* منذ اسبوع *
كان معاذ متكأ على مقعده أمام مراهقٍ، ربما يبلغ من العمر ١٧ عامًا، وكعادته كان يحمل دفتره وهو يتحدث بهدوء :
" أيوة يعني أنت هنا عشان حاسس أنك بتتعرض للتنمر ؟!"
" لا يا دكتور أنا هنا عشان اعرف طريقة احسن بيها درجاتي في الامتحانات ومحدش يقول عليا فاشل تاني"
صمت معاذ ثواني، ثم قال :
" يعني أنت مشكلتك في الدرجات ولا أنك فاشل ؟!"
" الاتنين، عايز ابقى ذكي اوي وباخد درجات عالية في الامتحانات، وبكده الكل يعرف اني واحد ذكي اوي "
رفع معاذ حاجبه بتعجب :
" طب ما تاخد دروس يا حبيبي، خد دروس في المواد اللي أنت ضعيف فيها وذاكر، ذاكر وربنا هيكرمك، أنت مش محتاج دكتور نفسي أنت محتاج مدرس خصوصي "
وبدا التذمر والحنق واضحًا كوضوح الشمس في كبد السماء حينما تشدق الصبي :
" يعني انا جايلك يا دكتور عشان تقولي خد دروس ؟! انا جايلك عشان تحللي مشاكلي مع الفيزياء والنحو "
ضرب معاذ كف بكف وقال :
" يابني وهو أنت جاي لاينشتين ؟! ولا ابو الاسود ؟! اذا كان أنا نفسي كنت شايل فيزياء في ثانوية عامة وامتحنتها دور تاني والنحو ده عملتله ورقتين قبل ما ادخل اللجنة، يعني أنت جاي للشحص الغلط اساسا "
اعتدل الصبي في جلسته وقال بلهفة :
" بجد يا دكتور يعني رغم أنك سقطت في المادة وغشيت بقيت دكتور، يعني فيه امل ابقى أنا كمان دكتور ؟؟"
قال معاذ بغيظ منه ومن تفكيره الغبي :
" هو ده اللي طلعت بيه من كلامي ؟؟ بدل الفلوس اللي دفعتها عشان تجيلي كنت روح خد مجموعة تقوية، ولا اي حاجة تزق معاك ام السنة دي "
قال الصبي مصرًا :
" بس انا فاشل "
" وغبي، أنت فاشل وغبي والله"
كانت كلمات اضمرها معاذ في نفسه خيفة تدمير هذا الصبي الذي يبحث عن ابسط الطرق ليصبح بطلًا خارقًا في خمس دقائق :
" طب ما تذاكر، مفكرتش تذاكر قبل كده ؟! يعني من باب التغيير ؟!"
" فكرت يا دكتور بس لقيت أن الموضوع مش بيجيب نتائج سريعة وانا عايز اثبت اني ذكي بسرعة والمذاكرة بتاخد وقت "
صمت معاذ قليلًا، ثم قال بكل جدية :
" يابني وهو أنت جاي لساحر؟! أنا طبيب نفسي، لا إله إلا الله، طب اقولك ... أنت الحل بتاعك أنك تشتغل اسيسنت مدرس ثانوي، منها تطلع عقدك على كل العيال وتردلهم اللي كانوا بيقولوه ليك، ومنها تحتك بالمدرسين فتلقط منهم أي كلمة تفيدك، وربنا يتولاك في ام السنة دي، وابقى تعالالي بعد سنتين اعمل متابعة على حالتك "
* في الوقت الحالي *
كانت سلمى تستمع حديث زوجها بصدمة، وبمجرد انتهاءه تشدقت بشفقة ولوم :
" حرام عليك يا معاذ، ليه تحطم معنويات الولد كده ؟!"
