الفصل 47 | من 53 فصل

رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم دودو محمد

المشاهدات
22
كلمة
5,283
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السابع والاربعون

في صباح يوم جديد....

استيقظت رنيم على صوت هاتفها برن بالحاج مدت يدها تتحسسه بجوارها ثم التقطته

وأجابت بصوت يثقل عليه النعاس:

"ألو، مين؟"

آتاها صوت رجولي يقول لها:

"صباح الخير يا عمري، أصحى يلا ورانا مشاوير كثير."

انقبض وجهها بضيق فور أن تعرفت على صاحب الصوت، وضغطت على أسنانها وهي تقول

بغضب:

أجابها بنبرة هادئة استفزتها:

" هو أنت؟ عايز مني إيه على الصبح ؟ ومشاوير إيه دي اللي هنروحها؟"

"هنروح نجيب الشبكه، وبعد كده تروح تحجز القاعه اللي هتعمل فيها الخطوبة، ولسه هنشتري

البدله بتاعتي والدريس بتاعك، وهنشتري حاجات و هدايا لوازم الفرح"

اعتدلت في جلستها، ومررت يدها على وجهها بتنفاد صبر قبل أن تقول:

"أنت مش طبيعي على فكرة، أنا مش موافقة عليك أصلاً، ولا عايزة أشوف وشك تاني، ارحمني

بقى وكفايه."

أنهت المكالمة وأغلقت الخط في وجهه دون انتظار رد، ثم ألقت الهاتف بجوارها ونهضت من

فراشها متجهة إلى الحمام.

خلعت ملابسها ووقفت تحت الماء، تحاول أن تغسل عن روحها ذلك النقل الذي يلازمها منذ أيام. لكن ما أن أغمضت عينيها حتى اندفعت الذكريات إلى رأسها بعنف، اختلط الخوف بالعجز

والوجع، حتى شعرت بأن الهواء لم يعد يكفيها.

انسابت الدموع على وجهها بغزارة، وجلست داخل حوض الاستحمام تضم ساقيها إلى صدرها،

وتدفن رأسها فوقهما بينما تعالت شهقاتها المكتومة. كانت تبحث عن مخرج، عن يد تنتشلها من

كل ما يحيط بها احتاجت والدها في تلك اللحظة أكثر من أي وقت مضى احتاجت حضنه

وكلماته وطمانته التي كانت تجعل كل شيء يبدو أقل قسوة.

لكن الحقيقة كانت أكثر مرارة من أن تهرب منها، كانت وحدها.

حتى الشخص الذي ظنت يوما أنه السند الذي عوضها عن كل خساراتها، أصبح الآن أحد أسباب

أوجاعها وخوفها.

ظلت حبيسة تلك الدوامة من الذكريات والواقع حتى شعرت بالاختناق، فنهضت سريعا وأغلقت

فجأة في مكانها.

المياه ارتدت برنس الاستحمام وأحكمت لفه حول جسدها، ثم خرجت من الحمام، لكنها توقفت

تسارعت أنفاسها عندما رأت شاهين جالسا على المقعد ينتظرها.

ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:

ش شاهين! 1 أنت بتعمل أيه هنا؟"

نهض من مكانه واقترب منها ببطء حتى توقف أمامها مباشرة. ثبت عينيه عليها للحظات، ثم

رفع يده وأزال بأصابعه آثار الدموع العالقة على وجهها قبل أن يسألها بهدوء:

"كنتي بتعيطي ليه ؟"

أشاحت بنظرها بعيدا وقالت بتوتر :

ب بعيط !! ل لا طبعا مكنتش بعيط ولا حاجة"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يعرفها جيدا، ابتسامة شخص تأكد من كذب الإجابة قبل

أن يسمعها. وقال:

" أنتي كل مره بتأكدي كلامي من غير ما تحسي، مالك يا رنيم؟ مخبيه علي ايه؟"

زفرت بضيق، وشعرت أن الكلمات تتزاحم داخلها دون أن تملك الشجاعة لإخرا. خراجها كانت . كانت على

وشك أن تتكلم.

لكن نظرة شاهين تغيرت فجأة.

"ايه اللي في رقبتك ده؟"

اتسعت عيناه وهو يرفع يده نحو عنقها، ثم لمس الجرح الموجود هناك وسأل بـ بقلق:

تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت بتلعثم:

"ها! د دي السلسلة لفت على رقبتي وانا تابمه و عملت كده.

اشتد توتره فوزا واقترب منها مجددا يمرر أصابعه فوق الجرح : وهو يقول بغضب مكتوم

پس ده مش جرح سلسله یا رنیم ده جرح سکینه

وفي اللحظة نفسها عاد إلى ذهنه مشهد السكين التي وجدها في : شرفته، والدماء العالقة على فصلها.

شعر بشيء مشتعل ينهش صدره.

أمسك ذراعها فجأة وقال بحدة:

"أنتي كان فيه حد في أوضك أول أمبارح بليل؟"

ارتبكت نظراتها و هزت رأسها بسرعة نافية:

"ل. لا طبعا يا شاهين"

لكن إنكارها لم يهدئه، بل زاد شكوكه أكثر.

فقال بصوت جهوري فقد معه ما تبقى من صبره:

"أنا متأكد أنك بتكدبي يا رنيم، وكان عندك حد ماسك سكينه، وهو اللي عمل فيكي كده، وهرب

من بلكونة أوضي اتكلمي يا رنيم وقولي هو مين؟"

ابتعدت عنه وهي تصرخ:

"قلتلك مافيش حد كفايه بقى وأطلع بره اوضي وأمشي من الشقه كلها، أطلع بره يا شاهين

مش عايزة أشوفك "

ثم جلست على السرير وهي تحاول السيطرة على أنفاسها التي بدأت تتسارع بصورة مخيفة..

تغير وجه شاهين فوزا أدرك حالتها قبل أن تتفاقم.

تحرك بسرعة يبحث عن حقيبة يدها، وعندما لم يجدها عاد إليها قائلا بقلق:

فين شنطتك علشان اديكي الدواء"

أشارت بيد مرتجفة إلى الخارج.

