رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الرابع والاربعون
هجم شاهين على عمر كالإعصار، وكأن كل ما تراكم داخله من غضب وخوف وغيرة انفجر دفعة واحدة. انهالت لكماته عليه بعنف أفقده القدرة حتى على الدفاع عن نفسه، بينما كان عمر يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى تحت سطوة غضب رجل مستعد لتحطيم العالم بأسره إن شعر أن أحدًا يقترب مما يخصه.
تدخلت رنيم بينهما في محاولة يائسة لإبعادهما عن بعض، وصوتها المرتجف يعلو بالصراخ والخوف، لكن قبل أن تنجح في ذلك، دوى صوت رصاصة واحدة شق الهواء كالصاعقة.
تجمدت في مكانها للحظة.
لحظة قصيرة.. لكنها كانت كافية لتحطم قلبها بالكامل.
التفتت نحو شاهين، فرأت الدماء تتدفق منه بغزارة، تلطخ ملابسه وتسقط على الأرض بصورة مرعبة.
ارتفعت عيناها ببطء نحو مصدر الرصاصة، لتجد يدًا تمتد من الظلام ممسكة بسلاح موجه نحوه.
في تلك اللحظة انخلع قلبها من مكانه.
صرخت بكل ما تملك من رعب وألم:
“شاااهين.”
انتفضت من فوق الفراش دفعة واحدة، وأنفاسها تتلاحق بعنف، وصدرها يعلو ويهبط بصورة مؤلمة، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
كان الكابوس حقيقيًا أكثر مما ينبغي.
ما زالت ترى الدماء أمام عينيها.
ما زالت تسمع صوت الرصاصة يتردد داخل رأسها.
وما زالت تشعر بذلك الرعب الذي مزق روحها عندما رأته يسقط أمامها.
في الخارج، كان شاهين قد سمع صرختها، فاندفع نحو غرفتها دون تردد. فتح الباب بسرعة واتجه إليها فورًا، وجلس بجوارها على الفراش قبل أن يجذبها إلى أحضانه.
أخذ يربت على ظهرها بحنان وهو يقول بقلق:
“مالك يا قلبي؟ كنتي بتحلمي ولا ايه؟”
تشبثت به بقوة كانت تخشى أن يختفي من بين ذراعيها في أي لحظة، وأخفت وجهها داخل صدره، بينما استمرت شهقاتها المتقطعة تهز جسدها المرتعش.
شعر بقلبها الذي يكاد يقفز من مكانه من شدة الخوف، فضمها إليه بقوة أكبر، يحاول أن يطمئنها بأن وجوده حقيقي وأنه ما زال هنا، بخير، وبين يديها.
وقال بصوته الهادئ المطمئن:
“شش، أهدي يا بابا متخافيش أنتي في حضني دلوقتي، ده كان مجرد حلم.”
رفعت وجهها قليلًا، وعيناها تغرقان بالدموع، ثم قالت بين شهقاتها المرتجفة:
“متبعدش عني يا شاهين، خليك جنبي، أحضني.”
ذاب قلبه أمام رجائها. مال وقبل خدها ببطء، ثم أخذ يمرر يده على ظهرها بحنان وهو يقول:
“أنا مستعد افضل جنبك كده العمر كله، مش عايز حاجه غير أن اضمك في حضني وافضل اسير لعيونك، اللي بعشقهم دول.”
شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تهدأ.
ابتعدت عن صدره قليلًا، لكنها ظلت تنظر إليه بتوتر واضح قبل أن تسأله:
“ه هو اللي اسمه عمر ده، راح فين من يوم اللي حصلي؟”
في اللحظة نفسها تبدلت ملامح شاهين.
اختفت الرقة وحل محلها ذلك الجمود الحذر الذي يظهر كلما ذكر اسم عمر أمامه. وقال بهدوء يخفي خلفه غضبًا واضحًا:
“انتي بتسألي عليه ليه؟”
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تقول:
“ب بسأل عادي يا شاهين، ا اصل الشغل مش عارفه وصلوا لايه؟”
اشتدت ملامحه أكثر وهو يجيب من بين أسنانه:
“أنسي انك تروحي هناك تاني يا رنيم، أنا خليت ناس تتابع المشروع ده مكانك متقلقيش.”
أومأت سريعًا محاولة إنهاء الحديث:
“م ماشي، خ خلاص انا بقيت كويسه.”
واعتدلت في جلستها ونهضت واقفه وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر واضح.
راقبها للحظات، ثم نهض من مكانه واقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة، ورفع يده ليمررها على وجنتها برفق قبل أن يسأل:
“طيب مش ناويه تقولي، شفتي ايه، فزعك كده؟”
هزت رأسها بسرعة وقالت:
“ل لا مش حابه احكي، ده كابوس مزعج.”
لم يجبرها على الحديث.
فقط مال نحوها ووضع قبلة حانية على خدها، ثم أبعد وجهه قليلًا ومرر أصابعه فوق مكان القبلة قائلًا:
“مش هضغط عليكي، هسيبك براحتك وقت ما تحبي تحكي هتلاقيني بسمعك.”
عضت شفتها السفلى بتوتر، فأطال النظر إليها للحظة، ثم مد يده وحررها من بين أسنانها بحركة تلقائية اعتادها منها.
مال برأسه ووضع قبلة سريعة فوق شفتيها وهو يقول:
“دول بتوعي أنا مش مسموح ليكي تجرحيهم فاهمه.”
احمر وجهها فورًا، وضربته بخفة على صدره قائلة بخجل:
“شاهين اتلم انت كده بتكسفني.”
انفجر ضاحكًا، وكانت ضحكاته الرجولية الدافئة كفيلة بأن تجعل قلبها يخفق بعنف من جديد.
