغرق بها وكأنه يعوض كل لحظة كان عاجزًا فيها عن الوصول إليها.
ومع احتياجها للهواء، ضغطت بخفة على ذراعه، فابتعد عنها بصعوبة واضحة، وأسند جبينه فوق جبينها بينما أنفاسه الساخنة تلامس وجهها، ثم قال بصوت أجش مختنق بالشعور:
"القرب منهم حياة، مكنتش قادر ابعد عنهم، انتي حاطه فيهم ايه؟"
اشتعل وجهها بحمرة خجل واضحة، وتسارعت أنفاسها وهي تحاول استيعاب تأثيره عليها، ثم تمتمت بصعوبة:
"ا انت قليل الادب على فكرة."
ضحك بخفة، وكانت عيناه لا تزالان معلقتين بها بعشق واضح:
"وانا عملت ايه؟ ببوس مراتي ايه الغلط في كده؟"
ضربته بخفة على صدره وهي تهرب بعينيها بعيدًا عنه:
"وقح وقليل الادب، وخالتوا ترنيم معرفتش تربيك."
انفجر ضاحكًا فور تذكره حديث والدته صباحًا وقال:
"تصدقي أنها لسه قايله ليا كده برضه."
ضحكت رغماً عنها، ثم قالت بمشاكسة:
"طيب كويس مجبتش حاجه من عندي."
ابتعدت عن حضنه أخيرًا ونهضت من فوق السرير وهي ترتب شعرها، لكن ملامحها عادت للجدية قليلًا عندما قالت:
"يا دوب ألحق اجهز علشان اروح الشركة، عايزة اقابل رنيم ضروري."
اختفت ابتسامته فورًا، واستقام بجسده ينظر إليها بتركيز حاد، ثم قال بجدية واضحة:
"تروحي الشركة!؟ اعملي حسابك يا قلبي، مافيش خروج لوحدك الفترة دي، الخروج هيكون يا معايا يا مع الحرس اللي تحت دول لو أنا مش موجود."
التفتت له باستغراب واضح، وقد ضايقها أسلوب الحماية المفاجئ، فقالت بعدم فهم:
"ليه بقى إن شاءالله انت ناوي تحبسني ولا ايه؟"
اقترب منها فورًا، وكوب وجهها بين كفيه بحنان ممتزج بقلق حقيقي، ثم قال بنبرة منخفضة:
"مش حكايه حبس يا قلبي، بس انتي شايفه الدنيا متلبشه ازاي، ومش عارفين ايه ممكن يحصل خلال اليومين الجايين، علشان كده خروجك الفترة دي لازم يكون بحساب، ومش لازم نزول الشركة دلوقتي، لازم تتأمني كويس اوي، معايا أو مع الحرس."
هبط الضيق على ملامحها، فهي بالكاد خرجت من سجن لتشعر الآن وكأن الخوف يطاردها خارجه أيضًا، ثم قالت بصوت مختنق:
"طيب انا لازم اقابل رنيم دلوقتى، أعمل ايه؟"
هدأت نبرته قليلًا وهو يحاول طمأنتها:
"اصبري بليل لما اخلص شغل، اخدك عندها الشقه."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، واستدارت له بسرعة:
"انت عارف هي ساكنه فين؟"
أومأ برأسه بهدوء وقال:
"أيوه يا قلبي وبالليل هخدك عندها."
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها، ثم عقدت ذراعيها على صدرها وهي تنظر له بترقب وقالت:
"طيب أيه؟"
رمش بعدم فهم:
"ايه ايه مش فاهم؟"
نفخت بضيق وقالت:
"عايزة أخد شاور وأغير هدومي."
ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسه فورًا، ثم عاد يستند فوق السرير بأريحية وقال بمكر:
"طيب ما تدخلي خدي شاور براحتك وغيري وانا هستناكي هنا، ولو محتاجة أي مساعدة أنا موجود وتحت الخدمة، ما أنا زي جوزك برضه."
شهقت بغيظ، ثم التقطت الوسادة سريعًا وانهالت بها عليه وهي تقول بانفعال:
"والله العظيم غلس وقليل الادب، بكرهك يا جواد، بكرهك."
