الفصل 4 | من 19 فصل

رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
98
كلمة
7,411
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

*الفصل ده يعتبر بداية الأحداث والمغامرات اللي بجد، يعني ممكن نعتبر اللي فات مجرد تمهيد للي جاي .......*

*********

قال بعض السلف: "إذا زلزلت الأرض فإن ربكم يستعتبكم" فاللهم إنا نرجو عفوك ورحمتك.
اللهم اشف المصابين وارحم كل من ماتوا برحمتك الواسعة.

دعواتكم لكل شخص طاله أذى من الزلزال اللي حصل، اهلنا واخواننا في شرق سوريا، وجنوب تركيا.

صلوا على نبي الرحمة .....

_____________________

فتح كريم عينه بقوة وهو يدقق النظر في فوهة المسدس يحاول اخراج كلماته، فهذه هي المرة الأولى التي يرى بها سلاح حقيقي عن قرب لهذه الدرجة، وليس أي قرب بل أمام جبهته مباشرة ...

" هو فيه ايه ؟! أنتم ماسحين ولا ايه ؟! أنا كنت هقلع الجذمة والله "

كان كريم يتحدث ببلاهة وهي يتراجع خطوات قليلة، وما كاد يفعل حتى وجد يد انطونيو تمسك بتلابيل ثيابه وهو يصرخ بجنون :

" مالك وروما يا هذا ؟!"

أجابه كريم بعدم فهم وخوف من السلاح وداخله يحاول معرفة ما مشكلة هذا الرجل مع عاصمة ايطاليا  :

" روما ايه ؟؟ أنا عمري ما خطيت روما والله، ولا خرجت من مصر و آخر مرة فكرت اسافر فيه اساسا الطيارة انقلبت بيا "

لم يفهم منه انطونيو شيء لكن اثار حفيظته تكرار كلمة روما في حديثه؛ لذا تشدق بالإنجليزية وبعنف شديد :

" وتتجرأ لتردد اسمها ؟!"

أجابه كريم سريعًا :

" مش فاهم ايه المشكلة؟ هو ممنوع ننطق اسمها ولا ايه ؟! ما أنا معرفش حضرتك، محدش بلغني، بعدين دي مدينة عادي، مظنش يعني لما حد بيقول القاهرة بنرفع عليه السلاح"

صمت وهو يبتلع ريقه يحاول أن يوضح حديثه لانطونيو :

" أعني أنا لا أدرك ما المشكلة التي تتعلق بالعاصمة الخاصة بك لتتصرف معي بعنف هكذا   "

ضيق انطونيو عينه وهو يتحدث بشكل مثير للرعب :

" وما ادراك أنت بأمر العاصمة  ؟!"

" وهو ده موضوع يستخبى برضو ؟! ادخل بس على جوجل واسأله ايه هي عاصمة ايطاليا هتلاقيه كاتبلك روما و..."

توقف عن الحديث وهو يرى نظرات انطونيو المخيفة :

" طب هي روما دي ليها معنى تاني عندكم غير العاصمة ؟؟ يعني هي شتيمة ولا ايه حكايتكم ؟! ما تروحوا تحلو مشاكلكم مع المجتمع الدولي وتغيروا اسمها "

نفخ جاكيري بحنق وهو ينظر لما يفعل أخوه والذي من المفترض أنه أكثرهم هدوءً وتعقلًا :

" انطونيو ما بك ؟؟ ألا يوجد بهذا العالم من تُسمى روما عدا زوجتك العزيزة ؟؟ دع الشاب وشأنه "

لكن انطونيو في هذه اللحظة لم يكن من التعقل الذي يسمح له بسماع حديث اخيه، يتذكر جيدًا صياح روما خلفه أنها تريد المجئ معه وهو من رفض لترمقه بحنق شديد، وعند سماع ذلك الشاب يتلفظ باسمها بهذا الشكل لم يطرأ على باله عدا أنها لحقت به وهذا الشاب أمامه يتحدث لها ....

جنون ؟! نعم جنون وتخيلات غريبة، وربط احداث اغرب، لكن شخص كانطونيو في غيرته وتملكه لروما، سيثير اسم زوجته من فم رجل آخر انتباهه وبشدة، ليلغي عقله ويحل مكانه صخره، ويصبح كما وصفه اليخاندرو سابقًا ( كائن بدائي عندما يتعلق الأمر بروما )

" اسمع يا رجل، لا أحد بهذا العالم يتعدى على حدودي الخاصة، وروما ليست مجرد حدود خاصة لي، بل هي أكثر من ذلك "

فتح كريم عينه بشدة وهو يحاول فهم تلك الكلمات الإيطالية المتقاذفة من فمه، لكن لم يصمت وهو ينتزع يد انطونيو من ثيابه متحدثًا بحنق شديد :

" أنت يا هذا تحدث معي بلغة افهمها ودعك مما تفعل، أنا لا ادري ما جنيته لتتعامل معي هكذا، لكن ما أعلمه هو أنني لن اقبل منك أن تتصرف معي بوقاحة كهذه أبدًا . "

انتهى كريم من كلماته وهو ينفخ صدره أكثر وأكثر، رافعًا رأسه حتى كادت رقبته تنفصل عن كتفه، بينما الجميع يرمقه بترقب قبل أن يعلو في المكان صوت صافرة خارجة من فم ادهم الذي أخذ يصفق لصديقه ويشجعه :

" بارك الله فيك يا ابو يوسف، كفيت ووفيت يا حبيب اخوك، هما الأجانب كده عايزين اللي يديهم على دماغهم بالجذمة، عشان يعرفوا بس إن مش كل الطير اللي يتاكل لحمه"

انتهى من حديثه وهو ما يزال يصفق بيده سعيدًا، قبل أن يسمع الجميع صوت رصاصة خرقت الأجواء ليصرخ ادهم وهو يضم زوجته له برعب ينظر حوله ليجد أن مصدر تلك الرصاصة ليس من انطونيو كما توقع، بل من ذلك الشاب الآخر الذي يتوسط اريكته بكل أريحية ....

