رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والاربعون
وصل شاهين إلى العنوان الذي أرسل إليه، وما إن ترجل من سيارته حتى جالت عيناه في المكان بحذر شديد. كان المكان مهجورًا بصورة تثير الريبة، تحيط به حالة من السكون المقلق.
أخرج سلاحه من جيبه وتحرك بخطوات متأنية، بينما كان قلبه يخفق بعنف داخل صدره. لم يكن يفكر إلا في إيما، وكل ثانية تمر كانت تزيد من توتره وخوفه عليها.
راح يبحث بعينيه في كل اتجاه، لكن المكان بدا خاليًا تمامًا.
ازدادت تجاعيد القلق بين حاجبيه، وفي تلك اللحظة دوى صوت هاتفه معلنًا عن اتصال جديد. التقط الهاتف سريعًا وأجاب بنفاد صبر وغضب واضح:
“أنا وصلت العنوان اللي بعته ليا والمكان فاضي مفهوش حد، انتوا فين؟”
أتاه الصوت المجهول ببرود مستفز:
“أخرج من المكان امشي عشر خطوات لقدام وسيب الباقي علينا.”
ثم أغلق الخط.
زفر شاهين بضيق وهو يضغط على الهاتف بين أصابعه، ثم استدار وتحرك نحو الخارج مرة أخرى. نفذ ما طلب منه بحذر، وعيناه لا تتوقفان عن البحث في محيطه. خطوة، خطوة حتى وصل إلى الخطوة العاشرة.
وفجأة شعر بضربة قوية ارتطمت بمؤخرة رأسه.
اهتز جسده بعنف وسقط على الأرض قبل أن تتلاشى الرؤية أمام عينيه تدريجيًا، ثم غرق في ظلام كامل.
لم يكن يعلم كم من الوقت مر. دقائق أم ساعات؟
كل ما كان يشعر به هو ذلك الألم العنيف الذي يكاد يشق رأسه نصفين.
بدأت جفونه تتحرك بصعوبة، ثم فتح عينيه ببطء وهو يتأوه من شدة الوجع.
اعتدل جالسًا بسرعة رغم الدوار الذي اجتاحه، وأخذ ينظر حوله محاولًا استيعاب المكان. لكن الظلام كان كثيفًا إلى درجة لم تسمح له برؤية أي شيء.
نهض متمايلًا واتجه نحو الحائط، يمرر كفه عليه باحثًا عن باب أو مخرج.
وما إن عثر عليه حتى انهالت ضرباته عليه بعنف. وقال بغضب:
“افتحوا الزفت ده حد يرد عليا.”
استمر في الطرق والركل حتى انفتح الباب فجأة.
تراجع خطوة إلى الخلف بصورة غريزية، لكن ما إن لمح الرجل الواقف أمامه حتى اندفع نحوه كالإعصار.
انطلقت قبضته بقوة واستقرت في وجهه. ترنح الرجل للخلف، ثم مسح الدماء التي سالت من زاوية فمه وابتسم ابتسامة باردة أثارت الاشمئزاز. وقال:
“اهدا كده يا شاهين باشا احنا لسه في أولها، بلاش تتهور علشان هتتعور.”
اشتعلت النار داخل عيني شاهين.
لم يكن في حالة تسمح له بالهدوء أصلًا.
اندفع نحوه مجددًا، لكن الرجل استقبل هجومه بضربة قوية جعلته يتراجع خطوة. وقال بغضب:
“قلتلك متتهورش، احنا لسه الليله في أولها، وفيه مفاجأت كتير عندي ليك.”
مسح شاهين الدماء عن شفتيه وهو يحدق به بنظرة قاتمة. وقال:
“أنت مين؟ وعايز ايه مني؟”
تعالت ضحكات الرجل بصورة مستفزة وقال:
“مش تصبر الاول تشوف حبايبك وتطمن عليهم، قبل ما تتعرف عليا.”
ثم تحرك جانبًا.
وفي اللحظة التالية تجمد شاهين مكانه.
ظهرت إيما. كانت تقف بين يدي أحد الرجال، وسلاحه مصوب مباشرة إلى رأسها.
وعلى الجانب الآخر كانت رنيم.
هي الأخرى محتجزة بالطريقة نفسها، بينما فوهة السلاح تلامس رأسها.
شعر شاهين الهواء انسحب من رئتيه دفعة واحدة.
اختلط الغضب بالخوف داخل صدره حتى أصبح من الصعب التمييز بينهما.
وتكلم من بين أسنانه:
“اقسم بالله لشرب من دمك، سيب بنتي ورنيم احسنلك، أنطق انت مين وعايز مننا أيه.”
أشار الرجل لرجاله بالتقدم أكثر نحو الضحيتين، ثم قال بابتسامة خبيثة:
“عندك اختيار واحد بس يا شوشو، يا تختار بنتك وتروح بيها في حضنك سليمه، يا تختار رنيم وتروح ببنتك جثه غرقانه في دمها.”
تحرك شاهين خطوة للأمام دون وعي.
لكن فوهة السلاح استدارت نحوه فورًا.
وقال الرجل بغضب:
“خليك عندك اوعى تتحرك.”
أغمضت رنيم عينيها وهي تشعر بألم ذراعها المصابة يزداد مع التوتر. ثم قالت:
“خد بنتك وامشي يا شاهين أرجوك متخافش عليا.”
التفت إليها شاهين وكأنها نطقت بكلام غير منطقي. وقال:
“وأنتي متخيله اني ممكن امشي وأسيبك هنا معاهم؟”
شعرت بغصة تخنقها. وقالت:
“أنا مش مهم دلوقتي يا شاهين، ارجوك خد بنتك وامشوا من هنا.”
ورغم الموقف كله، ورغم الخطر الذي يحيط بهم، لم يستطع منع نفسه من السؤال الذي ظل يشتعل داخل رأسه منذ أن رآها.