ثم غمز لها بمشاكسة وقال:
“أنا هروح احضر الفطار واتنين شاي، بدل ما أعمل حاجه يرفضها المجتمع وانا هموت عليها.”
اتسعت عيناها بخجل أكبر بينما كان يضحك على ارتباكها، ثم استدار وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه.
بمجرد أن اختفى، رفعت يدها إلى شعرها تمرره بتوتر شديد وهمست لنفسها:
“أيه اللي جاب عمر في احلامي، ولا كمان خطيبي، وأيد مين دي اللي كانت ماسكه المسدس ده، يا لهوي أنا هتجنن، ده لو شاهين عرف أنا حلمت بأيه، كان عمل مني شاورما.”
ثم اتجهت إلى المرحاض، وبعد قليل خرجت منه وقد بدلت ملابسها.
اتجهت إلى الخارج فوجدت شاهين قد سبقها كعادته، حضر الطعام ورتبه على الطاولة، وجلس في انتظارها وكأن تلك المهمة هي أهم ما يشغله في الدنيا.
تقدمت نحوه وجلست على المقعد، ثم أعادت خصلات شعرها إلى الخلف وقالت:
“ت تسلم ايدك.”
ابتسم لها بعشق واضح وقال:
“بألف هنا يا روحي، عقبال ما أكلك بأيديا وانتي مراتي.”
اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، وأشاحت وجهها بعيدًا وهي تتمتم:
“ش شاهين، ب بطل طريقتك دي.”
فرد فورًا بمشاكسة:
“مش لما تبطلي انتي تقولي شاهين بطريقتك دي.”
وضعت يدها على وجهها وهي تهمس بخجل:
“والله كتير عليا اللي انت بتعمله فيا ده.”
تعالت ضحكاته مرة أخرى قبل أن يقول:
“خلاص خلاص، كلي يلا.”
بدأت تتناول طعامها بهدوء، بينما كان هو يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، يحاول إشباع ذلك الشوق الذي لا ينتهي دون أن يحرجها.
وفجأة.. دوى جرس الباب.
رفعت رنيم رأسها باستغراب، بينما نهض شاهين متجهًا إلى الباب.
ما إن فتحه حتى اندفعت ميا نحوه كالسهم، وألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تقول بسعادة:
“بابي وحشتني اووي، ورنيم وحشتني اوي اوي.”
اتسعت ابتسامته وهو يضمها بحنان ويقبلها قائلًا:
“وانتي وحشتيني اوي يا روح قلب بابي، تعالي ادخلي.”
دخلت الصغيرة بسرعة، وما إن رأت رنيم حتى ركضت إليها وارتمت في أحضانها قائلة:
“وحشتيني اوي يا رنيم.”
احتضنتها رنيم بحب وهي ترد:
“انتي اكتر يا قلب رنيم.”
جلست ميا بجوارها، بينما عاد شاهين إلى مقعده ونظر إلى ابنته متسائلًا:
“مبسوطه يا ميا هنا في مصر؟”
أومأت بحماس وقالت:
“مبسوطة اوي يا بابي، بس يعني.”
رفع حاجبيه باستغراب:
“بس ايه يا حبيبتي؟”
عبست الصغيرة قليلًا وقالت:
“بس تيته مريم يعني، بخاف منها، بحس انها ست شريرة.”
كادت الضحكة تفلت من رنيم، لكنها أخفتها بسرعة.
أما شاهين فقال بلوم:
“بس عيب كده يا ميا، تيته مريم تبقى مامت بابي، واللي انتي قلتي ده يزعلني.”
زفرت الصغيرة بضيق وقالت:
“سوري يا بابي، بس بجد انا مش برتاح ليها، بخاف من نظراتها، وطريقة كلامها حتى ضحكتها تخوف.”
هذه المرة لم تستطع رنيم منع نفسها تمامًا، فقالت وهي تكتم ضحكتها:
“خلاص بقى يا شاهين، سيب البنت تقول اللي حاسه بي، والصراحه يعني عندها حق.”
رفع إحدى حاجبيه محذرًا:
“بلاش انتي احسنلك، وانا على تكه وعندي مواضيع كتير اوي هموت واقلها ليكي.”
سعلت بتوتر وأشاحت بنظرها سريعًا إلى أي شيء آخر بعيدًا عنه.
راقب ارتباكها بابتسامة خفية، ثم التفت إلى ميا وقال:
“قفلي يا حبيبتي على الموضوع ده، وكلي يلا اكيد لسه مفطرتيش.”
أومأت الصغيرة بحماس:
“أنا جعانه اوي.”
وبدأت تتناول الطعام، بينما جلس شاهين يتأملهما معًا بنظرات ممتلئة بالحنان والسعادة، وكأن وجودهما حوله بهذه الصورة البسيطة كان كافيًا ليمنحه السلام الذي ظل يبحث عنه طويلًا.
**************************
عند غريب…
هبط غريب درجات السلم بخطوات هادئة وثابتة، قبل أن تقع عيناه على الضيف الجالس إلى جوار تامر في الصالة. توقف لثوانٍ يراقبه بنظرة فاحصة تحمل الكثير من الحذر، ثم أكمل طريقه نحوهما. مد يده يصافح أحمد مصافحة مقتضبة، قبل أن يجلس على المقعد المقابل واضعًا إحدى ساقيه فوق الأخرى، بينما بقيت عيناه معلقتين به وكأنه يحاول قراءة ما يدور خلف ملامحه.
سارع تامر بالكلام حتى يقطع ذلك الصمت الثقيل:
“ده احمد جاي معايا علشان عربيتي عطلانة وهو وصلني، وانا طلبت منه يدخل معايا.”
حول غريب نظره إلى أحمد مرة أخرى، ولم يبدو عليه الاقتناع التام بما قيل، لكنه قال بنبرة هادئة:
“اه طبعا اهلا وسهلا بي.”
