الفصل 4 | من 13 فصل

رواية ياعازف العُود صحّيت جفن الحزن من دقت اوتارك الفصل الرابع 4 - بقلم havxill

المشاهدات
14
كلمة
23,574
وقت القراءة
118 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

حاتم وقف عند الكوفي: تبون شي! جوعانين؟ سهام: أبي قهوة لاهنت. لف لعايشة وهي ساكتة ولاّفة للدريشة وتطالع بصمت: عايشة؟ لفت له: ها؟ حاتم: تبين شي؟ عايشة هزت راسها بلا ولفت. حاتم راح جاب لهم قهوة وشي ياكلونه. الظهر، الساعة 12:00. صف لهم الذبايح والرز بوسط الخيمة، ونصهم طالعين عن الخيمة لأنهم كثار. بو راجح: اقلطوا حياكم الله. سعيد: الله يحييك ويبقيك. جلسوا كلهم يتغدون. المغرب وصلوا سهام وعايشة وحاتم، نزلوا أغراضهم.

عايشة: جزاك الله خير أتعبناك. حاتم ابتسم: تعبكم راحة. عايشة ردت له الابتسامة وراحت هي وسهام لغرفة عايشة وما كان به إلا سهام وعايشة بالخيمة. وكانوا يزينون الأغراض ويرتبون. عايشة تضحك وتطلع العلب والأكياس: أبك وش ذاللي جايبته؟ سهام: هذا هذاا أكل أشياء ناكلها. عايشة: ومن قالش ميتين جوع؟ سهام: بس بس مالك شغل أنتي. زينة دخلت عليهم بصمت وخايفة من ردة فعل عايشة لو عرفت ووش بيكون قرارها؟! عايشة لفت لزينة: زينة؟

ويش بش ساكتة من دخلتي؟ زينة نزلت راسها وقلبها يضرررب. عايشة عقدت حواجبها: زينة؟ جدتي وينها وجدي؟ وينهم؟ زينة: بوعقاب عند الشيخ و، أم عقاب عند أم حاتم وحريم البادية. عايشة هزت راسها وفيه شي داخلها غريب بس تجاهلته وكملت شغلها مع سهام. زينة بهمس: عايءءشة. عايشة لفت عليها: سمي. زينة: الشيخ طالبش. عايشة ضررب قلبها: ويش صاير؟ زينة: روحي وتعرفين. قامت بسرعة قبل تخونها دموعها قدام عايشة وراحت للنياق لأن ما به أحد هناك.

عايشة قامت بسرعة وفصخت عباتها وحطت شيلتها فوق راسها. وراحت للشيخ وبوعقاب وشافت الرجال بالخيمة واااجددد، صابها خوف من كثرهم. شافت حاتم بأول الخيمة واقف وجنبه عزام يهمس له، وحاتم احتدت نظراته للي بصدر المجلس "سعيد". بوعقاب قام بلهفة: عايشة. سعيد رفع عيونه بس ما كان واضح منها شي. أما حاتم كان يطالعه ويطالع عايشة اللي بان عليها الخوف.

بو راجح قام وبصوت جهوري: يا عايشة الرجال جونا يبونش تردين معهم لقبيلش وأهلش هناك. وشيخ البادية جدش طلبش من هناك وما رضوا يردون إلا وأنتي معهم. بس منت ب رايحة لو ما بخاطرش الروحة. عايشة تناظرهم بصدمة.

سعيد قام: يا عايشة لا تقولين توهم يذكروني توهم خبروا بي. حنا من أكثر من 20 سنة حسبناش ميتة وأبوش عمي صقر توفى بعد مرضٍ هد حيله وانهش جسمه وكسر عظامه، أبوش ما مات موتة الإضعاف مات موتة وجع جسد ووجع روح. وهذا جدي أبو صقر.. شيخ القبيلة مرسلنا ويبيش ويبي شوفش وتصيرين حوله وتسكنين عنده وتاخذين ولد عمّش.. وتعيشين براحة باقي عمرش وأبشري بسعدش. حاتم وعزام اشتدت عيونهم بصدمة، لكن عزام ما كان أعلى من حاتم بصدمته.

ححاااتممم اللي حس بموووية باااردة فوق ججسمهه وعلى خبررهه بأن عايشة ما تبي العرسس. أما عايشة.. نست كل كلامه ولا ركزت بولا كلمة، لكن هنا كلمة انحفررتت بوسط صدرها بقسوة. هزت كيانها ورجفت قلبها وهي تتردد بمسامعها أكثر مرة "أبوش ما مات موتة الإضعاف مات موتة وجع جسد ووجع روح".

حست بحرارة عيونها تنهش ودمعها قرربب حيييلل وشفآيفها بدت تتقوّس بعبرهه، هرروولتت بخطواتها لأقررب خخيل شاافتههه، خخيل أسوودد وشعره ينافس شعرها بطوله وسواده. ركبت فووقهه وهي ترررججففف وصار يمشي بهدوء. صارت تحاول تخليه يررككض، تطيحح أي شيء ممكن يصحيها من الحللمم، أي شي ممكن يقولها ققووومي.. ححلم!

بس كانت ما تحس أبد وهو يركض بها وهي تطالع قدامها وكنها مروّضة للخيل ويركض بها اكككثررر ولاا تححسس.. صارت حتى تحس بدموعها تظهر بوسط عينها.. دموعهاا اللي ما انزللتت من زممننن اليومم نزللتت بطاريي أبوها. صارت ترركض به وتتمنى يممسكهااا ااححد وييييضضرربهاا لحححد مم تتصحىى، تمننتت اححد ييححسس بالنااارر اللي اووقدهااا سععيدد بكلاامههه.

أما حاااتممم أول ما اختفت عن عيونه لحقها وأخذ خيل عزام وراح وراها يرررككضضض بالخيلل بس كاانتت سررييييعههه ولا قدرر يوقفهااا. صرخ باسمها أكثر من ممررهه بس مااكاان تتسمعع لهه من ضجيج الأصواات اللي داخلهاا.

أما حاااتممم أول ما اختفت عن عيونه لحقها وأخذ خيل عزام وراح وراها يرررككضضض بالخيلل بس كاانتت سررييييعههه ولا قدرر يوقفهااا صرخ باسمها أكثر من ممررهه بس مااكاانت تتسمعع لهه من ضجيج الأصواات اللي داخلهاا وزححمة الأفكاررر اللي تدوور براسها وحست وكأنها تحاوط قلبها وتععصصصرررهه ححيل.

صارت حتى أنفاسها بالقوة تاخذها، طاحت شيلتها وصار شعرها ييضررربب بظهررهاا وهي ترركض بالخيل ووععيونها حمّرتت وههي حاابسة دمووعها بووسط عيينهااا. "أبوش ما مات موتة الإضعاف مات موتة وجع جسد ووجع روح". كل مررهه تتردد براسها وتكرر الجمّلة كانت تزيد سرعة الخيل. متى! وكيف! ووشلوون ولليييه الحين لليييه أنا بالمووتت تحملت الذكرى اللي من أبوي؟ ليييه تزييدوون ليه هيضتوا المشاعر والدمع مستوسط العيين؟

حاتم حاول يزيد سرعة الخيل وقدررر يووصلهااا بس كانت مووااصلهه ممشييي. ماايددرريي ليهه لحقهاا ولا لليييه خااف عليهاا وضرربب قلبهه بشكل مههوبب طبيععي. حاتم انبحّ صوته وهو يناديهاا، قررب لها شوويي: ععاايششةة وووقففيييه، عااايششةةة لااتطيحيننن. عايشة ساااكتتته وتررككض بجنوووننن وحاتم جنبها بخيل عزام وابعدواا حيييييل عن البادييية واختفوا عن الأنظااررر.

كاانن الخخيل يرركضض وشعرهه الطوويلل يناففسس شععررر ععاايششةة وهو يضضررربب والقممرر عااكس نووره على شععرهاا.. وبدتت تلهههثث وتتنفس بصعوبة من التتععبببب. حاتم يطالع قدامه ولف عليها: عايشةة عاايششة يبه وقفي يكفي يكفي إذا ما تبين الرووححهه منت ب رايحة. وإذا ما تبين العرررسس منتتبب معرّسهه يبه وقففييي لا يوّذيشش الخخيلل. عايشة سكرتت ععيوونهاا بقووةة أول ما قاال ييببهه!!!

حستت ببحة صووته كلاام كثيرررر وخوووف وقلقق وانفااسه المتقططعهه، واهتتزز داخلها من كلممة يبه! أي أي ذي الكلمة؟! تصدقوون ما عمري قلتها أنا مااعرف هالكلمةة. هذا علمني إياها حااتتمم قالها ليي. عايشة بضعف تحاول تخفيه: حاتم. حاتم يزيد سرعة خيله لأن راجح ثااررر 'الخيل'..: سمي سمي يا عايششة اانززلي عنه. عايشة ببحة: ممءاايوقفف ما عاد بي قوة أوقفه أحس بأطيح.

حاتم قرب لهم حيل: لا لا تمسكي به زيينن.. وبحركة سررييعهه ومهاارهه نط لـ خيله رااجحح وعايششة قدامه وشبهه بحضضنهه. بعد صعووبة ووقت هدأ الخيل ووقف. حست وكأنها نزلت من عاصفة تفكيررر ودواامة، جلست وخمت رجولها وتطالع القمر وعيونها تتلمع.

حاتم بعصبية: ععايششة ووشهوولهه كل ذاا الححين، أنتي خبررش ذا بتنسين كل شيي. لا مانتي نااسه وطوول عممررشش بتذككرييننهه وتذذككرريينن جيّتهم ذيي وما تنسيينن ولا ككلمةة قالوها لش. بس أنتي تقررّييينن إذا تبين السعاادةة ولا الحزن طوول عممرش. قرب لها وجلس قدامها وكن عقله طاارر، مسك يدينها وهزها: لااعععاد أشوففش مقّرّبتن من الخيول ووخاطررش ضايقق خخطررر عليش.

عايشة كانت سااكته وكلامه بالبداية صعب عليها وقااسي ححييلل وحططه بالجرح. بس كان كله صححيح وكنه يقرا ما بداخلهاا ويقووله لها ععشان تصددقه. حاتم صدره يرتفع وينزل، هدأ صوته شوي وصار مبحوح أكثر من الصراخخ وسكت بصدمة ورفع عيونه لها. عايشة وعيونها تلمع ومركزة عيونها على الأرض: يبه. رفع راسه لها ولمح لمعة عيونها، رجف داخله بشعور ما يدري وشهو. كرهه عمره وبه شي داخله ما عرف يفسره ولا عرفه.

عايشة رفعت عيونها له وكنها طفلة لاقت أبوها من بعد غربة طويييييلة وبعد: يبه. حاتم ببحة راكدة وهو يضععف من نبرة صوتها وعيووونها بغير شعور: عايشة. عايشة وكأن عقلها طار وتبي بس الحضن اللي يسترها عن عيونهم وكلامهم. تبي السند اللي ترتكي به ولا تخاف سقوطه بيوم وخذلانه لها. هزت راسها بالنفي ومسكت يدينه برجفة بأطراف أصابعها: لا تردني لهم طلبتك. حاتم أخذ نفس وهو يطمن خوفها ويقوّي ثقتها به ويحس أنها تتأمن به وتنستر به.

شد على يدينها: أبشري منت ب رايحتن لهم لين يرتاح قلبش واللي تبينه يصير. كان يتبع حاتم بعيونه لكن ما هي إلا ثواني واختفى تمامًا عن عيون الكل.. كلهم ردوا الخيمة إلا هو اتجه للحلال يدور حولهن ويجدد الماء ليييين ما وقّفه صووت أننييين وبكااء وشهاق مكتوومم.. تقدم للصوت بخووف على راعيه. عقد حواجبه وجلس جنبها بخوف: زييينة! زينة فزت ومسحت عيونها بسرعة وتكلمت بصوت واضح عليه البكى: نعم. عزام مسح دمعتها اللي

رجعت تنزل بطرف إبهامه: وش يبكّيش؟ زينة نزلت دمعتها ومسحتها بشدة وخانقتها العبرة ووجهها حمّرر: ما يبكيني شي. عزام استمر بمسح دموعها اللي تننهمرر بدون صوت منها: زين وش اللي منزل دمعش؟ زينة مسحت دموعها بطرف كمّها وخانقتها اللعبره وساكتة. عزام صار يطالعها وهو عارف باللي داخلها ومهيب متحملة العبررهه اللي واضحة بصوتها وععيونها ودمعها المحبوس.. استمر وهو يطالعها.

أما هي كانت تدور بعيونها حول الحلال والنياق وتعض شفايفها ومرة تزمّها وتحاول ما تظهر عبرتها لين عيونها امتلت دمووع وشفايفها صارت تهتز وتتقوّس، صدت عنه ودموعها نزلت حاارررههه وشهقت بخفة. عزام مسك دقنها ولفه لها: زيـء. ما كمل كلمته إلا بها تضم وجهها بيدينها ودموعها تنزل وتشاهق برجفة. دق قلبه بشكل يكرهه وتصادم بشعور ووده يدخلها بضلووعه ويلملم دمعها ويمسح على راسها ويهديها ويشيّد بدل ضعفها قوة..

عزام نزل عيونه عنها: ززينة لا تبكين. زينة مسحت دموعها أكثر من مرة لين ما تبلل كمّها وتركت الحرية لدموعها وثبتت عيونها على السماء: وش قولك عايشة تعوّد معهم ولا تجلس بذا؟ عزام كان مصدوم حتى هو ويدري أن عايشة تحب أبوها وتحب من يسميها عايشة بنت صقر، ما يدري أنها ممكن تعوّد معهم أو أنها تجلس هنا، بس قاله يبي زينة ما تزيد ببكاها، يبيها تطمن قلبها بأن عايشة أصيلة ولا هي تاركة المكان

اللي تربت به وانولدت به: لا يا زينة عايشة أصيلة ولا تاركة هالمكان ولا هي رايحتن عنش. زينة أخذت نفس وهي تطمن نفسها وتقتنع بأن عايشة ما تتركها، أكثر شي يخوفها. بعد ساعة كاملة راحت وهم يطالعون السماء ويتأملون بها بعيد عن بعض.. حاتم كان عند الخيول ويسقيهم مويا وجلس حول خيله وراجح يداعب شعره بوجهه حاتم.. عايشة كانت بدوامة تفكير فارغة.. حست بأنها استهلكت كل طاقتها وهي على الخيل وارتاحت.. فكرت بكلام سعيد اللي قاله لها.

وكان قاصد بكلامه بأنها تجي وتسكن عند أبو أبوها، وتعيش معهم هناك للأبد. وهالشي عايشة ما تبيه.. بس تبي شي واحد. تبي شي ممكن يطيّب ما بخاطرها ويريحها. تبي شي يمكن محدٍ فكر به ولا خطر ببال أحد.. وحتى هي مهيب طالبته. تبي بس أنها تروح وتشوف حياة أبوها، تشم ريحة أبوها بثوب جدها. تعرف ملامح أبوها من أهله. تسمع سوالف جدها عن أبوها. تبي تعرف عيشته كلها ليييين ما أخذته منيته. ووشلون موته. ووش قالهم بآخر أنفاسه. ومن سبب موته. تبي تكذب اللي براسها وتسكب الجليد على جمرها المشيّد من سنين.

لفت على حاتم وجلست تطالعه شوي، حست بأنها تقربت منه أكثر. أيقنت بأنها لو تروح وتأمنه على الخيشة ما يمسّها أحد عقبها بأمانته. صارت حتى تشوف بعيونه حنان وأمان.. غير عن شكله وملامحه الحادة. وصوته الشاعري وبحّده الرّاكده بحين، وحين صوته عكس. داخله إنسان قوي وطييب.

حاتم لاحظ نظراتها له بس بقى على وضعيته وهو حااير. يحس بأنها صارت أخته صارت زي طفلة عنده من شاف عيونها. ولمعتها المرتجفة ونبرة صوتها وكأنه يطلب الأمان والعيش براحة وبال مرتاح وفارغ من أي أفكار مزعجة. لفت شعرها حول رقبتها كالعادة، إذا أحسّت ببردٍ تلفّه على رقبتها. تحسّست حولها وتلفتت تدور شيلتها وين راحت.

قام من مكانه وراح لها ومدّ لها الشيلة اللي بيده، لأن يوم عايشة تركض بالخيل كان وراها طارت الشيلة من عايشة ولطمت بوجهه. عايشة أخذتها منه بهدوء وتنهدت بقوة ومن قلب. حاتم جلس حولها وابتسم: "عزام سولف لي عن عايشة بس ما سولف لي عن هذي." عايشة لفت عليه ما فهمت كلامه: "وشلون؟ حاتم صد ويطالع السماء والقمر اللي مقابلهم وأخذ نفس: "قال لي عايشة طيبة وبنت رجال وونيسة وإنها محبوبة عند كل أهل البادية." عايشة:

"وأنت تشوف غير عن اللي قاله لك؟ حاتم ضحك بخفة: "شفت بأيام قليلة أكثر من اللي شافوه به." عايشة غطّت شعرها: "ما شفت شيء." حاتم ابتسم ابتسامة جانبية: "شفت عايشة الحقيقية." عايشة رفعت راسها له بدون استيعاب: "لا بالله عايشة وحدة ولا عندك سالفة." حاتم ابتسم ونزل راسه وباقي مبتسم. عايشة وقفت وركبت فوق الخيل ووقفها حاتم. مسك لجام الخيل: "على وين يا بنت؟ عايشة: "الوقت يمشي وحنا بعيدين عن البادية وأهلها والبرد قاسي."

حاتم ترك اللجام بتردد: "على مهلك لا تسوين سواة الجيّة." عايشة ضربت الخيل باللجام: "لو ما سويتها ما وصلنا، هههههه الحقني يالله لا تظل دربك." حاتم رفع حاجبه بتعجب منها وركب خيل عزام بسرعة ولحقها. عايشة ضحكت بخفة أول ما قرّب لها وزاد الخيل سرعته وتعدّته. حاتم بتنهيدة تعب: "هذي تحسبنا بسباق ولا ويش؟ بعد وقتٍ ~ قام وطقّ ثوبه عن الرمل ومدّ يده لها: "يالله قومي وعيّني من الله خير." "وسّعي خاطرك يا بنت الحلال."

