الفصل اهداء لكلًا من :
الجميلة والالطف على الإطلاق ورفيقة كل معرض وكل مناسبة هي وعائلتها الالطف Fatma Naser
فاطمة اللي دائمًا بتشجعني وتسعدني بلطفها، البارحة كان يوم مولدها، لذلك كل عام وانتِ بخير جميلتي ❤️
واهداء لـ صاحبة ألطف حديث ودائمًا تسعدني بحديثها، لطالما شجعتني مرارًا وتكرارًا دون كلل أو ملل، واتمنى من قلبي أن يكتب الله لنا لقاء قريب، إلى الجميلة Nourhan M Sadek، كل عام وانتِ سعيدة جميلتي ❤️
**********
أنتَ مُرَحَّبٌ بك عِند ربّك مهما جَنَيْتَ على نفسِك!
صلوا على نبي الرحمة
________________________
تقف في تلك الغرفة تتحرك يمينًا ويسارًا، بينما قلقها يعلو وتيرته أكثر وأكثر، كلما استمعت لصرخة أو آهً قادمة الخارج، حيث زوجها ورفاقه وأبناء خالها، ابتلعت هالفيتي ريقها وقد بدأت دموعها تهبط وقلبها يزداد قرعًا وهي تدعو للجميع، تخشى بل ترتعب من فكرة أن يُخدش ادهم، تعلم أن أبناء خالها عتيدي الإجرام فلا بأس عليهم، لكن أدهم......
بكت أكثر وهي تتحرك كالمجنونة في الغرفة التي سجنها بها " الطونيو " باحثة عن أي مخرج لها، لا تفكر في شيء سوى أنها تريد أن تكون جواره، لا تود أن يتم تركها للأفكار التي تلعب الاصوات الخارجية على اوتارها بمهارة وتشكلها كيفما تريد .
فجأة أبصرت هالفيتي نافذة مرتفعة تعلو خزانة ما لا تدري ما تحتويه، لكنها لا تهتم، تحركت صوبها وهي ترمق الخزانة بجدية، اقتربت بسرعة تتسلقها بكل مهارة كما لو أنها ولدت قردًا، لحظات صعبة عليها وشاقة كادت أنفاسها تزهق بها وهي تحاول الوصول لقمة الخزانة، وقد فعلت، لكن وقبل أن ترتسم ابتسامة نصر على فمها سمعت صوتًا يأتيها من الغرفة في الاسفل حيث الفراش الذي يتوسط أحد الأركان :
" تعالي يابنتي ناوليني حبة الضغط لاحسن جه وقتها ومحدش من الممرضين اللي برة معبرني وبيلعبوا وهايصين ولا على بالهم إن فيه واحد بيموت جوا"
استدارت هالفيتي بصدمة وهي ما تزال تنحني أعلى الخزانة لتخرج من النافذة، تنظر من أعلى كتفها نحو ذلك العجوز المتذمر والذي كان يرمقها من أسفل عدساته الطبية بتقييم وترقب وكأنه يحذرها الرفض، وبعدما طال صمتها أضاف العجوز :
" ايه هتنزلي تديني الدوا ولا تفضلي تتفرجي عليا طول اليوم ؟! "
أشارت له هالفيتي بحسرة :
" بعد ما طلعت ؟! أنا طلعت بالعافية "
التوى فم العجوز في شبه بسمة، يرفع حاجبه في تزامن ساخر مردفًا :
" مش مشكلتي، ده معاد الدوا، ايه هتسيبي راجل عجوز يموت عشان حضرتك مكسلة تنزلي من فوق الدولاب ؟!"
نظرت هالفيتي بتردد للخارج حيث الأجساد المتلاحمة والصرخات العالية، ثم عادت بنظرها للعجوز، نفخت بضيق وهي تستدير لتهبط مجددًا، بينما ملامح العجوز مازالت حانقة ناقمة كما هي، هبطت هالفيتي واقتربت منه قائلة بغيظ يكاد ينفجر :
" فين البرشام ده يا حاج خلينا نخلص "
" ما تيجي تديني بالقلم على وشي احسن ؟!"
ضغطت هالفيتي على أسنانها بحنق كبير :
" العفو حضرتك أنا آسفة، فين ام البرشام ابوس ايدك جوزك بينطحن برة "
أشار العجوز للطاولة التي تلتصق بفراشه والتي يعلوها بضعة اقراص علاجية جوارها كوب ماء، ارتفع طرف شفاة هالفيتي فجأة وهي تشعر ببوادر جلطة :
" نعم ؟!"
" أنعم الله عليكِ يا ضنايا ؟! اديني البرشام "
أشارت هالفيتي للادوية بجنون والتي لم تكن ستكلف العجوز سوى أن يرفع يده ليمسك بها ويتناولها :
" يعني حضرتك منزلني من فوق ومعطلني عشان اجي اديك الدوا اللي هو اساسا جنب ايدك ؟! هو أنت مستوعب أنت عملت ايه ؟!"
ويبدو أن إجابة السؤال الاخير لها هو نعم، حيث ابتسم العجوز بسمة مقيتة، جعلت هالفيتي تود أن تغرز أظافرها في وجهه :
" أنا متعود الممرضة تديني العلاج وتناولني المايه وتقولي بالشفى يا ابو محمد "
صرخت هالفيتي بجنون :
" وانا مالي يا ابو محمد، ما كنت تاخد العلاج بنفسك وانا كان ممكن اقولك بالشفا وانا فوق الدولاب عادي والله، لازم ام المرمطة دي على الصبح ؟!"
انكمشت ملامح الحاج ابو محمد وهو يرمق هالفيتي بعدم رضا :
" صوتك عالي وانا بدأت اتعصب، اديني الدوا واتفضلي روحي شوفي هتعملي ايه وشوفي جوزك اللي بينضرب برة ده "
غضب قوي اندفع في اوردتها، لكنها كبتته بصعوبة وهي تساعده في تناول الأدوية ثم رددت تلك الجملة الروتينية التي جعلت الحاج ابو محمد يحبط خطتها في إنقاذ زوجها :
" بالشفا يا ابو محمد "
انتهت من حديثها ثم ودون كلمة إضافية ركضت صوب الخزانة وبدأت تتسلقها بأنفاس لاهثة، حتى وبعد دقيقتين او ثلاثة تقريبًا وصلت لقمتها، ابتسمت بسعادة وهي تفتح تلك النافذة، لكن توقفت يدها في الهواء وهي تسمع صوت العجوز يردد ببرود :
" تعالي اطفي النور عشان مش بعرف انام غير في الضلمة "
أشارت هالفيتي للخارج وهي تود أن تتحدث، لكن قاطعها الرجل وهو يردد بحنق :
" انزلي اطفيه يا بنتي متوجعيش قلبي عايز انام، الدوا بينيم "
شعرت هالفيتي برغبة عارمة في البكاء، لكنها رغم ذلك تذكرت أنه رجل كبير وقد كانت والدتها تردد دائمًا أن كبار السن كما الاطفال، لذلك عليها ألا تغضبه أو تحزنه لن تكون هي ومرضه عليه .
