الفصل 7 | من 13 فصل

رواية ياعازف العُود صحّيت جفن الحزن من دقت اوتارك الفصل السابع 7 - بقلم havxill

المشاهدات
15
كلمة
15,153
وقت القراءة
76 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

ابتدت الشمس تشرق وعينه ما نامت، وبوسط تفكير عميق: "أنا وشلون استرجيت وخليتها له! أنت وش سويت يا حاتم؟ أبك أنت وش سويت بعمرك؟ صار يفكر بصمت وهدوء تام. تشتت، من أشرقت الشمس وهي ضايعة. ابتس حاتم ما يقولها لي كذيه بلا سبب، وش اللي خلاه يهرجها؟ نظرته ذيك أعرفها، ما طمنتني، انكسار، دمع متحجر، بريق عينه الراجي وكلماته اللي تظهر بالغصيبة، مهو اللي بالعادة. تذكرت وشلون فرحته بنص اليوم والحزن اللي اكتسى عينه بآخره!

مشت لخيمة جدها أبو سيف اللي كانوا يتزهبون لرجعتهم، ويحملون على النياق قشهم. ابتسمت بهدوء وقربت لهم: "عانكم الله." سعود يساعد أبوه: "علّش سالمة." دخلت عند أم سيف وأم سعيد، ساعدتهم شوي وعقبها قرب رحالهم وما تفوهت بولا كلمة. عجزت عجزت تتكلم جدها تحس لسانها مربوط ولا هي مرتاحة. الظهر، ودعتهم كلهم وشدوا رحالهم لديارهم بما أن السماء منورة والجو غيم ويرد الروح ويمديهم يصلون قبل يحل الظلام.

خلى المكان بها لوحدها ولفت تبي تمشى شوي بين العرب وهي لابسة برقعها. وصلت للسوق تبي تسلى شوي وتشغل بالها عن الهوجاس والسجة، صارت تمشي وتقلب بالأغراض البسيطة. وما هي إلا دقيقتين وسمعت جميع الشيبان والشباب اللي يبيعون يرحبون به وكلٍّ يعزمه: "ارحب يا مرحبا، حياك حياك، يا الله حيه يا مرحبا." لفت تطالع وهي حاسّة إنه هو ولا من غيره؟ ابتسمت أول ما لمحت زوله فوق الفرس وجنبه عزام يسلمون على الشيبان من بعيد.

من هيبته ومحبة العرب له حتى النسوان يرمين السلام عليه، ويرحبن. وحدة من النسوان غطت نص وجهها بالشيلة وتكلمه وهي صادّة عنه وما بان غير عيونها ونصف وجنتيها: "يا مرحبا بابن الشيخ يا هلا بالشاعر تو ما نور المكان." ابتسم ورد عليها: "يا مرحبًا بكن في محلكن." حطت عينها عليهن وما تدري حست باشمئزاز منهن والود ودها تحرقهن، مشت وكملت طريقها وتحس بجسمها يحتر ولا لفت عليهن ولا عليه وطلعت من السوق بكبره ورجعت لخيمة أبو عقاب.

أم عقاب: "يا مرحبا، وين أنتي به يمه؟ زينة توها قايمة وعيونها متسكرة ووجهها مورم. عائشة ضحكت على شكلها: "الله الله الله يا زينة وش هالنومة؟ زينة تأكل تمر: "والله إنها نومة زينة على اسمي." أم عقاب: "وين أنتي به، من قمت ما شفتش." عائشة: "تعرفيني يمه ما أداني أقعد بمكاني لزوم آخذ لي لفة على البادية كلها أتطمن على أحوال الرعية." زينة كشرت: "بسم الله عليش." عائشة تفرك أصابعها وتقهر زينة. بالسوق، كان واقف عند رجال:

"أظهر لي أحسن قماش حرير عندك." ولف لا إرادي وطاحت عيونه على البنية بخطاها الموزونة والثقيلة متوجهة لخارج السوق، ما تخفى عليه هالخطاوي أي والله إنه خاتمها بباله وقلبه. جاه رد الشايب: "هاه عساك تبي تعرس يبه، ما بغينا نشوفك عريس." رجع عيونه للشايب وكلٍّ عينه على البنية اللي قدام عائشة تضحك ورافعة شيلتها لنصف وجهها وتمشي مع بنية كبرها وتناظر حاتم.

لف على الشايب وما هي غريبة نظرة هالبنت، ولا هي أول مرة من جميع بنيات البادية. وأطلق ضحكته الراكده: "لا يا حيّي هذا لأمي ودي ألبسها أحسن ما تشوف بالسوق جعلني فدا رجولها." عزام سحب قماش حرير لونه يريح العين: "هذا وش زينه." حاتم عاينه شوي وجاز له، لأنه قد لمح هاللون على عائشة، تنهد ومده للشايب: "بكم هو؟ الشايب رده: "لا والله ما تدفع شيء." حاتم: "يا رجال تعوذ من إبليس وبكم هو ما نيب ماخذه الين تاخذ حقك." الشايب:

"كانك تبيها كذيه ها أجل بأعطيك نص السعر." حاتم ضحك على إصرار هالشايب: "أجل كل من يجيك هالليلة تعطيه بنص السعر." ابتسم الشايب بصفاوة وعينيه تقوست والشيب مالي رأسه ونفض يديه: "وين يجيني أحد يا ولدي ابتس هالحين ما ياخذون إلا من البلاد ما عاد أحد يشتري من هنا." شهقت بنت عنده: "أفا يالشايب ابتس أنا كل يوم عندك مغير أتخير من هالاقمشة الزينة عسى الله يخليك بس ولا يحدنا للي بالبلاد."

ابتسم حاتم له ودفع وراح يتمشى بالسوق وأخذ لأمه وشرى له ولعزام سبحات. بمكان ثاني، ببادية أبو سيف. الجميع فرحان برجعة الشيخ أبو سيف وأهله. ويتساءلون وش اللي صار معهم ويجاوبهم أبو سيف: "أبد مغير ولهنا على الربع اللي هناك والجماعة وضيفونا الله يبيض وجيههم." لكن ما حدٍ فقده، يمكن ما حدٍ حس بالقهر اللي يسكنه ويسكته، ويذبحه بلا صوت. كان جالس بسطح بيت الطين، بيت أبو عائشة.

وتسبده تفرك الود وده يختفي عن العرب كلهم ويجلس له كم يوم لوحده. كم مرة، كم مرة راحوا يخطبونها، وهو ولد عمها، وأقرب لها ويعزها، وشاريها ويبيها. ما تعطيهم رد مقنع ما تكلمت ولا قالت شيء لهم بآخر مرة، ولا قال له شيء جده أبو سيف. يعني يبي يعرسهم وبس ما حسب له حساب. مهما يكون هو اللي يبي يعرس وجده ما هو معبره يروح به ويجي والمشكلة أن هالعود ما يفضى مجلسه ولا وقت يكلمه ويسأله. وغيره.

صار يحس بشعور يستوطنه من يشوفها، من يسمع حسها. غصب عنه مهو في يده، تنهد تنهيدة طويلة وهو يسولف مع نفسه بصوت خافت. هذي طريقته لا تضايق، منه إليه. منه الضيقة ويفضفض إليه، ولربه اللي ما يسمعه غيره. انسدح وحط يدينه ورا رأسه وعيونه على السماء. من جوا للبادية وهو على هالحالة. ما يداني يطلع بين العرب وهو ضايق يعرف إنه ممكن يظهر اللي به بحداهم. ضحك وعيونه على السماء وهز رأسه بأسف وأخذ نفس براحة. بنصف الليل،

طلعت ويا زينة يتمشون ويسولفون ويضحكن. زينة تثاوبت: "ابتس أنا أبي الرقاد وخري وخري رجعيني ما أشوف الطريق." عائشة عقدت حواجبها: "أقول انثبري ابتس وش ترقدين تو الليل بادي." زينة عيونها دمعت من التثاوب: "وش ناويه تسوين بعد؟ عائشة: "أبد نرقى الجبل وننزل ونتمشى ونفرفر بهالبراد والجو الزين." زينة بققت عيونها والنعاس ماليها: "أكيد تمزحين أقول امشي امشي يكفي تمشي الليلة." عائشة عصبت وتبيها تهون:

"ما نيب متحركة وهاه تبي تروحين روحي نامي يا العنز." زينة حطت يدها على فمها وتثاوبت. ورفعت يدها الثانية تودع عائشة: "زين أجل انتبهي لعمرش ولا تتأخرين." فتحت عينها على وسعها وهي تشوفها تعديها وتدخل الخيمة. انشحنت: "حشى حشى ابتس خيشة نوم براسها ذي يا هب." لفت وراها، تنهدت وهي توزع عينيها على الزوايا والخيام والجبال. مشت للخيول أول ما سمعت صوتهن. ابتسمت وضحكت أول ما شافته متبالش مع الخيل: "عزّام، هذا وأنت مروض الخيول."

عزام ماسك الخيل بالقوة: "عائشة، ابتس روحي نادي حاتم الخيل تبي تالد." عائشة طيرت عيونها: "يا ويلي أنت صادق أنت؟ عزام وجهه حمر وهو ماسكها: "عائشة." طارت بسرعة لعند حاتم، وقفت شوي عند الرواق: "وشلون أبناديه ذا؟ غسل يديه وهو لابس ثوبه وفاتح أزرته وغترته على كتفه. جا من وراها: "خير؟ عائشة شهقت: "أهب يا ذا الوجه." حاتم ينشف دقنه ووجهه بغترته: "وش عندك بذا؟ عائشة تهمس له وقلبها يرجف من الركض: "عزام يبيك." عقد حواجبه:

"عزام وينه؟ عائشة: "عند الخيل، ابتس يبي يولدها الولد بغى يموت من الخيل تعال نعاونه." أم حاتم طلت برأسها من الخيمة لعند الرواق اللي طلع منه حاتم: "حاتم، يا الله لا تتأخر نم وراك طريق بكرة يمه يا الله." ما سمعت رده وقامت تشوف: "هاه وين غدى؟ حاتم أول ما سمع خطا أمه شد عائشة من ذراعها وراح ورا الخيمة ولا زال شاد على ذراعها ويطالع أمه. عائشة وجعتها يدها وضربت يده بحرارة: "ابتس، فك فك يدي." شد على يدها

أكثر وقرب لها وعقد حواجبه: "اشش، لا تسمعش أمي." عائشة عينها بعينه: "أقول فك يدي لا أجمع عليك كل العرب، ابتس كسرتها." حاتم شبك يده بيدها ولا زالت حرته على سالفة عرسها وما يدري وش سوت بعد ما قالها الله يوفقش! "صايرة تدلعين واجد." حاولت تنفض يدها منه: "ما نيب أتدلع وبعدين الرجال يتحرانا امش لا تنفقع كبده." مشى بسرعة وهي وراه لين وصلوا لعزام. عزام: "أي والله كان رقدتوا وجيتوا بعد الصلاة."

حاتم راح من وراها وهو عاض على شماغه اللي على كتفه ويولدها وعزام وعائشة واقفين ويساعدونه. شوي عائشة راحت عند وجهها وهي تطلع صوت خفيف. قربت يدها لوجهها بشفقة على شكلها وعيونها اللي يملاها البريق والدمع سايل. عضتها الخيل وصرخت عائشة وهي تنفض يدها: "يا ويليييه." ضحك عزام: "ههههههههههههههههههههههههههههههه ابتس ابعدي عنها." عائشة: "هالحين هذا جزاي؟ حاتم وجهه حمر من حركة الخيل وصعوبة ولادتها: "امسكها يا عزام امسكها."

