الفصل 46 | من 53 فصل

رواية ترانيم في درب الهوى الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم دودو محمد

المشاهدات
22
كلمة
3,304
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل السادس والاربعون

عند جواد....

تحرك من الشرفة إلى الداخل بخطوات غاضبة، وما إن وقعت عيناه على جواهر حتى شعر بشيء يعتصر صدره بعنف، كانت ممددة فوق السرير، تحدق في السقف بعينين زائفتين، بينما تنساب الدموع على وجنتيها دون انقطاع. أغلق عينيه بضيق وأخذ نفسا عميقا حاول به تهدئة تلك الفوضى المشتعلة داخله، ثم أخرجه ببطء قبل أن يتجه نحو المقعد ويجلس عليه واضعا ساقا فوق الأخرى.

التقط هاتفه وبدأ يتصفح شاشته دون تركيز حقيقي، فبينما كانت أصابعه تتحرك بسرعة فوق الشاشة، كان عقله عالقا بها وقلبه ينزف بصمت كلما وقعت عيناه على دموعها. لم يكن يرى ما يمر أمامه من صور أو رسائل، بل كان يرى وجهها فقط، ووجعها الذي أصبح يطارده رغم عناده. في تلك اللحظة ظهر اسم والده على الشاشة، فزفر بضيق لأنه كان يعلم جيدا سبب الاتصال. رفع عينيه نحو جواهر وألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن ينهض ويتجه إلى الشرفة مرة أخرى، ثم أجاب بصوت مختنق وقال:

"أيوه يا بابا؟"

تكلم غريب بصوت غاضب وقال:

"فينك يا بقل أنت؟"

زفر بضيق وتكلم بغضب:

مع جواهر يا بابا بتكلم معاها خير؟"

تكلم بشك وقال بتساءل:

بتتكلم معاها بهدوء؟ ولا بتتخانق معاها ؟ "

ظل صامتا لعدة ثواني ثم قال بصوت مختلق

"الاثنين يا بابا."

رد غريب عليه بنفاد صبر وقال:

أزاي؟ هتفضل متهور وعصبي كده لأمتى يا جواد؟"

"أقولك أيه بس دماغك عايزة كسرها، كام مرة أنا كلمتك وفهمتك المفروض تتعامل معاها

زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق

یا بابا دي حياتي، وأنا حر فيها محدش يدخل، أنا عارف أتعامل مع مراتي أزاي"

تكلم غريب بنفاد صبر وقال:

"أنت ولا عارف حاجه، ولا نيله بغل ماشي ترازي في الناس، لما تروح مراتك أبقى تعالى على

البيت، مستنيك علشان نشوف آخرت اللي أنت بتعمله ده أيه "

رد جواد عليه بضيق وقال:

" احتمال النهاردة مرجعش البيت، أنا حاجز اوضه في فندق أنا ومراتي، وبكره لما أرجع هنتكلم

علشان ابلغك بقراري اللي اخده"

زفر غريب وتكلم بصوت غاضب وقال:

"ربنا يصبرني عليك معاملتك غير آدميه مع بني ادمين ربنا ابداً"

أنهى كلامه وأغلق الخط دون أن يمنحه فرصة للرد فظل جواد ينظر إلى الشاشة لثوان طويلة

قبل أن يحرك رأسه بضيق ويعيد الهاتف إلى جيبه.

عاد إلى داخل الغرفة، ليجد جواهر قد اعتدلت في جلستها فوق السرير وضمت ساقيها إلى صدرها. رفعت عينيها إليه بحزن بالغ، وكانت شهقاتها المتقطعة تفضح كم البكاء الذي استنزفها، ثم قالت:

"أنا عايزة أروح "

اتجه إلى المقعد وجلس عليه واضعا قدما فوق الأخرى وقال:

"مافيش مرواح، أحنا هنام هنا."