خرج من الغرفة مسرغا، وعثر على الحقيبة فوق الأريكة فتحها بعجلة وأخرج الدواء ثم عاد

اليها.

وضعه في يدها وساعدها على استخدامه.

استنشقت رنيم الدواء عدة مرات، ومع كل نفس كانت تشعر بأن الاختناق يتراجع قليلا حتى بدأ

تنفسها ينتظم تدريجيا.

جلس شاهين إلى جوارها فور أن اطمأن على حالتها، وأحاطها بذراعه يضمها إلى صدره بقوة.

كان الخوف الذي شعر به عليها لا يقل عن خوفها هي نفسها.

راح يربت على ظهرها بحنان وهو يسأل:

لسه تعبانه ؟ اجبلك الدكتور؟"

هزت رأسها بالنفي وقالت بصوت مختنق:

"لا مش مستاهلة الحمد لله بقيت كويسه

أبعدها عنه قليلا، ثم أمسك وجهها بين يديه ونظر إليها بعينين امتلانا بالقلق والحب معا، وقال: "علشان خاطري فهميني يا رنيم، فيه حاجه أنتي مخبياها عني خايفه تقوليها ليا، أنا لاقيت سكينه في البلكونه عندي وعليها دم والنهاردة لاقيت الجرح ده في رقبتك، وأمبارح رفضي أشيل البتاعه اللي كنتي خطاها على رقبتك، وأول أمبارح كنتي قافله باب أوضك عليكي ورفضي تفتحي ليا، صوتك كان بيقول أنك خايفه من حاجه طول الليل كنتي بتعيطي والنهاردة خارجه من الحمام معيطه، وخرجتي امبارح من غير ما تقولي ليا، الغيرتي معايا في يوم وليله، وطلبتي أني اسيبك في الشقه لوحدك علشان تكوني براحتك وتحدي قرارك من غير أي ضغط، كل دي أسباب تأكد ليا، أن فيه حاجه كبيره بتحصل من وراه ضهري، وأنتي مخبياها

عليا، أيه السبب؟ الله أعلم، ريحيني علشان خاطري"

استقامت في جلستها وابتعدت عنه قليلا وهي تقول بتوتر:

م معرفش أنت بتتكلم عن أيه يا شاهين كلهم صدف متشابهه ملهاش علاقة ببعض."

نهض من مكانه وأطلق زفرة طويلة محملة بالضيق، تم تحرك نحوها حتى وقف خلفها.

أحاط خصرها بذراعيه وأسند ذقته على كتفها قبل أن يقول بصوت خافت:

خلاص يا رنيم، أنا هعرف بطريقتي المهم خلي بالك من نفسك واياكي تعرضي نفسك للخطر."

أغمضت عينيها بألم وأومأت برأسها بصمت.

بينما كانت الكلمات تتردد داخلها وحدها:

" أنا خوفي عليك أنت يا شاهين مش عليا.

الجرح بيوجعك ؟"

شعر يسكونها بين ذراعيه، فمال نحو عنقها يقبله برقة، ثم مرر أصابعه على الجرح بحزن وسأل: "

ابتعدت عنه سريعا وقالت بتوتر:

ل لا، د ده جرح بسيط"

أوماً برأسه بعد لحظة صمت وقال:

تمام أنا هروح أحضرك القطار، على ما تجهزي "

لكنها قالت بسرعة:

"... لا، مش عايزة، و وبعد أذنك نفذ اللي أتفقنا عليه وسيبني أكون براحتي ياريت تروح على شقتك لو سمحت "

وقال بضيق:

ثبت نظره عليها طويلا، كان واضحًا أنه لا يقتنع بشيء مما تقوله لكنه في النهاية أوماً برأسه

تمام، أنا كده كده رايح الشركه عندي، وبعد كده هروح أطمن على الشغل عندك في الشركة." شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها حتى الآن، وبرغم كل محاولاتها لإبعاده، ما زال يحمل عنها

مسؤولياتها ويهتم بكل ما يخصها. لم تستطع الرد.

وظلت صامتة حتى سمعت صوت الباب يغلق خلفه بقوة.

انتفضت في مكانها ورفعت رأسها بسرعة. كان قد رحل بالفعل.

جلست على حافة السرير، ورفعت يدها تتحسس الجرح الموجود في عنقها، ظلت تنظر إلى

الفراغ أمامها للحظات، قبل أن تنهمر دموعها من جديد بغزارة.

كانت تشعر أنها تخسر شيئا ثمينا في كل مرة تدفعه بعيدا عنها، لكنها لم تعد تعرف أيهما أكثر

قسوة، أن تخبره الحقيقة، أم أن تواصل إخفاءها عنه.

عند جواد وجواهر.....

بدأت جواهر تستعيد وعيها ببطء، تتحرك بين النوم واليقظة في حالة من الخمول اللطيف.

رفرفت أهدابها عدة مرات قبل أن تفتح عينيها تدريجيا، وما إن اتضحت الرؤية أمامها حتى وقع

بصرها على وجه جواد.

كان جالسا إلى جوارها يراقبها بصمت و عيناه معلقتان بها منذ وقت طويل، لم يكن يشعر بالملل أو الإرهاق رغم الساعات التي قضاها مستيقظا، بل كان يكتفي بالنظر إليها، مستمتعا بسكون ملامحها بعد ليلة طويلة من التوتر والمشاعر المتضاربة.

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تقول بصوت ناعس:

"صباح الخير."