نظر إليها بغضب ممزوج بالخوف وقال:
“أنتي أيه اللي جابك هنا أصلا؟ أنا مش قلتلك متتحركيش من مكانك؟”
امتلأت عيناها بالدموع. وقالت:
“أنا خفت عليك يا شاهين، وحد بعتلي العنوان جيت عليه على طول، مش مهم أي حاجه دلوقتي، خد بنتك وأمشي أرجوك.”
صرخ بها بقوة:
“بتحلمي يا رنيم أنا مش هتحرك من هنا غير وانتوا الاتنين معايا.”
وفجأة انقلب كل شيء إلى فوضى.
دوى صوت إطلاق النار داخل المكان.
صرخت إيما بفزع شديد.
وفي اللحظة نفسها اندفع شاهين نحو الرجال كوحش فقد السيطرة على نفسه.
بدأ يوجه لهم الضربات بلا رحمة، مستندًا إلى غضبه وخوفه أكثر من أي شيء آخر. ثم التفت نحو رنيم صارخًا:
“خدي إيما واداري وراه الترابيزة دي بسرررعه.”
أومأت رأسها بسرعة. أمسكت إيما واحتضنتها بقوة ثم ركضت بها نحو الطاولة الكبيرة الموجودة بالمكان.
انخفضتا أسفلها بينما كانت الطلقات تتردد حولهما. كانت إيما ترتجف بالكامل.
ارتعاشات متواصلة لم تستطع السيطرة عليها. فضمتها رنيم إلى صدرها أكثر، وأخذت تمرر يدها على شعرها وظهرها محاولة بث الطمأنينة داخل قلبها الصغير رغم أنها هي نفسها كانت خائفة.
في تلك الأثناء رفع الرجل سكينًا حادة واتجه بها نحو شاهين.
وقبل أن يتمكن من طعنه، انطلقت رصاصة. استقرت مباشرة في صدره.
توقف الرجل في مكانه لثانية واحدة قبل أن يسقط أرضًا غارقًا في دمائه.
رفع شاهين رأسه بسرعة. واتسعت عيناه بدهشة عندما رأى القادم. كان جواد. وقال:
“انت! عرفت مكانا ازاي؟”
خرجت رنيم من أسفل الطاولة. ثم أشارت إلى القلادة حول عنقها وقالت:
“عن طريق دي يا شاهين، ده جهاز تتبع، كان مع جواهر أخده منها وهي راحت بلغته علشان يجي ينقذنا.”
نظر جواد إلى شاهين ببرود وغضب قديم لم يختفي بعد. وقال:
“أنا عملت كده رجوله مني، بس مش معناه أن نسيت اللي حصل، حسابك لسه معايا انت وهي.”
لكن قبل أن يكمل كلماته لمح شاهين رجلًا يقترب من خلفه رافعًا سلاحه.
ومن دون تفكير أطلق رصاصة أصابت الرجل مباشرة. سقط الأخير أرضًا في الحال. استدار جواد ونظر إلى الجثة ثم عاد ببصره إلى شاهين. وقال:
“شكرا.”
هز شاهين رأسه بهدوء. قائلاً:
“العفو، بس عايزك تعرف حاجه، أنا ماليش يد في اللي حصل لأختك، أنا حاولة أنقذها، بس ملحقتش.”
أغلق جواد عينيه للحظة. مر الألم داخل ملامحه سريعًا قبل أن يدفنه خلف غضبه المعتاد. وقال:
“مش وقته الكلام ده، خليه وقت الحساب.”
اقتربت رنيم من شاهين وهي ما تزال تحاول استيعاب ما حدث. وقالت:
“المهم دلوقتي، مين ده وكان عايز منك أيه وليه بعت العنوان ليا علشان اجي؟”
حرك شاهين رأسه بحيرة حقيقية. وقال:
“مش عارف، بس شكله حد عرفنا كويس.”
ضيقت عينيها بتفكير. وقالت:
“أنا خايفه يكون تبع امك يا شاهين.”
تنهد بضيق، قائلاً:
“مش لدرجاتي يا رنيم، مش لدرجة أنها تأذي ابنها وبنت ابنها.”
وضعت يدها فوق كتفها المصاب وهي تشعر بالألم يعود مجددًا.
“مش عارفه بقى حاجه تحير الصراحه.”
تدخل جواد بنفاد صبر:
“هنفضل واقفين هنا كتير، ما تمشوا يلا.”
اتجه شاهين مباشرة نحو ابنته تحت الطاولة. كانت ما تزال خائفة، وعيناها ممتلئتين بالدموع. انحنى أمامها وأمسك يدها برفق ثم حملها بين ذراعيه.
تشبثت به فورًا تخشى أن يختفي من جديد. اقترب بها من رنيم. وقال:
“أمشوا يلا.”
نظرت رنيم إلى المشهد أمامها.
إلى شاهين وهو يحتضن ابنته بكل ذلك الخوف والحب. وشعرت بشيء يعتصر قلبها من الداخل.
تنهدت بحزن صامت ثم تحركت نحو الخارج. تبعها شاهين حاملًا إيما، بينما سار جواد خلفهما. وبعد دقائق كانوا يغادرون المكان أخيرًا.
وقبل أن يصعد سيارته، توقف شاهين أمام جواد وربت على كتفه. وقال:
“شكرا.”
ثم استدار وغادر.
أما جواد فظل واقفًا يراقب السيارة وهي تبتعد.
أطلق زفرة طويلة مثقلة بالأفكار المتشابكة، ثم اتجه إلى سيارته وصعد إليها وانطلق في طريقه.
***************************
عند جواهر…
كانت جواهر ممددة فوق سريرها داخل غرفتها، لكن النوم كان أبعد ما يكون عنها. ظلت تحدق في السقف بعينين مثقلتين بالقلق، بينما تتزاحم الأفكار داخل رأسها بلا رحمة. كلما حاولت طرد مخاوفها عادت إليها صورة رنيم وهي تغادر المشفى مصرة على الذهاب خلف شاهين، غير عابئة بجرحها أو بالخطر الذي ينتظرها.