نظرت له بصدمة وقالت:

"أنت بتقول أيه ؟ لا طبقا مش هينفع، ماما متعرفش أنا فين وهتقلق عليا"

أمسك جواد هاتفه وعبث بالشاشة قليلا، ثم رفعه إلى أذنه وهو ينظر إليها مباشرة، وبعد لحظات

قصيرة قال بنبرة رجولية ثابتة:

خالتوا سمية جواهر معايا النهاردة، متقلقيش عليها بكره هر جعها ليكي "

تكلمت سميه سريعا وقالت بعدم فهم:

" بنتي معاك فين؟ وهترجعها منين؟"

تنهد بضيق وقال بتوضيح

حجزت اوضه في فندق هنقضي اليوم فيها تتكلم براحتنا، وبكرة الصبح هتكون عندك "

ردت عليه بقلق وقالت:

" اوعى يحصل ما بينكم حاجة يا جواد هي أه مراتك، بس لسه الفرح."

رغم توتره وضغط أعصابه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وقال بمزاح:

وده وش يتعمل معاه حاجه يا خالتوا ؟ بنتك بومة يا حاجة متقلقيش هنتكلم بس " القت جواهر عليه نظرة ممثلثة بالضيق والغيظ قبل أن تدير وجهها إلى الجهة الأخرى.

أغلق جواد الخط وألقى الهاتف جانبا ثم نظر إليها وقال:

ارتحتي كده؟ يارب نهدا بقى "

نهضت من مكانها دفعة واحدة وقالت بصوت غاضب

"ولما أنت شايفني بومة ومش طايقني ؟ جايبني هنا ليه؟ وعايز تعمل الفرح الأسبوع الجاي ليه ؟ "

نهض من على المقعد وتكلم بتهكم:

کده مزاجی کده."

ضغطت على أسنانها بقوة حتى كادت تؤلمها وقالت:

" وأنا مش تحت مزاجك يا جواد، ممكن بعد أذنك تروحني؟ وكمان ياريت تلغي موضوع الفرح

ده وتطلقني أفضل "

اقترب منها ببطء شديد، وكانت نظراته مثبتة عليها بطريقة أربكتها رغم مقاومتها، ثم أحاط

خصرها بذراعه وتكلم بصوت هامس:

"لا متطمنيش أوي علشان وعد أمك أني مش هقرب منك، أنا ممكن أتمم جوازنا دلوقتي، بلاش تستفزيني احسنلك"

شعرت بالتوتر يتسلل إلى أوصالها وقالت بصوت مرتبك:

"ج جواد أبعد عنى "

لكنه اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما شيء تقريبا، تم تكلم بصوت هامس مغر:

"بلاش تعملي نفسك القوية البنت القادرة على التحدي، علشان بلمسه مني بخليكي زي العجينه في أيدي، ولو عايز أعمل حاجه معاكي وأخليكي مراتي هعملها وبرضاكي كمان، لمي الدور

أحسن ليا وليكي "

فضحت تأثير قربه عليها، ثم قالت يتلعثم:

أغمضت عينيها بقوة محاولة التشبت بما تبقى من تماسكها، بينما ارتبكت أنفاسها بصورة

" أنا يكرهك يا جواد ب بكرهك."

ابتسم بثقة يعرف جيدا مصدرها، ثم مال نحو أذنها وقال بهمس:

وانا بحبك، ومطلع كل اللي بتعملي فيا ده عليكي، بس بعد الفرح "

ثم انحنى برأسه وكأنه ينوي تقبيلها، فشعرت بأنفاسه الساخنة تلامس بشرتها، وتعالت أنفاسها

بشدة بينما تشيئت بذراعه بتوتر واضح.

راقب ارتباكها للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة منتصرة قبل أن يبتعد عنها فجأة دون أن يفعل شيئا، عاد إلى مقعده وجلس بكل هدوء وكأن شيئا لم يحدث، وكأنه لم يترك قلبها يخفق بتلك القوة قبل لحظات.