زينة ناظرت يده وسحبتها لين قامت وهي تضحك. حطّت يدها على جبينها لأجل تستر عيونها عن النور وتبحر بفرسين يركضون. زينة لفت على عزام: "ذولا ما هم عايشة وحاتم؟ ولا يتخايل لي؟ عزام ضيّق عيونه: "إلا بلا هم." زينة: "ويش يقولون؟ حاتم نزل من الخيل ووقف قبال عايشة: "هاه، ويش ناوية تعودين معهم ولا... عايشة قاطعته: "إلا أبي أعود معهم، لأجل حاجة في خاطري من زمن أبي أعرفها." "ولأجل حاجة ثانية...

حاتم هزّ راسه وأخذ منها لجام الخيل وراح مع راجح لأجل يربطه بجذع الشجرة. وهو يحس وكأن حبل التفّ حول صدره وضاق نفسه. عزام أخذ لجام خيله ولحق حاتم وبهدوء: "ويش صار؟ حاتم نزل راسه: "كل خير." عزام ناظره شوي، هزّ راسه وما حبّ يضيق خاطره زود: "امش يالله عند الرجال." قربوا من الخيمة وإذ بصوت عايشة يرتفع وصدمهم كلهم جوابها وجدّها أبو عقاب ما كان أقلهم صدمة: "أنا رايحة يا أبو راجح معهم،" كملت: "بس ليلة ورادة لدياري."

سعيد وقف من بين الرجال: "لَه لَه يا بنت العم، وحنا وش حنا عندك؟ رفعت راسها وردّت بردّ الجَمهم كلهم: "... أنتم وش أنتم؟ أنتم ماضي ظهر بغير وقته." "أنتم وش أنتم؟ أنتم اللي ردّهم مفروض كان ماضي." حاتم بعد صمت وتبادل نظرات بين عايشة وسعيد وأهل باديتهم وبصوته الجهوري: "وبما أن الطريق طويل الليلة تباتون بذا.. ولا أصبح الصبح تمشون." سعيد لفّ على حاتم: "ما قصّرتوا أنشهد أنكم قوم قليل بهالزمن." حاتم: "حق وواجب."

ولفّ على عايشة بنظرات حادة ووقفت عنه وراحت وزينة وراها. ابتدأ صباح البادية وكانوا يفطرون وعقبها وقف عند الشجرة. اللي خلف خيمة أبو راجح -مو اللي فوق الجبل -.. وعنده خيله راجح. ويراقبهم من بعيد ويتجاهل ولهه اللي بدى من قبل تقفي. كشّر بضيق وحطّ يده على قلبه وقبض عليه تضايق من الشعور اللي يجيه. الشعور اللي دوم يكتبه بآبياته وقصيده.. صار يحس بحروفه اللي يكتبها وتأثر به!! لا لا.

هزّ راسه رفع راسه وتعلّقت عيونه عليها وهي تناظره.. حاتم نزل راسه: "أحممم.." مسك لجام خيله وصدّ عنهم وصار يمشي مع خيله حول البادية. لفت على عزام وهمست: "أنا بذاك ليلة وحدة يا عزام، لا تنسون." عزام عقد حواجبه بعدم فهم: "إيه منحب ناسيين، بس ها ترا لك فقيدة من الحين." عايشة ابتسمت وهزّت راسها بأسف ولفت على زينة: "يا زينة! زينة رفعت راسها لها وساكتة. عايشة: "خذي بالك على سهام وأنتِ يا سهام خذي بالك على زينة." زينة تكتّفت:

"كل واحدن ياخذ باله على نفسه ما هي أول مرة تروحين بها." "تعوّدنا ما يخالف." عزام يناظرها بنصف ابتسامة. عايشة لفت بالخيل: "زين يعني ما أفكر بكم هناك حتى أنت يا عزام انتبه لـ" لفت تناظر لمكان حاتم وضحكت: "لحاتم وحاتم ينتبه لك أدري تضيعون كلكم بغيبتي." عزام اعتلى صوت ضحكه: "أقول يا بنية امشي امشي شوفيهم أقفوا." عايشة: "فمان الله." زينة تناظرها وهي تمشي لفت على عزام بسرعة: "تهقى إن خاطرها ضاق؟

عزام قوّس شفايفه وهزّ أكتافه بـ "مدري". زينة رجعت تناظر عايشة وهي تركض وتتعداهم بخيلها وتأففت وراحت داخل عند أم عقاب. عزام ضحك وركب فرسه وراح لحاتم. عزام يتمشى بالفرس: "أقفَت." حاتم يمشي معه فوق الفرس: "إيه أشوف." عزام ناظره شوي كان يناظر المكان اللي ورا الخيمة -خيمة أبو عقاب عزام بفضول أخذ نفس: "حاتم وش تبحر به؟ -وش تشوف؟ حاتم شدّ على لجام الفرس وابتسم نص ابتسامة: "لا لا ما هنا شيء." عزام هزّ راسه: "تبيها سباق؟

حاتم لفّ عليه وضرب الخيل باللجام وعزام صرخ: "لا لا ما استعدينا يا أبو راجح." حاتم اعتلت ضحكته ويركض بالفرس وعزام يلحقه. الساعة 5:30.. وصلت لقبيلتها وأهلها والبادية اللي كانت بوسع باديتهم. ضرب قلبها بشكل مخيف من مرت عليها ريحة ردّتها سنين سنين واجد. ريحة ذكرت فيها فروة أبوها أول ما مسكتها وهي بَزر.. ريحة ذكرت فيها عمامة أبوها. الريحة ما هي ريحته لكن يكفي بأنه عاش وتربى بذا. سعيد قرّب لها ومسك لجام فرسها ومدّه

للصبي اللي عنده وهمس: "هالحين الشيخ أبو صقر عنده رجال تعالي هنا عند الحريم لين ما يعودون الرجال لديارهم." هزّت راسها وراحت معه. سعيد تنحنح عند باب الخيمة. قامت بسرعة وطلعت له: "يا هلا يا هلا يا خوي يا سعيد، أءء من ذي يا خوي؟ سعيد: "عا... عايشة قاطعت سعيد بصوت راكد ورافعة راسها: "أنا عايشة بنت صقر." فتحت باب الخيمة: "يمه يمه تعالي شوفي من جانا." أمها: "نعم خير وش بلاء؟

سكتت وهي تذكر صقر به من ملامحها واجد ماخذة من أبوها. ابتسمت بحماس: "شوفي يمه، هذي عايشة بنت صقر.. بنت عمي." أمها ابتسمت بترحيب ولهفة: "يا هلا يا هلا يا عايشة وينك طول هالسنين تدرين عاد من يوم... سعيد قاطع أمه بضحكة: "هه يمه تبون تخلون البنية هنا عند الباب؟ ضحكت أم سعيد وفتحت بنتها مدخال الخيمة الواسع: "حياك حياك ارحبي يا هلا يا مرحبا." دخلت وتوزع عيونها بالخيمة لين لمحت بالزاوية مرة واضح أنها كبيرة بالسن.

والشيب حادي راسها بس كان على حمار لأنها تخبيه بالحنا. وعليها بشرة مترهلة وعيونها تلمع بها سالفة الزمن القديمة. كانت جالسة عند المشبّ ومتلحفة بعباية -زي الفروة -وعليها عمامتها. ونقشة دقنها الملفتة. كان شكلها كله يلفت الانتباه وهادية جدًا. أم سعيد قرّبت منها: "يا أم صقر.. شوفي من جانا." وأشّرت لعايشة تجي قدامها.. عايشة راحت لها بتردد وجلست قبالها وطالعت لثواني بعيونها.

كانت باهتة ورمادية ماليها الحزن.. سكتت بثواني تأمّل. شدّت انتباهها البنية اللي جلست قبالها وصارت تطالع بها وكنها هيّضت مشاعر زمان. ملامح قديمة، سوالف جميلة وذكرياتها حزينة. أم سعيد قرّبت من أم صقر وهمست لها: "هذي عايشة بنت صقر." عايشة كانت تناظرهم باستغراب. أم صقر ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تناظر عايشة ودموعها نزلت لا إرادي من عيونها. عايشة تكره الدموع عقدت حواجبها وتحس بغربة. مدّت يدها بتردد ومسحت دمعة أم صقر.

ما كان من أم صقر إلا أنها مسكت يد عايشة وحبتها بقوة وشوق وكنها تشوف ولدها صقر قبالها.. ابتسمت عايشة أول ما سحبتها لحضنها وضمّتها بقوة. بعد ما راحوا الرجال جا لهم سعيد وكانوا جالسين وشابين الضو وأم صقر تسولف عليهم. سعيد: "يالله يا عايشة الرجال راحوا تقدرين تشوفين الشيخ." عايشة قامت بابتسامة لأنها حبت أم أبوها وزوجة عمها وبنت عمها. بس للحين ما قدرت تتخيل جدها وشلون بيكون.

كانت الخيمة مفتوحة وكبيرة راحت وهي تجر خطاها له وسعيد وراها. عايشة: "السلام عليكم." سكر عيونه بتجاهل صوتها نبرته بحة صوتها وحدّته وركاده كلها مجتمعة بهالصوت. ما قدر يتجاهلها ولا يصدّ عنها.. هو طلب شوفها لأجل أم صقر اللي كانت تموت بتراب صقر. عقب وفاته انقلب حالها وما صارت الأولانية. ما كان يطلب بأنه يشوفها هو ويسلّم عليها. حسّ بأنه كره أهلها وجماعتهم كلهم بسبب سالفة قديمة. ذكرى زمان...

لفّ لها بابتسامة وانشرح صدره وهو يشوف ملامحها نسخة من أبوها. عيونها المكحلة ونظرتها الحادة وشفايفها المرسومة وكنها منهم وفيهم. ليه هالسنين هذي كلها ما دروا عنها. ما دروا أنها حية. ليه يوم كبرت عرف ببنية ولده المرحوم أنها حية. أم صقر جلست حده وحطّت يدها على فخذه وبصوت حنون: "عانها يا أبو صقر جت البنية بنية صقر قدام عينك، بنيتنا عندنا هنا بين أهلها." عايشة خنقتها العبرة وهي تشوفهم حست إنهم القريبين لها البعيدين عنها.

أبو صقر ضمّها وحبّ راسها وهو يشم ريحتها بها من ريحة أبوها لو هي ما شافته. ولا تدري عنه ولو هو ما شافها ولا يدري عنها ميتة أو حية. حست بحرارة دموعه على رقبتها وبعدت عنه ومسحت دموعه: "بس أنا ما جيت بذا لأجل تجرون الونين عندي! ههههه أنا جيت أبي أشوفكم وأسلم عليكم و... ناظرت سعيد. سعيد انتبه لها: "أطلع؟ عايشة تناظره: "لا.. الكلام اللي قلته ببيت الشيخ أبو راجح." سعيد ما فهم: "ويش قلت؟

عايشة نزّلت راسها وهي تجبر نفسها تقول هالكلمة وتدري أنها بتفتح جروح قديمة لهم: "مـ مرض أبوي." الكل شدّ على ملامحه وأم صقر نزّلت راسها بس من حقها أنها تعرف. ما حدن يلومها لا بغت تدري عن حال أبوها يومنه عايش. سعيد هزّ راسه وتنهد: "أبشري أنا أخبرك به بعدين." عايشة تتأمل بجدها وجدتها: "أنا أدري به لكن أبي العلم الوكاد." سعيد: "أبشري باللي تبينه يا بنت العم."

كانت جالسة ومعها عصا وتحوس بالرمل قدام بيت أبو عقاب.. وساجّة فزّت من شافت الأغراض اللي قدامها والضو وأشياء جديدة. أول مرة بحياتها تشوفها.. سهام فتحت البطاطسات حطّت القهوة على النار والمارشميلو ووو.. زينة ناظرتها بفهاوة: "ويش ذا يا بنت؟ سهام تهزّ كتوفها وترجع شعرها ورا: "شرايكك وأنا لابسة جلابية عويش كيوت صح؟ زينة ناظرت جلابية عايشة ومسكتها بطرف إصبعها: "وش حقه لابستها؟ سهام:

"عادي اختي وألبس اللي أبي منها وتلبس اللي تبي مني، المهم المهم ذوقي هذا." زينة تأكل من اللي تعطيها وكل شوي تناظر جلابية عايشة بغيرة. سهام: "أء عايشة متى بترجع؟ زينة: "ليلة وتعود لنا بذا." سهام تصبّ قهوة: "فكّي اللي عندك خلينا نتقهوى." عند الغدير ~ عزام يسقي فرسه: "اليوم ما به شغل واجد." حاتم سارح وخيله يشرب مويا. عزام رفع صوته: "حاتم! حاتم لفّ عليه: "سم." عزام: "سمّ الله عدوك.. وش بلاك ساج منت حولي؟ حاتم بصوت راكد:

"لا لا سرحت شوي.. ويش كنت تقول؟ عزام قرّب له ناظر عيونه لفترة. حاتم صدّ عنه ويضحك: "ويش بلاك أنت يا رجال اترك هالحركة عنك." عزام ابتسم: "إيه أضحك أبي أشوف هالمصفوفات كل لحظة." حاتم زادت ضحكته: "الله يا أبو فزاع، تقلب حالي بثواني." عزام ضحك بخفة: "ودي اليوم نسوي شي جديد خاطري ننهبل." حاتم: "الله يستر منك أنت هادي هادي بس لا قام خاطرك ذا يهبل بي." عزام:

"ههههههههههههههههههههههههههههههه وش حليلي أنا بس امش ولا تكثر كلام." حاتم: "يا الله سترك بس." ركب فرسه وعزام بعد.. ويستعرضون بهن قدام بعض. الجد وصّى الصبيان يذبحون الذبايح والجدة ما به حرمة إلا وعزمتها. أما هي كانت تتمشى بالبادية وهي تشوف الممرات بدقة وتعرف أن أبوها بيوم خطى على هالطريق. دخلت بيت طين شكله غريب ووراه نخل، شدها فضولها ودخلت.

شهقت أول ما سحبها وضرب ظهرها على صدره وسد فمها. سحب سيفه وثبته برقبتها بقوة لدرجة لو تحرك رقبتها يمين أو يسار انجرحت. كان صدرها يرتفع وينزل، ولفها له وباقي السيف على رقبتها. وقف يتأمل بوجهها لثواني؛ وجه غريب وخائف، وبملامح حادة وبنفس الوقت نظرة بريئة. تكلم بصوته جهوري ومبحوح: "ولا حركة زي ما أنتِ، لا تتحركين. من أنتِ؟ وش تسوين بذا؟ عايشة عقدت حواجبها وتحرك جسمها وهو مثبّتها أكثر.

رفعت يدها وبحركة سريعة منها مسكت رأس سيفه الحاد وسحبته منه بقوة وهي تصرخ بداخلها من الألم. انجرحت أصابعها الأربع بيدها اليمنى. رفعت السيف وقربته من رقبته وبحدة: "ليه ذا المكان ما تبي أحدن يجيه؟ انبهر منها شلون قدرت تأخذه منه، وجرحت يدها، ومن علمها؟ تنهد وأخذ نفس وهو يشوف يدها تنزف: "ذا ذا المكان ما حدن من أهل البادية دخله من سنين." عايشة زاد فضولها: "وليه؟ تردد يقول: "سالفة قديمة جميع أهل البادية يعرفونها."

ركز شوي بملامحها وعيونها، ورسمة حواجبها وشفايفها، وبهدوء: "أنتِ من أنتِ بنته؟ أول مرة أشوف هالزول بذا." عايشة ردت عليه لأنها تظل تفتخر بالاسم اللي تحمله، وممكن هو يدلها على شيء من الماضي: "أنا عايشة بنت صقر، ولد الشيخ." سكر عيونه وفتحها بهدوووء لأكثر من مرة، والاسم يتردد على مسامعه. سكر عيونه وبهدوء: "من؟ ردت عليه الصوت وهي مستغربة ملامحه: "بنت صقر ولد الشيخ، أنا عايشة." ثبت عيونه بعيونها وكأن عيونه بدأت تضعف وتخونه:

"صقر؟ اللي توفى من 23 سنة؟ عايشة سكتت شوي وهزت رأسها. مسك يدها ونزل السيف وطاح. سكرت عيونها وهي تسمعه وهو يصدع بالأرض. أما هو فكان مثبت عيونه عليها، أخذ نفس: "عايشة، عايشة." سحب رقبته وثبت سيفه عليه وبحدة: "سعود وش تسوي بذا؟ وش لك شغل هنا؟ ما فهمت كلام الشيخ ولا إيه؟ سعود تحرك بقهر: "الشيخ هو أبوي، وهالبنت بنت أخوي." سعيد: "أبوك؟

هالحين نروح أنا وأنت وعايشة له، وإن ما علق رقبتك بوسط البادية لجل الكل يتّعض ما أكون أنا سعيد." عايشة تناظرهم باستغراب: "يعني هذا عمي؟ سعيد هذا عمي؟ سعيد يناظره بقهر وحرقة: "أنتِ لو تدرين وش هي سواته اللي خلى أبوه ينفر منه ويبعده عن البادية وأهلها، خجلتي تقولين له عم في ذمتي." سعود صرخ بغيظ: "من أنت؟ خبري بسعيد الأولاني ما يصدق هرجة مرة ويكذب عمه وأخوه ورفيقه. خبري بسعيد العاقل ما يصدق لين يشوف الدليل بعينه. من أنت؟

أنا ما عرفتك ولا أبي أعرفك." سعيد ناظره وصد، مسك ذراع عايشة: "وأنتِ مالش شغل بذا وعند هالـ" سكت ما رضى يسبه أو يقول كلمة له، لأنه بيوم كان عمه وأخوه وأبوه وخويه. سعود: "سعيد! سعيد يجر خطواته وبخاطره يلف عليه ويرد بـ "لبيه". خاطره يخمه لين ما تختلط ضلوعهم. كان على شين سواته إلا أنه للحين باقي مكان بقلبه. كان على بشاعة فعله إلا أنه وده يحب رأسه ويعتذر ألف مرة، كان عمه يحتاجه بها وهو يبعد عنه. عايشة

تمشي مع سعيد وهي سرحانة: "وش سالفة سعيد وعمي؟ وش سالفة هالمكان والبيت المطيّن؟ كشرت بألم ووقفت وتوها تذكر يدها. سعيد لف عليها: "أنا بروح أريح شوي، ويش ذا؟ من سعود؟ عايشة: "لا لا ذا مني أنا. الخبل كان حاط السيف وناوي ينحرني." سعيد: "وأنتِ وش سويتي؟ عايشة: "إلا شوي كنت ناوية أكسر يده وأنا بنت أبوي." سعيد ضحك بخفة وهو يلف قطعة قماش على يدها: "كفو."