" احطم معنوياته؟! أنا لو اطول كنت حطمت عضمهُ عضمة عضمة، ده بيدلع بدل ما يفكر في حل لمشاكله ويذاكر ويتعب على نفسه بيختار الطريقة السهلة وهي أنه يقنع نفسه أنه مظلوم والكل جاي عليه وأنه محتاج علاج نفسي "
صمتت سلمى قليلًا تدير حديثه في رأسها ومن ثم قالت :
" عندك حق يا معاذ، بس يعني أنا شايفة لغاية دلوقتي أن كل الحالات دمها خفيف "
نفخ معاذ وقال :
" دمها خفيف ؟! والله أنتِ رايقة، ده انا قربت اعتزل المهنة بسببهم"
ضحكت عليه سلمى بصوت عالي :
" طب كمل، الموضوع طلع مسلي اوي اوي، كمل "
ونظرة حنق كانت ابلغ ردٍ من زوجها حول مقدار تهكمه لاستمتاعها بمعاناته :
" معاناتي طلعت مسلية ؟؟"
" اه والله، كمل بقى "
اقترب منها معاذ يهمس لها بحنان :
" طب مش هتدي معاذ حبيبك جايزة كده عشان بيضحكك زي ما ابو هشيمة بيضحك ياسمين صبري ؟!"
نظرت له سلمى قليلًا قبل أن تميل عليه مانحة إياه قبلة أعلى وجنته، ومن ثم ابتعدت وهي تردد :
" يلا كمل "
ورغم أنه من المفترض له الغضب مما فعلت، إلا أنه لم يملك سوى أن يبتسم أمام نظراتها المتحمسة والمترقبة، امسك يديها يحرك أصابعه على باطن كفيها بحنان :
" طب اسمعي يا ستي، من اربع ايام كده جاتلي حالة زي اللي قبلها ويمكن اغرب ..."
* قبل أربعة ايام*
كانت السيدة تجلس أمام مكتب معاذ تبكي وتولول كم فقدت عزيزًا أو تهدم معبدها أعلى رأسها، تبكي وتمسح دموعها وانفها بمناديل ورقية يمدها بها معاذ نفسه، حتى أصبح مكتبه أشبه بمكب نفايات لكثرة المناديل الملقية ارضًا .
تحدث معاذ وهو يعطيها منديل آخر :
" متعيطيش يا ختي مفيش حاجة تستحق العياط ده، صحيح رجالة ميجيش من وراهم غير الهم "
سحبت السيدة منه المنديل وقالت بانهيار :
" أنا لغاية دلوقتي مش مستوعبة اللي حصل يا دكتور، تخيل بعد كل سنين الجواز دي يعمل فيا كده ؟؟"
" لا ازاي ملوش حق، أنتِ لازم تطلقي منه "
رفعت السيدة رأسها بفزع لمعاذ وقالت :
" اتطلق ؟!"
" أيوة طبعا، يعني جوزك بقاله يومين بيصحى من غير ما يقولك صباح الخير يا بيبي وتسكتي ؟؟ بكرة ينام من غير ما يقولك تصبحي على خير يا عيوني "
انفجرت السيدة في البكاء وقد افزعتها تلك الفكرة :
" صح عندك حق يا دكتور، أنا ازاي مفكرتش في الموضوع ده ؟؟"
سحب معاذ منديل آخر يعطيه لها وقال :
" عشان أنتِ حاليا جوا دايرة المشكلة فمش عارفة تفكري غير فيها، على العموم يا مدام دي مشاكل معروفة بين المتجوزين، فمتخافيش كل مشكلة وليها حل "
حدقت به السيدة وقالت بلهفة :
" Really doctor?"
" Really يا مدام "
صمت قليلًا، ثم قال :
" هسألك شوية أسئلة وعلى حسب الأسئلة دي هنحدد حجم المشكلة ونعالجها، جوز حضرتك عمره نسي أي مناسبة من المناسبات اللي بتنكدوا بيها على الرجالة يعني عيد ميلادك عيد جوازكم عيد تحرير سيناء أو عيد العمال، أي عيد ؟؟"
هزت السيدة رأسها نفسيًا وقالت بحسرة :
" لا يا دكتور عمره ما حصل، وده اللي مخليني مصدومة لغاية دلوقتي من اللي حصل "
سألها معاذ :
" طب الفترة الأخيرة بيهملك ؟! يعني بيقضي وقت كتير خارج البيت، مش بيعاملك نفس معاملة زمان ؟!"