عاد بها عقلها إلى تلك اللحظات التي سبقت رحيل رنيم…
فلاش باك…
انتفضت جواهر من مكانها والتفتت إليها بصدمة. وقالت بقلق:
“وانتي ناويه تعملي ايه؟ اوعي يكون اللي في دماغي صح يا رنيم؟”
بقيت رنيم تحدق في شاشة الهاتف لعدة لحظات دون أن تجيب. كانت تدرك أن العقل والمنطق يفرضان عليها البقاء هنا، وأن حالتها الصحية لا تسمح لها حتى بمغادرة المشفى، لكن صورة إيما وهي بين أيدي مجهولين كانت تطاردها بلا توقف، تذكرها بالماضي، لحظات عاشتها بالصغر، كان قلبها يجرها نحو طريق تعرف جيدًا أنه قد ينتهي بكارثة.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول اتخاذ قرار لم يعد يحتمل التأجيل، ثم أطلقت زفرة طويلة محملة بكل ما تشعر به من خوف وقلق قبل أن تقول:
“أنا هروح يا جواهر، ما دام مصر على أن أكون موجودة، يبقى أنا المقصودة مش شاهين.”
أمسكتها جواهر بغضب شديد وقالت:
“انتي اتجننتي؟ تروحي فين بجرحك ده يا رنيم؟ طيب هو راجل وهيقدر يحمي نفسه وبنته، إنما انتي هتحمي نفسك ازاي؟ انتي كده هتشتتيه معاكم، اسمعي كلامي بلاش عنادك وتهورك ده يا رنيم.”
كانت الكلمات تخرج من جواهر متلاحقة وقد بدأ القلق يتحول إلى ذعر حقيقي. لم تكن تخشى فقط على رنيم، بل كانت تشعر بأن شيئًا سيئًا ينتظرهم جميعًا.
حركت رنيم رأسها بالرفض وقالت:
“مش هينفع صدقيني، شاهين وبنته في خطر ولازم اروح، حتى لو هضحي بعمري علشانه.”
ثم بدأت تبدل ملابسها بخطوات سريعة، وكأنها تخشى أن تتراجع عن قرارها إذا توقفت للحظة واحدة.
راقبتها جواهر بعينين ممتلئتين بالعجز، قبل أن تقع أنظارها على القلادة المعلقة حول عنقها. مررت أصابعها عليها لثوانٍ وهي تفكر بسرعة، ثم نزعتها واقتربت من رنيم قائلة:
“خدي ألبسي دي.”
نظرت رنيم لها بأستغراب وقالت:
“سلسله! وده وقته يا جواهر؟ أنا رايحه لمكان الله أعلم ايه هيحصل فيه، وانتي بتديني سلسلة اتمنظر بيها.”
رفعت جواهر عينيها إليها بنفاد صبر وقالت:
“اديني فرصه افهمك، دي جهاز تتبع جواد جابها ليا بعد ما خرجت من السجن علشان يقدر يوصلي لو حصل أي حاجة، خدي ألبسيها في رقبتك، وانا هروح لجواد واخليه يتبعكم ويجي ينقذكم.”
أخذت رنيم القلادة منها وهي تهز رأسها بسخرية وقالت:
“جواد ينقذنا!؟ ده مش بعيد يدي كل واحد فينا رصاصه علشان يخلص مننا، هو مش طيقانا اصلاً.”
رغم سخريتها، إلا أن جواهر استطاعت أن ترى القلق المختبئ خلف كلماتها.
حركت جواهر رأسها وقالت بصوت مختنق:
“جواد بيعزك يا رنيم، وانتي عارفه كده، وطول عمره بيعتبرك زي أخته أروى، بس انتي اللي بتخرجي عن شعوره بطريقتك معاه، وكمان اللي حصل في المستشفى واللي سمعه ضايقه منك أكتر، بس اكيد لو شافك في خطر هينقذك.”
للحظة خفتت ملامح العناد على وجه رنيم، وحل محلها حزن صامت. كانت تعلم أن جواهر لا تكذب، لكنها لم تملك الوقت لمناقشة أي شيء الآن.
ارتدت القلادة حول عنقها ثم تحركت نحو الباب، إلا أن صوت جواهر أوقفها قبل أن تغادر.
“رنيم خلي بالك على نفسك، ومتجهديش نفسك علشان الجرح اللي في كتفك.”
استدارت إليها رنيم، وظهرت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها رغم كل ما يدور بداخلها من اضطراب، ثم أومأت برأسها وغادرت سريعًا.
بمجرد اختفائها من أمامها، شعرت جواهر بأن القلق بدأ ينهش قلبها بصورة أكبر، فأسرعت إلى الخارج دون تردد.
هبطت إلى الشارع واستوقفت سيارة أجرة، ثم جلست بداخلها وهي تراقب الطريق بعينين متوترتين طوال الرحلة إلى الفيلا.
وبعد وقت طويل، وصلت أخيرًا.
ما إن دخلت إلى الداخل حتى وجدت ترنيم جالسة في الصالة. اقتربت منها سريعًا وقالت بصوت مختنق:
“مساء الخير يا خالتوا، فين جواد؟”
ابتسمت لها ترنيم بحنو وقالت:
“مساء النور يا حبيبتي، رنيم عامله ايه دلوقتي؟”
اومأت برأسها وقالت:
“كويسه الحمد لله، جواد فين؟”
اشارت برأسها إلى الأعلى وقالت:
“في اوضته فوق.”
لم تضيع جواهر ثانية واحدة، بل اتجهت مباشرة نحو الدرج وصعدته بخطوات متعجلة.
توقفت أمام باب غرفته، وشعرت بقلبها ينبض بعنف داخل صدرها. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق الباب وتفتحه.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
اشتعل الغضب داخل جواد بمجرد أن رآها تقف أمامه. نهض من مكانه بعنف، وحدق بها بنظرات قاسية لم تعتدها منه من قبل، ثم قال بحدة:
“إيه اللي جابك هنا؟ امشي، مش عايز أشوف وشك.”
توقفت جواهر مكانها للحظة، تشعر بوخزة مؤلمة في صدرها من طريقته الجافة، لكنها ابتلعت وجعها وقالت بصوت مختنق:
“أنا مش جاية علشان سواد عيونك، أنا جاية أقولك الحق رنيم في خطر.”