كان عندهم سوالف وقصص قديمة يدفنونها من دون ما يعرفون نهايتها. يدفنونها ولا يعرفون نهاية القصة اللي ما تهنّى بطلها. يدفنونها ومن محتوى القصة يسكرونها قبل ما يبدونها ولا يعرفون حقيقتها. سعود صار يناظرهم لين اختفوا من عينه. ولا هو مصدق عينه، كأنها كانت قبل سنين ماتت. من سمع اسمها حس بعرقة جبينه، ودمعته كانت بتخونه. كان يشوف ملامحها ولا هي غريبة عليه. نبرة صوتها تذكره السوالف القديمة. جلس على صندوق كبير بالغرفة يسمى

(السحارة) يحطون به الملابس عند أهل البادية. جلس فوقه وعيونه بالأرض، وأخذ نفس كبير. يحس الحياة رجعت، يحس بحس أخوه صقر حوله. وزع عيونه على زوايا الغرفة بدأت عيونه تحره وأنفاس أخوه الأخيرة كان يلفظها بذا. كان يحب هالبيت الصغير وحبه انبنى مع هالبيت. بس مات بطل القصة وحبيبته راحت، انفنى كل شيء لهالبيت. بس لو تدري عايشة عنه؟ وعن قصته؟ ومن هو بيته؟ ووش هو الدرب اللي خلاها وهي بمجرد تمشية بالبادية؟

ووش هي الخطى اللي دلّتها على عمود القصة بدون تعب؟ صار يتخايل له جسد أخوه المرمي بإحدى غرف هالبيت. سكر عيونه بيدينه وكأنه طفل يمنع أي أحد يشوف دموعه. شد على يده وهو يرس عيونه أكثر لا تنزل منه دمعة. "الله يرحمك، الله يرحمك يا أبو عايشة." ملّت وهي تسأله وهو ما يجاوبها، ومنهبل من فضولها. فضيعة ما قدرت حتى أركز وين بيت أبوي من أسئلتها.

عايشة دخلت عند جدها وهو يرحب بها. أما سعيد راح للخيمة اللي بها جدته وأمه وأخته لأجل يريح شوي، وباله مشغول. لأنه نبه عايشة ما تقول لأحد عن اللي صار قبل دقايق. ومشغول بعمه اللي له سنة ما يدرون وينه لأن الشيخ أبو صقر أبعده عنهم قدر الإمكان، بظن أنه عمل عمل قذر من الكلام اللي وصله، لكن ما حاول يفهمه ولا حاول سعود أنه يكلمه، لكن كان شديد لدرجة أنه أبعده عنهم وعن أمه وخلاه بحال سبيله.

سعود طلع من البيت وسكره بإحكام لأنه يبقى أمانة من أخوه صقر. مشى بين الناس متلثم ويتخفى، والمفروض أنه يمشي بينهم بكل ثقة وينادون باسمه: "سعود يا ولد الشيخ."

المغرب، بعد ما تغدوا من الذبيحة اللي ذبحوها عشان عايشة، كان الرجال جالسين بالخيمة اللي بآخر البادية، والحريم متجمعين بخيمة لحالهم. عايشة تهوجس ما هي لم أحد، تفكر بسعود وليه ما تشوفه مع جدها بمجلس الرجال. أما عن البيت المطيّن ما اهتمت له، فكرته بيت قديم وعادي ما عطته أي أهمية. صارت تحس بضيق من الأفكار اللي برأسها والتفكير والفضول.

طلعت شوي عنهم وراحت ضمت نفسها أكثر من البرد وهدوء. فزت من حست بثقل بكتفاها. لفت، شافت سعيد حط فروته عليها لأن الجو بارد. سعيد: "وش مطلعك بهالجو والبرد هنا؟ عايشة أخذت نفس وبعفوية: "يا ولد العم هاك عباتك ما قصرت. أما عن طلعتي بهالجو فلأن الفضول ذبحني حول سالفة عمي سعود، واللي رفع السما وثبت الأرض بمخاليقها ما ني رايحة لين أعرف وش اللي صار ووش اللي بيصير، وأعرف سالفة مرض أبوي يا سعيد."

سعيد سكت وبباله سالفة لزوم يفاتح الشيخ بها وعن عايشة هي. رمى الحطب وطق يدينه وشد عمامته وشب الضو وحط الدلال على جنبها. وجهز الفناجيل والتمر. أشر لمصعب وعزام يجون. عزام يمسح يدينه: "وش مسوي أنت؟ مصعب: "الفضاوة وفعايلها." حاتم: "اجلس اجلس أنت وياه بس." جلسوا كلهم ويتقهوون وكل ما مر عليهم رجال عزموه معهم.

أكلت من الحلاو وشربت القهوة مع الحلا مع أنها أشياء نادر تشوفها. أحيان كانت أم عايشة تجيبهن معها. أكلت لين ما حست بشبع فضيع. وعيونها مغورقة: "آخ يا تسبدي." سهام ناظرت عيون زينة وغورقت عيونها: "هيه شفيك تبكين؟ زينة ضحكت بخفة ومسحت عيونها: "الضو تدمع عيوني عنها ماهو بكى." سهام: "طيب عادي أقولك شيء؟ زينة لفت عليها: "وش؟ سهام تقوست شفايفها بعبرة: "اشتقت لأمي وأبوي." زينة ردت لها ابتسامة باردة بدون أي كلمة.

سهام اندست بحضن زينة. ابتسمت بربكة ومسحت على ظهرها وتوكلها حلاو وتضحك وتأكل معها. سهام قامت عن حضنها وبها العبرة: "أنا جيت عشان عايشة يمكن تصير زي أمي بغياب أمي. بس ها شوفي راحت لمدري مين. والله! زينة صدت عنها وهمست بخنقة: "وأنا وش أقول عن عايشة اللي طول عمرها أمي؟ ماهو بس بغياب أمي. والحين أفقدها من جديد؟ لا لا أستغفر الله." محت هالافكار من رأسها وأخذت نفس ورجعت تأكل بمحاولة أنها تنسى.

بالليل بعد ما صفا بالخيمة غير أبو صقر وسعيد، قرر أنه يفاتحه بموضوعه وهذا الوقت المناسب. أبو صقر لاحظ سرحان سعيد: "سعيد." سعيد لف عليه: "سم." أبو صقر بصوت جهوري خافت: "يا أبوك ظني أن بعيونك سالفة قلها كأنها عند ظني." سعيد ابتسم ونزل رأسه:

"والله ههههههه مدري ويش أقولك يا شيخ بس، أنت عارف أن عندنا البنت لولد عمها. وأنا ما عندي عم غير صقر الله يرحمه. وهذي بنيته عايشة عندنا، أنا أقول فاتحها بالموضوع وعطني رأيها، منها أنها تسكن حولنا وقدام عيوننا وتأخذ اللي مننا وبنا." الجد أبو صقر سكت لفترة:

"أنا يا أبوك ماني بجابرها على شيء. ولا ودي أن البنت تروح من يدينا مرة أخرى وتروح ريحة صقر. بس أنا أشاورها بالموضوع وأشوف رأيها. أبشر بطيبك بس الرأي الأول والأخير هو رأيها. وماني مخليها تعطيني ردها بسرعة، خلها على راحتها وأنت ولد عمها وأدرى بحالها وهي أدرى بمصلحة نفسها. هذي أمانة صقر، أحطها بعيوني لو ما توسعها الأرض بوسعها ولا أصبح الصبح يصير كل خير إن شاء الله." سعيد ابتسم وبصوت راكد ومبحوح:

"الله يرحمه. والشور شورها بنت صقر وأنا حاسب حساب أي رد يبي يجيني منها وعاذرها لو رفضت ومرحباً بها لو وافقت." ابتسم: "هذا العشم والطيب منك يا أبو سيف رحمة الله عليه." سيف هو أبو سعيد. سعيد تنهد: "الله يرحمك ويغفر لك يا يبه." الصبح كلهم قاموا من النوم واللي جفت عينه النوم. واللي نايم والشوق ما أخذه منه. واللي نايم ويفكر بشيء ممكن يصير بأحلامه. أفطروا وكلن ينتظر طلتها عليهم. ينتظرون يلمحون زول الفرس.

كان واقف بأعلى الجبل ومن لمح زول فرس جاي لجهتهم ركب فرسه وركض لمكان يتخايل له وجودها فيه. من قرب خفف خيله السرعة ورفع صوته بخيبة: "يا هلا ومرحبا. من أنت؟ الرجال: "البقى. أنا جايكم ضيف يا ولدي وأبيك تدلني على شيخ القبيلة." حاتم: "حياك الله زين، خليك وراي." مشى وهو يلتفت وراه يتمنى يشوف زولها. هز رأسه وهو يضحك بخفة: "أستغفر الله العظيم وش بلاي." راح ووصله للشيخ. زينة تنهدت: "ما كأنها تأخرت؟ ولا هالحين هي بالطريق؟

يا ربي عجل بشوفها." أم عقاب: "أبك وش بلاك يا بنية اهجدي شوي وإن شاء الله البنت جاية! زينة تهز رجلها وسهام توها قايمة. جت تفرك عيونها وتتثاوب: "صباح الخير." أم عقاب: "تعالي يمه افطري مع زينة." زينة: "لا لا أنا ما أبي أكل لين تجي عايشة." أم عقاب هزت رأسها ومدت لسهام الخبز. وسهام بدأت تأكل، أما زينة طلعت من الخيمة وتناظر الطريق اللي راحت منه عايشة. تنهدت بقلة حيل وراحت للنياق والأحصنة والغنم.

وقفت عند إسطبل الأحصنة اللي حاطه حاتم، كان فيه فتحات زي النوافذ تطلع الأحصنة رؤوسها معه. كانت واقفة تتحسسهم وتداعبهم بهدوء. وتبتسم لأن عايشة تحب الأحصنة وبأي وقت كانت مستانسة أو متضايقة لزوم تروح تركب واحدن منهن وتركض به، كان أكثر شيء تنفس فيه عن عصبيتها ولا تضر أحد. وأكثر شيء تعبر به عن سعادتها وفرحتها. أخذت نفس وكشرت، اشتاقت لها حيل.

جاءت من أمها ما أمداها تحكي لها عن اللي صار بغيابها إلا ويطلعون أهل أبوها بشكل غريب ويطلبها جدها. وهي عارفة أن عايشة تموت بأبوها وبذكره الطيب. وتعشق أي شيء ممكن يزيدها قرب من ريحته وسوالفه. فزت ولفت لباب الإسطبل والحصان طلع صوت. أخذت نفس وابتسمت بوجهه ابتسامة شاحبة. عزام ارتبك وهو يشوفها لحالها وحس بقبضة بروحه وابتسامتها ما طلعت من قلبها ولا بينت أنيابها. قرب لها: "زينة! يا الله حيّها ارحبي وش حالك؟ زينة ببحة:

"الحمد لله." عزام: "وش به صوتك مهو مثل ما خبرته؟ زينة ناظرته ونزلت رأسها بملل: مدري يا عزام، ما نمت طول الليل. عزام قرب لها بخوف وناسي نفسه، رفع وجهها وهو يحط يده تحت ذقنها. زينة بمجرد ما رفع رأسها انسابت دموعها الحارقة، كتمت شهقتها ووخرت عنه ومسحت دموعها بكمومها. ثبتت كمها على عيونها وتركت لدموعها الحرية بالانسكاب وهي تحس بفقد كبير شوق.

عزام ناظرها، كان وده يخّمها، عرف إنها فاقدة عايشة ومحتاجة أي أحد تنثر له همها، لو ما عندها هم محتاجة اللي يوقف معها ويملي يومها ويضحكها. كان وده يمسح دموعها ويقول لها البكى ما انخلق لعيونك. كان وده وده بأشياء كثيرة بس استملك نفسه ومسك يدها وجلسها على صخرة كبيرة وعطاها منديل تمسح دموعها به. الرجال: إي والله حاتم ما قصر، استقبلني قبل ما أدخل البادية ودلني عليك، الله يجزاه خير، كنه عارف جيتي لكم.

حاتم ابتسم نص ابتسامة، أما أبو راجح كان مفتخر بحاتم ويسولف مع الضيف وما يدري إن حاتم كان ينتظر جية أغلب أهل البادية، يبون زولها وجيتها لهم بأسرع وقت! -راحت لنفس البيت اللي كانت أمس به وقابلت عمها سعود! بس الباب كان مسكر بحكمه، ومستغربة نظرات الناس لها وهي واقفة عند الباب. فزّت ولفت للحرمة اللي وقفت جنبها بابتسامة مكر ونظرات غير مفهومة بالنسبة لعايشة: أنتِ عايشة؟ بنت صقر!!

ههه عاد هالبيت عاده ما جاه أحد من عقب فضيحة عمك سعود وموت أبوك. هذا بيت أبوك المسكين، جيتي تسكنين به ولا ويش عندك؟ بس ما أنصحك، لأن كل من دخل بالبيت حياته تدمرت وهذا إذا ما أخذته المنية ومات. هالبيت ما ينسكن به عقب أمك وأبوك ما عاد يصلح للعيش. صار مكان مهجور من عقبهم، هالحين أنتِ جيتي له؟ حست بهدوء عايشة وارتبكت: شكلهم ما قالوا لك إن هذا بيت أبوك صقر حتى ومات بذا البيت، الله يرحمه! يالله الله يكون بعونك، فمان الله.

أخذت نفس عميق وهي تشوف الحرمة وهي تمشي وحست لدقيقة توقف عنها الأكسجين والحركة. حست الكون كله ضاق بنفس الوقت، حست الأرض وسيعة، ما تدري تضحك ولا تصيح! دموعها اللي تجمعت وهي ترجع عيونها للبيت ما تدري هي فرح أو حزن!!! يعني ريحة أبوها! ضحكات أمها وأبوها، هالبيت حافظهم ومسجلهم بجفن حزين غافي له سنين!! حطت يدها على الباب وتحاول تفتحه وهي ضايعة تبي تدخل تبي تشوف كل غرفة وتشم كل قطعة قماش وتحضن مطرح أبوها اللي توفى به!!!

لفت حولها تتمنى تشوفه يجي يفتح لها الباب، ما تبي تطلع أبد، الود ودها تبقى هنا وتحضن ذكريات أمها وأبوها اللي ما حست بحس أمها الحية وتحس بأبوها اللي تحت التراب من سنين!! رفعت وجهها للسماء ودعت من كل قلبها، ما تذكر بيوم دعت من كل قلبها أكثر من ذا اليوم، دعت إنه يجي لأنها تحس إنه المفتاح الوحيد لكل الأقفال. الجواب الوحيد لجميع الأسئلة. الوحيد اللي بإمكانه يصحّي الذكريات الغافية. واللي غفوتها طوّلت! أكثر من اللازم....

شهقت ولفت وراها، كان مستغرب من سرحانها. والواضح إنها غارقة بالتفكير. تكلمت برجوة: يا ولد عمي رجيتك من بعد ربي تكفى قل تم. سعيد بدون أي تفكير حس إنها تحتاج سند! جواب! تم يا عايشة، وش البلا اللي بصدرك؟ أمري وش بغيتي!!؟؟ عايشة عيونها لمعت وهي تشوف زوله من بعيد "سعود! سعود؟ سعود. سعيد عقد حواجبه وبنبرة: وش به؟ عايشة: نخيتك، أبيه يفتح لي بيت أبوي!!! "بيت أبوي!! دارت الكلمة لأكثر من مرة بمسامعه وسكت! عايشة كملت:

هذا هو وراك يا سعيد يا ولد عمي، طلبتك كانك منت طالبن منه أنا أقوله بس جدي لا يدري، أنا أقوله بعدين بس! أبي ريحة أبوي لو شوي! سعيد ببحة نزل رأسه: اللي تبينه يصير، أبشري يا بنت صقر، ما أكسر خاطرك هالحين يفتح الباب. تنهد: أبشري. عايشة تنفست براحة وسكرت عيونها وهي متعلقة بالباب وكنها طفل ضايع يشوف أمه بين الزحمة ولا قدر يوصل لها إلا بمساعدة شخص كبير يوصله لها؟!! سعيد راح له وهو مستغرب كيف سعيد جاي له..؟!! السلام عليكم.

سعود: عليكم السلام والرحمة، يا هلا بغيت شي؟! سعيد ناظر عيونه: عايشة تبي تدخل بيت أبوها. سعود بلع ريقه: متى عرفت إنه بيت أبوها؟ أنت قلت لها؟ سعيد: ما أدري من اللي قالها. افتح الباب يا سعيد، البنت قلبها متشفق هاليوم. سعود راح بسرعة لعايشة وفتح الباب. ناظرت حوش البيت وكنها أول مرة تدخله، أول مرة تشوفه. دخلته هالمرة بشعور جديد ويختلف كليًا وكنها تشوف دنيتها هنا! أبوها بنى هالبيت أكيد! أكيد أبوي حط هالبر بوسط هالبيت!

أكيد أبوي حط هالمساند! أكيد وأكيد!!!! كانت تشوف كل قطعة وتشوف أبوها حولها وتأكد لنفسها إن أبوها هو اللي حطها وهو اللي اختار مكانها مع أمها وهم مستانسين وفرحانين ويختلفون على مكان ويرجعون يتفقون على ثاني. دخلت غرفة نومهم ولا كان منها إلا إنها ترتمي على المطرحة وتشمها بكل ما فيها بغير شعور، حست دمعتها حرقت عينها ولا تعودت تظهرها ولا تعودت دموعها تنزل من عينها!!