هبطت لكل هدوء، ثم تحركت صوب زر الإضاءة واغلقته، وبعدها نظرت له وهي تقول :
" حاجة تاني قبل ما اطلع !!"
اجابها العجوز باجفان ثقيلة :
" وانا هعوز منك ايه، ربنا ما يحوجني لحد "
رفعت هالفيتي حاجبها بسخرية وهي تصعد الخزانة مجددًا وقد أضحت خبيرة في الأمر، تعلم أين تضع قدمها واين تتمسك بيدها، وصلت لقمة الخزانة مبتسمة بنصر، ثم فتحت النافذة تمد قدمها الاولى للخارج، وما كادت تخرج بجسدها بأكمله حتى سمعت صوت العجوز يردد :
" تعالي غطيني كويس عشان طراطيف صوابعي بدأت تبرد ...."
_________________________
في الخارج حيث كانت الحرب ما تزال في اوجها، تحرك فبريانو بكل بساطة يقتحم ذلك التلاحم بين الجميع لا يهتم بأي أحد ولا يخشى أي سلاح معهم، حسنًا إن اعتبرنا ما يمسكونه سلاحًا، وصل لبؤرة الشجار وتوقف ثواني وأمامه ظهر ذلك الرجل الذي يحاول الايقاع بزوج هالفيتي، مدّ أصابعه بسرعة كبيرة وغرزها في وجه ذلك الرجل جاذبًا إياه بعنف للخلف، حيث اصطدم في صدره وهو يسحبه بعيدًا عن الجميع تاركًا ادهم يفتح عينه بصدمة يحاول أن يستوعب ما حدث منذ ثواني .
وجاكيري الذي أمسك اول شخص وقع تحت يديه سالبًا إياه ما يمسك، ثم ألقاه ارضًا قبل أن يعود برأسه للخلف ليضرب بها رأس من أمامه بعنف جعل الأخير يسقط ارضًا وقد بدأت أنفه تنزف بقوة .
ابتسم جاكيري وهو يتحرك لآخر مرددًا :
" عجبًا رأسه أقل صلابة مما اعتدت عليه "
كان فبريانو ما يزال يغرز أصابعه في وجه الرجل والد الطفل المريض، وهو يردد من خلفه بصوت خافت مرعب :
" تحب تحتفظ بعيونك ولا تودعهم ؟!"
استمر الرجل في محاولة الإفلات منه وهو يصرخ بوجع وقد كادت اصابع فبريانو تخترق وجهه، بينما الأخير لا يهتم مرددًا :
" مش كويس أنك تعمل إزعاج في المستشفى للمرضى، مش كويس خالص، كده عيب وغلط وغير قانوني، وانا اكثر شيء بكرهه في حياتي هو الأفعال الغير قانونية "
صرخ الرجل برعب وهو يتحرك بجنون بين أيدي فبريانو الذي ترك جسده بكل بساطة ملقيًا أياه ارضًا ضاربًا إياه في معدته بقدمه .
بينما انطونيو كان يستمر في محاولة فك الشجار بين الجميع قبل أن يتأذى برئ بينهم، وخلال محاولته لفعل ذلك أبصر انعكاس جسد في زجاج إحدى الغرف، يقترب منه من الخلف حاملًا عصى غليظة، وقبل أن يستدير انطونيو ليصده وجد جسد ذلك الرجل يسقط ارضًا وامرأة ممتلئة الجسد تنكب فوقه ضربًا بخفها بينما تصيح ببضع كلمات غير مفهومة، لكنه خمن أنها سباب .
وقد كانت تلك السيدة هي نفسها صاحبة المدونة الأشهر لفضح أطباء المشفى " هناء "
" يا زبالة أنت وهو فاكرينها سايبة ولا سايبة، ده انا هخلي سيرتكم على كل لسان وهشردكم نفر نفر في كل حتة "
اقتربت سعاد ( الممرضة الأخرى ) وهي تتحدث :
" أمسكيه يا هناء هروح اجيب حبل ونربطه "
تجاهل انطونيو كل ذلك وهو يبحث بعينه عن زوج هالفيتي، حتى وجده يقترب من أحدهم ساحبًا إياها بعنف، ثم انقض فوقه ضربًا بشكل مخيف جعله يشك أن هذه هي المرة الأولى التي يتشاجر بها، فمن يضرب الجميع بهذا الشكل أمامه لا يمكن أن يكون شخص مسالم لم يتشاجر قبلًا .
وكذلك كان ادهم الذي شعر بغضبه يكاد يدفعه لقتل الجميع بعدما ابصر أحدهم يصفع إحدى النساء العاملات في المشفى بعدما رآها تحادث الشرطة، يرفع يده على امرأة ويعيث بالمكان فوضى، ويتسبب بالضرر لجميع المرضى، كل ذلك جعله غضبه يشتعل .
وجواره سليم كان يعيش افضل لحظات حياته بعدما وجد أخيرًا شيئًا يستخدم به عضلاته التي يضيع عليها وقته في التمرينات.
كان أحدهم يمسك بثياب كريم يكاد يضربه لولا يد كريم التي أوقفته فجأة وهو يردد بجدية :
" اصبر "
نزع نظارته واضعًا اياها في جيب سترته، ثم ضرب الرجل برأسه وهو يرميه صوب شادي الذي تلقفه لاكمًا إياه بغضب .
كان بهو المشفى أشبه بساحة حرب، عصيّ تتقاذف، مقاعد تُحطم، أجساد تفترش الأرض، وأشخاص يطيرون .
كانت هذه الأجواء هي المحببة لقلب كلٍ من فبريانو وسليم .