مال برأسه وقبل رأسها بحب وقال:

"صباح النور يا عمري "

اعتدلت بجلستها ووضعت رأسها على صدره وقالت بتساءل:

قاعد هنا بتعمل ايه؟"

اعتدل بجلسته واحاطها بذراعه وظل يملس على ذراعها وقال:

" الكتبه كسرت ضهرى و معرفتش أنام، قلت قلة نوم بقلة نوم، جيت قعد جنبك ابصلك وانتي نايمه "

يعني انت منفتش طول الليل؟"

اتسعت عيناها بصدمة وقالت :

حرك رأسه بالرفض وقال:

لا منمتش، وبعدين حد يبقى معاه القمر ده ويغمض عينه ويسيبه؟ انتي جميله أوي وأنتي

نايمه، طبقا جميله في كل الأوقات، بس وأنتي نايمة عايزة تتاكلي أكل "

ضربته على صدره بخجل وقالت:

"جواد بس بقى "

ضحك بخفوت وهو يتأمل احمرار وجنتيها، بينما حاولت هي إخفاء ارتباكها بالابتعاد قليلا عنه

قبل أن تستقيم في جلستها تماما وتقول بتساؤل:

صح أنت أزاي ناوي تعمل الفرح الأسبوع الجاي ؟ واحنا معملناش لسه أي حاجه؟"

اعتدل بجلسته على السرير وقال بتوضيح:

هتعمل الفرح في الفيلا عندنا أو عندكم حسب ما تحبي، ودي مش محتاجة غير يوم، فستان الفرح شاوري على أحسن مصمم وأنا أخليه ينفذه في يومين بس، أما بقى لو قصدك على الدور

بتاعي، متقلقيش أحنا كده كده هيخلص الفرح وهنقضي الليله في فندق والصبح هنركب الطيارة ونروح نقضي الهاني مون في باريس، وأثناء وأحنا هناك بابا وماما هيجهزوا كل حاجه" تجمدت جواهر في مكانها للحظات، وحدقت به غير مصدقة ما سمعته، كانت باريس بالنسبة لها حلفا قديما احتفظت به في أعماق قلبها منذ سنوات طويلة حلم صغير كانت تظنه مجرد أمنية

عابرة لن تتحقق يوما، خاصة بعد كل ما مر بينهما مؤخرا.

خرج صوتها ممثلنا بالدهشة والسعادة وهي تقول:

"لا أحلف، هنقضي الهاني مون في باريس، أنا مش مصدقه نفسي حاسه اني يحلم، أنا كان نفسي اعمل كده فعلاً."

ثم اقتربت منه واحتضنته بسعادة وقالت:

شكرا بجد يا جواد، بحبك أوي."

شعر بدف، ذراعيها حوله، فضمها بقوة أكبر، واستقرت ذقنه فوق رأسها للحظات قبل أن يقول

بصوت هامس

"أنا عارف أنك كان نفسك تروحي باريس في الهاني مون زمان وأحنا في ثانوي، سمعتك مرة بتقولي لواحدة صحبتك، لما تكبر وتتجوز أنا وانتي هنرحوا نقضي الهاني مون في باريس، ومن وقتها وانا عهد نفسى أن هنفذلك حلمك ده مهما حصل."

ابتعدت عن حضنه ببطء، ونظرت إليه بعينين امتلانا بالمشاعر. لم تكن الدموع التي تجمعت فيهما تابعة من الحزن هذه المرة، بل من إحساس عميق بأنها ما زالت تسكن قلبه كما كانت دائما.

وقالت بصوت مرتجف

بجد يا جواد؟ يعني أنت لسه بتحبني زي الأول؟"

رفع يده إلى خدها، ومرر أصابعه برفق فوق بشرتها، ثم نظر إليها طويلا قبل أن يقول بنبرة عاشقة:

"أنا بعشقك أكثر من الأول يا جواهر، أنتي حب الطفوله اللي عاش في قلبي وكبر معايا كل

سنين عمري، أنتي عشقي الاول والاخير يا جواهر.

انكسرت المقاومة داخلها تماما. انهمرت دموعها دون أن تستطيع منعها وهي تقول بوجع: طيب ليه كنت قاصد توجعنى بالشكل ده الفترة اللي فاتت؟ لدرجة أنك حسستني، أنك كرهتني

ومبقتش تحبني زي الأول "

شعر بوخزة مؤلمة في صدره وهو يرى أثر تلك الفترة عليها. أدرك للمرة الأولى حجم الجرح الذي

تر که داخلها دون أن ينتبه.

ازال دموعها بأصابعه وقال بنبرة عاشقة:

"لا والله مش بقصد يا جواهر بس أنتي أكثر واحده شايفه المشاكل والظروف اللي بنمر بيها الفترة دي ممكن كنت بطلع عصبيتي عليكي بس مش قصد والله، أنا بحبك ومقدرش استغنى

عنك ولا أعيش من غيرك يا جواهر."

لم تجد ما تقوله بعد ذلك كل ما شعرت به في تلك اللحظة هو رغبة عارمة في الاقتراب منه أكثر.

اقتربت منه واحتضنته بقوة وضعت قبله على عنقه وتكلمت بحب:

"أنا بعشقك بجنون يا جواد، أنت الدوا لكل جروحي اللي أنت كنت السبب فيها، ومهما حصل.

هتفضل مالك قلبي وعقلي وعمري كله "

اغمض عينيه متأثرا بكلماتها. كان يسمع اعترافها فيشعر بنقل الأيام الماضية ينسحب تدريجيا من فوق صدره.

رأسه على رأسها وقال:

أبعد رأسها قليلا عنه وكوبها بين يديه ومال برأسه مقبلا إياها بعشق خالص ثم ابتعد عنها وأسند

"أحلى حاجه في الدنيا، هو عشقك يا جوهرتي الغالية"

رفعت رأسها إليه ونظرت له باستغراب ممزوج بالإعجاب وقالت:

"جوهرتك الغالية؟"

اوماً برأسه بحب وقال :

"أيوه جوهرتي الماس الغالية اللي عايز أقفل عليها مية ترياس وأعين عليها اتنين حراس، زي ما

قال هشام الجخ في القصيدة بتاعته وكأنه بيوصفني في حبي وغيرتي عليكي."

ضحكت بخفوت، بينما كانت نظراته إليها تفيض بحنان جعله قلبها يخفق بعنف.

وفي لحظة اندفاع صادقة، اقتربت من شفتيه وأعطته قبله قويه بنت من خلالها عشقها

المجنون به وهو كان يقابل شغف قبلتها بشغف اكبر ثم ابتعدت عنه وتكلمت بدموع:

بحبك أوي يا جواد بعشقك فوق ما تتصور، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدا يارب"

ابتسم لها بشقاوة وقال بمزاح

"حلوة البوسه اللي رزعتيها ليا دي كتري منها يوم الدخلم"

احمرت وجينتها بخجل وضربته على صدره وقالت:

"جواد اتلم وبطل قلة أدب."

