الفصل 6 | من 13 فصل

رواية ياعازف العُود صحّيت جفن الحزن من دقت اوتارك الفصل السادس 6 - بقلم havxill

المشاهدات
16
كلمة
22,262
وقت القراءة
112 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

دخلت عليهم وهم هاديين وسوالفهم بصوت خافت، وزينة وسهام يسولفن ويلعبن بالضو والتراب. عايشة: السلام عليكم. شهقت أول ما رفعت رأسها وشافت زولها قدام عيونها، نست الكلام، نست كل حرف، بس تبي تتأكد إذا هي هي. زينة: عءعايشة! فزت من مكانها تركض لها وخمتها بقوة وطاحت فوقها، وعايشة تضحك وشدت عليها. زينة بعدت عنها وناظرت وجهها وتحسست ملامحها، ضحكت بفرحة وعيونها دموع ورجعت تخمها. أم عقاب منصدمة وفرحتها ما تاسعها الأرض منها.

جت عايشة قربت عندها ومسكت يدها وحبتها أكثر من مرة وخمتها بقوة، تمنت ما تقوم عن صدرها وحضنها الدافي. توها تحس بالدفى عقب البرد اللي هرم ضلوعها بالبعد. حبت رأسها ومسحت دموع أم عقاب وهي تضحك: ابك لا تبكين، أشوف نفسي عليش هالحين عاد. أم عقاب مسكت يدها وحبتها وببحة دموعها تنهمر: ولهانتن عليش يا بنت، ابك لا عاد تبطين، الأرض تضيق بي على وسعها.

حست بذنب، هذولا أهلها، هذولا اللي يبونها باللي هي به، بزينها بشينها وزعلها وفرحها، اللي رباها ما نساها وهي بعيدة. سلمت على أمها وسهام اللي انشقت ضحكتها أول ما شافتها. دخل عليهم ومعه عزام. عزام: ارحب ارحب يا هلا ومرحبا. سعود ابتسم ويده على كتف عزام: جعلك تبقى يا بعد حالي تسلم تسلم. أبو عقاب فز: سعود! عايشة أجل جايبها معك!

دخل عليهم على اسمها اللي من ينذكر تهتز به الأرض، مهو لحاله الوله، كلهم كلهم يبونها مالها حق تبعد وتبطي عنهم. سلم عليهم سعود وهو يضحك على أبو عقاب اللي يحتريه يسلم عليه ويروح لعايشة. بعد ما سلم عليه. سعود: يا عم عايشة عيت تجي، خليتها راقدتن ببيت أبوها. أبو عقاب طير عيونه: وشلون! وهو على كيفها يومنها تعيي تجي؟ ضرب فخوذه بقلة حيلة وخيبة: هذي اللي تبي تفر عقلي أويليّه.

سعود دمعت عينه من الضحك: هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه أنا أقولك الحق عليها عند أهلها لا يخلصونها عنك. أبو عقاب ناظره بعدم فهم. رد عليه حاتم بضحكة ما قدر يخفيها: جايه جايه. مسك عصاه وهو يقفي عنهم: أجل أنا استاذنك يا أبو راجح واستأذنكم أسلم عليها. مشى ورجلينه ما تشيله، وصدره مستاسع.

وصل لهم وهو يشوفها جالسة قدام الضو وأم عقاب تسوي الغدا وسهام وزينة متحضنينها ويسولفون ويضحكون بنفس زينة ما شافها له كم له. فتح يدينه بوله: عااايشة يا عايشة. فزت ونقزت من فوق الضو وبغت تطيح لو أمها مهيب موجودة. مسكتها وسحبتها عن الضو: ووجع! ابك إنهبلتي. عايشة لفت على جدها وفتحت يدينها: ارررررحححححبببب. خمته بوله الدنيا كلها وأخذت نفس من ريحته الطيبة وريحة دهن العود والبخور. حبت

رأسه وكفوفه ورجعت تخمه: يا بري حالي على هالريحة أويحييه. أبو عقاب طلعها من عند الحريم: وشلونش يبه، ابك وش بلاتس ابطيتي عنا. عايشة ابتسمت وبالغصب تكلمت: أبد حالي يسرك، أما عن البطية والله يمر الوقت ما حسيت به ما شاء الله. أبو عقاب: يعني استأنستي عندهم ونسيتينا، إلا يا اللعوبة. عايشة خمته وهي تضحك: لا والله محدن يجي عليكم أبدن أبدن. أبو عقاب أخذ نفس: وش صار؟ عايشة نست تمامًا: وشو؟ أبو عقاب عقد حاجبينه: متى العرس؟

جاها السؤال مثل البرق، صحاها ونزلت رأسها وبلعت ريقها: يقول نبي نجيكم ذي الأيام عاد مدري وش عنده. حس بنبرتها وخزة ما تتفسر وملامحها تغيرت بلحظة، هز رأسه بهدوء: يصير خير، أجل يلا أنا معوّد للرياجيل انتبهي لنفسش بعدي ما شبعت. ضحكت غصب عنها وأقفى عنها بابتسامة. كان ودها تناديه، تعلمه باللي صار، اختفت ابتسامتها ودخلت للحريم. أم عقاب: روحي انفّسي يمه الغدا يبي له شوي.

رمت شيلتها وفكت جديلتها وحطت شيلتها فوقها وعصبت رأسها ولبست برقعها. أم عقاب ناظرتها: اقري على حالتس يمه ولا تمشين لحالتس بمكانن ما به أحد. عايشة تأشر بعيونها: من ذي قبل ذي، وين زينة وسهام؟ أم عايشة: راحن لبيت زينة يجيبن لهن غرض. هزت رأسها وقامت تمشي لحالها والشيلة مغطية شعرها إلا اللي حاطته على كتفها. حست بريحة وماضي جميل قبل شهر، أو كم أسبوع، أو شهرين!

مسكت خيلها عشان تاصل بسرعة، وركبته ورقت الجبل بسرعة. بعد ما وصلت. ناظرت المكان بربكة، نزلت من الخيل وقربت وقلبها يدق ويرجف بشكل مزعج وما تدري عن سببه. أول ما جلست، لمست الأرض رطبة، واضح به أحد مروي الشجرة، محت هالفكرة أول ما تذكرت المطر البارح، أكيد بسببه. حفرت شوي تدور ماضيها اللي كانت تعيشه لحالها بدون علم مخلوق.

لمست طرف الخيط اللي ملفوفة به الخيشة، صارت منهرية، وملفوفة بإحكام والأوراق اللي بها ملفوفة ومربوطة بترتيب. ابتسمت بألم يقهرها من كلام جدها اللي طرأ عليها أول ما مسكت الأوراق، وكن بعضها بدأ يوضح من عاشت معهم كم يوم. جلست تقلب باللي داخلها دقايق. وللعلم أنها أول مرة تفتحه والناس قايمة، يعني ممكن أي أحد يشوفها. دفنتهن بسرعة وقامت مسكت خيلها وركبته لين نزلت من الجبل، ونزلت منه وصارت تمشي وهو معها ماسكته.

عزام: يلا حياكم الله، اللي يبي يغسل هذا الماء هنا. حاتم راح يغسل بهدوء وصمت. لف لبيت أبو عقاب اللي يبعد عنهم بمسافة بسيطة، شده الخيل اللي جاي من جهة الجبل، ركز شوي لين لمحها معه. عيت عينه ترمش وهو يراقبها وشعرها اللي على كتفها وبرقعها اللي يدرسك معنى الضيم، ورموشها اللي يكاد يظلل عنه نور الشمس. نسى نفسه ولف بجسمه كله جهتها ويراقب بشوق صامت. دخلت وهو باقي عيونه على بابهم. عزام بصوت عالي: حاتم، يلا يا بعد حالي.

دخل وعلى وجهه ابتسامة هادية، مرتبكة، نظرة شقية ما قدر يحكمها. دخلت ورمت برقعها وجلست وهي تفرك يدينها: ابك البرد يشتد عن أول. أم عقاب حطت الغدا: إيه يا أمي أنتي تدفي وكلي زين أشوفش ضاعفة، هناك ما عندهم أحدن يطبخ! عايشة راحت تغسل: لا ما يجوز لي غير طبخك. أم عايشة: أجل وين سهام وزينة؟ أم عقاب: هالحين يجن بس. ما كملت كلامها إلا وهن يدخلن ومعهم قش: السلام عليكم. زينة والدنيا

ما تاسعها من الفرح: أمي تسلم عليهم وتقول عطونا قدر الذبايح. أم عقاب ضحكت ونزلت رأسها. عايشة ضربت رأسها وجلست: أقول لا تتأخرن مرة أخرى بطني ذبحني من الجوع. زينة: كلي كلي محدن مربط كفوفش يا حيّي. نمشي شوي بالوقت، بنص العصر، فاحت ريحة الحطب وشبة النار، وبدأ العرب يتدفون واللي يلبس فروته ومتلثم واللي يترزق الله، واللي فاحت ريحة أشواقه ومحدن يميزها. أم عقاب ضحكت: الله يا عايشة كم لها هالشبّة ما حصلت لنا، وينتس من زمان.

عايشة شافت الحريم يقبلون: ارحبوا ارحبوا حياكم، يا هلا. جلسوا من عقب السلام، ومن ضمنهم أم حاتم. بنص سوالفهم قامت زينة تصب قهوة، أخذت القهوة وعينها على عايشة: أجل يا عايشة ما قلتي لنا متى عرسش، غديه بذا اليومين والله إني متشفقة له. ابتسمت ورفعت رأسها وما قدرت تكلم، حست عيونها تحرها، وكلام جدها يتردد ببالها. أم عايشة فزت من شافت

وجه عايشة ولفت على الحرمة: والله تدرين الخطاطيب واحد ورا الثاني عند الباب، وبن عمها متشفقن يبيها وأهلها كلهم هناك يبونها، بس الحق ينقال بنيتي تدلع عليهم شوي وإن ما لقيتيهم باتسر ولا عقبه جايين كلهم بذا ما أصير أنا أمها. هههههههههههههههههههههههههه يخافون من الهوى البارد عليها. لفت على أمها وابتسمت، حست أنها ودها تقوم تحب رأسها، بس اللي قالته أمها كله ما ودها يصير، ما تبيهم يجون.

جلست لين بدوا يلهون شوي بالسوالف، وقامت من عندهم لورا خيمة أبو عقاب، مسكت غصن الشجرة وتلّته بكل ما عطاها ربي من قوة. أبو راجح: ارحبوا يا هلا ويا مسهلا. جلسوا الرياجيل وقام عزام يصب لهم القهوة، شوي شوي وبدأ الرجال يسولفون وشوي يسمعون من حاتم قصيد. سعود معجب بقصيده وساكت ويسمعه بصمت. حاتم ببحة هادية: "فاحت الأشواق وللأشواق رنة ما يميزها إلا خبير الضماير ويختلف به عقب اللقا ظنه ما درى أن الليالي وراها ستاير

ليل أحبه وليلة أسرف به بجنه وليلٍ أخافه وأزود بقمصانه زراير من حبي إليه ومن عهد أبيه وأمه وليلة أبيه بزاوية وعينيه الخداير نتبارى من يبتسي الثاني وكأنه يراجيه أن لا يفارقه وتغلي به جماير يبغيه ويغليه وما على أحد منه وجعل القلب يفداه من عقب الضماير سمي يا بعد حاتم اللي شيب قبل سنه تفداك روحه وبرف الضلع أبني لك عماير ترغدي واستاسعي لا من الخلق ضايقنه واسرحي وادفي من نار الوله والقداير وأنا بقول وردي عقب يلا عساه انه

يكتب بيننا العيشة سوا في هالعماير." اعتلت صفحاتهم وتعزيزهم. مصعب رمى شماغه: يا ويل حالي آمين يا رب نشوفك معها. أبو راجح عقد حواجبه: منهي؟ حاتم ناظر مصعب. مصعب هز كتوفه: مدري. سكت شوي وقام يضحك على هباله: هذا اللي يبي يعرس. أبو سهام: اقرب اقرب يا النسيب. تكلم بتعجب: ما شاء الله يا مصعب تبي تعرس ولا تعلمنا. مصعب: هاكم دريتوا. كلهم قاموا يباركون له، وأول مرة مصعب بحياته يستحي. عزام قرص حاتم

مع فخذه ويأشر على مصعب: ابك من متى هالرجال يستحي شف وجه لا ينفجر. حاتم ضحك بخفة: يا حليلك يا مصعب. عزام: يا رجال، تجي تعاوني بالذبيحة؟ حاتم فز: أبشر بعزك. قام هو وعزام ونقوا لهم ذبيحتين وكلن مسك له وحدة ونحرها وسلخوها وقسموها وراح عزام يشب النار للذبيحة وجاب قدور الذبايح. وحاتم يمشي لجهة الحلال اللي يبعد عن بيت أبو عقاب شوي ومعه السكين وتقطر دم. شوي وسمع صوت من جهة الخيول، فز وقرب والسكين ورا ظهره.

ويمشي بحذر، انجن وهو يشوف شخص واقف عند راجح خيله. تقدم بسرعة وأنفاسه تتسارع مع دقات قلبه، مسكه من نحره وضمه وحط السكين على رقبته، وما كان يميز إن كان ولد ولا بنيه. صار صدره على ظهرها ويشدها والسكين لو تحركت يمين ولا يسار قطعت رقبتها، ويده على كتوفها وما تقدر تتحرك، غير رجولها اللي تضرب فيه بشراسة. حست بخنقة من يده العريضة اللي تحجب عنها الأكسجين. ما تحملت ووجهها حمر حست بدوخة بين يدينه وما استوعب إلا يوم طاحت بالأرض.

توه يدري أنها بنيه، دق قلبه ونبض كل عرق به، كل عرق به يقول لبيّه. شالها وهو فاقد وعيه، زيه زيها. حطها على حجر كبير شوي وأخفاها بحيث أن ما حدن يشوفها معه، وخصوصًا إن معه سكين كلها دم، والبنت فاقدة وعيها. ما سوى شيء غير أنه جلس جنبها ويناظرها بكل هدوء، فصخ عمامته وغطاها بالشماغ عن البرد، ودخل يده بشعره الكثيف وعيونه عليها، وده يشيل عيونه. وده يفهم أنها مخطوبة لبن عمها. ما كان وده تقوم أبد.

منوه جت بباله، تمنى أن الوقت يوقف، الأيام تاقف ما تزيد ولا تنقص. لأنها لو زادت تبي تروح من يدينه، ولو نقصت يبي يفقدها. مسك يدها وباله مهو معه، جلس يتأمل يدها هي علم ولا حلم. ما امداه يسرح بها شوي، إلا وهي تكح بقوة وضيق تنفس. فز وناظر لها وعقد حواجبه وبأسلوب نداء: إيه بنيه أحم. ناظرته وهي تسترجع ذاكرتها وش جابها هنا، فزت وبصراخ: ابك أنت بغيت تذبحني مهبول أنت مهبول! ضحك أول ما سمع حسها

حس بتخدير وبعيون نعسة: إيه بالله مهبول، والمهبول ما عليه شرهة. ميلت رأسها وركزت بالسكين والدم اللي بها، تحسست رقبتها، ويدينها ووجهها: وش ذا الدم، أنت وش أنت مسوي؟ حاتم قرب لها السكين وهو يدور بها ويحس إن عقله طاير وقلبه مهو بمحله ولسانه وحاتم كله مهوب ملكه ولا عاد يتحكم به: قصدش ذي؟ عايشة ناظرت الدم اللي بها وتنهدت ومسكت شعره ودفت رأسه عنها وقامت تنفض ملابسها بربكة من قربه قبل شوي: قل إن توك ذابحٍ ذبيحة.

حاتم ضحك من قلب. عايشة ضحكت وعينها بعينه وتزين عمامتها: أعنبو حيك هبلتني. حاتم ابتسم ويهج من مناظر عيونها ونزل أخذ شماغه من على الحجر وطقه عن التراب: وأنتي ويش جايبش لراجح؟ عايشة بعفوية: ولهانتن عليّه. ابتسم وسكت وداخله يردد "ولهانتن عليه! زين وراعيه ماله نصيبٍ بالوله؟ " يبيها تروح، ويبيها معه، يبيها تروح لنه خايف من نفسه، خايف يظهر شوقه لها، خايف يبان قدامها، لنها مهيب...

سكت، ما يحب يسمع هالكلمة ولا يحب يقولها ولا يبيها أبد.. يكره يسمعها من أحد. تنهد بهدوء وده يرفع راسه يتأمل بها زود، والتمادي معها حلال. عايشة نزلت عيونها عنه: "أجل يالله يا حاتم مع السلامة." ومشت لبيت جدها أبو عقاب. فز لها بكله أول ما قالت "مع السلامة".. تبع خطاها بعيونه لين ما اختفت عن ناظريه. قرب من خيله راجح وابتسم لشعره "مجدّلته". أخذ سكينته ورجع لعزام، دخل غير ملابسه وطلع للرجال. عزام عقد حواجبه:

"وينك يا رجال عجزت أدورك؟ حاتم وقلبه يضرب من أول ما جلس: "لا، بس رحت أغسل وأغير ثوبي." دخلت الخيمة الكبيرة اللي كانوا الحريم بها.. بس راحوا وما بقى غير أم حاتم وأمها وأم عقاب.. مسكت الدلة وتصب لهم والابتسامة في وجهها.. مدت لأم حاتم الفنجال: "يالله إنك تحييها بمحلّها." أم حاتم: "الله يحييش ويبقيش." أم عايشة: "وش هالضحكة ما شاء الله، وين رحتي له؟ عايشة ضحكت بصوت مسموع: "أبد، عنيت لأبوي أسلم عليه."