ابتسم فبريانو بسمة جانبية وهو يحرك سلاحه بين يديه بعدما أطلق رصاصة لتهدئة الأجواء، ثم نهض وهو يتحرك صوب أدهم متحدثًا بجدية :

" أشعر أن حديثك يتضمن إساءة سيد ادهم "

اتسعت بسمة هالفيتي بقوة وهي تنظر لادهم مرددة بفخر بينما يدها تضرب كتفه بخفة :

" شوف الهيبة، عيني عليه باردة الواد زي العسل بالجاكت الجلد الأسود، عقبال ما اشوفك زيه يا ادهم "

نظر لها أدهم بتشنج :

" محسساني أنه لابس بدلة فضاء ليه؟! بعدين ايه المميز في الجاكت الجلد الاسود اللي مسكاه ليا من الصبح؟؟ "

" ايش فهمك أنت في اللبس؟! أنت مش شايف الطقم التيفال ده ؟! ده الاسود هياكل منهم حتة "

أنهت حديثه ثم اتبعته بحركة نتخسرة من شفتيها وهي تردف :

" مش لو كنت اتربيت معاهم كان زمان واحد فيهم اتجوزني من باب صلة الرحم حتى "

ولم تكد تنهي جملتها حتى وجدت ادهم يمسك ثيابها بشر وعينه تطلق شرارًا :

" احنا اتفقنا على ايه قبل كده يا ام فتحي ؟!"

نظرت له هالفيتي بريبة وهي تبتلع ريقها :

" إن إحنا نقلل نوتيلا ومخلل ؟!"

" لا قبل النوتيلا والمخلل، مش اتفقنا إن ربنا يتوب عليك وتبطلي تبصبصي لأي واحد معدي من قدامك "

هزت هالفيتي رأسها بنعم وهي تردد بضعف :

" حصل يا ادهم، بس ...بس أنت شايف بنفسك، الواحد ضعيف قدام كل ده، والنفس أمارة بالسوء يا ابو قاسم "

كاد أدهم يجيب لولا سماعه لصراخ كريم، استدار فجأة ليجد كريم يركض وهو يصرخ أن يساعده ويقفز على الأريكة وأمامه ذلك العملاق قريب هالي الذي يرمقه ببرود مثير للرعب دون حتى أن يحرك إصبعه، يصر أن يقتله وينتهي منه .

صرخ كريم في وجه ادهم :

" يا عم ما تشوف قريب مراتك المتخلف ده، هو عايز مني ايه؟! "

نظر له ادهم وهو لا يفهم شيء :

" يمكن شكلك معصبة يا كريم، طب جرب تقلع النضارة كده "

نظر له كريم بشر :

" وقته هزارك ده يا سفيه "

ضحك ادهم باستمتاع عليه وهو ينظر لانطونيو يحاول التحدث لأجل معرفة ما يريده، لكن قاطع ذلك صوت كريم وهو ينطق بتلك الكلمة التي أثارت غضب الثور مجددًا :

" روما ....."

________________

كانت تقف في مطبخها وهي تنتهي من وضع اللمسات الأخيرة على الطعام، حينما شعرت فجأة بصوت خطوات تقترب منها، ارتسمت على فمها بسمة واسعة وهي تحاول أن تتظاهر أنها غير منتبهة لتلك الخطوات التي تتسحب وفي رأسها تجهز نفسها لاستقبال مفاجأة زوجها لأجل عيد ميلادها.

أبعدت منة شعرها عن عينها  تغلق النيران أسفل الأواني، ثم تنفست ببطء تتحفز لضمة شادي من الخلف أو حتى همسته بـ ( كل عام وانتِ بخير ) لكن وبعد انتظار دقيقة وتوقف صوت الخطوات عن التحرك، لم تحصل منة على شيء، رفعت حاجبها وهي تستدير ببطء وتنظر من اعلى كتفها لتبحث عن شادي وترى أين وصل في محاولته لمفاجئتها...

لكن كل ما رأته هو شادي الذي يقف أمام الثلاجة وهو يحمل طبق في يديه يتناول ما فيه بنهم وهو يرمقها باستنكار :

" أنتِ كنتِ نايمة ولا ايه ؟؟ بقالي ساعة واقف هنا وأنتِ مش بتتحركي "

شعرت منة في هذه اللحظة بأمالها تتحطم :

" أنت بتعمل ايه ؟؟ "

نظر شادي ليده بتعجب :

" بعمل ايه يعني، باكل رز بلبن لغاية ما تخلصي الغدا "

" بتاكل رز بلبن ؟! أنت بتهزر ؟!"

تعجب شادي حديثها، ليمد يده بالطبق أمام عينها التي امتلأت حسرة :

" لا والله مش بهزر، اهو رز بلبن، ده أنتِ اللي عملاه امبارح، بس المرة الجاية يا منة ابقي كتري مكسرات على الوش أنا بحبها اوي "

صمت وهو يرى ملامح زوجته تنقلب ١٨٠ درجة في لحظة واحدة، ليشعر بوجود خطب ما لذلك سارع في تصحيح ما قاله :

" بس هو عسل يا حبيبتي كفاية أنك أنتِ اللي عملاه"

نظرت له منة ثواني دون رد وهو صمت لا يعلم ما يجب قوله، ولا يدري سبب نظراتها تلك، لكنه لم يفعل سوى أنه اكمل تناول الحلوى أمامه لكن ببطء وتحفز، حيث كان يأكل وهو يثبت عينه على زوجته التي تحركت خارج المطبخ فجأة ودون مقدمات بشكل جعله يفتح عينه بعدم فهم ...

" هي كانت مخبية الطبق ليها وانا أكلته ولا ايه ؟؟"

ثواني وعادت منة للمطبخ وهي تمسك بورقة بين يديها تحتوي تاريخ اليوم ترفعها أمام عين شادي الذي كان ما يزال يتناول الحلوى بتعجب من أفعالها...