خمت المخدة والمطرحة وغترة أبوها المعلقة على مسمار مدقوق بالجدار المطيّن. كان غرفة وبيت بسيط وصغير بس يحمل مشاعر جميلة ومدفونة فيه من زمان، انبنى حب مع بناية هالبيت ومات الحب مع موت راعيه..... موتة بشعة محد يتمناها لا حبيب ولا صديق ولا حتى عدوّ! رفعت رأسها وأخذت نفس!! حست بأنها أول مرة تأخذ نفس نظيف وطاهر، كل شي؟ أنفاسها وخطواتها وريحة البيت تحس لها طعم مختلف غير عن بقية حياتها!! "نخليها شوي!

-كانوا واقفين قدام البيت لأجل عايشة تأخذ راحتها. أخذ نفس وناظره: البيت نظيف. سعود هز رأسه: أنظفه بين فترة وفترة. سعيد ناظره بنظرات ما فهمها ونزل رأسه بيأس، من زمان مت بحّر بعيونه وعاينها واستشعر بكل ثانية يقضيها معه ويسولف له بها ويشكي ويهوش ويتضارب ويضحك، كان له أخو قريب حيل، توأم.. بس مجرد فعل منه صدمه وبرّد شعوره تجاهه، صار يشوفه زي الغريب القريب له! شعور لا يفهم أبد حتى سعيد ما فهمه!!! ....

بس من شاف عيونه حس بها سوالف كثيرة وهم كثيف! ما عنده من يسولف له بهمومه ولا ينسيه همه ويشاركه. حس بنظرات سعيد له، رفع عيونه له، حس بضعف يكرهه حيل ونزل عيونه بسرعة ولف للباب: طولت! سعيد ابتسم نص ابتسامة وجهر صوته: حط نفسك مكانها! ما تنلام. سعود ابتسم: وشلون يدها؟ سعيد ما كان وده يأخذ ويعطي بالكلام معه بس حس إنه اشتاق له: البارح لفيتها لها بقطعة قماش، ما شفتها هالحين نشوف. سعود هز رأسه وساكت.

-ما فقدت الأمل بأنها تجي، كانت جالسة بنفس الصخرة اللي حطها عليها عزام وتشوف عزام رايح جاي ويسقي الإبل والحلال كله ويحط لهم أكلهم ويشتغل، وزينة تناظره بصمت. ضحكت بخفة وهي تناظره شوي وزاد ضحكها. عزام انتبه لها وناظرها شوي وناظر ملابسه!! رجع يناظرها وهز رأسه بمعنى -؟؟ ابتسمت وجلست تناظره وهي ساكتة. عزام ابتسم نص ابتسامة ورفع حاجب شوي... جلس يضحك على تصرفاتها الطفولية والغبية بنفس الوقت!! وشال الإبريق اللي معه:

أنا رايح للبير تامرين شي؟ زينة وقفت بسرعة: اصبر يا عزام لا تروح، عادني بروح معك شوية بس. راحت لأم عقاب وأخذت إبريقها بسرعة. أم عقاب: يا بنت وين رايحة؟ زينة ما ردت عليها وراحت لعزام ووقفت عنده: يالله. ابتسم ومشى وهي مشت وراه. -حاتم طلع عقب ما راح الضيف للسيارة وطلع اللجمات اللي جابها لفرسه راجح.. وطلع أغراض له والعود والبخور اللي جابهن لجده والباقين.. سكر السيارة وراح لجده.

كان يتوضأ لصلاة العصر وحط اللجمات وزينة الفرس على جنب وأخذ أكياس والعود والبخور ودهن العود.. جلس ونادى جده وهو مبتسم: طب وتخير. جده ضحك: وش أنا قايل لك يا وليدي؟ حاتم: اسمع اسمع بس ماهو ضروري أنفذ، أبك فلوسي لما راحت عليكم تروح لمن؟ الله لا يعوق بشر، خذ خذ جعلني فدا مواطيك أنت وأمي وعزام فوقكم وراجح بعد. أبو راجح ضحك وجلس جنبه: وشو هذا؟ حاتم يفتح الأكياس: هذا طال عمرك دهن العود وهذا البخور والمسك...

عطا جده وخلى الباقي لعزام وأمه. عزام جاهم ومعه الإبريق وحطه على الضو الكبيرة وحوله الدلال وابتسم: وش عندكم بذا، الصلاة قربت. أبو راجح: الحق الحق على حلالك ولا يبي يضيع من يديك. حاتم: لا لا حلالك موجود ومأمّن بس أنت بعد الصلاة تشوفه. عزام: يا خوك خوفي ما أركز بالصلاة وأفكر به وينه بس. حاتم طلع له الكيسة حقته وحاط بها من كل شي. عزام ابتسم: الله يكثر خيرك ويجزاك خير ما قصرت. حاتم: سويت شي أنت وأخوي وتستاهل. عزام:

تستاهل الطيب. راحوا يصلون بعد ما أعطى حاتم أمه أغراضها. -راحوا يصلون العصر ورجع سعود للبيت.. بيت صقر. كانت عايشة للحين فيه وما طلعت أبد ولا كان ودها تطلع، حست عيشتها هنا ونفسها وروحها حتى هنا. سرحت بعيد بتفكيرها وهي تتخيل، تتمنى، تبتسم.

فزّت أول ما سمعت صوت الباب.. حست براحة أول ما دخل سعود، تحس إنها تعرفه من زمان، وجهه طيب وملامحه وعيونه الناعسة.. حست بعيونه سوالف وبجفونه حكايات وأسرار وحقيقة غايبة وغافية عن الكل ولا أحد حاول يعرفها ولا أحد تجرأ يسأله عنها. عايشة بابتسامة: يالله حيه. سعود رد لها الابتسامة: الله يحييك ويبقيك.

عايشة أشرت له جنبها.. زمان ما عامل أحد معاملة زينة، من عقب ما كان ولد الشيخ كل ما ذكر اسمه وقفوا محترمين له.. صار يمشي بينهم بخفية وتخفي ونص ثقة. صاروا يطالعونه غريب.. عقب ما كان القريب الحبيب. جلس جنبها ويناظر عيونها وحس بطيبة العالم كلها فيها وبراءتها. عايشة قاطعت سرحانه بضحكتها اللي امتزجت بكلمة: عمّ! سكر عيونه على أنغام ضحكتها: يا لبيه! ناظرته بعيون مبتسمة:

تدري ذي اللحظة اللي تقدر تقول إني أضحك من قلبي، أحس الدنيا ماهي واسعتني من الفرحة، والله سجدت لله شكر أكثر من كل مرة. كانت واضحة فرحتها بعيونها اللي سرح بالنظر فيها بعيد وتطري عليه أشياء واجد، فز وقطع سرحانه دخل سعيد عليهم وهو خايف يقولها عن الحقيقة وسوالف هالبيت. سعيد ناظر عايشة: ما ودك نعود للشيخ؟ عايشة مسكت ذراع سعود بيد وحدة وهزت رأسها: تعال يا سعيد.. زودن على هالكبر وش تبوني أعجز على ما أعرف وش سالفة عمي؟

اجلس أشوف وقل لي كل شي. صدمته بطلبها.. شي صعب ويخجل ذكره حيل، عقد حواجبه: يا عايشة، شي ما يشرف ما أنصحك تسمعينه، امشي معي نرد ونعين من الله خير. عايشة احتدت نظراتها وصوتها: وأنا ما ودي أطول على أهلي، قلت لك ماني رايحة لين أعرف وش بحلوقكم ولا تطولونها وهي قصيرة، أظهروا ما عندكم، أنا وحدة منكم وبكم يا ولد عمي ومن حقي أعرف اللي يصير خصتن اللي يخص أبوي، لا تخفي عني شي. سعيد لف عليها وأجهر صوته:

أبشري باللي تامرين به يا بنت صقر، تحملي كل اللي تسمعينه وكل اللي بيلوث مسامعك. وجه نظره لسعود اللي كان مقصود بكلامه. سعود كان يناظر عايشة ويشوف حدة عيون أخوه صقر.. وملامح أخوه، كل شي بعايشة مأخوذ من صقر أبوها..... لف على سعيد وهو متأذي من كلامه وبصوت جهوري ومبحوح: والحقيقة اللي بتنصدمين منه أنتِ وأهل البوادي كلهم. سعيد رفع حاجبه وهز رأسه بالموافقة بثقة. عايشة بدت تسرد الأسئلة اللي دفنها الزمن بصدرها:

وش اللي خلى جدي أبو سيف -جد عايشة -يبعد عمي سعود عنه؟ أبي أسمعها منكم كلكم! بدأ سعود يسرد قصته اللي مبعدته عن أبوه فقط! وكان يناظر سعيد بلوم وعتاب بس مع هذا كله كان عاذره، كان يشوف فيه الأخوة والصداقة إلى الآن، سعيد القديم اللي على خبري موجود، سعيد ما مات، حي ووافي للحين باقي على عهدي... أما عن سعيد؟ ملامح سعيد؟

عيونه اللي حس بحرارتها وجفنه اللي ذبل وهو يسمع كلام عمه، كان عكس ظنونهم، كان عكس ظنون أهل البادية وجده وظنه هو! هو بس سمع الكلام من جده ومن... ومن صدمته ما رضى يسمع من عمه، ما رضى يسمع تبرير أو حتى يعرف الحقيقة نفسها. رضى بقرار جده اللي كان صعب عليه واجد، بس ما قدر يقول شيء.

كانت أيام تمر عليه يتمنى يقابل عمه لو صدفة، يتمنى يلقى طيفه بس ويخمه ويشم ريحته اللي ماخذة من أبوه واجد. كان سعيد عند أهل البادية رجال بارد ويحتزم به الشيخ، رجال سنافي وكريم. رجال ساكت، وإذا تكلم سكتت الحروف من هيبته. بس بمجرد ما يختلي بعمه يحبه ويحب حنانه، يضعف واجد عنده. أخ، خوي، أب، ابن على هيئة عم. أكثر شخص يجلس معه ويسولف له ويشكي له، حتى لو ما تكلم يجلس معه ويسمع ضحكته وصوته، يحس بجليد يطفي اللي به. ولكم أن تتخيلوا كيف كانت حياة سعيد بفراق سعود.

للحظة تهيضت مشاعره وشوقه زاد، وما ينفع الندم ولا الشوق. صد بوجهه عن عايشة وعيونه بها لمعة وله. صحيح عايشة ما كانت تشوفه، بس عمه سعود كان يراقبه ويكمل سوالفه ووشلون عاش بعيد عنهم ووين عاش به.

خلص كلامه وتنهد تنهيدة طويلة، ومسك وجه عايشة بكفوفه وحب جبينها وضم رأسها لصدره وهو عارف كبر صدمتها بكلامه. ضمها لأجل عيونها، لا بغت تذرف تذرف بصدره، شهقتها لا شهقت تشهق حول قلبه. دخلت رأسها زود بصدره بس ما بكت ولا طلعت دمعة واحدة. وعيونه على سعيد وببحة راكدة: "أنا أنهيت اللي عندي، ابدأ يا سعيد."

سعيد لف عليه وجفنه ذابل وعيونه مصدومة ومعقد حواجبه بحدة. سعود لف عنه أول ما لمح عيونه، وناوي يقسى عليه مثل ما عاش بدونه وبدون أهله وأمه. بس من شاف عيونه حس بضعف، وهذا اللي خلاه يصد بسرعة قبل ما يضعف قدامه وقدام عايشة.

عايشة استغربت لحظة الهدوء اللي مرت بدون لا يتكلم سعيد ويبدأ باللي عنده. رفعت رأسها من صدر سعود اللي ودها لو أنها ما قامت منه أبد ولا تحركت، وشدت عليه أكثر لأن به إحساس. إحساس غريب وهي على صدره ويدينه على ظهرها. شافت وجه سعيد اللي ما كان أقل صدمة منها، بنفس الوقت كان فرحان أن عمه ما طلع مثل ما يقولون، ما طلع مثل ما يظن جده. كان وده يمسك بيد عمه ويركض به عند جده ويقول له الحقيقة، ويروح لأمه اللي عيالها راحوا واحد ورا الثاني وسعود لحقهم، فراق دنيا ما هو موت زي إخوانه.

عايشة بغت تتركهم لحالهم شوي: "أنا ضميت." قامت وراحت لأقرب غرفة، وكانوا عارفين أنها بس تبي تتركهم لحالهم شوي. وكلام سعود يتكرر ببالها أكثر من مرة، ما توقعت أبد يصير اللي قاله. توقعت كل شيء إلا أنها تصير... انسدحت على مطرح أبوها وأمها الصغير، بس به ريحة ما غيرها الزمن للحين باقية، ريحة توجع القلب. نفسها الريحة اللي كانت بفروة أبوها! أما عند سعود وسعيد، سعيد قرب له وببحة وصوت راجف: "عم."

سعود سكر عيونه بضعف من نبرة صوته وحس بارتعاش، وكل ما بجسمه فز من مسك يده وشد عليها وحبها أكثر من مرة ورجع يناديه: "عم... كان من شدة فرحته ما يحس بتصرفاته. خمه عمه بقوة وشد عليه وحاط رأسه عند رقبته ويضحك وبهدوء وببحة: "سعود."

ما قدر، ما قدر ما يرد عليه. ما قدر يرد له القسوة أضعاف، ما قدر يصدق أنه بيقسى عليه مثل ما فعل معه. كان يسمعه يناديه بس بكل مرة يهتز داخله شعور لين ما عاد يتحكم بنفسه وشد عليه ودفن رأسه برقبته. خمه بقوة يظهر حرة الفراق اللي لا شاف بها زوله ولا سمع حسه. هز قلبه وارتعش من قال اسمه على لسانه، ردد بسرعة ملبي نداءه: "لبيه."

سعيد تنهد براحة لأن عمه ما شال بخاطره عليه ورد له الصوت، بعكسه لما جابهم خبر عمه وسواته، ما سمعه ولا لقى له بال. سكر عيونه وطلعت كلمة ما توقعها سعود ببحة: "اعذرني يا أخوي، اعذرني. ما لي غيرك بهالدنيا سند وخوي وعم وأبو. راجيك اعذرني وامش لأمك وأبوك. امش أقول لهم وش صار معك. امش لا تطول الغيبة زود وتعمي أمك ولا تستلذ بنظرها." سعود أخذ نفس من سمع طاري أمه: "آه." عايشة جتهم وهم عكس حالهم قبل يومين. ابتسمت:

"تراضيتوا عقب المناقر؟ سعيد ناظرها وابتسم: "ومن قايل لش أننا متناقرين؟ وحب رأس عمه: "الله يطعني عنك يا عم." سعود كشر: "أنا لزوم أعيد عليك الكلمة مرتين؟ لا عاد أسمع منك عم ذي، توني شباب." عايشة تحسست ذقن سعود: "هذا طلع به الشيب ويقول شباب! سعيد: "هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه جبتيها يا بنت صقر." سعود دفعهم: "تقوا علي عاد؟ يلا أشوف أنت وإياه ما تنعطون وجه نعنبوكم." عايشة تناظره ومبتسمة. سعيد استغل هدوءهم:

"متى تبي تروح للشيخ أبو سيف أبوك وتقول له عن الحقيقة اللي حفرتها بقلبك بلا علم أحد؟ سعيد استغل هدوءهم: "متى تبي تروح للشيخ أبو سيف أبوك وتقول له عن الحقيقة اللي حفرتها بقلبك بلا علم أحد؟ سعود نزل رأسه بتفكير ويقلب السالفة برأسه. وهل أبوه بيصدقه ويرجع الأولي؟ ولا بيرجع يفصله عنه ويعيش الفقد للمرة الثانية؟ عايشة قاطعت سرحانهم: "هالسالفة خلوها علي، وإن ما طلب رجعتك ما أنا بنت لصقر." سعيد ابتسم:

"كفو، أنشهد أنش بنت رجال." سعود حط عينه بعينها: "ويش ناويتن عليه؟ كان جالس بصدر الخيمة وسرحان ما هو لأحد أبد. يدخلون الناس ويطلعون ولا يدري عنهم. ما به لا شغل ولا به شيء ينشغل به عن التفكير اللي ما يدري وش نهايته. دخل أبو راجح وهو يتشهد عقب الوضوء لأن صلاة المغرب قربت. استغرب هدوء حاتم وسجته وهو ماد رجوله ومنسدح ويدينه تحت رأسه ويناظر سقف الخيمة وكأنه يفكر. قرب منه: "حاتم." فز وانتبه له: "سم." عقد حواجبه:

"وش تسوي بذا؟ يا أبوك قم قم توضأ ما بقى شيء على الصلاة." قام من مكانه وراح يتوضأ، مسح على وجهه بعد ما خلص. رفع رأسه ولمح خيمة أبو عقاب من بعيد، شاف الشجرة الصغيرة اللي وراها. ناظر تحت بالتراب، ابتسم ابتسامة جانبية ونزل رأسه وراح يصلي مع جده وعزام. وهم طالعين يصلون جماعة، عزام لمح بيت أبو مزعل، كانوا يسلمون على مزعل ومستانسين أهله. أخذ نفس وعرف أن مزعل رجع للبادية. كمل طريقه وهو يستغفر ويذكر الله. فز ولف من حط حاتم

يدينه على كتوف عزام ويهزه: "وش تهوجس به؟ أكثر واحد يهوجس أنت." أبو راجح لف عليه: "أبك واللي تو أناديه كم من مرة ولا يرد علي وساج! حاتم ابتسم: "يحول يا يبه اصبر خل أطلع الحتسي من لسانه." أبو راجح ضحك: "طلع طلع أنت بعد، ما هو هو اللي بس يحتسي لك وأنت ساكت." بعد الصلاة، راحت لجدها والخيمة ما به إلا أبو سيف. بالعاده يكون معه سعيد بس هالمرة سعيد لاهي مع سعود. ابتسمت وقربت لجدها. رفع رأسه لها وضيق عيونه وهو يحوس بقشه:

"عويش... تعالي يبه ما تدرين وين سعيد؟ عايشة: "وش تسوي، بغيت شيء؟ مد لها اللي به: "عطيني يا يبه كسرة عود. هالحين الرجال على وصول." عايشة طلعتها ومدتها له: "يبي يجونك رجال؟ الجد: "ما هو هالحين، بعد صلاة العشا." تنهدت: "أجل اسمع يبه وش عندي لك." رفع رأسه لها ينتظرها تتكلم. عايشة: "ما أنا ناقلتن الحتسي أكثر من مرة، تعال عند جدتي والكل يسمع." راحوا عند أم سيف وجلسوا أم سعيد وأخته. ومستغربين هدوء عايشة.