ضغط بأسنانه على شفته السفلى وقال بطريقة شقيه:

"لا أنتي لسه مشوفتيش قلة أدب مني يا روحي، ولو فضلنا ثانيه واحده هنا مع بعض، هنفذ الأفكار اللي جات في دماغي دلوقتي، وهخليكي مراتي رسمي نظمي."

اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بحرارة الخجل تتصاعد إلى وجهها بالكامل. لم تجد ردا مناسبا

على كلماته، فاختارت الهروب كعادتها.

امسكت حقيبة يدها وركضت سريعا إلى الخارج.

تابعها جواد بعينيه، ثم انفجر ضاحكا وهو يرى ارتباكها الواضح، كانت تلك النسخة من جواهر هي الأقرب إلى قلبه الفتاة التي يخجلها حرف واحد منه، رغم كل ما بينهما من حب وارتباط. تحرك خلفها بخطوات هادئة، وما زالت ابتسامته معلقة على شفتيه.

غادرا الغرفة مقا، ثم غادرا الفندق بأكمله، عائدين إلى المنزل.

وللمرة الأولى منذ فترة طويلة، لم يكن بينهما صمت ثقيل أو جرح مفتوح أو سوء فهم يفسد اللحظة.

كانت القلوب أكثر هدوء، والأرواح أكثر قربا بينما بدأت مشاعرهما تستعيد دفتها القديم شيئا

فشيئا، وكأن الحب الذي جمعهما منذ الطفولة وجد طريقه إليهما من جديد.

عند ترنيم....

بدأت تتململ فوق فراشها بكسل محبب بينما كانت خيوط الصباح الأولى تتسلل بهدوء إلى الغرفة. فتحت عينيها ببطء، وما إن استعاد بصرها وضوحه حتى وقعت عيناها على غريب

النائم إلى جوارها.

توقفت لحظة تتأمله.

ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، وعادت بها الذكريات إلى الليلة الماضية. كانت ليلة مختلفة أعادت إلى قلبيهما شيئا افتقداه طويلا وسط الضغوط والمشكلات ليلة شعرت خلالها أنها عادت سنوات إلى الوراء، إلى البدايات الأولى، حين كان الحب وحده يملاً أيامهما دون خوف أو أعباء. رفعت يدها برفق ومررتها على ملامحه، تنأمل التجاعيد الخفيفة التي أضافها العمر والتعب إلى

وجهه، ثم اقتربت منه وطبعت قبلة حانية على خده.

شعر بها غريب، ففتح عينيه ببطء، وما إن رأها أمامه حتى ارتسمت ابتسامة عاشقة على شفتيه. مال نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها وقال:

"صباح الشقاوة"

ثم غمز لها بشقاوة وعشق خالص.

ضحكت بخجل وهي تشعر بحرارة تتسلل إلى وجنتيها رغم كل هذه السنوات التي جمعتهما.

وقالت بدلع:

غريب بس بقى متكسفنيش "

تعالت ضحكاته الصادقة، تلك الضحكات التي افتقدتها كثيرا خلال الأيام الماضية، اقترب منها أكثر، ووضع ذراعه أسفل رأسها وجذبها إلى صدره، ثم قبل رأسها بحنان وقال:

هتفضلي زي ما انتي مهما مر عليكي العمر بعشق كل حاجه فيكي، بحبك يا ترنيم"

اغمضت عينيها وهي تستند إلى صدره، تستمع إلى نبضات قلبه التي لطالما كانت مصدر طمأنينتها، ثم قالت بحب:

وانا بحبك اوي يا غريب، ولما يتكون زعلان مني ومخاصمني يبقى هتجنن و حزينه، ممكن

مهما حصل متبقاش قاسى عليا وتقعد كل ده مخاصمنی؟"

تلاشت الابتسامة قليلا عن وجهه، وحل محلها إرهاق تقبل تنهد بعمق قبل أن يقول بصوت

اختلط فيه التعب بالألم:

" اللي انا فيه يهد بلد يا ترنيم مستحمل حاجات محدش يعرفها غيري، علشان كده الفترة دي

عصبي ومعنديش أي مخرج غيرك يا ترنيم، معلش استحمليني بس الفترة دي لحد ما تعدي

انتي ضهري وسندي، وماليش غيرك في وقت ضعفي "

أنهى كلماته وضمها بقوة إلى صدره، وكأنه يستمد منها بعض القوة التي بدأت تنفد منه شيئا فشيئا.

شعرت بثقل ما يحمله فوق كتفيه، وشعرت أيضًا بمدى احتياجه لها في هذه المرحلة، فتمسكت به أكثر ووضعت قبلة على صدره وقالت:

"أنا أستحملك عمري كله يا غريب، ما انت كتير اوي سندني واستحملت عصبيتي وحزني، انت

عشرت عمري كله وحبيب ايامي، ومهما حصل، هفضل بحبك اكثر واكثر يا غريب "

ساد بينهما صمت دافئ لثوان، قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه بتردد خفيف وهي تقول:

بس هو موضوع سفرنا لتركيا ده كان بجد يا غريب؟"

اوماً برأسه مؤكدا وقال:

"أيوه يا قلب غريب انا حالياً شغال على إجراءات نقل كل حاجه لهناك "

اعتدلت في جلستها فوزا، وتبدلت ملامحها. لم يكن الأمر مجرد سفر بالنسبة لها، بل كان اقتلاعا

من حياة عاشت تفاصيلها سنوات طويلة.

قالت بصوت مختنق

طيب ليه يا غريب ؟ صدقني مش هينفع."