" انهاردة ايه يا شادي "

" انهاردة الحد "

" ايوة يعني ايه بقى ؟؟"

كانت تتحدث بتحفز والغضب يتقافز من بين احرفها، ليجيبها شادي بغيظ مما تفعل :

" يعني المفروض حضرتك تكوني طابخة ليا الرز والفاصوليا اللي بحبهم يا منة، ولحد دلوقتي واقف بصبر نفسي برز بلبن ومن غير مكسرات كمان"

ألقت منة الورقة ارضًا وهي تصرخ في وجهه :

" لا يا محترم انهاردة عيد ميلادي، عيد ميلادي اللي حضرتك نسيته خالص يا شادي "

فتح شادي عينه وفمه بصدمة كبيرة وهو يردد بذهول :

" عيد ميلادك ؟!"

أجابته منة بدموع وتأثر:

" ايوة يا شادي عيد ميلادي اللي أنت تجاهلته خالص ومفكرتش حتى تقولي كل سنة وأنتِ طيبة يا موني "

صاح شادي بحنق شديد :

" طب وده كلام يا منة، سيباني أكل الرز بلبن وانهاردة عيد ميلادك ؟! اجيب منين مكان للتورتة دلوقتي ؟!"

هنا وفاض الكيل لمنة التي صرخت صرخة واحدة في وجه شادي وهي تركض خارج المطبخ صارخة ببكاء :

" طب والله لاروح اقول لشادية يا شادي، عشان انت خلاص مدة صلاحيتك انتهت وبدأت تبوظ مني "

نظر لها شادي وهي تخرج ليصرخ في أثرها :

" ده سوء تخزين يا ختي "

صمت ثواني وهو ينظر لطبق الارز بلبن قبل أن ينتفض في وقفته صارخًا أثناء ركضه صوب الباب بعدما سمع صوت غلقه بعنف :

" لا منة اصبري متقوليش لشادية حاجة، بت اسرار بيتنا وعيلتنا يابت "

لكن كانت منة قد هبطت وانتهى الأمر ليركض خلفها شادي وهو يصرخ :

" استني والله كنت فاكر وبهزر معاكِ والله جبتلك هدية يا منة اصبري، هشرب سفن واهضم الرز بلبن تعالي بس ..."

___________________

في منزل ادهم كانت المعركة محتدمة بين كلٍ من كريم وانطونيو وادهم يحاول أن يدافع عن صديقه، في حين أن هالفيتي لا تدري ما يحدث وكذلك مريم التي جاءت لتعطي كريم هاتفه بعدما هبط ليطمأن على ادهم ...

" يا عم أنت متخلف ؟! ايه يا ادهم العيلة الهبلة اللي مناسبها دي ؟! "

كان كريم يصيح ويصرخ من أعلى الأريكة يحاول أن يفهم ما حدث، فبعدما هدأ انطونيو نسبيًا، انتفض فجأة بشكل جنوني جعل الجميع يرتاب منه ..

بينما ادهم كان ينظر لانطونيو بسخرية :

" اهو اللي حصل يا كريم يا خويا، أنا قولت اهي عفريتة اخرها مصباح واحبسها فيه لو عملت قلق، لقيتها دخلتني في مافيا وعصابات وشغل افلام اجنبية، ومش فاهم حصل أمتى وازاي ده كله، البنت كنت واخدها كل عيلتها متبرية منها ماعدا عمها "

اقتربت هالفيتي من جاكيري وهي تهمس له بصوت منخفض متجاهلة كل ذلك الصراخ والتحطيم حولها :

" بقولك يا اسمك ايه أنت، هو الطونيو عنده مرض نفسي ؟؟ مرات خالي مكانتش بتوكله فراخ وهو صغير ؟؟"

نظر لها جاكيري بعدم فهم لتسترسل هي بجدية :

" اصل خلي بالك العنف الزيادة ده بيكون ناتج عن قلة الحنان في فترة الطفولة، يعني ممكن تكون خالتي ام الطونيو كانت بتدي اخواته الورك وتديله هو الصدر "

حرك جاكيري عينه في المكان يحاول البحث عن فبريانو ليخبره ما تريده هالفيتي ظنًا منه أننا تتحدث في أمور هامة، بعدما نسي إحضار سماعة الترجمة الخاصة به معه، لكن كل ذلك لم يمنع هالفيتي عن إكمال حديثها والصرخات تعلو من حولها أكثر وأكثر :

" عندك أنا مثلا باخد أنا و الواد قاسم ابني الورك، ونأكل ادهم الصدر، عشان كده تلاقيه هو كمان معقد نفسيا ونرفوز، تخيل مرة قعد يزعق عشان جبت بخمسين جنيه حرنكش ؟؟ "

صمتت قليلًا ليتنفس جاكيري الصعداء وهو يظن أنها واخيرًا انتهت من الحديث والثرثرة،. لكن لم تستلسم هالي وهي تقول :

" تعرف إن شاكر ابو كريم اسمه حرنكش ؟! اصل شادية حكتلي أنه مرة وشاكر لسه شاب ...."

وهكذا لم تتوقف هالفيتي عن الحديث جوار أذن جاكيري الذي كان يحاول التقاط أي كلمة منها تخبره ما تريده، يشعر بالحيرة وهو يريد من يترجم له، فبالطبع هي تحتاج لشيء هام، فهي تتحدث منذ وقت طويل، هل يعقل أنها تحتاج مساعدته لشيء ما؟ !

فكر جاكيري وهو يلمح فبريانو الذي كان يراقب كل شيء ببسمة واسعة ينتظر الفرصة المناسبة حينما تهدأ الحرب، لينهض هو ويشعل فتيلها مجددًا .

تحدثت مريم وهي تقترب من الجميع تتوسط المكان بين كريم وانطونيو بشجاعة منقطة النظير :

" خير يا استاذ شايف نفسك علينا ليه ؟! ولا اكمنك بتبص للناس كلها من فوق فهتعملهم علينا ؟!"

صُدم كريم من شجاعة مريم اللحظية والتي أخذت تتراجع حينما وجدت رأس انطونيو تتحرك نحو وجهها .