تكلمت بعد سكوت وتر الجميع: "البارح، كنت أتمشى بذا البادية كود أدل ريحة أبوي، شدني بيت مطين غير عن خيام البادية وقدامه زرع، بس هالزرع مات بلا ساقي. ما علي من هالحتسي، اللي علي منه أني دخلت هالبيت وقابلني به عمي سعود! امتلت ملامحهم صدمة إلا أم سيف ارتخت ملامحها ولمعت عينها بحزن: "صدق؟ شفتيه؟ وشلونه؟ درى أنش بنت صقر؟ ضربت فخذها بهدوء والعبرة خانقتها: "يا وجدي عليك يا سعود يا يمه يا وجد قلبي عليك."

أما أبو سيف كان يبي يقوم بس تعلقت به عايشة وحبت رأسه: "اسمعني لين أخلص كلامي واللي تبي بعده سوه، طلبتك يا أبو صقر." سكر عيونه بهدوء: "انهجي الرجال على وصول يا عايشة." عايشة أخذت نفس وجلست وبدت تقول لهم كل اللي قاله لها سعود وعن صدمة سعيد وموقفه يوم عرف الحقيقة. قالت لهم كل اللي بخاطرها حتى أنها دافعت عنه.

الجد قام بعد ما خلصت كلامها وتوجه للشجرة وفتح الموية وغسل وجهه وهو يستغفر ويدعي ربه. احتار، ما يدري كلامهم صح ولا كلام سعود صح. بالأول والآخر غيبته عنهم كبيرة، صعب صعب أنه يستوعب بهالسرعة. عايشة تنهدت بضيق أول ما طلع. أخت سعيد بكت: "والله إني خابرة أن عمي ما يسويها."

جلست في مكان عايشة المعتاد فوق الجبل عند الشجرة والجو يزيد ببرودته. شبت الضو وزادت حطبها وهي تتجمل بغيبة عايشة عنها وتصبر بكل ما آتاها الله من قوة وصبر. مع أن عشرة ثم فراق صعب بالحيل بس تصبرت وهي تحس بأن عايشة مرتاحة هناك، ما حست بشعور أنها متضايقة ولا صاير معها شيء لأنها عارفة لو عايشة ما ارتاحت ترد لمكانها لو ما أحد يجي معها. تنهدت ولفت من سمعت خطوات، اتسعت ابتسامتها: "مزعل! ابتسم وبهداوة: "لبيه." زينة:

"وينك أنت رحت له؟ فجأة كذا اختفيت لا حس ولا خبر عنك." مزعل: "اعذريني يا زينة ما قدرت أقول لش، جاني شغل ضروري حتى أهلي ما دروا، بس كأني رديت وناشبن لش." زينة ابتسمت وهزت رأسها: "زين، العوض ولا القطيعة." مزعل ناظر الضو شابة والجو هادي عندها: "ويش تسوين بذا؟ زينة هزت كتوفها: "جالسة هنا وشبيت لي لأجل أتدفى، وأنت وش جابك هنا؟ بالجبل." مزعل لف: "يعني أعود مكان ما جيت؟ ما تبيني؟ زينة ابتسمت ما تدري وش ترد: "على هواك." مزعل:

"وأنا بردان." زينة ابتسمت ببراءة: "إيه أنا توي شابة الضو، حياك." مزعل ابتسم ابتسامة جانبية: "الله يحييش ويبقىش." طلع من خيمة الشيخ الممتلئة بالرجال والضيوف. لمح كم ورع يلعبون حول خيمة أبو عقاب ويدورون على شجرة عايشة الصغيرة. بلعبهم وحفرهم بأرجلهم وهم يركضون. بان طرف الخيشة، عقد حواجبه وأسرع متجهاً لهم، وأسرع بخطواته من شاف واحد منهم يسحبها ويطلعها وتطيح نص الأوراق منها. حاتم بحدة: "ورع! وش لك ببيت أبو عقاب!

خافوا وطاحت الخيشة منه من صرخ عليهم ويناظره ببراءة والعيال الباقين يتخبون ورا بعض وهو واقف بمكانه. حاتم أخذ نفس وجلس على ركبه وضم الولد اللي صرخ عليه: "يا أبو، ما يصلح تجي لبيوت الناس. أنت رجال ولد رجال ما يجوز لك تجي بيت أحد وتلعب به وتحوس أغراضهم." الولد: "وعد وعد ما أعيدها يا أبو راجح." ابتسم على جنب وضرب رأس الولد بخفة وطلع بوكه: "تعرف تجيب رأسي أنت."

ابتسم بنصر ويناظر البوك والعيال صفوا وراه ويضحكون. رفع رأسه لهم وفتح عيونه ويلهيهم عن الخيشة واللي فيها منتثر بالأرض: "كلكم؟ يلا يلا ما تنعطون وجه نعنبوكم وخر مناك." واحد من العيال: "أفا! يا أبو راجح ما هقيناها منك، أنت الكريم ولد الكريم ما عمرك بخلت علينا." حاتم: "إيه ولأجل أني ما بخلت عليك قم فارق أنت وورعانك هالمرة بخاطري أبخل." راحوا العيال واحد ورا الثاني. حاتم ميل خشته ومسك آخر واحد منهم وعطاه فلوس:

"إذا مسكوك عط كل واحد حقه، اركض حط رجلك." الولد ركض: "يا رجال عطاني الفلوس!

الورعان التفتوا عليه ولحقوه. ابتسم ولف بسرعة للخيشة اللي مجهول ما بداخلها. أخذ نفس ومسك الخيشة والأوراق اللي منتثرة حولها. واضح أنها قديمة ومنهرية. تمعن فيها شوي وأخذ الخيشة وحط فيها الأوراق ويكذب اللي بباله، لا يكون صحيح. ورجع القلم وجميع الأغراض اللي طاحت منها وبباله شيء ويدعي بأنه ما يكون صح، وما تكون محتفظة بجزء من الماضي ما له أي فايدة. تنهد وأخذ الخيشة معه وراح هو وراجح خيله ورا الجبل اللي بآخر البادية وجلس

وتسند على الجبل اللي أغلبه صخور كبيرة. تسند وجنبه الخيشة ويتجاهل النظر لها. كشر بضيق وأخذ نفس طويل يهدي نفسه، يحس بفراغ ما يدري فجأة كذا. حط الخيشة تحت التراب تحت صخرة وراح يتوضأ وراح لمحل ما يدله قلبه بدون شعور، وقف قدامها وشريط قديم بذاكرته يمر قدام عينه. بلع ريقه ودخل المقبرة.

كان جالس بصدر المجلس عند الرجال بجسده، أما باله راح بعيد ورجع بذاكرته لقديم السنين وقت ما كان يشوف الرجا بعيونه، يبي أحد يسمع له، يبي سعيد أخوه وعضيده وولد أخوه يلتفت له، بس ما كان منهم إلا أنهم يرمونه ويسمعون أول كلام جاهم عنه. كان مشغول باله حيل: "أبك أنا ظلمتك يا سعود! أنا كسرت بخاطرك. أنا آذيت قلبك، وعقب ما فقدت أخوك صقر، فقدت أمك وأبوك وسايد وأهل كلهم ظلم!

لا يا رب لا تخليني من الظالمين. يا رب اظهر الحقيقة وأنا ما عاد أتحمل فراقه زود". كان باله منشغل وكل دقيقة تروح يزيد ندمه للسنين اللي راحت فراق بفراق. سكر عيونه على صوت صبية يقلطهم للعشاء. رفع عيونه لسعيد اللي مستعجل وكأنه يبي العزيمة تخلص وينشغل بغيرها. بوقت العزيمة، عايشة كانت ببيت أبوها المطيّن مع سعود وبنت عمها. قالت له عن ردة فعل جدها وقرت اللي بعيونه من ندم وتفكير عميق. باست إصبعها بألم ونفضته بألم: "أححح!

عدلت الحطب وشبت الضو بوناسة، وجنبها شبساتها وحلاو وخرابيط واجد وقهوتها على الضو. وشغلت بجوالها شيلة وهي تضحك وجلست تاكل وتتقهوى. غسل وجهه والتفت على مصعب: "تسمع اللي أسمعه؟ مصعب عقد حواجبه وصار يمشي لمصدر الصوت وعزام وراه. ميل راسه بذهول من اللي يشوفه قدامه ودف عزام: "رح رح." عزام عقد حواجبه: "وش به؟ مصعب عض شفته السفلية ويأشر له يروح. عزام استغرب وراح يكمل شغله. أما مصعب ابتسم: "هلا هلا."

سهام فزت ورمت فنجال القهوة وصرخت ورجعت صرخت أقوى من انكبّت القهوة على فخذها ووقفت تنطط وتنفض جلابيتها اللي هي جلابية عايشة. مصعب انخبص وراح لها: "ويننن وين وش بلاااش؟ سهام تأشر على فخذها: "اننكببتتت عليي القهوة كككلهه مننكككك! مصعب مسك الجلابية وتركها وتوه يستوعب: "ععييبب." سهام وقفت وسكرت عيونها وفخذها يحرقها. صرخت وهي تأشر: "ببرراااااااااا! مصعب ناظر المكان ورجع يناظرها: "أبك حنا برا وين تبيني أروح؟

سهام خنقتها العبرة: "انننققلعع ااذذللففف حححااررررر والله! مصعب يهديها: "آء طيب طيب." لف ومشى، رجع لها: "حطي شين عليه قولي لأم عقاب تعطيتسءء." سهام قاطعته وهي تضرب رجولها بالأرض: "بببررااااا! مصعب راح عنها ورجع لعزام: "رجعت تقول برا." عزام ناظره: "وش بك؟ مصعب مد يده بطولها ويأشر: "أبك بيت أبو عقاب جايبين لهم وحدة براسها بلا، جالسة برا وتقولي برا." عزام ضحك بخفة: "هذي مهي زينة، شكلها سهام."

مصعب: "إي إيه هي، شفتها مرة جايتن مع أبوها وأمها." عزام استوعب أنه طرده قبل شوي: "إلا يا الـ... هالحين تقولي رح رح تبي تستفرد بها لحالك؟ مصعب سكر عيونه بيده: "أعووووذذذ بالله وش تتقووللل أنتتت ااسكتت لا يسسمعكك الشيخ والله ما أنام عندكم ليلة." عزام رفع يدينه: "كود يا رب." مصعب عقد حواجبه ورجع براسه: "عويذ الله منك." عزام كشر لف عنه. ضحك وخمه من ورا: "يا مغرور يا مغرور شايفن نفسك على ويش؟

عزام يرمش: "من يشوف نفسه إذا ما شفت نفسي؟ مصعب بعد عنه وضرب راسه: "ما تنعطى وجه أنت." تأخر الوقت ورجعن عايشة وبنت عمها ويسولفون بالطريق. أما سعيد جفت عينه النوم أول ما راحوا الرجال، قام من مكانه وراح لبيت أبو عايشة المطيّن. شاف سعود منسدح بالحوش على مطرحه ومغطي عيونه بشماغه وذراعه على عيونه. سعيد قرب منه وهمس: "راقد؟ سعود باقي على وضعه: "لا." سعيد: "إيه ولا أنا." سعود هز راسه: "إيه عانك بذا."

سعيد سكت شوي يناظر ملامح عمه، حس أنه اشتاق لوجهه ولصوته ولابتسامته الرحبة. فضل سكوته وهو يتابع ملامحه ويوثق تفاصيلها من بعد ما انمحت من سنين، ممحية عن باله وتفكيره، كل ما مرت بتفكيره ينساها أو يتجاهلها ويشغل نفسه لأجل ما يفقده، بس ما يدري بفعله ذا أنه فعلاً فاقده وولهان عليه. سكر عيونه وداخ، حط راسه على بطن سعود ونام بعد دقايق.

رفع شماغه ورفع راسه لسعيد اللي منسدح على بطنه، ابتسم على جنب بأسف وسكر عيونه بالشماغ ورجع يحاول ينام. تقريباً الكل نام بآهل البادية. إلا هو على كبر سنه وأنه ينام وما يطيق السهر، بس ما قدر ومو بيده بعد يجيب النوم غصب. هو اللي يكره السهر، وهو اللي يوصي سعيد لا يسهر. ضحك بخفة وكان بعد يوصي سعود معه لا يسهرون! ما يدري احتااار وده بسعود هالحين، وده باللي حرمته من ولده الباقي الوحيد له!

حرمته فوق هذا كله سمعة ولده اللي تلوثت بين قبايل والبوادي والشعّار اللي صاروا ينثرون أبياتهم عن قصته، ويضربون المثل بحظوظهم بحظ سعود! مسح وجهه وتنهد. شاف الوقت يمشي والضو رمّدت والقمر بدو يضعف نوره ويختفي وصلاة الفجر قربت ولا حس بالوقت ولا جاه نووم. قام وتوضأ واستغفر الله ودعى بين الأذان والإقامة من كل قلبه بأن يقر عينه ويرجع ولده ويطلع الحق ويبرئ ولده مثل ما برأ الله مريم من ظلم أهل قريتها...

ويظهره من شكوكهم وكلامهم المسموم مثل ما أخرج الله من كان في بطن الحوت... مهما كان هو أب، هو شيخ، هو فاقد جزء بقلبه باقي حي... ما هو مثل الباقين اللي توفوا، باقي حي بس ميت بالبادية حسه وزوله ماتت سوالفه وضحكته حولهم وباقي مكانه بالقلب حي. الظهر ~ فزززتتت من نومها بخوف، فركت عينها وعقدت حواجبها وتركز باللي قدامها شهقت: "ممماااماااا! " نطت لحضنها وخمتها بقوة وهي تتشهق. أم عايشة عصبت: "سسهاامووهه قوومي خلصيني."

دخلت وشهقت بفزعة: "بسم الله أنتي متى جيتي؟ أم عايشة أشرت لها تسكت: "قومي يا سهام وين ملابسك؟ سهام كشرت: "لاا تكفيين دايخة." أم عايشة مسكت شنطة سهام وداخلها كم لبس وسحبت سهام ورمت عليها عبايتها وطلعت معها وقابلت أمها "أم عقاب". هز رأسه بهدوء: "إيه، جبه لي ودي أسمع منه." سعيد حب يده وراسه بفرحة: "الله يخليك لنا ولا يحرمنا من هالوجه ولا يخلينا منك." عايشة ضحكت بفرح وراحت بهرولة لبيت أبوها المطيّن.

سعيد شافها راحت له راح لحقها يخاف تسبقه بالخبر وتروح عليه فرحة عمه. فتح الباب إلا وعايشة خامة عمه بقوة وساكتة. سعيد تكلم بسرعة: "أبوي يبيك." عايشة لفت عليه بسرعة: "أعنبوا دارك بهالسرعة جيت! سعيد ضحك. أما سعود يناظر عايشة ويناظر سعيد: "أبوي؟ يعني أبوي أنا، الشيخ؟ أنا بغاني؟ عايشة: "إييه انهج وش تنطر، بسرعة عطنا العلم."

سعود ناظرها وضحك وترك يدها وراح يهرول يم أبوه بشوق ووله فضيع. كان يمشي بين عيون الناس ومنعمي ما يشوف غير زول أبوه قدامه ولا يتردد بباله غير صوت سعيد وهو يقوله أبوي يبيك. زاد ضحكه وهو يمشي للخيمة الكبيرة اللي متوسطها زول أبو سيف، شيخ القبيلة، وقدام الخيمة على جنب الضو شابة وحولها الدلال وغيره. زاد استغراب الناس وأهل البادية وجميعهم انصدموا وانشلت عقولهم كيف وشلون وش رجعه عقب ما طرده أبوه من البادية واختفى حسه من سنين. ما نسوا ملامحه اللي تغير منها شي بسيط للحين يذكرونه ويذكرون قصته للحين خابرينه ويدرون ما بلاه. وقف قدام الخيمة لثواني وهو مركز بملامح أبوه السارحة بعيد...

وعيونه المتركزة على الأرض ولا يحس بمن حوله وينتظر حسه حوله. فز من نطق سعود ببحة موجعة: "يبه! رفع عيونه له غرقت عينه بدون شعور أول ما شاف ولده وشلون ملامحه ذابلة وعيونه ناعسة وصوته مبحوح. رد ناداه بصوت راجف: "يـبـه!

خانه التعبير ما عرف وش يرد عليه ما ظهر منه إلا ابتسامة وضحكة بينت سنونه عقب ما كانت سنين مخفية، وعيون غارقة بدموعها. حط يده على عيونه لأجل يمنع عيونه تذرف دمعة بس ما هو بحيلة منها وطاحت دمعته غصب. سعود حس برجوله منشلة ومتشنج، كم له! من زمان زمان ما شاف أبوه ولا لمح ملامحه ولا سمع حسه حوله ويقومه من نومه كل صلاة فجر! كانت آخر مرة يشوف بها أبوه كان مغتاض منه ومعصب ويطرده وتردد براسه كلمة

طول هالسنين اللي فاتت: "سودت وجهي يا ولدي عسى الله يسود وجهك ابعد لا أنت ولدي ولا أعرفك." من طاحت دمعة أبوه مشى له بهرولة ويحس بنقص يبي يمليه فراغ يبي يمحيه. جلس جنبه ويناظره بصمت وهو يمسح دموعه اللي نزلت غصب وبغير إرادته. حب رأسه وكفوفه أكثر من مرة وهو يردد: "يبه اسمعني أنا أقولك، يبه اسمع مني." أبو سيف انبح صوته ويمسح دموعه اللي انهمرت بشكل مفاجئ وبصوت مبحوح: "أنا وش لون بأفل بك ثانية، أنت تربيتي أنا...

تربيتي أنت ما تطلع الشينة منك." سعود حب رأسه من جديد ومسك كفوف أبوه: "يبه والله واللي رفع سبع، إني بريء من قول حكوه الشعّار وافترته علي بهذيك السنة، والله إني بريء من كلامهم كله." على دخلة أمه، كانت عايشة واقفة ومبتسمة وسعيد وراها مرتكي على عمود الخيمة. لفوا بسرعة من شهقة أم سعود... اللي تحاول تميز الشخص اللي جالس عند أبو سعود. صبت أم عقاب القهوة لسهام وزينة، ولفت لأم عايشة: "هاه قولي!