تعالت ضحكاته بقوة داخل الغرفة، وبدأ يتحرك هاربًا من ضرباتها وهو يقول بين ضحكاته:
"خلاص يا مجنونة اهدي، انا غلطان أن عايز اساعدتك."
ثم نهض أخيرًا واتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل الخروج مباشرة، عاد إليها بخطوة سريعة ووضع قبلة خاطفة على خدها المرتبك، ثم قال بعشق صريح: "بعشق امك يا مجنونة."
وخرج بعدها مباشرة وأغلق الباب خلفه.
أما هي فظلت واقفة مكانها للحظات، تلمس خدها بخجل بينما ابتسامة عاشقة ارتسمت فوق شفتيها دون إرادة منها، قبل أن تتنهد أخيرًا وتتجه نحو المرحاض وقلبها أخف بكثير مما كان عليه منذ أيام.
**************************
بالمساء...
كانت رنيم تقف داخل المطبخ، تتحرك بخفة لم تشعر بها منذ وقت طويل، وكأن روحها استعادت جزءًا من الحياة بعد أيام ثقيلة أنهكت قلبها وأعصابها. كانت أصابعها تتنقل بين الأطباق بعناية، تقطع هذا، وتقلب ذاك، ثم تعود لترتب الطعام بصورة جميلة تخطف النظر قبل الشهية.
وعلى شفتيها استقرت ابتسامة حالمة، كلما تخيلت شاهين وهو يتناول الطعام الذي أعدته له بنفسها، ينظر إليها بعينيه الممتلئتين بذلك العشق الذي أصبح يربكها ويذيب شيئًا داخلها في كل مرة.
كانت للمرة الأولى تفعل شيئًا كهذا وهي تشعر بالسعادة لا بالواجب.
حتى التفاصيل الصغيرة باتت تحمل مذاقًا مختلفًا معه، انتظار قدومه، اختيار ما يحب، التفكير فيما قد يعجبه أو يضحكه، كل ذلك جعل قلبها يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل.
وفجأة دوى صوت جرس الباب.
انتفض قلبها داخل صدرها سريعًا، واتسعت ابتسامتها بعفوية، فقد أيقنت أنه هو.
أسرعت تطفئ النار أسفل أحد الأواني حتى لا يحترق الطعام، ثم ركضت نحو الباب بخطوات متعجلة، لكنها توقفت قبله بثواني، أخذت نفسًا سريعًا، وعدلت خصلات شعرها المرتبكة، ثم نظرت إلى انعكاسها على الزجاج المجاور بابتسامة خجولة قبل أن تمد يدها وتفتح الباب.
لكن ابتسامتها تجمدت تمامًا.
اتسعت عيناها بصدمة وهي ترى جواهر تقف أمامها، وبجوارها جواد.
ساد الصمت للحظات...
صمت ثقيل، ممتلئ بمشاعر متشابكة؛ اشتياق، عتاب، حنين، ووجع قديم لم يمحى بالكامل.
ظلت الفتاتان تنظران إلى بعضهما وكأن بينهما ألف كلمة عاجزة عن الخروج، وكأن كل واحدة منهما تبحث في ملامح الأخرى عن ما ضاع بينهما خلال الفترة الماضية.
وأخيرًا تكلمت جواهر بصوت هادئ، لكنه كان يحمل ارتجافة خفية:
"وحشتيني."
في اللحظة نفسها شعرت رنيم بأن شيئًا داخل صدرها انكسر.
تجمعت الدموع سريعًا بعينيها، ثم اندفعت نحوها دون تفكير واحتضنتها بقوة، وكأنها تخشى أن تختفي من بين يديها مرة أخرى، وتكلمت بلوم وصوت مختنق:
"وحشتيني يا جزمة."
أغمضت جواهر عينيها وهي تتشبث بها أكثر، وكأن حضنها أعاد إليها شعور الأمان الذي افتقدته طويلًا، ثم قالت من بين دموعها:
"أنا عمري ما اتخيلت أن كل ده يحصل ما بينا."