نظر انطونيو لمريم ثواني قبل أن يبعد عينه عنها، ثم تجاهل ما يحدث وقد قابل بعينه تلك الروما وتأكد أنها ليست روما خاصته، فهذه هي نفسها الفتاة التي دخلت حينما نطق ذلك الشاب باسم روما، لكن كل ذلك لم يمنعه من رفع إصبعه بتحذير :

" اياك ونطق ذلك الاسم مجددًا بهذه النبرة المحببة "

كاد كريم يفتح فمه ليجيبه، لكن قاطع كل ذلك اندفاع شادي الذي اقتحم المكان بعدما سمع صراخ وشجار قادم من منزل ادهم، ليعتقد أن تلك العصابة من المشفى قد عادت، فأمسك العصى وتحرك نحو منزله ركضًا وهو يضرب الباب _ المفتوح سابقًا _ بقدمة ليرتطم في الجدار بقوة أكبر جعلت ادهم يفتح عينه بشر وصوت شادي يرن صداه في المكان ملوحًا بالعصى :

" فيه حاجة يا ادهــ "

ولم يكد يكمل جملته حتى وجد أربعة أسلحة تتوجه صوب رأسه دون مقدمات، مما جعل شادي يتراجع للخلف وهو يقول :

" فيه ايه يا باشا ده انا كنت جاي اصلح رجل الكنبة المكسورة، حتى أسأل ادهم "

لكن لم يهتم أحد بكلمات شادي ولم تتحرك الأسلحة من أمام وجهه مما جعله يصرخ برعب :

" يا ادهم قولهم اني معرفكش، ياباشا والله انا اساسا مش بطيقه، أنا بس كنت مصاحبه عشان سندوتشات اللانشون اللي كان بيجيبها في الحضانة، وابويا اساسا مش بيطيق حد فيهم ودايما يقولي يا شادي يا ابني سيبك من صحبة السوء دي  "

انزل فبريانو سلاحيه مرددًا بجدية :

" حسنًا الأمر مرهق، أن تكون محاطًا بهذا القدر من الغباء لهو شيء مرهق وبشدة "

نظر شادي صوب شادية التي كانت تسجل كل شيء بهدوء شديد وبسمة واسعة :

" هما دول الشباب اللي خايفة على مستقبلهم مننا ؟؟ دول الناس البريئة اللي خايفة يختلطوا بالمجرمين ؟! بتصوري ؟! صوري صوري"

ابتسمت شادية باتساع وهي تسجل كل ما يحدث :

" يا خويا سيب الشباب تشوف شغلها، أنت مش شايفهم بسم الله ماشاء الله متألقين ازاي، كمل يا حبيبي كمل ربنا يباركلكم يارب "

صرخ شادي وهو يبتعد عن فوهة السلاح :

" يباركلهم ايه يا شادية ؟؟ هما بيطعموا مسكين، ولا بيكفلوا يتامى؟؟ دول رافعين سلاح على حفيدك"

صرخ كريم في المقابل بغضب شديد وهو يهبط من الأريكة يلوح بيده في الهواء :

" جرا ايه يا عم منك ليه، هو مفيش حد مالي عينكم ولا ايه ؟؟ أي بني آدم يدخل من الباب ترفعوا عليه السلاح، ولا كأننا داخلين نفجر نفسنا في السفارة"

نظر بعدها لادهم صارخًا:

" جرا ايه يا ادهم مش معاملة دي، ده احنا في بيتك حتى "

نظر أدهم للثلاثة ليرى ملامح الإجرام واضحة على الوجوه؛ لذلك تراجع وهو يقول ببسمة غبية :

" وبيتي وبيتهم ايه يا كريم ؟! ما هو بيت بنتهم برضو خليهم ياخدوا راحتهم، اتفضل ياباشا شوف شغلك ولو خلصت عليهم بدري أنا ممكن اروح اجبلكم سليم "

صاح شادي غير مصدقًا :

" تصدق يا ادهم أنك كل مادا بتسقط من نظري ؟ دي تاني مرة تبيعني فيها في نفس الأسبوع، أنا مشوفتش حد واطي قدك  "

لم تصمت هالفيتي عن حديث شادي لتهب مدافعة عن زوجها بكل ما تمتلك :

" لا لو سمحت مسمحكلش، جوزي مش واطي ابدًا، هو ممكن يكون عصبي ورخم وأيده طويلة وقموص ومعندوش دم ساعات، بس عمره ابدا ابدا ما كان واطي "

حدق بها أدهم في سخرية :

" ياريتك كنتِ سيبتيني واطي على الأقل ارحم من كل ده"

تدخلت شادية في كل ذلك الحوار وهي تصيح بصوت مرتفع وغيظ :

" مريم اتحركي يمين شوية، كده الشاب ابو كوتشي ابيض مش باين "

مسح انطونيو وجهه وقد بدأت رأسه تؤلمه من كل تلك الأحاديث والضوضاء، لم ير في حياته جنون كهذا، هؤلاء الرجال يثيرون به كل خلاياه الإجرامية؛ لذلك ودون أن يشعر خرج منه صوت جهوري مخيف اصمت الجميع :

" فقط اخرسوا جميعكم ....."

_________________________

تجلس في الغرفة أمامه تراه منكس الرأس يفكر في حديث أبناء خالها منذ قليل، فبعدما أسكت انطونيو الجميع بدأ التحدث فيما يريد للانتهاء من كل هذا، ومنذ ذلك الحين وادهم يجلس بهذا الشكل يحاول الوصول لحل من أجل كل هذا .

" أدهم هو فيه حاجة ؟!"

خرجت جملتها مترددة مرتابة وقلقة، تشعر بوجود خطب ما، فادهم بهذه الملامح الشاردة لا يطمئنها، أضافت بتوتر :

" هو عندك مشكلة في السفر معاهم ؟!"

رأى ادهم توترها واضحًا في عينيها، ذلك التوتر الذي جعله يطيح بكل تردده داهسًا إياه دون اهتمام للعواقب، فإن كان الذهاب لجدها يعني لها كل ما يراه داخل مقلتيها، فهو مستعد لفعل كل ذلك دون تردد .