وش جابش بخفية ولا درينا عنش ولا دخلتي تسلمين على أبوش؟ أم عايشة بنظرات: "عايشة راحت لأهلها؟ أم عقاب: "جاها ولد عمها وقالهم إن الشيخ يبي يشوفها." زينة شربت قهوتها وهي حارة بقهر: "لها وجه تسأل عن بنتها! أم عايشة بحدة: "وتوهم يدرون عنها؟ ليش ما جاها وهي ورعة ولا هالحين جت حاجتها؟ أم عقاب: "وش حاجته الله يهديتس، الرجال توه يدري إنها حية." أم عايشة بتسكر السالفة لا يتعمقون بها أكثر ولفت لسهام: "روحي شوفي أبوك وينه."

أبو سعود جمع كل أهل البادية وقبيلتهم كلهم برجعة سعود، على الغدا. تغدوا وخلصوا وأهل البادية ما قدروا يفسرون اللي صار. تكلم واحد من أهل البادية ما قدر يكتم فضوله: "يا أبو سعود يعلم الله وش كثر فرحنا يوم أنه رجع سعود بس ما... سعيد دخل عليهم بالخيمة: "السلام عليكم." الكل: "وعليكم السلام، ارحب، هلا." سعيد نزل رأسه وهمس: "سمي." عايشة ابتسمت وبه حاجز بينها وبين الرجال

وهي ناوية تنهي فضولهم: "السلام عليكم أنا عايشة بنت صقر أنا أدري فيكم، الفضول مشغلكم بس أبشروا بالحقيقة." الرجال كلهم منصدمين وأولهم سعود وجدها. فعلاً كانوا يفكرون وشلون ينهون فضولهم وشكوكهم بس ما توقعوا إن عايشة بتختصر عليهم الطريق وبتقول كل شي وحتى تجيب أدلة. عايشة: "وأنا هذاي قدامكم وأنا أبخص بـ... " هي اللي سوت كل ذا ومدبر وهالحين هي عايشة حياتها ولا درت عن أحد...

"وأنا أدري بكم محزم وقبيلتي قبيلة تسامح المخطي إذا أخطى وتستر عليه وترحب بالبعيد وتكرم القريب، وما جيت أقولكم هالحتسي إلا وأنا خابرة إنكم تفهمونه وتنسون اللي راح."

واحد من كبار السن: "يا هلا ويا مرحبا ببنت صقر، ارحبي ثم ارحبي ويرحب سعود بمكانه وبين أهله وهو أخطى أو ما أخطى حنا مسامحينه وساترين عليه ويا هلا والله ببنت صقر عز الله إنش بنت من ضلع أبوش، بهالحتسي اللي أكبر منش والجرأة اللي ما تسطي بنت تجي وتبرر لعمها اللي ما شافته إلا قبل كم يوم ولا تخبره." عايشة: "الله يجزاك خير ما تقصر، يالله أنا أستأذنكم رايحة لأهلي أبطيت عليهم في أمان الله."

توالت الأصوات: "في أمان الله، عاودي هالجيّة يمين إنش ترحبين، يا هلا والله، وداعة الكريم." سعيد تنهد وابتسم وهو يناظرها وماسك خيله وخيلها: "عز الله إنك تبيضين الوجه ويشهد الله ما قصرتي إنها بجيّتش ذي خير وبركة." عايشة ضحكت: "ولو يا ولد العم هذي عادتي ما أطيق أدخل مكان ولا أترك لي به شي زين." جت أخت سعيد وأمه وجدتها يسلمون عليها. أخت سعيد "زينب": "عاودي هالجيّة ترحبين." أم سعيد: "إي والله يا عايشة لا تقطعينا."

أما أم سعود كانت تحب عايشة وتخمها: "عاودي هالجيّة يا يمه لا تخليني أفقد رويحة صقر زين يمه؟ سعود ضحك: "خلاص يمه اتركي البنت تنفس، ولا هي قاطعتنا لو تفكر بس جيتها مع شوشتها وجبتها لش." عايشة بعدت عن حضنها وضحكت بخفة: "أبشري ما نيب قاطعتكم إن شاء الله الجايات أكثر." لفت لسعود وسعيد: "يالله مشينا." تنهد سعود لأنها طلبت منه يجي معها وهز راسه: "بعون الله." ركبت خيلها وصار يركض بها بمهارة

وسعود متعجب ورفع صوته: "من معلمش على الخيل؟ عايشة ضحكت: "أنا علمت عمري." كان كل واحد يزيد بسرعة خيله وكأنهم بنادي فروسية، وكل واحد أمهر من الثاني لأنهم من صغرهم متعلمين على الخيل والبل وذبح الذبايح. وصلوا بعد وقت طويل وكانوا يستريحون شوي ويكملون. دخلت البادية بخيلها وجانبها عمها وولد عمها.

كان يساعد عزام بتزيين القهوة والشاهي ويصفون الفناجيل والبيالات. كان جاي من البير ومعه إبريق. من لمحها على الخيل طوّل بالنظر شوي، عرفها من عيونها! عرف هالعيون وصاحبتها اللي فاقدينها كل أهل البادية، وفاقدها حتى هو. ابتسم وضحك بخفة: عزام! عزام رافع راسه له: سم، حطه، حط الإبريق هنا. حاتم ترك الإبريق وعدل عقاله: شف من جانا. عزام رفع راسه وطوّل شوي وهو يميز الأشخاص: يبوك، هذي مهي عايشة؟

وولد عمها جايين معها، بس منهو ذا الثالث؟ حاتم سكر عيونه بهدوء: علمي علمك، امش نقلطهم ونسلم على عايشة. عزام رفع حاجب وضحك. حاتم لف عليه ويحرك يدينه بشرح: أكيد كلنا ولهانين عليها بعد أول نوبة تروح لأهلها. عزام هز راسه وهو يضحك، ويروحون لسعود وسعيد. حاتم بصوت جهوري: يا هلا يا هلا والله، ارحبوا ارحبوا، الحمد لله على السلامة، ارحبي يا عايشة، يمين إنش فقيدة، ووش بلاك طولتي بذاك ولا تغلين؟ عايشة ضحكت:

هلا والله تبقى، الله يسلمك، إيه أبشوف غلاتي عندكم. عزام: يووه عاد تلقين زينة هالحين زعلانة منتس. عايشة رفعت راسها وضحكت: لا، هالحين تشوفني وتنسى الزعل. حاتم سلم على سعود وسعيد: يا هلا ويا مرحبا، اقلطوا اقلطوا عند الشيخ حياكم. سعود: البقى يا بعد حيي، تصدق إني ارتحت لهالوجيه. مصعب جاهم: يا هلا والله وأنا ارتحت لك، ارحب ارحب. وسلم على سعيد. سعود يأشر على مصعب: إلا هالوجه. مصعب رفع إصبعه السبابة:

عشانك جديد وهذي أول مره أسامحك. عايشة: شكلكم ما عرفتوه، سعيد ولد عمي خابرينه، أما هذا سعود. خمته وحبت راسه. كلهم اختفت ابتسامتهم وبراسهم علامة استفهام؟ حاتم: سعود منهو؟ عايشة ضحكت: عمي الله يطول بعمره. حاتم ابتسم وأخذ نفس: إيه، زين الله يخليه لكم، حياكم. الصبح "يوم جديد" بعد ما ناموا سعيد وسعود، عند حاتم وعزام ومصعب. صار وقت روحتهم وعايشة تودعهم، وتوصيهم على بيت أبوها وأم سعود وأبو سعود واللي هناك كلهم.

سعود وهو يضحك ويهز راسه لها ويتحسس وجهها: أبشري يا ريحة صقر، تامرين أمر. صد عنها فجأة، تحولت نظراته لكره وغيض. كان يتمنى لو يروح يقطعها بضروسه. كانت نظراتها وعيونها نجاسة بنجاسة. عرفها من عيونها، عرفها ما ينساها ذي العيون كل عمره. كانت عايشة تكلمه وهو مو لمها أبدًا. كان يناظرها ويتخايل له زول أخوه صقر!

كان يتخايل له صوته وهو يسولف له عنها وعن حبه اللي مات ما تابه ولا بري منه. كان كلام عايشة صحيح، عايشة حياتها ولا فكرت بأحد، وأنا من سنين وأنا كل ما حاولت أدفن جرحي وأموته، موتة أخوي صقر، يرجع لي الجرح عن عشرة مثله وكني عايش عيشة أخوي صقر يوم إنه يتعذب بدونها. سكر عيونه بهدوء ولف لسعيد اللي عند حاتم وعزام ومصعب ويسولفون ويضحكون، وبصوت عالي: سعيد، يالله يا بعد حيي، خلنا نلحق نصل قبل تعود الشمس. سعيد لف عليه:

سم، يالله يالله جيتك. ودعوا حاتم ومصعب وعزام والشيخ وأبو عقاب وعايشة. أبو سهام لف على أم عايشة: يالله اركبي. أم عايشة تناظره من بعيد ومنصدمة، وش اللي رجعه، وش بلاها عايشة ما تكلمني من أمس، لا يكون قالوا لها شيء، علموهن شيء؟ راحت لعايشة ونفضتها من كتوفها: عايشة! ناظرتها: نعم. سحبتها لورا خيمة أبو عقاب وتخصرت:

وش بلاك من أمس ما تكلميني، وش قالوا لك أهلك، بعدين من سامح لك تروحين لهم، أكيد عجوز قريح ماليتن راسك ما صدقت تشوفك وتملي راسك علي، تدرين، امشي شيلي ملابسك ويالله تبي تروحين معي للشرقية، يالله ولا كلمة تردينها. عايشة ناظرتها وهي رافعة حاجب: ما شاء الله يا يمه، زين والله صرت أهمتس هالحين، يعني صار بقاموس حياتس عايشة غدت وين وعودت وين، ما شاء الله زين. طبطبت على كتفها:

اصحي يمه خلاص، الجهل اللي كنت أعيشه، والموتة اللي كنت أموتها ألف مره باليوم عشانتس ولعيونش ذيك اختفت، اختفى كل شيء، عرفت كل شيء وصدفة عاد تدرين سبحان الله، عايشة اللي كانت تركض وراك وتبيش وانتي مهملتها اختفت، أنا توني أحس بأني مهمة يومني رحت لأهلي وشفت جدتي وجدي وشميت ريحة أبوي ببيته المطين وبمطرحه اللي توفى عليه.

حست بضيقة بصدري ونفسها يتقطع وعيونها امتلت دموع، ما قدرت ترد عليها وش تقول وش تبرر، وش تقولها ما عاد ينفع هالحين وبهالوقت، عايشة تغيرت، عايشة اللي تحب الأرض اللي أمشي عليها ماتت، هالحين صارت غير وعرفت كل شيء. راحت ركبت السيارة بدون ولا كلمة ولا أي رد. عايشة تنهدت بضيق، كانت بتلحقها بس ركبت السيارة بسرعة، ولا قدرت تلحق عليها. جلست تهوجس بكلامها، ضايقها؟ أمي تبكي هالحين؟ ضاقت بها الوسيعة وهي تفكر بأنها سبب لضيقة أمها.

العصر، عايشة جالسة مع زينة بالجبل وشابين ضو، وسهام عيت تروح مع أمها وعاجبها الوضع بالبادية وأخذت موافقة أبوها، أما أمها ما كانت بخير حالها ما يسر. كانوا شابين الضو وملتمين حولها وعايشة ما بين مستانسة وفرحة، وما بين متضايقة ومغتاظة. أخذت نفس وجاها كف مع الجبهة من سهام. لفت عليها بسرعة: أح، وش بلاك خير؟ سهام متربعة ولابسة جلابية عايشة وتأشر على القهوة: ساعة كاملة وأنا أمد لك الفنجال وانتي سرحانة، ووقتك انتي وقتك.

عايشة ناظرت الفنجال طايح ومنكبة القهوة اللي به، مالت: ميخالف وأنا أختس، صبي لي ثاني. سهام ضحكت وحركت كتوفها بعفوية: عجبتني وأنا أختس. زينة مطنقرة وتناظرهم وساكتة. عايشة لفت على زينة ورفعت حواجبها: أفا! يا زينة وش هال ملامح ما جازت لي. زينة تناظرها: خلش انتي وأختس، أنا عندي شغيلات. قامت بس عايشة سحبتها وجلست بقوة على الأرض وخلتها وهي تضحك. سهام مالت وكشت عليها:

غارت بتموت بتموت من الغيرة، أستغفر الله الله يحسن خاتمتنا. زينة حست بضعف، غصب عنها ما قدرت تمسك دمعتها وشدت على عايشة بقوة ودافنة راسها وتشاهق. عايشة ابتسمت بغمطة: زينة وش بلاك يا بنية هيه، قولي به شي مضيق خاطرك؟ سهام ضحكت: ما مليت عينها أنا، ماش ولهانة عليك. عايشة ضحكت وبعدت راس زينة عن حضنها: ولهانة علي؟ زينة رجعت خمت عايشة وهزت راسها. أما عايشة ما قدرت تكتم ضحكتها وشدت عليها وهي تتضحك.

بعد دقايق، زينة منسدحة على عايشة وسهام تسولف مع عايشة. كان ساجٍ وماهو لمهم ويهوجس، لف عليه سعيد: وأنت وش قولك؟ لف عليه وببحة: سم. سعيد عقد حواجبه: وش بلاك أنت منت معنا؟ سعود: وش بغيت؟ سعيد: قولك عايشة تبي توافق ولا لا، جدي قالها. سعود لف عليه: تصدق عاد إني مستغرب وحايرن بأمري، شلون عايشة لي هالحين ما عرسَت، ما ناقصها شي ولا تبي زود زين وأخلاق، خوفك إنها ما تبي العرس. الجد عقد حواجبه:

وشلون ما تبي العرس، وراه وش به وش نوحه؟ سعيد عقد حاجبه ونزل راسه وفكر شوي: إي والله يا أبوي، وش بلاها ما عرسَت، الحريم عندنا بالقبيلة يتزوجن وهن صغار، وش نوحها هي؟ سعود رفع راسه وأخذ نفس: يمكن ما جاها النصيب، ما ندري عنها عاد لين ترد. سعيد فتح يدينه مبتسم: يا هلا يا هلا بسيف ولد زينب، ارحب تو ما زانت الجلسة، يا هلا بروح خاله (زينب أخته وسيف ولدها مسميته على أبوها عمره ٩ سنين) سعود قرص خدوده:

سيف يا عين أبوي ولهان عليك. سيف خمه بقوة: وينك أنت مبطين عنك.

توه بدا الليل وراحت أخذت فروة أبوها ولبستها ولبست برقعها اللي يظهر نصف خدها ووجناتها ويجذب بسواد عيونها وجمال وجنها ورمشها. راحت ورا بيت أبو عقاب جدها، وابتسمت بارتياح مهما يصير، حتى لو راحت لبيت أبوها اللي ما درت عنه بعمرها اللي راح كله، وأشبعت كل ما فيها من ريحته، ما إن عايشة طماعة بأبوها وكل ما يخصه، ما تشبع أبد لا من ريحته ولا من كلامه ولا من سوالف الناس عنه ولا حتى من اسمها ما تشبع منه لا نادوها عايشة يا بنت صقر بنت الرجال، اختفت ابتسامتها وهي تحفر حول الشجرة بدون أي فايدة.

صب القهوة ومدها: ههههههههههههههههههههه خذ خذ بس وعن كثر الهرج. مصعب دمعت عيونه: هه ههه ههههههههههههههه، أقولك سالفة عن هالدكتور اللي جانا من سنة ألف وحطبه. عزام: منهو؟ مصعب: مزعل اللي ما أبطى أخوه متوفي. عزام ابتسم وضحك بخفة: بس هذا توه جاي للبادية من عقب ما كان يدرس بالبلاد وشلون من سنة ألف وحطبه؟ مصعب عفس ملامحه: هالمهم اسمع الهرج وأنا أخوك. راح لخيله راجح وأسقاه وركب الزينة اللي جابها له من البلاد،

التفت على صوتها المستنكر: من أنت؟ حاتم لف عليها.

عند أم عايشة، كانت سارحة من وصلوا وهي مهي بحالها، تهوجس وبالها مهو معها. بالها على العهد القديم، بالها وهي بنية مأسورة بين حدايد الحبيب اللي راح بغفلة عنها وبدون سابق شعور وإنذار. حاولت بكل الطرق إنها تنساه، العام ناسيته بس اليوم طاريه يذكرها بها وكل تفاصيله وكلامه وقصيده. غصب عنها ما قدرت تحبس دمعتها وتركت لها الحرية بالنزول، من ذاك اليوم اللي قالوا به فلان مات، أبو فلانة مات، ولد الشيخ مات!