في تلك اللحظات استطاعت هالفيتي أن تصل لهم وهي تصرخ باسم ادهم، وقبل أن تصل له وجدت جسد رجل يسقط فوقها بعنف شديد، سقطت ارضًا وهي تصرخ ظنًا أنه ميت :
" قتيل ...قتيل "
لكن فجأة وجدت من يجذب الجسد من فوقها بعنف كبير مرددًا بلطف وهو يثبت جسد ذلك الرجل :
" لا تخافي هالفيتي أنه ليس ميتًا أنه فقط مرهق بعض الشيء، انظري هو بخير "
أنهى فبريانو كلماته وهو يترك جسد الرجل الذي ظل واقفًا ثواني قبل أن يسقط ارضًا بقوة، ليغمض فبريانو عينه وهو يقول ببسمة :
" حسنًا هو ليس بخير تمامًا، ربما لم ينم البارحة جيدًا، أو ربما ذلك لأنه لم يتناول فطوره، والدتي كانت تخبرني أن الفطور مهم حتى استطيع صلب جسدي طوال اليوم "
فتحت هالفيتي عينها بصدمة وهي تنهض مرددة :
" أنا مش فاهمة حاجة، هو أدهم فين ؟! قتلوه ؟!"
اقترب منها فبريانو يربت على كتفها ليهدئها :
" لا لا تخافي هالي هو بخير، فقط بعض الخدوش في وجهه، ثم لا تخشي على زوجك فهو يضرب كما المجرمين"
لم تفهم منه هالي شيء لتصرخ :
" ايوة يعني هو كده كويس ولا لا برضو ؟!"
في تلك اللحظة شعر فبريانو بشخص يندفع نحوه بعنف ليبتعد عنها سريعًا حتى لا تتأذى ساحبًا ذلك الرجل في ركن نائي..
بينما هالفيتي اكتفت من الوقوف لتبدأ البحث بنفسها عن زوجها بين الجميع حتى وقعت عينها عليه أخيرًا يمسك بتلابيب أحد الرجال، ركضت صوبه وقد بدأت وتيرة المعركة تهدأ بعض الشيء بعدما انتهى فبريانو من نصف الرجال تقريبًا .
توقف هالفيتي جوار ادهم وهي تقول بشر وغضب محدقة بالرجل الذي يكاد يلفظ أنفاسه بين يدي ادهم :
" ايه يا ادهم حد عملك حاجة؟!"
استدار ادهم بعنف لزوجته وهو يردد بعدم فهم :
" أنتِ بتعملي ايه هنا ؟! ايه اللي جابك ؟!"
أشارت هالفيتي صوب أبناء خالها دون أن تنزع نظراتها عن الرجل :
" كرستيانو وعيال خالي هما اللي جابوني "
صرخ ادهم بجنون ويده تشتد حول ثياب ذلك الرجل :
" كرستيانو ايه يا ستي أنتِ؟! امشي من هنا يا ام فتحي بدل ما اسيب اللي في أيدي وأمسك فيكِ أنتِ "
واخيرًا نزعت هالفيتي عينها من على وجه ذلك الرجل وهي تنظر لادهم بصدمة صارخة :
" أنت بتزعق ليا يا ادهم ؟!"
" ايوة بزعق، جاية في مطحنة وضرب ومش عايزاني ازعق ؟!"
اغتاظت منه هالفيتي وهي تصرخ في وجهه أكثر :
"وانا اللي كنت هموت من الرعب عليك، تصدق أنك متستاهلش، والله يا ادهم أنا بقرة اني جتلك هنا "
" أنتِ بقرة من قبل ما تيجي يا ام فتحي "
اشتعلت عين ام فتحي التي صرخت بصوت اعلى :
" تمام يا ادهم، تمام، طب والله لأخد قاسم وارجع مع عيال خالي عند جدو، وشوف هتلاقيني فين بقى ؟!"
اجابها ادهم بسخرية :
" أنتِ هبلة؟! ما أنتِ لسه قايلة عند جدك "
توقفت هالفيتي عن الحديث ثواني تحاول أن تستوعب الأمر قبل أن يعلو صوت الصرخات مجددًا وقبل أن يتحدث أحد سمع الجميع صوت جهوري يهتف :
" بوليس، كله يرفع أيده لفوق "
ودون أن تفكر حتى رفعت هالفيتي يدها عاليًا وهي تنظر حولها برعب بينما ادهم ضرب وجهه بحنق وهو يتنهد بتعب على تلك الغبية، المجرمون الحقيقيون لم يرفعوا أيديهم وهي من فعلت :
" يارب لطفك يا رب "
__________________
ركضت في ممرات المركز وهي تسحب خلفها شاكر الذي كاد يسقط أكثر من مرة على الأرض بعدما اقتحمت شادية مكتبه ساحبة إياه وهي تصرخ، أن حياة الشباب ستضيع بين جدران السجون وأن زهرة شبابهم ستذبل .
تحرك عوض خلف والدته وشاكر وهو يتمتم بغضب وعصبية على هؤلاء المتهورين الذين يُسقطون أنفسهم في مشاكل لا قِبل لهم بها .
كانت شادية ما تزال تنوح بحسرة :
" حبايب قلبي مستقبلهم هيضيع وسط المجرمين والبلطجية، اتصرف يا شاكر مش أنت ظابط وعندك دبابير على اكتافك ؟!"
توقف شاكر بعنف وغضب وهو يحاول أن يوقف شادية :
" دلوقتي شاكر ؟! ومن يومين كنتِ مفرجة العمارة عليا ؟!"
نظرت له شادية بصدمة وهي تشير لنفسها لا تصدق ذلك الحديث الذي يخرج من فم شاكر، يتهمها زورًا وظلمًا :
" أنا ؟! أنت بتقول ايه يا شاكر يابني ؟! أنا عمري فتحت بُقي( فمي) بكلمة عليك ؟!"
فتح شاكر فمه بعدم تصديق وهو يعود للخلف قليلًا وهناك بسمة مصدومة تعلو فمه مشيرًا لها :
" يا ست اتقي الله، ده صدى صوتك وأنتِ بتردحيلي لسه بيرن في العمارة لدلوقتي "
ابتسمت شادية محاولة أن تلطف الأجواء معه محركة كفها في الهواء :
" يوه عليك يا شاكر، ده كان هزار عادي يعني، ده أنت زي عوض عندي مش كده يا عوض يا حبيبي ؟!"