فتحت جواهر عينيها ببطء، وما إن رأته يجلس أمامها بتلك الابتسامة المستفزة حتى اشتعل

غضبها من جديد، واتسعت عيناها وهي تقول بتوتر:

" أنت حیوان با جواد متکبر و مغرور ونرجسي كمان، وبكره تندم على أفعالك دي معايل"

ثم استدارت سريعا واتجهت إلى الشرفة، محاولة الهروب من تأثيره عليها قبل أي شيء آخر،

بينما بقي هو مكانه يتابعها بعينيه.

أغلق جواد عينيه للحظة محاولا السيطرة على اضطرابه. كان يعلم جيدا أنه اقترب من فقدان

سيطرته على نفسه أكثر من مرة، ويعلم أيضا أنها تحبه رغم كل ما تقوله، وأنها لن ترفضه لو أراد

المضي أبعد من ذلك. لكن رغم غضبه وعناده وتمسكه بها، كان هناك جزء داخله يرفض أن يأخذ منها شيئا قبل اليوم الذي ترتدي فيه فستانها الأبيض وتصبح زوجته أمام الجميع رسميا، لذلك تشبث بما تبقى لديه من صبر، وجلس في مكانه محاولا تهدئة النيران المشتعلة داخله قبل أن

تدفعه إلى فعل قد يندم عليه لاحقا.

عند رنيم....

ارتجفت شفتي رنيم بعنف، وازدادت الدموع المتجمعة داخل عينيها حتى أصبحت الرؤية أمامها ضبابية، كانت الكلمات عالقة في حلقها ككتلة مؤلمة ترفض الخروج، بينما كانت الحقيقة تشتعل

داخل صدرها وتحرقها ببطء. كلمة واحدة فقط كفيلة بأن تدفع كل شيء إلى السقوط. ظل شاهين ينظر إليها بعينيه المليئتين بالقلق واللهفة، ينتظر منها أن تتكلم، غير مدرك أن ما تخفيه عنه قد يكون أكثر شيء قادر على تحطيم قلبه وكسر روحه كان يظن أنها تمر بأزمة أو تخفي أمرًا عابرا، ولم يكن يعلم أن الصراع داخلها أكبر بكثير مما يتخيل.

أوماً برأسه برفق يحثها على الحديث، وقال بصوت عاشق هادئ

يلا يا حبيبتي اتكلمي وأحكي "

شعرت بأن قلبها يعتصر داخل صدرها كادت تستسلم للحظة وتخبره بكل شيء، كادت ترتمي بين ذراعيه وتعترف له بما يفعله زين وبالورطة التي أجبرت عليها، لكنها تذكرت التهديدات التي

تحيط به، فتراجع كل ذلك في اللحظة الأخيرة

حركت راسها بالرفض سريعا، ثم ابتعدت عنه وأعطته ظهرها حتى لا يرى ضعفها وانهيارها.

وقالت بصوت مختنق

"قلتلك مافيش يا شاهين، ممكن بقى تسيبني لوحدي ارجوك كفايه كده."

اشتد غضبه وهو يرى إصرارها على الصمت، فزفر بضيق وقال بصوت غاضب

ماشي يا رنيم هسيبك براحتك بس أقسم بالله لو عرفت انك مخبيه عليا حاجة مش هرحمك فاهمه ؟"

أنهى كلماته واتجه نحو الباب، ثم فتحه وخرج منه قبل أن يغلقه خلفه بقوة جعلت جسدها ينتقض مكانه لا إراديا.

ساد الصمت داخل الشقة بعد رحيله، لكنه لم يكن صمنا مريحًا، بل كان خائفا وتقبلا بصورة

موجعة، وقفت رنيم مكانها لثوان تحدق في الباب المغلق، وكأنها ما زالت ترى أثره أمامها.