مسكوها وبعد 10 دقايق من التعب والمحاولات، طلعت المهرة الصغيرة. ابتسم حاتم وجلس على أقرب صخرة: "الحمد لله، الحمد لله." عزام: "ما شاء الله." عائشة جلست عندها والفرحة ماليه عيونها على منظر الخيل وهي ت: "يا ويلي يا زينها." حاتم ابتسم لفرحتها: "هاه قومي جيبي ماء لأجل أغسل." عائشة ناظرته شوي كانت بترفض بس قامت من حط عينه المبتسمة بعينها، صبت الماء على يديه وعيونها على الخيل وعزام ينظفها.

رجعت عيونها على حاتم والجميع في حالة صمت، تكلمت بهدوء: "تبي تمشي بكرة للبلاد؟ حاتم كان يفرك يديه بالطين، رفع عيونه لها ونزلها ليديه: "الله الله، أهملت الشغل هناك ولزوم أعود وشكلي مطوّل هناك." عائشة: "وش كثر تبي تجلس؟ حاتم: "شهرين، ثلاثة حولها." شهقت: "الله الله، أقول -سكتت شوي -تروح وترجع سالم." حاتم خلص مغسل وغسل وجهه وتنشف وجا قرب للمهرة وأمها ببسمة وناظر عائشة:

"وهذي لش وسميش يا عائشة بس تكبر شوي تاخذينها من أمها." ضحكت عائشة بدون استيعاب وقربت له: "ووش صادق ولا تمزح؟ هذي! لي وسميتي بعد! خمته بقوة وهي تضحك وما تقدر تعبر عن الفرح اللي اجتاحها وبان على عيونها: "يا بعد حيّي جعل العرب كلهم فداك." شد عليها وهو يضحك وغرس رأسه على نحرها وببحة: "تستاهلين أكثر." عزام طيّر عيونه ولسبهم بشماغه أكثر من مرة: "ابتس قدروني واحشموني." عائشة بغت تفكه وشدها أكثر وسند رأسه على كتفها:

"خليش منه اسفهيه." عزام احتد صوته: "حاتم، عويش استحوا على وجيهكم أعنبودارك أنت وياها." عائشة أبعدت عنه ولفت على عزام: "أنت وش بك تراه شايب بحسبة أبوي." حاتم طيّر عيونه وناظرها. أما عزام ما سمك نفسه وضحك من قلب: "ههههههههههههههههههههههههههههههه أما بهذي أنا أشهد إنش صادقة." عائشة حطت يدها على خد حاتم: "الله يخلي لنا هالشايب بس ويطول بعمره." حاتم دف يدها: "الشرهة علي أجل أنا شايب هاه؟ عائشة نفضت يدها باشمئزاز:

"يوه عاد أكره ما شوف تشره الشايب وزعله." قبل ما يأذن الفجر بساعتين عائشة استأذنتهم وراحت تمشى وكل ما بغت تفرح على المهرة. ضاقت زود على مشي حاتم للبلاد والمدة اللي يبي يجلس بها هناك. دخلت الخيمة اللي نامت بها زينة واللي بها فراشها، سرحت شعرها وغيرت جلابيتها لأجل ترتاح وغسلت وجهها وانسدحت ورأسها ينبض من كثرة التفكير والهواجيس، وما هي إلا ثواني وغفت بدون شعور. وتفكيرها كله حول إنها لزوم تودع حاتم قبل يمشي.

أما عند حاتم وعزام، كلٍّ دحر فراشه وحاتم منسدح على ظهره ويديه ورا رقبته ويهوجس: "تراه شايب، بحسبة أبوي." ضحك وهو منسدح ولف على جنبه يحاول ينام. بعد ساعتين، دخل خيمته وأزرار ثوبه مفتوحة وشماغه على كتفه وتوه مغسل وجهه. زينب شهقت وهي قايمة تتوضأ لأجل الصلاة: "الله، أنت توك تعود وين أنت به؟ سعيد: "لا توني قايم من النوم." زينب: "لا تلعب علي، ما نيب جاهل عندك." تنهد ولف عليها: "سمي وش بغيتي؟ زينب: "وين كنت به؟ سعيد:

"أتمشى، عن إذنش بأصلي وأرقد." عقدت حواجبها بغرابة من وضعه ونبرة صوته، حست بالضيق من لمحت بعينه ضيقة وحزن. أكره ما تشوف بحياتها الضيق بعيون أخوها. دخلت من اختفى عن عيونها وتوضأت لأجل تصلي. الساعة 10 الصبح، فتحت عيونها بخفة وتحس رأسها ثقيل، قامت وغسلت وجهها وهي تتساءل: "وش هالنومة؟ آخخ يا راسي كأني راقدة على صخرة. كانت تنام خمس دقائق وتقوم، وترجع تنام وتقوم، ما هو ذاك النوم العادي.

غسلت وجهها وجلست تتقهوى شوي، ومستغربة أبو عقاب ما هو معهم يتقهوى. طيرت عيونها أول ما جاء ببالها، حاتم يبي يمشي اليوم. حطت شيلتها على راسها وتوجهت لمكان سيارته بسرعة وما فكرت، ليه، راحت وش اللي وداها. وقفت وأنفاسها تتقطع وعيونها تلفّت تدوره. لمح خيمتها، وش تسوي؟ هذي وينها فيه ماجت، كان يمشي خطوة ويتراجع خطوتين، أكيد تبي تجي، تبي تسلّم عليّ قبل أمشي. تمت عشر دقائق وهو يتحراها تظهر، ولا ظهرت.

رمى تنهيدة ومشى بسرعة بعد ما سلّم على عزام أكثر من مرة. مطنش أصوات داخله ترجاه يرجع، يروي بصيرته بها قبل يغيب الغيبة اللي ما أطولها، فتح باب السيارة بقوة، رمى أغراضه بالمرتبة اللي جنبه قبل يسكر الباب. جاه صوتها اللي أبعده عن العرب، زيادة ما هو بعيد بمكان سيارته عنهم. نزل من سيارته ويدور صوتها، كانت ورا السيارة وجت عنده. ابتسم غصب عنه مع أن ملامح الغضب كانت مستحلة وجهه، عقد حاجبيه

وحط عينه بعينها لثواني: وش هالحركة أبك وينش به أنتي؟ ركزت شوي بعينه وبريقه، عقدة حاجبينه المرسومة: علّني ما أنحرم من هالسود يا حيّي ولا يحرم ناظري منهن. سكت شوي، رفع حاجب وهو يناظرها ومبتسم، شوي وضحك بخفة ودنى بقربها: جيتي تضيعين علومي وتأخريني ولا توادعيني؟ ضحكت وعيونها بعيونه: كلهن. طال صمته، لمدة دقيقة كاملة وهو يتنقل بين تفاصيل وجهها وتقاسيمه وعيونها اللي أتعبنّه.

أدخلها بين ضلوعه بدون ولا كلمة، ضمها بشوق قبل يفارقها وقبل يقفي عنها ويغيب زولها عنه، شد ضمها بصمت ويأخذ من ريحتها معه لدياره، ويحفظها بصدره. عايشة ببحة نوم وعين نعسة، ابتعدت عنه: ودعتك الله، انتبه لروحي تراها على روحك ولا أوصيك بالصلاة وأنت ما تنتوصى عليها، وعوّد بسرعة لا تطول.

حاتم ابتسم بحنية: وأنا يا بوي لا أوصيش بقلبي ترا مكانه حول قليبش، وظني ما هو متحرك، ديري بالش عليه زين، ولا توصين حريص، روحش بالحفظ والصون يا بنت صقر وخير من توصيتي به، يا الأولى والتالية. عايشة ابتعدت كم خطوة عنه بابتسامة صفراء: يالله، فمان الله، أخرتك على مشاغلك، مدت يدها وحضنته من نحره وشد عليها، حس بيدها تدخل بجيبه وطلعتها. حاتم ناظرها بصمت وصد يفتح باب السيارة، ويحس بوداعه إنه مطول بالحيل.

لف عليها والوله شاله شيل قبل يمشي، أشر لها بالوداع وشغل سيارته ومشى وعينه عليها بالمراية. تفطر قلبه وهو يلمح الحزن بعيونها وعلى ملامح وجهها، نزل راسه وضحك من ذكر كلمته: يا الأولى والتالية. تنهد وسحب شماغه يشم ريحته، ريحة مسكها عالقة به. رمى عقاله جنبه وشد شماغه على راسه زي العمامة، دخل يده بجيبه ولمس شيء غريب زي قطعة القماش! طلعها وكانت قطعة قماش متوسطة، قربها لوجهه وشمها، ابتسم بتنهيد وضل على هالحال ثواني.

قلب القطعة وكان مكتوب عليها بيت: "يا عازف العود حتى لو أبطيت لا ينشغل فكرك ولا يضيق لك بال تصحى لك جفون الوله والبخاخيت وتغفى عيون للكرم والفخر مدلال" ابتسم وربطها على الدركسون، لجل تكون قدام عينه طول الطريق. وشغل المسجل يملي وقته شوي، ويسلي وحدته. أقفى ولين الحين كلمته تدور براسها: يا الأولى والتالية. سكرت عيونها بهدوء وبهمس: الله يحفظك يا حاتم ويردك سالم. كانت كل ما تذكرت إنه يبي يغيب ثلاث شهور ويمكن تزود!

تزيد ضيقتها وتسلى عن العرب. مرت أسبوعين مثل السنتين عليها وعلى أم حاتم بغيبة ولدها اللي طالت ولا اعتادوا عليها. اليوم جيّة أم عايشة وسهام وأبو سهام، وأبو سهام ناوي يكلم أبو عقاب وأبو راجح عن عرس سهام ومصعب، في عصر ذا اليوم. جلست عايشة جنب زينة وهي تسوي المراصيع، زينة: هالمراصيع تحبهن سهام، هالخبله ولهانتن عليها. عايشة قربت لها السمن والعسل، وجابت الدلة عقب ما فاح الماء وجلست تسوي القهوة بهدوء. زينة: ابتس اهرجي.

عايشة: وش تبيني أقول، يكفي إني الدنيا ما تساعني بجية سعود إن شاء الله الليلة. زينة: وه من هالسعود، هالحين أنا ودي أدري هو أنتي تسولفين بي عندهم ولا بس أنا اللي صاكتن راسي. عايشة ضحكت: انشديهم إلى جوا. جلس على الصخرة وشرب الماء بتعب من شغله اليوم، نظف الخيل ومكانهن وأطعم الحلال كله وينقل الماء لجل الضيوف الليلة. جاه مصعب: السلام عليكم. عزام: عليكم السلام يا هلا ارحب، أشوف الضحكة ما شاء الله الله يديمها.

مصعب: أبك صادق أنت، الليلة يبي يجي أبو سهام ويكلم أبوي على عرسي على سهام. عزام ضحك: والله وكبرت يا مصعب، أجل تبي تعرس. عجز يمسك نفسه وأطلق ضحكته: هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه. مصعب: خير إن شاء الله وش يضحكك، إيه كبرت وأبعرس زينة المزايين. عزام كبح ضحكته: والله لو إنها ناقة. مصعب صد يبي يمشي عنه، مسكه عزام من ذراعه وضمه وهو يضحك وحب راسه: أمزح معك يا أخوي عسى الله يوفقك ويسعدك معها قل آمين.