ناظروها بعدم فهم كلهم. أم عقاب: "عايشة يمه، أبك أبوك ميت من سنة جدي وش تشوفين؟ عايشة سكتت شوي وضحكت بخفة: "الله يرحمه، لا أقصد أبوي الثاني وش بلاش نسيتي؟ سكتوا كلهم وببالهم إنه أبو عقاب.. أم عقاب ضحكت: "خرشتيني يا يمه، قولي من أول هههههههههههههههههههه." أم حاتم ابتسمت: "إي والله أنا قلت البنية طار عقلها." عايشة: "أنتن الظاهر من زمان محدٍ شره عليكن." أم عقاب: "محدٍ يشره علينا غيرش وأنتِ وينش عنا؟ عايشة:

"يعني ولهانين علي تبون أشره؟ أم حاتم: "ههههههههههههههههههههههههههههههههههههه لا يا حيي خليتس كذا وش زينتس." عايشة: "يا ويل حالي يا ناس يزين هال لهجة عليها أنفداتس." أم حاتم ضحكت وقاطعتهم أم عايشة: "إي والله يا عايشة وش صار على سالفة ولد عمش، به عرس؟ ومتى؟ عايشة تلاشت ابتسامتها بالتدريج وتنهدت وهي تناظر أمها وتحاول ما يبين بملامحها الضيق من هالسالفة. أم عايشة: "قولي أبك لا تستحين ماهنا إلا أم حاتم ماهيب غريبة." عايشة:

"إي يقول جدي إنهم يبي يجون بهاليومين والعرس بذا." أم عقاب: "إي والله ما بي حيل أعني عندهم." أم حاتم: "ما شاء الله الله يوفقش يا يمه ويسعد قلبش." هزت رأسها بابتسامة هادية وتحس الأكسجين نفذ من عندها. عايشة: "أجل أنا أستأذنكم بأروح أدور هالسوستين مدري وين راحن له." أم حاتم: "وأنا بأمشي الوقت تأخر، غديكم تسيرون باتسر." أم عقاب: "إن شاء الله."

طلعت عايشة بعد ما سلمت وراحت تمشي ما دورت لا زينة، ولا سهام، قامت تمشي وتجر خطاها مع التراب وتدور فكرة زواجها ببالها.. وبسجة. "جاها مع كل النواحي يبيها لكن ما صدّق العقل والجاه تساير مع كل طاري يحديها إلا يا وجد قلبي ونا سمع ترمّاه يحدونه عليها وأنا اللي أبيها تطرونها مع كل طاري يتـقفاه وأنا مذهول أبك الوليفة من يجيها كنت اللي خذاها مني أتحداه والي يبيها لو تحصل له ما يليها هذي لو الفم يسكت وحدها تقراه

ولو أدمع فزت تشاركني بعينيها ويلاه يا سعد وش ورا الفراق ويلاه يعني أثرك تبيها وأنت أحق أنك تبيها؟ حقك علي يا قلب بن عمها بغاها وتبغاه" أقبلت أم حاتم وهو في فيء السرح (سرحان) .. متسند على المركى قدام الضو وممدد رجوله وحاطهم فوق بعض.. ويدينه ورا رقبته ومبسمه مفلوج.. ما حس بدخولها لأنه ما حس بعمره هو. أم حاتم ناظرته شوي وضحكت على شكله: "جعله دوم هالحال." فز وانتبه لأمه وعدل جلسته وجلست وزانه.. حب

رأسها وضحكته شاقة وجهه شق: "لا تدعين يدوم هذا حالي.. خوفي ما يسرتس." أم حاتم انخرشت: "هو! أبك وش هالهرج والفال اللي ما قبلته، لا والله جعلك دوم بهالحال ودوم الضحكة ماليتن وجهك." ابتسم وعيونه بعيونها اللي بدت تظهر عليها التجاعيد الطاهرة: "والله ما تغيب ضحكتي وأنتِ وزاني." أم حاتم تنهدت وضربت بكفوفها وأطلقت دعوتها من كل قلبها:

"إييييه، عسى الله يخليك للي يحبك يا وليدي ويجمع بك من تحب ومن يحبك قل آمين.. وجعل السعد دوم ممشاك ويالله عسى التوفيق فالك قل آمين." حاتم بمزح: "آمين، بس أكيد أنتِ تحبيني صح؟ وراتس ما قلتي عسى الله يخليك لي، أح يا ذالعلم كأنش ما تحبين ضناش." أم حاتم وخزته بالعصا: "هها وش هالحتسي بس.. إيه هو أنا ما قلت لك؟ حاتم يصب لها قهوة ورجع الدلة على الضو وناظرها: "وش؟ أم حاتم أخذت الفنجال:

"عايشة بنت صقر، ما شاء الله البنية تبي تعرس وأهلها يبي يجون ذا الصبح ولا عقبه." صنم شوي وعيونه ما ترمش.. حس بيده تحترق، ترك الدلة ونفض يده بألم وببحة من كل قلبه: "آآآحح.."

ما هو من وجع حرقة يده، إلا من الوجع اللي مستوطن قلبه وتوه برى.. ثم رد له يبغاه، قام بسرعة وحط يده تحت الموية الباردة وجلس شوي يحس قلبه طاح بيده من قو ما هي تنبض وعيونه تبي تطلع ومدامعها متحجرة ماهنا مظهر لدموعه يشفي ما يتوجد به.. احتدت عيونه ونظراته.. وحاجبينه تقاربوا بالحيل.. سكر عيونه بهدوء وشد على يده ونفضها من المويا وتنهاته توالى.. رجع لأمه ويحرك يده ويبردها ويحاول ما يوضح لها الوجع. أم حاتم:

"عساه ما حرق يدك.. أبك يا وليدي انتبه وش بلاك سجيت.. عطني أشوف." حاتم ناظر يده المحمرة: "لا يا بعد حالي ما بي إلا العافية، إيه وش قلتي عايشة بنت صقر؟ تبي تعرس ولد عمها سعيد! ما شاء الله." أم حاتم بتعجب: "وش دراك إنه من ولد عمها؟ حاتم سكت شوي: "توقعت يعني ما به غيره." أم حاتم ذكرت يوم إنها تخطبها لحاتم وتنهدت: "إييييه.. لو إني دارية،" (سكتت ما تبي تفتح سوالف قديمة مالها نتايج) حاتم لف عليها وببحة يحاول يخفيها:

"داريةٍ بويش يمه! علامش؟ ارتكت على عصاها وقامت: "أنا بأروح أرقد.. تبي شيء؟ ناظرها وهي معطيته ظهرها وعيونه حمر وصد عيونه للضو: "سلامتش.. تصبحين على خير." أم حاتم طلعت: "يالله وأنت بعد ارقد ما عاد إلا خير." حاتم رافع رأسه ويمد النظر: "أي خير؟

جلس لآخر الليل قبال شبة النار.. ويقلب بها ويحوس بالتراب ويقصد بصوت ما يسمعه غيره.. من يتوقع.. ومن كان يتخيل.. حاتم ابن الشيخ.. يحب.. يهوى.. يوجعه قلبه.. الرجال الثقيل من كبار أهل البادية.. الراكد.. الشاعر اللي كان بلا شعور.. القصيد اللي ماله قصد.. والقلب اللي ماله مالك غيره.. البال اللي ما يشغله غير الحروف الميتة وترتيبها.. من يتخيل الحروف الميتة يأتيها من يحييها وينعشها.. البستان الباهت من يتوقع أن ساقيه المفقود انوجد.. قلبه من تخيل أن يكون له مالك من غير إذن.. سارق لطيف.. متطفل معذور...

سكر عيونه بهدوء، "وين كنت ووين صرت يا حاتم؟ من فوق الجبل... جلست بلا تصديق بلا وعي.. بلا رمش. فكت شعرها وبيدها عمامتها وشيلتها.. وعنقها ذابل.. سكرت عيونها أول ما طرأ عليها. رجف قلبها وكل ما بها ويدينها.. بعد ما جاها خبر من عمها إن به كم صبي من صبيان جدها جوا الليلة ومعهم البل المحملة.. وباتسر يبي يلحقونهم أهل عايشة كلهم ويبدون تجهيز العرس. يعني خلاص.. جدها مصرّ، وأنا يا عايشة، قريب بأصير مرة سعيد... لا لا لا لا.

قامت بسرعة وهي تعثر وما تدري وين تروح.. بس مشت للدرب اللي تسوقه رجولها. مسكت جرة الموية وحركتها لجل تطلع صوت.. ما جاها. حركتها أكثر من مرة ما أحد تحرك ولا تسمع صوت.. همست: "معقولة نايم! نزلت رأسها شوي وكأنها صحت على نفسها.. "ويش اللي جابني عنده؟ وليش جيته كن مالي غيره؟ وكني ما لقيت الأمان إلا لا لمحت عيونه." مشت شوي لين قربت للجبل. حست ضلوعها هشت ورجفت عظامها من البرد.. ونحرها العاري يستشهد من رعشة.

مسكت شعرها ولفته على نحرها بمحاولة تدفيه ولا تبي تلبس شيلتها وعمتها.. مسكت حصاة ورمتها على الصخرة الكبيرة وأخذت كومة بيدها ورجعت ترمي على الصخرة. وما تفكر إلا بشكلها وهي بعد كم يوم عروس.. ولسعيد.. ويمكن تصير أم.. زي أمها؟! حست بخوف ورجفة أخذت كمية أكبر و.. ما لحقت ترميها لأن يده كانت أسرع ومسك معصم يدها.. ويناظرها بحدة وصمت! نفض يدها عن الحجر والتراب ولا زالت عينه بعيونها.

مهما يستوطنها الخوف.. مهما يعتري ملامحها الربكة والتوتر. مهما ترجف ضلوعها وأطرافها.. يظل لعيونها حكاية ثانية. حكاية مختلفة.. غرور، جاذبية، قوة، سلطة.. كلها وأكثر تؤخذ من عينها وسدلة رمشها. ترك يدها ونزل عيونه عنها: "ويش تسوين بذا وما حولش أحد، ارجعي البيت يا بنية هالوقت ما هو زين تظهرين به." عقدت حواجبها: "تبي تعلمني متى أظهر و... أخذ نفس من عنادها، لف بحدة: "وش جابش هاه؟ وش تبين؟ عايشة بصدة تبي تمشي:

"من قال أبي منك شيء، ها يالله عود ارقد ما هو زين لك تظهر بهالوقت." جته الضحكة بس كان شعور داخله يغلب على الضحكة ويمنعها.. اللوم: "عايشة، لا تـ... سكت شوي، وهز رأسه بطول بال وصد عنها يبي يرجع مكانه. قبل يدخل لف عليها.. كانت واقفة ومعطيته ظهرها وتحوس التراب برجلها ويدينها ورا ظهرها وتناظر التراب.. تنهد ودخل: "خلي العناد ينفعش." شاتت الحصى بقوة بقهر منه ووجعتها رجلها: "آآه حسبي عليك، مدري وش بلاه صاير ثقيل."

أخذت نفس ورجعت للجبل.. ما حبت ترجع لبيتها والنوم ما يجيها ولا لها شغلة. فرقت شعرها نصين وحطتهن على كتوفها.. ومددت رجولها وطلعت خيشتها وفتحتها وطلعت كل اللي بها.. وحطته على حضنها. ابتسمت وهي تشوف تصفيف الأوراق.. حاتم مرتبهن، لحظات وتحولت بسمتها لكشرة وتقلد صوته: "ما هو زين لش تظهرين بهالوقت، وش جابش، ظهروبك عشرة عفاريت سود.. أستغفر الله." شدت على سبحة أبوها وعيونها على القمر المكتمل.. وببالها أمنية واحدة بس الحين.

تكون أقرب لأبوها أكثر.. بس محد ملبي نداها. شوي وبدأ الهوى يلاعبها... حامل ريحته.. الريحة اللي تبيها كم لها. ريحته اللي ولهت عليها أكثر من أية مخلوق بالبادية.. سكرت عيونها وتدعي أنها ما توهم: "حاتم؟ جلس جنبها بتنهيدة.. وصنع بينهم مسافة كبيرة شوي. عقدت حواجبها ورفسته مع رجله: "ححااتم.. أبك شبلاك علي من شوي، صاير ثقيل وما تنبلع تسن جايك علم ما يسر عني." تنهد وعيونه على القمر.. ويتخايل له زولها مرسوم: "ما قدرت أرقد،"

(ضحك بخفة) "لا يكون أخذت العدوى منش.. من عادش عند أهلش وأنا ما أذوق الرقاد." ضحكت بشقاوة: "أنا أشهد حسي له مكانة بهالبادية، ومكاني له دور أبك أنا عايشة بنت صقر." ابتسم نص ابتسامة وبهمس: "وهذا البلا.. ظني من شوي كان بعينش هرج.. وظني ما يخيب، أنطقي." ترددت شوي أنها تطلب منه هالطلب.. بس كانت تحتاجه بالحيل، تربعت وخلت وجهها يمه وقربت منه شوي بتردد: "وأودي... ارتبك وناظر عينها يحتريها تكلم. بلعت ريقها:

"أبيك تاخذني.. يم قبر أبوي." شك بسمعه ولف عليها وقرب لها أكثر وعيونه بعيونها وبهمس مبحوح وما هو مصدق طلبها: "ويش! أخذت نفس أكثر من مرة: "طلبتك.. أحتاجه هالحين بهالوقت يا حاتم.. أبيه." عقد حواجبه وهو يوجس وش ورا التقطع اللي بكلامها.. ورجفة جفنها وهزة رمشها.. موجس أدق تفاصيلها ووش وراها. ميل رأسه شوي يتأمل بملامحها.. وكأنه يسرق نفسه منها.. يسترجع قلبه من بين عيونها.. ويأخذ روحه اللي ساكنة على حدة رمشها..

"ويش بغيتي منه؟ عايشة تناظره: "أبيه.. بخاطري كلمة وأبي رأيه بها." حاتم طال صمته.. طلبها صعب.. يمكن يأثر بها، وهو عارف لو ما وداها تبي تروح لحالها. قامت وشدته من ذراعه: "ها يالله عجل علي يا حاااتتم." قام معها وذراعه بيدها.. سحب ذراعه منها وتنهد بحنية: "عايشة.. فكري زين، مهو لازم تروحين لقبره.. أنا هنا ويش بغيتي قولي لي." عايشة بقلة حيل وداخلها سطور واجد محد يعرف تفاصيلها وتحس بوحدة وتحاول تتمسك بحاتم

لا تصفى لحالها بالأخير: "حاتتتمم، انخرشت أنت ولا ركبتك جنية! تراي ما أداني أعيد الكلام أكثر من مرة." مسكت يده بكل يدينها بصفاء نية. وشدّت عليه: "عجّل لا يروح الوقت علينا." مشى وراها وكل خلية به تنادي سمعًا وطاعة. من نظرتها، صوتها، يدينها أول ما تعلقت بيده، وكان فارق الحجم بينهم واضح. ومع هذا حس بدفء يدينها، وبرود أطرافها. بعد ربع ساعة جلس بقلة حيل وجسمه تعبان، بعد ما حمّلوا الأغراض على الإبل.

ومشاعره متخالطة ما بين الحزن والفرح. يبيها، وهي ما تبي العرس. جلس يؤمّل ويرسم أحلام وحياته معها. جلس يفكر بهمس: "تهقى يا سعيد تبي تحبني؟ تبي تعرس علي؟ يبي يهدى راسها ويلين قلبها ولا هي هي؟ بنية صقر ما تلحقها عواقب مثل أبوها وعوبة وعوابتها من عوابته. إييييه يا سعيد عسى الله يكتب اللي به الخير. خل أروح أرقد باتسر ورانا شغل."

جميع أنواع الانهيار الداخلي، انهيار مشاعر، انهيار عاطفة، انهيار الروح، انهيار النبض، الأنفاس، انهيار داخلي بالكامل، إلا انهيار الدموع. لفت على حاتم بهدوء. فهمها وأبعد شوي وأعطاها ظهره. ولكن لازال يسرق النظر لها، ولا زال قلبه يسوقه لها وعيونه تلتفتها. جلست على رجولها جنب قبر أبوها.

أول ما لامست يدها التراب، تراب أبوها الجاف، ارتجف جسمها كله من أطراف رجولها لين قمة راسها. ومن مسكت بقبضة يدها التراب، ارتجف قلبها بخفة وحست بوخزة توجع. شدّت بقبضتها وعيونها توزعها على زوايا قبره وقلبها يوجعها ويرجف وكأنه يقول: "أبي لي وزانه مكان، أبي لي وزانه مكان." ارتفع صوتها الهامس وعينها غارقة ولا تشوف من البحر اللي غشى عيونها: "يا أبوي، أبي لي وزانك مكان." سمع أنينها وهمسها، بس ما كان مميز وش تقول.