جلس هو الآخر باعتدال، وأمسك يدها بين كفيه وقبلها بحب قبل أن يقول بهدوء:

علشان خاطري اهدي يا ترنيم وافهميني احنا هنا كلنا معرضين للخطر من مريم، وكفايه اللي

عملته في بنتنا أروى، لازم احدكم لمكان آمن بعيد عن هذا علشان اقدر أركز في اللي جاي انتوا نقطة ضعفي، وهي عارفه كده وبتضربني بيكم، وطول ما أنا قلقان عليكم مش هعرف أركز "

انقبض قلبها فور ذكر اروى كانت جراح ابنتها ما تزال نازفة داخلها، وكلما تذكرت ما مرت به

شعرت بالعجز يمزقها من الداخل، تكلمت بصوت متأثر:

طيب بلاش تعيش هناك على طول علشان خاطري احنا ممكن نقضي فترة هناك زي ما احنا

متعودين، وترجع تانى مصر لحياتنا الطبيعيه بلاش تنقل كل حاجة هناك ارجوك يا غريب"

أغمض عينيه للحظات وهو يفكر في طلبها، كان يعلم مدى تعلقها بمصر، ببيتها، بذكرياتها، وبكل تفاصيل حياتها هنا.

فتح عينيه أخيرا وجذبها إلى حضنه مرة أخرى، وقبل رأسها بحنان وقال:

"ماشي يا حبيبتي، خليها في وقتها، يلا بقى قومي خدي حمامك لحد ما أعمل مكالمة تليفون

بأبنك البغل ده اشوفه عمل أيه في البت"

ضحكت رغما عنها، فابتسامتها كانت دائما تظهر كلما بدأ يتحدث عن أولاده بهذه الطريقة

الساخرة المحببة.

اقتربت منه وقبلت خده سريغا، ثم نهضت من الفراش واتجهت نحو المرحاض.

ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب، وظلت ابتسامة خفيفة معلقة على شفتيه. رغم كل

ما يمر به، كانت ترنيم ما تزال الملاذ الوحيد الذي يخفف عنه وطأة الأيام.

مد يده إلى الهاتف، وعبث بالشاشة قليلا قبل أن يضعه على أذنه.

لم تمض سوى توان حتى جاءه صوت جواد المرح:

باشا مصر، عم المجال كله "

ضحك غريب و هز رأسه بيأس من طريقة ابنه، ثم قال بمزاح:

"امم، افهم أنا كده أن الأمور تمام معاك ؟ "

في الجهة الأخرى، كان جواد يجلس خلف مقود السيارة، بينما يمسك يد جواهر ويقبلها بين

الحين والآخر دون أن يتركها.

ابتسم بثقة وقال:

تمام التمام، عيب عليك يا باشا انا جواد ضرغام

تنهد غريب أخيرا براحة حقيقية شعر بها منذ وقت طويل، وقال:

"ربنا يسعدكم يا ولاد يارب، ناوي تيجي امتى ؟"

أجابه جواد بنبرة رجولية هادئة:

"احنا في الطريق اهو هروحها وأجيلك على طول."

أنهى غريب المكالمة ووضع الهاتف إلى جواره.

أسند رأسه إلى ظهر السرير وأطلق زفرة طويلة، ثم رفع بصره إلى السقف.

للمرة الأولى منذ أيام شعر ببعض الطمأنينة. جواد وجواهر تصالحا، وترتيم عادت تبتسم، وأروى وافقت على العلاج.

لكن رغم ذلك كله، لم يغادره ذلك الشعور التقيل القابع في صدره.

كان يعلم أن المعركة لم تنته بعد.

وأن ما ينتظره في الأيام القادمة قد يكون أصعب بكثير مما مر به حتى الآن.

بالمساء....

توقفت سيارة تامر أمام فيلا غريب، فخيم الصمت لثوان داخل السيارة، كان أحمد جالسا إلى

جواره، يراقب بوابة الفيلا بعينين يختلط فيهما القلق بالأمل منذ أن وافقت أروى على الذهاب إلى الطبيبة، وهو يشعر بشيء من الارتياح، لكنه لم يجرؤ على الاطمئنان الكامل، كانت حالتها النفسية هشة إلى حد يجعله يخشى أن تتراجع في أي لحظة.

اعتدل في جلسته والتفت إلى تامر قائلاً بصوت خافت اختنقت فيه مشاعره

"انزل أنت وادخلها، ولما تخرجوا أنا همشي وراكم بالعربية، بس أوعى تقولها أني موجود معاكم

في المكان "

أوما تامر برأسه متفهما. كان يدرك جيدا أن وجود أحمد أصبح يربك أروى أكثر مما يريحها

. ورغم ذلك لم يكن يخفى عليه مقدار الحب الذي يحمله لها ذلك الشاب، ولا حجم المعركة التي

يخوضها بصبر حتى لا يزيد أوجاعها.

ترجل من السيارة وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى الداخل بخطوات هادئة.

في الصالة كانت ترنيم تجلس على الأريكة تبدو عليها آثار إرهاق الأيام الماضية، ورغم

محاولتها التماسك، بقي الحزن ساكنا في عينيها لا يغادرهما.

اقترب منها تامر وانحنى يقبل رأسها بحنان أخوي، ثم قال مبتسما :

"مساء النور يا توته "

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة سرعان ما شابها الأسى، وقالت:

"مساء الفل يا قلب أختك، أقعد "

"أروى جهزت ولا لسه؟"

جلس إلى جوارها وقال وهو ينظر حوله :

تنهدت ترنيم ببطء، وشردت للحظة قبل أن تجيبه

" في اوضتها بتجهز كانت الصبح رافضه أنها تروح، أبوها أقنعها بالعافيه."

هبطت ملامح تامر قليلا، كان يعرف أن ما تمر به أروى ليس مجرد أزمة عابرة، بل جرح عميق

ترك أثره في روحها قبل قلبها، وقال بصوت مثقل بالحزن

كثر خيرها، اللي هي فيه مش سهل، ربنا يجعل شفاها على أيد الدكتورة دي، أحمد بيقول أنها ممتازة جدا."

صوتها وهي تقول:

لم تستطع ترنيم منع دمعة تسللت إلى عينيها، مسحتها سريقا، لكنها لم تستطع إخفاء مرارة

منها لله، اللي كانت السبب، في اللي حصلها."

ساد الصمت بينهما للحظات صمت يحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن وصفه.

وفي تلك اللحظة ظهر صوت خطوات خافتة على الدرج.

التفت الاثنان في الوقت نفسه، فرأيا أروى تهبط ببطء. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكن

الشحوب الذي استقر على وجهها جعلها تبدو أكبر من عمرها بكثير، لم تعد تلك الفتاة المليئة

بالحياة التي كانت تملأ المكان ضحكا ومشاكسة. أصبح الحزن جزءا من ملامحها، وصارت

الابتسامة ضيفا نادرًا على وجهها.