ابتسم أحمد ابتسامة رجولية محترمة وقال:
“اهلا بحضرتك يا غريب باشا.”
تكلم تامر سريعًا وهو ينظر حوله:
“امال فين الباقي؟ جواد وترنيم وأروى؟”
أشار غريب بإصبعه نحو الطابق العلوي مجيبًا:
“فوق كل واحد منهم في اوضه.”
تبادل تامر وأحمد نظرة سريعة امتزج فيها التوتر بالترقب، قبل أن يقول تامر:
“طيب ما تخليهم ينزلوا يقعدوا معانا وبالمرة اطمن على حبيبت خالها.”
أومأ غريب برأسه وقال بهدوء مقصود:
“اطلع ليهم وسيب استاذ احمد معايا عايز اتكلم معاه كلمتين.”
نظر إليه تامر بعدم فهم، ثم التفت إلى أحمد الذي أومأ له مطمئنًا، فنهض وصعد إلى الأعلى تاركًا إياهما بمفردهما.
ساد الصمت للحظات، ثم مال غريب قليلًا للأمام وقال بنبرة رجولية هادئة لكنها مباشرة:
“انت عايز ايه من بنتي؟”
اعتدل أحمد في جلسته، ذلك السؤال كان ينتظره منذ دخوله البيت، ثم قال بثبات:
“بحبها وعايز اكمل حياتي معاها على سنة الله ورسوله.”
أنزل غريب قدمه إلى الأرض، وانحنى بجسده قليلًا مستندًا إلى ركبتيه وهو يحدق فيه بتمعن:
“مش شايف انها لسه صغيرة، والفرق ما بينكم كبير اوي؟”
أومأ أحمد برأسه وقال بهدوء صادق:
“عارف بس انا حبيتها بجد، وهي كمان حبتني، ويشهد عليا ربنا اني عمري ما فكرت اقرب منها ولا ألمسها كانت علاقتنا انقى علاقة كنت بحافظ عليها لحد ما تبقى في بيتي بالحلال.”
ظل غريب ينظر إليه طويلًا، يبحث عن أي كذبة مختبئة بين كلماته، قبل أن يقول بصوت اختنق قليلًا:
“ولسه عايزها، بعد اللي حص…”
لكن أحمد قاطعه بسرعة، خشى حتى أن تستكمل الجملة:
“ايوه عايزها طبعا، اللي حصلها ده كان مجرد حادثه وقدر من ربنا، وانا بحب أروى، علشان شخصيتها وادبها وكل حاجه حلوه فيها، مش علشان مجرد حاجه خسرتها في حادثه ملهاش يد فيها.”
عاد غريب ليستند إلى ظهر المقعد، بينما راقب وجهه بصمت قبل أن يقول:
“هتتعب معاها لحد ما تتعالج وتكون طبيعيه زي الاول.”
ابتسم أحمد ابتسامة دافئة وقال دون تردد:
“مش فارق معايا المهم انها تبقى بتاعتي وفي بيتي.”
ضاقت عينا غريب قليلًا وهو يرد بتحذير واضح:
“بس لو فكرت تيجي عليها في يوم ولا تستخدم اللي حصلها ده ضدها مش هرحمك.”
هز أحمد رأسه وقال بصدق:
“أنا هحسن معاملتي ليها مش خوف منك، أنا هعمل كده علشان بحبها، ووجودها جنبي أجمل حلم هحققه.”
بقي غريب صامتًا لعدة لحظات، يزن كل كلمة سمعها، ثم تنفس بعمق وقال أخيرًا:
“أنا هوافق على خطوبه دلوقتي بس، لحد ما بنتي تتعالج وتخلص تعليمها، وأكون اتأكد منك كويس وبعدها نحدد الفرح.”
اتسعت ابتسامة أحمد حتى أضاءت ملامحه كلها وقال بسعادة واضحة:
“وانا معنديش مشكله استناها العمر كله، أنا كده كده كنت ناوي اتقدم ليها واخلي الفرح بعد ما تخلص علشان الجواز ميشغلهاش عن مستقبلها.”
ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر غريب بشيء من الارتياح تجاه ذلك الشاب.
لكن ذلك الهدوء لم يدم أكثر من ثوانٍ.
فجأة دوى صوت أروى الغاضب في أرجاء المكان، فالتفت الجميع نحوها.
كانت واقفة عند مدخل الصالة، وعيناها ممتلئتان بالدموع، بينما بدا الغضب والألم ممزوجين على وجهها.
اقتربت بخطوات متوترة وقالت:
“مين قال اني موافقه عليك؟ أنا مش عايزاك ولا عايزة اي راجل يدخل حياتي.”
نهض غريب من مكانه محاولًا تهدئتها وقال بلطف:
“اهدي يا حبيبتي بس، الراجل مش مستعجل على الجواز، هو هيعمل خطوبه بس.”
وفي تلك اللحظة، نزلت ترنيم وجواد مسرعين على وقع صراخها.
اقتربت ترنيم منها بقلق وقالت:
“فيه ايه يا حبيبتي مالك؟”
التفتت إليها أروى، وانفجرت صائحة وسط دموعها:
“مش عايزاه، مش عايز اتجوز مش عايزة شفقه من حد، اطلع بره يا احمد.”
تدخل تامر بهدوء محاولًا احتواء الموقف:
“يا أروى اهدي شويه، انتي عارفه احمد بيحبك قد ايه.”
لكنها صرخت بعناد وألم:
“وانا بكرهه، مش موافقه مش عايزه اتجوز سيبوني في حالي بقى.”
اقترب جواد منها فورًا، واحتضنها بحماية واضحة قبل أن يقول بغضب مكتوم:
“ما تسيبوها براحتها، هي مش عايزاه، الجواز مش بالعافيه.”