شد عليه: تسلم يا أبو فزاع تسلم، عقبالك إن شاء الله. عزام ضحك بخفة وهمس: لا أنا ما ظني. مصعب: وراه، وش زودك عنا، إلا إن شاء الله تبي تعرس وأبشوف عيالك مصعب وفزاع. عزام ضحك ورفع حواجبه: يجيب الله سيل وأنا أخوك. المغرب، وصل أبو سهام وبخيمة أبو راجح. مصعب ابتسامته شاقه وجهه بعد ما قالوا العرس بعد ما يرجع حاتم. أما عند عزام كان واقف باستقبال سعود عم عايشة. أقبلت عليه بابتسامة: السلام عليكم، وش تسوي بذا؟

عزام: عليكم السلام يا مرحبا، أتحرى سعود عمش. عايشة ابتسمت: وأنا بعد، يالله ياني ولهانتن عليه جعلني أفداه ما ولهت على أحد كثره. عزام لف عليها: ما ولهتي على أحد كثره؟ توكدي غدي به حاتم متصدر قائمة الوله. عجزت تخفي صدمة ملامحها وهزة شعورها على هالطاري. حست بحرارة جسمها ترتفع وذكريات وداعه تمر قدام عينها بلحظة، ما ساعها تنطق إلا ببحتها الراكدة وتنهيدة تخفيها: الله يرده سالم. عزام هز راسه وما ينكر الوله

اللي به لخويه وأخوه حاتم: آمين، الله يسمع منش. عايشة رفعت راسها للسماء اللي بدت تظلّم: ما كنّه تأخر؟ عزام جلس على صخرة بجنبه: لا هالحين إن شاء الله على وصول. عايشة جلست هي بعد وهي ساكتة. عزام ابتسم: آخر مرة طول بها حاتم ما جانا كان مريض ولا جانا ست شهور، يا علّش ما تشوفين حالنا بلياه. حست بخوف والحزن ملى عينها، لفت عليه: ست شهور؟ واجدة يا عزام، ووش كان به؟

جاء مصعب وأكثر من رجال لجل يستقبلون سعود ويرحبون به وأبو عقاب معهم. عزام وقف ببسمة: اعتدلي هذا سعود أقبل، وعليكم السلاممم يااامرحباا ارحب يا هلا يا هلاا يالله حيّه. سعود نزل من الخيل: الله يحييك ويبقيك يا مرحبًا بك. سلم عليه بشوق ولف على عايشة وسلّم عليها: ارحبي. عايشة ابتسمت: تبقي يا حيّي. سعود يهمس لها بحب ووله: وأنتي كل ما سيرنا عليكم زاد حلاش. ضحكت بحياء غريب وحطت يدها على دقنه: علني أفدا هالشيبة.

عقد حاجبيه: وش شيبته ابتس تبي تكبريني توي على الشيب. عايشة باست راسه: يالله جدي الرياجيل يتحرونك. سعود وهو رايح: دواج عندي. ضحكت بعفوية ورجعت للحريم. أما سعود عوّد للرياجيل. أم حاتم: ما شاء الله يا سهام، تبي تعرسين، عسى الله يوفقش ويسعدش خير ما اخترتي مصعب رجال وينشرى عسى الله يوفقكم. سهام ابتسمت ووجهها ورد بخجل ما اعتادوا عليه.

أم عقاب بنبرة غريبة اللي تقريبًا ما ميزها غير عايشة وهي خابرة إن جدتها ضايقة على سالفة عرسها اللي غدت لعبة بسواتها: إي بالله أصبحنا نجهز لعرس عايشة ونمسي على خبر عرس سهام، عسى الله يوفقهن بس. أم حاتم بركادة: آمين، لفت على عايشة اللي تغير وجهها عقب كلمة جدتها، وعقبالش يا عايشة. عايشة بضحكة نرجسية ورزت عنقها: وش تظنين يا يمه، أم عقاب، هو الود ود جميع الرياجيل بي، الوكاد إن ما هنا نصيب.

أم عقاب لفت عليها: إلا بلا، هنا نصيب بس العنيدة ما يرجى منها شيء. همست بهمس سمعته عايشة بحكم قربها منها: ما صدقنا يجي لش رجال ينشرى وباغيش بالزينة والشينة وبن عمش بعد ثم تعافينه، يكفي أنش طريتي على بالهم عقب هالسنين وجايين يعرسونش منه أنا مدري وشوله معيّه.

صدمة، احتدت نظراتها وحواجبها تعقدت بخفة، ضاق نفسها من هالطاري وكلام جدتها قدام نسوان البادية، سكتت ما ردت لأنها لو تكلمت يمكن يظهر منها شيء ما ترضاه على جدتها قدام النسوان. طلعت من المجلس بكبره وبصدرها تزاحم من الغبنة والضيقة، والحزن الكايد عليها. لدرجة إن عينها احترت وجبينها يغلي ويا جسمها وتمشي ما تدري وين تروح، وكلمة جدتها تحر تسبدها "ما صدقنا يجي لش رجال، يكفي أنش طريتي على بالهم". عايشة حمل ثقيل؟

زينة لاحقتها وتركض وراها لين وقفت عندها وأخذت نفس ويدها على صدرها: عويش طلبتش لا تشيلين بخاطرش عليها، طالبش طلبة.

عايشة انفجرت عليها: وش هالكلام يا زينة أنا ما ني ماخذتن عليها بخاطري، جميلها ببطني اللي ملازمتها ما هو يوم ولا يومين، أكثر من عشرين سنة يا زينة ولا عمري سمعت منها الشينة، صحيح أنها كايدة نوب، بس هالكلام ما عمري سمعته منها، ما ني زعلانة على هالكلام، الشيء اللي مزعلني أنها كاظمة هالحكي ببطنها طول هالسنين، بانت دموعها بزوايا عينها وبحتها زادت، ناهيك عن وجهها المحمر من كود الغبن، اللي مزعلني إني ما عتدت أم لي غيرها، اللي مزعلني إني طول هالسنين أرتكي على كتفها وعلى صدرها ولا عمري حسيت بآني الحمل الثقيل عليها، ما عمري أوجست منها أكود من هالحكي وقدام النسوان كلهممم، ابتس هذي حياتي وشهو بعد تبي تحكمونها، أمي وعيشتها وأبوي رحمة الله عليه، وش باقي بعد.

زينة دموعها على خدها: باقي أنا. تخصرت وصدت عنها وأخذت نفس عميييق وهي مسكرة عيونها، وقد ما تقدر تسحب الهوا داخل صدرها كود هالنار تطفي. زينة قربت لها وخمتها من ظهرها ووجهها بنص ظهر عايشة وتبكي بلا صوت، عايشة لفت عليها ولو أدري إنها تبي توافق هالحين لو خطبتها له ما نيب مترددة ولا ثانية، الرجال كبر وفهم، والبنية كبرت وفهمت، ما هنا شيء يحدني عنها. أم عقاب ضاقت: "ابتس، أنا وش يدريني إنها تبي تزعل؟

قلته وأنا ما نيب فطنة إي بالله.. وحاتم والنعم والله يرده سالم ويعافيه ويشفيه، به مير راسها يابس ولا يا نسبكم ينشرى، أنا أشهد." زينة بتوتر مسكت يد عايشة: "ءا عايشة، عويش." عايشة عقدت حواجبها وهي داخلة عليهم وعيونها تتنقل بين أم عقاب وأم حاتم.. ما تدري تفطن لكلامهن.. ولا لحاتم.. ولا لكلمة "الله يرده سالم ويعافيه ويشفيه" اللي شلّت راسها وتفكيرها.. لفت على أم حاتم وصوتها يكاد يختفي: "حاتم وش بلاه؟

أم حاتم مسكت يد أم عقاب قبل تكلم وتكلمت هي ومستغربة: "وش به؟ عايشة: "من شوي تقولون الله يعافيه ويشفيه، حاتم به شيء؟ لا تلعبن علي." أم حاتم مستغربة وسكتت. أم عقاب: "بنت وش هالكلام؟ اعقلي وش لك بالرجال تسألين عنه." عايشة جلست جنب أم حاتم وحطت رجلها اليمنى فوق اليسرى: "أبد والله يا أم حاتم بس وجهك أقلقني، قلت الرجال لا يكون صايبه شيء كايد، طمنينا وش بلاه." أم حاتم ناظرت أم عقاب ورجعت تناظر عايشة:

"لا إن شاء الله ما به إلا العافية." نزلت راسها وبدأ بالها ينشغل عليه زودًا على ما هو شاغله، وانشغل بالها زود على اللي سمعته من كلامهن من شوي.. رفعت راسها لأم عقاب وبعيونها نظرة عتب وغبن واضح. أم حاتم بهدوء وحب:

"يا يمه عايشة لا تشيلين بخاطرك على أمك.. هو أنتي تعرفينها زين ما يحتاج أزيد بالكلام، وأنتي خابرته كله.. لا تزعلين عليها الوكاد إن ما حد من النسوان سمع هاللي قالته ما كان وزانها غيري وغيرك.. وين الضحكة اللي تبري الحال يا حيي، وين السوالف الزينة؟ "يالله عاد أشوف قومي وزانها وادحري الشيطان اللي دخل بينكن." عايشة سكتت شوي.. ما ساعدها غير إنها تطلق تنهيدة من أعماقها:

"يهبى الشيطان، مير تصبري هاللي بصدري يزول وأبشري بسعدك." "ما هو أنا اللي أنسى كل هالسنين اللي راحت لأجل سالفة ما هيب تسوى." أم عقاب ضاقت وطلعت من الخيمة بكبرها.. عرفت إن خاطرها شين بالحيل.. أجل تقول ما هو أنا اللي أنسى كل هالسنين لأجل سالفة ما هيب تسوى.. ابتس -أبك -والله ما نيب قاصدة يا عويش، ما نيب قاصدة. جمعت لها كم ماعون وراحت تغسلهن وتشغل نفسها.. دخلت خيمة نومها هي وأبو عقاب.

دنقت تشيل ثوب من الأرض وتلملم بهالخيمة. الساعة 3 العصر.. بيت تملأه الوحدة.. ويملأه العز والكرم. بابه مفتوح ما يصك وظاهره ما يختلف عن باطنه.. جلس على الكرسي ويده على راسه توه قايم. جاه عبدالعزيز وبيده صينية بها أكل له ولحاتم: "وش هالنوم يا أبو راجح؟ خليتنا ناله عليك." حاتم ضحك: "ما هو بيدي يا عز." عبدالعزيز: "تبي تتعب وأنت طول النهار مهلك عمرك بالشغل وعيونك ما ترفعها عن هالاوراق." حاتم:

"إلا أنت اللي مهلك عمرك معي.. أسبوع ويومين يا عز، اعذرني وقد قلت لك مير أنت متوثق بوصاة الوالدة." عبدالعزيز: "إي والله هذي أم حاتم ووصتني عليك، ولا عاد أسمع منك هالكلام تراها تحز بخاطري يا أبو راجح." حاتم: "أصيل يا عز عسى الله يعزك وأبشر بالعوض وبمن يردها لك." عبدالعزيز: "العوض شوفتك سالم.. إلا متى موعدك مع الدكتور اليوم؟ ابتس تطلع نتايج التحليل صح؟ تنهد وهز راسه: "إيه، الليلة الموعد." عبدالعزيز مسك يد حاتم

وبإيمان وابتسامة صافية: "أحسن الظن بالله وإن شاء الله ما هو حاصل إلا كل خير يا حيي.. سم بالله يالله كل لك لقمة وخلنا نقوم للمستشفى." بعد ما أكل هو وحاتم مشوا للدكتور.. حاتم جالس على الكرسي ومتسند عليه ويناظر عبدالعزيز ويضحك. عبدالعزيز رفسه بخفيف وهمس: "يا برد أعصابك، أنا على جمر وأنت ولا همك." حاتم عدل جلسته: "يا خوك وش تبيني أسوي؟ أصيح وأنوح على بلا ربي.. وإن شاء الله ما بي إلا العافية بإذن الله." عبدالعزيز:

"إن شاء الله.." دخل الدكتور وبيده ورقة ومبتسم: "خوفت الكل عليك يا حاتم." عبدالعزيز: "بشر.." الدكتور: "لا أبشرك مع نتايج هالتحليل كنت متوقع شيء كبير بس الحمد لله طلعت سليم ما شاء الله، وحافظ على صحتك لا أوصيك." حاتم ناظر عزوز وضحك: "شفت." عزوز انشرح صدره وابتسم: "الحمد لله يا أخوك طيحت قلبي." حضن حاتم بقوة وسلم على الدكتور وطلع. العصر بعد يومين.. جلست جنبها على راس الجبل بتعب وعتب:

"خير إن شاء الله وش هالحالة يا عويش ما خابرتك كذيه، وين عايشة الأولية وين بنيتنا اللي خابرينها ما يجي أحدن على سعة صدرها ووناستها وين.." لفت عليها وعيونها تلمع بضيق ومعقدة حواجبها: "أنا ما يهنا لي عيش ولا يرتاح بالي لين أشوفه قبالي متعافي وبصحته، لا عاد أسمعك تردديني علي هالكلام مرة ثانية." زينة ناظرتها.. ثواني وبتردد: "ععايشة.. أنتي تحبينه؟ تودينه؟ جلست دقيقة كاملة تفكر ولفت عليها: "أنتي وش تقولين؟ زينة بصوت عالي:

"لك يومين وأنتي فوق هالجبل وتحرينه وعينك على طريقه.. وكل ما جيتك وعينك تغورق وما ببالك غيره.. وشوفي وجهك وش لونه لا من جاء وشلون يضحك.. لا تلعبين على عمرك وتقولين إنه أبوي أو أخوي.. شوفي كم من مرة جاك سعيد ويوم جيتي تبي تعرسين مسك طريقه كن ما وده يشوفك عروس لبن عمك.. وما يروح لين يودعك وما يجي إلا وأنتي أول من يستقبله ويحييه." نزلت دموعها وهي تشوف عايشة تصد عنها وتمسح دموعها وساكتة.

"عايشة.. تدرين ليه ألومك.. عايشة الأولية ما كانت كذيه.. أختك عرسها بكرة والعرب تتكلم الصغيرة أعرسَت قبل الكبيرة وأخذت ابن الشيخ." مسكت وجهها بكفوفها وقبلت جبينها: "لا تخافين يمه حاتم يبي يرد وتشوفينه خلاص عاد افردي هالوجه اضحكي خلي العرب تضحك يا زينهم وحلاهم." عايشة ضحكت لين بانت غمازتيها وزوايا سنونها: "كذيه زين؟ زينة ردت روحها وتنهدت براحة: "إييه، ابتس أنا ما ألوم حاتم وهالزين قباله ليل ونهار إلى من جاء من الديرة."

عايشة قرصت فخذها: "أسكتي بس لا حد يسمعك من أهل البادية، وءبعدين اللي قلتيه هذا كله تنسينه وويلك لو تقولينه لأحد.. أنتي تدرين إن ما عندي هالعلوم وما نيب راعيتها." زينة ضحكت: "يالله أجل تعالي خلينا نشوف لك شيء تلبسينه بكرة." عايشة ناظرت الطريق اللي دايم يجي منه حاتم: "تهقينه يبي يجي؟ زينة ضحكت بقوة: "توج تقولين ما نيب راعية هالعلوم.. وش اللي تغير؟ عايشة سحبتها مع يدها: "قومي قومي الكلام معك ضايع."

بعد صلاة المغرب.. كان راجع من الصلاة وبطريقه شافها طالعة من بيتها ومعها أغراض، اعترض طريقها بابتسامة: "السلام عليكم." رفعت راسها: "عليكم السلام يا مرحبا." عزام: "بشري، وش صار على عويش؟ زينة اتسعت ابتسامتها وعينها ضحكت: "أنا قايلة لك خليها علي، لعبتي." عزام: "وش قلتي لها لأجل تنزل، عويش راسها يابس." زينة ناظرته بغرور: "اللي راسه يابس يلين." ابتسم وعينه بعينها: "واللي قلبه راقد؟ ضحكت بقوة:

"والله علمي عملك لكن الراقد مرده يصحى، يالله فمان الله يا عزام أشوفك بالعرس باتسر." ابتسم: "ودعتك الله.. وعلى هونك بالزين لا تغطين على العروس." لفت عليه بضحكة وكملت طريقها. تنهد وعينه عليها: "وش يبي يصير عزام بالعرس غير صبي للقهوة والذبايح." دخلت على عايشة وشافتها واقفة قبال المراية ومعها جلابية، شهقت من شافتها: "اعنبو حيش من وين أنتي جايبتها وش هالزين؟ ابتسمت وهي تناظرها:

"هذي من حاتم وعزام، يومهم بالديرة جابوها لي لأجل عرسي اللي ما تم." زينة بملامح رجاء: "طلبتك البسيها خلي بشوفها عليك." عايشة: "لا يا زينة تطري علي العرس ما بيها." زينة: "إييه خل تطري عليك العرس، لأجل تبي تلبسينها بكرة بعرس سهام." "ابتس هذي من حاتم البسيها لأجل ما تالهيت عليه زود." عايشة عصبت وبحدة: "زززيييينة، أبي ألبسها وشوفي هي زينة ولا لا.. وما هو لأجل كلامك، لأجل إن ما عندي شيء ألبسه." زينة هزت راسها:

"زين زين انهجي."

دخلت عايشة عنها ولبستها.. جلابية سوداء بلون الليل ومطرزة بالذهبي عند صدرها وبنهاية كمومها اللي تصل إلى نصف الذراع.. مفصلة على جسمها العلوي وماسكة من خصرها أما بقية جسمها السفلي القماش ماخذ راحته وجسمها مزين الجلابية زود.. مفصلة عليها ومختارة بذوق ودقة وكنه يتخيله عليها.. شراها ونيران صدره تحترق وتلتهب يا كود هاليوم ويا سواده.. شراها وكن له معنى بسواد الجلابية الشديد وجمالها.. صاحي هو شراها لأجل تلبسه عند أهلها وعند بن عمها اللي كان ممكن يكون رجالها.

ناظرت نفسها لثواني.. ابتسمت وطلعت لزينة: "هاه، وش تقولين؟ زينة ناظرتها لثواني.. نزلت عيونها لأسفل الجلابية ولأعلاها.. ثواني: "يعمي عدوك لا يشوف هالزين ويعينك، وبعدين اعنبو حيش تبي تلبسينها وإذا طلعتي بهالزين كله أجل سهام وش بقيتي لها من الزين؟ عايشة رفعت راسها: "إلا تعالي مير سهام وينها ما أشوفها؟ زينة ضحكت وهي تفك جديلة عايشة وتنثر شعرها: "أنا أدري عن أمك قاضبتها ما أطلقتها من أصبحت." عايشة أطلقت ضحكتها الرزينة

وعينها على المراية: "وين هي هافة بها؟ دخلت أم عقاب وحطت شيلة لعايشة ولزينة وعمم: "لأجل تلبسنّهن بكرة." جت تبي تطلع، ما طاعها قلبها مشت تركض لأمها وخمتها وأخذت من ريحتها لصدرها: "إلا يا حيي هالريحة." أم عقاب خمتها بخفة وهي تطبطب على ظهرها. عايشة قبلت جبينها وخشمها مرتين: "طاح الحطب." أم عقاب ضحكت عينها وهي تشوف شعر عايشة على كتوفها وظهرها وطايل زود، وهالجلابية اللي عليها: "وش هالزين كله، ما بقيتي شيء للعروس."

ضحكت عايشة واعتدت ودارت: "زين؟ وردت زينة بسرعة: "إي بالله توي أقول نفس الكلام لها، ما شاء الله تبارك الرحمن." أم عقاب: "ما شاء الله يمه حصني نفسك إلى كاد إنك تعرفين نسوان البادية به منهن الحسود وخصن على بنت صقر تاج الحسن على روس البنيات كلهن." عايشة: "هالحين تتخيلنني باتسر أروح رافعة خشمي عليهم وما أناظر أحد منهم." زينة ضحكت بكشرة: "لا عاد ما بك ملح." أم عقاب: "يالله يالله توضّن يبي يأذن العشاء هالحين."

دخل بسيارته لحدود البادية ورديفه عز.. "يا ليتك ما جبتني يا حاتم، حتى ملابس ما معي." حاتم ضحك وجهه من لمح أنوار البادية لأجل عرس مصعب وسهام والزوالي متوسطة البادية قبال خيمة الشيخ: "انزل انزل حياك يا مرحبا قدهم هالحين خلصوا صلاة." نزل عبدالعزيز وهو لابس ثوب أسود وعليه عمامته البيضاء ووقف جنب حاتم ومشوا لعند الشيخ أبو راجح.

أقبل بابتسامة وعينه تضحك من شاف مصعب متصدر المجلس وجنبه أبو سهام وأبو راجح وأبو عقاب وبقية الرجال.. حاتم وتبعه عبدالعزيز: "السلام عليكم ورحمة الله." وقف أشخاص منهم وملامحهم مصدومة واللي عجزت رجوله عن الوقوف ما كان يبي يطول؟ وشلون بهالسرعة رد؟ ما كان يعرف سالفته غير أبو راجح وأبو عقاب ومصعب وعزام وأهله.. أما الباقين صدعت أصواتهم بالمجلس بالتراجيب والسلام والسؤال.. جلس جنب أبو راجح وأبو عقاب وعبدالعزيز جنبه:

"وهذا عبدالعزيز خويي بالديرة." أبو راجح ابتسم: "أجل هذا هو عبدالعزيز.. ونعم والله يا هلا بك." بعد وقت وبنص السوالف.. حاتم لف على مصعب بابتسامة: "وشلونك يا المعرس هاه بشرنا؟ أبو عقاب ضحك بصفاوة والشيب مالي وجهه: "خلك يا وليدي من اليوم مقرط وساكت مدري وش بلاه." ضحك حاتم ومعه عبدالعزيز من قلب على شكله حتى ما هو قادر يرد: "أجل وين عزام؟ أبو راجح: "مدري والله عنه من عقب الصلاة ما شفته."