هز عوض رأسه وكأنه يوافق والدته، وقبل أن يضيف شاكر تعليق آخر جذبت شادية يده قائلة ببسمة :
" يلا بقى نلحق مستقبل الشباب اللي بيضيع جوا ده "
أنهت حديثها تجره جرًا صوب مكتب الشرطي المسؤول عن ذلك المركز الذي يقع بالقرب من المشفى، وقف شاكر أمام الباب مخرجًا هويته للعسكري :
" لو سمحت بلغ الظابط اني حابب اقابله"
نظر العسكري لهوية شاكر وهو يؤدي له تحية، ثم فتح الباب ودخل غرفة المكتب التي كانت تعج بالأشخاص الذين احضروهم من المشفى للتو بعد شجار طاحن :
" اللوا شاكر المصري برا يا فندم "
انتفض الشرطي من مقعده وهو يشير للعسكري أن يدخله بسرعة :
" دخله يابني بسرعة أنت موقفه على الباب "
نظر كريم للجميع بقلق لوجود والده في المكان، ثم وضع يده يخفي بها وجهه، محاولًا أن يلتصق بجسده في الجميع ويخفي نفسه، لكن دخل والده الذي قال بسخرية وهو يقترب من الشرطي يصافحه :
" شايفك يا حبيبي "
اندفعت شادية للمكتب وهي تردد :
" حبايبي عملوا فيكم ايه ؟! انتم كويسين ؟؟"
ابتسم شادي وهو ينظر لها بحب ممسكًا يدها ليقبلها :
" متقلقيش يا شادية ولادك رجالة ومحدش قدر يلمسهـ"
لكن فجأة توقف عن الحديث وهو يجد شادية تدفعه مرددة بحنق :
" يا خويا ما تولعوا، أنا بقول على الشباب اللي زي الورد دول "
قالت حديثها وهي تشير لانطونيو الذي كان يجلس على الأريكة وجواره فبريانو بينما جاكيري يقف جوار المقعد وهو يرمق ما يحدث دون أن يلتقط كلمة .
اقتربت منهم شادية وهي تردد :
" الله يسامحكم يا شادي يا ابن ابني أنت وصحابك الصيّع، كده تبهدلوا الحلويات دي معاكم، طب انتم شلق ومتعودين، رايحين تجروا رجل الناس البريئة دي معاكم ليه !!"
تشنج شادي وهو ينظر لجدته بعدم تصديق :
" نعم ؟!"
لكن شادية لم تهتم وهي تتحدث ببسمة للثلاثة :
" متقلقوش أنا روحت جبتلكم شاكر يخرجكم هو الناس بتحترموا هنا تقريبًا، مش هسيب شبابكم يضيع وسط المجرمين امثال شادي وسليم "
تمتم ادهم بسخرية لاذعة في نفسه:
" دول هما نفسهم المجرمين "
نظر لها شاكر بصدمة، هل هؤلاء هم الشباب الذين كانت تصيح له بأنهم سيفقدون مستقبلهم؟! هؤلاء ؟! ثلاثة أفراد من أكبر عائلات ايطاليا التي تمتد نفوذها من القطب الشمالي للجنوبي، دون ذكر أنهم اجانب في النهاية .
اقتربت هالفيتي من ادهم وهي تهتف بصوت مسموع لفبريانو الذين كانت تقف جواره :
" أنا خايفة يكتشفوا إن عيال خالي عصابة ومجرمين ويحبسوهم، افرض شافوا البطاقة بتاعتهم ؟!"
رمقها ادهم بفم مفتوح ببلاهة في نفس الوقت الذي فتح فبريانو عينه بصدمة وهو يردد :
" حقًا ؟!"
اسكت ادهم هالي وهو يردد :
" وهو المجرم بيكون مكتوب في بطاقته، الوظيفة مجرم ؟! أنتِ هبلة؟! بعدين عصابة ايه اخرسي هتحبسيهم"
" ايه ما هما عصابة، ده جدو لوحده عنده طيارات وأسلحة وقنابل تكفي جيش كامل و ..."
كتم أدهم فمها وهو يرى أن الجميع بدأ ينظر لهما بعدما ارتفع صوتها للحظة دون أن تنتبه، ابتلع ادهم ريقه وهو يردد ببسمة بلهاء :
" معلش اصل المدام بتحب تهزر ودمها خفيف "
نظر انطونيو لفبريانو نظرة علم بها الأخير مقصده ليقول بسخرية وبسمة جانبية :
" هالفيتي فقط تُعرّف الجميع على ثروة جدي من الأسلحة، وتفتخر بعملنا كعصابة ومجرمين "
تشنج انطونيو وهو ينظر لهالفيتي التي كانت تلوي فمها بتذمر وحنق كبير :
" هل هي غاضبة لأنها لم تفصح عن أسرارنا ؟! "
ضحك فبريانو ضحكة خافتة قبل أن يسمع صوت انطونيو يضيف بسخرية :
" يبدو أن جولي ستجد بها رفيقة جيدة، وستوسع حملة فضحنا في أرجاء ايطاليا، وتجعل هالفيتي وكيلة لها في مصر "
تحدث الشرطي بصوت واثق لشاكر :
" يا باشا وجودك مكنش له لزوم، لأن كل دول مش متهمين بالعكس هما هنا بس عشان الشهادة، والأشخاص اللي ارتكبوا الفعل ده تم وضعهم في الزنزانة لحين الحكم في القضية "
هز شاكر رأسه بتفهم وهو يفتح فمه ليتحدث، لولا تلك الزغرودة التي خرجت من فم شادية وهي تردد بفرحة :
" والله ده رزق التلات مساكين دول، وربنا كرمكم عشانهم، اصل دول مش وش سجون ولا بهدلة، مش زي الأربعة اللي كل يوم بخناقة شكل "
أنهت حديثها وهي تشير لادهم وسليم وكريم وشادي الذين نظروا نحوها بحنق .
بينما جاكيري كان ينظر لشادية وهو يردد بجدية بعدما حاول التخمين :
" اظن أن هناك مشكلة، فذلك الصوت تصدره رفقة عند كل مشكلة، اعتقد أنه أشبه بجرس الانذار هنا "
شعر انطونيو بملل بدأ يتسرب له، وهو يود النهوض والعودة لبلاده واحضان روما، لكن عليه اولًا أن ينتهي من كل ذلك ويعود، لكن بهالفيتي....