رمقه غريب بنظرة غاضبة، ثم عاد يلتفت إلى ابنته وقال بهدوء:
“يا حبيبتي دي مجرد خطوبه، ولو معجبكيش يبقى خلاص كل واحد يروح لحاله.”
لكن أروى هزت رأسها بعنف وهي تبكي:
“مش عايزاه، يطلع بره مش عايزه اشوفه.”
ساد الصمت للحظات قبل أن يتحدث أحمد أخيرًا بصوت هادئ:
“ممكن اقعد معاها شويه على انفراد؟”
نظر غريب إليه، ثم إلى ابنته، قبل أن يومئ بالموافقة.
غادر الجميع الصالة، تاركين أروى وأحمد وحدهما.
وقفت أروى بعيدًا عنه، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالرفض والانكسار، ثم قالت من بين شهقاتها:
“متحاولش أنا مش عايزاك، روح اشفق على حد غيري، إنما أنا لا يا احمد.”
اقترب خطوة واحدة فقط، لكنها تراجعت فورًا إلى الخلف وكأنها تهرب من خطر يطاردها. وقالت بدموع:
“متقربش مني فاهم.”
توقف مكانه مباشرة، ورفع يده قليلًا في إشارة مطمئنة وقال:
“أنا اهو مش هتحرك من مكاني، بس ممكن تسمعيني؟”
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي:
“لا مش ممكن، امشي بقى من هنا.”
تنهد أحمد وتحدث بطريقته الهادئة المعتادة:
“طيب هنفذلك اللي انتي عايزاه، بس اقول الكلمتين اللي عندي الاول، ماشي؟”
أشاحت بوجهها بعيدًا ولم ترد.
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
“انتي رافضه الجواز مني ليه؟ مش ده كان اتفقنا من الاول؟ وكنتي مستعجله على اليوم ده؟ ايه حصل دلوقتي خلاكي رافضه بالشكل ده؟”
التفتت إليه أخيرًا، وكانت عيناها تغرقان بالدموع:
“الأول، لكن دلوقتي لا، أنا منفعكش ولا أنفع حد غيرك.”
ابتسم بحب موجوع وقال:
“مين قالك متنفعنيش يا أروى، انتي متنفعيش حد غيري، انتي بتاعتي من اللحظة الأولى اللي شفتك فيها، أنا مقدرش استغنى عن جنانك وطريقتك اللي عشقتها فيكي.”
لكنها ظلت تهز رأسها رافضة:
“مافيش راجل هيرضى بواحده حصل فيها كدا، الا لو كان شفقه يا احمد، وانا عمري ما هقبل حد يشفق عليا، مهما كان مين.”
نظر إليها بعشق صادق وقال:
“بس دي مش شفقه، ده حب قوي بيتحدى أي ظروف، مشاعر مافيش حاجه تأثر فيها مهما حصل، قلبين اتخلقوا يحبوا بعض رغم كل الظروف ورغم كل التعقيدات، احنا من الاول حبنا لبعض كانت فكرة مجنونه علشان فرق السن وفرق التفكير اللي ما بينا، بس جنان لذيذ ومختلف، شخصين بيكملوا بعض، بطريقه غريبه، محصلتش قبل كده، علشان كده بقلك احنا اتخلقنا لبعض يا أروى ومستحيل نسمح لأي ظروف تبعدنا عن بعض.”
انهارت دموعها أكثر وقالت بصوت مكسور:
“مش هتقدر تنسى أن فيه غيرك لمسني قبل منك يا احمد.”
رد عليها بهدوء لم يهتز رغم الوجع الذي مر بعينيه:
“والست المطلقه لما بتتجوز راجل تاني، مش الراجل ده بيبقى عارف انها اتلمست قبل منه، ورغم كده اتجوزها وكمل حياته معاها، احنا برضه نفس الفكرة يا أروى، أنا بحبك، واللي حصل ده ميشغلنيش دي حادثه واي بنت زيك معرضه أن ده يحصلها.”
وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء:
“بس انا كانوا اربعه يا احمد.”
أغمض عينيه للحظة وكانت الكلمة طعنه في صدره، لكنه اقترب ببطء حتى وقف أمامها وقال بصوت عاشق هامس:
“الفكره واحده يا قلبي، واحد زي اربعه، أنسي علشان خاطري ووافقي على الخطوبة وأيدي في ايدك هنعدي المحنه دي سوا.”
أنهى كلامه ومد يده ممسكًا بكفها ليبعده عن وجهها.
لكن ما إن لامسها حتى انتفض جسدها بعنف، واتسعت عيناها بالرعب، وتراجعت للخلف وهي تصرخ:
“ابعد عني متلمسنيش، خليك عندك متقربش مني.”
تجمد أحمد مكانه فورًا وقال بقلق حقيقي:
“خلاص والله مش هقرب منك بس اهدي علشان خاطري.”
لكنها لم تكن تسمعه.
كانت ترتجف بعنف، وعيناها ممتلئتان بالخوف، قبل أن تصرخ بصوت مرتعش:
“يا بابي! الحقني يا بابي.”
وفي أقل من لحظة كان غريب يندفع إلى الداخل.
احتضن ابنته بقوة بين ذراعيه، كان يريد حمايتها من العالم كله، ثم رفع عينيه إلى أحمد وسأله بغضب:
“هو ايه اللي حصل؟”
أجاب أحمد بحزن واضح:
“محصلش حاجه كنا بنتكلم وعيطت مسكت ايديها علشان أهديها عملت كده.”
تمسكت أروى بوالدها أكثر، وظلت ترتعش داخل حضنه كطفلة مذعورة.
انقبض قلب غريب وهو يراها بهذه الحالة، فانحنى وحملها بين ذراعيه ثم اتجه بها نحو الدرج وهو يقول:
“نبقى نتكلم مع بعض بعدين.”