مال فمه باستغراب ولف على عبدالعزيز وأخذ منه الفنجال وشد ذراعه: "الحقني." مشى وراه عبدالعزيز.. وطلعوا: "وش بغيت؟ حاتم دار بعيونه على أمل يلمح عزام بس ما شافه! لف على عبدالعزيز: "ما ودك ناخذ فره على الخيول والفرس؟ عبدالعزيز سكت لثواني: "امش امش مدري وش وراك." حاتم: "أفا يا ذا العلم.. بس عطني دقايق أسلم على أميمتي وأعطيها الـ.. إلا وين اللي شريناه لها والمعاريس؟ عبدالعزيز طلع شنطة ظهره وضحك وهو يفتحها:

"لا تلومني حديتني مدري وين أحطهن به." حاتم: "طلع طلع كل شيء أحطه عند أمي أسهل." أعطاه وجلس ينتظره. عقب ما رجع "عند الخيول"، وقف عبدالعزيز عند مهره. "ما شاء الله وش هالزين؟ حاتم ابتسم ومسح عليها بيده: "هذي سميناها المهرة عايشة." عبدالعزيز مهوب لمّه ويطالع البعيد القريب، ويذكر الله: "أويلي يا ما شاء الله يهالمزايين." حاتم قبّل رأس المهرة: "جازت لك؟

" ورفع عينه له، ووجه عينيه للي ماخذٍ عقل عبدالعزيز واللي مخليه مهو يمّه. عبدالعزيز نزل عينه لحاتم: "آه، س، سم، وش قلت؟ حاتم تمقل بها زين، ما نزلت عينه، وشعرها يسبح بسواد الليل، وطولها الرزين ينافس بُعد السماء. رمشت عينه بشوق ووله يبان بعينه ونزل رأسه: "سلامة قلبك، خل نرجع كود عزام عوّد." عبدالعزيز مشى، وحاتم رجع عينه لنفس المكان وخاب ظنّه. أطلق تنهيدة طالعة من كل قلبه، ما يصدّق اللي شافه، هو حقيقة ولا خيال؟

حلم ولا علم؟ شهق بفرحة غمرت وجدانه وروحه وخمّه بكل ما أعطاه ربي من قوة وحيل: "أرحب أرحب يا حيي يا هلا." حاتم فز من سجته وقام يضحك وشد عليه ولا زال يضحك: "وش دعوى غايب سنة؟ عزام: "أعقب، فال الله ولا فالك وش سنة، لا تجيب هالطاري، هالحين أنت وشلونك عساك بخير وش قالوا لك؟ عبدالعزيز تدخل: "لا أبشرك بخير بخير، الدكتور كان متوقع شيء والحمد لله طلع العكس." عزام ناظره وسلّم

عليه: "العذر والسموحة ما شفتك، وش دراني واقفين بهالظلمة؟ شافوك أبوي ومصعب؟ حاتم: "إيه إيه شافوني كم لي جاي، إلا ما عرفناك عبدالعزيز خويي أنت خابره." بنصف الليل، هدوء غريب. طلع ما يستره جيبه، الذهب. اللي ما قوى يعطيها ياه، ولا لقى ما يقوله لها. وش يقول؟ وش يخلي؟ يتعذر ويستسمح منها، وهو يبي يفيد عذره؟ لو يدري أنه يبي يفيد ما طال صبره. ما زاد بُعده على أنه قريب! ما ذبحه شوقه وما تعذبت روحه. تنهد بهدوء والشيب يتخفّى

بدقنه وشعر رأسه: "ولو هو بيدي ما صار ما صار، ولو لي شور ما كان ذا قدرك! فلت شعرها ونثرته على مطرحها: "عايشة، وين فروتي؟ عايشة تسرّح شعرها بسرحان: "ما أدري يا زينة شوفي يمكن حول قعدتنا من شوي." زينة قامت بضجر وعلى ظلام الليل ولا هيب مبعدة حطت شيلتها على رأسها بس، راحت وراء الخيمة وبه قعدات وجلسات لقيتها بمكانها، بس شدها! أبو سهام. استغربت وجلست تناظره شوي، ما جازت لها حالته.

تعوذت من إبليس ووقفت تبي تدخل إلا ناداها صوته وهو مضيّق عيونه: "سهام يبه هذي أنتِ، تعالي تعالي اقعدي جنبي باتسر تعرسين وما تفضين لي! لفت له وعيونها حائرة، تكمل طريقها ولا.. أبو سهام بابتسامة صفراء ما تبين من سواد الليل ومن بُعده: "زينة! استغربت من نظراته وشدت شيلتها: "آمر، بغيت شيء؟ أبو سهام: "بالأصل أنتِ اللي تبين شيء! تراي بحسبة أبوك لا تستحين." زينة: "ما تقصر."

بدون ما يفكر مد لها الكيس: "عايشة وصلها حقها، وسهام حقها موجود، باقي أنتِ هذا حقك وتستاهلين أكثر، بس هاه عاد البسيه بكرة بالعرس والبسيه دايم." زينة فتحت الكيس وناظرته: "وشهو ذا؟ أبو سهام: "ادخلي داخل عن البرد وشوفيه، يلا في أمان الله." مَيّلت فمّها باستغراب وراحت داخل وهي متلهفة تعرف وش بالكيس. شعلت الضوء وجلست على مطرحها وكبت اللي داخل الكيس بفراشها. عايشة منسدحة: "هاه لقيتيه؟

زينة بهدوء: "إيه، عايشة أبو سهام معطيش ذهب؟ عايشة عقدت حواجبها تتذكر: "إيه عطاني على قولة أمي حسبناتس تبي تعرسين ههههههههههههههههههههه." رفعت عينها على زينة: "وش له تسألين؟ أخذت التعليقة الصغيرة وتركت الثانية لبكرة، وراحت لعايشة وعطتها قفى رقبتها وهي مبتسمة. عايشة سحبت منها العقد: "وشهو ذا؟ من وين جبتيه؟ زينة تفاجأت وهي تناظر العقد بيدها وشادة عليه: "هاتيه." عايشة ناظرت اللي بفراشها ودنقت تأخذه ورفعت رأسها

لزينة بصدمة وباستغراب: "من وين جبتيهن؟ ما خبرت عندش مثلهن وبعدين شكلهن غريب وواضح إنهن من البلاد ماهن من هنيا." عقدت حواجبها وبهدوء وبحسن نية: "من جابهن؟ زينة سحبتهن منها: "إيه ولنّ ما عندي أحد أوصيه يجيب لي ولا عمرش شفتي معي مثلهن تستغربين لا شفتيهن معي، لا تخافين ما سرقتهن من أحد ولا مديت يدي لغيري، ما أنيب سروقة يا عايشة لا تناظرينني كذيه." عايشة مسكت وجهها بيدينها وثبتته بانفعال من كلامها: "زينة!

وش هالهرج والله إن تزعليني منش ماهوب ذا كلامش، مغير سألتش عنهن." سحبت درجها الخشب لين طاح اللي بوسطه: "وأنتِ تدرين إن كل ما أملكه تملكينه أنتِ، والله إن شرهتي عليش مهيب هينة يا زينة وش تقولين أنتِ؟ زينة ناظرت الدرج اللي طاح وانكسر من قدمه، وانتثر ما بوسطه، وناظرت عايشة اللي سحبت شيلتها وطلعت وهي تمالك روحها لا تنفعل أكثر. همست

والبرد ياكلها ولا حست به: "ما قلت إني سرقت يا زينة ما قلت، وش بيش ما عاد تحملين مني أي كلمة." نزلت دموعها وتقوست شفاتها بهزة بريئة، مسحت دمعتها بطرف كمومها وتناظر وأخذت العقد ولبسته بصعوبة لأنه أول مرة يجيها زيّه. جمعت الذهب اللي طاح من عايشة وعينها تكاد تخفي النظر عنها من الدمع اللي غشاها. طلعت برا وهي تلفت، تدور زولها بسواد هالليل المشؤوم من طرف، ومن الطرف الآخر. قبّل

جبينها وهو مبتسم: "عسى الله يخليني لش ويعيني على البر والطاعة قولي آمين يمّة." دفعت عينها وبصوت راجف وعيون راجية من خلف البرقع: "آمين آمين الله يقوله، والله يوفق مصعب مع حرمته ويسعد وجه الخير عبدالعزيز ويوفق أبو فزاع وينوله ما يتمنّى." عزام ابتسم: "آمين آمين يمه." عبدالعزيز: "آمين، إلا أنت يا عزام هالحين أبوك أبو راجح صح؟ عزام سكت شوي وابتسم

ورفع رأسه لعبدالعزيز: "لا أنا صبيّ هنيا، بس يشهد الله إنه أكثر من أبو ولا عمره ومرني بالغصب ولا قسى علي، هو الخوي هو السند هو شايب البيت والعرب كلهم وفوق روسنا كلنا." حاتم حاوط عزام من كتوفه وقبل رأسه: "أبو فزاع من صغره وهو بذا، كبرنا سوا، هذي أرضنا من وحنا وغدان وهو أخوي وسندي وأقرب لي من روحي." همس لعزام: "لا عاد أسمعها منك صبيّ! ولا ترى شرهتي كايدة، أنت أدرى بمكانك هنا فوق الرأس." عزام ضحك: "مزوحة يا خوي لا تصدق."

ضحك وضرب ظهره بمزح وكملوا يسولفون وأم حاتم استأذنتهم تبي ترقد. جلست بتعب بعد ما دارت حول الخيمة تدور عايشة ولا لقتها، انسدحت على مطرحة عايشة وما هي إلا ثواني دار ببالها صراخ عايشة وعيونها المصدومة، نظرات أبو سهام، ابتسامته، نبرته وغموضه، وأغلقت عيونها بهدوء وأخذها النوم. يوم جديد على البادية، يوم كل العرب متشوقين له ويتحرّونه.

سكر زرار ثوبه البدوي الأسود، وحط عقاله على الغترة البيضاء، عقال البدو العريض وعلى زواياه الصفار وابتسامته تملى وجهه وهو يشوف مصعب بكامل زينته والعود والبخور حوله. دهن على ظاهر يده من دهن العود ومسحه على لحيته: "الله الله يا مصعب غطيت علينا بالزين تبارك الرحمن." مصعب ضحك فجأة: "ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه يا رجال ودي بحدن يهبدني ما أدري أنا بحلم ولا علم." حاتم سحب غترة من الأرض

ولفها ومحطه بها وهو يضحك: "هاه حسيت ولا تبي زود؟ مصعب نقز: "آه الله لا يبارك فيك أبك أنت تبي تدخلني على المرة مكسّر." حاتم يعدل عقاله بضحك: "هذا اللي أنت تبيه." مصعب بنص عين: "فال الله ولا فالك." دخل عليهم عبدالعزيز: "هاه وش رأيكم، عساني لابسه زين؟ لف عليه مصعب منصدم: "لا لا." حاتم مات ضحك لين بانت غمازتينه اللي تخفّى تحت

لحيته وبانت زوايا سنونه: "ههههههههههههههههههه ماهو كذيه ينلبس الثوب البدوي يبي لك دروس لجل تعلم هههههههههههههههههه أجل هذي سواة الله يصلحك." عبدالعزيز: "حسبي الله عليكم وعدلوه أشوف عن التشمّت." عزام دخل عليهم وزين ثوب عبدالعزيز: "أصوات ضحكك يا حاتم يا ساتر." بكامل جمالها البسيط، وعايشة تكحل عينها وزينة تفرد شعرها: "ههههههههههه يمه سهام تبي تعرسين! سهام بتوتر وربكة صفقت بسرعة: "إيه اسكتي هذي ثالث مرة تقولينها."

عايشة: "وش هالزين يا سهام، الله يعافي كحلتي، أبرك من هالالوان اللي حطيتيها بوجهش." سهام عقدت حواجبها وتناظر مكياجها بالمراية: "حرام عليك من قمت وأنا أسويه مو حلو؟ زينة تناظر عايشة ومقصدها ثاني: "إلا زين زين ما عليك منها تمزح معش، ولا يا عايشة؟ عايشة ناظرتها، تنهدت بضيق وصدت تبي تطلع: "لا تطلعين يا سهام أبي أنادي لش أمي." طلعت وراحت لأم عقاب. أما زينة تناظر المكان اللي طلعت منه بضيق وعيونها تحتر،

بلعت ريقها: "أجل يلا أنا أبي أطلع أشم شوية هواء." سهام بخوف: "لا تروحون وتتركوني لحالي." زينة: "أقول عن الدلع هالحين أمش تبي تجي." طلعت زينة وقامت تمشي والهواجيس تأكلها، وقفت عند المزرعة برأس جبل صغير تلفح به ريحة الخضرة. والهواء يلعب بشعرها ويتحضّن نحرها وكأنه يتباهى بها. وريحة دهن العود منها ما كأنها دهن العود، إلا ريحة مسك دمّ الريم والورد الطائفي. رفعت شيلتها على رأسها.