تسكرت كل الأبواب بوجهها ومدامعها تحجرت ولا نزلت لين اليوم! طلعت حرة العام وقبل العام اللي حاولت تناساه بهم. هو كان يحبها ويبيها ويموت فرحة بشوفتها، بس وش اللي صار وليه مات ووش أبعدها عنه. أبو سهام دخل: السلام عليكم. مسحت دموعها بسرعة وأخذت نفس وابتسمت: عليكم السلام. وراحت المطبخ أما أبو سهام جلس على الكنب ويقلب بالريموت. راح لخيله راجح وأسقاه وركب الزينة اللي جابها له من البلاد، لف لصوتها المستنكر: من أنت؟

حاتم عقد حواجبه وهالصوت مهب غريب عليه، قرب وهو ماسك لجام خيله. عايشة تقدمت من شافت الخيل وجلست ثواني تتعرف على وجهه، اتسعت ابتسامتها من تحت البرقع ووجناتها تظهر ولمعة عيونها ببراءة: حاتم! نزل لثمته بغترته السوداء وابتسم نص ابتسامة وقرب لها: الله الله. عايشة قربت من خيله تتحسسه وتداعبه، ابتسمت ويدها على شعره: زايدن حلاه. حاتم شد لجامه بقوة ويضحك: بالحيل. عايشة سحبت اللجام منه:

بسّك عاد لا تشده مرتن ثانية، الخيل ما يحب اللي يقسى عليه بغيت تقطع رقبته. حاتم ضحك بصوت وبانت أنيابه ورفع حواجبه وهو يناظرها: تعلميني به! عايشة كأنها ذكرت شيء، لفت عليه بخوف: حاتم، خيشتي وينهي به ما لقيتها بالمكان اللي حطيتها به. حاتم عقد حواجبه ويتذكر، ويناظر عيونها الخايفة وبتمثيل: وشلون ما لقيتيها، أخاف ما دورتي زين. عايشة سكتت شوي ولمعت عيونها: لا والله أنا أنا دورتها زين. حاتم هز راسه بالتفكير:

لا لا أكيد صاير شيء. عايشة عقدت حواجبها بعصبية وخوف إنه يصير شيء: وش بيصير يعني لا تهبلني؟ حاتم: يا بنت الحلال أنتي تقولين إنش ما لقيتيها. عايشة مالت راسها وتناظره بصمت. حاتم ما قدر يمسك ضحكته وضحك بصوت عالي: ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه. عايشة تنرفزت منه ولفت بترجع تدور من جديد بس مسك ذراعها بسرعة وهو باقي يضحك. ناظرت عيونه: خير؟ حاتم ماسك ذراعها ويحاول يخفف من ضحكه:

أنا والله بخاطري أعرف وش داخل هالخيشة، أبك أنتي وش حاطتن بها؟ عايشة ذكرت كل اللي بها وعلقت عيونها بعيونه: حاتم ما تدري وينها؟ حاتم مال فمه: لا. عايشة تنهدت بضيق وراحت انتصفت بالطريق وهي تسمع ضحكه، ضربت رجلها بالأرض ورجعت ناظرته شلون يضحك، أول مرة يضحك بهالشكل وعيونه تدمع، لفت بتمشي بس مسك كفها بسرعة ويمسح دموعه بطرف كمه من الضحك: خلاص يا بنت صقر والله كسرتي خويطري. عايشة: ومن قايلن لك إني أبي رحمتن منك ولا من غيرك.

حاتم: أنا بذاك اليوم شفت الروّعان يلعبون حولها وأظهروها من مكانها. عايشة شهقت وحطت يدها على فمها: أخذوها؟ وأنت تشوف! حاتم ببحة راكدة: اصبري خن أكمل هرجي يا حبش للعجلة، أخذتها منهم وحطيتها بمكان ولا يخطر على بال ابن أمه. ابتسم. ولا تخافين. عايشة: ما خفت بس، هالحين أنتِ وين حطيتها به؟ رفع حاتم حاجبيه: لااا، هالحين ما ينداس المكان بعيد. عايشة: وينهو به طيب؟ حاتم: شفتِ جبل؟ هناك وراه تحت الصخور.

ركبت عايشة خيل راجح بسرعة وهو يمشي ببطء. حاتم: وين تبين تلقينه به لحالك؟ وبعدين لو تضيعين بهالبر وأنتِ ما تدلين المكان؟ عايشة: وراه أنت منتب رايح؟ ناظر حاتم خيله وناظرها: المكان بعيد وما أقدر أروح له برجلي. ناظرت عايشة خيله وناظرته، ثم اقتربت قليلًا: بسرعة. انصدم حاتم، وش ممكن يكون بالخيشة اللي ما تقدر تنتظر للصبح؟ ركب وراها على الخيل وأخذ منها اللجام وعايشة تمسكت بحبل ثانٍ.

مسكر حاتم عيونه وشعر عايشة يلفح بوجهه من الهوا. لفت عايشة عليه وناظرت شعرها بوجهه، أخذته كله على جنب وجدلته على السريع ورمته ورا ظهرها. ضرب الخيل بقوة وركض بهم بسرعة متجهًا للجبل البعيد. اختل توازن عايشة وصرخت: يا ويليّه! مسكت كفوفه بسرعة وهو ماسك اللجام ويسرع أكثر ومبتسم وجديلتها على صدره. وبصوت عالٍ: تمسكي زين، الخيل منهبل من ثقلتس. عايشة تمسكت به أكثر: لا والله إنك أثقل مني بس كمل طريقك.

حط حاتم يده فوق يدها بصعوبة من سرعة الخيل وهي مسكت اللجام وهو ماسكه وماسك يدها بنفس الوقت: المقود لكِ العبي به. ضحكت عايشة وتحس بفرحة، تحب الخيل إذا أسرع تحس بأكسجين: وين حنا به هالحين؟ بعد دقائق.. سحب اللجام بقوة ووقف بهم الخيل ونزل ومسك يدها ونزلها. حطت عايشة يدها على ظهرها: ربي حسيبك كسرت ظهري. حاتم: إذا به تكسر، أنا تكسرت كلي، أعنبو حيش ما تنعطين وجه. عايشة: وينه وينه بس؟ *** سعود وسعيد جالسين ببيت صقر ويسولفون.

سعود: هذا أنا كل يوم وكل ليل أجي بذا البيت وأنام به بدون علم لأحد. سعيد: وشلون ما لمحناك، وما شفناك؟ سعود: هه، كنت أمشي بتخفي بين هالعالم ولا أحد عرفني، كل يوم أمشي وأنا داقن اللثام وأنا ولد الشيخ والخطأ مهو خطاي. تنهد سعيد بحسوفه: أيام وعودت وأنا أخوك، أنساها جعلني أفدا خشمك. سعود: لا بالله مهي أيام، سنين راحت يا سعيد، سنين وهالحين أرجع وألقاها... سكت بقرف وبلع ريقه وأخذ نفس: بس أبشر بي ما ذكرتها لأجل أنساها.

انسدح سعيد على فخذه ومد له العود: أطربني يا بعد حيي. حط سعود العود بحضنه ويدق وسعيد يهوجس. *** ناظرها وهي حاطة الخيشة بحضنها، ورفع عيونه لها: وش لونك بذاك يوم رحتي لأهلك؟ ابتسمت عايشة على طاريهم: بذاك أنا لا تسألني ويش لوني، أنا تو ما ارتحت يوم رحت هناك. رفع حاتم حاجبه: وراه وشبه هناك عقب ما كنتِ ما تبين الروحة بذاك ولا تبين العرس؟ عايشة: هناك شفت ريحة من سنين وأنا ودي بها وأبيها عند خشمي طول عمري، وعلى طاري العرس...

نزلت رأسها وأخذت نفس. شد حاتم عيونه لها وساكت. ناظرته عايشة: جدي قبل أمشي، قال لي إن سعيد ولد عمي يبيني. صد حاتم عنها ويناظر قدامه: إيه وش قلتي له؟ سكتت عايشة شوي، مما زاد فضول حاتم ونظراته لها. ضحكت بخفة: والله ما هقيتني معرسه وحولي ورعاني، بس الله يكتب اللي به الخير. أخذ حاتم نفس بصعوبة: يعني إلى هالحين ما عطيتيهم رد؟ هزت عايشة رأسها بالنفي. حاتم: وش تنتظرين؟ هزت عايشة كتوفها بصمت: بفكر.

هز رأسه وبيده سيفه يقلبه بحيرة، ويهوجس بالسالفة اللي عكرت جوه فجأة تارك عايشة غارقة بتفكيرها. عايشة: وأنتم وش حالكم وأنا بذاك عند أهلي؟ ضحك حاتم وناظرها: من تقصدين؟ عايشة: أهل البادية كلهم يعني، أكيد فقدتوني ولا فكّة؟ ابتسم حاتم ومدد رجوله وسند ظهره على الصخرة اللي وراه: عادي بعدين تعالي. عايشة: وش؟ لف عليها: أنتِ قلبي، روحتك لهم ليلة وحدة وش بلاك طولتي؟ ضحكت عايشة: يعني فقدتوني هذاك تعد الأيام؟ حط حاتم عينه

بعينها وببحته الراكدة: إي بالله أنا اللي أعد الليالي والأيام، فقيدة الله لا يعودها. ضحكت بصوت عالٍ وشدت الخيشة بحضنها أكثر. تنهدت: وأنا شفت بيت مطيّن بالصدفة سبحان الله، غريب. جلست تتذكر شلون شافته وشلون دلها قلبها له. ناظرها حاتم: وش به؟ حطت عايشة عينها بعينه وببحة راكدة: بيت أبوي، شميت المطرح اللي توفى به أبوي.

سكت حاتم لثواني ما يدري وش يقول، فعلًا غريب. ولاحظ أنها من جت ما جابت طاري غير أبوها وبيت أبوها وريحة أبوها وناظر خيشتها شلون متعلقة فيها، معقول اللي فيها شيء يخص أبوها! حاتم: عايشة. لفت عايشة عليه وتحس بوجود أبوها وريحته: لبيه. سكت شوي وابتسم، شوي وضحك بخفة: أجل أنا من فقدي عودت للمقبرة. عقدت عايشة حواجبها بخوف.. كمل كلامه: رحت لأجل أشم ريحة تراب أبوي رحمة الله عليه، نشبه بعضنا تدرين هههههههههههههههههههههه.

عايشة ضحكت: لا بالله محدن يشبهني أنا أعرف عمري زين. رفع حاجب وابتسم نصف ابتسامة: أنشهد. لفت عليه وهي تضحك: قلت شيء؟ أشار حاتم على السماء: تشوفين القمر؟ ناظرته عايشة وشهقت: يا ويلي ويلاهه! انخرش حاتم: ووش؟ أخذت خيشتها ورجعتها ورجعت أخذتها تنهدت بحيرة: تأخرنا، أبك الفجر على ظهور. أخذ حاتم خيشتها وركب الخيل ومد يده لها، سحبت يده بقوة وركبت وراه. حاولت عايشة تمسك اللجام بس بعيد عنها،

ضربت ظهره: أنزل أنزل أنا قدام وأنت وراي. حاتم: ليه؟ ردت بعصبية: ووش تبيني أمسك ما أطول اللجام. ابتسم حاتم ابتسامة جانبية: أنتِ اخترتِ تركبين وراي وما هنا وقت. ضرب الخيل بقوة وعايشة رجعت على ورا وكانت بتطيح لولا ثوب حاتم اللي تعلقت به بقوة: أنا أوريك خلينا نأصل. تعالت ضحكته ويزيد سرعة الخيل وهي تتعلق به أكثر. *** بعد أسبوعين كاملات. الساعة 3:30 مساءً.

زينة من أصبحت وهي مع مزعل جالسين حول الحلال والإبل، وناسية نفسها وناسية الوقت معه، ومبتسمة طول وقتها لأنه صار قريب لها حيل، وفوق هذا تعلقت به عقب ما قالها عن حبه لها وإنه يبيها، صارت تجلس معه حتى أكثر من عايشة! هذا مو معناه أنها ما تجلس مع عايشة! بس مو قده، لأنها لقت منه كلام حلو، لقت منه اهتمام وحرص، ولقت منه ابتسامة صادقة تقابل وجهها كل يوم، وأسلوبه وكل شيء به أعماها وصارت ما تشوف غيره أبد.

وقفت تنتظره يرجع الماعز اللي جابها لها وهي تضحك ومتكتفة وتناظره، لفت أول ما حست بشخص وقف جنبها وابتسمت وبادلها الابتسامة، وبرقعها عليها: يا هلا بعزام وش علومك عساك بخير مبطين عنك. عزام بابتسامة صافية هز رأسه: الحمد لله حالي يسرك يا زينة. زينة: زين، جعله دوم يا رب. حط يدينه يجيب ثوبه ويطالع قدامه: وأنتِ وش علومك؟ زينة بمرح: الحمد لله أنا زينة. بجمود: وعايشة وينها وش أخبارها؟ صمتت زينة

لمدة لا تقل عن عشر ثواني: عايشة.. ما مريتها اليوم. عزام: وينـ.. سكت لثواني ورجع تكلم: زين أجل لا مريتِ عليها وصلي لها سلامي. هزت زينة رأسها: يوصل بإذن الله، في أمان الله. عزام

يناظر مزعل اللي اقترب لها: في أمان الكريم، ولف وهو يأخذ نفس، لف وشافهم يبعدون، أخذ سطل الماء وكبه على موية الإبل يزيدها ونظف اصطبل الخيول حق حاتم، بسرعة كبيرة وبغير ما يحس بالوقت ولا بأحد حوله، مسك السطل وصدره يرتفع وينزل وموقفهم قدامه قدام عيونه يتكرر، يكره الشعور اللي يحس به، من متى وزينة تهمه، من متى وهو يغار بوجودها مع شخص ثاني كيف ومتى! ***

أما عن عايشة، خلف بيت الشعر لأبو عقاب كانت تنشر جلابية جدتها وثوب جدها عقب ما غسلتهن، التفتت لسهام: جهزتي يا سهام عشان لا جت أمك ما تشيش -تعصب سهام: إيه كلش جاهز يا بعد حيي. علت عايشة ضحكتها: سبحان اللي غيرك يا سهام، من متى وأنتِ سنعة وذربة؟ تخصرت سهام: هه، هذي سبه ولا وش أعتبرها الحين؟ أرسلت عايشة لها بوسة بالهوا. حطت سهام يدها على قلبها وبهيام: أويل حالي أسعفوني يا عرب.

ضحكت عايشة بقوة ومن قلب: ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه. رفعت سهام شيلتها بسرعة من شافته وهي جاهلته ومن يكون، أما هو بعالم ثاني وسارح بضحكتها وعيونها وحركاتها وبصوت جهوري ممزوج ببحته: عايشة. لفت وهي خابرة هالصوت ما يخفى عليها، شهقت بفرحة وركضت خمته بقوة: ارحب ارحب يا عين أبوي. ضحك وهو واقف قدامهم ويناظرهم.. أما سعود شد عليها وقبل جبينها ووجناتها من خلف البرقع: ووش أخبارك يا بعدهم عساك بخير؟

أما حاتم ناظرهم وتنحنح، ويضحك على اللي يدور براسه. عايشة تناظره بشوق وماسكة يدينه: بخير بخير عساك بخير، ووشلون أبو صقر وأم صقر وزينب وأم زينب وسعيد إيه سعيد.. ووشلونهم؟ عقد سعود حواجبه: هاه، شوي شوي، واحد واحد، بعدين سعيد لا تطرينه ببلسانك. عبست ملامحها: ليه؟ حاتم بضحكة ويناظره: يغار أبك الغيرة. أشار سعود عليه: لا تسمعين كلامه يبي يفرقنا.

عايشة تناظره وتناظر حاتم بصمت ولا هي فاهمة شيء، لفت على سهام ورجعت تناظرهم بعفوية. ضحك حاتم وتلاه صوت ضحكة سعود من وجهها وملامحها العفوية. *** رمت شيلتها على مطرحها وهي معصبة: هالحين منهو ذا يوم أنها تخمه، ولد عمها؟ وش قالت لي اسمه؟ بس مو عيب تخم ولد عمها يعني مهو محرم لها.. يمكن من شوقها له. فزت من سمعت صوت سيارة أبوها، ركضت له وخمته وراحت لأمها وخمتها بقوة: ولهت عليكم يمه يزينكم. أم عايشة بعد ما سلمت على أمها،

تتلفت: وين عايشة؟ سهام ببراءة تأشر بمكانهم: هناك.. مع ولد عمها وحاتم ولد الشيخ. عقدت أم عايشة حواجبها: وش تسوي هناك لا يكون ولد عمها جاي يأخذها؟ سهام: مدري بس أول ما شافته ضمته ما ألومها يهبل. ضربتها أم عايشة مع رأسها وراحت لعايشة والعصبية تعميها. *** أعمتها عصبيتها وشلون تضم ولد عمها! استغربت من عايشة بس ما استغربتها من أهلها، صرخت بحدة وهي توجه كلامها لعايشة

وجاهلة من اللي معها: عايشة، وش تسوين بذا ومن اللي.. بلعت ريقها وهي تردد بداخلها لا لا لا لا.. مستحيل جمدت مكانها وداخلها ثاير ودها لو تختفي تنشق الأرض وتبتلعها من حر ما بها وصدمتها وخوفها اللي شنّجها لدقائق.

أما هي التفتت لأمها ورجعت عيونها لعمها سعود وهي ماسكة يده، شد عليها بقوة وسعود عطاها نظرة حادة ونزل عيونه للأرض وهي ثابتة بمكانها.. وعايشة تناظر حاتم وموقفه وصدمته واستفهاماته ونظرة سعود اللي عجز يفسرها وعيون عايشة الضايعة وتحتمي بسعود وكفها بين كفوفه وتفرك كفها على يده بهدوء وتبتسم. حاتم حس بالكهرب اللي بينهم ومسك ذراع سعود: وحنا نترخص يا عايشة، الرياجيل بالمجلس في أمان الله.

شد سعود عليها بحضنه بيد وحدة وباليد الثانية عصر يد حاتم عصر، وحاتم يبتسم ووجهه حمر. أم عايشة اختفت بسرعة ودخلت بيت الشعر مصدومة ومشلولة فكريًا لعدة ثواني. شم ريحتها وأخذ ما يكفيه منها وزود مع أنه طامع ولا يشبع منها أبد، فك جديلتها وانتثر شعرها على ظهرها: خليه على ظهرك مفرود طول ما أنا موجود. ابتسمت عايشة: تبشر من عيوني. سعود بابتسامة راكدة: جعلني ما أعدمها يا بعدي، يالله في أمان الله. عايشة: في أمان الله انتبه لعمرك.

حاتم ضحك: يا بنية اتركي يده خلاص بنمشي. عايشة فكت يده وهي تضحك وحاتم سحب سعود عنها.. لف عليها سعود: قايل لك يبي يفرق بيننا. عايشة صرخت: يبطي عظم من يفرق بيننا، بس حاتم أعرفه زين. سعود لف عليه وضربه مع كتفه: اخس. حاتم ضحك بخفة ولف على عايشة ورجع يكمل طريقه لبيت الشعر لشيخ البادية والقبيلة أبو راجح والرجال كلهم بذاك وعزام يطبخ الذبيحة عن أم حاتم. *** رفعت أم حاتم شيلتها

وهي تمد له غطاء القدر: قايلت لك يا عزام يا وليدي أنا أطبخها بس ما ينفع معك معنّد. عزام: لا يا خالة خليها علي اليوم، أتعبناش واجد معنا وأنا مخلص شغلي والذبيحة ما بقى لها شيء وتنضج. أم حاتم: تبيهم يتسدحون باتسر عند الدكتور مزعل من بطونهم. ضحك عزام مجاملة وقام يغسل جسمه ويبدل ثوبه اللي امتلأ من دم الذبايح وهو يذبحها.. حاتم جاء يدور عزام: يمه يا أم حاتم. جاءت له: سم. حاتم: سم الله عدوكِ. وين أبو فزاع؟

أم حاتم: ظنتي إنه رايحٍ يغتسل ويغير ثوبه اللي عليه. حاتم: زين إذا شفتيه خليه يجينا عند الرياجيل. ابتسمت: يا وليدي أنا رايحة لأم عقاب، اجلس أنت هنا ما يطول هو. حاتم: أبشري، فمان الله.