لف عليها وتكتف مثل الفقير اللي قدامه عرش الملك والتاج ولا يقدر ينوله. لمعت عينه وهو يشوفها تداعب تراب أبوها. لف جهة قبر عزيز عليه. طرى عليه أبوه وحنّ له بالحيل. حس بضعف وقلة حيلة وما يبي يحسسها بضعفه لأجل ما تضعف ويخيب ظنها به. نزل راسه وفسح لها مجال الذكرى العديمة. حزن بلا ذكريات لعائشة. كدر بلا دموع. صارت تلعب بالتراب وعيونها على قبر أبوها وتسولف بهمس وبحة صوتها تكاد تجرح حناجرها:

"يبه، ودي بك جنبي هالحين ما ودك تسيّر؟ يا أبوي تدري بي أحبك وأنا ما لمحتك وأدعيك ولا تلبي، أبيك وأنت تدري إني أبيك. خلاص طالت غيبتك يا أبوي. أنت لو تدري وش كثر أنا أحتاجك ماهو أحيان، أحتاجك دوم. ما عاد أبي الدنيا. تدري ليه أنا أحبك هالكثر؟ وأحب طاريك؟ اسمي ما يتبعه غير اسمك، ولأنهم يشبهوني بك دايم، بكل شيءٍ أشبهك، لأجل هذا أمي مهيب ذاك الزود معي. الحين، أول مرة أزور قبرك مع حاتم." لفت على حاتم شافته عند قبر ويدعي له.

"هه حتى حاتم شكله وله على أبوه. واشتاق لك زود مع أنك قريب لي." ضحكت شوي وعيونها تلمع: "شكلهم ما قالوا لك، بعد كم يوم عرسي على بن عم ما أبغيه. عرسي على سعد يا يبه وأنا ما أبيه. ما ودي بعدين أجيب عيال ويصيرون مثلي وينظلمون، ما ودي به غصيبة." دفنت وجهها بين رجولها بسرعة تخفي صوت شهقاتها وأثر دموعها. همست بكل صدق: "يا رب خذني قبل لا يدخلوني عليه."

سكتت شوي ودموعها تنزل بحضنها بصمت، وهذه جلسة تصفية الحسابات بين عائشة ودموعها العنيدة ومحاجرها الصلبة. جلسة تصفية عشان ترجع عائشة أقوى، وتخفي البهوت اللي راسي على وجنتيها. بعد دقايق، عائشة ودها تمشي وما تبي تفارق أبوها. قامت ومسحت دموعها وأخذت نفس. ابتسمت بهدوء وحست كأن روح جديدة نزلت عليها. لفت لحاتم كان وراها وقرب لين صار وراها بالضبط وهمس: "ما ودش نعوّد؟ عائشة على نفس ابتسامتها: "ياللّه."

صد عنها ومشى تاركها وراه. ما يبي يقرب لها ولا يكلمها ولا يشوفها حتى. ما يبي يتعلق بها زود. عائشة عجزت تاصله لأن خطواته سريعة: "حاتم اصبر وش وراك مستعجل؟ وقف فجأة ولف عليها وجلس يناظرها شوي. عائشة وقفت قبل تصدم به وعيونها بعيونه. حاتم صد وراح لجهة بيت أبو راجح: "عوّدي بيتش، يلا ما عاد إلا الخير يبي يأذن الفجر، وأهلك يبي يجون لزوم ترتاحين لين ما يجون." ابتسم نصف ابتسامة: "وراكم شغل واجد."

استغربت أسلوبه. ما جاز لها حاتم هاللون. تنهدت وراحت لبيت أبو عقاب. وصلت واستلطفت الجو. والمكان هادي، بغت تغتسل. راحت لدورة المياه الله يكرمكم وغسلت كل جسمها وشعرها. وطلعت لبست جلابيتها وانسدحت ورفعت شعرها المبلل لفوق، وتركته ينشف براحته. بعد خمس دقايق، كانت عائشة مسكرة عيونها تبي ترتاح، تتمنى تنام وتريح. بس أشغلتها نظراته اليوم، وأسلوبه ماهو حاتم الأولي، وكلامه.

ميلت فمها بعدم فهم وبجمود. دخلت أم عائشة بهدوء، وكالعادة توقعت إنها ما نامت. عقدت حواجبها: "بنت، أبك انهبلتي خير متسبحة وما لفيتي شعرك ولا نشفتيه؟ تبين البرد ياكلك؟ عائشة ناظرتها بهدوء وسكرت عيونها. أم عائشة قربت لها بسرعة وأخذت منشفتها ونشفت شعرها وجابت مشطها ومشطت شعرها وجدلته بابتسامة: "وتبي تعرسين يا عويش؟ وأنتي ما هنا رجال بذا ما خطبك وكلهم ما تبينهم، يوم جاء ولد عمك بغيتيه! تبين البعد عنا؟

تنهدت، وسكتت تبي تسمع منها رد وعائشة ما تحركت ومسكرة عيونها ووجناتها موردة وواضح على وجهها التعب. لمست جبينها، ورجعت تتحسس رقبتها. ميلت فمها: "ما بها شيء." رفعت لحافها ولحفتها زين وظلت تطالعها شوي، وبهمس: "هالملامح، يشهد الله علي إنها جنتي المرة." لامست أطرافها وجنات عائشة وعيونها. همست ببحة وجعتها: "ملامحه." على دخول زينة وسهام. زينة شهقت: "وش بها؟ عائشة ابتسمت، حست إنها اشتاقت لهالحس بس ما بها حيل تتحرك ولا تتكلم.

سهام: "يوه ما زمان ما شفتها." قربت لها وصدتها أم عائشة بهمس: "بس، خلوها. شكلها تعبانة خلوها تريح شوي. أهلها اليوم يبي يجون وأنتن تعرفن وش اللي عليكن يلا أشوف لا أشوفكن جالسات." زينة تناظر عائشة: "أبشري." ضحك لين بانت أنيابه وطال بالضحكة، ونزل راسه بهدوء، ورجع رفع راسه وهو يناظر لسعود وعزام يلاحقون لهم خروف، لين قرب له وقبضه حاتم بقوة ويناظرهم ويضحك: "أفا يا ذالعلم خروف وما قدرتوا عليه؟

سعود مسك شماغه وحطه على كتفه وعض على طرفه، فرك يدينه ببعض: "هذا اللي يبي يومه، وأنا أبيه." عزام سرح وهو يناظر زول بعيد شوي، بس هالزول ما ينساه ولا راح من باله. ابتسم أول ما بانت له وأقبلت له. ضرب قلبه أول ما تقدمت له ولف على حاتم وسعود اللي يحارشون الخروف. زينة همست له بخجل: "إيه عزام." لف عليها، ناظرها شوي: "لبيه." ابتسمت: "لبيت حاج. إيه تقول خالتي أم عائشة، اسألوا سعود أهله متى يبي يجون." ضحكت بخفة

وواضح مستحية من عم عائشة: "اسأله أنت." ضحك وهز راسه: "أبشري." وبصوت عالي: "سعود! ركض له: "أهل عائشة يسألون، متى أهلك يبي يجون؟ سعود لف على زينة وناظرها شوي مستنكر وناظر عزام: "والله علمي علمك بس الأكيد إنهم على المغرب يوصلون." هز راسه ورجع لزينة وقال لها، وراحت تقول لأم عائشة. سعود يناظرها: "من هي ذي؟ عزام بيتكلم سبقه مصعب: "هذي خوية عائشة الروح بالروح." سعود ابتسم: "أجل هذي زينة." مصعب هز راسه. عزام نزل راسه

وراح مسك الخروف من حاتم: "يلا ورانا شغل ما ودي نتأخر." رفع حواجبه وهو يناظره. لحقه ومعه سكينة ويقصد ويجر صوته ببحة وهمس: "سمي يا بعد حاتم اللي شيّب قبل سنه تفداك روحه وبرف الضلع أبني لك عماير ترغّدي واستاسعي لا من الخلق ضايقنه واسرحي وادفي من نار الوله والقداير." عند أم سيف وأم سعيد وزينب أخته، يضفون قشهم. سعيد دخل عليهم وبصوته الرجولي: "هاه، ما خلصتوا نبي نمشي هالحين لأجل نوصل قبل الليل." أم سيف:

"لا لا هه خلصنا جهزوا لنا الإبل بس." سعيد تنهد: "جاهزات." وطلع يقول لأبوه يمشي وهم وراه. ركب خيله ودار على البادية ومر على بيت أبو عائشة. ابتسم ويتخايل له عائشة عند باب البيت وإياه. ضحك أول ما طرى على باله شكل عائشة ومعها ورعها. شوي وتلاشت ضحكته وبقت ابتسامة صفراء. العصر فتحت عيونها بتعب وكانت تحس بكل شيء حولها، لكن ما بها حيل أبد التعب يغلب عليها. تنهدت وهي تحاول ترفع نفسها: "لا يصير دخلني هواء." أم عائشة من برا:

"أي والله كان عندك جيبيه لا هنتِ، البنية مدري وش بلاها خوَت." رفع راسه من على الكتاب، وتلفت يمين ويسار ويطالع برا لأن الخيمة مكشوفة: "وين هي به؟ مستغرب ما لمحها اليوم. شوي وأقبلت أمه مسرعة ودخلت المطبخ، ولحقها وهو مبتسم: "ارحبي." أمه باستعجال: "يا هلا يا هلا." رفع حواجبه: "شوي شوي، وش بلاك يا يمه؟ أم حاتم: "أدور الدواء حق أم مسفر، أم عائشة تبيه لبنتها." سكت شوي وناظر أمه بطرف عين: "عائشة؟

هزت راسها وهي تفتّح الدواليب وتحوس. حاتم راح بسرعة دخل غرفته وفتح شنطته. طلع علاج دايم يفك أزمته إذا حس بتعب. قام بيعطيه أمه، ووقف شوي. تنهد ورجع رمى العلاج بالشنطة وسكرها وطلع عند أمه. أخذ كأس وجلس يشرب مويا ويراقب أمه. ضربت فخوذها بخيبة: "يا ويلي مدري وين راح، هالحين وش أقول للمرة وبنتها خاوية ما تنشاف." طلع من المطبخ بصمت ولحقته أمه وهي بطريقها لأم عائشة. ناظر شنطته. سكر عيونه وتنهد أسرع وأخذ العلاج ولحق أمه:

"يمه يمه، سمي، إيه عطِيها ذالعلاج قولي لها تشربه مع مويه وإن شاء الله ما بها إلا العافية." أم حاتم: "بس يا يمه وشو ذالعلاج؟ حاتم: "لا تخافين هذا كله فيتامينات ويخفف الحرارة كان بها، ويفيدها ما يضر إن شاء الله." هزت راسها وودته لأم عائشة. شربت منه شوي وكشرت ومدته لأم عقاب: "وشو ذا طعمه؟ أخذت الكأس منها ورفعت راسها وشربتها كل اللي بالكأس:

"هه يلا بلا دلع، وبعدين وش طرى لك تسبحين بهالبرد ما تخافين يجيش شيء ولا شيء بايعة عمرك؟ عائشة سكرت آذانها: "يمه طلبتك أبي أرتاح شوي." خلصوا ذابحين وبقوا عزام ومصعب يكملون. دخل المطبخ وحط السكاكين ودخل يتسبح وطلع وهو ينشف شعره وعليه ثوبه الأسود. حط المنشفة على كتفه ودخل المطبخ. صنم شوي. أمه ما جاءت إلى هالحين. أخذ كأس مويا يمحي الأفكار اللي بباله ودخل أخذ غترته البيضاء الثقيلة وعقاله.

وطلع شيّك على المطبخ وسكر عيونه بهدوء وراح عند الرجاجيل. قبل يروح لهم سمع أنين بالمكان اللي ينام به هو وعزام. دخل وشاف عزام وشعره مبلل ولا تغطى زين، ومنسدح على بطنه ويتعصر من الألم. قرب له بخوف: "عزام! وش بك؟ أما عزام بالموت يتنفس، وكأنه مخنوق: "إيه ظهر إيه، ظهر يعني." سكر عيونه بقوة والألم يشتد عليه. حاتم: "وش اللي يوجعك به؟ عظامك؟ ولا شد؟ ولا وش؟ عزام سكر عيونه بهدوء: "خلاص، إيه سكر الباب، بأريح شوي."

حاتم بيتكلم بس عزام سكر عيونه وأرخى جسمه ووجهه مزرق. ضرب قلبه بخوف وأسرع يجيب سيارته وقال لجده. أبو راجح عقد حواجبه: "لا تبالغ يا حاتم، الرجال ما عمره راح للبلد." حاتم رجع لعزام وهو خايف عليه: "وأنا أعرف البلد زين."

شال عزام وركبه السيارة، ومشى بسرعة وأبو راجح يناظره ما صدق عيونه، وبنفس الوقت خاف على عزام. بالطريق، ضحك حاتم وهو ماسك الدركسون بكل يدينه، ولف على عزام اللي لا زال نايم أو فاقد الوعي ما يدري. شاف ساعته وكم يبي له حتى يوصل! تنهد بهدوء شغل المسجل حق السيارة "لا تكلمني توادعني"، وزاد للصوت شوي، وارتكى على المرتبة وعيونه على الطريق. بعد صلاة المغرب، بدأ مصعب يزين القهوة والشاهي ورايح جاي يجيب مويه.

وزاد الفرشات بالخيمة وحط زيادة برا الخيمة وشب النار بالنص. بعد ما انتهى، رفع جسمه بتعب وظهره يطقطق من كثر ما هو منحني وجلس عند أبو راجح: "يا ويل حالي، هالحين هذا كله يسويه عزام باليوم الواحد كل هالشغل وهالتعب كله كله على راسه. يا حرام يا عزام والله لو إنه أنا لا أهج ووء." ضرب أبو راجح بعصاه: "بس، صكيت راسي." هز راسه: "سم، أبشر." فوق جبل صغير أم عائشة وسهام يمشون. سهام بانفعال: "يييمه،"

عادي أنا راضية، عادي عندي وبعدين تعودت، ولو أبي قلت له أبي أسكن بالديرة. أم عايشة: افهمي يا سهام، أنا ما أبيك تمرين باللي مريت به، منتب قد الحمل مصعب ما يصلح لك. سهام نست نفسها: وأنتِ كنتي قد الحمل؟ صبرتي، تحملتي ولاء؟ سكتت ما تبي تكمل. سهام: يمه شيلي هالتفكير من راسك، لا تقارنين زمان والحين. أم عايشة ناظرتها بحدة: قلت لك اللي عندي، ويالله أشوف ما أبي ألمحك اليوم كله.

ضربت الأرض برجلها وكابته صرختها ومشت عن أمها، وضمت نفسها بشالها الأسود الكبير والصوف. نزلت من الجبل راحت تمشى وتفكر بكلام أمها اللي ما يدخل العقل. خرج من عند جده وراح عند أم حاتم وكان عندها أم عقاب وحرمتين، يطبخون الذبايح للضيوف. طق الباب وتكّى عليه، رفع يدينه: الله يحسن الخاتمة ويعلنا ويعقل علينا وراي ما أشوف بنيات بذا، ولا ما عاد هنا سنع. أم حاتم ضربته بالملعقة: أقول ها اعقل وعوّد للرياجيل.

أم عقاب ضحكت وهزت رأسها بأسف. مصعب ميل فمه: أفا، وين عايشة غريبة ما هي معكن؟ أم عقاب: تعبانة يا حبي خاوية. عقد حواجبه: وش بها؟ ما تشوف شر ما تشوف شر. أم عقاب: الشر ما يجيك. أم حاتم رمت عليه إبريق: مصعب لاهنت جب مويه أنهج. تنهد وعدل وقفته ومسك الإبريق: خلص ماء البير من ترددي اليوم يا أم حاتم تسع وتسعين مرة رايح جاي. حط يده على بطنه: حتى إني جعت. ضحكت حرمة: يالله ما بقى شيء ويجون الرجال وتعشون ويروح الجوع.

مصعب هز رأسه بتسليك وراح للبير يتحلطم، وهو يمشي شافها تتمشى ومنزلة رأسها. ابتسم وعيونه عليها وصرخ: بنت سهام! شهقت بفجعة، لفت تجاه الصوت وناظرته ومعه إبريق وعقدت حواجبها: ما تعرف تتعامل بالهدوء، من عرفتك ولازم أنخرش أول ما تجي. رفعت عيونها له وأول مرة تستحي منه، أول مرة تشوفه بعد ما طلبها من أبوها. نزلت رأسها وفركت رجلها بالأرض بهدوء وتتأفف ومشت للبير. مشى وراها وهو مبتسم: يا شين الغرور عاد ما أطيقه، بس يطلع عسل منك.

لفت عليه وضحكت. مصعب تخرفن ومشى جنبها: إيه بعد وش حالك؟ سهام ناظرته بعفوية وكأنها نست كلام أمها لأنها أصلاً ما اعتبرته من البداية: زينة الحمد لله، وشلونك أنت! مصعب يعبي الإبريق وتنهد: جوعان. ضحكت بقوة على ملامحه، واضح من قلب جوعان. حركت كتوفها بعفوية: عساك شبعت بشوفتي بس، وطق بطنك. ابتسم وناظر عيونها نظرة أربكتها: دواك عندي بعدين، بس متى يجي بعدين؟ ابتسمت وطرى عليها كلام أمها فجأة، بدأت تختفي ابتسامتها وصدت عنه.