" لا خالص كل حاجة زي العادة، هو بس مش بيصحيني قبل ما يمشي ولا بيقولي صباح الخير ولا حتى بيحضني ويقولي love you honey"
" اه طالما وصلت لكده يبقى فعلا الموضوع خطير، طب بصي يا مدام بناءً على كلامك فمشكلة جوزك كلها بتتلخص في فترة الصبح وبيمشي من غير ما يودعك صح ؟!"
اماءت له رأسها بايجاب فقال معاذ :
" تمام يبقى الحل مع المشكلة دي أنك تصحي قبل جوزك وتقوليله أنتِ صباح الخير و بكده نكون حصرناه في الزاوية و هو هيضطر يرد الصباح عليكِ وبكده يكون الموضوع اتحل "
* في الوقت الحالي *
أنهى معاذ قص ما حدث متعجبًا عدم ضحكها هذه المرة اوتعليقها، بل كانت ملامحها شاردة وجامدة بشكل غريب :
" ايه مالك بتبصي ليا كده !!"
رفعت سلمى حاجبها وقالت بتحفز :
" أنت عمرك ما قولتلي love you honey "
" بس انا بقولك صباح الخير "
هزت رأسها وقالت بعناد :
" أيوة بس مش بتحضني وتقولي love you honey "
فكر معاذ وقال :
" لا دي مشكلة خطيرة فعلا، يبقى تيجي معايا للدكتور النفسي عشان نشوف حل في الموضوع ده "
لوت سلمى ثغرها بعدم رضا :
" مظنش أن الجرح بتاعي محتاج دكتور نفسي، أنا جروحي أعمق من كده "
رفع معاذ حاجبه وقال :
" امال جروحك محتاجة ايه ؟!"
" محتاجة كيلو رنجة وبصل اخضر "
نهض معاذ من مكانه وهو يرمقها بحنق وتهكم :
" لا خلي جروحك بدون علاج لغاية ما تلتهب، قال كيلو رنجة قال "
أنهى حديثه متجهًا صوب غرفتهما بينما سلمى أطفأت النيران من أسفل الطعام تلحق به وهي تترجاه بلطف :
" طب استنى طيب، تعالى كمل القصص يا معاذ، اصبر بس يا معاذ "
دلفت خلفه الغرفة تردد بإصرار :
" كمل بقى الحكايات بتاعتك "
رفع معاذ حاجبه وقال :
" مش هناكل ولا ايه ؟؟"
" الاكل موجود مش هيطير احكي بقى "
ابتسم معاذ وهو يبدل ثيابه، ومن ثم تحرك صوب فراشه، يتسطح عليه براحة كبيرة، جاذبًا سلمى لاحضانه بحب وهو يقول :
" نسيب الحكايات لبكرة أنا عايز نقعد في هدوء شوية سوا ..."
نظرت له سلمى بتعجب :
" نقعد سوا في هدوء ؟؟ على أساس أن احنا حياتنا كلها مش هدوء ؟!"
" لا هدوء، بس انا وحشني اني افضل قاعد اتأمل ملامحك كده من غير كلام "
ابتسمت سلمى باتساع، تستند جوار جسد زوجها على مرفقها، ثم أخذت تعبث بخصلاته الفحمية وهي تهمس :
" وأنت برضو بتوحشني كتير لما بتغيب في العيادة يا معاذ "
" اقفل العيادة لو تحبي يا قلب معاذ "
أطلقت سلمى قهقهات عالية وهي تلقي بنفسها بين أحضانه، ثم استندت برأسها أعلى منطقة قلبه تردد بحب :
" لا خليها، القصص بتاعتها بتسليني"
ابتسم معاذ وهو يتلاعب في خصلات شعرها، وعم صمت طويل بينهما استرجع فيه معاذ كيف التقى يسلمى وسقط لها دون رغبة في النجاة، وكيف نالها وفاز بها بعد قتال، والان ها هي تسكن أحضانه بكل استكانة ...
أخرجه من أفكاره صوت سلمى وهي تردد بخفوت :
" معاذ أنت نمت ؟!"
" لا لسه "
ابتسمت وهي تضمه أكثر :
" طب يلا كمل الحكايات "
تنهد معاذ بصوت مرتفع، ثم ابتسم لها بحب :
" طيب اسمعي يا ستي "
_______يتبع________
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!