ثم التفت بصوت اختنق بالألم:
“ترنيم هاتي الحقنه المهدأه وتعالي على اوضتها.”
تحركت ترنيم فورًا، وأحضرت الحقنة ثم صعدت إلى الأعلى مسرعة.
أما في الأسفل، فظل أحمد واقفًا مكانه، يشعر وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه.
ربت تامر على كتفه وقال بصوت مثقل بالوجع:
“اجمد يا أحمد انت لسه في أول المشوار، وطريق علاجها طويل.”
أومأ أحمد برأسه وقال بصوت خافت:
“أنا مستعد اتحملها العمر كله يا تامر، بس تتقبل فكرة وجودي في حياتها بعد اللي حصل ليها ده.”
تنهد تامر بوجع وقال:
“هتتقبلها إن شاءالله، لانك انت علاجها يا احمد.”
رفع أحمد عينيه نحو الدرج الذي اختفت خلفه أروى، وظل ينظر إليه بحزن وعجز، بينما كان قلبه يردد وعدًا صامتًا بأنه لن يتركها مهما طال الطريق أو اشتدت قسوته.
أما جواد، فكان يراقب المشهد كله بصمت متجهم، قبل أن يدير ظهره ويغادر المكان سريعًا.
****************************
عند جواهر…
استيقظت جواهر على صوت والدتها يناديها برفق. فتحت عينيها ببطء، وكانت جفونها مثقلة من كثرة البكاء، بينما بدت آثار السهر والحزن واضحة على ملامحها الشاحبة. التفتت نحو والدتها وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا تحمل من الفرح شيئًا، ثم قالت بصوت خافت:
“صباح الخير يا ماما.”
اقتربت سمية منها وجلست إلى جوارها على السرير، تتأمل وجه ابنتها الذي لم يعد يشبه وجهها المشرق المعتاد، ثم قالت بحنان:
“صباح النور يا حبيبتي.”
اعتدلت جواهر في جلستها وهي تشعر بانقباض غريب في قلبها، وسألت بصوت مختنق:
“خير يا ماما فيه حاجه ولا ايه؟”
مدت سمية يدها وأمسكت بكف ابنتها بين يديها بحنان أم تخشى على فلذة كبدها، ثم نظرت إليها طويلًا قبل أن تقول بقلق:
“هو انتي وجواد زعلانين من بعض ولا ايه؟”
تجمدت ملامح جواهر للحظة.
مجرد سماع اسمه كان كافيًا ليوقظ كل الوجع النائم داخل صدرها. ذلك الوجع الذي كانت تحاول دفنه منذ أيام، لكنه كان يعود أقوى كلما تذكرت وجهه أو صوته أو حتى ذكرياتها معه.
ابتلعت غصتها بصعوبة وقالت:
“بتسألي ليه يا ماما؟”
تنهدت سمية بحزن وهي تربت على يدها قائلة:
“علشان بقيت شيفاكي حزينه على طول، الضحكه غابت عنك يا قلب امك، حتى هو مبقاش يجي ليكي زي الاول، ولا انتي بقيتي تروحي عنده زي ما متعوده، قوليلي يا بنتي حصل ايه ما بينكم يمكن نقدر نلحق حاجه من علاقتكم دي.”
أطرقت جواهر رأسها للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة أشبه بالبكاء أكثر منها بالابتسام، وقالت:
“مافيش حاجه هترجع زي الاول يا ماما خلاص، جواد اختار طريقه وانا كمان بحاول اتعافى علشان اقدر اخد طريقي زيه.”
وما إن خرجت الكلمات من فمها حتى خانتها دموعها، فانسابت فوق وجنتيها بصمت مؤلم.
رفعت عينيها الممتلئتين بالخذلان وأكملت بصوت مرتجف:
“جواد اللي انا حبيته مبقاش موجود خلاص، اللي موجود دلوقتي ده واحد معرفهوش، شخصيه تانيه بكرهها، مستحيل اكمل حياتي مع حد بالشكل ده يا ماما.”
اتسعت عينا سمية بصدمة حقيقية، لم تتخيل يومًا أن تسمع مثل هذه الكلمات من ابنتها التي عاشت عمرها كله لا ترى رجلًا في الدنيا سوى جواد.
قالت بعدم تصديق:
“انتي بتقولي ايه يا جواهر، ربنا ما يكتبها عليكم، انتي مراته دلوقتي، يعني عيشتوا عمركم كله بتحبوا بعض والكل كان عارف بعلاقتكم ومرحب بيها، وبعد ما اتجوزتوا تقولي الكلام ده؟”
هزت جواهر رأسها ببطء، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، وقالت بصوت تقطعه الحسرة:
“ايوه بقول الكلام ده بعد ما اتجوزنا، لأن هو مظهرش على حقيقته غير بعد الجواز، شفته شخص تاني غير اللي عرفته وحبيته، شخص لسانه طويل وأيده اطول، وبياع بشكل يوجع القلب، انا مصدومه فيه، لدرجة نفسي اللي حصل ده يكون مجرد كابوس واصحى من نومي الاقينا لسه الاتنين عصافير الحب اللي مشاعرهم كانت بتحركهم وتخليهم يعملوا كل حاجه مجنونه في الدنيا.”
توقفت لحظة، وكانت الذكريات تهاجمها دفعة واحدة.
ذكريات طفلة صغيرة كانت تركض إليه كلما خافت، وتختبئ خلف ظهره كلما ضايقها أحد، مؤمنة أنه حصنها الذي لا يسقط. اختنق صوتها أكثر وهي تكمل:
“عايزه ارجع للبنت ام ضفرتين اللي كانت أول حضن تجري عليه هو حضن جواد، كانت بتتحامى فيه وكأنه هو العالم الآمن بتاعها، أنا مش عايزة جواد بتاع دلوقتي، أنا عايزة جواد بتاع زمان اللي حبني وحبيته.”