وفي اللحظة التي تأكدت فيها أنه رجل، انهارت مقاومتها بالكامل. انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وأخذت شهقاتها تتصاعد واحدة تلو الأخرى، كانت تريد أن تخبره بكل شيء، كانت تريد أن تتشبث به وتطلب منه أن ينقذها من هذا الكابوس، لكنها في النهاية تراجعت خوفا عليه أكثر من خوفها على نفسها.

تحركت بخطوات بطيئة مثقلة بالوجع نحو الداخل، ثم جلست على المقعد وقد كانت قوتها استنزفت بالكامل، رفعت يديها المرتجفتين إلى وجهها وأخفته بين كفيها، بينما استمرت دموعها في الانهمار دون توقف، وظلت تبكي بحرقة وقهر تشعر بأنها تخسر الرجل الذي تحبه بيديها.

وفي الوقت نفسه لا تملك الشجاعة لتعريضه للخطر من أجل إنقاذ حبها.

بالفيلا عند غريب .....

جلست أروى في الحديقة الملحقة بالفيلا تحدق أمامها بشرود مؤلم. كان الحزن مرسوما بوضوح على ملامحها الشاحبة، بينما بدت الدموع متحجرة داخل عينيها، كانت تشعر بأن قلبها يبذل جهدا شاقا فقط ليستمر في النبض، أما روحها فيدت مستنزفة إلى حد موجع.

من يراها الآن يصعب عليه تصديق أنها الفتاة نفسها التي كانت قبل أيام قليلة تملأ المكان ضحكا وحيوية ومشاكسة، وكأن السنوات مرت فوقها دفعة واحدة، فسرقت من وجهها بريقه ومن

روحها خفتها.

تنهدت بألم وهمت بالنهوض، لكنها سمعت صوت خالها تامر يقول:

حبيبت خالها قاعده هنا يتعمل ايه ؟"

رفعت عينيها إليه ونظرت له بحزن وقالت:

قاعده یا خالوا يعني هعمل ايه؟"

اقترب منها وجلس إلى جوارها، ثم ابتسم لها بحب وقال:

"وحشتني قاعدتك معايا في مكتبي ايه رأيك تيجي معايا ؟ واهو تخرجي بره المكان هنا شوية ؟"

"لا مش عايزة."

حرکت رأسها بالرفض وقالت:

تأملها بحزن وهو يرى الانطفاء الذي يسيطر عليها، ثم قال:

ليه يا بنتي ؟ ده انتي الأول كنتي بتتحايلي عليا أكلم باباكي علشان يوافق أنك تيجي عندي الشركة."

امتلأت عيناها بالدموع وقالت:

هتفرق بقى أشوفها هنا ولا عندك في الشركم"

الأول يا خالوا، إنما دلوقتي مبقاش ليا نفس لحاجة الدنيا بالنسبالي كلها لون واحد، أسود، مش

تنهد تامر بوجع وشعر بأن كلماتها تخترق قلبه، ثم تكلم بصوت مختنق

طيب وأحمد يا أروى؟ ده بيحبك وهيتجنن عليكي "

ارتسمت على شفتيها ابتسامة موجوعة لا تحمل أي فرح، وقالت:

مبقاش ينفع خلاص، أرجوك يا خالوا خليه يبعد عني، ويشوف حاله يدور على واحده غيري

تستاهلوا بجد، تنفعه ويكون هو أول راجل في حياتها."

وفي تلك اللحظة دوى صوت مألوف خلفها يقول :

"أنا مش عايز غيرك أنتي يا أروى، ومافيش غيرك اللي تستاهلني وأستاهلها، وأنا واثق ومتأكد

أني أول وآخر راجل في حياتك"

انتقضت من مكانها ووقفت سريعا، ثم التفتت إليه وقالت بغضب:

انت طيب دخلت أزاي ؟ ومن سمحلك أنك تدخل هنا أصلا؟"

وقف أحمد أمامها بهدوء، وعلى وجهه إصرار واضح رغم ما يراه من رفضها المستمر، ثم أجاب: "أبوكي اللي سمح ليا ادخل هنا هو لو مكانش واثق في حبي ليكي، مكانش سمح ليا، انقرب منك يا أروى علشان كده بترجاكي، بلاش تبعدي عني، أنا مقدرش أعيش من غيرك "