قاطعهم صوت بنية: السلام عليكم، مصعب وشلونك؟! لف عليها مصعب ونزل عيونه عنها: الحمد لله بخير. سحبت الحبل منه ورمته بالبير وسحبت المويه بضحكة: وش بلاك منزل رأسك، هذاك من شوي تضحك معها وتسولف ولا مناظرها حلال وغيرها حرام وعيب. حس برأسه يغلي وما يداني تطلع عصبيته قدام أحد ولا يحب يعصب، سكر عيونه ولف عليها: سهام خطيبتي وزوجتي إن شاء الله، واعقلي وكبري عقلك أعنبوك وش هاللسان.

ميلت وأخذت بريقها: هه واضح زعلت، تدلع يا حليلها رح لا تروح عليك وش يرضيها. لف مكان سهام، ما لقاها، سحب إبريقه وراح يدورها. نادته أم حاتم وانشغل مع جده ونساها. عند عايشة: ملت وهي جالسة على فراشها، أخذت كأس جنبها وشربته كله تحسبه موية. كشرت وهي تطعمه: لا حول، لا بارك الله باللي جابه استغفر الله. قامت ولبست جلابية زينة وفكت شعرها ومشطته وفردته على كتوفها وظهرها.

أخذت الكحل الأسود، الكحل البدوي وكحلت عيونها بخفيف. شافت شنطة صغيرة وعرفت أنها لسهام فتحتها وقامت تقلب بهالأرواج، طلعت واحد عجبها لونه وحطت منه وضحكت على شكلها وبانت غمازاتها ورجعت كل شيء مكانه. أخذت شيلتها الشفافة وغطت بها رأسها من فوق، ولفتها على رقبتها وشعرها طالع من تحتها. حطت دهن العود وبخت من عطر سهام وطلعت. زينة تكتفت أول ما طلعت عايشة وجلست عند الضو: إيه إيه متزينة وأنا هنا أكرف أعنبوك تلعبين علينا.

رمت كل اللي بيدها: والله لأروح أزين العالم على وصول وهذي شوفتي. ضحكت بقوة على شكلها. أم عايشة ناظرتها: زين إنك كشختي، أهلك هالحين واصلين. اختفت بسمتها، قامت بتنهيدة: أنا بروح لعمي. أم عايشة: إيه زين. جهز المعاميل وصقور حاتم اللي جابهن وجلس عندهن ومصعب يدور حوله. سعود رفع رأسه لمصعب: بس بس فريت رأسي. مصعب وقف: يا أخي.. قاطعتهم عايشة ومعها خيلها: السلام عليكم. مصعب ناظرها

وعقد حواجبه وبدون مقدمات: وعليكم السلام، أنتِ منتب تعبانة؟ عايشة ضحكت: يخسي التعب. سعود: ارحبي. عايشة: تبقى، إلا ما ودكم نصل حد البادية ونحتري أهلي؟ مصعب: إلا إلا، الشيخ قايم بالواجب وسابقينا هناك. عايشة تلفتت: إلا وين حاتم وعزام خلينا نروح كلنا. مصعب تنهد: عزام. قاطعه صوت جده العالي: يالله يا مصعب عجل.

مصعب أشار لهم وأخذ سعود خيله وعايشة ركبت حقها وراحوا يستقبلونهم. ما هي إلا دقايق وبدأ زولهم يوضح لها وقلبها يضرب وتحس بنقص فيه شيء ناقص! ما حست براحة. تلفتت حولها وكأنها تبي زوله يبان لها من بينهم وكل ما يقربون تحس نهايتها تقرب ودمها جمد. ابتسم وهو يناظرها. عرف زولها وهي على الخيل وقفوا أهله وقاموا يرحبون بهم ويهلّون وهو لازال يسرق النظر لها.

نزلت من خيلها وحركت شعرها كله لوراء ظهرها وما حست إن به أحد منتبه لها. رفعت شيلتها وحطتها على رأسها وغطت نص وجهها ومشت لأهلها بمجاملة ويسارها لجام خيلها. سلمت على جدتها وزينب وأم سعيد. جت عند جدها وناظرت به شوي وحبت رأسه وكأنها مغصوبة، وراحت وقفت جنب سعود ونصف أهل البادية وأبو راجح ومصعب وأبو عقاب واقفين قدام أهل عايشة.

أبو راجح: يا مرحبا ويا مسهلا، والله إن ترحبون تو ما نور المكان يا هلا يا هلا بكم من ممشاكم إلى ملفاكم، يا هلا بكم عند ربعكم وأهلكم. أبو سيف: ونعم والله، جعلك تبقى. وقف قدام أبو سيف وحب خشمه مرتين وسلم على سعيد وباقي الرجال ووراه مصعب وسعود. سعود وهو يسلم على سعيد وأبوه بضحكة: أنا صرت ولدهم خلاص. سعيد محطه العصا اللي معه وضحك: اعقب.

اختلطوا الرياجيل ببعضهم سلام وتراحيب وسؤال عن الحال. عايشة واقفة ومبعدة عنهم شوي ومتكتفة وعلى شفاتها ابتسامة، وماسكة طرف شيلتها ومغطية وجهها وصادة عنهم. قرب لها بهدوء وكان عارف أنها ساجة ومهيب يمهم، استجمع نفسه ونطق بلهفة يحاول ما يبينها: ارحبي. فزت ولفت عليه بسرعة، شوي واستوعبت ومسكت شيلتها بسرعة وغطت وجهها عنه، مع ذلك كانت شيلتها شفافة كاشفة لما وراها شفاتها، خشمها المسلول، أما عيونها طالعة ما غطتهن: يا هلا بسعيد.

ابتسم ولاحظ ركبتها من فركها للشيلة وارتكى على عصاه بكل يدينه: وش حالك؟! هزت رأسها وضحكت وناظرت عيونه: زينة الحمد لله، وش حالكم أنتم أكيد ولهين علي. هز رأسه: أنشهد والله إنك فقيدة. مشت وهو يمشي معها ويأخذ ويعطي معها بالكلام ويسولفون. بنص الطريق اشتد عليه البرد، وأوجس عظامه تتراجف. وقف على جنب ونزل وفتح الشنطة وطلع فروته ولبسها وتلثم وفتح الباب على عزام.

لقاه نايم وخفت زرقة وجهه سكر الباب وهو يستودعه الله، وعزام أول مرة يصير معه كذا ولا انه صاير له بغيابه ومحد درى عنه، تنهد وشغل السيارة وكمل طريقه بسجة ويحوس بالشيلات ويشغل ويطفي. ثبت على وحدة وما يدري وش اللي طرى له ليلة البارح، وشوي شوي بدأ يتذكر الليلة اللي لو خذته المنية ما نساها، نزل عيونه لفروته وابتسم بهدوء.

لمها وشم ريحتها اللي تخايل له، حط عينه على الطريق بمحاولة الانشغال بس عيونها زولها صوتها وعنادها ونظرات عيونها ورموشها الملوية. بالليلة اللي اكتمل بها القمر، واكتمل وفاض شوق عايشة لأبوها. انهيارها بحضنه، دفى كفوفها وهي لامته وحرارة دموعها اللي ما لمح لها أثر من بعد ذاك اليوم.

سكر عيونه وقلبه يدق بقوة ويطري عليه شكلها وهي نايمة على فخذه وسرها البريء ما بين يديه، حس بحرارة جسمه أول ما تذكر إن أهلها جايين ذالليل لأجل ياخذون عايشة لسعيد. بدأ صدره يرتفع وينزل، عجز يتخيلها معه، عجز يتخيل البادية والجبل بلا زولها، يخبرها أول ما شافها عقب غيبة سنتين لشغل برا المملكة، أول ما جا للبادية وشافها هي والوراعين وهي تهوش عليهم، وتلعب معهم، وروحها النظيفة واللي يشوفها يقول كأن ما لها من الهم نصيب.

حس أنها غير غير عن بنيات البوادي كلهن، بنت الشيوخ زينها صوتها وقلبها وسعة صدرها وكل شيء بها تقاسمته معه، كانت من قربها له وقربه لها! تناديه يبه، من اللي بهالمعزة عند عايشة لدرجة أنه يتساوى مع حب أبوها، حس بقهر وعينه احمرت وشد قبضة يده، حس نار القهر اشتعلت ويوجس حرها وقوتها، من أحق بها، أنا ولا بن عمها اللي ما عرفته إلا بآخر عمرها، من أحق.

هز رأسه بالنفي: أكيد عايشة ما تبيه، هي كانت تقوله تقول ما أودي بالعرس وش اللي غير رأيها ووووش. ضرب الدركسون بقوة وفز عزام بس بالقوة فتح عينه وحس بالمكان غريب، تلفت شوي حوله وقام بسرعة مفجوع، اختنق وما قدر يقوم ورجع انسدح بالغصب وحس رأسه انفجر لأن له حول ساعة منسدح وظهره يوجعه وفجأة قام، أخذ نفس شوي ولين هدأت نغزات قلبه، ورفع صوته شوي: بسم الله، حاتم!! وين رايحين، وين موديني له يا مهبول.

حاتم لف عليه بسرعة ولازالت عيونه تلمع وفيها من الحمار ويدينه مشدودة، تنحنح وأخذ نفس يهدي عمره ولازال لاف: أبد يا أبو فزاع، هبلتني وبغيت أتطمن عليك وعاني ماخذك للمستشفى يا بعد حي ارتاح ما. سمع صوت بوري سيارة مجنون قدامهم ولف حاتم بسرعة ونزل عن الطريق وكادت تنقلب بهم السيارة وهذا اللي كان ينتظره حاتم، كان مسكر عيونه ويتوقع أي حادث!

وصرخ عزام من وجع ظهره بقوة لحد ما بانت عروق رقبته وجبينه وحس صوته راح، لف عليه حاتم وقلبه يضرب بخوف عليه، نزل بسرعة وفتح الباب اللي عند عزام وجلسه وغطاه بفروته عن البرد: جاك شيء؟ عزام بضعف حط رأسه على كتف حاتم ويده على كتفه الثاني ويضغط عليها بقوة وبصوت مبحوح وواضح كود الوجع به: ظهري يا حاتم ما أقوى أنفس.

ملأ قلبه الخوف على أخوه وخويه وعضيده وسنده، يخاف يجيه شيء ويبقى لحاله بهالدنيا من له غيره، محد يعرفه كثر عزام، يعرف اللي بعيونه قبل ينطقه، ويعرف اللي بقلبه وكل اللي به بدون ولا كلمة، هذا العكاز اللي يرتكي به وقت الشدايد وين يروح عنه ويخليه: اصمل وأنا أخوك ما هنا إلا الخير، ما بقى شيء على المستشفى، أصلاً وصلنا وهالحين نبي نصل للمستشفى. مسك يد عزام الثانية وضم رأسه وعيونه تزيد بلمعتها: تكفى يا أبو فزاع.

سنده على المرتبة بخفة وشد عليه الفروة، وسكر الباب ورجع ركب مكانه وكمل الطريق وعيونه تسرق النظر لعزام كل دقيقة. بـ خيمة أم حاتم، خيمة الضيوف للحريم: وسيعة وشرحة ودايم لا جاهم ضيف ولا إلا من صار عندهم عرس فتحتها وقلطت حريم البادية بها.

جالسين حريم واجد وأنواع السوالف والأكل والحلاو اللي جابه حاتم معه ما تطلعه أم حاتم إلا عند الضيوف. جالسات أم حاتم وأم عقاب وأم سيف وأم عايشة وأم سعيد وبعض عجز البادية بصدر المجلس ومن حولهن بعض الحريم والبنيات، أما عايشة وسهام وزينة جالسات عند النار ويزينن القهوة ويصبون وقامت معهن زينب وكم بنت وعقب جلسوا.

زينة ناظرت زينب: والله يا زينب على كثر ما سولفت لي عايشة عنك ما هقيت هالزين كله وسعة الصدر، أبك الصدر الشمالي على أصوله. زينب ضحكت: يا بعد حي والله الزين زين عيونك. عايشة حطت كفها الأيمن على كفها الأيسر: إيه إيه اقعدن تغزلن. زينة لفت على عايشة: وأنتِ وش حارقك؟ بعد ساعتين، على كرسي قدام غرفة المستشفى توتر خوف قلق تعب، بال مشغول بأكثر من شغلة، شغلة تضايقه، وغيرها تخوفه. وتحزنه وتفرحه.

طلع الدكتور وبيده الأشعة، وفز له حاتم وكله دعاء من أعماق قلبه أن عزام ما يكون به شيء خطير! "هاه! بشر؟ ضحك الدكتور ضحكة خفيفة وعيونه على الأشعة: "والله إني مصدوم أكثر منك." حاتم سكت ويناظر الدكتور، وده يسكتّه ما يبي يسمع أكثر. وده يقوله: "خلاص ما أبي أعرف شيء." ليه؟ لأنه ما يتحمل يشوف روحه وأخوه يتألم ومابيده يسوي شيء. أخوه ولو مهو من دمه! روحه الثانية لو مهو توأمه، النصف الآخر لقلبه ولو ما عاد يملك له قلب. الدكتور:

في خيمة الرياجيل والكل حاضر من رجال البادية وشيوخها. أبو سيف: "الله يبيض وجيهكم ويكرمكم. حنا ما جينا هنا إلا لأجل شيئين." "الأول شوفة وجيهكم ولأجل الوصل بيننا ما ينقطع." "أما الأمر الثاني... ظني أغلبكم يعرفه، جينا نخطب عايشة بنت صقر... لابن عمها سعيد بن سيف." "وهو واصلنا الرد بس نتشرف نطلبها منك يا أبو عقاب." أبو عقاب بابتسامة: "جعلك سالم يا أبو سيف... والشرف لي أي بالله...

لكن ما دام طلبتها مني، ما ودي أعطيك كلمة قبل ما أسمعها منها وأبشر بالخير إن شاء الله." أبو سيف هز راسه: "أبد حقك حقك." أبو عقاب هز راسه وكملوا سوالف وشوي وقلّطهم مصعب على العشاء. الدكتور: "لا ما شاء الله ما به شيء خطير مثل كسر ولا شيء!

بس على كلامه إنه طايح على حصاة على ظهره وظهرت عليه كدمة قوية أثرت عليه ومتجرح وكله دم وعقمناه ولفيناه له. وأما عن كتمته فهو بسبب إن صدره شوي تعبان وعطيناه بخار وكم مرهم يعالج بها كدمات ظهره... وبيصير أحسن إن شاء الله." أخذ نفس براحة وابتسم وخم الدكتور لا شعوري بقوة: "رح عسى الله يسعدك! ضحك الدكتور: "هذا واجبي طال عمرك وأي شيء تبيه أنا موجود." حاتم ابتسم: "يعني أقدر آخذه الليلة!

الدكتور هز راسه: "وما يشوف شر إن شاء الله والحمد لله على السلامة." حاتم: "الله يسلمك." ودخل عند عزام. كانوا فاصخين بلوزته وكلها دم وثوبه به خطوط خفيفة ومتغطي ونص ظهره ملفوف بشاش. ابتسم: "ما ترى باس يا بعد عيني آخر الأوجاع." عقد حواجبه وشال البخار عنه: "أبك ذولا ما عندهم سالفة، رجعني مكاني يا رجال أنا وش جابني بذا؟ حاتم: "أبشر بعزك بس دامك بخير."

أخذ حاتم عزام معه لفلته. ومن أول ما دخلوا كانت عيون عزام مستغربة. يدري إن حاتم عنده خير بس ما توقع يكون ذا بيته. وأول مرة يجي للديرة، وأول مرة يشوف بيت عزام. كان بيت حاتم وحديقته الواسعة شيء غريب بالنسبة لعزام. نزلوا من السيارة ودخل الفلة ووراه عزام: "يعني ما شاء الله كل هالبيت لك؟ حاتم ضحك بخفة: "لا نصه لي ونصه لجاري." عزام عقد حواجبه وكشر: "وشلون ترتاح أنت معه؟

حاتم لف عليه بضحكة: "ههههههههههههههههههههههههه يعني أنت مصدق إن ذا البيت ينقسم نصين؟ عزام هز كتوفه: "وش دراني أنت تقوله؟

حاتم ضحك ومسك علاجات عزام ومسك يده وصعد به الدرج وراح لغرفة جنب غرفته وفتح لمباتها وكان قد شاب شعر عزام من المنظر اللي يشوفه. سرير واسع، دولاب عريض، ومراية طويلة ما قدر يسكر عينه من غرابة المنظر، بحكم إنه من وهو ورع ما يعرف غير الغنم والبل والحلال والصحراء والخيام، وإن شاف بيوت فهي بيوت طين أو بيت شعر. حاتم: "أنت تبي تنام بذا وأنا بالغرفة اللي بجنبك، تلقاني بذاك إن احتجت شيء." عزام ابتسم ونزل

راسه ورفع عيونه للغرفة: "الله يجزاك خير، ما قصرت." حاتم عقد حواجبه وما عجبه كلام عزام: "يا رجال وش تقول أبك ما بيني وبينك شكر وفضل! والله إن أشيلها بخاطري يا خوي." عزام ضحك: "لا تلومني يا خوي أول مرة أجي بيتك وما تعودت على هالدلال... مع إن الشيخ ما قصر معي و... حاتم باس راسه: "والله إن بيتي هو بيتك يا أبو فزاع... لا تخليها بخاطري ولا أسمعها منك مرة أخرى... لكن وعدك باكر من أول ما تقوم... أبي رضاوة دقت العود يا حيّي."