أدار وجهه إلى الجهة الأخرى وكأن اسم رنيم وحده أصبح كافيًا لإشعال غضبه، ثم قال ببرود مستفز:
“ما تولع بجاز. أنا مالي إذا كانت في خطر ولا لأ؟ تخلي ننوس عين أمه اللي اختارته يروح ينقذها.”
شعرت جواهر أن الوقت يضيع بين يديها، فتقدمت خطوة نحوه وقالت بسرعة:
“مش هيقدر ينقذها لوحده. شاهين نفسه في خطر، وبنته مخطوفة. اللي خطفها طلب منه ياخد رنيم معاه مقابل يرجعله بنته، بس هو رفض وخد العنوان وراح لوحده، ورنيم وصلها العنوان وخرجت وراه.”
انعقد فك جواد للحظة، لكن عناده كان أكبر من أن يسمح له بإظهار أي رد فعل، فقال بلهجة متحجرة:
“برضه ماليش دعوة. يولعوا كلهم بجاز. ميخصنيش في حاجه، واتفضلي اطلعي برا، مش عايز أشوفك هنا تاني.”
تجمدت جواهر في مكانها. لم تكن تتوقع منه أن يصل به الأمر إلى هذه الدرجة من القسوة. شعرت أن الكلمات التي تسمعها الآن لا تخرج من الرجل الذي أحبته وعاشت عمرها كله متعلقة به.
امتلأت عيناها بالدموع، وسقطت أول دمعة رغماً عنها قبل أن تقول بين شهقاتها:
“وأنا مش هموت عليك يعني. وما دام مش طايقني بالشكل ده، طلقني يا جواد، وخلينا نخلص من أم دي العلاقة، تعبتني نفسياً.”
ارتجف شيء خفي داخل صدره عند سماع كلمة “طلقني”، لكنه أخفى ذلك خلف قناع قاسٍ وهو يهز رأسه رافضًا:
“مش بمزاجك يا جواهر. لما أحب أعمل كده هعمله بمزاجي أنا. خليكي كده، لا طايلة سما ولا طايلة أرض.”
حدقت به غير مصدقة. كانت تنظر إليه وكأنها تراه للمرة الأولى.
بصعوبة بالغة تماسكت حتى تستطيع الكلام، ثم قالت والدموع تنهمر على وجنتيها بلا توقف:
“أنا مصدومة فيك بجد، كل يوم بكتشف فيك حاجات، مكنتش شيفاها زمان، بتفاجئ بشخص تاني أنا معرفهوش.”
توقفت لحظة تلتقط أنفاسها المرتعشة، ثم أكملت بصوت مكسور:
“عموماً أنا مش فارق معايا، تطلق ولا متطلقش أنا كده كده، عمري ما هفكر احب تاني ولا ارتبط من تاني، لانك ببساطة عقدتني في الرجالة كلها.”
ظل صامتًا، بينما كانت كلماتها تتساقط فوقه كالحجارة.
مسحت دموعها بعنف، ثم قالت قبل أن تستدير نحو الباب:
“ولو حبيت تساعد رنيم، هي لابسه جهاز التتبع اللي كنت جايبه ليا، تقدر توصل ليها بسهوله.”
ثم أضافت بصوت خافت موجوع:
“عن إذنك.”
اندفعت خارج الغرفة قبل أن تنهار أمامه أكثر.
أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه فورًا. كانت أنفاسها متلاحقة بشكل مؤلم، وصدرها يعلو ويهبط بعنف بينما تحاول عبثًا السيطرة على بكائها الذي انفجر دفعة واحدة.
في الداخل، ظل جواد واقفًا مكانه عدة ثوانٍ يحدق في الباب المغلق.
رغم الغضب الذي كان يملأه، بقي صوت بكائها عالقًا في أذنيه بشكل مزعج.
مرر يده بعنف بين خصلات شعره، ثم أطلق زفرة حادة وركل الأرض بقدمه بقوة وكأنه يحاول تفريغ ما يعتمل داخله من اضطراب.
حاول إقناع نفسه أن الأمر لا يعنيه، وأن ما يحدث لرنيم أو شاهين لا يخصه في شيء.
لكن صورة جواهر وهي تبكي أمامه، وصوتها المرتجف وهي تطلب الطلاق، لم يفارقاه للحظة.
أغمض عينيه بضيق، ثم استدار فجأة نحو خزانة ملابسه.
خلال دقائق معدودة كان قد بدل ملابسه على عجل، التقط مفاتيح سيارته وهاتفه، ثم غادر الغرفة بخطوات سريعة.
هبط الدرج وكأن شيئًا يطارده، وما إن وصل إلى سيارته حتى استقلها وفتح تطبيق التتبع على هاتفه.
ظهرت النقطة المتحركة أمامه بوضوح.
حدق بها لثانية واحدة فقط، ثم ضغط على دواسة الوقود بقوة وانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة كبيرة، بينما كانت عيناه معلقتين بالإشارة التي تقوده نحو المكان الذي ذهبت إليه رنيم.
باك…
عادت جواهر إلى واقعها على صوت رنين هاتفها المفاجئ.
اعتدلت فوق السرير بسرعة والتقطت الهاتف من فوق المنضدة المجاورة. وما إن رأت اسم رنيم يضيء الشاشة حتى شعرت بشيء من الارتياح يتسلل إلى قلبها. أجابت فورًا وقالت بلهفة:
“طمنيني عليكم، انتوا كويسين؟”
أتاها صوت رنيم المختنق قائلة:
“متقلقيش احنا بخير الحمد لله وراجعين على الشقه اهو، وجواد روح كويس هو كمان.”
انفرجت أساريرها قليلًا، وشعرت بحملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها أخيرًا. قالت:
“طيب الحمد لله، معرفتوش مين ده؟ وعايز منكم ايه؟”
ردت عليها بعدم معرفه وقالت:
“لا معرفناش، بس شكله عرفنا وخطفه لبنت شاهين، المقصود منه أنا.”
