ليل
بعد حوالي ساعة، مروان مشي عشان عنده دروس.
والبيت رجع هادي تاني…
لحد ما بعد نص ساعة تقريبًا سمعت صوت الباب بيتفتح بعنف.
دخلت فتون وهي شايلة الشنطة على كتفها، وأول ما شافتني وقفت مكانها ثانيتين.
قولت وأنا فاتحة دراعاتي:
__نورتي يا أختي.
وبمنتهى الأخوة المصرية الأصيلة، ردت ببرود:
__ما أنا عارفة.
وضربتني على دراعي وهي بتقول:
__إيه اللي جابك؟
ضحكت بسماجة وروحت حضنت ماما وأنا بقول:
__أنا مش جاية عشانك يا بت… أنا جاية عشان أمي حبيبتي.
رفعت ماما إيديها بزهق وهي بتقول:
__إنتوا مبتزهقوش أبدًا؟ يباااي.
وسابتنا وقامت وهي بتهز راسها.
ضحكت فتون وهي بتبص لأثرها:
__الست دي ربنا يكون في عونها بجد… مستحملانا إزاي؟
ضحكت أنا كمان، وبعدين بصيتلها بتركيز:
__صحيح… عاملة إيه مع خالد؟
ابتسمت بخجل بسيط وهي بتشبك صوابعها ببعض:
__الحمدلله… كويسين.
وسكتت شوية قبل ما تكمل:
__وخالد الصراحة مستحملني جدًا في حوار الأجهزة ده… مع إننا مش معانا نجيب كل حاجة دلوقتي.
اتقبض قلبي تلقائي.
فتون وخالد مخطوبين بقالهم سنة…
وخالد فعلًا راجل محترم، وبيحاول على قد ما يقدر.
بدأوا يجهزوا شقتهم من الصفر، وكل حاجة ماشية بالعافية.
هو مقصرش في أي حاجة تخصه…
رغم إنه لسه بيبدأ حياته.
لكن إحنا…
إحنا اللي واقفين.
مش معانا المبلغ اللي يكفي لباقي الأجهزة، ولما طلبنا من عمي يساعدنا من حق بابا… رفض.
بحجة إن خالد “مش من العيلة”.
وإن فتون المفروض تتجوز واحد من قرايبنا.
ودي من أكتر الحاجات اللي عمري ما فهمتها.
ليه لازم نتجوز من العيلة؟
ليه لازم حياتنا تمشي على قوانين حد غيرنا؟
بصيت لفتون بحزن وقلت:
__متقلقيش… أنا هتكلم مع عمي تاني.
رفعت عيني ليها وأنا بكمل بجدية:
__ودي آخر مرة أطلب بالذوق… لو مدّاناش حقنا هناخده بالمحاكم.
بصتلي فتون بصدمة وهمست بسرعة:
__إنتي اتجننتي؟ إنتي عايزة توقفي قدام عمي في المحاكم؟
وقربت مني أكتر وهي بتقول بخوف:
إنتي عارفة الناس هنا هتقول علينا إيه؟”
رديت بغضب مكتوم وأنا بخفض صوتي عشان ماما متسمعناش:
__وهو مخافش من الفضيحة لما أكل حق بنات اخوه؟
اتنفست بعصبية وكملت:
__هو متأكد إننا هنسكت… عشان خايفين من كلام الناس.
بصيت قدامي وأنا حاسة القهر بيزيد جوايا:
__بس أنا تعبت من السكوت يا فتون.
قاطعنا صوت خبط على الباب.
بصيت أنا وفتون لبعض ثواني، قبل ما تقوم هي تفتح.
كانت صفية بنت عمي واقفة برّه، وبمجرد ما الباب اتفتح قالت بسرعة:
“قولي لليلى إن عمها عايزها في الجنينة.”
أول ما سمعت الجملة…
حسيت معدتي اتقبضت.
مسحت على وشي بضيق وأنا بزفر بهدوء أحاول أهدي نفسي.
هزّت فتون راسها من غير ما ترد، وقفلت الباب بهدوء.
وبعدين قربت مني وقعدت جنبي على الكنبة وهي بتقول بقلق:
__أنا خايفة عليكي يا ليلى…
بصتلها.
كملت بصوت واطي:
__كل مرة عمي بيطلبك فيها بتحصل مشكلة… وأنا حاسة المرة دي مش هتعدي بالساهل.
مديت إيدي مسكت إيديها وربتّ عليها بحنان:
__حبيبتي يا فوفو… متقلقيش.
وحاولت أبتسم وأنا بكمل:
__ده أنا ليلى برضه.
ابتسمت ابتسامة باهتة، بس القلق كان لسه واضح في عينيها.
قومت من مكاني وأنا بأخد نفس عميق، وقلت بصوت عالي عشان ماما تسمع:
__ماما، أنا نازلة أشوف عمي.
وقبل ما تلحق تعترض أو حتى تسألني رايحة ليه…
كنت خرجت بسرعة.
نزلت السلم وأنا حاسة ضربات قلبي بتعلى واحدة واحدة.
وبرغم إني كنت داخلة أبان قوية…
إلا إن الحقيقة؟
إيدي كانت على قلبي طول الطريق للجنينة.
وصلت الجنينة…
كان قاعد على الكرسي الخشب، ووشه متحفز بشكل خلاني أتوتر أكتر.
وعصايته…
كالعادة، ماسكها بإيده كأنها جزء منه.
حمحمت بهدوء.
فشاورلي أقعد.
قعدت قدامه وأنا حاسة إن الهوا نفسه تقيل.