عزام: "أبشر بعزك." حاتم طلع من الغرفة: "تصبح على خير، لا احتجت شيء نادني." أذن الفجر... بعد الصلاة رجع أبو عقاب لقاها... لقى دواه وداه... لقاها تحتريه ببيت الشعر وقدامها المعاميل وقهوتها زاهبة ونارها حية... وترحب به وتهلي. أول ما وقف عند باب بيت الشعر... قامت وهي تضحك وفتحت نفسه لباقي يومه: "ارحب يا الغالي، ارحب يا حيّي يا بعد روحي وخلاني."

ابتسم وأخذ نفس من كل قلبه: "والله إن ترحبين أنتِ يا بعدهم كلهم من كبيرهم لصغيرهم." حب راسها ويدها وهي مبتسمة وحبت راسه... وجلس قبالها يتقهوى ويسولف لها ويسبح عليها وكله وله عليها قبل توافق على ولد عمها وتعرس وتقفي عنه... ولهان عليها وهي وزانة حس إنه شايل هم وتكلم بركادة: "إلا يا عايشة، البارح كلمني أبو سيف عن ابن عمش." عايشة اختفت بسمتها وداهمتها ضيقة شينة وتحاول تخفيها. أبو عقاب

بعد ما قال لها كل شيء: "وهذاي جايش وأبغي رايش به... هو أنتي تبينه ولا لا؟! ضحكت بخفة: "وويش اللي جاب هالسيرة هالحين... خلني أستانس على هالصبح." عقد حواجبه: "وراه يا بوي... هالسيرة تضيق خاطرش؟ عايشة ابتسمت وأخذت الدلة من على النار وصبّت له فنجال ومدته بيمناها: "بعدين أقولك... سمّي يا بعد حيّي هالوجه." أخذه منها بابتسامة: "ماني بمعطيه كلمة لين أسمعها منش أنتِ." عايشة

ابتسمت والود ودها صرخت: "ما أبيه يبه ما أبيه بس يبي يغصبوني عليه." خمته وحطت راسها على صدره: "هالحين هذا وأنت شايب بك هالحنان ذا كله... متى يقضي؟! ضحك: "شفتي يا عايشة وأم عقاب ما هي تعطيني وجه." عايشة كشت على أم عقاب اللي جابت الفطور وجلست قبالها: "أجل لزوم نزوجك بس... عاد أنت عن ألف رجال وتوك شباب وش زينك بس أنت طب وتخيّر وأنا أروح أخطبها لك." شافت نظرات أم عقاب

وضحكت ولحقها صوت أبو عقاب: "ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه أمزح مير والله لو تعرس قطعت راسك أم عقاب ما هي تلعب." أم عقاب: "أعقبي أقول... يبي يعرس يعرس من متى نلاحق الرياجيل؟ عايشة عطتها بوسة من بعيد: "والله إني أمزح يا بعدهم." أبو عقاب ناظر أم عقاب: "وأنا وشلون يطيعني قلبي أخلي الحرمة اللي عن أربع حريم؟ أم عقاب استحت... قامت تبي تطلع: "إلا منكم خلصوا جيبي المواعين يا عايشة."

عايشة تسدحت ضحك: "صارت تستحي والله ما هي هينة." أبو عقاب: "أنا لو إني ما أعرفها زين كان قلت إنها زعلت... بس أم عقاب وأعرفها." عايشة منسدحة على فخذه وغمزت له: "هاه بس... قل من تبي وأبشر بها." ضرب خدها بخفة وضحك: "قومي افطري بس." قامت وجلست تفطر منه وتسولف له وجت سهام تفطر معهم وأم عقاب وأم عايشة يفطرون مع زينة. قام من أول الصبح وجلس يدور بالبيت وشاف الخدم والخيمة اللي بالحديقة. وشاف شي ما شافه بحلومه...

كان أحيانًا حاتم يوريه بعض الصور بالجوال بس ما توقع يصير بهالزين كله. ذبحه الملل وما بغى يتقهوى وحاتم مهو معه... راح لحاتم وطق غرفته أكثر من مرة ما سمع صوت. فتح الباب بخفيف: "حاتم... حاتم." جلس يتلمس الجدار لين لمس فيش... وشغل اللمبة وكانت إضاءتها خافتة وقريبة للون الذهبي. قرب لحاتم عند السرير كان غاط بنومه عميقة وحوله أوراق نصها فاضية وكم ورقة بها أبيات وخطوط وحوسة وقلم وواضح إنه كان منسدح ويكتب ونام ولا حس بعمره...

عزام جمع الأوراق وطاحت عينه على الأبيات وجلس على طرف السرير ويقرأ... ابتسم بخفيف وناظر له... "كل هذا بقلبك يا حاتم!؟ ... والله إني حاس بك مير مدري وش اللي يربط لساني عن سؤالك." جلس شوي يناظره وداخله ضيقة على حاتم، ابن أخيه، عن كل اللي شايله بصدره وساكت ومتحمل... طرى عليه مزعل... وأيامه هو وزينة وشلون كانت معه بكل وقت... كانت تضحك لعينيه. وكن ما به بالدنيا غيره... كانت تحط عينها بعينه ويشيب راسه لا شافها تمشي معه...

ويهمس بإذنه مزعل بالغزل وعذب الكلام... لين تستحي ووجنتيها تورّد وما يحلى النظر لغيره وتتليها ضحكة توسّم غمازتينها من الحياء... تنهد وهو يحس بشعور حاتم وبالغبن اللي يعيشه... مسك الورقة ويتأمل كل حرف بها. طمنيني على روحك كيف هي عايشة وكيف هبوب الهوى بعد لبسة الخاتم وطمنيني على زينك وعينيك الناعسة وينك... وويني عنك يا الجامع القاسم ووين طيوفنا عنا... يا الدنيا كنك عاكسة! هذا حبيبي... كأني ماني متوهم ولا حالم

وش أبعده عني وكيف انرسَم لي مفارقه وليه وشبك يا حيّي كأنك بالفراق صارم ماني بكاذب ولا مكابر وحبي بصارحه تراني بدونك المرحوم ابن الشيوخ حاتم وقرأ كم بيت فضفضة من حاتم وصفط الورق ودخله بجيب بنطلونه (لبس من ملابس حاتم) "حاتم حاتم، يا أبو راجح." فز حاتم وقام وتلمس عزام: "وش جاك شيء، تبي شيء؟ أنت بخير؟ عزام فتح عيونه: "لا لا ما بي شيء يا رجال بس قم نتقهوى معي ما صارت درت بيتك كله وأنت ما قمت."

ما كمل وهو يشوف حاتم يرجع ينسدح بتنهيدة ويتلحف ويخم المخدة اللي جنبه متجاهل عزام. عزام طير عيونه وميل راسه: "تسفهني أنا... أنا يا حاتم... أنا أوريك يا مقصوم الرقبة والله إن أتقهوى لحالي إن ما جيت هالحين وأفطر فوقها بعد... وأنت ارقد ارقد." طلع عزام وسكر الباب ووقف قدام الغرفة شوي ورجع فتح الباب بخفيف وشافه ما قام وسكر الباب بقوة ونزل تحت وطلب منهم يجيبون القهوة بالخيمة. كانت منسدحة لحالها بدكة سقفها كله سعف النخل...

ونسناس الهوى يذعذع عليها. كان شاغل بالها مخلوق... وتهوجس به بصمت. وكن روحها ملهوفة على زوله... وكنها مستنكرة خفياه... وينه البارح ما شفته... ولا اليوم شفته عند الخيول ولا هو عند راجح... ولا لمحته بالسوق، ولا هو عند الحلال، ولا هو عند الشيخ ببيت الشعر، ول... سكتت وكنها ذكرت مكان ممكن يكون به! لأنها ما خلت مكان ما دارت به بغير قصد وتكابر كل شعور داخلها وكل ما بها يكابر ومستنكر وكنها فاقدة غالي بالحيل وكن مكانه ينيبه...

قامت بسرعة وركبت خيلها وأسرعت. للمكان اللي على خبره... للمكان اللي يشيل ريحته وريحتها. ويحمل كم من الذكرى البريئة الموجعة... كانت تمشي بالخيل بسرعة وبسمتها راسخة على شفاتها... وكنها لقت الماء من عقب الضمى... وكنها الورد الذابل المنحني... لا ارتوى بالمطر. كنها رايحة للضحكة... لريحة الحنية والدفا... وكنها رايحة لأبوها صقر على هالفرحة... زادت بسمتها أول ما بان لها زوله. بان لها قفاه كان واقف وكنه يتأمل... وكنه يسترخي.

نزلت من خيلها ووقفت عند خيلها وهي تناظره. وكنها طفل طماع ويبغي هدية! سهام وزينة كانوا يتمشون وزينة متكتفة وتمشي وتناظر الأرض وتفكر... وسهام ساكتة ولفت عليها... ناظرتها شوي: "زينة! لفت عليها: "سمّي." سهام قوسّت شفاتها بتعجب: "تفكرين بشيء؟ زينة ضحكت بخفة ما ريحت سهام: "يا بنت الحلال، كل الخلق يهوجس ويسج جت علي أنا." رفعت حاجبها بفضول: "وش تفكرين به؟ عندك حبيب وأنا ما أدري؟!

خالطت شفاهها نصف ابتسامة وكنه طرى عليها وهزت راسها بـ لا وهي تناظر الأرض: "أهوجس بعويش... السالفة اللي تعرفينها." سهام هزت راسها: "الله يكون بعونها ويكتب لها اللي به الخير، إلا أنتِ تعالي بيتك ليه ما عادك تروحين له؟! ذكرت كلام عزام لها... "تنامين وتقومين وتاكلين وتشربين عند عايشة وخليش حولها دوم وذا البيت ما تجينه إلا للحاجة... ولو ما تجينه أحسن." اختفت ابتسامتها: "ما أبيه." ظلت تراقبه كم ثانية وحس بها

ولف بابتسامة شقت شفاته: "عويش! ارحبي... شوفي هالمكان زينه، زين صح؟ إلا أنتِ وش جابش بذا؟ استوعبت وعقدت حواجبها وحست ضربات قلبها تزيد: "سعيد... ابتسم لها... أما هي حست بشيء داخلها يحتر... يفوح. صعدت على ظهر خيلها: "أستأذنك يا سعيد، سلام عليكم." نزلت من أعلى الجبل لمكان خالي من الخلق... لمكان ما يبقى به غيرها وغير نفسها. ضجرت من هالحالة اللي بها من أصبحت لين أمست وهي تدوره... تكلمت

بغبنة وهي على ظهر خيلها: "ووين رحت عسى الريح... ترفق بك." سكرت عيونها بهدوء وجلست على صخرة وكفوفها على وجهها. متلخبطة أفكارها... وراسها بينفجر. ما تدري وش تفكر به بالضبط ولا تدري وش تبي. الشيء الوحيد اللي يدور براسها: من دلّه المكان؟ ووش ودّاه له؟ من اللي سمح له يتأمل زاويةٍ بالسماء ما انخلقت لغير عيونها؟ أعلى الجبل.. من يجيه غيرها وغير حاتم، الوحيد اللي قَبِلت أن يستحلّه معها.. واستحلّها مع المكان وكل ما بها.

وقف تفكيرها لثواني. لدقيقة.. ودقيقتين. استحلها مع المكان.. وكل ما بها. مرّ عليها شريط ذكرى قريبه.. مرّ عليها كل ليلة وكل لحظة قضتها معه.. كل دفى.. كل حنان وطيبة قلب شافتها بعيونه. ذكرت ضحكته.. ودمعته اللي ما عمرها نزلت إلا قدامها ولا هي بكيفه غصبٍ عليه. ودموعها اللي ما عمره أسرف منهن دمعة.. دموعها اللي كل ما يشرفن المسيل يلمّها بحضنه وكن الحرام معها حلال.

وكنها روحه الصغيرة ما يرضى الهوى البارد يلامس رموشها.. خمت رجولها والغيم يملى السماء وبرودة الجو زادت.. وهي لازالت ساهجة. ضحكت على نفسها بهدوء وعدم رضى: وش هالعلم يا عايشة؟ سكرت عيونها ويتخايل لها زوله.. بلعت ريقها بهدوء. وفتحت عيونها وتنهدت بقلة حيلة.. به شيء ناقص ما يكمّله غيره! بنص روقانه وقصيدة رايحة وقصيدة جاية.. دخل عليه حاتم وشعره محيوس وبيده العود.. جلس جنبه وانسدح تلقائي على فخذه وحط العود قدامه.

عزام سكت شوي يناظره بصمت: ما ودك أصكك بهالعود؟ حاتم قام وتربع قدامه وسحب لحيته: أنا طالبك غديني أصحى شوي. عزام ضحك: تصحى من ويش؟ لا يكون للحين راقد ونازل لي؟ حاتم ضحك بدون خاطر وأشر له على الدلة: صب صب راسي يبي ينفجر. عزام مدّ له الفنجال وأخذ العود وحطه بحضنه وهو ولهان عليه، جلس شوي يناظره وبدأ يدق بهدوء ويَقصد.. تعنى يجيب شيء حزين على غزلي.. ممكن إنه يهيّض ما بـ حاتم ويقول له كل ما بقلبه.

لأن حاتم بدون مشاورة عزام ما يقدر.. لو ياصل السماء ويرد.. حاتم بلا عزام ما يقدر. أما حاتم يتقهوى بهدوء وعيونه على الأرض.. لف شماغه وتلطم به وتكتف وصد عن عزام وعيونه على الحديقة.. والنار الشابة. عزام قال قصيد دايمٍ حاتم يردده وكنه بدأ هو يحس به: صد والدمعة على أطراف الأهداب والقلب يشكي يوم العيون استثارت يوجس فراقٍ يلوّي بـ عوج الأجناب عوجٍ تعلّق بها يوم دارت ترسي ضواحي عشق ورماية الغاب لين إن ذيك الضواحي فيني توارت

من العيون والنحور البيض الأعذاب يا تل قلبي ليتـه ما تعلّق يوم دارت ارتسمت على شفاهه نص ابتسامة ممزوجة بذكرى ما يدري هي توجعه ولا تبري روحه من سقمها. لف على عزام: صح لسانك قم قم خلنا نتمشى. عزام: صح بدنك. مرت دقايق وسكوتهم يطول ويمشون.. لين ما عاد تحمل عزام: يا رجال أنت عيونك بها حكي اهرج وش عندك ما أنت على خبري. حاتم ضحك وصب له ولعزام قهوة وحط الدلة على جنب: إيه إيه وش عنده مختّم الفراسة.

ضحك عزام: إلا نسيت أقولك.. متى نبي نرجع لهلنا.. أبك أهل عايشة واصلين ما يجوز المعزب يترك ضيفه وبعدين خوفك إنهم عجلين يبون العرس هالأيام وسعيد عجلٍ عليها وما هم مسوين شيء بدوننا لزوم نرجع وأنا أخوك وخلنا نجيب معنا شيء لأجل عرسها.... بدأ صدره يرتفع وينزل وعيونه تزيد بروقها وتثاقلت خطواته. عض شفاهه يبي يقسى على نفسه لا يبيح مكنونه.. لكن من نطق عزام هالكلمة (خوفك إنهم عجلين يبون العرس هالأيام وسعيد عجلٍ عليها)

فقد التحكم بأعصابه وظهرت منه صرخة مبحوحة ورمى فنجاله وداس عليه لين إنه انطحن.. لف على الجدار وكله قهر وغبنة مقهور إنه ضعيف لطاريها ومغبون إن قلبه لها وملكها ولا هيب له ولا يحلم بها.. وشلون بيوم ياخذها غيره وهو شهور وهو معها ويداريها وما ضاقت إلا وهو وزانها.. من الظالم قلبي ولا هي ولا أهلها.. منهو من.. كل ما ساج بذكراها وبانت أنيابه جابوا طاري عرسها على ابن عمها.. قهر وقهر وغبنة من سواتهم به وبهام.

لكم الجدار أكثر من مرة. وصرخاته تتناوب. وبحة صوته زادت لين صوته قام يتقطع ويدينه تجرحت وارف كمّه دم ولا حس.. عزام مسك يدينه يوم شاف الدم يزيد.. ما قدر يضبطه إلا لين إنه لكمه ولا ركز إن اللكمة بوجهه وصرخ: خلااااص. ناظر عزام بضعف وميل راسه ودموعه تنزل ورمى راسه على صدر عزام وشدد ثوبه وسكر عيونه

بقوة وشهق وصوته اختفى: طاريها ما أقواه، اويلي يا عزام ما أنيب أقواه، لا تقولون عرسها على ابن عمها أنا طالبك لا ياخذها.. صوته يتقطع ويتكلم وعزام خامّه وساكت.. قلبي وأنا وكلني لها وهي له! بالله يا عزام مهي تقهر! أنا هاجٍ منهم تجيب لي طاريهم. وما عاد قدر يحكم دموعه اللي روت بلوزة عزام.. كره عزام نفسه حس بذنب من قلب حاتم اللي يحس به وهو ضامه يحس برجفته.