زفرت جواهر بضيق وهي تمرر يدها فوق وجهها المرهق.
“ربنا يستر ويعديها على خير يارب، الحمد لله انكم بخير، هقفل دلوقتي ولما تروحي كلميني طمنيني عليكي.”
أنهت المكالمة وأعادت الهاتف إلى جوارها.
ورغم الجرح العميق الذي تركته كلمات جواد داخل قلبها، ورغم شعورها المستمر بالخذلان منه، إلا أن مجرد معرفتها بأنه عاد سالمًا دون أن يصيبه مكروه جعل شيئًا من الطمأنينة يتسلل إليها.
احتضنت الوسادة بين ذراعيها وأغمضت عينيها ببطء، محاولة أن تمنح عقلها المرهق فرصة قصيرة للهرب من كل ما حدث، عل النوم يرحم قلبًا أثقله الحب والوجع معًا.
*****************************
عند شاهين…
بعد ساعات طويلة من التوتر والمطاردة والخوف، وصلت سيارة شاهين أخيرًا إلى أسفل البناية. أوقف السيارة وألقى رأسه إلى الخلف للحظة قصيرة محاولًا استيعاب أن الكابوس انتهى أخيرًا، أو على الأقل هذا ما كان يتمناه.
أدار وجهه نحو المقعد المجاور له، فتوقفت عيناه على رنيم التي كانت غارقة في نوم ثقيل، أنهكها الألم واستنزفتها الأحداث حتى لم تعد تملك القدرة على مقاومة التعب. انتقل ببصره إلى المرآة الأمامية، فرأى إيما هي الأخرى نائمة في المقعد الخلفي، وقد هدأت ملامحها أخيرًا بعد ساعات من الرعب.
ترجل من السيارة بصمت، ثم فتح الباب الخلفي وانحنى يحمل ابنته بين ذراعيه بحرص شديد. أغلق الباب بقدمه وتحرك إلى الداخل، واستقل المصعد متجهًا إلى الأعلى.
عندما وصل، أسند إيما بإحدى ذراعيه بينما أخرج المفتاح من جيب بنطاله وفتح الباب. وما إن رأته أماليا حتى اندفعت نحوه بسرعة، وعيناها معلقتان بابنتها التي تحملها ذراعاه.
احتضنته وهي تقول بصوت مرتعش:
“أنا كنت هموت من القلق عليها يا شاهين.”
لكن شاهين لم يكن يملك رفاهية الحديث أو حتى الاستماع. أبعدها عنه وتحرك مباشرة نحو إحدى الغرف، دفع الباب بقدمه ودلف إلى الداخل.
اقترب من السرير وانحنى بجسده يضع إيما فوقه برفق بالغ، ثم جذب الغطاء عليها وأحكمه حولها، قبل أن يميل ويقبل رأسها قبلة طويلة حملت كل ما عاناه قلبه منذ اختفائها.
خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، ثم استدار إلى أماليا، وكانت ملامحه ما تزال متجهمة من الغضب الذي لم يخمد بعد. وقال بصوت غاضب:
“خدي بالك من بنتك وبلاش تسبيها تخرج لوحدها، انتبهي لبناتك بدل ما انتي عماله تخططي مع امي ازاي تبعدينا أنا ورنيم عن بعض.”
لم يمنحها فرصة للرد، بل استدار وغادر فورًا، وكأن بقاءه ثانية إضافية هناك سيزيد غضبه أكثر.
هبط إلى الأسفل مرة أخرى، ثم فتح الباب الأمامي للسيارة وانحنى نحو رنيم. حملها بين ذراعيه برفق، وأغلق الباب خلفه، قبل أن يتجه بها نحو المصعد.
بمجرد أن استقرت داخل حضنه، أراحت رأسها فوق صدره العريض دون وعي كامل منها، وأخيراً وجدت الملاذ الوحيد الذي تأمن داخله من العالم كله. تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها بينما ظلت عيناها مغمضتين، مستسلمة لذلك الدفء الذي طالما منحها الطمأنينة.
بعد دقائق خرج من المصعد واتجه إلى باب الشقة. فتحه ودلف إلى الداخل وأغلقه بقدمه، ثم سار مباشرة نحو غرفة رنيم.
أنزلها فوق السرير بحذر، لكنه ما إن ابتعد قليلًا حتى انتبه إلى البقعة الداكنة التي لطخت ثيابها. انعقد حاجباه بقلق عندما أدرك أن جرحها عاد للنزيف دون أن يشعر.
تحرك سريعًا نحو المرحاض وأحضر حقيبة الإسعافات، ثم عاد ووضعها على السرير. رفع جسدها برفق وبدأ يفك أزرار بلوزتها حتى يتمكن من الوصول إلى الجرح.
شعرت رنيم بما يفعله، ففتحت عينيها والتقطت يده بتوتر وهي تقول بألم:
“ا انت بتعمل ايه؟”
حرر يده من بين أصابعها بلطف وهمس مطمئنًا:
“شش متخافيش، هغيرك على الجرح.”
احمر وجهها بخجل، لكنها تركته يكمل ما يفعله، خاصة بعدما رأت القلق الحقيقي المرتسم على ملامحه.
تحرك خلفها وبدأ يضمد الجرح بعناية شديدة. كانت أصابعه حريصة إلى حد مؤلم، ومع ذلك كانت تنتفض كلما لامست بشرته جلدها، ليس بسبب الألم وحده، بل بسبب قربه الذي أصبح يربكها أكثر مما تعترف.
شعر برجفة جسدها، فتوقف للحظة، ثم مال برأسه ووضع قبلة خفيفة على عنقها قبل أن يهمس بجوار أذنها:
“أنا لو عليا هموت عليكي يا رنيم، نفسي اعمل معاكي كل حاجه، بس بالحلال، مش عايزك تخافي مني ولا تشكي في مره في خوفي عليكي، أنا هفضل محافظ عليكي لحد ما تبقي مراتي على سنة الله ورسوله.”