تراجعت خطوة إلى الخلف مبتعدة عنه، وظهر الخوف جليا في عينيها وهي تقول:

مينفعش، صدقني والله ما هينفع هتقدر تستحمل تعيش مع واحده جسمها بقى يرفض لمسة أي راجل ؟ يعني هيكون جواز مع إيقاف التنفيذ، مافيش راجل عاقل هيقدر يستحمل حاجه زي

كده، وأنا مش مجنونه علشان أصدق أنك هتتقبل ده."

أسرع أحمد بالرد، لأنه كان ينتظر تلك الكلمات تحديدا:

"بس تقدري تتعالجي عادي يا أروى، فيه دكاترة متتخصصين علشان يساعدوكي " ابتسمت بمرارة مؤلمة وقالت بصوت مختنق :

"هيرجعوا اللي أتاخد مني غصب ولا هيشيلوا من دماغي لحظات الرعب اللي عيشتها في

الوقت ده؟"

حرك رأسه بالنفي وقال موضحا:

"اللي خسرتي ميهمنيش في حاجة يا أروى، واللي عيشتي أنا هقدر أمحي كل لحظة عشتيها وخفتي فيها، سيبي نفسك ليا ومش هتندمي، مش هقرب منك مش هلمسك، مش هضايقك ابداً صدقيني، تعالى بس نروح لدكتورة كويسه أنا واثق فيها هتعالجك وهترجعك أحسن من الأول." امتلات عيناها بالدموع أكثر وقالت:

مافيش حاجه هترجع أحسن من الأول يا أحمد، اللي خسرته عمره ما هيرجع خلاص"

ابتسم لها بحب صادق لم يتغير رغم كل شيء وقال:

قلتلك اللي راح ميفرقش معايا في حاجه انا المهم عندي هو أنتي يا أروى، تبقي معايا مش

عايز حاجه من الدنيا غيرك "

صمتت اروى ولم ترد. اكتفت بالنظر أمامها بشرود وحزن، بينما كان الصراع داخلها يزداد قسوة.

جزء منها يريد تصديقه، والجزء الآخر يخشى أن يمنحه فرصة ثم يخذله الواقع فيما بعد.

تبادل أحمد وتامر نظرة سريعة، ثم اقترب أحمد خطوة واحدة منها وقال بنبرة يغلفها الأمل:

" أنا حجز تلك عندها ميعاد بكرة، أيه رأيك ؟"

رفعت أروى عينيها نحو تامر أولا، تبحث في وجهه عن إجابة، ثم نظرت إلى أحمد بتردد واضح

قبل أن تومى برأسها موافقة.

تنفس أحمد الصعداء وشعر وكأنه انتصر في معركة طويلة، فابتسم بسعادة حقيقية وقال: "أنا بجد مبسوط أوي أنك وافقتي يا أروى بكره هاجي أخدك ونروح ليها."

لكنها سارعت بالاعتراض وقالت:

"لا متجيش | أنا هروح مع مامي "

نظر تامر إلى أحمد وأوما له برأسه في محاولة لطمأنته، ثم التفت إلى أروى وقال:

"طيب أجي أنا ومامي معاكي ؟"

أومأت برأسها بالموافقة وقالت:

"ماشي، عن اذنكم "

استدارت بعدها وغادرت المكان بخطوات بطيئة، ثم دخلت إلى الفيلا وصعدت نحو غرفتها، تاركة خلفها صمنا تقيلا.

ظل أحمد يتابع أثرها بعينيه حتى اختفت تماما عن ناظريه، ثم تنهد بحزن وقال:

لسه برضه رافضه وجودي في حياتها."