ومع آخر كلمة انهار كل ما كانت تحاول التماسك به.
ارتمت داخل أحضان والدتها كطفلة صغيرة أرهقها البكاء، وتمسكت بها بقوة تبحث عن الأمان الذي فقدته، بينما خرجت شهقاتها موجوعة وحارقة، تحمل سنوات من الحب وخيبة الأمل والاشتياق.
ضمتها سمية إلى صدرها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها بحنان أم لا تملك إلا احتواء ألم ابنتها.
أما عيناها فقد امتلأتا بالغضب والحزن معًا.
كانت تستمع إلى بكاء ابنتها وتشعر أن قلبها يتمزق معها قطعة بعد أخرى.
رفعت رأسها ونظرت أمامها بشرود، بينما بدأ الغضب يتسلل إلى قلبها تجاه جواد، متوعدة له بصمت على كل دمعة رأتها تنزل من عيني ابنتها، وعلى كل وجع تركه داخل قلبها الذي لم يعرف يومًا أن يحب سواه.
*****************************
ما إن انتهت ترنيم من إعطاء أروى المهدئ، وظلت تراقبها حتى اطمأنت إلى انتظام أنفاسها واستسلامها للنوم، رفعت عينيها نحو غريب الجالس بجوار ابنته. كانت تشعر بضيق شديد يعتصر صدرها، ضيق تراكم من أيام طويلة من الخلافات والكلمات الجارحة والصمت القاسي بينهما.
نهضت من مكانها دون أن تنطق بحرف، ثم خرجت من الغرفة بخطوات سريعة واتجهت إلى غرفتها.
تابعها غريب بعينيه للحظات، ثم زفر بضيق وهو يدرك جيدًا سبب غضبها، لكنه لم يحاول إيقافها.
مال برأسه وقبل مقدمة رأس ابنته بحنان أب يخشى عليها من نسمة هواء، ثم نهض بهدوء وخرج من الغرفة. سار في الممر بخطوات ثقيلة حتى وصل إلى غرفته، وما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه. وقعت عيناه عليها فورًا.
كانت تجلس فوق الأريكة في زاوية الغرفة، وجهها متجهم وعيناها ممتلئتان بالعتاب الصامت. تجاهل نظراتها واتجه نحو خزانة ملابسه، أخرج منها بعض الملابس وبدأ يبدل ثيابه وكأن وجودها من الأساس لا يعنيه.
أما هي فكانت تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء حتى لا تنظر إليه، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليجعل أعصابها مشدودة.
بعد أن انتهى من تبديل ملابسه وقف أمام المرآة يمشط شعره في هدوء، ثم قال فجأة، يخبرها بقرار نهائي لا يقبل النقاش:
“اعملي حسابك أننا اخر الشهر ده هنروح تركيا وهنعيش هناك على طول.”
تجمدت مكانها لثوانٍ، ثم رفعت رأسها إليه بصدمة واضحة وقالت بغضب:
“ومين سمح ليك تاخد قرار زي ده لوحدك.”
استدار إليها ببطء، ونظر لها بعينين امتلأتا بالحزم قبل أن يقول:
“أنا هنا اللي اقرر وكلمتي اللي تمشي فاهمه.”
استقامت واقفة في لحظة واحدة، كلماته أشعلت نارًا داخلها، ثم اقتربت منه وقالت بغضب:
“لا مش فاهمه يا غريب، لأن قرارك ده هيخسرنا حاجات كتير، أنا العيادة بتاعتي هنا، بنتك دراستها هنا ابنك شغله ومراته وحياته كلها هنا، وانت كمان شركتك هنا، أنا مش هعيش غير في مصر يا غريب.”
ظل ينظر إليها بهدوء مستفز، ثم قال:
“اقدر افتحلك بدل العيادة عشره في تركيا، وبنتك الافضل ليها أنها تكمل تعليمها وتعيش حياتها هناك بعيد عن ذكرياتها هنا اللي كل ما هتفتكرها هتتوجع، وابنك شغال في شركتي وانا كده كده ليا فرع هناك يعني هيمسك شغله عادي في تركيا ومراته هتيجي تعيش معاه عادي، وانا من الأفضل ليا اعيش في بلدي بأمان.”
اشتعل الغضب أكثر داخلها، وشعرت بأنه يقرر مصير الجميع وحده دون أن يستمع إلى أحد، فقالت بتحدي واضح:
“براحتك عايز ترجع بلدك أنت حر، إنما أنا وعيالي مش هنتحرك من هنا يا غريب.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه، ثم قال:
“انتوا هترجعوا معايا تركيا رجلكم فوق رقابتكم يا ترنيم، انتهى الكلام.”
أنهى حديثه وتحرك نحو الباب، وأغلق باب النقاش نهائيًا.
لكن ترنيم لم تحتمل. ركضت خلفه سريعًا، وأمسكت ذراعه بقوة وهي تصرخ من شدة القهر الذي يملأ قلبها:
“طلقني يا غريب!”
في لحظة واحدة تبدلت ملامحه بالكامل.
تحولت عيناه إلى لون أحمر قاتم من شدة الغضب، وتجمدت ملامحه بصورة أخافت ترنيم نفسها.
قبض على ذراعها بقوة جعلتها تتألم، بينما عادت إليه ذكريات دفنها منذ سنوات.
كم مرة سمع هذه الكلمة منها قديمًا؟
كم مرة طلبت الرحيل عنه لتبقى مع سلطان؟
كم ليلة عاشها وهو يحارب فكرة خسارتها؟
كم مرة شعر أنه على وشك فقدانها للأبد؟
كل ذلك عاد دفعة واحدة ليشعل بداخله وحشًا حاول طويلًا أن يدفنه.