ارتجف قلبها لكلماته أكثر مما ارتجف جسدها.
أنهى تضميد الجرح، ثم تحرك وجلس بجوارها وأمسك يدها بين يديه قائلاً:
“هسيبك ترتاحي دلوقتي وهطلع اقعد بره لو احتاجتي حاجه نادي عليا هجيلك على طول.”
استقام بجسده استعدادًا للمغادرة، لكن أصابعها التفت حول يده قبل أن يبتعد.
رفعت عينيها إليه وقالت بحب:
“خليك.”
نظر إليها باستغراب وحرك رأسه بعدم فهم.
فأكملت هي بصوت أكثر هدوءًا:
“خليك جنبي لحد ما أنام.”
في تلك اللحظة شعر أن قلبه بأكمله يبتسم.
ابتسم لها بحب وأومأ برأسه موافقًا.
تراجعت للخلف واستلقت على السرير، بينما جلس هو بجوارها. أراحت رأسها فوق صدره، فأحاطها بذراعيه، ثم قبل رأسها بعشق خالص.
ظل يمرر يده على ذراعها بحنان حتى بدأت أنفاسها تنتظم تدريجيًا، معلنة استسلامها للنوم.
انتظر قليلًا، ثم تحرك ببطء شديد حتى لا يوقظها، ووضع رأسها فوق الوسادة برفق، قبل أن يميل ويطبع قبلة حانية على خدها.
اعتدل مرة أخرى استعدادًا للخروج، لكن قبل أن يبتعد تشبثت أصابعها بيده وهمست بصوت ناعس:
“بحبك.”
ثم غرقت في نوم عميق دون أن تنتظر ردًا.
أما هو فتجمد مكانه لثوانٍ، وكأن تلك الكلمتين سلبتاه القدرة على الحركة.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وتسارعت دقات قلبه بصورة لم يحاول إخفاءها وهو يهمس بعشق خالص:
“وانا بعشقك يا صغنن.”
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، يحاول أن يحفظ ملامحها داخل قلبه، ثم اتجه نحو الباب وخرج بهدوء وأغلقه خلفه.
استلقى فوق الأريكة في الخارج، وما تزال ابتسامته معلقة على شفتيه. أغمض عينيه أخيرًا، مستسلمًا لراحة قصيرة لم يعرفها منذ وقت طويل، بينما كانت كلماتها الأخيرة تتردد داخل قلبه كأجمل اعتراف سمعه في حياته.
**************************
عند غريب…
دلفت ترنيم إلى غرفتها بخطوات بطيئة، وما إن رفعت عينيها حتى وجدته جالسًا على السرير، يضع نظارته الطبية فوق عينيه، وبين يديه كتاب يتصفحه بتركيز بدا وكأنه متعمد. توقفت للحظة تنظر إليه بضيق مكتوم، فمنذ تلك المواجهة التي جمعت بينهما في المشفى وهو يتعامل معها وكأنها غير موجودة، يمر بجوارها دون أن يلتفت، ويتحدث معها فقط عند الضرورة.
نزعت الروب عن جسدها وألقته فوق المقعد القريب، ثم تمددت إلى جواره على السرير وأعطته ظهرها. انتظرت، دقيقة تلو الأخرى، لعله يبادر بكلمة أو نظرة أو حتى تنهيدة تكشف أن ما بينهما لم يمت بعد، لكنه ظل على حاله، غارقًا في كتابه وكأنها ليست هنا من الأساس.
ومع ازدياد الضيق داخل صدرها، اعتدلت فجأة بجسدها ونظرت إليه قائلة:
“هتفضل كده كتير؟”
لم يرفع عينيه عن صفحات الكتاب، واكتفى بأن يقول بنبرة هادئة زادت من استفزازها:
“نامي يا ترنيم.”
زفرت بضيق حاد وقالت بصوت غاضب:
“مش هتخمد يا غريب، وممكن تبصلي كده وانا بكلمك.”
أغلق عينيه لثانية وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم تنهد بضيق وأغلق الكتاب، نزع نظارته ونظر إليها أخيرًا، لكن النظرة التي وجدتها لم تكن ما تمنت رؤيته، تكلم بغضب:
“صوتك ميعلاش احسنلك، ونامي بقى وبلاش كلام كتير.”
هزت رأسها برفض عنيد وقالت:
“قلتلك مش هتخمد، انا زهقت من طريقتك معايا دي.”
تقلص فكه وهو يسأل من بين أسنانه:
“طريقتي اللي هي ازاي؟”
نهضت من فوق السرير دفعة واحدة، وقد طفح بها الكيل أخيرًا، وقالت بصوت اختنق بالوجع:
“التجاهل، انت من يوم اللي حصل في المستشفى وانت بتتجاهل وجودي في حياتك، أنا مأذنبتش لما أنقذت البنت يا غريب، أي حد مكاني كان هيعمل زي وأكتر.”
نهض هو الآخر في مواجهتها، ولم يعد يخفي الغضب المشتعل داخله.
“وانا أي راجل مكاني، كان هيعمل زي وأكتر، لما مراتي تسيب بنتها وتروح تساعد الناس اللي كانوا السبب في اذيتها، يبقي من حقي اتجاهل وجودك في حياتي، أنا مافيش عندي أغلى من بنتي أروى يا ترنيم، وكل واحد كان ليه يد في اللي حصلها هشرب من دمه ايا كان مين فاهمه.”
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة.
“أروى بنتي أنا كمان، واللي حصلها كسر قلبي، بس ده ملوش علاقه بمساعدتي لرنيم، هي ملهاش ذنب في كل ده بنت يتيمه وحيده في الدنيا، وانت بذات نفسك كانت بتصعب عليك وبتحميها، هي مش ذنبها أنها حبت ابن نفس الست اللي قتلت ابوها وكانت السبب في قتل امها، وانا الصراحه شايفه أن شاهين شاب كويس وغير أمه خالص، وبيحبها بجد انت لو شفت خوفه عليها وقت ما كانت في العمليات هتفهم معنى كلامي، يمكن بشوفك فيه، نفس حبك نفس خوفك عليا، نفس عصبيتك، نفس التملك بتاعك، علشان كده بقلك أن شاهين مختلف تماما عن أمه، ورنيم ذكية مش هتسلم قلبها لحد غير لما تكون متأكده وواثقه فيه.”