مسح على ظهره وشد عليه: هونها تهون وأنا أخوك هذي الدنيا ما تدري وين الخيرة به. أما حاتم غارس وجهه بصدر عزام ويهز راسه بالنفي. نرجع بالوقت وقبل ساعة.. قامت من مكانها قاصدة خيمة من خيام أبو راجح راقدين بها أهلها.. دخلت الخيمة: السلام عليكم. رفع راسه لها.. وما كان به غيره بالخيمة وكان يبي يمشي بطريقه لـ شيخ البادية وأبو عقاب والرياجيل..: عليكم السلام. عايشة أشرت له: ما ودك تجلس؟ جلس وهو يجاريها..

عايشة مسكت كفه بابتسامة: يا أبو صقر أنا أدري بك قلبك طيب ولا أنت ترضى بالظلم، وأنت تدري إن ما بقلبي لسعيد مكان. سحب يده يبي يقوم عنها.. شدت يده ودنت له: اسمعني للأخير ولك اللي تبيه طلبت شيبك.

سكت وكملت صوتها متغير مهو الصوت اللي يغشاه الدلع والغنج أصبح الصوت الباهت وخاطرها شين وأخذت نفس بعفوية وشفاهها تقوّس: يبه أنا سعيد ما أبيه، الله يوفقه ويسدد له الطيب من البني، لكن أنا لا تغصبوني عليه نخيتك وأنا ما أنخى إلا الذيب طالبك لا ياخذني جسد بلا روح والله إن أموت حية. قام وهو يوطى على قلبه وصد عنها لا يشوف عيونها.. عايشة فزت وخمته وحبت راسه أكثر من مرة ودموعها على طرف عينها: والله إن صقر ما يرضاها.

حس وكن أحد لطمه على وجهه بهالكلمة.. وارتعش وحس برجفها وهي ترددها.. والله إن صقر ما يرضاها... والله ثم والله إن ما يرضاها.. مسكت راسه بكفوفها: مهو ريحة صقر؟ وشلون تغصبني على اللي أحد ما أبغيه؟ أبو سيف بركادة مسكها مع ذراعها وجلسها: لش اللي تبينه. لفت عليه وعيونها ما تصدق ما دخل مع مسامعها: ويش!

أبو سيف: فكري زين يا عايشة بعد هالكلام اللي بأقوله لش ولا تلوميني يوم إني بغيتش لسعيد.. يوم إنه توفى قبل وفاته بيوم جاني ووصاني بش وكان حاسٍ بش ما أنت ميتة على كلام أمش له. أمش قبل ما يموت أبيش يوم كانت عنده وحاملٍ بتوم بنية وولد.. راحوا البلاد وشافوا وش حاملةٍ به.. -تغيرت نبرته ما تدري كره ما تدري قهر!

-لكن عقب ما تعب أبيش وبدوا الجماعة يتكلمون عن أمش وشلون هي متحملته وبدوا يأكلونها بالكلام وطقت كبدها ونوت وهي النية القشرة.. مع إنها كانت تحبه وتبيه وما أخذته إلا من حبها له لكن... ونوت بأنها ترد لأهلها ولا هيب عادها شايفته.. وهي تدري إن موته قريب وتدري بمرضه ما ينهيه إلا الموت. رفض أبوها إنها ترجع له وبغاها تداري رجالها.. -تكلم باشمئزاز

-وأبيش ميتٍ عليها كن ما بـ الدنيا غيرها.. ما تحملت الجلسة عنده ونكست رأي أبوها عقب ما ألفت.... عقب ما ألفت تهمة موتكم ببطنها بـ عمش سعود بحكم إنه عايشٍ عندكم وهو اللي كان مع أبيش قبل موته.. على قولها إنكم متوا بسبة سعود اللي حاول إنه.. يمسها بشرفها وما رضت وقام عليها يضربها لين ما توفيتوا وهذا اللي خلاني أبعدهم عن بعض ما أبيها تنضر ولا أبي سعود ولا أبي شوفه.. -فرك يدينه بعصاه اللي ماسكها وكنه محترّ

-وأبيش قبل يموت جاني وحالته كسيفة يا عايشة وصاني وكنه حاس إنش ما متي.. وصاني عليش وكنه يوكلني إياش.. طردته ووصفته بالمجنون.. أيامك قليلة يا عديم المسؤولية اللي خلى مرته تطيح اللي ببطنها بالخبل اللي عنده اللي هو سعود.. -حط طرف شماغه على عيونه وعبرته زادت -وما خليت كلمة ما قلتها له أحيه لو يرجع ذاك الزمان والله لأخمّه وما ياخذونه مني غير لقبره أحيه يا غبنةٍ بي يا عويش.

وهذا اللي يخليني أغصبش عليه.. والله يا عايشة لو تاخذينه إن ينفطر قلبش عليه إنه رجال وكفو وطيب قلب ولطيف روح يا عويش لكن ما دامش اطريتي أبيش صقر لا بالله ما أعيد الكرة ولش اللي تبينه.. كنت أبيش حولي واداريش بس ما باليد حيلة دامش ما تبينه. عايشة ساكتة طول الوقت وكنها متخدرة.. هي تعرف إن أمها هي السبب.. بس ما كانت تدري بأن السبب هو كلام الناس وسبب غبي وهو اللي يسوّد الوجه! لفت على جدها.. وبعيونها عبرة حزينة صدمة

عميقة واللي شدها وأحزنها: أخوي وش اللي موّته؟ هز راسه وماسكٍ دموعه بالغصب لا تطيح: هذا اللي ما عرفته بس العالم إنه من الله ما كتب له يعيش. عدلت جلستها ورجعت على المسند وعيونها على الأرض. تقوست شفاهها وهي تركب كلامه على اللي بنته براسها وتخيلت كل موقف كما وصفه لها. مسح طرف خشمه بمسحة طبية وضحك غصب: العذر والسموحة يا خوك بس أنت اللي حديتني وإن شاء الله إنها أول مرة وآخر مرة. ضحك وعيونه

ماليه الدموع الباردة: جعلني أفداك من أطراف قدمي لي قمة راسي. عزام ناظر عيونه وابتسم: يا ولد لا تضحك كذيه تقطع قلبي كأنك ورع مضيعٍ أمه. مسح عيونه بمنديل ورفع يده ويناظرها بصمت.. سحب عزام يده ومسح الدم اللي بها ومسك الشاش: هذا وش يقال به ذا. فكه وربطه على يد حاتم بدبرة. حاتم: اليوم أبمشّيك شوي بالديرة وباتسر معودين للبادية. عزام ميل راسه: آلاء خلنا شوي بذا مرتاحين.

حاتم: لا يا رجال ما نحب مأخرين الجماعة.. حتى إني رايحٍ بلا رضى الشيخ والله إن يمسي بي عشى لذئابة البر.. هز راسه وابتسم بقوة: يا ولد وين نبي نروح الليلة؟! حاتم ضحك: اللي تبي.. بس مهوب عقب ما نغير لك الشاش اللي على ظهرك وأحط لك من المرهم. عزام: لا يا رجال خلنا نروح بس لاحقين عليه. حاتم مسكه مع طرف بلوزته: أقول تعال ما أنت بورع أقعد أعابل فيك. عزام ضرب رجله بالأرض: أجل اخلص علي الحقني فوق. حاتم رفع حاجب وضحك: سابقك.

عزام ركض: أعقب. مشى عنها وهو حاس إن ودها تجلس لحالها عقب الكلام اللي قاله.. وكبرت بعينه يوم إنها جت وكنها تأخذ الإذن منه وما تبيه يشيل بخاطره عليها لا من جاه رفضها من أبو عقاب بدون علمه.. أخذ نفس طويل وما قوى يمسك دمعته اللي تمادت ونزلت بلا إذن منه.. مسحها بطرف شماغه: الله لو تشوفها وتشم رويحتها يا صقير.. الله لو تشوفها كأنك يوم مت ما قوت تأخذ منك غير هالملامح. سعود قابله بطريقة: ارحب يبه.. إلا ما شفت عايـ... يبه!

أنت بك شيء؟ ابتسم يرفع راسه: لا ما بي إلا كل خير، عايشة تلقاها بالخيمة اللي كنا فيها. سعود ما صدقه ومشى وعيونه تلتفت على أبوه. دخل بابتسامة وصوت عالي: الله الله يا ريحة صقر ارحبي. وقف مكانه وسكت شوي. عايشة وراسها وسط صدره ومسكرة عيونها بقوة وأنفاسها كأنها أنفاس الغريق لا منّه نجى وشادّة عليه بقوة. أما سعود لازال بمكانه ما تحرك ويدينه بالتدريج تبادلها.. لين خمّها وشد عليها شوي وضحك يداعبها: عويش! وش نوحك يا حيي؟

ما سمح ردها غير إنها تفرك راسها بصدره بخفيف وتشد عليه.. جلسها وسند راسه على راسها وابتسم وسكر عيونه بهدوء. وطرى على باله اللحظة اللي ما قوى ينساها.. كانت هذي وضعية صقر يوم إنه توفى. توفى على صدر صقر.. كان حاس بموته ومن أمسى وهو بحضنه نايم لين ما قام يصارع الموت وهو على صدره.. كان موقف أليم يوجع قلبه كل ما طرى عليه. بالموت قدر يقوّي قلبه عن ذكراه.. مهما يصير بيظل يتذكر إن أخوه مات وهو على صدره.

أبعدها شوي وضحك: وش بلاك؟ عايشة وملامحها يكتسيها الجمود، عيونها ذابلة وغارقة بالدموع: أنا هالحين مفروض إن لي هالحين أخ، عزوة، سند أمي، كأن أبوي كان معك أنت توفى. مسك طرف ذقنها ورفع رأسها ووجهه مصدوم: وش تقولين أنتِ؟ عايشة!

شدت فروته ودفنت رأسها بوسط صدره، وصدع صوت شهقاتها بالزوايا. وكأنه يسجل ما فعل الزمن فيها ويشهد على دموعها الصعبة. أخذ نفسًا بقوة ويديها ترتجف ولا زالت شادة على فروته، ورجعت تنثر ما بقلبها كله وما بعينها، وكأنها تصفّي الدمع الصعب لا يتراكم وينفلت بغير حينه. وتأنّ بألم وكأنه جرح وفاضت دمامينه وما تحملت الوجع. سكت وشد عليها ومسح على ظهرها. تذكر على طول دمعة أبوه وربكته. وعرف أنه قال لها، يعني من هو غيره؟

شد عليها أكثر ويهديها: بس يا أبوي خلاص لا تبكين، وين القلب القوي؟ وين قلب صقير؟ سكرت عيونها أكثر وتعلقت برقبته وزادت دموعها. سكت شوي وغرس أصابعه بشعرها وأصبح يداعبه لين هدت. غير له الشاش وكان عزام يتألم وساكت. لف عليه: إيه وين نبي نروح؟ حاتم: يلا امش. لف عصبته ولبس نظاراته الشمسية وركب السيارة وشغلها، ولحقه عزام وركب جنبه. رفعت رأسها عقب ما مسحت عيونها بقوة وقهر داخلها ما عمرها ذاقته، وقامت عنه وطلعت من الخيمة.

لحقها وبالغصب وقفها. لفها له وناظر عينها شوي. رفع وجهها وشد خدودها: وش هالزين، حتى العبوس يبري حالي. اضحكي، أعنبوه الفقر. ضحكت غصب: وش جاب الفقر هالحين؟ سعود: إيه اضحكي جعلني ما أعدمها. وش اللي حكاه لش أبي؟ عايشة ابتسمت وأخذت نفس: حكى لي عن أبوي أول، حكى لي عنك ووشلون وقفت مع أبوي وقفة رجال بمرضه. مسكت طرف شنبه: يا علني ما أعدم هالشيبة. سعود ضرب طرف يدها: وش شيبة؟

أبك توني شباب ما بعد بدأ الشيب. زين ما قال لش عن العرس؟ ابتسمت وهزت رأسها: يقول لش اللي تبينه. سعود ابتسم بسعادة: زين، يعني الرأي رأيك، هاه وش قلتي له؟ عايشة رفعت عينها بعينه: ما رديت. عقد حواجبه: ليه؟ وش تحترين؟ عايشة: لا تكثر أسئلة يرحم لي شيبانك، ما أدري وش أقول بس قريب إن شاء الله أرد. سعود بحدة: عايشة، أهلك جايين من أقصى الدنيا لا تطولين عليهم، انهجي بالرد تراك أكثر من مرة تردين في حكيك. هزت

رأسها بضحكة وهي تناظره: زين زين أبشر. ابتسم وحضن رأسها وباسه وأخذ نفس وهو مسكر عيونه وقلبه يوجعه ما يدري ليه! عايشة أبعدت عنه وقطعت تفكيره: يلا عاد غديك تاله علي، ما صارت مقابلني من أصبحت. سعود: تعالي ولهت قبل ما تقفين. عايشة ضحكت وهي تمشي: دواك عندي يا قليل الخاتمة. وهو يمشي، شافها قدام عينه، هالزول مألوف بالنسبة له، راح لها بسرعة: سهام! مشت عنه بسرعة وهي تسمي وتهمس: انهبل هذا ولا إيش؟

خاب ظنه وتنهد بيأس: ما شافها من يوم إنها تروح عنه زعله ولا عاده شافها. ووجهها بذاك اليوم ما يبشر وراحت ضايق صدرها. راح لخيمة أبو عقاب ولحسن حظه إن عايشة قباله عند الخيمة، ناداها وجت: عويش يا عويش أنتِ ولا الذيب. عايشة: يخسى الذيب. مصعب ضرب يده بحماس: أجل فزي اندبي لي سهام عند المزرعة، ها أشوف لا تبطي. عايشة تنهدت وهي تشوف عيونه الشفقة وضحكت وراحت تناديها. سهام تكتفت: ما نيب رايحة، خله الدب يوم آخر مرة شفته طاح وجهي.

عايشة ضربتها برجلها: أقول بلا دلع زايد يا أبوي أنتِ، قومي الرجال يبي يموت ملتهف، أنا ما أدري وش شايف بتس. زينة ضحكت وخمت سهام: الزين والدلع كله. عايشة: إيه إيه بس روحي. سهام ناظرت زينة وقامت وزينت شكلها وطلعت له ووجهها عبوس. وقفت عند المزرعة ولمحته عنها بعيد شوي وجالس لحاله ويحرك غصن الشجرة وساج. سهام قربت بخفة وكان الجو هادي لين قربت لأذنه وصرخت: من ماخذ عقلك! فز وصرخ ولف عليها: عمى بلا، أبك شبلاك شبلاك انهبلتِ!

سهام تناظره وترمش بهدوء: وش؟ مصعب ضحك ومسك كفها: ارحبي يا هالزول. سهام نزلت رأسها: إيه وخل كل من مر من الحريم يتشمت علينا. مصعب عقد حواجبه وضرب برجله الأرض: شايلتها بخاطرك شدعوا يا حي، ما هقيتها منك. سهام بضيق: بس أنا كنت أبي أقول لك سالفة تهمنا اثنينا. مسكها من كتوفها وجلسها على الأرض وجلس جنبها ويده تحت ذقنه: أسلمي وش عندك؟ سهام نزلت رأسها وشدت على جلابيتها: أمي ما، ما تبيني آخذك. حاتم أخذ الطقم وركبه السيارة وعزام

وراه معه أكياس ويضحك: ما شاء الله هالطلعة كلها صارت لعايشة، تستاهل. حاتم لف عليه وحط رأسه على رأس عزام: إيه خبرك ما نيب عارف باللي تفر وتدور هنيا. وأشر على صدر عزام. عقد حواجبه: وش تقول أنت؟ أبك ارفع علومك وش هالهرج؟ علت ضحكته من قلب أول ما شاف ردة فعل عزام ووشلون استحى. عزام: وش يضحكك أنت هالحين؟ وترا حكيك مهوب صحيح وكانك صادق هات اسمها. ركب وهو يتمنى إن حاتم يسكت ما يبيه يعرفها. حاتم يكمل

ضحك وقرب لصدر عزام وهمس: زينة، هالله هالله وش هالطبول! عزام ضحك غصب ودفعه: قم قم بس يا حبك للجة. عقد حاجبيه وقرب لها ومسك كفها وكأنها فريسته وطاحت بيده، ما يرضى يتلذذ بها غيره. وقربها له بحدة: ووش تقولين؟ سهام والله لو إنك تمزحين لا..

سهام سحبت يدها وخافت من شكله. مصعب اللي عرفته مرح وروحه خفيفة وطيب. عرفت اليوم نظراته عكس اللي خابرته. لكن مصعب إذا استملك شيء وقرب ياخذه ويحاوطه ويحبه بكل ما به، مستحيل يفكر لو تفكير إنه يفلت من يده. ووشلون سهام يطلع منها هالهرج؟ أخذ نفس وهدأ روحه شوي: ووش قلتي لها؟ سهام ناظرته ببراءة تمتزج بخوف: قلت لها إني أبيك وأصلاً وافقت عليك وعطيت أبوي كلمة وقلت لها إني أحبك يعني. حس بنار داخله تخمد، وتتحول

لجليد صلب وبرودة مريحة: إنك ويش؟ سهام بعفوية: يعني قلت لها كذا. مصعب ضحك وهو على نفس حالته: إيه وش آخر كلمة قلتيها من شوي؟ سهام تفكر شوي ولفت عليه وضربت جبهته: مالت عليك يا وصخ، أنا وين وأنت وين. مصعب ما تحملها، خمها بقوة وضحك من قلب على عفويتها. جلس معها شوي وبعدها رجعها لهلها وهو يهوجس بالفكره اللي براسه. "مساء شقاوي على صدور البعض ودافي حيل على غيرهم. شقاوي لما يحمله من حقيقته المرة، وخبر يعكر المزاج بمجرد سماعه.