_____________________
دخل منزله بعدما تلقي حديث لاذع هو والجميع من والده الذي كان يبدو مرتعبًا بعدما علم من الشرطي الوضع، وأدرك كم الخطر الذي كان به الجميع .
تحرك كريم في المنزل بتعب شديد وهو يبحث بعينه عن مسكنه الدافئ، من يلتجأ له عند كل ضائقة، مريم؛ تلك الفتاة الخجولة البريئة والتي لا تبذل حتى مجهودًا لتجعله يخر على ركبتيه أمامها معترفًا أنه يذوب بها عشقًا.
مريم التي يتلذذ بنطق اسمها؛ اسمها الذي يمثل له محيطًا من العشق، وما بين الميم والميم يغرق ....
تعجب كريم هدوء منزله حتى كاد يظن أن زوجته صعدت لوالدته أو لوالدتها، لكن ما كاد يتحرك حتى سمع صوت شهقات تصل له من المطبخ، تحرك نحو الصوت بأقدام سريعة وخوف أن تكون قد أذت نفسها أثناء الطهو، وبمجرد أن خطى للمطبخ ودون كلمة، اندفع صوب جسد مريم الجالسة ارضًا تبكي، يتلقفه بين أحضانه مرددًا بخوف :
" مريم مالك ياقلبي ؟! اذيتي نفسك ؟! وريني ايدك كده، وريني ايدك"
كان يتحدث وهو يجذب يدها لفحصها، لكن مريم ازدادت في البكاء وهي تلقي بنفسها بين أحضانه أكثر مرددة بشهقات :
" سمعت شادية بتقول انكم في خناقة كبيرة والناس هناك معاها أسلحة يا كريم، كنت هموت من الرعب عليكم"
تنفس كريم براحة وهو يستمع لجملتها :
" خلاص يا مريم محصلش حاجة يا حبيبتي، خناقة زي اي خناقة هي أول مرة ؟!"
هزت مريم رأسها بلا وهي تنظر في عينه بخوف باكية :
" مش اول مرة يا كريم، بس انا كل مرة بعيش في رعب عليكم، بخاف اوي بخاف حد في وسط الهيصة دي يأذيكم، فاكر لما واحد مرة ضرب ادهم بالسكينة في خناقة ولولا ستر ربنا كان ممكن يحصله حاجة"
ضمها كريم له بحب وهو يقبل رأسها مرددًا بلطف وحنان :
" حقك عليا يا ريمو، صدقيني والله بيبقى غصب عننا، يعني يرضيكِ الناس دي تروح مستشفى وتعمل البلاوي دي كلها ونسيب صاحبنا ؟!"
هزت مريم رأسها بلا فابتسم لها كريم باحثًا بعينه عن طفله الصغير:
" فين يوسف ؟! مش هنا ولا ايه !!"
مسحت مريم دموعها وهي تردد :
" سيبته عند خالتو هاجر وقولتلها اني هحضّر الغدا ليك، وجيت هنا عشان خوفت اعيط قدامها وتعرف "
ابتسم لها كريم ثم اقترب مقبلًا عينيها بحب :
" تمام سيبيه يكمل يومه بقى مع خالتو هاجر، عشان ابن خالتو هاجر وحشته روما اوي "
نظرت له مريم مبتسمة وهي تقول مستندة برأسها على صدره :
" شكلك بدأت تورث الموضوع عن عمو شاكر وتسرب ابنك"
ضحك كريم بصخب وهو ينهض جاذبًا يد مريم لخارج المطبخ :
" من شابه اباه بقى "
توقف كريم من مريم في وسط المنزل، ثم تحرك صوب الحاسوب الخاص به والذي يتركه في المنزل لزوجته وطفله، واختار موسيقى معينة، ثم عاد صوب مريم ينحني جزئيًا مرددًا :
" تسمحيلي بالرقصة دي !!"
ارتسمت بسمة لطيفة على فم مريم التي احتضنت كفها خاصة كريم، تراه يعتدل في وقفته، ثم ضمها من خصرها جاذبًا إياها نحو صدره بحب :
" محظوظ عشان ربنا رزقني بألطف مريم في الدنيا كلها "
ابتسمت مريم بسمة عاشقة وهي تتخيل حياتها إن لم تقبل بالزواج من كريم استندت برأسها على خاصته هامسة :
" وانا من طفولتي محظوظة يا كريم، كنت الاول صديق واخ، ودلوقتي بقيت عالم......"
صديقها الذي كان لا يترك شيئًا يسعدها في طفولتها إلا وفعله، يراقصها أسفل الأمطار ليقضي بعدها اسبوعًا طريح الفراش بسبب ضعف مناعته وقتها، لكنه لم يكن يهتم.
كان _ورغم طبيعته الهادئة المسالمة_ اول من يقف في وجه أي مزعج يقترب منها، كان دائمًا ما يعود للمنزل بكدمات في وجهه بسبب شجاره العنيف مع كل من تسول له نفسه في بكاء مريم ويزعجها، كريم الذي كان كالحائط المنيع في وجه جميع من يسخر منها.
تتذكر كل لحظة معه، منذ عانقها ذلك اليوم أعلى الدرج حين وفاة والدها في عمر السادسة، وحتى ذلك اليوم الذي ضمها فيه معترفًا بعشقه ومدافعًا عن حقه بها، وقد كان محقًا فإن كان لأحدهم حق بمريم فهو كريم .......
_____________________
كان يقف في المطبخ رفقة زوجته وعينه تتحرك بعدم ارتياح على الثلاثة ضيوف في الخارج، لا يدري سبب مجيئهم هنا، لكن قلبه ذلك الاحمق يقرع بخوف أن يطالبوه بأخذ ملاكه الحبيب معه ولو لدقائق، سيرفض نعم سيفعل، هو لا يستطيع أن يتخيل يومه بدونها، ولا منزله بلاها.
شعر ادهم بيد هالفيتي توضع على كتفه وهي تهزه برفق :
" أدهم مالك ؟! بقالك ساعة سرحان فيه ايه ؟!"
استدار لها أدهم متحدثًا بقلق :
" هما عيال خالك جايين ليه ؟!"