بدأ كلامه وهو بيبصلي مباشرة:
__عاملة إيه يا بتي؟
كنت باصة في الأرض وأنا برد:
__الحمدلله يا عمي… بخير.
سكت شوية.
وحسيت بنظراته مركزة عليا بطريقة خلتني مش مرتاحة.
وبعدين قال:
__لسه مصرة على رأيك؟”
رفعت عيني وبصيتله بثبات:
__أه يا عمي.
اتنهد بضيق وهو بيعدل قعدته:
__بس أنا مش موافق.
رديت بهدوء:
__أنا عارفة.
فضل باصصلي ثواني، قبل ما يقول:
__أنا دورتها في دماغي… ولقيت حل يرضي كل الأطراف.
أول ما سمعت كلمة “حل”، بصيتله بسرعة وقلت بأمل:
__حل إيه؟
وقبل ما يرد…
جات مرات عمي وهي شايلة صينية الشاي، وقعدت جنبه وهي بتبصلي بنظرة مستفزة كعادتها.
أخدت نفس طويل وأنا بحاول أستحمل وجودها.
كمل عمي كلامه بمنتهى الجدية:
__تتجوزي حسين.
ثانية…
حسيت إني مسمعتش صح.
بصيتله بصدمة وقلت:
__حسين مين؟
اتعصب فجأة وخبط العصاية في الأرض بعنف:
__وهو إحنا عندنا كام حسين؟! حسين ابني!
اتسعت عيني بذهول.
حسين ابنه…
المتجوز… وعنده بنتين؟
كأن الكلام نزل على دماغي مرة واحدة.
اتكلمت مرات عمي بسرعة وكأنها كانت مستنية اللحظة دي:
__ومالك متفاجئة كده ليه؟
كملت وهي رافعة راسها بفخر:
__حسين سيد الرجالة، وزي ما شايل بيته ومسؤولية مراته وبناته… هيشيل مسؤوليتك.
بصيتلها بعدم استيعاب.
مشاعر كتير ضربت في بعض جوايا مرة واحدة:
صدمة… قهر… غضب… واشمئزاز.
ومن غير ما أفكر… خرجت مني تلقائي:
__على كده… عمي يتجوز عليكي عادي؟
اتجمد وشها.
أما عمي… فبصلي بحدة مرعبة وقال بصوت غليظ:
__بنت… اتأدبي.
اتخشبت مكاني تلقائي.
كمل وهو بيخبط العصاية في الأرض:
__لو عايزة تاخدي ورثك… تتجوزي حسين.
وأشار بعصايته ناحيتي وهو بيكمل:
__ويبقى ليكي راجل يصونك، وتفضلي تحت عيني وطوعي.
بصيتله بصدمة، ولسه عقلي بيستوعب اللي بيتقال.
وقلت بعدم تصديق:
__وعلى كده… حسين عارف؟
رد من غير حتى ما يبصلي:
__حسين عمره ما ينزل كلمتي الأرض واصل.
ضحكت ضحكة قصيرة كلها سخرية ووجع، وحطيت إيدي على وشي وأنا بهز راسي:
__آه… فهمت.
رفعت عيني ليه وأنا بكمل بمرارة:
__عايز الورث ما يخرجش برا العيلة… مش كده؟
سكت.
فقربت لقدام وأنا بصوتي بيعلى غصب عني:
__عايزني أفضل تحت عينك طول العمر عشان الفلوس ما تتبعترش؟
مرات عمي اتكلمت بسرعة:
__إحنا خايفين عليكي يا بنتي—
قاطعتها بعصبية:
__لا… متقوليش خايفين عليا.
بصيتلها مباشرة وأنا حاسة القهر خانقني:
“إنتوا خايفين على الأرض… مش عليا أنا.”
اتغيرت ملامح عمي فورًا، وبصلي بنظرة كلها غضب:
__حاسبي على كلامك يا ليلى.
لكن لأول مرة…
محستش إني خايفة منه زي كل مرة.
كملت وأنا ببصله بعدم استيعاب:
__وإنتوا مش واخدين بالكم من كلامكم أصلًا؟
قربت لقدام وأنا بكمل بانفعال:
__إنت ترضاها لبنت من بناتك إنها تتجوز راجل متجوز وعنده عيال؟
رد عمي بثبات وكأنه شايف إن كلامه طبيعي جدًا:
__حسين مش أي حد.
وسكت ثانية قبل ما يكمل:
__حسين ابن عمك… وأولى بيكي من الغريب.
ضحكت بسخرية وأنا بهز راسي
بعدم تصديق.
وبعدين بصيتله بثبات لأول مرة وقلت:
__وأنا… مش موافقة.
أول ما قلتها، اتغيرت ملامحه تمامًا.
وخبط العصاية في الأرض بعنف وهو بيقول:
__يبقى إنتِ معندكيش حاجة عندنا يا بنت أخوي!
بصيتله بغل، وحسيت القهر بيغلي جوايا.
وكنت خلاص هتكلم…
هقوله إني هاخد حقي بالمحاكم حتى لو الدنيا كلها قامت.
لكن فجأة—
اتقطع الكلام على صوت جه من ورايا:
__أنا مستعد أتجوزها يا عمي.
اتجمدت مكاني.
وببطء… لفيت وشي ناحية الصوت.
كان مروان واقف عند مدخل الجنينة.
صدره بيطلع وينزل بسرعة كأنه جري، وعينيه ثابتة عليا بشكل عمري ما شوفته قبل كده.
حتى عمي نفسه اتفاجئ.
أما مرات عمي، فشهقت وهي بتقول:
__إنت بتقول إيه يا مروان؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!