وكالعادة نبدأ يوم جديد بأمل وحسن ظن، بأنه يغير الحزن لفرحة وغيمة تغسل ذاك الوجع! رجع عزام ورجع معه حاتم وشعور متضارب ما بين خوف من إنه يكون صاير شيء، له أسابيع ما يفارق تفكيره ولا أعتقه. جالس بصدر المجلس وجنبه جد عايشة أبو سيف. وسعيد وأبو راجح، عزام جنب أبو راجح. وكان قلقان عليه وكل شوي يلتفت عليه ويهمس: تبي شيء يا ولدي؟ تحتاج شيء؟ قل لي وش قال لك الدكتور لك؟

حاتم ابتسم: بس بس يا أبوي، الرجال طيب إن شاء الله، ما به إلا العافية لا تخاف، ذيب ذيب. أبو راجح: ما شاء الله أجل أشوا، والله إني من رحتوا ويدي على قلبي خايف عليه. حاتم عقد حواجبه: إيه إيه وأشوف إنه انسحب علي. ضحكوا كل اللي بالمجلس على وجه أبو راجح وتبريره: لا يا أبوك أنت غالي ومكانك بالقلب بس عشاني فقدت عزام البارح هو اللي مغير يركض عندي. حاتم: يستاهل عزام. عزام ابتسم: تستاهل الطيب.

مر الوقت واليوم بشكل عادي وجميل، لين ما جاء آخر الليل. من يوم ما جاها الخبر بأن حاتم جاء، أو بالأحرى هي سمعته من أم حاتم. حست بشعور جميل داخلها وكأن روحها ردت لها واستاسع صدرها حيل. كانت تبي تشوفه وتلمحه وتكلمه بس ما تدري وشلون. هي عارفة إن طول الوقت يطلع قدامها هو، بس لا من صارت تبيه ما يظهر أبد. كانت تمشي وتهوجس وكانت تتمنى يطلع تكلمه.

هزت رأسها: أستغفر الله يا عويش ويش بلاك معه ذا. جاها صوت من وراها، صوت جهوري وهادئ غصب إن تروق وتهدأ أعصابك ولكن لا يخلو من الغيرة والقهر: يا سعده. لفت بسرعة وتعلقت عينيها بعيونه لثواني تستوعب وابتسمت بفرحة: حاتم. يا زين حاتم على لسانك، قالها في نفسه وهو يتمنى يعلنها ويرفع صوته بها: سم، عيونه. عايشة: جعلني ما خلا من عيونه.

مشت للبير بعد ما وصتها أم عقاب تجيب مويا، بس ما تدري وش اللي غير رأيها واتجهت للغدير لأنها تحبه بشكل غير طبيعي. ريحته، والشجر اللي حوله، نظافته. انحنت للمويا وبدت تعبي إبريقها وهي ساهية. قبل دقايق.. طلع من الخيمة وهو يمشي بالصدفة.

لمح إبريق الموية فاضي ومن المفروض إنه يكون مليان لأجل أبو راجح اللي موصيه ما يشتغل اليوم بس كأن يده تحكه تعود على شغله ما يحب يشوف به تقصير ولا نقص. اتجه للغدير اللي وله عليه بكل ما به والبادية كلها وله عليها. لمح بنية جالسة تجاهلها وجلس بعيد عنها شوي ويعبي إبريقه. بنص هواجيسها قامت تدندن وما انتبهت إن به أحد حولها ويسمعها. حطت الإبريق جنبها وضحكت وهي تداعب المويا بأطراف أناملها.

وهي تحس برعشة من برودة المويا وقربت لها ورفعت جلابيتها لنص ساقها وظلت تمشي عليها شوي باسترخاء وتضحك ولأنه كان بعيد شوي عنها ما انتبهت له. وتقرب للنص وترفع جلابيتها عن المويا اللي بدأ يغطي سيقانها. كان الغدير على عادته مظلم وقليل أحد يجيه ما توقعت به أحد. صارت تدخل لين تعدت سيقانها لفخوذها وكلها تحت الماء أصلاً. اللي برت حاله من بياضها اللي تعكس على الماء نورها. ورجفتها تحت المويا الباردة.

وكأن كأنه يحس بطراوتها من رجفتها وهي لا زالت تضحك وترجف. رفعت رأسها بفهاوة ورجعت تنزله وتلعب. كأنها استوعبت وفاقت ورفعت رأسها من جديد. طيرت عيونها وهي تشوفه ماسك الإبريق وحاطه على جنبه ويناظرها بصمت، نظرات ما فهمت معناها. أفلتت جلابيتها اللي بدأت تتبلل وتنزل ولا زالت مصنمة مكانها وخجلها ما يوصف. سحبها بقوة يطلعها برا الماء بخوف يجيها برد ولا كأنه اللي من شوي يبي يموت على منظرها. قبل دقايق..

يا زين حاتم على لسانك، قالها في نفسه وهو يتمنى يعلنها ويرفع صوته بها: سم، عيونه. عايشة: جعلني ما خلا من عيونه. غصب عنه وعيونه بعيونها ابتسم وبانت أنيابه وبياضها، ويا بيري حال عايشة اللي بادلته بضحكة وكزت يده: وينك أعنبو حيك فر عقلي البارح وأنا أنقر من مكان لمكان أدور عليك، أبك لا عاد تعود كذا ولا تعلمني.

حاتم اللي نسي كل وعوده لنفسه، كان يبي يطا على قلبه وينساها ويقبل أنها لبنت عمها. كان يبي يتجاهلها ويقسى عليها شوي لأنه عارف أنها تعودت عليه. ووين وعودك يا حاتم؟ وين وعد الرجال اللي عطيته عزام قبل تنزلون من السيارة؟ قبل أربع ساعات تقريباً، وقف حاتم وابتسم: الحمد لله على السلامة، ومسك الباب يبي ينزل وهو ملهوف. بس حس بيده الثانية تنقبض بقوة ويشد عليه. عزام رفع صوته شوي: أبي منك الوعد يا ولد راجح، إن كان لي معزة. حاتم

بغصيبة تظهر منه الحروف: إن كانها له، أبشر باللي تبيه. ابتسم لها وهو يرد على نفسه (شوي بس! أبي أشبع من حسها ودلعها والضحكة اللي ما تروي العطشان) : ووش بغيتي يا بنية صقر؟ عايشة من شافت زوله نست كل شيء، سكتت تتذكر شوي. حاتم عطاها ظهره ومشى: ما عندك شيء أجل يلا مع السلامة.. سحبته مع ذراعه ووجهها

متغير يوم ذكرت السالفة: إلا عندي يا ولد خلك. أبعدوا شوي وراحوا ورا الجبل، قعدت على صخرة كبيرة وحاتم واقف ومرتكي ويسمعها. عايشة قالت اللي قاله لها البارح جدها أبو سيف. كله وهي تحرك رجولها كأنها طفل، ويشتكي. حاتم من لمح بريق دمعتها على طرف عينها. وهي تكلم عن أبوها ووشلون عمي سعيد كان معه. وكان حاس بها ما ماتت. وتتكلم إن المفروض إن عندها أخ ووش كثر انلهفت على شوفته.

لامس أطراف يدها وهو يمسح عليها بدفء وعيونه على عينها لا شعوري. تفاجأ بأنها تشد عليه بيدها وكملت بكفها الآخر وحاوطت كفه بيديها وهي شادة عليه وكأنها تدفي يديها بكفه اللي كان عكس يديها الجليد. وتحتمي به. حس بحرارته ترتفع وجبينه عرق، وهي تفرك يده وهمساتها تلعب به لعب، والعبرة خانقتها. تغلبت عليه. حس باستسلام، وحمد ربه أن ما كان به نور غير نور القمر، ووجهه ما يبين حيل ولا وضح لها توتره. عايشة أخذت نفس ولا زالت عبرتها:

"مدري أنا أعرّس عليه وأسكن ببيت أبوي ولا أثبت على رأيي يا حاتم، والله لو إني ما خبرتك رجال وعادتك سند ما كان جيتك. جيت آخذ منك المشورة يا حاتم وش تقول؟! حاتم اللي مندمج مع يده بوسط يديها، وتفركها بتوتر وتشد عليه، وكبر يده عن يدها. انصدم من طلبها له، وكيف إنها وثقت به وعزته لدرجة إنه يحدد مصيرها. ناظرها بهدوء، والود وده يصرخ عليها: "مجنونة تبيني أوافق على عرسش، ما لقيتي تسألين غيري؟ همس همسة تختلط برجاء وغبنة وتمني:

"لا تاخذينه." حست برده أنانية وكأنه يطلب منها، ما هو بيعطيها رأيه: "ويش؟ ليه طيب؟ حاتم ناظر عيونها، وكانت بنظرته نوع من الحدة، وحبه لتملكها يزيد: "بدون ليه يا عويش، هذا رأيي وطلبتيه وعطيتش، تبين تاخذينه ولا بكيفش. اعرسي عليه واسكني ببيت أبيش هناك بعيدٍ عنا." صد عنها وهو يتمالك نفسه ويحاول يهدأ لا يزل بكلمة. فز وهو يحس بيدها تلفه عليها وكأنها خايفة يزعل عليها ولا ياخذ بخاطره:

"اللي تبيه يصير، بس لا تاخذ بخاطرك مني. أصلاً أنا الخبلة اللي قايلة لك، كله مني." حاتم قرب لها وهمس: "منتب ماخذته؟ سكتت ما ردت، وعينها بعينه اللي ما تعكس إلا صورتها. ونفَسه اللي ما يرده إلا نفَسها ليصل لرئتيه ويستوطن داخل جسده وما يظهر من داخله. حس إنه محتاج لهالفرحة ويحتاج يعيشها ويستغلها. يحتاجها لدرجة إنه ما يحس بنفسه.

خمّها بلهفة وحب وضياع يسكنه. شد عليها ويده على ظهرها ويتحسس شعرها ويتشبث به ويشدها له أكثر وياخذ من ريحة شعرها إلى ما يوقف نفَسه. حس من قوة حرارته اللي تعدت الأربعين إنه ذاب ما عاد باقي به غير حقيقته الصلبة. من قوة الحرارة اللي تكاد تسيل عرق جبينه، أصبح فحيح أنفاسه مسموع، وحرارتها تخترق نحرها. وتحس برعشة كل ما شدها له زود!

وجسمها تصلب ما عاد قدرت تتحرك ولا تتكلم، ووجنتيها الصافية وردّن، وقلبها يكاد يخترق صدرها لتقترب أكثر منه ومن صدره العريض. صدره اللي ما عرفت الحنية والدفى غير بوسطه وهو لامّها وكأنه بعرض كفوفه، ووسع كتوفه يغطيها عما يؤذيها. نرجع بالوقت قبل نص ساعة تقريباً.

نزلت جلابيتها وراسها يدور. حست ودها ترمي نفسها بوسط هالماء وتختفي، وبدت ترجف وهي تناظره، وشلون يناظرها. غرقت عينها لين ما ملاها الدمع وما عادت تشوف ولا تحس بمن حولها من الخجل. ما فاقت غير بيده تنتزعها بقوة من وسط الغدير. تلفت حوله وجبينه احترّ من الصورة اللي شافها. ما تنمحي من باله، وشادها له من خصرها ويتلفت بسرعة ويتمعن هو كان به أحدٍ غيرهم ولا لا؟! عقب ما استراح باله ولف عليها وقربها أكثر وبهمس: "ويش تسوين بذا؟

أنتي ما تدرين إن هالغدير بعيد وأغلبه رياجيل، ويش جايبش بذا؟! زينة كان الخجل مربط لسانها، وكلامه وقربه لها زاد خجلها. اكتفت إنها تطالعه بعيون مدامعها متشبعة. سكت شوي وهو يناظر عيونها وينتظر ردها، ويحس داخله يتآكل ويحترق بنار باردة. من خوفه إن به أحدٍ غيره شافها، وحاول يخفض صوته وقرب لأذنها وهو يحط يده الثانية ورى ظهرها ويلامس أطراف شعرها: "والله لو إن أحدٍ غيري لامحش بهالمنظر، إن ما يمرّح الليلة (ما يمرّح = ما ينام)

ارتعشت أذنها أول ما اخترقتها أنفاسه الدافئة وبحته الذايبة. حاولت أخيراً إنها تحرر نفسها منه وتتحرك، لولا يدينه اللي مثبتها وكأنها بنته وخايفٍ عليها من الضياع. بس حركتها وعّته على نفسه عقب ما كان مستمتع وهو قريب لها لهالدرجة حتى الهوى مال للهوى مجال بينهم. ما يدري وش الجرأة اللي خلته يضمها له ويقرب لها زود ويكسر حواجز بينه وبينها. حاجز اليتيمة والصبي.

ابتعد بهدوء وكن عاد ما شبع. وحط عينه بعينها وقلبه يضرّب بعنف وكن دقاته صارت مسموعة. تنهد بصوت مسموع ومشى لإبريقه وبريقها، أخذهم ولف عليها بصوته الرجولي الاعتيادي: "خلنا نعوّد يالله. امشي." وعت على خطواته وهو يمشي ومعه الإبريقين. أسرعت تمشي لين وصلت جنبه، وكلٍ منهم يبين عليه الجمود بعكس ما بداخلهم من مشاعر غير مفهومة وجديدة! مشاعر حيّت وفاقت وارتوت وزادت عطش.

ابتعد عنها ببطء، والود وده يوقف الزمن ويدخلها بجوفه للأبد. ناظر عيونها لثواني. الثانية أصبحت دقيقة. ابتسم أول ما طرى على باله فكرة. قطع تفكيره وسجّته عايشة وهي تدفه عنها وأخذت نفس مصدومة وعصبت ولا تدري وش تقول: "أبك أنت وش تسوي؟ نايسٍ عمرك عيب عيب عيب احشم شنبك." حاتم يناظرها وما هو مصدوم من حركتها، ويدري اللي سواه غلط وما يجوز. عايشة أخذت نفس ووجهها أحمر. حاتم ببحة وحتى مهوب عارف يتعذر بوشّ:

"العذر والسموحة منك، والله إني ما وعيت غير وأنا... سكت شوي. عايشة ضحكت بخفة واستهزاء ومشت عنه، وما تنكر إن كل ما بها تلخبط، كل ما بها يرجف، وقلبها يدق بكل قوته اللي تكاد تشق صدرها. حطت الإبريق على الأرض جنب النار الشابة بقوة وتخصرت ونص جلابيتها تقطر. وقفت جنبها عايشة ومهيب أقل منها عصبية ودمها يفور ما تدري ليه! مع إنها ما كانت تبيه يتركها ولا يحررها من على صدره. تنهدت وهي تفكر وبالها مشغول، نزلت عيونها. عقدت حواجبها:

"زينة؟! وش بلا ثوبش يقطر ماء؟ زينة فزت ولفت بسرعة وبهمس: "بسم الله! ... أهلا هذا ماء انكب علي. إلا أنتي وينش به؟ عايشة تنهدت ونزلت راسها: "أنا رحت أتمشى شوي يا خيّتي، طاقني تسبدي." زينة ناظرت عايشة وهي تحس بوله لها. دايم فاقدة شي منها من جوا أهلها! دايم تحس بنقص. كانت تفضل الصمت وهي حاسة إن عايشة مرتاحة معهم، لكن؟!

اليوم عايشة مهيب تطمن لا حكيها ولا نظرتها ولا صوتها ولا شيٍ بها، مع إنها مفروض تكون فرحانة لأن أهلها حولها! وعرسها قرب. زينة بلطف: "عايشة؟! ويش بك يا ريحة أمي؟ عايشة حطت عينها بعيون زينة وميلت راسها وعيونها تلمع بضيق: "مدري زينة مدري علمي علمش، يمين إني أحس الأرض ما تاسعني من الضيقة." زينة انخطف قلبها وسحبتها من ذراعها لبعيد شوي لجل ترتاح وهي تتكلم معها.

زينة قعدتها على راس النفود وجلست جنبها وعيونها تراقبها وكأنها مجبورة. ابتسمت بهدوء وهي تعاينها بشوق ما ينوصف، بوله ماله حدود، وله لذيك الأيام اللي كانت بها عايشة الأم، الأخت، التوأم، الخوية، السند، الحنان والشي الوحيد اللي تداريه بحياتها. أيام كانت ترقد وتصحى بها وراسها على صدر عايشة ولا يهنا لها النوم بغيره. ناظرتها بحب، حب عميق لأنها ما عرفت أم بحياتها غير عايشة، ما عرفت أخت.

بثواني قامت تطري عليها لحظات مع عايشة ما تنسى. لحظات يمكن عايشة نستها! لا هي تعرف عايشة مهيب من اللي ينسى. مهيب من اللي يقسى. أكيد إنها خابرة ذيك الأيام، ذيك السنين، أيام ما كنّ يدوجن بسوق البادية ويتضحكن وما هنا نفودٍ ولا جبل حولهن ما صعدوه، وكلٍ منهن تعاون الأخرى. ابتسمت زينة وهي تدري ذيك الأيام ما انخلقت لجل تموت. ما صارت عايشة أمها وأختها وكل ما بها لجل تبتعد عنها!