اقترب منها قليلًا وتكلم من بين أسنانه بنبرة جعلت الرعب يتسلل إلى قلبها:
“أنا كام مره قلتلك الكلمه دي متنطقهاش على لسانك، فاكرة زمان قلتلك ايه؟ اليوم اللي تفكري تبعدي فيه عني، هقتلك يا ترنيم، ولو عايزة غريب ضرغام بتاع زمان يرجع تاني دلوقتي، فكري تقولي الكلمه تاني.”
ارتعش جسدها بالكامل.
لم تكن خائفة منه فقط، بل كانت خائفة من ذلك الألم الذي يسكنه ويخرجه دائمًا بهذه الصورة القاسية.
ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، نظراته تحمل غضبًا ووجعًا وخوفًا من الفقد أكثر مما تحمل كراهية.
ثم دفعها بعيدًا بعنف.
سقطت على الأرض بقوة، بينما غادر هو الغرفة سريعًا وصفق الباب خلفه بعصبية شديدة.
ساد الصمت بعدها. صمت ثقيل ومؤلم.
أغلقت ترنيم عينيها وهي تشعر بألم السقطة وألم قلبها معًا، ثم انهمرت دموعها بغزارة فوق وجنتيها.
كانت تحبه.. تحبه أكثر مما ينبغي.
لكن كلما اقتربت منه أكثر، شعرت أن المسافة بين قلبيهما تزداد.
كانت تشتاق إلى غريب الذي أحبته، الرجل الذي كان يحتويها قبل أن يحاكمها، ويخاف عليها قبل أن يغضب منها.
أما الآن، فكل ما تراه أمامها رجل يطارد أشباح الماضي، ويعاقبها على أخطاء انتهى عمرها منذ سنوات.
ضمت ركبتيها إلى صدرها واستسلمت لبكائها بصمت.
****************************
بالمساء…
عاد شاهين إلى المنزل بعد يوم طويل أثقل كاهله بالتفكير والضغوط. صعد إلى الطابق الذي توجد فيه شقته بخطوات ثابتة، ثم أخرج المفتاح وفتح الباب ودلف إلى الداخل.
وما إن دخل حتى وجدها أمامه مباشرة.
كانت مريم تجلس على مقعدها المتحرك في منتصف الصالة كانت تنتظره منذ ساعات، تراقب الباب في ترقب حتى يعود.
ما إن وقعت عيناه عليها حتى أغلق عينيه للحظة بضيق واضح، وكأنه استقبل مصدر صداعه قبل أن يستريح حتى. ثم قال ببرود:
“اهلا منورة.”
دفعت مريم مقعدها نحوه عدة خطوات، وحدقت فيه بغضب قبل أن تقول:
“انت فيه أيه؟ شكلك نسيت أن انا ابقى امك؟”
أطلق زفرة طويلة مثقلة بالاختناق، ثم قال بصوت يحمل من المرارة أكثر مما يحمل من الغضب:
“للاسف دي الحقيقه الوحيده اللي مقدرش أنكرها، انك امي.”
ارتفع أحد حاجبيها بسخرية لاذعة، وقالت بتهكم:
“وللاسف ليه يا روح امك؟ علشان الهانم مش عجبها الحقيقه، البنت اللي بعتني علشانها، رميت كل حاجه وراك علشانها.”
اشتدت ملامح شاهين قسوة في تلك اللحظة.
فكلما حاول أن يمنح والدته فرصة جديدة، كانت تصر على إثبات أنها لا ترى في رنيم سوى عقبة يجب التخلص منها.
اقترب منها قليلًا، ثم مال بجسده مستندًا على ذراع المقعد المتحرك، ونظر مباشرة داخل عينيها قبل أن يقول بنبرة مختنقة بالغضب:
“دي اللي غسلت السواد اللي انتي طبعتي في قلبي، انسانه سالكه طيبه قلبها ابيض، مش شبهك، كل حاجه مصلحه وبس حتى حبك ليا، مصلحه، شيلي رنيم من دماغك يا مريم، علشان انا ممكن اقطع اخر خيط ما بيني أنا وانتي، وبأيدي أرميكي في السجن.”
خرجت الكلمات حادة وقاسية، لكنها كانت صادقة تمامًا.
لأول مرة في حياته لم يعد يخشى خسارة أي شيء مقابل حماية رنيم.
حتى لو كان ذلك الشيء هو أمه نفسها.
اعتدل واقفًا مرة أخرى دون أن ينتظر ردًا منها، ثم استدار واتجه نحو باب الشقة.
فتح الباب بعصبية، وخرج منه، ثم دفعه خلفه بقوة اهتز لها المكان كله.
ساد الصمت للحظات. صمت بارد ومخيف.
ظلت مريم تحدق في الباب المغلق أمامها، بينما اختفت ابتسامتها للحظة قبل أن تعود مجددًا بصورة أكثر خبثًا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة شريرة وهي تتمتم بصوت خافت:
“كان غيرك اشطر يا ابن بطني.”
ثم أبطأت حركة رأسها تدريجيًا حتى استقرت عيناها على باب غرفة شاهين.
نظرة طويلة، غامضة.. ومليئة بالمعاني التي لا تبشر بأي خير.
بينما كانت ابتسامتها تتسع شيئًا فشيئًا، كانت تخطط لشيء ما في الخفاء، شيء تعتقد أنه قادر على قلب كل الموازين التي يحاول شاهين فرضها عليها.
*************************
تحرك شاهين نحو شقة رنيم بخطوات سريعة وملامحه متجهمة على غير عادته. كان ما زال يحمل داخله بقايا غضبه من حديثه مع والدته، لكن مجرد التفكير في رؤية رنيم كان كفيلًا بأن يخفف شيئًا من ذلك الاحتقان.
فتح الباب ودلف إلى الداخل، لكن ما إن خطا أولى خطواته حتى انتابه شعور غريب. كان المكان غارقًا في الظلام، يلفه سكون ثقيل ومريب لا يشبه الأجواء المعتادة في وجودها.