وقفت أمامهما وقالت بهدوء:

"أنا جاهزة"

نهض تامر فوزا، وكعادته حاول أن ينتزع منها ولو ابتسامة واحدة، فقال وهو يفتح ذراعيه بمبالغة مرحة:

يا لهوى يا ناس على القمر ده حبيبة خالها بتاكل الجو في أي مكان تروح فيه"

لكن كلماته اصطدمت بجدار الألم الذي تسكن خلفه أروى.

نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت:

"كان يا خالوا، إنما دلوقتي اللي قصادك دي، بقايا حطام لواحدة خسرت حاجات كتير أوي وهي لسه بتقول يا هادي لدنيا."

شعر تامر بانقباض مؤلم في صدره. لم يكن هناك ما يوجعه أكثر من رؤيتها بهذه الصورة.

اقترب منها وأمسك يدها بين كفيه، وربت عليها بحنان أبوي وهو يقول:

" انتي لسه صغيره يا بنتي ولسه الدنيا فاتحه دراعتها ليكي، سبيها على ربنا، وهو قادر يطبطب

على قلبك ويريحك، وأنا واثق في أحمد هيقدر ينسي قلبك اللي حصله"

ترددت نظرات أروى للحظة، لكنها لم تعلق.

حول تامر الحديث سريعا حتى لا يغرق

الجميع في الحزن، ثم نظر إلى ترنيم وأعاد بصره إلى أروى قائلاً بابتسامة مشجعة:

يلا يا قمرات علشان منتأخرش على ميعادنا."

ترددت أروى قليلا قبل أن تسأله بصوت متوتر:

"خالوا، أحمد جاي معانا؟"

شعر تامر بارتباك مفاجئ، لكنه أخفاه سريعا خلف ابتسامة هادئة وقال:

ل لا طبقا يا حبيبتي ما فيش غيرنا أحنا الثلاثه اللي رايحين "

ظلت تنظر إليه لنوان طويلة، تحاول التأكد من صدقه، ثم أومات برأسها بصمت.

بعد دقائق قليلة خرج الثلاثة من الفيلا.

كانت أروى تسير بخطوات بطيئة، بينما بقيت ترنيم إلى جوارها تراقبها بعينين لا تفارقهما الأمومة والخوف. أما تامر فكان يحاول أن يبدو طبيعيا رغم القلق الذي ينقل قلبه.

استقلوا السيارة، وأدار المحرك ثم انطلق بها خارج الفيلا.

وفي الجهة المقابلة من الشارع، كان أحمد يراقب المشهد من خلف زجاج سيارته.

تابع خروج أروى بعينين امتلأتا بالشوق والوجع مفا. اكتفى برؤيتها للحظات، لكنه شعر أن تلك

اللحظات تساوي الدنيا كلها.

انتظر حتى ابتعدت سيارة تامر مسافة مناسبة، ثم أدار محرك سيارته وتحرك خلفهم بهدوء.

لم يكن يريد الضغط عليها، ولم يكن ينوي الظهور أمامها، لكنه أيضا لم يستطع البقاء بعيدا. ظل يقود خلفهم بصمت يحمل في قلبه دعاء واحدا لا يتوقف، أن تكون هذه الخطوة بداية

الطريق لعودة أروى إلى الحياة من جديد.

عند رنيم ....

كانت تقود سيارتها في الشوارع دون وجهة محددة، تركت المقود لذاك الألم المتراكم داخلها ليقودها حيث يشاء. كانت الأضواء تمر أمام عينيها باهتة ومشوشة خلف ستار الدموع الذي لم ينقطع منذ ساعات، بينما ظل صدرها متقلا بهموم متشابكة لم تعد تعرف من أين تبدأ أو كيف تنتهي.

شعرت بأن الحياة تضيق حولها شيئا فشيئا، حتى باتت أنفاسها نفسها عبنا عليها، كانت تتمنى أن تستيقظ فتكتشف أن كل ما تعيشه مجرد كابوس طويل، وأن الأيام القاسية التي مرت بها لم تكن سوى وهم عابر لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة من أن تنكر، وأكثر ثباتا من أن تهرب منها.

وفجأة توقفت السيارة.

رفعت رأسها ببطء شديد، وكأنها تعود إلى وعيها بعد رحلة طويلة من الشرود، لتجد نفسها أمام

بوابة المقابر.

ظلت تحدق فيها لنوان طويلة دون أن تتحرك، بينما تسربت إلى قلبها تلك الرهبة الحزينة التي كانت تصيبها كلما جاءت إلى هنا. لم تتساءل كيف وصلت لأن جزءا منها كان يعرف الإجابة جيدا. ففي كل مرة تضيق بها الدنيا كانت قدماها تقودانها إلى المكان الوحيد الذي تشعر فيه

بأنها ما زالت ابنة صغيرة تبحث عن الأمان.

ترجلت من السيارة وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت نحو البوابة بخطوات بطيئة مثقلة بالحزن. وما إن دلفت إلى الداخل حتى أحاط بها الصمت من كل جانب، ذلك الصمت الثقيل الذي يملأ المقابر، فيجبر الإنسان على مواجهة نفسه دون مهرب

توجهت مباشرة إلى قير والدها، وبجواره قبر والدتها، كان قلبها يعرف الطريق حتى لو أغمضت عينيها.

وقفت أمام المدفن طويلا.

حدقت في الاسم المحفور على الرخام، وشعرت بأن سنوات عمرها كلها تعود إليها دفعة واحدة. كم مرة وقفت هنا؟ وكم مرة حاولت أن تكون قوية ؟ ومع ذلك كانت تنهار في كل مرة كما لو أنها

تزور هذا المكان للمرة الأولى.

تعالت أنفاسها وهي تنطق الاسم ببطء:

مدفن سلطان سلیمان محمد الدسوقي"

مرت أصابعها فوق الحروف المحفورة بحنان موجع، وفي اللحظة التي نطقت فيها باسم والدها.

