~~~~
كان يجلس دكتور " شريف " بمكتبه الخاص في المشفى ..
رآها أمامه اخيرا بعد فترة طوية فنهض بفتور
-: حياه.؟ أهلا و سهلا اتفضلي .. ده المستشفى نورت حتى.!
حياه -: بص بقى انا عارفة انك زعلان مني بس انا كنت مضغوطة فعلا،، و اديني جيالك بكامل إرادتي و من غير ضغوطات و بقولك انا جاهزة للعلاج يا دكتور .!
تنهيدة طويلة انبعثت من صميمه،،
ليرفع يده عموما مجيبا
-: مش هعاتبك على تأخيرك، كفاية تضييع وقت .. مش هقولكك غير اني انا و المستشفى و الممرضات تحت أمرك يا حياه، احنا متسخرين علشانك انت و الي زيك تتعالجوا و تبقوا زي الفل .!
ردت على هيئة ايماءة مصتحبة بابتسامة خفيفة.. ضغطت على شفتيها السفلى بتوتر خفيف متسائلة
-: هنبدأ امتى. ؟
نهض بثقل من على مقعده، و توجه إليها بخطى وئيدة
-: الأول هنعمل تحاليل تاني نشوف الحالة وصلت لإيه،، و بعدين هحجزلكك احسن أوضة في المستشفى و نبدأ العلاج .. تقدري تقولي بنبدأ من دلوقتي .!
حدقت حياه دون استيعاب به ..
لتهتف باستنكار
-: اتحجز في المستشفى.؟
ابتسم دكتور " شريف " صاحب ال55 عاما بسخرية ..
-: أيوة تتحجزي في المستشفى اومال هتتعالجي ازاي يا حياه.؟
حياه بصوت مرتفع بعض الشئ
-: هتعالج ازاي.؟ هتعالج زي ما البني آدمين بيتعالجوا اجيلك ساعتين تلاتة تعلق في أيدي الكينيولا و اخد الكيماوي و اتكل على الله و امشي .!!
شريف -: و الله يا حياه على حسب كمية انتشار الكانسر في جسمك .. بس صدقيني لو النسبة كبيرة برضاكي غصب عنك هتتحجزي في المستشفى .!
حياه بفتور -: ان شاء الله، ان شاء الله يادكتور .!
همت حياه بالخروج من مكتب شريف، و لكن استوقفها صوته المتسائل
-:حياه انت لسا مقولتيش لجوزكك ولا ابوكي على مرضك.؟
أغمضت حياه عينيها بيأس، زفرت بضيق متأهبة للأسطوانة المعتادة ..
ترجم شريف حالة صموتها انها بالفعل لم تصفح على الخبر .. فكان رد فعله المتوقع التوبيخ و اللوم
-: لحد إمتى ها.؟ طب معملتيش حساب لشعركك الي هيقع هتقولي ايه لجوزك عليه.؟ تعبك الي هيظهر بوضوح مش هتقدري تخبيه هتقولي ايه عليه ها ؟!
-: متخافش، انا عاملة حساب لكل حاجة يا .. يا دوك .!
~~~~
مرت بضعة ايام،،
حتى حان موعد علاج حياه ..
تمددت على الفراش الطبي يتوسط غرفة تطل بالدهان الأبيض الناصع ..
و الممرضات أمامها يسيرون ذهابا و إيابا لتتأكد من جميع الأدوات و المعدات ..
و أيضا " دكتور شريف " .. ها هو جانب حياه و على وجهه ابتسامة أبوية حنونة يحدق بها حياه ..
قضى نصف حياته مع تلك الصغيرة،، يربيها و يلقنها العديد من الدروس و الخبرات في الحياه ..
يبث داخلها روح العزيمة و الثبات دائما، لم يبخل ابدا بمعلومة واحدة و رغم كل ذلك المعروف، تناسته حياه عندما شبت في الطول و ترعرعت بالحيوية في مجالاتها ..
و رغم ذلك لم يهتم كثيرا لذلك التغيير، كان يتوقع ذلك على أية حال ..
شريف و الابتسامة الصافية تزين ثغره، و كفه يمسح بحنو على جبينها
-: ان شاء الله تخفي يا حبيبتي .! انا بوعدك اني هعمل كل حاجة أقدر عليها علشان تخفي ..!
-: سيبها على ربنا يا دوك.! كل الي يجيبه ربنا كويس .!
تصاعدت نغمة هاتفها معلنة باتصال كريم، تنهدت حياه طويلا تهدئ من قلقها و توترها
-: الو ..؟
اتاها صوته الرخيم الهادئ التي لا تعشق سواه، ولا تتنفس إلا باستمراره ..