أول ما لمّحها من باب المزرعة وعلى كتفه خيشة تمر مدها للصبي وأقبل لها بضحكة ومزوح: "وش بلا عنق الريم برأس الجبل لوحده، هو أحد مزعله على هالكشره اللي تجيب العافية؟ ضحكت ونزلت من رأس الجبل ووقفت قباله: "هلا هلا، وش ذا كله لا يكون مسخن هاليوم عاد؟ عزام: "لا والله اللي يشوف هالزين ولو هو ورع يغدي شاعر." رفعت رأسها له وتمقلت عينه، رست على شفاتها ابتسامة صافية وصارت ضحكة: "الله مير يسلمك، ها سجل أنت أولهم."

عزام عقد حواجبه: "وشلون؟ زينة: "أنت أول من مدحني هاليوم." ضحك بخفة وهمس: "وأنا وش خليتي لي ما أقوله! بعد صلاة العشاء بدأ اللعب للرجال بنصف ساحة البادية. وسعود عمّ عايشة جاء بالنوب عن هله. والحريم لهن مكان بخيمة أم حاتم الواسعة وقدامها ساحة خالية، وسهام متوسطة الحريم والخجل ياكلها، ببساطتها وهدوئها وابتسامتها اللي ما فارقتها "وغدت عروس" لأول رجال دخل قلبها وأول رجال لمحته بالبادية.

أول حب طاهر سلب منها عقلها وقلبها، أول حب صادق. غدت عروسته ذا الليل على سنة الله ورسوله والعرب كلهم يشهدون ويباركون. على الطهارة والحب الصدوق اللي ابتدى من بعد النهاية بالحلال. من عقب العشاء، واللعب والسهر واليوم اللي كلن يحتريه. أبو راجح: "ألف مبروك يا مصعب، ويلا توكلنا على الله." مصعب أخذ نفس وتلاه صوت أبو سهام: "مبروك الله يجمع ما بينكم ويسعدكم وتشيبون تحت سقف واحد." مصعب ضحك: "آمين." حاتم كاتب قصيدة

لابن عمه وخويه وسنده: "لا مشينا القصيدة علي وتستاهلها يا مصعب." مصعب: "تستاهل الطيب." عزام سلم عليه: "مبروك مبروك يا جعل السعد فالكم، أخيراً نبي نفتك منك شوي." ضحكوا كلهم ورد أبو راجح: "أما بهذي يا أبو فزاع أنت صادق." مصعب ناظرهم: "هاه، تراي أبهوّن." أبو عقاب: "لا لا يا رجال ما تعرف بالمزوح أنت، يلا مشينا." مشوا عقب ما سلموا عليه سعود وعبدالعزيز والرجال كلهم وباركوا له.

والحريم مشوا معهم، وهذا عرس البدو والبادية "يختلف من بين العرب." مشوا الحريم الكبار من أهل العروس، مع العروس ووراهن البنات. والشيبان والرجال من أهل المعرس والعروس معهم، وصوت حاتم يصدح بالقصيدة ووراه الرجال كلهم يردون. زينة مسكت ذراع عايشة: "ما خبرتي هالصوت؟ ما تدرين من هو له؟ عايشة ركزت شوي بالصوت وحطت يدها على فمها وتناظر جهة الرجال تدوره من بينهم: "حاتم يا زينة حاتم!!! هذا هو صوته! اللي يقول القصيدة."

زينة ضحكت: "إيه إيه هو اسكتي لحدن يسمعش واثقلي." ابتسمت بروح وكأن الحياة ردت لها وبحة صوته تصدع بشعره الجزيل. خلصت قصيدته وقبل رأس مصعب والرجال وراهم لا زالوا يرددونها. لف لسعود وراه وطاحت عينه عليها، وعليها برقعها، وكأن رموشها تستر البرقع ما هو هو اللي يسترها. سنعوسة عن ألف رجال، بخطاها، ووقفتها والضحكة اللي تعدل وقفة المايل إلى مال. ولا عاند الوقت خاطرها ولا حال.

عوّد يزين وكأنها تلسعه بطرف شعرها. بانت له غمازتاها أول ما طاحت عينها بعينه. تنهد يبي يستعدل بوقفته وصد عنها يضحك: "أجل لابسة الجلابية اللي أخذتها لها! أنشهد أنش أنتي اللي تزينينها ما هي اللي تزينش." كمل طريقة يحاول ما يلتفت ويسرح بها زيادة. وصلوا لبيت مصعب وسهام. قريب من بيت أبو راجح حيل، ما أبعدوا لأجل تكون حول أم حاتم وأهلها. دخلن الحريم "أهلها أم حاتم وأم عقاب وأم عايشة وعايشة وزينة".

وجلسوا سهام بمكانها وعدلوا جلستها وطلعوا ودخلوا أهلها الرجال ومصعب. وقفت برا ويا زينة وعينها على حاتم تسرح. وكأنها الطفل اللي يتحرى جية أبوه ومسندة من زمن! لفت للصوت اللي همس لها. كان صوت عمها سعود وهو يضحك ويأشر لها: "عايشة!! تغطي زين." ضحكت بخفة ورفعت شيلتها من جهة الرجال بوجهها ومشت هي وزينة ورا الحريم. زينة لقت الفرصة اللي اختلت بها مع عايشة: "عايشة إيه يعني.. هو طاح الحطب! عايشة عقدت حواجبها وعيونها على طريقها:

"وش حطبه؟ زينة ناظرتها: "وشلون يعني، لا تصيرِين دلخة مرة وحدة، شوفي اليوم عرس سهام وراحت مع رجالها الله يوفقها وحاتم جاء ووجهش مسفهل ما شاء الله قبل عشر دقايق بس." قاطعتها عايشة بقرصة بذراعها: "اسكتي لا يسمعنش الحريم وبعدين وش هالهرج ما هنا حطب ولا شيء بس لأجل ما تعودينها وتحسسين مني لو أقول وش أقول أنا أقرب لش من الروح ما تلوميني وأنا ما لمتتش بس لأجل تنقرصين وتعدلين." زينة تخصرت: "أناا تقرصيني وتعدليني يا بنت صقرر!

عايشة لفت عليها: "إلا يا ناكرة.. أنا أمش اللي ما جيتي من بطني اعقلي بس." زينة كشرت ومشت معها. وقفت بعيد عن الحريم شوي: "زينة أنتي اسبقيني وأنا شوي وجاية." زينة بنص عين: "لاا تطولين ولا تراي أبتلتش من شعرتش من عنده." عايشة عقدت حواجبها: "زززييينة! ضحكت وهجت: "زين زين ما أنتي بشايفته ولا تزعلين." بعد دقايق وهي واقفة بنص الأرض الخالية.. من النور، ومن الصوت، ومن العيون. جاها من وراها وطلع ما بجيبه وحطه قدام وجهها وببحة

صوته يلحفها ببرد هالليل: "وشلون تدرين باللي ودي به." لفت عليه ووجهها من تحت برقعها يكشف سعَدها من غمازتيها اللي انغرست يوم سمعت صوته. وعينها ضحكت ورفضت ترمش.. تبي العلم الوكاد! هو ما تراه.. حلم! ولا علم؟ .. قبالي متعافي وما به إلا الزين زيادة! تغيرت ملامحها فجأة وضربت ظاهر يده بحرارة وآلمته وناظرها بصدمة! عايشة بلوم: "هالحين يومنّك تمشي وأدري من سوالف النسوان أنك تعبان، ما دريت عن وجهي بينهن وشلون قلب؟

وشلون صوتي انهز بينهن وعيوني قامت تغورق؟ يعنني ما تدري بغلاك.. لي أيام وأنا تقول ذيب فوق الجبل ومغير أتحرى جيتك." مسك طرف غترته لتلامس أطراف شفاتها ويلزمها بالصمت! سكر فمها وحط يده على راسه: "صدقيني لو بأسمع هالهرج هذا كله يبي يجيني بلاي وينقلوني نقل لمشافي البلاد." سكتت لثواني وراسها يوجّ بريحة غترته، البخور ودهن العود الثقيل. يزيده هيبة وثقل على ثقله.. صدت عنه وكأن بلاها جاها: "فال الله ولا فالك." نزل

غترته وهو يتمقل بملامحها: "أفا، أنتي زعلتي؟ لا يكون بخاطرش مني شيء.. " التزم الصمت وما سمع ردها وكأنها سرحت! ردت على صمتها بحة صوته وثقله: "العذر والسموحة منش أدري قلقتي عـ" عايشة قاطعته وهي تنتبه وش يقول: "لا تعتذر أدري باللي تبي تقوله كله، خلاص مسموح ولا تعودها." حاتم ضحك وهو مدنّق لها: "خفي علينا بالزين ذالليل، تتخلين النسوان كلها تحسدش." عايشة ضحكت بشقاوة وفرحتها ما تنوصف ولا تنصاغ بالحروف الفرح

بعينها وبروحها وصوتها: "أجل فمان الله، خل أروح أحر النسوان، يحق لي أتباهى بينهم من بعد لقياك." فرّت منه ما مداه يرد عليها.. ما مداه يقضبها عنهن وعن العرب كلهم. فلتت من يده وأطلق تنهيدة وعينه تتبع خطاها: "قد هو من زمان يحق لش ألا يا بعد حيي وميتي." صفت جنب كبار النسوان وهي تميز من بينهن وتباهى وزينة تبوحر بها وتضحك على وجهها المفضوح أمره.. بالنسبة لها. أقبلت لها بنية من بنات البادية وعيونها تذر من

الغيرة والحسد وبصوت خافت: "أمرش مفضوح يا عويش.. شفتش معـ" عايشة لفت على زينة وهي تنثر شعرها على جنبها الأيسر: "إلا يا بعدي يا عمي سعود.. شفته جاي ما كسر خاطري من شوي سلمت عليه يا زينة." ابتسمت وانتبهت للي بجنبها: "إيه قلتي لي شيء؟ ما أوحيت." تراجعت بصمت وتكتفت وهي تناظرها بقهر: "أجل هذا عمها الله يخلف عليّه أفف وأنا وش يدريني بالظلمة واقفين وبعدين وش هالسلام ما كأنه عم."

ضحكت عايشة وقامت تلعب على الخفيف ومعها زينة جنب أم عقاب وأم حاتم ويلاعبنهن إلى ما توسطن الحريم الأربع وعايشة ما تشيلها الأرض دام كل من تغليه واقف عليها. أقبل عليهم والضحكة ترسم وجهه.. ما شبع منها بس موقن أن ما هو ذاللقى ذالليلة.. تو الليل بأوله. قابله عزام وهو يلعب بسيفه ودخل معه حاتم وأصوات الرجال بالقصيد تعلى وسعود يطلق بالرصاص ويشوشهم. كلن يملأه السعد دام الليلة مرت على خير وبأفضل ما يكون.. على خير؟

.. بأواخر السمرة والنار حية وما غير باقي إلا الشباب وبعض الوغدان. ضحك عزام وروحه حية ومستانس ويسولف مع الرياجيل.. وما تحرك مع الصبية اليوم لأجل طلب أبو راجح له وأن اليوم له حق يفرح معهم.. إلا شيء بخاطره ما قوى يتركهم لوحدهم يشتغلون: "إلا يا رجال أنا نعست.. المكان مكانكم وأنا أستأذنكم بغيتوا شيء؟ الكل استودعه الله إلا أخ لشخص يعتبر عدو عزام "أخو مزعل" وعينه تعاين عزام بكل كبر:

"إلا يا عزام.. الليلة ما شاء الله شكلك معفي عن منصبك الشريف.. أشهد لله الليلة ما تنعرف عن العادة. ما غير باقي ملامحك تتغير لأجل نتعود عليك بذالشكل." وقالها بأسلوب مزح وكان أثرها قوي وكان عزام عارف وش مقصوده ووش وراه: "ما خبرنا عليك مثل هالثوب البدوي هههههههههههههه الله أعلم أنها من حاتم ابن راجح على العموم فمان الله. ارقد عساك ترد لنا عزام الأولي ونتعرف عليه الطيب والصابر والرجال هههههههه تربية أبو راجح الله يعزه."