لم تنتبه هالفيتي للقلق في نبرته من ابتعادها عنه، حيث هزت كتفها بعدم معرفة :
" معرفش والله يا ادهم هما جم وطلبوا مني تكون موجود لأن الحوار يخصك برضو زي ما فهمت "
ومازاده حديثها سوى قلقًا، نظر لهم جميعًا بجمود، وداخله قرر ألا يدعها لهم ولو لثواني، هم عائلتها ولهم حق بها، يعلم هذا جيدًا، لكن ....
هي عائلته بأكملها، هم لديهم بعضهم البعض، بينما هو لا يملك غيرها، وليس مستعدًا لتركها تبتعد عنه ثواني فقط، ليست مستعدًا لشعور الوحدة واليُتم مجددًا .
في الخارج حيث يجلس انطونيو وفبريانو بملل في انتظار خروج هالفيتي وزوجها وجدوا باب المنزل يُفتح بقوة وينطلق منه طفل صغير تتبعه تلك العجوز التي ابتسمت منادية الصغير :
" قاسم تعالى سلم على خالو يا حبيبي "
توقف الصغير قاسم ينظر لشادية ثواني دون فهم ما تريد، ملامح البلاهة تعلو وجهه الجميل، فقد كان قاسم يمتلك ملامح والده جميعها، لكنه أخذ من والدته لون بشرتها مختلطًا بلون بشرة والده، ليخرج الصغير ببشرة عاجية جذابة وملامح بريئة جميلة للغاية .
تحرك قلب انطونيو في مضجعه وهو ينظر للصغير بحنان، قبل أن يُحرك عينه للعجوز متسائلًا بخفوت :
" هل هذا صغير هالي ؟!"
لم تفهم شادية من حديثه سوى اسم هالي؛ لذلك خمنت معنى سؤاله وأجابت ببسمة :
" ايوة هو ده ابن هالي، قاسم "
ابتسم فبريانو وهو يترجم حديثها لانطونيو :
" نعم هذا هو انطونيو "
تأوه انطونيو بحب وهو ينهض من مقعده جالسًا على ركبتيه فاتحًا ذراعيه للصغير مرددًا بحنان :
" مرحبًا يا صغيري، تعالى هنا "
رمقه قاسم وملامح الجهل تعلو وجهه، فامامه رجل طويل القامة حتى بعدما جلس على ركبتيه، يتحدث بطريقة غريبة جعلته يطيل النظر لفمه متسائلًا كيف يتحدث هكذا.
ابتلع انطونيو ريقه وهو ينظر لفبريانو قائلًا بهدوء :
" فبريانو أخبره أن يأتي لي "
ابتسم له فبريانو مدركًا جيدًا أن نقطة ضعف ابن عمه التي لا يعلمها أحد سوى القليل فقط من المقربين، تلوح أمام عينه الان، انطونيو ذلك الجامد المخيف يستطيع أن يركع أمام طفل بكل بساطة، حتى لو كان مجرد طفل غريب، ولو كان طفل عدوه، كما فعل مع صغير ايثان، الذي يعتني به في أحد منازله وكأنه طفل له، فما بالكم بصغير هالفيتي التي تحتفظ بمكانتها في قلب كبيرهم ؟!
تحرك فبريانو من مكانه مقتربًا من الصغير يحاول ان يرسم بسمة لطيفة دون أن تنقلب لمرعبة، يستغل ملامحه الهادئة اللطيفة لجذب انتباه الصغير وهو يداعب خصلات شعره :
" اهلا يا قاسم "
نظر له قاسم ببسمة صغيرة لطيفة وقد تراجع ليختبأ في قدم شادية، لكن فبريانو لم يسمح له وهو يقترب منه مجددًا :
" متخافش يا قاسم، تعالى عندي "
كان يتحدث وهو يمد له يده، فنظر قاسم لشادية التي هزت رأسها بنعم، تقدم قاسم من فبريانو ببطء وهو يضع طرف إصبعه في فمه، قبل أن يمد يده الأخرى التي مال عليها فبريانو مقبلًا إياها بحنان كبير :
" اهلا يا بطل أنا خالو فبريانو "
وكما توقع، نظر له الصبي بنظرة عجز واضحة لا يستطيع فهم تلك الكلمة الأخيرة العجيبة، لذلك ضحك فبريانو مداعبًا شعره بحنان :
" فابري، قولي فابري "
نطق الصغير على استحياء وبتعثر واضح :
" فربي "
ضحك فبريانو بصخب وهو يردد :
" نعم أنت ابن هالي لا شك، حسنًا لا بأس فربي "
نظر له الطفل بجهل ليشير فبريانو صوب انطونيو الذي كان مايزال ينتظر دوره في عناق الصغير :
" شايف خالو الطويل ده ؟!"
نظر قاسم لانطونيو ثم هز رأسه ليضيف فبريانو بحنان :
" روح عنده احضنه حضن كبير عشان هو بيحب قاسم اوي وجايب ليه حلويات كتير "
نظر له الصغير ببراءة وهو يردد :
" شوكولاتة ؟!"
" ايوة شوكولاتة، روح احضنه وهو هيديك شوكولاتة كتير"
ابتسم قاسم وهو يقترب باستحياء من انطونيو الذي كان جسده متحفزًا في انتظار عناق الصغير، وبمجرد أن دخل قاسم لمحيط يد انطونيو، حتى سارع الاخير بغلق يده حوله بقوة يعانقه بلطف وحنان مرددًا :
" مرحبًا بالحفيد الاول في العائلة، جدي سيبكي سعادة عند رؤيتك يا صغيري "
صمت يستنشق الصغير بحب معتاد منه، فانطونيو سبق ولعب دور الأب لثمانية، ويبدو أنه لكثرة لعب ذلك الدور أصبح يتقنه وبشدة :
" يا ويلي أنت لطيف للغاية "
ابتسم فبريانو على انطونيو وهو يتحرك خارجًا من المنزل ليحضر شوكولاتة للصغير حتى لا يظنه كاذبًا، وأثناء ذلك قابل جاكيري الذي كان يقف على باب المنزل يتحدث في هاتفه بجدية، تجاهله وهو يتحرك للاسفل بحثًا عن اقرب محل ليشتري منه كل ما به من حلوى لحفيد آل فوستاريكي الحبيب، ذلك الصغير الذي سيصبح وبامتياز مُدلل جده الاول ...
______________________
وأمام المنزل كان جاكيري يتحدث لرفقة بجدية عكس عادته :
" لا تحاولي إقناعي أنكِ بخير، أنا أشعر بكِ، صوتك يرتجف، ما بكِ حبيبتي ؟!"