ريت تامر على كتفه وقال بهدوء:

واحده واحده با احمد، حتة أنها توافق على خطوة العلاج دي اصلاً تقدم حلو ليها، ومع العلاج هتتقبل وجودك من تاني في حياتها. "

أوما أحمد برأسه، ورغم الحزن الذي يملأ قلبه كان هناك بصيص أمل بدأ يتسلل إليه من جديد. ثم قال بصوت مختنق

"ماشي، أنا همشي بقى مروح معايا ولا قاعد شويه؟"

اقترب منه تامر وقال بنبرة رجولية

"لا همشي معاك يا صاحبي، يلا بينا."

وغادر الاثنان الفيلا مقا، بينما حمل كل واحد منهما داخله أمنية واحدة فقط. أن تعود أروى يوما

إلى تلك الفتاة المشرقة التي كانتها قبل أن تنكسر بهذا الشكل المؤلم.

بالمساء.....

كانت جواهر جالسة فوق السرير وقد استولى عليها الضيق والملل، تزفر بين الحين والآخر بنفاد صبر واضح، بينما جلس جواد على مقعد قريب منها، يمسك هاتفه ويتصفح شاشته بملامح

جامدة، يحاول يظهر انشغاله بما يراه، رغم أن عقله لم يكن حاضرًا مع أي شيء سوى معها.

مررت جواهر يدها فوق بطنها بألم خافت، فقد بدأ الجوع ينهش أحشاءها بعدما مر اليوم بأكمله تقريبا دون أن تتناول شيئا منذ الصباح.

النقط جواد تلك الحركة بعينيه، فتجمد الثوان قبل أن يدرك فجأة أنها لم تأكل منذ أن جاءت إلى هنا. أغلق عينيه بضيق وهو يلوم نفسه، ثم نهض على الفور وغادر الغرفة دون أن ينيس بكلمة. تابعته جواهر بنظرات مستغربة، لكنها لم تسأله أو تحاول إيقافه، واكتفت بالزفير بضيق وهي التمتم بصوت خافت:

"أنا جعانه أووي، ومش عايزة أقوله أعمل أيه دلوقتي بس ياربي ؟"

ثم تمددت فوق السرير محاولة الهروب من ذلك الشعور المزعج.

"أحسن حاجه أنام، وبكده مش هحس بجوع.

الغمضت عينيها محاولة الاستسلام للنوم، لكن الجوع كان أقوى من أي محاولة للراحة، تقلبت في مكانها عدة مرات قبل أن تستسلم وتعتدل جالسة من جديد، تمرر يدها فوق بطنها بألم وهي تتمتم بامتعاض :

مش عارفه أنام من الجوع، منك لله يا جواد يا أبن ضرغام"

مرت عدة دقائق تقيلة عليها، قبل أن يفتح الباب ويدخل جواد وهو يحمل عدة أكياس بيده.

"قومي كلي."

اتجه مباشرة نحو الطاولة ووضعها أمامها دون مقدمات، ثم قال بلهجة عملية قصيرة

ابتلعت ريقها بصعوبة فور أن وصلت رائحة الطعام إلى أنفها، وشعرت أن معدتها تكاد تصرخ من شدة الجوع، لكن عنادها المعتاد دفعها للتمسك بموقفها، فقالت وهي تشيح بوجهها: مش عايزة، مش جعانه اصلا"

رفع جواد عينيه إليها بملل واضح وقال:

"قومي كلي بلاش تعملي نفسك جامدة، وانتي هتموتي من الجوع."

رمقته بنظرة ضيقة قبل أن تستسلم أخيرا. نهضت من فوق السرير واتجهت نحو الطاولة، ثم جلست على المقعد وبدأت تخرج الطعام من الأكياس وتفتح الأطباق أمامها.

وقبل أن تمد يدها إلى الطعام، رفعت رأسها نحوه بتردد وسألته:

"م مش هتاكل ؟ "

هز راسه بالنفي وقال:

"لا، كلي أنتي "

تنهدت بضيق وقالت:

ممكن تقعد تأكل لو سمحت وخلي الخلافات دي على جنب ؟"

ظل ينظر إليها لثوان طويلة قبل أن يسحب المقعد المقابل ويجلس دون تعليق، ثم بدأ يتناول

الطعام بصمت.