مدّ ادهم ذراعيه لها، لتندفع نحوهما هالفيتي دون تفكير وهي تدفن نفسها بين أحضانه مرددة بصدق :

" لو السفر دلوقتي هيسببلك أي مشاكل يا ادهم بلاها، أنا والله ما هزعل، اي وقت مناسب نسافر عادي "

نظر أدهم في عينها بحب يشدد من ضمه لها قبل أن ينحني مقبلًا وجنتيها بحنان :

" الوقت المناسب عندي هو الوقت اللي أنتِ تحبيه يا ام فتحي "

وكانت تلك قمة الرومانسية لها، أن يناديها بتلك الكنية يعني أنه ليس غاضبًا، فهي تعلم ادهم حينما بغضب يصرخ في وجهها باسم " هالفيتي" وكأنه يأبى أن ينطق بذلك اللقب التحببي في لحظات غضبه .

" وانا عشان كلامك ده يا ادهم مستعدة ارفض السفر حاليا أو نأجله "

" لا مش هنأجل حاجة، عيلتك ليها حق عليكِ وكمان جدك هيفرح اوي بفتحي مينفعش نحرمه منه أكثر من كده، أنا مش اناني "

وصوت داخلة انطلق راعدًا بسخرية لاذعة " كـــــاذب، بل أنت في هذه النقطة تحديدًا اكبر كاذب في هذا العالم" وقد كان كذلك بالفعل، هو اناني فيما يخص زوجته، فمنذ وافقت وأصبحت له ومعه، اعتاد رؤيتها في جميع أركان منزله ومعه، هو لم يخبرها ذلك سابقًا حتى لا تظنه مهووسًا، لكن حتى ساعات العمل يستثقلها ادهم لبعدها عن عينه ....

فاق ادهم من شروده على شعوره بضمة قوية ورأس ام فتحي تستقر أعلى كتفه بينما دموعها تبلل ثيابه مرددة بحب وصوت خافت :

" أنا بحبك اوي يا ادهم، بحبك اكتر من حياتي كلها "

وقد كانت تلك أقصى تعبيرات الحب التي استطاعت  إخراجها في تلك اللحظة، كانت تلك أكثر الكلمات شاعرية التي مدها بها عقلها، وقد كانت أكثر من كافية لذلك الاحمق الذي يهيم في بحار عشقها دون سترة نجاة ....

____________________

في الخارج وفي نفس الوقت كان قاسم هو المُسكن الوحيد لجنون الاحفاد فوجوده في تلك اللحظة في الخارج كان سببًا كافيًا لمنع فبريانو من إخراج أسلحته ومنع انطونيو من ممارسة جبروته على الجميع .

لكن ذلك الهدوء من جهة الاحفاد لم يدم طويلًا فالبمقابل نشبت معركة حامية في ثواني قليلة ...

اقتحم شاكر منزل ادهم بجنون وهو يصرخ باسم شادية :

" أنتِ جبتِ اخرك معايا يا شادية، خلاص جبتي اخرك "

انتفضت شادية برعب وهي تركض لتختبأ خلف شادي وهي تنظر من أعلى كتفه لشاكر متعجبة غضبه، فهي منذ مجئ شباب المستقبل وهي لم تقترب منه أو تفعل ما يغضبه :

" جرا ايه يا شاكر هو حد جه جنبك دلوقتي ؟! أنا اساسا قربت انسى أنك عايش معانا هنا، لولا ريحة الحرنكش اللي مالية العمارة "

اشتعلت عين شاكر أكثر، ليرتعب شادي وهو يصرخ :

" ياست اسكتي شوية بتعصبيه اكتر، اهدي خلينا نشوف عملتي ايه يعصبه كده "

نظرت له شادية بغضب وهي تزيحه جانبًا تضرب كفيها في بعضهما البعض :

" جرا ايه يا شاكر أنت نسيت نفسك ولا ايه ؟؟ فوق ده أنت اخرك نبات صغير الحجم ردئ الطعم "

أحمر وجه شاكر وما كاد يتحدث حتى توقف كريم في المنتصف متحدثًا بجدية :

" أهدى بس يا بابا وقولي عملت ايه ؟؟ مش كل مرة تنزل وتفضل تزعق وتعمل كده ؟!"

نظر له شاكر بشر ليتراجع كريم بعض الشيء وهو يبتلع ريقه :

" أنا بقترح بس والله"

  عايز تقتلها اتفضل بس استأذن عم عوض الأول عشان دي أمه برضو وممكن يمانع "

لم يهتم شاكر لحديث ابنه وأخرج سلاحه من جيب بنطاله لتشهق شادية ويفعل الجميع المثل، بينما جذب انطونيو قاسم يغلق عينيه متمتمًا بحنق وغيظ :

" ما هذا العنف؟! كيف يفعلون هذا أمام الأطفال بحق الله ؟!"

كان يتحدث مشيرًا بعينه لذلك الطفل الذي يسير بين الجميع يسقط وينهض مجددًا.

رفعت شادية يدها عاليًا برعب وهي ترى سلاح شاكر موجه عليها، ابتلعت ريقها تحاول أن تثير تعاطفه :

" كده يا شاكر يا بني ؟! بقى بعد كل السنين دي جاي ترفع عليا السلاح ؟! أنا شادية اللي كانت تعملك سندوتشات وعصير وأنت بتذاكر وابعتهملك مع الواد عوض، ايه كل ده نسيته؟! لو كنت نسيت ده كله فعلى الأقل يا اخي افتكرلي أني أول واحدة جريت عليك تشوفك كويس ولا لا بعد ما اتقلبت في عربية الحرنكش وبقى شكلك يعر قدام الكل "

وهكذا استطاعت شادية بكل مهارة أن تغير مزاج شاكر في ثواني قليلة، فبعدما كاد يهدأ، أشعلت غضبه مجددًا ليتحرك إصبعه نحو صمام الأمان الخاص بالمسدس وقبل أن يجذبه، وجد شادية تنحني في ثواني جاذبة حفيده تحمله أمام وجهها وكأنها بذلك تشهر له الراية البيضاء وهي تقول :

" نزل السلاح يا حرنكش واستهدى بالله، عشان يوسف ميشوفش جده وهو مجرم ومترباش "

ازداد غصب شاكر وما كاد يحرك يده حتى وجد الصغير يوسف يقترب بفمه من المسدس واضعًا إياه داخله يمتصه ظنًا أنه حلوى ...