على الجانب الآخر كانت رفقة تتوسط فراشها وهي تحاول كبت دموعها المشتاقة له، فالاول مرة يكون جاكيري بهذا البعد عنها، لطالما كان على مقربة منها، وقد زاد حزنها ووجعها أنه في لحظة الحريق لم تجد يسحبها لذراعيه هامسًا لها بحب أنه هنا لاجلها، أو حتى تسمع منه اسمها بلهجته الخاصة والتي كانت قادرة في ذلك الوقت على جعلها تنسى كامل أحزانها .
وكأن جاكيري سمع رجائها الخاص ليهمس لها بكامل الحب :
" رفكة "
هنا وانهارت رفقة في البكاء بشوق وهي تردد من بين شهقاتها:
" اشتقت لك جاكيري، أريدك أن تعود، فأنا لا احتمل بعدك"
تأوه جاكيري وهو يعيد خصلات شعره للخلف :
" رفكة ارجوكِ لا تبكي، لأجلي حبيبتي أنتِ تشعرينني بالعجز الآن"
" أنا فقط اشتاق لك جاكيري "
" وانا أموت شوقًا لرؤياكِ ولرؤية صغاري رفكة "
ضحكت رفقة من بين دموعها ضحكة خافتة وهي تمسح دموعها بحب تحاول أن تتمالك مشاعرها هذه فهو الآن بعيدًا عنها، ولا تريد أن تحزنه أو تحمله فوق طاقته :
" وهم كذلك يشتاقون لك عزيزي، لا تتأخر "
ابتسم جاكيري مدركًا جيدًا أنها تحاول صرف انتباهه عن بكائها، لذلك جاراها في الأمر وهو يردد :
" لا لن اتأخر، سوف اعود واجلب لكِ معي كل ما طلبتيه، وايضًا سأحضر لك الكثير من الكرشي"
أطلقت رفقة ضحكة عالية وهي تردد :
" حسنًا حبيبي، لكن فقط دع فبريانو هو من يحضر الكرشي، ولا تطلبه أنت"
" لماذا ؟! أنا استطيع فعل ذلك بنفسي "
" حبيبي أخشى أن ينتهي بك الأمر في ( مسمط) بعدما تطالب بائع الكشري بالكرشي "
شعر جاكيري فجأة بالجهل يضربه لسماع كلمة غريبة عن مسامعه :
" ماذا ؟! ما هذه الكلمة الغريبة ؟؟"
أجابته رفقة بجدية قاصدة بذلك الاماكن التي تقع في أحياء القاهرة والتي تختص ببيع لحوم وأعضاء البهائم الداخلية والمسماه ( مسمط) حيث يوجد عندهم ما يسمى بالكرشة وغيرها من تلك المسميات الشعبية :
" هذا هو المكان حيث يبيعون الكرش حقًا "
هز جاكيري رأسه بتفهم مرددًا :
" حسنًا لا بأس سأذهب إليه"
انطلقت ضحكات رفقة بقوة وهي تردد :
" لا لا جاكيري لا تفعل، فقط احضر لي كرشي من أي محل يخرج من رائحة الصلصة والثوم حسنًا حبيبي ؟!"
حك جاكيري رأسه وهو يردد :
" حسنًا حبيبتي "
لمح أثناء ذلك عودة فبريانو بحقيبة سوداء كبيرة وهو يردد بجدية :
" هل مازلت تقف هنا ؟! اتبعني للداخل جاكيري لننتهي من هذا "
هز جاكيري رأسه وهو يجيبه :
" سألحق بك "
دخل فبريانو تاركًا جاكيري يودع زوجته، بينما توجه هو صوب انطونيو الذي كان يجلس حاملًا على قدميه قاسم، وضع فبريانو حقيبة الحلوى جوار انطونيو على المقعد هامسًا له :
" اعطي الصغير حلوى انطونيو "
نظر له انطونيو ثواني قبل أن يحمل الحقيبة وهو يعطيها للصغير الذي نظر لها بانبهار وسعادة، ثم التقطها على استحياء وهو يردد له بكلمة خمن انطونيو أنها شكر، ثم وفي حركة غير متوقعة، رفع الصغير قامته بشدة ليقبل ذقن انطونيو، حيث لم يستطع أن يصل لوجنته مرددًا بلطف :
" خالو "
نظر انطونيو ومشاعر حب تملء عينه لفبريانو في انتظار أن يخبره ما يريد الصغير، ليفعل فبريانو وهو يقول ببساطة :
" يقول لك خالي "
شعر انطونيو بقلبه يقفز في صدره وهو يضم الصغير له مرددًا :
" حبيب خالك أنت يا صغيري اللطيف "
في ذلك الوقت سمع الجميع صوت ادهم الذي خرج عليهم بصينية مشروبات وبعض البسكوت وغيرها من الضيافة التي تُقدم عادة يردد ببسمة مرحبة :
" انرتم المنزل بوجودكم "
دخل جاكيري في نفس اللحظة وهو يجيبه ببسمة :
" شكرًا لك "
جلس جاكيري جوار فبريانو، يراقب ذلك الصغير الذي يحمله أخاه بتعجب والذي هبط من أعلى قدم انطونيو يحمل نفس الحقيبة التي كان يمسكها فبريانو، راكضًا بها صوب ادهم يردد ( بابا ) .
ابتسم جاكيري بسمة واسعة وهو يردد :
" ابن هالي!!"
هز له انطونيو رأسه ليتأمله جاكيري بحب :
" ياللهي هو صغير ولطيف للغاية "
انتبه الجميع لصوت ادهم الذي أشار للصغير بلطف :
" طيب يا فتحي روح عند ماما وريها الحلويات اللي جابها خالو وقولها تيجي "
هز الصغير رأسه وهو يركض للداخل بينما تحدث فبريانو بتعجب :
" فتحي؟! من هذا فتحي ؟!"
نظر له ادهم بعدم فهم لثواني ثم أجاب ببساطة مشيرًا حيث ذهب صغيره :
" طفلي هو فتحي، ألم يخبركم اسمه ؟!"
أشار انطونيو لشادية التي كانت تتابع ما يحدث ببسمة واسعة وبهدوء غريب :
" لكن تلك العجوز أخبرتنا أنه قاسم "
انتعش قلب شادية وهي ترى ذلك الوسيم يشير لها، إذن فالحديث يدور حولها، لربما يمتدحونها أو ما شابه، اعتدلت في جلستها وهي تدعي الانشغال في هاتفه .