-: صباح الفل يا وحوي،، وحشتييي امي. !
ضحكت بخفة ضحكة رنت في آفاق عقله، ضحكة جعلته يضغط بأسنانه العليا على شفته السفلى برغبة ..
-: إنت وحشتني اكتر يا كركم .!
أطلق كريم سبة مهينة عقب سماعه ذلك اللقب المستفز
-: ايه الي جاب ام كركم لكريم نفسي افهم .!
حياه -: الله .! يعني ايه الي جاب وحوي لحياه يا كركم .!
كريم -: طيب عامة،، انت فين دلوقتي.؟
-: ا أ انا في العيادة.. في الشغل يعني هكون فين. ؟!
هكذا ردت بخفوت وتوتر بعض الشئ ..
كريم -: آه، بس انت وحشتيني جدا على فكرة .! انا قاعد بقعد الساعات و الليالي عقبال يجيلي افراج من الشغل ال*** ده .!
مصمصت حياه شفتيها بازدراء
-: اتنيل ما انت بتيجي تطفح و تتخمد لا بسمعلك حس و لا بشوفلك حركة .!
اتسعت مقلتي كريم باستنكار وهو يسمع كلامها اللاذع باسلوبها الفظ المتدني
-: ده انا ده.؟؟! و انا الي مرضتش اصحيكي النهاردة قبل ما انزل و صعبتي عليا و انت عاملة زي قرد القطع كدة.؟! لا قرد ايه ده انت كنت زي الجاموسة مخمودة على بطنك في سابع سما .!
صدمت حياه هى الأخرى عقب سماعها الشتائم و الإهانات المتتالية و فورا نهضت على الفراش الطبي واقفة غير عابئة بالدكتور شريف أمامها و الممرضات الأخريات ..
وضعت كفها على خصرها مولولة
-: نعم نعم نعم.!! بقى انا بنام زي الجاموسة يا كريم.؟! و كمان بنام على بطني تصدق اني دلعتك كتير و انت بستوق فيها .!!
كريم بسخرية -: دلعتيني كتير.؟؟
طيب يلا امنعيني من المصروف ولا هاتيلي أبو رجل مسلوخة .!
حياه -: إنت بتستقل بيا. ؟ طب و رحمة امك يا كركم لأوريك و تكون اسم على مسمى فعلا.!
كريم مصطنع الدهشة
-: هتخليني اسم على مسمى .؟ إزاي بقى يا وحوي. !
حياه -: حياه صديق افعال بس لا أقوال يا كركم..!
كريم وهو يبتسم بخفة و يحدق في االاشي أمامه بحب -: عاش يا وحش،،
مضطر اقفل بقى عشان اكمل شغلي .!
حياه بغطرسة و غرور -: انا كمان كنت هقفل بردو علشان ورايا شغل ومش فاضية..
كريم -: أيوة أيوة ما انا عارف انت هتقوليلي.؟!
حياه -: يلا سلام ..
كريم -: سلام ..
كادت ان تغلق حياه ولكن اوقفها صوته المتلهف
-: حياه ..؟
حياه وهى ترد مرة أخرى -: ها
كريم -: بحبك ..!
تصاعدت كلمته في اذنها كالمنوم المغناطيسي،، ترددت الكلمة بصدى صوت داخل قلبها أكثر من اذنها ..
شعرت بفؤادها يكاد ينحرف عن موضعه و يرفرف في الفضاء العال ..
رغم انها ليست اول مرة، فقد قالها مئات المرات قبل ذلك و لكن هذه المرة اتت في وقتها المناسب، اتت لتهيئها نفسيا للمرحلة المقبلة عليها بعد قليل، اتت لتبث روح الطمأنينة داخلها و تثبت حضوره الطاغي حتى وهو بعيد ..
شعر بها كريم الذي تلاقى فؤاده مع فؤاد حياه للتو رغم المسافات، أدرك انها تعيش أوقات حالمة الآن بعد تلك الكلمة فلا حبذا افسادها ..
كريم -: سلام .!
أغلق كريم الخط و الابتسامة تتزعزع على محياه ..
قبل الهاتف و ضمه لقلبه مرتخية عضلاته تماما ،، فأستند بظهره على ظهر مقعده الدائري مغلقا جفونه بسلام ..
تنهد طويلا بعد فترة قصيرة
-: هيييييح .!!
يكاد يفتح عيناه ليصطدم بوجه إحدى مجرميه مكبل اليدين أمامه، يحدق المجرم به و بكل بلاهة فاغر الفم ..
إقترب كريم بهمجية يقبض على قميص المتهم أمامه بعنف صائحا
-: بردو مش عايز تعترف ياض مين الي ورا شحنة المخدرات .؟!!