ابتعدت رنيم عنها قليلًا، ونظرت إليها بعينين ممتلئتين بالألم والعتاب، ثم قالت بوجع صادق:
"ومين اللي عمل كده؟ مش انتي لما رفضي تقابليني لما جيت ليكي كذا مره."
اهتزت ملامح جواهر بأسف، وحركت رأسها نفيًا وهي تقول بصوت مختنق:
"خلاص بقى انسي اللي حصل، خلينا فى دلوقتي، شكرا علشان كنتي السبب فى إظهار الحقيقه."
رغم الألم الذي ما زال عالقًا داخلها، ابتسمت رنيم بحنان وهي تنظر إليها، ثم قالت بهدوء:
"مافيش ما بينا شكر يا جواهر، انتي اختي واللي عملته ده واجب عليا، ومتأكدة لو كنت انا مكانك، كنتي هتعملي زي وأكتر."
كان جواد يتابع المشهد بصمت، يراقب الدموع والاشتياق الذي يفيض من نظراتهما، لكنه شعر أن وقوفهم الطويل على الباب بدأ يثقل الأجواء أكثر، فتدخل بنفاذ صبر متعمد:
"طيب هنفضل نتكلم على الباب كتير كده؟"
حولت رنيم نظرها إليه بضيق خفيف، وكأنه قطع لحظة كانت تحتاجها بشدة، ثم تنحت جانبًا بصمت وأفسحت لهما الطريق للدخول.
دخل جواد أولًا تتبعه جواهر، وأخذت أعينهما تتجول داخل الشقة بفضول وإعجاب واضح.
كانت الشقة بسيطة، لكنها تحمل روح رنيم في كل زاوية؛ الهدوء، الترتيب، والدفء الذي يملأ المكان بصورة مريحة.
توقفت جواهر تتأمل التفاصيل حولها قبل أن تقول بإعجاب صادق:
"واو الشقه بتاعتك حلوه اوي."
ابتسمت رنيم بخجل خفيف وقالت: "ميرسي، أتفضلوا اقعدوا."
جلسا على المقاعد، بينما بقيت هي واقفة للحظات تحاول السيطرة على ذلك التوتر الذي بدأ يتسلل إليها تدريجيًا.
وفجأة رفعت جواهر رأسها تستنشق الهواء حولها، ثم قالت بإعجاب:
"فيه ريحة اكل حلوة اوي، دي عندك؟"
شعرت رنيم بالتوتر فورًا، وتنحنحت بخفة وهي تقول:
"ا ايوه انا اللي عملاه."
جلست جواهر بأريحية أكبر، وكأنها عادت أخيرًا لتلك العلاقة القديمة بينهما، ثم قالت بحماس:
"حلو اوي يبقى العشا عندك."
لكن كلماتها جعلت قلب رنيم يضطرب بعنف.
زاغ بصرها بعيدًا، وتحركت أصابعها بتوتر واضح وهي تقول بتلعثم:
"ا اه طبعا ده اكيد."
كانت تعرف جيدًا أن وجود شاهين هنا بعد قليل سيقلب كل شيء.
مجرد تخيل لحظة دخوله ورؤيته لجواهر وجواد جعل التوتر يشتعل داخل أعصابها بصورة مرهقة.
وكأن أفكارها استدعت اللحظة بنفسها، دوى جرس الباب مرة أخرى.
تجمد جسدها بالكامل، واتجهت عيناها نحو الباب بسرعة، بينما تسارعت دقات قلبها بشكل مخيف.
هي تعلم جيدًا من الطارق هذه المرة.
وقبل أن تتحرك من مكانها، استقام جواد بجسده وقال بهدوء:
"خليكي هروح انا افتح."
اومأت برأسها بتوتر، بينما شعرت أن أنفاسها أصبحت أثقل، وكأن اللحظة القادمة تحمل معها ما لا تستطيع توقعه أبدًا.
ظلت جواهر تراقب رنيم بعينين ضيقتين، تتابع ارتباكها الواضح منذ لحظة سماع جرس الباب، وكيف شحب وجهها فجأة وكأن قلبها عرف الطارق قبل أن تفتح الأبواب.