أما هي، فبدأت تأكل هي الأخرى، لكن نظراتها كانت تنزلق نحوه بين الحين والآخر بحزن موجع.

والمزاح والكلمات الدافئة.

لأول مرة تشعر أن المسافة بينهما أصبحت بهذا الاتساع، بعدما كانا يملأن أي جلسة بالضحكات

تنهدت بوجع و همست

"أحنا أيه وصلنا لكده يا جواد؟"

رفع رأسه إليها، وكان الحزن ظاهرا في عينيه رغم محاولته إخفاءه، ثم قال:

"اسألي نفسك يا جواهر أنتي اللي بقيتي شخصيه تانيه خالص ، بقيتي تمحي وجودي في

حياتك بقيت زي قلتي "

هزت رأسها بقوة وهي تقول بصوت مختنق

"أنا عمري ما محيتك من حياتي يا جواد بالعكس، أنا طول عمري حياتي كلها مبنيه عليك أنت ويس لو هتنفس نفس كنت لازم استئذن منك قبلها مكنتش بتحرك من مكان من غيرك، حتى بابا الله يرحمه لما كان يروح من الشركه ويجي يقولي تعالي روحي معايا، كنت برفض واقوله أني مستنياك أنت كنت ومازالت محور حياتي با جواد إزاي جاي دلوقتي تتهمني بتهمه زي دي ؟"

ابتسم بسخرية مريرة وقال:

كنتي كده يا جواهر الأول، إنما بعد ما بقيت جوزك اتغيرت كل حاجه، بقيتي تتصرفي من دماغك، أقولك الكلمه تكسريها وتكسري رجولتي معاكي، وحيد وشاهين ورنيم، كل دي مواقف

حصلت بعد جوازنا يا جواهر

ردت عليه بالفعال واضح

"أنا كل دول قلتلك أسبابي يا جواد، إذا كان وحيد ده علشان كنت خايفه عليك لما تعرف. وشاهين أنا كنت فاكرة أن الموضوع عادي مشكله ما بين بنت خالي وحبيبها وكنت بحاول احلها، كنت شايفه أنه ملوش داعي تعرف حاجه زي كده مفكرتش آن ده هيزعلك، ومع ذلك اتأسفت ليك والموضوع انتهى، أما بقى موضوع رنيم، فأنت ملكش حق ترفضه يا جواد، دي بنت خالي وأختى في نفس الوقت وكانت في العمليات مكانش ينفع اسيبها لوحدها، ايا كان مشاكلكم مع بعض أيه فده ميخصنيش طول عمري بتعامل مع مشاكلكم دي بعيد عني، هي اختي وانت حبيبي، لا عمري خد صفك ولا عمري خد صفها، كنت برفض أن أي حد فيكم يتكلم عن الثاني بحاجه وحشه، أمك ذات نفسها المشكلة الاساسيه راحت ليها وقفت جنبها وانقذتها، و عملت الصح معاها، ده لان احنا اکثر ناس عارفين رنيم ايه من جوه مهما ظهرت وبينت أنها قويه وقاسيه بس من جواها طيبه وهشه، إنما انت ايه يا جواد؟ انت اللي بقيت قاسي زيادة عن اللزوم، حاولة كثير انبهك واديك العذر علشان الظروف اللي بتمر بيها، بس انت فكرت ده ضعف مني استهترت بيا وبمشاعري سوقت فيها بقيت تغلط وتمد ايدك قلت دي بتحبني وهتستحمل مهما أعمل فيها، بس لا يا جواد كل بني آدم وليه طاقة تحمل، وانا خلاص مبقتش عارفه اتحمل طريقتك واسلوبك معايا، في كل مره بتقسى عليا وتهين كرامتي، بياخد من رصيد محبتك في قلبي، وانا الصراحه عايزة احافظ اللي متبقي في قلبي ليك، علشان كده طلبت الطلاق منك قبل ما يخلص رصيدك اللي متبقي في قلبي، وانا مش عايزة اكرهك "