ابتسم جاكيري بسمة جانبية وهو يردد أثناء تحديقه في فبريانو  :

" ذلك الطفل الصغير يذكرني بأحدهم أثناء طفولته، كان السلاح هو لعبته المفضلة "

في ذلك الوقت وبينما الجميع كلٌ منشغل في أمره وشجاره، خرج ادهم وهالي إلى البهو لتردد هالي بفرحة وصوت عالي :

" احنا جايين معاكم ....."

_________________________

خرج جميع أفراد العائلة من القصر بعدما حزموا الأمتعة أمام الباب الداخلي في انتظار أن يتم وضعها في الحافلة بواسطة الرجال ...

ابتسمت رفقة وهي تجر حقيبتها خلفها، ويدها الأخرى ممسكة بيد روبين وهي تصرخ بحماس كبير :

" بسرعة بس عشان نلحق كراسي جنب الشباك "

ضحكت روبين وهي تزيد من سرعتها لتصعد تلك الحافلة الكبيرة التي قررت الفتيات البارحة أن يحضرنها، بدلًا من الذهاب في سيارات منفردة، هكذا تصبح الرحلة امتع بكثير .

بدأت الفتيات يصعدن الواحدة تلو الأخرى بسرعة كبيرة وحماس اكبر، عدا روما التي كانت تشعر ببعض الانقباضات الغير مريحة تمامًا داخل معدتها، تشعر بحركات الجنين وقد بدأ الإرهاق يظهر واضحًا على وجهها، لكن ما طمئنها أنها ما تزال في شهرها السادس فقط، هذا يعني أنه تبقى لها ثلاث شهور حسب ما أخبرتها الطبيبة آخر مرة ...

كان أول من لاحظ وجعها ذلك هو جايك الذي اقترب منها وهو يمسك بيد روز :

" ما بكِ روما ؟؟ أنتِ بخير ؟! هل انادي هايز لفحصك ؟؟"

هزت روما رأسها بلا تحاول التماسك :

" لا لا جايك أنا بخير لا تقلق، فقط بعض الانقباضات الطبيعية"

هز جايك رأسه بحسنًا، ثم نظر لحركتها الضعيفة تلك وتأوهها الذي حاولت أن تخفيه، ولم يملك سوى أن أعطى الحقيبة لروز ونظر لها نظرة عرفتها فمنحته بسمة صغيرة..

انحنى جايك قليلًا، ثم أمسك بيد روما وجعلها تستند عليه وهو يردد بحذر ولطف :

" هيا دعينا اساعدك "

نظرت له روما بامتنان وهي تحاول أن تسير ببطء شديد وقد استبد بها الألم، لكنها لم تهتم فهذا يحدث معها طوال الوقت، الفرق أن انطونيو ليس هنا الآن لتبكي بين أحضانه وتشتكي له أنها تعاني، ليضمها هو برفق مخبرًا إياها أنه هنا ولا بأس ستصبح بخير ....

سمع جايك صوت مايك من الخلف الذي انتبه لما يحدث :

" ماذا يحدث ؟! هل روما بخير ؟؟"

رسمت روما بسمة على وجهها بصعوبة :

" نعم نعم أنا بخير، لا تقلق مايك، فقط احتاج للراحة والتمدد والتحدث مع انطونيو وسأكون بخير "

ابتسم لها مايك، قبل أن يسير جوارها ببطء حتى يساعدهم إن احتاجت لشيء، وتسير لورا جواره وهي تنظر لروما بخوف ...

في نفس الوقت الذي خرج مارتن من المنزل وجولي تتمسك بذراعه في حب كبير وهي تردد بحماس كبير :

" ثم ستأخذني في جولة على ظهر الخيل، أنا من سيمتطيه وأنت تمسك بلجامه وتسير جواري كفارس نبيل"

ابتسم لها مارتن وهو يميل مقبلًا رأسها :

" سأفعل كل ما تطلبينه جولي، فقط نصل ولكِ كل ما تريدنه اميرتي "

نظرت له جولي بتأثر وهي تهمس :

" مارتن لا أعتقد أنه هناك من يمكنه تحملي في هذا العالم سواك أنت، لكم أنا محظوظه بعثوري عليك "

منحها مارتن بسمة عاشقة وهو يميل مقبلًا وجنتها بحنان ولطف شديد، ثم همس دون أن يبتعد وصوته يقطر عشقًا لا ينضب :

" هذا لأن لا أحد في هذا العالم سيعشقك كما أفعل بنية العينين "

" أنت يا رجل تجعلني أود البكاء تأثرًا الآن "

هكذا همست جولي بدموع بدأت تترقرق في مقلتيها، لكن وقبل أن يجيبها مارتن، أطلقت جولي صرخة فزعة وهي تنطلق كالرصاصة صوب روما :

" يا ويلي روما "

نظر مارتن بفزع صوب روما كما فعل الجميع بسبب صرخة جولي ...

تحركت هايز سريعًا من جوار آدم راكضة تجاه روما وهي تتحدث بخوف :

" ما بكِ روما ؟! هل تشعرين بأي وجع ؟!"

نظرت لها روما وهي تحاول تجاهل ما يحدث الآن بها :

" لا لا هايز أنا بخير، فقط اجعلي جولي تصمت عن الصراخ وسأكون شاكرة لكِ حقًا "

رمقتها جولي بحنق :

" كيف بخير ؟! أنتِ لا تسطيعين السير حتى "

" أنا بخير جولي، فقط ابتعدي من طريقي حتى اصعد الحافلة واجلس "

فعلت جولي كمان قالت روما وابتعدت لتصعد الاخير بمساعدة كلٍ من مايك وجايك، استقرت روما في مقعدها وهي تتنفس ببطء حتى تهدأ تلك الانقباضات .