~~~~
عند حياه،،
لم تغلق حياه الهاتف، بل و كأنها نست تماما انه بيدها .. فهى سبحت بالليلة الخرافية التي ستقضيها اليوم في حضن زوجها ..
قطع امانيها صوت همهمات خفيفة و ضحكات من حاولها، انتبهت على نفسها لتجدها واقفة على الفراش تضع يدها خصرها و الأخرى منسحبة قابضة على الهاتف ..
توردت وجنتيها فورا بسبب ذلك الموقف الحرج، و انكمشت على الفراش تحاول الاختفاء الآن ..
سمعت صوت ضحكاتهن يزداد، و بعدها اقتربن كلهن من حياه
-: ربنا يخليهولك يا مدام .!
-: والله انت عسل انت وجوزك ده .!
-: ربنا يهنيكوا و ربنا يقومك بالسلامة ليه يا مدام .!
هكذا كانت تعليقاتهن النابعة من صميم القلوب خالية من اي حقد و غل ..
بدأت حياه تبتسم شيئا فشئ ،، و تخلت عن خجلها قليلا ..
تحدثت معاهم بفرحة و قد تناست مرضها، تناست انها على وشك بدء مرحلة العلاج الآن ..
كل شئ يبدو طبيعي، كل شئ يبدو جيد جدا.! لا مرض، لا علاج ..
" هنسيب الشغل و نقعد ندردش ولا إيه يا آنسات .؟!"
قالها دكتور " شريف " بشئ من الحدة، لينفض التجمع و تباشر الممرضات في عملهن ..
اقترب منها شريف ببطئ، جالسا على مقعد دائري صغير ..
-: فتحتي العيادة عشان تبقى شماعة ليكي صح.؟ تداري عليها علاجك و مرضك مش كدة يا حياه.؟!
تأففت بضيق، تشيح بوجهها للجانب الآخر بضجر ..
فاستطرد شريف مكملا
-: إنت فين يا حياه.؟ انا في العيادة ..
رايحة فين يا حياه.؟ رايحة العيادة ..
جاية منين يا حياه.؟ جاية من العيادة..
و طبعا حياه رايحة جاية من المستشفى بتتعالج.!
سفقت حياه بإستفزاز و لم تحركك رأسها شبرا واحدا
-: برافو،، صح كدة يا دوك .!
ممكن بقى نبدأ علاج عشان بدأت ازهق و ممكن ارجع في كلامي و امشي. !
الآن انفلت زمام الأمور من يده، نفزت جرعات الصبر لديه، و لم يتبقى سوى الغضب و الجزع يفجره بوجهها ..
فوقف و صاح بها
-: إنت بتهدديني يعني.؟؟ هخاف و ادبدب في الأرض و ابوس رجلك عشان تتعالجي.؟
انت الي بتتأذي مش انا.! انت الي هتتعبي و تبقى بتموتي من الوجع مش انا فاهمة.؟! و ياستي لو متكدرة اوي كدة مع السلامة الباب يفوت جمل انا مش هتذلل لأهلك عشان تتعالجي .!
إتسعت مقلتي حياه باستنكار مما يقوله،، جلست تحملق به بدهشة فقط .. انفجر فيها فجأة دون سبب يستحق لكل هذا ..؟
لم تعبأ بحديثه اللاذع في جملاته الأخيرة بتاتا، فقط تعجبت من البركان المصبوب في وجهها ..
حياه مصتنعة الحزن
-: كل ده كان في قلبك.؟ للدرجة دي علاجي تقيل على قلبك يا دوك.! ع..
لم تكمل، قاطعها شريف و قد انخفضت نبرة صوته
-: علاجك تقيل على قلبي.؟
ده انا بقالي شهر بتحايل و ببوس ايدك عشان تتعالجي، و انت فاكرةة انها لعبة في إيدك تبدئيها وقت ما تعوزي ..
و جية بعد ما قررتي اخيرا تتعالجي تهدديني. ؟ طب ما انت الي هتتأذي مش انا.!
واصلت حياه التصنع بالحزن و الألم
-: هى دي التهيئة النفسية الي المفروض توفرهالي قبل العلاج.؟
هى دي الطبطبة و السند.؟ ده انت حتى ممعلشتنيش يا دكتور.؟! حتى المعلش استكترتها.؟ استخصرتها مبتقولهاش.؟!
ترجم شريف لعبتها فورا، أدرك أنها تمثل أمامه الآن حتى يرق قلبه لها و يعتذر عن ما بدر منه..
-: كلي بعقلي حلاوة كلي.! و بعدين و انت يا شحطة يا الي بقيتي دكتورة نفسانية قد الدنيا عايزة تهيئة نفسية.؟ ده انت تهيئي بلد يا قدرة. !