استمع إليها يصمت كامل. لم يقاطعها ولو مرة واحدة، لكن كلماتها أصابت مواضع كثيرة كان يحاول تجاهلها داخل نفسه شعر بوخز مؤلم في صدره، إلا أنه أخفى كل ذلك خلف ملامحه

الجامدة وقال:

" يعني افهم من كلامك ده انك عايزة تطلقي وتسبيني؟"

اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وهي تقول:

يعني هو ده اللي فهمته من كل كلامي يا جواد؟"

أغلق عينيه بإرهاق واضح، وكان الدنيا كلها تنقل فوق كتفيه، ثم قال بصوت مبحوح"أنا مبقتش فاهم ولا عارف حاجه الدنيا عماله تطريق فوق دماغي واحده وراه الثانيه، لحد ما

استنفذت كل قوتی یا جواهر

رغم كل ما فعله بها، ورغم كل الألم الذي تسبب فيه، إلا أن رؤية ضعفه بهذه الصورة مزقت قلبها. نهضت من مكانها واقتربت . ببطء، ثم ضمت رأسه إلى صدرها بحنان و همست

"بلاش تضعف وتستسلم بسهوله كده ربنا بيدي القوة على قد الابتلاء، علشان تقدر تتحمل وتصبر وفي الآخر كله هيعدي، وعمرنا كمان هيعدي لحد ما يخلص بحلوه ومره."

ارتجفت أنفاسه، ثم أحاط خصرها بذراعيه وضمها إليه بقوة كالغريق الذي وجد أخيرا ما يتعلق به وقال بصوت خافت

"أنا محتاجلك اوي يا جواهر، اوعي تتخلي عني مهما حصل "

طبعت قبلة حانية فوق رأسه وقالت:

"أنا عمري ما اقدر اتخلى عنك يا جواد انت عمري كله، ومهما عملت فيا هفضل أعشقك برضه " رفع رأسه إليها ببطء، وكانت عيناه تمتلكان بعشق لم يستطع إخفاءه. أمسك يدها برفق وأجلسها

فوق ساقيه، ثم مرر أصابعه على خدها بحنان وقال:

وانا بعشقك يا جواهر، حقك عليا متزعليش مني أنا مقدرش استغنى عنك انت دنيتي كلها."

في البداية تجاوبت معه بمشاعرها الصادقة التي لم تستطع إنكارها يوما، وشعرت للحظات أن كل الخلافات اختفت بينهما. لكن ما إن أحست بأن الأمور بدأت تتجاوز ذلك الحد، حتى انتفضت مبتعدة عنه بسرعة، وأخذت تدعك يديها بخجل وتوتر وهي تقول:

ج جواد و متنساش انت قولت ايه لماما."

أغمض عينيه محاولا السيطرة على مشاعره المضطربة، وأخذ عدة أنفاس عميقة قبل أن يهدأ

قليلا، بعدها نهض وجذبها إلى حضنه وقبل رأسها بحنان وقال:

"حقك عليا، غصب على اندفعت بمشاعري واوعدك أنه هيحصل تاني بس الاسبوع الجاي بعد فرحنا."

أحاطت عنقه بذراعيها، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة خجولة، ثم أومأت له برأسها

دون أن تنطق.

ابتسم لها بحب، وضمها إلى صدره للحظات قبل أن يقول :

يلا تعالي نكمل اكلنا."

هزت رأسها بالموافقة، فعادا معا إلى الطاولة وجلس كل منهما في مكانه، استأنفا تناول الطعام وسط هدوء مختلف هذه المرة، هدوء دافئ بعدما تراجعت العاصفة قليلا، وعادت بعض السعادة

التطرق باب قلبيهما من جديد، ولو للحظات قصيرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...