صعد ماركوس الحافلة وهو يستدير لمساعدة فيور في ذلك بسبب ارتفاع الدرج المخصص للحافلة، حيث انحنى وضم خصرها جاذبًا إياها له، ثم منحها قبلة لطيفة مرددًا :

" ها نحن ذا "

ضحكت فيور وهي تتحرك صوب أحد المقاعد :

" بربك ماركوس لا تجعلني اشعر أنك تتعامل مع ابنة اخيك الصغير، هل تظن نفسك عمي ؟!"

غمز لها ماركوس :

" اولست كذلك ؟!"

ضحكت له فيور وهي تتذكر ذلك اليوم حينما صرخ في الجميع أنها ابنة أخيه الصغيرة، لكن فجأة انكحت ضحكتها وهي ترى الجميع متجمعين حول أحدهم، اقتربت لترى ما يحدث في نفس وقت صعود مارسيلو الذي كان يهتف بحنق :

" أما كان باستطاعتكم تأخير تلك الرحلة بضعة ساعات أخرى ؟!"

تحركت راسيل خلفه وهي تردد بحنق :

" يكفي مارسيلو، أنت لم تتوقف عن التذمر منذ استيقظت"

" هذا لأنني لا أحب أن يوقظني أحد، بل افضل أن استيقظ وحدي بعدما أنال كفايتي من النوم "

نفخت راسيل بسخرية وهي تجذب أكمام ذلك الفستان الصيفي والذي يلائم أجواء المزرعة كما أخبرها مارسيلو :

" وكأنك تكتفي من النوم "

اقترب منها مارسيلو حد الالتصاق هامسًا :

" فقط أمام عينيكِ راسيل، هذا هو الوقت الوحيد الذي يجافيني فيه النوم "

ارتسمت بسمة خجلة على فم راسيل وهي تهم برد تلك الجملة، لكن فجأة توقف الحديث على بداية فمها حينما سمع الجميع صوت صرخة عالية قادمة من احد المقاعد ....

" انطونيو ليتصل أحدكم لانطونيو الآن......."

____________________

يقف الجميع أمام مقدمة البناية يودعون ادهم وعائلته بعد ساعات من الصياح والصراخ، والتذمر من جهة شادية وذلك لرفضهم اخذها معهم ..

رددت الأخيرة بحنق :

" مش فاهمة كان هيجرى ايه يعني لو جيت معاكم ؟! ده انا كنت هدفع نفرين "

نفخ شادي بحنق :

" نفرين ايه بس يا شادية هما طالعين جمصة، دول مسافرين في طيارة يا حبيبتي "

رفعت شادية حاجبها باستنكار لحديث حفيدها :

" مش فاهمة ايه يعني طيارة ؟! يعني مش بيدفعوا فيها يعني ؟! أنا كنت هاخد كرسيين جنب بعض "

صمتت قليلًا وهي تغمز للثلاثة :

" إلا لو واحد من الثلاث قطع المستوردة دي كان حله. أي تاني  "

تحدث ادهم وهو يتحرك بالحقيبة صوب السيارة :

" خلينا محمد ربنا أن التلات قطع المستوردة دي مش فاهمة أنتِ بتقولي ايه يا شادية  "

تجاهلته شادية تمامًا وهي تخرج هاتفها مقتربة من جاكيري :

" بقولك ايه يا عسل ما تجيب اكونت الانستا بتاعك أو الفيس اعملك متابعة وتعملي متابعة ونتكلم بليل والجو هادي خالص والدنيا هوص هوص "

شعرت شادية بشخص يجذبها من الخلف وصوت ابنها يخرج حانقًا :

" يا امي مش كده، دول في سن احفادك "

" يا ابني سيبني اشوف حياتي بقى مش كفاية ضيعت شبابي عليك، عايز تضيع الباقي من عمري جنبك ؟؟ "

اقترب كريم من ادهم يعانقه بقوة مودعًا :

" متتأخرش علينا يا ادهم، الحارة مش هيكون ليها طعم من غيرك "

بادله ادهم العناق وهو يبتسم له بحب :

" متخافش هو كام اسبوع ام فتحي تشوف عيلتها وهنرجع تاني "

سحب سليم ادهم من بين احضان كريم إلى خاصته :

" هتوحشني يا صاحبي، مش هلاقي حد يقاسمني فلوس الفطار كل يوم في المستشفى "

ضحك ادهم بصخب :

" يبقى هات فطار مع سامي "

اقترب شادي يودع رفيقه وهو يضمه بقوة هامسًا :

" مش هوصيك يا صاحبي "

" متقلقش يا شادي هاخد بالي من نفسي "

" يا عم ما تولع انت"

نظر حوله ثواني بريبة ثم همس لادهم بجدية كبيرة:

" أنا عايزك تجبلي شوية ارقام لكام بنت ايطالية حلوة كده، دلع اخوك لاحسن بقالي سنين عايش في تقشف، مش هوصيك بقى الشقرا والحمرا وشكل ليا شوية حلوين كده، قولهم إن صاحبك قمر ومسمسم"

ضحك ادهم وهو يزيحه بعيدًا عنه :

" طب وده كلام برضو يا شادي، امال منة يا حبيبي بتعمل ايه ؟! اخرتها إيطاليين ؟!"