ابتسمت حياه بداخلها على نجاحها في تحويل موقف شريف سريعا ..
و فورا تذكرت كريم و قدرتها في تحويل مزاجه حسب إرادتها ..
تنهدت طويلا وهى تحدق بالسقف
-: و انا فعلا متهيئة نفسيا للموضوع، و بطلب منك نبدأ في العلاج و بأسرع وقت ..!
~~~~
مر يوم، اثنان، ثلاثة، عشرة، اربعة عشر يوما ..
أسبوعان. !
تذهب حياه للمشفى سرا دون أخبار كريم، تخبره فقط انها بالعيادة إذا اضطرت لذلك ..
تذهب للتأخذ علاجها " الكيماوي "
الذي بدأ مفعوله في الظهور على ملامحها، فمثلا حاجباها الذي بدأ شعورهما بالسقوط، السواد تحت العينين، نحلت و خسرت الكثير من الوزن في تلك الأسبوعين ..
كانت تظن انها قوية، تستطيع إخفاء مرضها و آلامها و لكن فشلت ..
كل يوم مساءا تشعر بالانهاك ..
لا تستطيع فعل اي شئ سوى النوم في اعناق كريم و الاختباء بداخله..
كريم الذي لم يظهر اي شكوى من ذلك، و التزم الصمت .. التزم الصمت تماما ..
~~~~
و في يوم ،،،
تمددت حياه على الفراش الطبي كعادتها، يمتد من معصمها الاسلاك الموصلة للمحلول ..
" التهيئة النفسية " التي حضرت بها اول جلسة علاج نفذت كميتها كلها ..
أغلقت جفونها بتعب، و قد تخلت عن " باروكة " شعرها المستعار في تلك الفترة ..
لتظهر كما يظهر الآخرون إذا ..
شعرت بملمس حنون، ناعم على كف يدها .. ملمس تعشقه و تعلمه جيدا ..
اللمسة التي هزت جدران كبريائها و غرورها دائما و تجعلها تنصهر بين يديه ..
" دقات قلبها " التي أصبحت ضعيفة مع الوقت السابق ولا تشعر بها ..
الآن تسمعها كالطبول المهللة في اذنها، تشعر بها تطرق بداخلها بعنف كأن قلبها يكاد يخرج بين الضلوع ..
شددت جفونها اغلاقهما أكثر، وهى تتمنى ان لا يصيب شعورها.!
بدأت بفتح عينيها تدريجيا، لتتصادم بوجه كريم المبتسم بهدوء ..
فغرت ثغرها مصدومة،، و الشهقة بصوت مبحوح ..
عندما رأته أمامها فعلا في الغرفة، دون شعر رأس نهائيا .! " اصلع تماما " ..
" ك..ككريم ،!!! "
-: اششش،، مش عايز ولا كلمة .! ارتاحي .!
هكذا همس بكلماته، بمنتهى الهدوء و النعومة ..
و لازالت حياه تحت تأثير الصدمة،،
أكمل بابتسامة صغيرة تحمل في طياتها الألم و الحزن
-: لاقيتك مش عايزاني أشاركك همومك ووجعك،، بس مقدرتش أقف ساكت اتفرج عليكي و حالتك بتسوء يوم عن التاني. !
-: إنت ازاي..؟ ازاي جيت هنا.؟! انت عرفت اني تعبانة ازاي اكيد دكتور شريف قالك. !
هتفت بها حياه دون تصديق، و قد خرج صوتها متحشرجا مبحوح ..
عاتبها كريم و ملامحه تزداد خشونة شئ ف شئ
-: انا مش محتاج حد يقولي،، انت قبل ما تتعبي انا بحس بضعف تعبك. !
و لما بتتألمي انا بتألم ألف مرة من جوايا ..!
مش هعاتبك ولا الومك انك أنانية، أنانية أيوة .. كون إنك انفردتي بتعبك لوحدك دي أنانية .!
انا لما كنت تعبان مكنش جنبي غيرك ! كنت عكازي الي بتنسد عليه، كنت الدوا الي بخده علشان يشفيني.!
ورغم كدة محبتنيش اردلك جزء صغير من الي عملتيه معايا.؟؟!!
حاولت حياه الحديث و لكن قاطعها بنظرة واحدة ..
أردف بصوت عاد للحنية و الهدوء، و ملامحه باتت راسخة كما سابقا
-: مش عايزك تتكلمي، مش عايزك تدافعي عن نفسك ..
انا جنبك.! هكونلك الهوا الي بتتنفسيه زي ما كنت ليا الكون بحاله.!
و أوعدك مش هسيبك ابدا..!
ابدا يا .. يا وحوي .!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!