اشتدت ملامحه أكثر، وكأن كل كلمة تنطق بها كانت تزيد النار اشتعالًا داخله.
“أنا ليا اللي انا شايفه مش اللي انتي شيفاه.”
اقتربت منه أكثر، وقد سقطت كل محاولاتها للتظاهر بالقوة.
“طيب سيبك من موضوع رنيم دلوقتي، خلينا في موضوعنا احنا يا غريب، أنا مش قادره اتحمل تجاهلك ليا بالشكل ده.”
ثم رفعت ذراعيها وأحاطته بهما، وأراحت رأسها فوق صدره الذي افتقدته طوال الأيام الماضية، وهمست بصوت خافت يحمل شوقًا حقيقيًا:
“وحشني حضنك يا غريب، اول مره تحرمني منه كل ده.”
أغمض غريب عينيه بقوة.
كان يحاول التمسك بغضبه، التمسك بكل الأسباب التي دفعته للابتعاد عنها، لكن قربها منه كان دائمًا نقطة ضعفه الأكبر. لم تكن بحاجة إلى كلمات كثيرة، مجرد لمسة منها كانت قادرة على هدم الجدران التي يقضي أيامًا يبنيها. استسلم أخيرًا.
ارتفعت يده ببطء حتى استقرت حولها، ثم ضمها إليه بقوة، وكأنه يعوض نفسه عن كل لحظة ابتعد فيها عنها خلال الأيام الماضية.
ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها وهي تستشعر ذلك الاحتضان الذي اشتاقت إليه حد الوجع. أغمضت عينيها بسعادة وقبلت صدره بحب هامسة:
“أنا اسفه.”
لكن الاعتذار لم يطفئ ما بداخله بالكامل.
أبعدها عن حضنه ونظر مباشرة إلى عينيها، لحظات قصيرة مرت بينهما قبل أن يميل برأسه ويلتهم شفتيها بقبلة عاصفة، أفرغ فيها كل ما حبسه داخله؛ غضبه، اشتياقه، غيرته، ضعفه، ولهفته، كل شيء.
في البداية كانت القبلة تحمل شوق رجل حرم نفسه ممن يحب، ثم تحولت تدريجيًا إلى قسوة أربكتها وأوجعتها.
دفعته بعيدًا عنها وقالت بألم:
“غريب انت أتجننت؟”
نظر إليها بعينين مشتعلتين وقال بتحذير:
“في الاول كان اشتياق ليكي، وبعد كده اللي حصل ده عقاب ليكي، علشان تبقي تعرفي تكسري كلمتي كويس.”
اتسعت عيناها غضبًا، ثم استدارت بعنف واتجهت إلى فراشها، ألقت بنفسها فوقه وأغلقت عينيها بضيق دون أن تنطق بحرف آخر.
وقف غريب مكانه للحظات يراقبها.
كان يشعر باشتياق يكاد يمزقه من الداخل، لكنه أقنع نفسه أنه يجب أن يكون قاسيًا هذه المرة، يجب أن يترك أثرًا يجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تعاند قراره مجددًا.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم مرر يده داخل شعره بتوتر.
وفي النهاية اتجه إلى سريره وتمدد فوقه، وأعطاها ظهره كما فعلت هي، محاولًا عبثًا تجاهل ذلك الصوت الذي يلح عليه بلا رحمة، أن يستدير نحوها، يضمها إلى صدره، وينهي تلك الحرب التي لا ينتصر فيها أي منهما.
***************************
بعد عدة أيام…
كانت مريم تجلس داخل غرفتها الغارقة في الصمت، تستند بجسدها إلى مقعدها المتحرك بينما تقبض على هاتفها بقوة، وعيناها لا تفارقان الشاشة منذ دقائق طويلة. كانت تنتظر الرد بفارغ الصبر، فاختفاء عمر طوال الأيام الماضية دون أي تواصل جعل الشكوك تنهش عقلها بلا رحمة.
وما إن أتاها صوته أخيرًا من الطرف الآخر حتى اندفعت الكلمات من فمها بغضب مكتوم:
“انت فين بقالك كذا يوم مش بترد عليا؟”
ساد صمت قصير قبل أن يأتيها صوته مختنقًا على غير عادته:
“مافيش كنت تعبان شويه.”
لم يخفف ذلك من غضبها شيئًا، بل زاد شعورها بأن هناك أمرًا يخفيه عنها.
فقالت من بين أسنانها:
“أنت كان ليك يد في خطف بنت ابني؟”
ساد الصمت مجددًا لعدة ثوانٍ، ثوانٍ كانت كافية لتزيد ارتيابها، قبل أن يجيب أخيرًا:
“مش انا طبعًا، وهو أنا هخطف بنت ابنك ليه؟ وهو الهدف الأساسي هو أن ابعد البنت دي عن ابنك.”
عقدت حاجبيها وهي تضرب بيدها على ذراع المقعد بضيق.
“امال مين اللي عمل كده؟”
ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة لم ترها، لكنها شعرت بها من نبرة صوته وهو يقول:
“حد حبيبك أوي، وأحب ابشرك أن الأيام الجايه هتكون سواد على الكل.”
تجمدت ملامحها، وشعور ثقيل بالقلق بدأ يتسلل إلى صدرها.
ضيقت عينيها وقالت بعدم فهم:
“تقصد مين؟”
جاءها صوته أكثر غموضًا هذه المرة:
“أنا مش مطلوب مني اعرفك هو مين، بس اسهلها عليكي، حد كان في اللعبه وابنك خرجه منها.”
شعرت أن الكلمات أصابت مكانًا ما داخل رأسها، لكنها لم تستطع الإمساك بالخيط الكامل.
ظلت تفكر لثوانٍ طويلة قبل أن تقول بنفاد صبر واضح:
“ما تنطق وقول هو مين؟”
لكن عمر لم يكن ينوي منحها أي إجابات.