لاحظت اضطراب أنفاسها، وحركة أصابعها المتوترة، ونظراتها المعلقة نحو الباب، فتسلل إليها الفضول سريعًا، ثم قالت بعدم فهم:
"مالك يا رنيم، هو انتي مستنيه حد؟"
انتبهت رنيم إلى نظراتها، فارتبكت أكثر، وكأنها ضبطت متلبسة بمشاعرها، ثم قالت بسرعة وهي تحاول التظاهر بالهدوء:
"ها، ل لا خالص."
لكن نبرتها المرتبكة فضحتها أكثر مما أخفتها.
وفي تلك اللحظة كان جواد قد وصل بالفعل إلى الباب وفتحه دون تردد، لتتجمد ملامحه فور رؤيته لذلك الشاب نفسه، شاهين.
وقف الاثنان يتأملان بعضهما لثواني قصيرة، لكنها كانت كافية لإشعال التوتر بينهما بصورة واضحة.
نظر جواد إليه باستغراب حذر وقال:
"أيوه اتفضل."
لكن شاهين لم يتحرك من مكانه، بل انعقد حاجباه بغضب واضح وهو ينظر إليه مباشرة، ثم قال بصوت خشن:
"انت! بتعمل ايه عند رنيم؟"
اشتعلت نظرات جواد فورًا، ورد عليه بنفس الحدة:
"وانت مالك، رنيم بنت خالتي، لكن انت اللي جاي تعمل ايه عندها؟"
تشنج فك شاهين بعنف، وضغط على أسنانه وهو يحاول التحكم بأعصابه بصعوبة، ثم قال بهدوء يحمل تحذيرًا واضحًا:
"وانت مالك، كنت ولي أمرها وانا معرفش؟"
اقترب جواد منه خطوة كاملة، حتى كادت المسافة بينهما تختفي، ونظر إليه بعينين يشتعل داخلهما الغضب، ثم قال من بين أسنانه:
"اه ولي أمرها، عندك اعتراض؟"
في الداخل، وصل صوت التوتر المرتفع إلى رنيم وجواهر، فتبادلتا النظرات سريعًا قبل أن تنهضا معًا وتتجها نحو الباب.
اقتربت رنيم بخطوات سريعة، وقلبها ينبض بعنف وهي ترى الشرارة المتطايرة بينهما، ثم قالت بتوتر:
"ف فيه ايه؟"
لم يرفع شاهين عينيه عن جواد، بل ظل ينظر إليه بغضب وهو يقول:
"ده بيعمل ايه هنا؟"
ابتعدت رنيم قليلًا حتى ظهرت جواهر خلفها، ثم قالت بتلعثم وهي تحاول تهدئة الوضع:
"ج جاي هو ومراته يسألوا عليا."
في اللحظة التي وقعت فيها عينا شاهين على جواهر، خفت حدة غضبه قليلًا، وفهم جزءًا من الصورة، فتراجع نصف خطوة وقال بهدوء متحفظ:
"اه ماشي تعالي عايزك."
لكن جواد لم يسمح بمرور الأمر ببساطة، بل قال بنفاذ صبر واضح:
"هو ايه اللي تعالي عايزك، انت شايفني قصادك كيس جوافه؟ ولا مركب قرون؟"
التقطت جواهر التوتر فورًا، وفهمت طبيعة العلاقة بين رنيم وشاهين من نظراتهما وحدها، رأت ذلك اللهيب الصامت بينهما، والغيرة التي تكاد تحرق المكان.
اقتربت سريعًا من جواد وأمسكت ذراعه وهي تقول:
"تعالى يا جواد عايزاك."
كاد يعترض، لكنها قاطعته بسرعة: "سيبهم يا جواد وتعالى بس."
ظل ينظر إلى شاهين طويلًا، نظرة مليئة بالتحدي والرفض، قبل أن يتحرك أخيرًا نحو الداخل برفقة جواهر.
وبمجرد ابتعادهما قليلًا، اقترب شاهين من رنيم أكثر، وكانت ملامحه ما تزال مشدودة بالغضب، ثم قال بصوت منخفض محتقن:
"أنا مسكت نفسي عليه بالعافيه، لكن لو طول فيها مش مسؤول عن اللي هيحصل."