رمقه شادي بتحذير وهو يردد من بين أسنانه :

" يا اخي ملكش دعوة، أنا عايز انمي الايطالي عندي، ما اخدتوش من ايام الثانوي ومدام نادية، وحاسس اني بدأت أنساه "

تحدث شاكر وهو يربت على كتف ادهم :

" خد بالك من نفسك ومن عيلتك يا ادهم وابقى طمنا عليك يابني "

" والله يا شاكر أنت اللي تاخد بالك من نفسك، لاحسن أنا خايف امشي وارجع الاقيك أنت وشادية مخلصين على بعض "

ضحك شاكر بقوة مرددًا وهو يعانقه بحب :

" ارجع أنت بس بخير ووقتها يبقى نشوف هنعمل ايه، أنا هعمل هدنة مع شادية لغاية ما ترجع "

أنهى حديثه وهو ينظر لشادية التي كانت تقف جواره انطونيو وهي تردد بجدية :

" Just call me, after 12 pm, when my son sleep, so we can speak alot  "

أنهت تلك الجملة التي عكفت على حفظها طوال الساعة الماضية حينما كان يتجهز ادهم وعائلته للرحيل، حتى أنها لم تكلف نفسها للتأكد إن كانت الجملة صحيحة أم لا، بينما انطونيو رفع حاجبه وهو يتحدث بالايطالية :

" لا اعرف كيف اقول هذا، لكن بالنظر لما تفعل تلك العجوز،  بدأت افتقد سلين حقًا."

لكن شادية لم تكن تستوعب ما يقول ولم تهتم بما يقول، بل كان كل انتباهها منصب على الهاتف الذي تقرأ منه باقي جملتها غامزة بها :

" Don't forget suger"

جذب شادي جدته بحنق شديد وهو يردد من تحت أسنانه :

" هو ايه اللي مينساش السكر ده يا شادية، هو أنتِ باعتة ابن اختك السوبر ماركت ؟!"

جذبت شادية ذراعها من شادي بحنق :

" طالما مش بتفهم في الانجليزي متفتيش، أنا بقوله متنساش يا سكر، مش متنساش السكر يا غبي"

فتح شادي فمه ببلاهة شديد وصوت والده في الخلف يصدح بغيظ :

" أمسك جدتك يا شادي لاحسن تهرب معاهم وتجبلنا العار، يارب الاحق على مين ولا مين بس "

أطلق شاكر ضحكات عالية وهو يحاول أن يتمالك نفسه، لكن ما يحدث امامه كان أكبر من قوة تحمله؛ لذلك استند على الجدار خلفه وهو يحاول التماسك :

" ده الراجل لو بينطق عربي كان سبّلك يا شادية "

رمقته شادية بحنق وغضب :

" والله محدش قالك تحشر نفسك في كل حاجة يا شاكر، فوق أنت حرنكش مش ملح عشان تدخل في كل حاجة "

اشتعل غضب شاكر وهو يعتدل في وقفته وما كاد يفتح فمه حتى سمع صوت حفيده الصغير يجذب قدم البنطال الخاص به وهو يردد ببراءة :

" جدو حرنش "

هنا وفاضت كؤوس صبر شاكر الذي اندفع صوب شادية يصرخ بجنون :

" حتى حفيدي يا ولية يا مفترية، حتى حفيدي يا شادية، والله لاخلص الناس منك "

أطلقت شادية صرخة  مرتعبة وهي تحاول الركض والاختباء من أمام أنظار شاكر بينما صيحاتها تعلو في المكان طالبة النجدة :

" Help me suger, help me، kill حرنكش"

أخرج جاكيري سلاحه وهو يركض خلف الاثنين صارخًا :

" خذ سلاحي، هو ملئ بالرصاصات "

كانت هالفيتي في ذلك الوقت تحمل الصغير قاسم وهي تنظر لما يحدث مرددة :

" هو ممكن نستنى لما ناخد عزا شادية ولا مستعجلين ؟!"

نظر لها أدهم بصدمة من حديثها لتبرر له هالفيتي :

" ده مهما كان بينا عيش وملح يا ادهم، دي هي اللي ربتك  "

قاطع كل ذلك الحديث رنين هاتف أنطونيو الذي انكمشت ملامحه بتعجب وهو يبصر رقم جايك، فهو حدّث الجميع منذ ساعتين تقريبًا مخبرًا إياهم أنه على وشك العودة وسيصل في الصباح التالي، لكن رغم ذلك اجاب انطونيو وهو يحاول الابتعاد عن تلك الضوضاء يبصر عودة جاكيري بعدما فشل في اللحاق بالعجوز والرجل الذي يركض خلفها .

فتح انطونيو فمه للتحدث، لكن اوقف الكلمات على باب فمه صرخات شقت صدره جاعلة إياه يفتح عينه برعب كبير وصوت صراخ روما يكاد يصم آذانه، وصله صوت جايك يردد بخوف :

" اخي روما ليست بخير، نحن الآن في طريقنا للمشفى، وهي ترفض فعل شيء في غيابك، لا تتأخر ارجوك "

شعر انطونيو في تلك اللحظة بضربات قلبه تتصارع داخل صدره، انتشر الرعب بين أوردته حتى شحب وجهه، صرخات زوجته تتردد في أذنه وهو ليس معها، تتألم وتتوجع وهي وحدها .

كاد انطونيو يتحدث لولا سماعه لصرخة أخرى من فم روما :

" لا، أنا بخير فقط أحضروا انطونيو، أنا بخير، أنا بخير، فقط أريده جواري، أنا بخير انطونيو  "

كانت تردد تلك الكلمات من بين صرخاتها وانفاسها اللاهثة تصل لانطونيو واضحة، بينما الأخير وكأنه شُلّ، لا يشعر بشيء حوله ولا بأن أنظار الجميع أصبحت متوجهة له ..

شعر انطونيو بهزة من يد فبريانو وهو يتحدث بريبة:

" ما بك انطونيو لِمَ وجهك بهذا الشحوب ؟! هل حدث لأحدهم شيئًا ؟!"

ابتلع انطونيو ريقه وهو يبحث بعينه عن جاكيري الذي كان يساعد ادهم في وضع حقائبه داخل السيارة، تحرك له بأقدام متلهفة وهو يجذبه بعنف مخيف من تلابيب ثيابه يردد بقوة واعين زائغة جعلت جاكيري يتعجبه :

" هل تستطيع التحليق بالسيارة جاكيري   ؟؟؟؟؟؟؟"

___________________

وهذه فقط كانت البداية ..........

رأيكم في الأحداث ..

اتمنى الفصل يكون خفيف على قلوبكم، ومتنسوش دعواتكم للجميع بالخير ....

دمتم سالمين
رحمة نبيل .

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...