سقطت آخر الحواجز التي كانت تمنع دموعها، فخرجت شهقاتها متلاحقة وهي تقول: "وحشتني اوي يا بابا، أنا محتاجلك أوي الدنيا وحشه أوي من غيرك نفسي أترمى في حضنك. نفسي تطمني أن الدنيا لسه بخير تسند ضهري وتحميني من الدنيا بحالها، أنت عارف، أنا حبيت واحد نسخه منك، نفس خوفك عليا، نفس نظرتك ليا اللي كلها حب، حضنه نفس الأمان اللي كنت بحسه في حضنك بس عنده بنات مش قادرة أعيش بناته نفس اللي أنا عيشته معاك مش عايزة اخده منهم زي ما أنت سمحت لواحده تخدك مننا، ليه يا بابا تعمل كده فينا؟ أنا وماما مكناش عايزين حاجة غير أنك تبقى معانا بقلبك وعقلك مش بجسمك بس ( أنا أنا فاكرة لما جيت مره وقلتلي، أنك عمرك ما عرفت الخوف، بس دلوقتي عرفته، كنت خايف تعرف بوجودنا وتبعد عنك، ده أنت حتى قلتها ليا، بحبك وشايفها فيكي، يعني حتى حبك ليا، علشان شبهها، ليه يا بابا تجبتي الدنيا، ما دام مش هتقدر تحبني قدها، أهو أنا دلوقتي عايشه نفس الحياة اللي أجبرتني أنا وماما نعيشها زمان، ليه مكتوب عليا أعيش وأتعذب في كل مراحل عمري ؟ ليه مكتوب عليا أن اللي بحبهم كلهم يروحوا ويسيبوني ؟ ليه يا بابا رد عليا؟"

كانت الكلمات تخرج من أعماقها لا من شفتيها. لم تكن تشكو حاضرها فقط، بل كانت تفرغ سنوات كاملة من الوجع المخزون داخل قلبها. وجع الطفلة التي كانت تنتظر أباها، ووجع المرأة

التي تخشى أن تعيد أخطاء الماضي دون أن تشعر.

وفي وسط انهيارها سمعت صوتا رجوليا خلفها يقول :

ومين قالك أني مبعد وسيبك يا قلب شاهين؟"

استدارت بسرعة، واتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها.

"شاهين! أنت بتعمل ايه هنا ؟ "

اقترب منها ببطء وقال:

كنت لسه بركن العربيه لاقيتك خارجه مشيت وراكي لحد هنا."

"أنت بتراقبني يا شاهين؟"

نظرت له بضيق وقالت:

لم يجبها مباشرة، بل اقترب أكثر ووضع ذراعه على كتفها. كانت عيناه معلقتين بقبر سلطان بينما بدا وكأنه يحادث رجلا يعرفه منذ سنوات.

هاي يا عم سلطان، أنا شاهين الرواي، بعشق بنتك وبنتك مجنناني ومطلعه عيني وعين اللي خلفوني، وبما أننا هنا دلوقتي، فأنا حابب أطلب أيد بنتك القمر دي، وأتمنى أنك توافق، علشان حتى لو مش هتوافق، فأنا هتجوزها، يعني هتجوزها."

رغم دموعها وحزنها، شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى قلبها. هذا الرجل كان يملك قدرة غريبة على اقتحام أكثر لحظاتها ظلمة وإشعال بصيص ضوء فيها حتى الآن، وهي تقف أمام قبر

والدها منهارة، ما زال يحاول أن ينتزع منها ابتسامة.

أغلقت عينيها بحزن وتكلمت بصوت مختنق وقالت:

شاهين بلاش جنان أرجوك، واتفضل أمشي بقى عايزه شوية خصوصية لو سمحت."

لكن شاهين لم يكن مستعدا للتراجع.

كان يعرف أنها لا تهرب منه، بل تهرب من خوفها.

لا مش همشي غير لما تخرج من هنا أنا وأنتي على المأذون، وأنا طلبت أيدك أهو من السيد

الوالد ووافق كمان."

رفعت إحدى حاجبيها إلى الأعلى وتكلمت بتهكم:

"والله وأنت عرفت إزاي أنه موافق ؟"

بحث بعينه على قبر والدها ثم قال:

"جذع الشجرة أتحرك وده معناه أنه موافق "

ورغم كل شيء، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تستطع منعها.

شاهين بجد مينفعش كده أتفضل أمشي بقى "

أمسك يدها هذه المرة بكل ما يملكه من رجاء، ولم يكن ذلك الرجاء مفتعلا أو عابرا، بل خرج من

قلب رجل تعب من الانتظار وخاف كثيرا من خسارتها.

علشان خاطری وافقی يا رنيم أنا مش قادر اعيش من غيرك، واوعدك أني مش هقصر مع بناتي

ابدا، ولو يوم حسيتي أني مقصر هنفذلك أي حاجه تطلبيها مني "

ظلت صامته ولم تجيب عليه.

لكن داخلها كانت معركة كاملة تدور.

كانت تسمع كلماته، وتستعيد في الوقت نفسه صورا قديمة من حياتها، وصوت أمها، ودموعها.

أكمل كلامه وقال بعشق خالص:

ووحدتها، وخوفها القديم من أن تصبح يوما سببًا في ألم امرأة أخرى أو طفل آخر.

" وأنا قصاد أبوكي وأمك أهو، بوعدك أني لا هقصر في يوم في حق بناتي، ولا هقصر في حقك، وأنتوا الثلاثه هتكونوا أهم حاجه في حياتي "

هذه المرة لم تستطع الهرب.

ظلت تنظر إليه طويلا، تحاول أن تفتش في أعماقه عن أي كذبة أو تردد أو أنانية، لكنها لم تجد سوى رجل يقف أمامها بقلبه كله، دون أقنعة أو مراوغة.

ثم انتقل بصرها ببطء نحو قبر والدها وقبر والدتها، وشعرت أن السنوات التي ظلت تركض فيها

من خوفها بدأت تفقد قبضتها عليها شيئا فشيئا.

ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تستمع إلى مخاوفها، بل استمعت إلى قلبها.

ولهذا .. اومأت برأسها بالموافقه.

لم يصدق شاهين نفسه.