أخيراً بعد هالدقيقتين اللي كان فيها الحوار بين زينة ونفسها، نطقت وهي تضعف عند عويش! كل الدنيا إلا هي! لدرجة صوتها يكاد يختفي من بحته أمام عايشة سندها وروحها الظاهرة، تكلمت وكأنها سنين عنها بشوق ولهفة: "عويش." (ضحكت بعيون دامعة بطبيعة زينة البريئة، وما هي إلا ثواني وتحولت الضحكة لعبرة. شفايف تقوست وبرز دقنها برجفة وأجهشت بالبكاء بعد شهقة!

للحظة اختفت بسمة عايشة أول ما ارتمت زينة بحضنها وحست قلبها يتناثر مثل هالنفود على كبره وثقله، إلا إن هبة الهوا تمحيه. وكأنها نقطة ضعفه، وهي زينة مع عايشة! نقطة ضعف: "زينة يا بعد أهلي وروحي وأنا... زينة فديتش وش بلاش... زينة يا بعدهم وخلَفهم!! أما زينة فكانت تشد عايشة وتحاول تخفض صوتها اللي أظهر ما كانت مخفيته من شهور، على الرغم من إن عايشة قريبة لها إلا إنها كانت أبعد من أمها وأبوها! صرخت ووجهها على صدر عايشة:

"عايشة... يمه، يمه يمه يا عزوتي وسندي والله إن الشوق ذبحني، ووينش أنتي ووينش يا قربش لي ويا بعدش يا أمي يا قربش لي ويا بعدش! وكأنها فهمت سبب شوق زينة اللي ما تنلام عليه، وشدتها وأبعدتها شوي عنها: "زينة يمه! وش بلاش!

أنا كم مرةٍ أقولش هالدموع ذي لا عادني أشوفها تنزل، تعرفين بكم هي ضحكش عندي، تدرين إني أشريها بدمي. وشلون هالدموع الغالية، لا يا زينة طلبتش لا عاد أشوفها، والله إني منيب بنت صقر لا شفتها عليك مرة أخرى، طالبش طلبة والله إن هالضحكة طبي أي بالله." زينة حطت كمها على عيونها وتمنع دموعها تنزل وتبلع عبرتها، ورفعت راسها لعايشة وهي ساكتة. عايشة علّقت عيونها بعين زينة. عضت شفاياها وابتسمت على شكل زينة!

وهي عارفة إنها لو زينة نطقت تبي تبتسي. معودتها عايشة ما تبتسي غير عندها، ولبعد عايشة عنها انفجرت أول ما اختلت بها. ضحكت ضحكة تبري الحال، وغمازتينها بانت تحت شفاتها المكنوزة، شبيهة اللوز، وسنونها المصفوفة. حضنت زينة وهمست بحنية: "وش في عيونش كذا؟ مغير ناقصها تفقّع من كود مهي مكتنزة ومحمرة. اضحكي أعنبو الفقر على قولة سعود هههههههههههههههههههههههههههههههههه." زينة عقدت حواجبها:

"ايه ايه خلش معهم، خلهم ينفعونش، لا وبعد ماخذة من حكاهم." عايشة ناظرتها. ردت زينة بسرعة وكأنها قمطت: "هو أدري إنهم أهلش وميخالف ما قلت شي بهم ونعم... عايشة ضحكت بخفة وكأنها نسيت همها بدون حتى لا تحس إنها قبل خمس دقايق كانت بضياع تام: "هههههههههههههههههههههههههههههههههه مير وأنا أختش هالسباهة والفهاوة متى تبي تنتهي من عندك؟ متى تبي تصير زينة الزين، والثقل والرزانة والغنج يا حي أنا أفداش هالدقيقة بس." زينة

رفعت يدها باعتراض ومزح: "هالحركات ما هي بتحصل إلا عند رجالي مهيب عندك، منتي نافعتني لا عندك عيال تبي تعرسيني ولا شي." عايشة: "ما تدرين، وبعدين تخبرين إن عندي عم الزين عنده والرجولة منبعه." زينة تطنز: "الزين عنده... أقول ارفعي علومش الرجال أكبر من أبوي." عايشة ولّعت وشمرت عن كمومها وضربت كتف زينة: "لا تقولين شيٍ عنه ولا سمح لك. هذا ريحة الغالي لا تطرينه ولا تفكرين به حتى، والله إني أنتفك بسنوني." زينة ردت لها الضربة:

"أبك لا تمدين يدك لا أكسرها الحين هالشايب تبدينه علي وأنا أرقد وأصحى معك... واستمر موّال مناقر زينة وعايشة مثل أول ما خبرناهم. خففت سرعة خطاها وهي شابة: "ووينهم وعمى، ما خليت مكانٍ ما دورت به، يعني الأرض انشقت ولهمتهم! شدعوا ما أخذوني معهن." نست كل شي من لمحته من بعيد حول الحلال ومنشغلٍ بهم. مشت له وتحاول تشبع ناظريها من زوله قبل يعودون للديرة: "مصعب! ابتسم وهو مدنق يبي يشيل العلف للحلال يطعمهن. تجاهلها ومشى.

طرطعت زوداً على ما هي عليه ومشت وراه و شافته ما لقاها بال. ضربت رجلها بالأرض: "زين زين يا قليل الخاتمة." مشت عنه ولف عليها بتمثيل ويده على راسه: "سهام! ارحبي." سهام لفت عليه: "الحين ارحبي! وأنا أناديك من شوي ما ترد وتسفهني." مصعب جلس على الصخرة: "يا بنت الحلال تعبان ومكروف، اعذريني يا بعدهم ما دريت عنك." سهام وقفت عنده وتناظره بطرف عين: "ما شاء الله وش بك! مصعب مكشر: "أبك من قمت وأنا أكرف." ابتسم وهو يناظرها:

"بس زولك يزيل التعب يا بري حالي عنه." وحط يده على كتفه بألم: "إلا وش فيك مختبة؟ سهام جلست جنبه وحطت يدها فوق يده: "وين يوجعك؟ مصعب غير مكان يده: "لا لا الكتف الثاني." سهام استغربت وحطت يدها عليه وتهّمزَه. صارت كأنها ضامته من كتوفه. مصعب كاتم ضحكته: "ايه ايه... زين إن به أحدٍ حنّ علي من أصبحت وأنا أشتغل. اقربي وش فيك مبعدة." قربش دواي. سهام ضربت كتفه بقوة: والله إني أنا الهبلة اللي معطيتك وجه. مصعب بيتكلم،

قاطعته: هالمهم ترانا بكرة راجعين. مصعب وقف وشكله جدي: وين؟ للديرة؟ سهام هزت راسها. مرّ المساء والهدوء مستوطن المكان. عايشة وزينة ردوا لأم عقاب وسهام وأم عايشة وأبو عقاب. مرت دقايق والنوم مثل كل يوم جافي العين، وكن بينه وبين عايشة خصام من سنين. نزلت عيونها لزينة اللي على صدرها نايمة بعمق وتعب. وسهام وأمها نايمين حول بعض. تنهدت على حالها كل ليلة وهي تكلم روحها: أبك أنا وش بالناس زودٍ بي؟

كلٍ له همّه ولابد من الضيق، وش بي أنا ما أذوق النوم؟

لفت لا إرادي لسهام وهي قريبة لأمها لدرجة ما تفصل بينهم نسمة الهوى. قامت بهدوء وطلعت من الخيمة بكبرها، وعليها جلابية روز لنومها لها دلعة واسعة، وشعرها متناثر على كتوفها وظهرها وصدرها بعشوائية. وهي ضايقة وولهة على قديم لياليها اللي كانت تقضيها مع أبوها. وياكم اشتاقت الروح لروحه اللي ارتفعت للسماء. وياكم اشتاق القلب لجسده اللي تحت التراب. كانت هي وأجزاء ذكريات من أبوها وروحه اللي تحاكيها بالسماء وليلة قديمة.

وصلت برجولها لعالي الجبل المقصود دوم، وتركت خيلها بأول الجبل وربطته بشجرة. جلست ولا حست بقسوة البرد مادام "الخيشة" اللي تحس بروح أبوها جواتها، وتحس بعد إن حضن أبوها محتويها ماهي بحاجة أكثر منها. جالسة بجمود وبيدها خيشتها اللي عمرها أكبر من عمر عايشة. وعينها على القمر باكتماله وكأنها تشاهد عتاب أبوها الولهان وعينها يملاها الغشاش.

فللت كل ما بالخيشة بحجرها وتقلب بيدينها الأغراض البسيطة واللي تعني لها الكثير الكثير حتى لو هو حياتها! ابتسمت وصارت تضحك وتناظر القمر وترجع تناظر اللي بحجرها (على رجولها) فتحت الأوراق المنظمة ومطوية بترتيب. آخر ما مسها يد حاتم، عقبها ما فتحتها عقب ذاك اليوم ولا زالت تحفظ كل حرف بها وطريقة كتابتها. والشقوق اللي على الورقة والخيط الصوف مربوط بها. طلع من الخيمة وراح يم النخل وغسل يدينه ورفع راسه وضيّقها

بتركيز وبصوت عالي: يا أبو راجح تعال تعال شف. طلع من الخيمة وثوبه الأسود عليه وغترته البيضاء متلثم بها. وعليه فروته السوداء قرب من عزام: سم، وش بغيت؟ عزام يأشر على خيل ما يوضح واجد لكنه معروف: هذا مهو كنه خيل عايشة؟ حاتم سكت شوي ولف على عزام: مدري يا حيي، امش خلنا نرقد البرد اشتد. عزام ابتسم بخفة وكان هذا بمثابة اختبار وظن إن حاتم نجح فيه لكن!

دخلوا وانسدح عزام على بطنه ودهن حاتم ظهره بمرهم والكدمة المزرقة بادية تخف وحاتم يدهنه ببال مشغول. لف له ظهره بشاش جديد وغطاه وانسدح بمكانه وعزام بمكانه. رفع حاتم ساعته ودقق فيها لثواني وصد للجهة اليمنى والهوى بوجهه. بعد ربع ساعة ولف حاتم ما قدر ينتظر أكثر. شاف عزام مسكر عيونه وهادي. فز من مكانه وسحب الفروة اللي تعتبر جزء من عايشة مخبيها عنده وركب خيله لأجل يوصل أسرع وحمد ربه إن خيلها لا زال موجود، يعني هي به!

فتح عيونه بخفيف وهو يتنهد كان يظن بأن حاتم تجاوز اختباره الأول وبسهولة. لكن ما درى إنه يتشوق ويتحرى ويخفق باختباره بذكاء. وصل ونزل من خيله وهو يلهث بتعب مع إن الخيل اللي يمشي به، لكن دقات قلبه كانت تركض تسابقه على دليلها. قرب لها بهدوء ووقف مكانه خلف شجرة بعيدة عنها شوي لكنه يطالعها كاملة وما ظهر منه غير ظله. وصار يطالعها كما الطفل المتشفق، الغيران، الولهان، العاشق بصمت.

فر عقله وهو يشوفها ما لبست غير جلابية خفيفة وشعرها متناثر يغطي نصفها. شوي يهوجس لا يدخلها برد، وشوي تخطر بباله فكرة إن أحد شافها! نزل الفروة من ظهر خيله وتعمد يظهر صوت. لكن شدة إنها ما لقت له بال. حاتم تنحنح بصوته الرجولي واقرب لها. وقفه صوتها. عايشة بهدوء: حياك يا حاتم. -ضحكت بخفة -رفيق الليل. حاول يتدارك موقفه ويضيع سالفتها مد لها فروة أبوها. وما عاد صارت ريحة أبوها بها. صارت ريحة حاتم مستوطنتها من كثر مهو يرقد

وهي بحضنه لريحة عايشة بها: لا عاد تظهرين بهاللبس. فزت أول ما لمحتها وقفت بسرعة وأخذتها منه وبسمتها تملى وجهها ورفعت عينها له وكنها عين الطفل: يا بعد حيي جعلني ما خلا والله يا حاتم تسلم. حاتم صد بعينه أول ما وقفت ولفح جسمها الهوى وشعرها رجع وبانت دلعة صدرها وحس بحرارة وجهه وجسمه كلها ارتفعت.

لبستها بسرعة وشعرها داخل الفروة. مسكت أطرافها وشدتها وضمت نفسها ورفعتها وهي تشمها بكل ما أعطاها ربي من القوة. ورفعت راسها له بنظرة يفهم معناها زين، نظرة ممنونة: من وين جبتها؟ حاتم ابتسم بخفة وهو يتأملها: عقب هالليلة وهو معي حافظه ومبديه على نفسي. عايشة: أصيل وما تقصر. بعد خمس دقايق من الصمت وعايشة تقلب بأغراض أبوها وحاتم متسند وراسه على الشجرة ولاف عليها بصمت حط يده على رقبتها. ارتجفت من برودة يده على نحرها.

ومسك شعرها وطلعه كله من تحت الفروة ولا زالت يده على شعرها وماد يده ويلعب بأطرافه وهو على كتوفها وتكلم ببحة هادية ببسمة: شحالش؟! لفت عليه بابتسامة: حالي يسرك، إلا تعالي ذكرتني ودي أنشدك! حاتم: سمي. عايشة: هالحين يوم إنك أنت وعزام تعودون للديرة وش عندكم؟ عزام به شي؟

حاتم كادت أن تنطق حروفه: تقولها أنا اللي بي بلاوي، أنا اللي ما قويت أنظر بن عمش وأهلش وهم جايين يطلبونش من أبو عقاب، أنا تعبان يا عويش أبي منش الدوى يا الدوا! لا أبشرش بخير بس تعب هالليلة وخذيته للمستشفى وهذا هو بخير إن شاء الله. عايشة ابتسمت بخوف: زين الحمد لله خفت لا يصيبك شي ما دريت إن عزام معك إلا يوم إني جيت أبسأله عنك وما لقيته. ابتسم وحس برغبة يضمها حيل ويدخلها بصدره وين حاله قبل قبل أسبوع وحاله ذالحين!

صارت تتحكم بمزاجه: عويش! لفت عليه: لبيه. حاتم من لمح عيونها واستوطنه صوتها من جميع الجهات. حس بضعف كانت ثواني أو لحظات ويبيح لسانه ما بالخاطر كله وببحة هادية: تراني يوم أقول لش لا تاخذينه مهب قصدي إن الرجال به عيب لا والله سعيد كفو ونعم فيه وينشد به الظهر. ضحكت: أنا أشهد وما يحتاج شهادتك فعوله شاهدة له. ناظرها بغيرة تجتاحه وحده: يعني لو قلت لش خوذيه! تبي تاخذينه؟ عايشة استغربت سؤاله وما تدري

ليه حست بنبرة صوته متغيرة: حاتم، هماي قايلتن لك إني أحسك مثل أبوي. وأبوي ماهو بحي الله أي أحد أحطه مكانه. وما حطيتك وما أعطيتك هالثقة إلا وأنا عارفة إنك كفو ومانت بتخليني بأشد ضيقتي. من الله تجيني مثل البرق أول ما تضيق بي الدنيا، صح إنك يوم عودت للديرة ويا عزام بغيت أتفجر من الضيقة والهوجاس. حاتم بخوف: علني تحت التراب كان عودت للديرة نوبة أخرى وما عندش خبر. عايشة

عقدت حواجبها بعصبية وحده: أستغفر الله ولا عاد أسمع تقولها يا حاتم طلبتك. صد عنها وملامحه مشتدة ولايم نفسه على روحته. عايشة: وهالحين أبقولك لو إنك تقول لي خوذيه بأخذه لأنه رجال وشاريني وأشوف هالشي بعينه ولإنك قلته. ولو إنك قايله لواحد ما يستاهل تبطي وتبطون ما أخذه بس سعيد ابن عمي وأعزه وشاريته لو بغاني. ومالي حاجة بذا هناك عندي بيت أبوي معززة مكرمة وأنت ما تدري عن كل اللي بالخاطر يا حاتم ما تدري وش تبي تكون عيشتي بذاك

-تنهدت بضيق -ولا عاد تطري هالسالفة ضايق تضيق خلقي. حاتم انجن وحس بحرارة جسمه ترتفع: ما قلتي لجدش أبو سيف؟ هزت راسها بلا: ما بعد قلت له. همس وبالغصيبة تطلع منه الحروف وابتسم: بنيتي تبي ترتاح معه؟ عايشة التزمها الصمت لثواني. هزت أكتافها بأمل وعيونها على السماء: يمكن. تنهد بدون صوت وغرس أصابعه بشعره من تحت غترته وشدده وأسنانه تشد القبض على شفايفه بتوتر. ولف عليها وهو يقوي نفسه بكل ما أعطاه ربي قوة.

مسك مؤخرة راسها وقربها له وطبع على جبينها قبلة حست بحرارتها تذيب دماغها. وصعد وطبع قبلة بأعلى راسها وهو يستنشق ريحتها وريحة شعرها ويحاول يحفظها عنده. رجع نزل على جبينها وحبها بخفة: الله يوفقش معه روحي يا عسى السعادة فالش. روحي عسى التوفيق فالش وفاله قلتها وأنا والله ما نيب أكونها روحي يا دلع يا براءة يا كل الأصالة ولو إنها .. ترحل ببقى مضمونها وأقفت تضوحك .. وثارت يوم قالت يا صقير امحي زمنا تراني حلاله

لكن والله إن يا أنا يا أنتي ويا أكونها أو ما أكونها

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...