ضحك البعض مسايرة له ولأجل ما يحسسون عزام بشيء. وسكت البعض وكأنه عارف أثرها على عزام اللي رد على كلامه بابتسامة وهدوء: "كلن على طبعه تربى." جن عقله من هالكلام اللي دخل أذنه لا حشيمة للمكان ولا حشيمة لليلة ولا حشيمة للي جالسين حوله.. عقب ما مشى عزام لف عليه وعيونه عروقها تمزقت من عصبية غشت عينه. ويتمالك نفسه وما تمالك صوته اللي زاد جهره:

"وش اللي دخل أذني يا عبيد.. أنت الظاهر ما تعلمت العيب لا أحترمت المكان والرجال اللي أكبر منك قدر وعمر.. ولا أحترمت الليلة اللي هي عرس ابن عمي ابن الشيخ إلا بالله عيب عليك وشرهتي وشرهة الرياجيل اللي بذيا تطولك وتعداك يا حيف بس عزام أخوي ومتربي معي ولا طريته بالحكي طريتني وطريت مصعب.. وأنت تعرف من حنا. لا تشوفك عيني لين تعتذر له قدام كل من سمع هاللي ما ينطرى." شبت حميته على أخو عرفه قريب وكأنه يعرفه من سنين..

سعود بركادة: "إي بالله أبو فزاع أخو وعيب الكلام اللي قلته وإن كان ما أخذ عليك بخاطره فهو من طيبه ما هو من طيب هالسم اللي قلته وإن كانه ما شال بخاطره بعد فهي عيب بحقنا أهله وبالعرب كلها." عبيد: "أنت منت من أهله." حاتم ربت على كتف سعود بيده: "إلا بلا من سيد أهله يا عبيد واسمع الكلام اللي انقال.. بعدك تجهل المرجلة دام هذي سواياك." قام عنهم وتسبده تفرك من كلمة حاتم الأخيرة "بعدك تجهل المرجلة دام هذي سواياك".

عقب ما قفى عنهم بسرعة وكأنه يتمالك شيء ما بداخله لا ينفجر ويثور ويطلع لهم الضعف اللي به. عدى بسرعة وأبعد عنهم وأنفاسه تسابق طرى عليه كل شيء.. كل شيء. منظر مزعل ويا زينة. ومنظرهم ببيت زينة ودموعها. ووجه مزعل بذيك الليلة. وكلام أخوه عبيد عنه. حس بكلامه وكأنه يصحيه من الوهم اللي عاشه اليوم كله.. جلس على راس جبل ورى بيت زينة. هذا ما دله عقله وقلبه.. هذا الطريق اللي جرت له خطاه.

نزل غترته.. أو غترة حاتم له وفتح أعلى الثوب لأجل يتنفس وينسى اللي سمعه. ناظر بيت زينة.. وكأن جناحه اللي يعونه لها انجرح وقريب للانكسار. كل ما يتذكر أنه صبي وأن ما بيده حيلة على من هو أعلى منه. يدري أنه ما هو بقاوي يطولها.. بس القلب حب والعقل أقوى.. يصحيه دوم ويزعجه لا يعيش حلمه ولو هو حلم! نزلت العقد من نحرها وكيانها يجذب وعينها تضحك وروحها تطير من هاليوم اللي رد روحها من أقصاها.. زينة جنبها تلبس قميصها للنوم وحباله

المربوطة اللي تحضن خصرها: "الله يا سهام وطرتي من يد أمش وأبيش بس يستاهلها مصعب وهي تستاهله عسى الله يوفقهم.. إلا تهقين هالحين وش حالهم؟ عايشة ضحكت: "وش لش بالمعاريس اتركيهم بحالهم يا بنت الحلال." أخذت شيلتها وحطتها على راسها: "أجل أنا بأصل بيتي آخذ لي غرض وبرد ما أنيب مطولة." عايشة سمعت صوت عمها سعود برا: "زين لا تبطين بجلس مع سعود شوي."

راحت زينة وطلعت عايشة من مرقدها ووقفت ورى قماش الخيمة الفاصل بين الرياجيل وبينها وسمعت الصوت اللي وقفها بمكانها.. وهز خلخالها لين سمعه.. حاتم بفخر: "بيض الله وجهك يا سعود عز الله أنك رجال وبعض العرب ما ينفع معها إلا الكود.. وأنت ما قصرت." سعود: "حق وواجب ما عليك قصور ومبروك مرة ثانية ورابعة لكم ولمصعب، أنت تبي ترقد ذالحين ولا؟ حاتم هز راسه وكأنه قاصد أحد بكلامه وعلى شفاه نصف ابتسامة:

"لاا أنا أبي آصل لمكان يحبه قلبي غدي الخير يوصلني." سعود ضحك: "ما شاء الله وش هالمكان ولا تبي تخفيه عنا؟ حاتم طق كتف سعود وأقفى: "أنسى تعرفه لا أنت ولا العرب كلهم فمان الله." سعود: "فمان الله، وعسى الخير يوصلك." ضحك زيادة وصوت خلخالها يرن بآذنه وكأنها تلبي الندا. طلعت من البيت ومعها غرض وشيلتها على كتفها بالظلام.. مشت خطوتين وعينها على بيتها.. كل ما دخلت وكل ما شافت البيت مرت عليها ريحة مزعل.

اللي كل ما ذكرته تكاد تختنق من مروره ببالها وتعكيره لصفوة مزاجها. ضيقت عينها لراس النفود اللي ورى بيتها.. قربت شوي وهي تركز بالجسم اللي عجزت تعرف عليه. بس للحظة غشاها الخوف وصدت بهرولة وتنفي فكرة ببالها أنه هو مستحيل يصير مزعل وش جابه، وقفت فجأة من وصلها صوته صوت الأمان صوت الدفى صوت الحمية والسند. عزام وقف ونزل من الجبل وبصوت عالي: "زينة! لفت عليه وضحكت بربكة: "هذا إيه أنت."

صعد براس الجبل من زمن ويتحراها.. وبصوت راكد وبحة هادية ضحك وعينه على القمر المكتمل: "أجل تغلين علي.. تبي تزيدين الحطب بنار الوله اللي بصدري وتكودين شعلتها زيادة على ما هي شاعلة وتضوي بقلبي.. لكن زين، أنتي تغلي يا المذنبة وأنا حليم وصبور دامني بألقاش." نزلت من ظهر الفرس وضربت رجولها بالأرض وهز خلخالها. برنته يبري حاله من الوله يوم التفت لها وهزه باقترابه يبري حاله من الذنب اللي اقترفه. ابتسم براحة

وركادة وعينه عطشى عليها: "ارحبي." عايشة ضحكت: "ما خيبت ظني.. قلت خليه شوي كود يحس باللي حسيتيه من الوله والحزن بفرقاه وتدرين من الناس بسبب روحته." حاتم سكر عينه بسكون وهي تقترب ويتحراها تكمل يبي يتشبع. من شرهتها ومن نبرة الوله بصوتها. ولمعة الشوق بعيونها. من ريحتها اللي بمثابة الأكسجين له.. وشوفها هو النظر ولو هو ضرير. قربها.. هو الوطن ولو البلد دمرتها الحروب.

دنت له وهي تجهل وش حاله بهالقرب.. دنت له لين حست بالدفى يحتضنها ويلمها له. عند بيت زينة براس الجبل. زينة: "أنت حالك ما جاز لي وش بلاك يا عزام.. وش بلا الغترة والعقال بالأرض كذيه وش صار." وهو لا زال ساجته والتفت لها بصمت وعينه الذابلة عليها بدون ما يوجس. رفعت شيلتها على راسها وارتبكت: "عزام! عزام على حاله: "لبيه." زينة: "سمعتني وش قلت؟ عزام:

"بس كلامه صحيح كله ما غلط بكلمة متى بيتعودون على عزام وهو بالشكل اللي هو به اليوم." زينة ابتسمت: "إيييه يا ملحك الليلة وش هالزين اللي متخبي عنا، الله لا يشوفنك نسوان البادية ينخبلن ما شاء الله." عزام: "لا تلعبين على روحش أنتي بعد وتصدقين.. مردي صبي وش أنا أنا! هالليلة انسوها، هي غلط وما هو بمتكرر دام العقول الصغيرة والخفيفة موجودة. زينة: وش تقول أنت؟ عزام عيب هالكلام، أنا ما قلت أنك صبي من اللي قايله؟

عزام: لا بلى قايلته بهاك اليوم يومش مع مزعل، ولجل همٍ بقلبي نسيتها، والليلة أخوه يرد يذكرني بمن أنا، مير ما عليه شرهة دام مزعل أخوه. زينة بعد صمت: العذر والسموحة منك يا عزام، ويا سواد وجهي يوم قلتها لك. عزام: لا دامش بعيدة عنه، كل شيٍّ يهون. زينة توسعت عينها ببراءة الأطفال: طيب ودي أنشدك هالحين يصير؟ صد وضحك من لمح عينها وبراءتها: هاتي وش عندش. زينة: وش الهم اللي في قلبك، اللي نسيت قولي لك بسببه و..

عزام: بس بس فاهم، ما هو لازم تشرحين زود. زينة: دامك فاهم أجل وشوله تخليني أنشد كان جاوبت، وبعدين وشلون فهمت قبل ما أتكلم؟ عزام ناظر عيونها وابتسم: فاهمش من عين الريم اللي تبوحر بي من أقبلت. زينة: أنا محد يفهمني من عيوني إلا عايشة، وأحيانًا أم عقاب إلا إن لعبت عليها. عزام: وأنا صدقيني أفهم. زينة: طيب ما.. سكتت يوم وقف عزام وسحبها مع يدها يوقفها معه، وأخذ شيلتها من على التراب

ونفضها وحطها على راسها: يالله أبي أوصلش النوم، مالي عينش. زينة وهي تمشي معه: أووه عاد لا تبالغ، بس أنت ما جاوبتني يا أشينك عاد. عزام: ابتس روحي ارقدي، والصباح رباح، لا تزودين الحنة. زينة: يعني تبي الفكة مني، وأنا أقول زين لقيت لي أحدن أهرج معه بهالليل. عزام وقف ورا مرقاد عايشة وزينة وبهمس: وأنا وش أقول، وبعدين عايشة تحرّاش تلقينها. زينة: ويييه عايشة هذا وجهي إن دخلت ولقيتها، ما تقضبها الأرض.