نظرت إليه رنيم برجاء واضح، وقالت بتوتر:
"ع علشان خاطري يا شاهين، جواهر جايه معاه علشان تشكرني أن ساعدها تخرج من المكان ده، وانا ما صدقت ان علاقتنا بدأت ترجع زي الأول."
أغمض عينيه للحظة يحاول ابتلاع غضبه، ثم زفر بضيق وقال بصوت هامس:
"علشان خاطرك بس هستحمله، وبعدين بقى هما كده هيخدوكي مني."
ارتجف شيء داخل قلبها عند كلماته، فابتسمت له بحب خجول وحركت رأسها نفيًا وهي تقول:
"م محدش يقدر يخدني منك."
وكأن تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتطفئ جزءًا من غضبه، اقترب منها أكثر، وأحاطها بذراعه، ثم قال بعشق صريح:
"بجد يا رنيم؟"
ابتلعت ريقها بخجل، واكتفت بإيماءة صغيرة برأسها، بينما قلبها يكاد يقفز من صدرها.
لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ دوى صوت جواهر المازح خلفهما:
"هو أنا جيت فى وقت مش مناسب ولا حاجه؟"
انتفضت رنيم مبتعدة بسرعة، واتسعت عيناها بصدمة وارتباك، ثم قالت:
"ها، ت تعالي يا جواهر."
اقتربت جواهر منهما وهي تكتم ضحكتها بصعوبة، ثم وضعت يدها على كتف رنيم وقالت بمكر:
"أنا مش عايزه اكون عزول ولا حاجة، بس جيت اقولكم، احنا ممكن نتعشا احنا الاربعه سوا عادي جواد مش ممانع."
ابتسم شاهين ابتسامة خفيفة وهو ينظر إلى رنيم، ثم قال:
"لما نشوف رأي صاحبة الشقه ايه."
لكن جواهر لم تمنحها فرصة للهرب، فقالت سريعًا بمرح:
"هتقول ايه بس ما هو واضح أهو أنها موافقة وأوي كمان."
ضربتها رنيم بخفة في بطنها بذراعها بعيدًا عن الأنظار، وهمست من بين أسنانها:
"هنفخك، اصبري عليا بس."
تعالت ضحكات جواهر بقوة، ثم اقتربت من أذنها وهمست بمشاكسة:
"والله ووقعت يا جميل، وجه اليوم اللي أفرح فيكي وأشوفك واقعه على بوزك زي ما كنتي بتتريقي عليا."
ثم رفعت صوتها قائلة:
"ادخل ادخل احنا شكلنا هنكون تيم تحفه."
ودفعت رنيم جانبًا حتى تفسح الطريق أمام شاهين.
دخل شاهين إلى الداخل وهو يضحك بخفة على كلمات جواهر، وعلى ملامح رنيم المرتبكة التي بات يعشقها بجنون.
أما جواهر فأخرجت لسانها لها بغيظ طفولي وتحركت خلفه للداخل.
وقفت رنيم مكانها للحظة تنظر إلى أثرهما، ثم تنهدت بتوتر وهمست:
"اه يا جواهر الكلب، وربنا ما هسيبك."
ثم أغلقت الباب وتحركت للداخل.
لكن ما إن دخلت حتى شعرت بالأجواء المشحونة تضربها بقوة، كان شاهين يجلس مقابل جواد مباشرة، وبينهما حرب صامتة من النظرات الحادة، وكأن كل واحد منهما يتحدى الآخر دون كلمة واحدة.
أخذت رنيم نفسًا عميقًا محاولة تهدئة الوضع، ثم اقتربت وجلست بجوار جواهر وهمست:
"عجبك حرب النظرات اللي ما بينهم دي؟"
ردت جواهر بمزاح مستمتع:
"شش اسكتي، دي حاجه ممتعه، وبعدين شويه كده والجو يفك ما بينهم، والدنيا هتحلو، بس سيبك انتي ايه المز القمر ده، يخربيت الكاريزما بتاعته تجنن."
التفتت لها رنيم فورًا بغيرة واضحة وقالت بضيق:
"وحياة امك! ما تتلمي بدل ما أقول لجوزك واخليه يعلقك."