فقال ببرود مستفز:
“أنا لازم اقفل دلوقتي، وربنا يعينكم على اللي جاي، اه هبقى ابعتلك دعوة فرحي على رنيم قريب اوي اوعي متجيش.”
وقبل أن تتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، انقطع الاتصال.
أبعدت الهاتف عن أذنها ببطء وظلت تحدق أمامها في الفراغ.
لم تكن الكلمات التي قالها هي ما أخافها، بل الطريقة التي قالها بها.
كان هناك شيء يختبئ خلف حديثه، شيء أكبر من مجرد تهديد عابر.
شعور ثقيل بالقلق استقر داخل صدرها، تشعر بعاصفة تقترب من الجميع بخطوات بطيئة، بينما هي عاجزة عن معرفة مصدرها أو كيفية إيقافها.
**************************
عند شاهين…
خرجت رنيم من غرفتها في وقت مبكر على غير عادتها، لكن ما لفت انتباه شاهين فور أن وقعت عيناه عليها لم يكن استيقاظها المبكر، بل تلك الملامح المتجهمة التي غطت وجهها بالكامل، وكأنها استيقظت وهي تحمل فوق كتفيها هموم العالم كله.
كانت خطواتها سريعة ومتوترة، وحركاتها حادة على غير طبيعتها، حتى إنها لم تلتفت إليه أو تلقي عليه تحية الصباح التي اعتاد سماعها منها كل يوم.
راقبها وهي تتجه مباشرة نحو المطبخ، فنهض من فوق الأريكة واتبعها بعينيه قبل أن يلحق بها. توقف عند مدخل المطبخ وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول بنبرة حاول أن يجعلها مرحة:
“صباح الخير يا بابا مالك النهاردة؟”
ألقت عليه نظرة سريعة ثم أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى دون أن تجيب.. ارتفع أحد حاجبيه باستغراب.
في البداية ظن أنها مجرد حالة مزاجية عابرة أو ربما إرهاق من الأيام الماضية، لذلك اقترب منها أكثر وقال بابتسامة هادئة:
“طيب انا عملت حاجه ضايقتك؟ أو زعلانه مني في حاجه؟”
وضعت الكوب الذي كانت تمسكه فوق الرخامة بقوة جعلت الصوت يتردد داخل المطبخ، ثم قالت بغضب واضح:
“اصل ده مش وضع على فكرة، أنت عايش معايا هنا بناء على ايه؟ لو سمحت ياريت ترجع شقتك علشان خطيبي زمانه جاي.”
تجمدت الابتسامة فوق شفتيه.
ولثوانٍ كاملة ظل ينظر إليها وكأنه لم يسمع الكلمات بشكل صحيح.
ثم قال بهدوء خطير:
“قلتي ايه؟”
استدارت نحوه بالكامل ونظرت إليه بعناد وتحدٍ وهي تكرر:
“قلتلك خطيبي زمانه جاي.”
في اللحظة نفسها تبدلت ملامحه بالكامل.
اشتد فكه بعنف، وظهرت عروق رقبته بوضوح بينما كانت عيناه تضيقان تدريجيًا.
اقترب منها خطوة واحدة ثم أمسك ذراعها بقوة وقال:
“انتي هتتهبلي ولا ايه؟ خطيب مين ده إن شاءالله، طيب حد يفكر يقرب منك وانا هدفنه مكانه.”
تأوهت بألم وأغلقت عينيها للحظة قبل أن تقول بصوت مختنق:
“سيب دراعي يا شاهين، ارجوك أخرج من حياتي، أنا قلتلك قبل كده انا مش ليك ولا عمري هكون ليك، ارجوك امشي حالا.”
ازدادت قبضته حول ذراعها دون أن يشعر بنفسه.
واقترب منها أكثر وهو يخرج صوتًا غاضبًا من بين أنفاسه المحتقنة:
“انتي شكلك اتجننتي يا رنيم، اقسم بالله لو مبطلتيش كلامك الاهبل ده، لاخليكي مراتي غصب عنك، بلاش تستفزيني وترجعي تزعلي من ردت فعلي.”
تراجعت للخلف بخوف حقيقي.
لم تكن تخاف منه بقدر ما كانت تخاف من حجم الغضب الذي تراه في عينيه الآن.
كانت تعرف شاهين جيدًا، وتعرف أن غيرته عليها قادرة على تحويله إلى شخص آخر تمامًا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا دوى صوت جرس الباب داخل الشقة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، واتجهت أنظارها نحو الباب وكأنها كانت تنتظر هذا الصوت منذ البداية.
استغلت اللحظة التي تشتت فيها انتباهه قليلًا، ثم انحنت بجسدها واندفعت مسرعة من أسفل ذراعه قبل أن يتمكن من إيقافها.
ركضت نحو الباب وفتحته بسرعة.
وما إن وقعت عينا شاهين على الشخص الواقف بالخارج حتى شعر وكأن الدم اندفع إلى رأسه دفعة واحدة.
كان عمر يقف أمام الباب.
اقترب خطوة واحدة من رنيم وكأنه صاحب حق في الوقوف بجوارها.
وفي أقل من ثانية اندفع شاهين نحوه كالإعصار، وكانت عيناه تشتعلان بغضب مرعب، لكنه توقف فجأة عندما وقفت رنيم أمامه مانعة إياه من الوصول إليه.
ثم قالت بوضوح صدمه أكثر من وجود عمر نفسه:
“إياك تقرب منه، عمر خطبني وانا وافقت عليه.”
ساد الصمت. صمت ثقيل ومخيف.
اتسعت عينا شاهين ببطء، وتحولت نظراته إلى شيء أقرب إلى الجنون.
كان ينظر إليها وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه للتو.
أما عمر فوقف يراقب المشهد بصمت، بينما كانت أنفاس شاهين ترتفع وتهبط بعنف.
وفي لحظة واحدة تحولت تلك الصدمة إلى غضب هائج. واقترب من عمر و…
**************************
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!