عزام ضحك: زين زين روحي فمان الله، تصبحين على خير. زينة لفت عليه وهي تمشي: نشوف من يحلم بالآخر، وأنا بأحاول أحَلم فيك غديني أغلبك. ظلت ابتسامته على شفاته وعينه لين اختفت عن عينه، ولين رد لمرقاده وانسدح بفراشه وزولها يتخايل له. ابتسم وهي تطري على باله يوم أنها تحاول تنسيه همه وتطيب خاطره. سند راسه على كتفها ومسك أطراف شعرها وحطه على وجهه ويتنفس ريحته اللي أخذت قلبه وعقله. ظهر صوته أخيرًا ببحة وهدوء: عواش. عايشة

سرحانة بالقمر وتهوجس: لبيه. حاتم بهمس: ودّي بيش، دوم حولي. لفت عليه: سم؟ وش قلت؟ ابتسمت وهي تناظر عيونه "سرحت بسواد السماء اللي يشوف القمر وكاد يجس به". ابتسم بهدوء، اتسعت ابتسامته وضحك ونزل راسه. عايشة: إلا وش قلت لي؟ تحضنت عينيه عيونها ولا أحدن منهم قادر يصد عن الآخر، وقلّب عيونه عنها وصد بكبر: كلامي ما ينعاد وشوله ما سمعتي من أول نوبة. عايشة عقدت حواجبها: يا حاتم أقولك سجيت، مهو أنت تقول اللي يسج ما عليه شرهة؟

وش اللي غير كلامك؟ حاتم ضحك: اللي يلمح حد السيف ورمش المها ينسى وش يقول. عايشة تخصرت وعيونها طايرة عليه وما تخفي ضحكتها: وش هالحين تبي تهرج ولا قمت أرقد ولا أدور لي شغلة غيرك. حاتم مسك ذراعها وحطها على أكتافه ودفن وجهه بصدرها: مالش شغلٍ غيري، أقول اقضبي الأرض بعدي ما شبعت منش. عايشة بغرور وهي تطق ظهره: أنا لو بأحتريك تشبع عز الله ما افترقنا. حاتم بهدوء: وش له الفرقى؟ لا نفترق.

عايشة بعفوية ونبرة غريبة: حاتم، هالحين أنت، يعني أنت.. رفع راسه ومسك طرف دقنها وبحر بعيونها ويوجس الغرق: وش بيش؟ عايشة نزلت وجهه: لا تطالعني كذيه. حاتم ضحك ورفع راسه: هاه؟ ما وحيت. عايشة بزعل: حاااتتم. حاتم: لبيه لبيييه عيونوه. انحفر على سقف هالبيت أصوات ضحكهم. من أول يوم، كان سعيد وجميل، خفيف، بربكته، بهدوئه، بشقاوته، بصوت السعد اللي فيه. جاها ومعه الفطور بالصحن الشعبي اللي بدت تتأقلم معه رغماً عنها.

لجلها ولجل حبها الطاهر حبت كل شيٍ عشانه. وكل شيٍ يعنيه. ضحكت وهي تفرك يدينها ببعض بحماس بضحكة: وااو جووعانة، تسلم يدينك. مصعب: كولي جعله بالعافية، أنا من هالحين بقولش منتب ذايقتن أحسن منها. سهام بدت تاكل ومبسوطة بإنها من دخلت معه هالبيت ما حست بخوف أو ندم. وهو كان ما تسعه الأرض بوسعها من فرحته، أخيرًا نال ما يتمنى من بعد إقناع لأبو راجح. بأنه يعرس قبل حاتم وإن العرس نصيب متى ما انكتب له يبي يجيه.

مسك يدها وصوت ضحكتها يرن بمسمعه ويتأمل حناها بيدها. ولو أن للحنى منطق، غاظني بأنه يتحضنّ يديها: عواش بخاطري هرج. عايشة: أنا خابره، لبيه سم. حاتم بلا وعي: عايشة أنتِ تدرين أن أمي قد خطبشّ لي. عايشة بهدوء وبغرابة: إيه خابره. حاتم: أنا نشدت أمي وقالت ما هنا نصيب، بس ذاك زمان هالحين. عايشة تصدد: أنا ما دريت إلا من تالي ومابي العرس. انصدم من كلمتها ثواني، عجز عن الكلام لدقيقة كاملة وهو يطالع عيونها ووجهه بلا ملامح.

اختلطت نبرته بهدوء وغرابة: و.. وراه.. وليه ما تبينه؟ عايشة ناظرته: ابتس أنا بزير وش اللي أعرس. ووش أبي بالعرس ووجع الراس. وزين يوم عيت عليكم أمي أم عقاب، وقد هي عيت وأنا عييت عن واجد. وبعدين كود أتغلى شوي وش يضر. حاتم خفق يسار صدره واحترّت أنفاسه زود: بس عاد، تغليتي واجد يكفيش ما راح من التغلي. عايشة ضحكت: وش تبي هالحين. حاتم دنى من أطراف أصابعها وداعبهن بحنية: عايشة.

أنتِ تخبرين أنش غالية علي، وعمري ما دنيت لوحدةٍ من نسوان العرب غيرش. عايشة سكتت وجسمها تزود حرارته وهي تسمعه. حاتم أخذ نفس: عايشة، أنا لا رحت للديرة انهبل متى أرد هنا، ومن أصل تدور عيوني وأنا أتفقدش بين العرب، أبك أنا تعبت من كود فرقاش يا عويش، أي بالله أنا من أروح بذاك يتخايل لي زولش، عايشة، أنا أبيش ولا أريدش لغيري. عايشة ناظرته ولا تكلمت لين رد عليها صوته: بأخلي أمي ترد تخطبش ولا تردينها خايبة.

لا زالت بحالة صمتها لين خلص كلامه وقامت من محلّها وهي تنزل من الجبل تبي ترد لبيتها. وبراسها تدووور فكرة أن حاتم يصير رجّالها، هي تعزه وتغليه بس ما عمرها تخيلت بأنهم يجتمعون سوا تحت سقف واحد. بنصف العصرية، كان يفكر وهو يمشي وراها ويهوجس. لفت عليه: يا بوي أبلشتني، أهرج عندك كلام بين عيونك هاته قله. حاتم ابتسم بوجهها: يمه، أنا أبي العرس والبنت زاهبة. أم حاتم بفرح غشى عينها وما هي بمصدقة ما دخل أذنها: ويش!

أنا بأحلم ولا بعلم يا يمه وش هالعلم الزين. حاتم بركادة: أبي عايشة بنت صقر، وليمَنها ما وافقت مالي غيرها، وكلمت أبوي "أبو راجح" وقال توكلوا على الله. أم حاتم بتردد: والله عايشة بنيه عن جميع البنات بس. حاتم: أنا خابر يا يمه، وإذا منها رفضت أنا بنفسي بأروح أخطبها من أبو عقاب، وإذا ما كتب نصيب ما حنا غاصبينها. المغرب. جلست بهدوء وبتفكير. هو صحيح اللي سمعته من شوي ولا هي تحلم، أم حاتم جت!

وتطلب يدها لولدها حاتم للمرة الثانية وهالمرة غييير. هالمرة فيه بينها وبين حاتم حبل عريض، حبل متجودين به اثنينهم. زينة جلست جنبها: يا بعد حيي والله، هالحين أنتِ مستحية ولا وش بلاش؟ عايشة بلعت ريقها: ززينة، وس السواة الحين، الرجال فعلها وهو صادق، خطبني. زينة: طيب وش رادّش عنه، وش اللي مقلقش كذيه؟ أنتِ تعرفين حاتم أكثر مني، وخابرته. اللي أعرفه عنه أنه رجال وعن ألف رجال ويخاف الله. وكريم وطيبه من أبوه وهله.

وش بلاش أجل كذيه! عايشة ناظرتها: مدري يا زينة، مدري. زينة: لا تقولين إن قليبش يقرصش لأنه إذا قرص ما هو بحاصل خير إلا بإذن الله. عايشة: زينة، أنا مابي العرس. زينة عقدت حواجبها: وش! وش تقولين أنتِ؟ لو هو أي رجال قلت الله يحفظه ويخليه لهله. بس هذا حاتم يا عويش وأنتِ خابرته، حاتم اللي تموتين إلا منه غاب يوم ولا يومين ما تصبرين إلا لين تراه عينش. "ما كملت كلامها وقامت عايشة بخطوات سريعة".

شافته بعيد ومعه عزام وسعود يتساسرون عند النار، وبخيمة أبو راجح وعندهم رياجيل. راحت من جنب الخيمة بقصد يناظرها ويجيها بس ما شافها. زفرت وهي تهز برجلها وطلع بوجهها عزام: عزاام، واللي يخليك ناد لي حاتم انهج انهج. ناظرها شوي وهز راسه ورجع لحاتم وآشر له يجي، جاه وشافها واقفة بعيد تحتريه. وقفت وقلبها يرجف مدري خوف، مدري ربكة، مدري وله، مدري لوووم! لفت عليه أول ما سمعت خطاه تقترب واحتد صوتها: حاتم. عقد حواجبه: لبيه.

عايشة سكتت شوي وكملت: وشلون كذيه تخلي أمك تجي، أنت صادق أنتت! حاتم أنت ما أنت فاهمي ولو تكلمت ما حدن يبي يفهمني. ابن عمي وهو ابن عمي عجزت أرضاه. وشلون تبيني.. أنت.... حاتم كبت كل شعور يتصادم داخله وكل سؤال وسؤال يدور بباله من كلامها، بس ما قدر يكبت نبرة صوته اللي زادت بحتها وجهرتها الخافتة: أنتِ وش تقولين؟ وش هالهرج يا عويش؟ أنتِ ما تدرين بغلاش عندي وإن غلاش من غلا أمي. ارحمي من هو على وجودش تلهّف

واقسي من هو بفرقاش يبتغي خير قلبي يا مرة ماهـوب طيـرٍ يرفـرف ولاني أحثـه على متبـع السيـر أنا عزيز النفس ولا أقـدر أطـرف إنسان دخل هالقلب ورقد به بخير عايشة ناظرته وشعورها متضارب وقلبها يرجف وزوايا عينها مروية

من دمع عينها الذابلة: خابره، خابره بس ليتك تفهم أن مالي بالعرس ما أبيه ما أعرفه ما أطيق طاريه ما أُداني أحدن يحكمني ويقيدني ببيت وأصبح وأمسي مثل باقي نسوان البادية كل اليوم بالمطبخ، والغثى اللي يجي من وراه والظلم، حاتم أنت تدري بي، أعزك وأنت أغلى من على وجه البسيطة. وأدري بك تبي تفهمني وتوجس بي لو ما حتسيت. صدت تبي تعود دارها وقفها صوته

وهو يزيد بحة من الغبن: وأنا ما أريد أفهم، ولا أريد أعرف ولا أوجس يا عايشة أنا أريدش أنتِ، أبيش لي راسي يشيب وأنا أشوفهم البعاد قراب وأنا القريب لش البعيد عنش، أريدش يا عايشة وأنا على حالي هذا، أنا مظلوم وأنتِ لي الحاكم -قرب لها بنبرة هزتها وبحة توجع قلبها وهي تحبه وتغليه لكن ما تبيه ولا تبي غيره -أريد منش إنصاف إن كان تعرفينه! ماني آخذش لجل أحكمش وأنتِ حاكمتني.

طال نظرها فيه، دقيقة دقيقتين، خمس، وهي تتطالع عينه المريوشة. وأنفه المسلول، هذا حاتم؟ حاتم اللي أرق علي من الهوا البارد. يبيني لشيٍّ ما أبيه، نطقت بصوتها الراويّ وعيونها الذابلة تدمره: ما أبيك ما أبيك يا حاتم ولا أبي غيرك. أقفت عنه بسرعة قبل تسمع منه كلمة، وهي تلقط النفس كله ولا ترتوي ويدها على قلبها وتمشي لوين ما تطأ رجليها. يا حاكمٍ قلبي وعقلي وحاكمني أنصف بالفقير إن كان تبي الأجر تعال أقرب أشمّك وأنت ضامنّي

تعال زود عناقك وزودني عمر تعال أحكي لك علومي وعلمني الساعة بدون عينك تصبح دهر يا حاكمٍ قلبي وروحي أعدلني تكفى طلبتك كان تبي المثوبة والأجر

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...