جلس على طرف الحصاة اللي قدام الخيمة اللي ينامون بها عزام وحاتم، ومنزّل راسه ويستغفر ويقضي وقته بنفع، وبنفس الوقت راسه يدور ويدور حول عايشة وأمها ونظرات سعود لأم عايشة. مسكة سعود ليده، رفع يده وكان بها أثر خفيف وحمار، ميل فمه بعدم فهم. رفع راسه وكان عزام يلبس ثوبه، وعدّل عقاله والشماغ أو الغترة.

وبزمانهم كان قماش بألوان مختلفة، وكل شماغ لون واحد، وكان لابس اللي باللون الأحمر الغامق وثوبه أسود فقط وعقاله العريض، وشد حزامه الملتف على صدره ويتصل بظهره ومخزّن بالرصاص بشكل "X"، وراح ومعه خيزرانة للحلال. دخل الغنم للشبك وهو يهوجس، بلحظة وحدة طرت بباله كلمة، ما يدري وش المفروض عليه بإنه يحبها ولا يكرهها ويبغضها، هز راسه ويستغفر ويجمد ويحكم أعصابه بعكس صدره وناره المشتعلة، مشتت شعوره حيال هالكلمة. يقسم قسم ما تضر

الكلمة ولا تسيء له بقد الشخص اللي ينطق بها. "هذا عزام صبي الشيخ.. عزام هذا مزعل.. الدكتور مزعل"، كذا زينة عرفت مزعل بعزام، صحيح هو بارد إنسان طافي مشاعره ويبتسم دايم، بس بالأخير هو إنسان حاله حال البقية تأثر به كلمة وترفع مقامه كلمة. للعلم إنها ما هزت به شعرة بس ما يدري ليه وش صار بعقله من شاف زينة اليوم معه حتى ما شافت عايشة، لها أسبوعين وهي من مكان لمكان معه وتعلقت به، يخاف يأذيها ويلعب بمشاعرها، ينزف عليها واللي

بها. استوعب نفسه والتفكير اللي يدور بباله وكله حول شخص وواحد!

زينة! ولا فكرت بك ولا درت عنك، رمى الخيزرانة اللي بيده من حر ما يوجس، وتلاشت أفكاره من رد عليه الصوت حاتم وهو يضم كتفه: عزام! هيه يا رجال وش بك؟ عزام ناظر حاتم وصدره يرتفع وينزل ويحس بصخور على صدره. حاتم: توي أناديك بذا وراك ما ترد، بك شي؟ عزام ناظر يمينه ورجع عيونه لحاتم: من متى وأنت هنا؟ حاتم: لي شوي ما طولت احتريك تخلص. عزام ضحك وخمه بقوة ويشد عليه ويشم ريحته ويضحك: ريحتك ريحة شايب.

حاتم ضحك وشد عليه: خذ من ريحة أبوك وسرها. عزام ضرب ظهر حاتم بقوة: وخذ من أطباعه. حط يده على ظهره وعقد حواجبه بتكشيرة وانقطع عن النفس لثواني: مشكلتك لا تحمست زود وأنا أبوك، امش امش لا تذبحني بذا. راحوا عند الرجال بخيمة الشيخ وجلسوا حول سعود.

ما بين سوالف الحريم وضحك سهام وزينة مع بنات البادية وهدوء عايشة وسوالفها المختصرة مع العجز، ما نزلت عيونها عنها أبدًا وبالها مشغول فيها وصمتها، وكن الوقت ضايق عليها ملت من مجلس الحريم وتبي الجلسة مع من يقرب لريحة أبوها، عمها سعود.

ظهرت من صدرها تنهيدة ضجر ولفت على زينة شافتها تسولف مع سهام واستسمحتهم وقامت من عندهم وراحت عند الخيول، جلست ثواني تتأمل بخيل أول مرة تشوفه بباديتهم بس مهب غريب عليها، ابتسمت وقربت له وتتحسس شعره وتهوجس. ابتسم من بعيد وراح لها وبصوته الجهوري: أشوفك مستانسة بالحيل عساه دوم. لفت وتدوره بعيونها: وينه؟ حاتم بابتسامة جانبية: عوّد لهله من شوي. عايشة شهقت من قلب: أنت وش تقول؟ جفف يدينه وناظرهم وراح لهم بابتسامة: وش العلم؟

عايشة تنهدت وخمته: أشوى. ضحك بقوة ولكن شيء داخله يتحرك، شعور ما أعجبه، صد عنهم لحد ما فكته ومسكت يده. سعود ناظرها وناظر حاتم بضحكة: وشهو قايل لك؟ حاتم هز راسه: دلع الحريم يا خوك تدري به. عايشة بحدة: لا بالله ما تدلعت، أجل تتسذب علي وتقول إنه عوّد للديرة، وشلون يروح بلا وداعة ولا يشوفني شوفتن سنعة وهو جاي على شاني؟ حاتم: جاي على شاني مهو لجلك. عايشة رفعت حاجب ولفت على سعود تنتظر منه رد أو دفاع.

ما ظهرت منه غير ابتسامة ممزوجة ببراءة ويهز راسه بإيه: أبك أنا ولهت عليه وجيت لجله، ولجلك يعني، وعندي كمن شغلة بذا يبيها أبوي، -ناظر خيمة أبو عقاب وكأنه قاصد شخص بكلامه -ولا أنا ويش يجيبني لذا. عايشة رفعت كل حواجبها وقوّست شفايفها ببراءة وشدت على جلابيتها ودارت بظهرها عنهم وراحت تدور زينة وهي معصبة وتتجاهل التفكير بكلامه. سعود لف على حاتم: أعنبو دارك ويش يراضيها هالحين؟

حاتم بلا مبالاة: لا يا رجال مهي تزعل عويش وأنا أعرفها. سعود كشر: هقوتك؟ حاتم يأشر بسبابته: هالحين بعد ما تاخذ لها كم دورة ترجع بذا، أعرفها زين. سعود ضحك ويناظره: أبك أنت تعرفها أكثر مني ها ترى غاريتي تذبح. ابتسم وراحوا لخيمة الرجال.

دخلت بيتها وهي بكامل زينتها البدوية والكحل الأسود مرسوم على عيونها وبراءة وجهها ووجنتها تكفيها عن أي مستحضر تجميل، وعليها برقعها الأصفر مبرز جمال عيونها ووسعها ووجنها ومغطي باقي وجهها لين دقنها المحفور بخفيف مع كل ابتسامة. حست بحركة لفت خلفها ورجعت تحوس بأغراضها وأخذت حاجتها وطلعت، سمعت همس ولفت عقدت حواجبها وهي تناظر مزعل: وش عندك؟ مزعل قرب لها ومعه فرسه وابتسم: العذر والسموحة ما دريت إنك بذا، بس الظاهر فرسي أزعجك.

زينة ابتسمت: وليه جاي هنا؟ مزعل: هالحين بدل ما تقولين حياك الله، -قلد صوتها وسحب برقعها بخفيف على تحت -وش عندك وليه جاي هنا؟ زينة خجلت وزاد تورّد وجنها وصارت تتلفت بعد شوي عنه من شافت عايشة مقبلة عليهم. مزعل ناظر عايشة جاية لجهتهم: بالليل أبغى أشوفك لو شوي وخالقك ولهان. زينة أشرت له يروح وسحب حصانه وراح وهو يبتسم. عايشة تناظره وهو يمشي ومعقدة حواجبها تكلمت بحدة وعيونها عليه: هذا وش يسوي بذا؟ زينة: يسلم، شفتي عمك؟

عايشة مطنكرة: مهو جاي لجلي وشهوله أضيع وقتي معه. عقدت حواجبها: وشلون مهو جاي لجلك، أجل منهو عشانه؟ تنهدت وهي تتذكر نظراته اللي كأنه يقصد بها شخص، وناوي بها شيء نظرة أبد ما طمنتها. سهام جت لهم بابتسامة: يا مرحبا، وش تسوون، عاد تدرون مشتهية أركض كذا الجو يجنن اليوم. عايشة ناظرت السماء: إي بالله إنك صادقة وش زين الجو. مر من عندها رجل ومعه فرسه، نقزت جنب عايشة وتعلقت بها. زينة ضحكت: أنت إلى هالحين تخافين منه؟

سهام: يمه يخوف كبير. عايشة صفقت بيدينها: لازم نكسر خوفك ذا اللي ما له سنع، أمشي أمشي. سهام: عايشة لا لا لا، لو سمحتي يعني ما أبغى يعني. سحبتها وراحوا لخيمة أبو عقاب وكان مربوط حولها خيل عايشة ويعلمون سهام شلون تركب الخيل وتمشي به بخفيف كمبتدئة.

مر أسبوعين متتاليين ونفس الأحداث ما تغيرت، عايشة من الحلال للخيشة لزينة لبيت جدها أبو عقاب والتنظيف به، تغسل جلابيات جدتها وثياب جدها وجلابياتها ويمتلي وقتها ويومها بشغلة على شغلة. عمها سعود راح قبل أسبوعين ما طول عندهم. وسهام وأمها راحوا للشرقية وبيتهم بنفس اليوم اللي راح به سعود. مسيان؛ كانت تدور بالبادية ومعها خيلها وتمشيه وتسولف مع بنات البادية وتكمل طريقها وتسلم على شايب المزرعة

(رجل كبير بالسن يحرس مزرعة البادية) ، ووقفت عند عزام وهو ياخذ رطب من النخل وسلمت عليه. عايشة: وش بلاك أنت ما عاد نشوفك؟ عزام ضحك: مشاغل الدنيا. عايشة: ههههههههههههههه أخس وأقطع يا مشاغل، إلا بغيت أسألك حاتم وينه؟ بغيت أسأله عن شي مهم. عزام عقد حاجبه: حاتم! حاتم هالحين عند سيارته ماشي للبلاد لأجل الشغل، عاد روحي يا تلحقين يا ما تلحقين، انهجي أشوف يالله تركبين خيلك وتلحقين عليه. عقدت حواجبها

وبهمس ما يسمعه غيرها: للبلاد؟ ركبت خيلها بسرعة وضربته وانطلق بها لحدود البادية وحول طريق البلاد تلحق على حاتم، كل هذا تحت عيون عزام استغرب وميل فمه حس بفضول وش تبي منه؟ وزود على ذا وش بينها وبينه يوم إنها تمشي بهالسرعة لعنده. بس فضل الصمت ولف يكمل شغله.

بعد تعب شديد لأن الخيل كان يركض بقوة ويلحق عليه، وصلت لنهاية البادية وصارت تدول بخيلها وبعيونها وتلهث بتعب ودقات قلبها تتسارع، تنهدت وضربت خيلها وسلكت طريق البلاد البري مع خيلها. ابتسمت والهوا يلامسها ويرعش جسمها ويلامس وجنتها الموردة والخيل يمشي بها ببطء ويطري على بالها هرج يريح القلب ويشرح صدرها بدون إرادة صارت بالفترة ذي تسج واجد! وزينة مهيب زينة الأولانية، تسرح وبوسط سرحانها تبتسم بغير وعي!

أخذت تنهيدة طويلة تلتها شهقة ولفت مفزوعة. كان يركض بخيله رايح للي يسرح بالغنم والحلال وراكب فرسه ويمشي بسرعة لأجل يوصل. من لمحها شدد لجام فرسه وارتفع على فوق وأظهر صوت عالي ومزعج، وهدأ من سرعة فرسه شوي ولف عليها وهو ياخذ نفس بهدوء، عرفها من عيونها وبصوته المبحوح وتعبّه: زينة! صحت من خرعتها وأخذت نفس وحطت يدها على صدرها: بسم الله الرحمن الرحيم. عزام قرب فرسه شوي: وش بلاك؟

زينة عقدت حواجبها وبمزح: أبك أنت خرعتني جاي من هناك تسن الدنيا طايرة. عزام ابتسم ابتسامة جانبية أظهرت نابه: العذر والسموحة، بس والله كنت عجل ولمحتك بذا وقلت أسلم وأسألك عن الأخبار، ووين أنت به كني مبطي عنك؟ زينة رجعت شعرها اللي مفرود على كتفها خلف ظهرها بعفوية: الحمد لله أنا بخير يالله لك الحمد فرحانة مبسوطة، وإذا تسأل ويني أنا بذا وين أبروح له، ما قدر خبرت لي مكان أروح له. عزام

زادت ابتسامته من دون شعور: زين الحمد لله جعله دوم مهو يوم الفرح على وجهك. زينة نزلت راسها وضحكت: آمين، وأنت وش علومك وش الجديد؟ هز راسه: ما من جديد، الحمد لله بخير. زينة: دوم. عزام ناظر عيونها شوي، اللي بانت عليها الربكة ونزل راسه بسرعة: تدومين، يالله فمان الله توصين شي؟

زينة: سلامتك. مشى به فرسه وهو سرحان ويستغفر ربه. وشلون سمح لنفسه يطيل النظر بعيونها، ويضيع بها وبدون وعي منه، ووشلون عزام أبو فزاع ما يحكم نفسه، طرد الأفكار اللي تزعجه ومرت بباله نظرة عيونها، صور عيونها بعقله وراحت الصورة للذاكرة صاحبة المدى البعيد، صورة أبدية ما ظنه ينساها. عيونها عيونها ما يدري هو بس اللي يسرح بها ويذكرها لسنين قدام، ولا كل الخلايق وكل من لمحهن يسج بهن ويسرح وابتسامته ما تفارقه من التخيل والتفكر بخلق الله اللي أبدع بعيونها. ضحك بخفة على تفكيره.

لف عليه اللي يسرح بالغنم مفزوع من ضحكته المفاجئة وهدوئه وما كان يدري بوجوده: أبك ويش الله بلاه ذا، عزام، يا أبو فزاع؟ لف عليه بابتسامة: سم يا بعد حيي، امرني. رفع حواجبه: الله الله، وش في بين عيونك بالعادة لا أقفى حاتم للديرة تصكك غلقة، ويش الله بلاك؟ بانت أنيابه بابتسامة: بلاي الله ومحلاها بلوة يا بعدي. ضحك بعد استيعاب: هههههههههههههههههههههههههههه الله يصلحك يا وليدي بس. بادله الضحكة وجلس يشتغل بهوجاس. نرجع بالوقت؟

ما أبعدت واجد عن البادية لأنها بالعادة تاصل أكثر من هالبعد، وهي الخاطر الوسيع والخاطر الضيق، وبالها يدور وتتذكر

آخر كلام عمها سعود لها: "فكري بركادة يا عايشة، و.. من الواجب إنك تخبرين أمك بهالعلم وتدري عنه، ودك بالجية وتسكنين بين أهلك وبيت أبوك ارحبي ملايين وإن كان ما ودك بسعيد ولد عمك ما حدن جابرك ولا أحدن يخالف رايك، الجية الأخرى باخذ الرد يا عايشة أبي تفكرين بالموضوع زين". تنهدت بتفكيرها اللي زاد بالموضوع ولا تدري وش ترد، صحاها من سرحانها صوت "بوري، هن رن" سيارة حاتم. لفت وأبعدت خيلها عن طريق السيارة، فتح دريشة السيارة وعليه عمامته لونها سكري ونظاراته الشمسية وثوبه الأسود،

عقد حواجبه: بنية! وش جايبك بذا؟ عايشة وواضح بصوتها حيرة: حاتم، جابك الله والله إني لاحقتك لأجل أسألك، كود تعرف مير ودي أسألك ما تدري عمي سعود متى جاي بذا؟ حاتم ميل فمه: هالحين لاحقتني لذا عشان هالسؤال؟ عايشة: إييه، به موضوع مهم ولزوم أرد لهم به. ودي أعرف هو متاه جاي. سكت شوي ونزل نظارته وبركادة: يعني فكرتي بالموضوع؟ عايشة سكتت شوي وأخذت نفس: هووو أنا فكرت وبس!

إلا مت من التفكير، المهم يا حاتم ما ودي أعطلك وتوصل للديرة متأخر، هالحين أنت ما قالك شي؟ حاتم دار بالسيارة: الحقيني للبادية انهجي أشوف. عايشة لحقته بفرسها للبادية ووصلوا. نزل من سيارته ولف عليها بهدوء وينتظرها تنزل. جت عنده: هاه؟ ما قال لك شي؟ حاتم سحبها مع ذراعها وبما أنهم بأول البادية وتوهم ما دخلوها وقف معها ورا السيارة: وش ردّش! موافقة ولا منتِ موافقة؟ عايشة أخذت نفس وارتبكت.

سمّى بالله ودخل بيت الشّعَر، وجت له أم عقاب. أم عقاب جلست حوله: هاه يا أبو عقاب وش رايك أنت؟ أبو عقاب عقد حواجبه: رأيي بويش؟ أم عقاب: قصدي سعيد يومنه خاطبٍ عايشة وش تقول؟ أبو عقاب: الرأي رأيها، تبيه محنا رادينها، ما تبيه محدٍ غاصبها على شيٍ ما تبيه وأنا حي. ابتسمت: الله يطول بعمرك يا أبو عقاب والله يا خوفك عايشة تبطي عنا لو وافقت وراحت بذاك. أبو عقاب ضايقته فكرة إنه بيفقد عايشة لو وافقت:

لا، عايشة وأنا أخبرها أصيلة ولا هي قاطعة. انصدم من ردها! يا دقة العود على ويش توصين كم واحدٍ أقفى باليوم اللزومي لكن تفقديني من الحين للحين أخاف من كثر المفارق حان يومي

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...