أغلق الباب خلفه وضغط على مفتاح الإنارة، ثم ألقى نظرة سريعة حوله باحثًا عنها بعينيه، لكنه لم يجد لها أثرًا.
انعقد حاجباه باستغراب.
تحرك مباشرة نحو غرفتها، ومد يده إلى مقبض الباب محاولًا فتحه، لكنه فوجئ بأنه مغلق من الداخل.
ازداد استغرابه أكثر، فطرق الباب وقال:
“رنيم انتي قافله الباب عليكي ليه؟”
في الداخل، ارتجف قلبها بعنف.
كانت تقف في مكانها والدموع تغرق وجهها، بينما السكين تستقر عند عنقها، وحافة نصلها الباردة تلامس جلدها بصورة مرعبة.
حاولت جاهدًة أن تجعل صوتها طبيعيًا وهي تجيب بتلعثم واضح:
“ها ا اصل كنت باخد شاور و وهنام.”
وصل الارتباك إلى شاهين فورًا.
كانت نبرتها مختلفة، مهزوزة بطريقة لم يعهدها منها من قبل، لذلك قال بسرعة:
“طيب افتحي الباب عايزك.”
شعرت رنيم بأنفاسها تختنق داخل صدرها.
نظرت إلى السكين ثم إلى زين الذي يراقبها بعينين مليئتين بالحقد، قبل أن ترد بصوت مرتعش:
“ل لا مش هينفع، ا اصل لابسه هدوم مينفعش تشفني بيها.”
طرق الباب مرة أخرى وقد بدأ نفاد صبره يظهر بوضوح:
“البسي حاجه وافتحي الباب يا رنيم.”
ساد الصمت لثوانٍ طويلة بدت لها وكأنها دهر كامل، ثم قالت بصوت يحمل رجاءً حقيقيًا:
“علشان خاطري سيبني أنام يا شاهين.”
ظل شاهين واقفًا أمام الباب يحدق فيه بعدم ارتياح.. كان هناك شيء خاطئ.
شيء لم يستطع تحديده، لكنه شعر به بوضوح.
أما داخل الغرفة…
فكانت رنيم على وشك الانهيار.
رفعت عينيها المبللتين بالدموع نحو زين، بينما بقيت السكين موجهة إلى عنقها، وقالت برجاء يائس:
“امشي بقى ارجوك أنا متأكده شاهين مش هيسكت وهيحاول يفتح الباب بأي طريقه لانه هيشك أن فيه حاجه من صوتي.”
ضاقت عيناه بخبث، ثم ضغط بالسكين على عنقها بقوة أكبر، حتى انشق الجلد تحت حدها الحاد وبدأت خيوط الدم تنساب ببطء.
شهقت رنيم بألم، بينما قال ببرود مخيف:
“لو مسمعتيش الكلام اللي قلتلك عليه، هحرق قلبك عليه يا رنيم.”
ثم اقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه القاسية تلامس وجهها، وهمس بصوت جعل الرعب يتسلل إلى أعماقها:
“أنا وصلت لبنته وليه بكل سهولة ولولا وصول اللي اسمه جواد ده كان زماني مخلص عليهم، بس سهله لو منفذتيش اللي قلتلك عليه بالحرف هقتله قدام عيونك وهحرق قلبك عليه، وحسك عينك يعرف اني كنت هنا، فاهمه؟”
أغمضت رنيم عينيها بقوة وهي تشعر بوخز السكين في عنقها.
لم يكن خوفها على نفسها.. بل على شاهين.
فكرة أن يمسه أذى بسببه كانت كفيلة بتحطيمها بالكامل.
لذلك أومأت برأسها وسط دموعها وقالت بصوت مخنوق:
“فاهمه يا زين، امشي بقى ارجوك.”
ظل يحدق فيها طويلًا.
كانت نظرته مشبعة بكم هائل من الكراهية والحقد، وكأنه يستمتع برؤية الخوف داخل عينيها.
ثم دفعها بقوة إلى الخلف.
اختل توازنها وسقطت فوق حافة السرير، بينما اتجه هو نحو الشرفة.
وقبل أن يغادر استدار إليها مرة أخيرة وقال:
“خليكي عارفه ان الحكومه نفسها مقدرتش عليا، وزي ما عرفت اهرب بسهوله من السجن، هعرف اوصل ليكي وليه في أي مكان، يعني بلاش تشغلي دماغك عليا، فاهمه؟”
ثم تحرك سريعًا وقفز من الشرفة إلى شرفة غرفة شاهين المجاورة، واختفى في لحظات.
بقيت رنيم تنظر إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل ثوانٍ، وكأنها عاجزة عن استيعاب ما حدث. ثم انهارت تمامًا.
ارتمت فوق السرير ودفنت وجهها بين يديها، بينما انفجرت بالبكاء.
كانت تشعر بأن الخوف يلتف حول قلبها من كل اتجاه، وأنها عالقة داخل كابوس لا تعرف كيف تهرب منه. لم يكن يؤلمها جرح عنقها بقدر ما كان يؤلمها ذلك السر الذي فرض عليها حمله، وذلك التهديد الذي أصبح معلقًا فوق رأس شاهين كالسيف. ولأول مرة منذ دخل حياتها، وجدت نفسها مضطرة لإخفاء الحقيقة عنه، رغم أن كل ما كانت تتمناه في تلك اللحظة هو أن تركض نحوه وتختبئ داخل حضنه وتخبره بكل شيء. أما في الخارج، فظل شاهين واقفًا أمام الباب المغلق، يحدق فيه بصمت، بينما كان ذلك الشعور المزعج يزداد داخله، وكان قلبه يخبره أن رنيم تخفي عنه أمرًا خطيرًا للغاية.
**************************
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!