يقي للحظات طويلة يحدق فيها، يخشى أن تكون قد تراجعت عن موافقتها في اللحظة التالية. أو أن يكون ما سمعه مجرد أمنية طال انتظارها حتى اختلطت عليه الأحلام بالواقع، كانت

السعادة تندفع إلى قلبه يعنف حتى بدا عاجزا عن استيعابها، فقد حارب طويلا من أجل هذه

اللحظة، وانتظرها أكثر مما اعترف به يوما.

تكلم بعدم تصديق وقال:

"أنتي قلتي أيه؟ أنطقيها يا رنيم عايزة أسمعها منك."

كانت رئيم تنظر إليه والدموع تملأ عينيها، لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع امرأة أنهكتها الحروب الداخلية، ثم وجدت أخيرًا الشجاعة لتلقي سلاحها. شعرت بأن شيئا ثقيلا كان جائفا فوق صدرها لسنوات قد انزاح أخيرا، وأنها للمرة الأولى لا تتخذ قرارها بدافع الخوف، بل بدافع ما تريده هي حقا.

انهمرت دموعها بغزارة وقالت:

"موافقة يا شاهين"

وفي اللحظة التي سمع فيها الكلمة للمرة الثانية، اتسعت ابتسامته حتى أضاءت ملامحه كلها.

التفت نحو قبر سلطان بعفوية صادقة، وكأنه يخاطب رجلا يقف أمامه بالفعل لا مجرد اسم

محفور على شاهد قبر ثم تكلم بسعادة:

" شكراً يا أبو السلاطين، لو أعرف أنك كلمة السر كنت جبتها وجتلك من زمان."

ضحكته المختلطة بالفرحة جعلت قلب رنيم يرتجف بشعور لم تختبره منذ سنوات. كانت ترى أمامها رجلا سعيدا بها، سعيدًا لأنه ربحها، لا لأنه امتلكها، رجلا يتعامل مع موافقتها كما لو أنها أعظم انتصار حققه في حياته.

ثم أمسك يدها وأرغمها برفق على التحرك معه إلى الخارج، قبل أن يجذبها إلى أحضانه بقوة وسعادة غامرة، شعرت بذراعيه تلتفان حولها، وبقلبه الذي يكاد يقفز من بين ضلوعه من فرط الفرح، فابتسمت وسط دموعها وهي تستسلم لذلك الاحتضان الذي حمل معها وعدا بحياة

جديدة كانت تخشى الاقتراب منها منذ زمن.

لكن القدر كان يختبئ لهما في تلك اللحظة بالذات.

في لحظة واحدة فقط .. انقلب كل شيء.

انتفض شاهين بعنف داخل حضنها، وتشنج جسده فجأة بطريقة مرعبة، قبل أن تشعر بنقله يزداد فوقها بصورة غير طبيعية. لم تفهم ما حدث.

لم تسمع سوى صوت مكتوم مزق سكون المكان.

ولم تستوعب الأمر إلا عندما شعرت بالحرارة الغريبة التي بدأت تنتشر فوق يديها.

تراجعت قليلا تنظر إليه بعدم فهم، بينما كانت ملامح وجهه تتبدل أمامها، ورأت الألم يقتحم

عينيه بقسوة لم ترها من قبل.

عندها فقط انتبهت إلى الدماء.

الدماء التي أخذت تتدفق من ظهره بغزارة.

اتسعت عيناها بصدمة هائلة، وبدا المشهد أمامها غير قابل للتصديق تحركت يدها خلف ظهره

بارتباك شديد، ثم رفعتها أمام عينيها.

كانت يدها مغطاة بالدم، دم شاهين.

تجمدت للحظة كاملة.

شعرت أن عقلها توقف عن العمل، وأن العالم من حولها أصبح صامتا بصورة مخيفة. لم تعد

تسمع شيئا، لا صوت أنفاسها ولا نبضات قلبها، فقط كانت تحدق في الدماء التي تغطي أصابعها

وكانت عاجزة عن استيعاب معناها.

ثم بدأ جسد شاهين يتراخي.

و تهاوي من بين ذراعيها.

تراجعت إلى الخلف بعنف وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها، بينما سقط هو على الأرض متألقا.

عندها فقط انفجرت صرختها.

لم تكن صرخة خوف فحسب، بل صرخة إنسان يرى حلمه يتحطم أمام عينيه في اللحظة التي ظن فيها أنه أصبح حقيقة.

ينظر إلى نفسه.

أما شاهين، فرغم الألم الذي كان يمزق جسده، ورغم الدماء التي كانت تغادره بلا رحمة، لم يكن

كان ينظر إليها هي. يرى الرعب يلتهم ملامحها.

ويرى الانهيار يتسلل إلى عينيها.

ولهذا حاول أن يجمع ما تبقى لديه من قوة، محاولا تهدئتها بدلا من الاستسلام لألمه، ثم تكلم

بصوت ضعيف وقال:

أهدي يا رنيم، متخافيش عليا، خدي تليفوني وأتصلي بالإسعاف، يلا يا حبيبتي "

كانت تبكي بصورة هستيرية، بينما ارتجفت يداها بعنف وهي تحاول تنفيذ ما طلبه منها، انحنت نحوه ببطء شديد حركتها نفسها أصبحت تحتاج منها إلى مجهود هائل، ثم مدت يدها نحو

الهاتف.

لكن يدها توقفت فجأة في منتصف الطريق.

وشحب وجهها بصورة مرعبة.

رفعت عينيها نحو نقطة بعيدة أمامها، ثم تجمد الدم في عروقها.

كان زين يقف على مسافة ليست بعيدة، والسلاح ما زال بين يديه.

وكان يوجهه مباشرة نحو شاهين.

في تلك اللحظة شعرت رنيم بأن قلبها يهوي إلى قاع سحيق بلا نهاية الموت ما زال يقف

أمامهما .

حركت رأسها بالرفض بعجز كامل، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، وشعرت الأول

مرة في حياتها بأنها عاجزة تماما عن حماية شخص تحبه.

أما نظراتها المرتعبة فكانت معلقة بين شاهين الملقى على الأرض ينزف أمامها... وبين زين الذي

كان يستعد لإطلاق الرصاصة التالية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...