انفجرت جواهر ضاحكة وهي تقول:
"الله أكبر، وكمان بنغير، بركاتك يا عم شاهين."
كان شاهين يسمع حديثهما، فابتسم بخفة دون أن يرفع عينيه عنها، بينما استمر جواد يراقبه بصمت مستفز.
وبين الشد والجذب والمزاح، بدأت الفتاتان تحضران الطعام حتى اجتمع الأربعة حول الطاولة.
نظرت جواهر إلى رنيم بمكر ثم قالت:
"بجد انا حاسه ان رنيم اتغيرت لواحده تانيه خالص، بتطبخ وبتتكسف والتكشيرة راحت من وشها وشكلها بقى حاجة هيييح خالص."
رفع شاهين عينيه نحو رنيم، ونظر إليها بنظرة دافئة أربكتها، ثم قال بنبرة عاشقة:
"بيقولوا الحب بيغير شكل صحبه، وبنت خالك شكلها كده بتحب جديد."
اختنقت رنيم فجأة بالماء، وسعلت بعنف فور سماعها كلماته، بينما انفجرت جواهر ضاحكة وأعطتها كوب الماء وهي تقول:
"اسم الله يا حبيبتي، شكل حد جايب سيرتك والله أعلم."
رمقتها رنيم بنظرة متوعدة، ثم همست لها:
"اقسم بالله لو مسكتيش هلبسك طبق الشوربه ده في وشك وأسلخك."
لكن الأجواء المرحة لم تستمر طويلًا، إذ تكلم جواد أخيرًا بصوت رجولي حاسم:
"أعملي حسابك انك هترجعي تعيشي تاني فى الفيلا عند عمتك."
ساد الصمت فجأة.
نظر شاهين إلى جواد بغضب واضح، لكن قبل أن يتدخل، تكلمت رنيم نفسها بحدة:
"وانت مين سمح ليك، تدخل فى حياتي، أنا حرة على فكره ارجع ولا اعيش لوحدي حاجه متخصكش."
اشتدت ملامح جواد وقال بغضب:
"لا، ليا فيه، لما الاقيكي عايشه حياتك غلط ليا أن أدخل واحكم عليكي انتي بنت خال جواهر وكل افعالك محسوبه علينا احنا كمان."
وقفت رنيم بغضب مشتعل، وقالت بصوت مرتفع:
"انت ملكش حكم عليا، انت ابن اكتر واحده بكرهها في حياتي، وإذا كنت قابلة بوجودك دلوقتي هنا، ده علشان خاطر جواهر، مش علشان سواد عيونك."
وقف جواد هو الآخر بعصبية، وأمسك ذراعها بقوة:
"برضاكي أو غصب عنك، هترجعي تعيشي فى الفيلا يا رنيم."
هنا تحركت جواهر بسرعة وأمسكت ذراعه:
"جواد اهدا علشان خاطري."
لكن رنيم نظرت إليه بتحدي وقالت:
"طيب مش رايحه فى أي مكان يا جواد ووريني هترجعني الفيلا أزاي."
وفي لحظة واحدة، نهض شاهين أخيرًا.
أمسك يد جواد الممسكة بذراع رنيم، وأبعدها عنها بعنف، ثم قال بتحذير مرعب:
"ابعد ايدك عنها علشان مكسرهاش ليك."
ضغط جواد على أسنانه بعنف وقال:
"مش شايلها، واطلع انت منها، بدل ما أقل منك."
وفي الثانية التالية انطلقت لكمة شاهين بقوة نحو وجهه، وهو يقول بغضب:
"طيب وريني هتقل مني ازاي؟"
تراجع جواد للخلف أثر الضربة، ثم اشتعلت عيناه بالغضب واقترب منه ليسدد له لكمة أخرى ارتد شاهين بسببها للخلف.
شهقت رنيم وجواهر معًا، وركضتا نحوهما بسرعة.
وقفت رنيم أمام شاهين تحاول منعه وهي تقول برجاء:
"بلاش علشان خاطري يا شاهين روح انت دلوقتي وأنا هبقى اكلمك."
بينما تمسكت جواهر بجواد وهي تقول بخوف:
"اهدا يا جواد شويه علشان خاطري."
لكن شاهين قال من بين أسنانه:
"مش هتحرك من هنا طول ما ده موجود عندك."
حاول جواد الاقتراب منه مجددًا، إلا أن جواهر صرخت فجأة:
"اقسم بالله يا جواد لو قربت منه همشي ومش هكلمك تاني."
توقف مكانه فورًا، لكنه ظل ينظر إلى شاهين بنظرات مشتعلة:
"امشي دلوقتي حالا من هنا احسنلك."
ابتسم شاهين باستفزاز قاتل وقال:
"مش ماشي ووريني هتقدر تعملي ايه."
وقفت رنيم بينهما أخيرًا وصرخت بغضب:
"كفايه بقى بس، أيه شغل العيال ده، المفروض انكم رجاله كبيره وناضجه، اتفضلوا اقعدوا ونتكلم بهدوء."
جلس شاهين أولًا وهو يضع قدمًا فوق الأخرى وقال بحدة:
"اديني اهو قعد."
ثم جلس جواد هو الآخر وقال بغيظ:
"اديني اهو اتزفت."
جلست جواهر بجواره بضيق، بينما جلست رنيم قرب شاهين وقالت بصوت مختنق:
"رجوع فيلا مش راجعه انا مرتاحه هنا فى الشقه وانا عايشه لوحدي، ومحدش ليه أي حكم عليا، عايز تيجي مع مراتك اهلا وسهلا مش عايز براحتك، أما علاقتي بشاهين دي حاجه متخصش حد، واعتقد أنا كبيره وناضجه كفايه علشان اخد بالي من تصرفاتي، يعني من الاخر ملكش أي كلمة عليا ماشي."
نظر جواد إلى شاهين طويلًا قبل أن يقول:
"انتي عارفه هو مين الاول، ناوي ليكي على ايه، بيخطط مع مين عليكي؟"
للحظة قصيرة، اهتز قلب رنيم بخوف مبهم، لكن ثقتها به كانت أقوى، فقالت بثبات:
"شاهين مش مخبي عليا حاجة وانا واثقه فيه، ولاخر مره هقولها ليك، أنا مش صغيرة وعارفه أنا بعمل ايه كويس اوي."
اشتعل الغضب داخل جواد مجددًا، فنهض بعنف، وأجبر جواهر على الوقوف، ثم أمسك حقيبتها وتحرك بها نحو الباب قبل أن يغادرا الشقة وسط أجواء متوترة للغاية.
ساد الصمت بعدها، زفرت رنيم بضيق وأعادت شعرها للخلف، ثم نظرت إلى شاهين بأسف وقالت:
"متزعلش يا شاهين، بعتذرك عن اللي عمله جواد معاك."
اقترب منها بهدوء هذه المرة، وأمسك يدها يقبلها بحب، ثم قال:
"انتي اللي متزعليش مني علشان اللي عملته، بس صدقيني أنا حاولة امسك اعصابي بالعافيه بس مقدرتش استحمل اشوف أيده وهي ماسكه دراعك."
هزت رأسها نفيًا وقالت:
"مقدرش ازعل منك يا شاهين، أنا اصلا مستغربه اللي جواد عمله ده، أول مره يعمل معايا كده."
احتضنها برفق وقال بعشق هادئ:
"طيب اهدي بقى خلاص، بس ايه الحلاوة دي، الاكل طعمه تحفه تسلم ايدك الحلوين دول اللي عملتي بيهم الاكل."
ابتسمت له بخجل وقالت:
"بألف هنا، اقعد طيب كمل أكلك."
لكنه هز رأسه نفيًا وقال:
"الحمدالله يا حبيبتي، أنا شبعت، هروح بقى الشقه عايز اخد حمام دافي وانام."
أومأت له بهدوء:
"ماشي تصبح على خير."
مال يقبل رأسها بحنان:
"وانتي من أهلي."
ثم غادر الشقة متجهًا إلى شقته، بينما ظلت رنيم واقفة تنظر إلى الباب بعد خروجه، وشعور ثقيل يجثم فوق قلبها، كانت تعلم أن ما حدث الليلة لن يمر بسهولة أبدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!