هز ادهم رأسه برفض :
" لا هو فتحي وليس قاسم"
في ذلك الوقت خرجت هالفيتي وهي تحمل قطعة شوكولاتة من تلك التي سرقتهم من طفلها البرئ متحدثة بجدية بعدما سمعت لاسم قاسم وفتحي :
" بتتكلم في اسم الولد صح ؟! اسمه قاسم حبيب ماما "
نظر لها أدهم بغيظ :
" اسمه فتحي يا ام فتحي، تحبي أجيب شهادة الميلاد من جوا ؟!"
" بص صيح مهما تصيح برضو اسمه قاسم، وكله بيناديه قاسم ومحدش معترف بفتحي غيرك أنت يا ادهم "
شعر ادهم بالغيظ الشديد وهو يتمتم بغضب :
" برضو هيفضل فتحي وهتفضلي ام فتحي، وهفضل اناديكِ بالاسم ده، عشان متنسيش في لحظة اسمه "
ضحكت ام فتحي عليه وهي تنظر لأبناء خالها الذي يراقبون ما يحدث بجهل عدا فبريانو بالطبع ...
" متاخدوش في بالكم هو على طول كده بيلبسه ميت عفريت لما يسمع اسم قاسم "
صمتت ثم نظرت لادهم وهي تسأله:
" ممكن تترجم ليهم ؟؟"
" اترجم ايه إن شاء الله ؟؟"
" قولهم أنك بتتعصب لما حد يعترف أن ابنك اسمه قاسم مش فتحي "
ابتسم ادهم بسخرية :
" أنتِ بجحة يا بت والله، مشوفتش في بجاحتك"
ردت له ام فتحي البسمة بأخرى أكثر استفزازًا، وهي تنظر لأبناء خالها متحدثة بحنين:
" طب اسألهم كانوا عايزينا في ايه ؟! يعني جدو بخير وكلهم بخير ؟!"
نظر لها أدهم بحنق قبل أن يستدير اهم يترجم ما قالته بالإنجليزية، جاهلين جميعًا قدرة فبريانو على الحديث بالعربية .
ليجيب انطونيو بكل هدوء :
" لقد أرسلنا جدي لأجل هالفيتي "
شعر أدهم بتوقف قلبه لثواني قبل أن يكمل انطونيو حديثه :
" يريد منكما أن تنضما لنا في رحلة عائلية لطيفة إلى مزرعته، لذلك أرسلنا لنحضركما وكذلك الصغير قاسم "
صحح له ادهم بحنق :
" فتحي "
" ايًا يكن، نحن جئنا لاخذكما فتجهزا لأن الطائرة الخاصة بنا ستقلع مساء اليوم من القاهرة متوجهه لروما "
أنهى حديثه لافظًا آخر كلمة بحنين كبير وعشق .....
بينما ادهم نظر لهالي ليتحدث أو يعترض لأجل ظروف عمله، لكن الجمته نظرة الحماس والحنين التي غطت عينيها، وهي تكاد تقفز الآن راكضة معهم، صمت ولم يستطع التحدث بكلمة واحدة، صمت يفكر في الأمر مليًا .
بينما هالفيتي تتحدث وهي تهز رأسها بسعادة كبيرة :
" أنا موافقة اوي، اساسا جدو وحشني اوي اوي "
نظر انطونيو لفبريانو الذي هز رأسه بمعنى أنها وافقت.
ابتسم انطونيو بسمة واسعة وهو ينهض من مكانه يغلق ازار بذلته بهيبة معتادة منه، ثم اقترب من هالفيتي فاتحًا ذراعيه وفي نيته أن يضمها في عناق اخوي حنون بعدما انتهى من التحدث معها، ولكن قبل أن يصل لها وجد من يقطع طريقه وهو يتحدث بكلمات غير مفهومة بالنسبة له، ولم يكن ذلك سوى ادهم الذي وقف في وجهه وعيونه تخرج شرارًا متحدثًا بشر وهو يحرك يديه في الهواء :
"الحلو هيعمل ايه ؟! "
انتشرت سعادة غريبة داخل قلب هالفيتي وهي تبصر غيرة زوجها الحبيب عليها؛ لذلك قررت أن تزيد من اشتعال ذلك الغضب :
" فيه ايه يا ادهم هيحضني حضن اخوي ."
التفت لها أدهم وهو يقول من بين أسنانه بشر هامسًا :
" اسكتِ يابت بدل ما أنزل صف سنانك، قال يحضنك قال، حضنك قطر يا بعيدة ."
انتهى من حديثه وهو يستدير لانطونيو الذي كان يستمع بلا اهتمام وبملامح باردة، ونظرته توحي بشر قادم، لكن ذلك لم يساهم في تزحزح ادهم ولو خطوة واحدة وهو يقول :
"أنا لا اخافك يا هذا، حتى وإن أخرجت نيرانًا من عينك ."
اتسعت بسمة فبريانو الذي كان يشاهد ذلك العرض بكل استمتاع وعينه تتحرك على انطونيو حتى وصلت ليده التي حطت على سلاحه وقد بدى أن ذلك الشاب زوج هالفيتي استفز ابن عمه وبشدة .
لكن أدهم لم يتزحزح وهو يشعر بيد هالفيتي تربت على كتفه مرددة بدموع متأثرة :
" مكنتش متخيلة إن هيجي اليوم اللي تموت شهيد عشاني يا ادهم، طب تصدق والله لو عيشت بعد اللحظة دي لاعملك صينية المكرونة البشاميل اللي كان نفسك فيها ."
استدار لها أدهم يردد بسخرية وهو يدفع وجهها بعيدًا بغيظ :
"ابقي وزعيها على روحي يا بومة ."
وقبل أن يصدر من انطونيو أي ردة فعل سمع صوت يأتي من باب الشقة، صوت شاب ينادي امرأة، لم يكن ليهتم بالأمر لولا أن ذلك الاسم الذي نطقه الشاب جعل كامل جسده ينتفض وانتباهه بالكامل يتوجه للصوت .
كان كريم يقترب من شقة ادهم وهو ينادي مريم بصوت مرتفع بعض الشيء بلقبها المحبب له :
" رومـــا أنا عند أدهم ...."
وبمجرد أن انتهى من كلماته واستدار ليدخل الشقة وجد سلاح موجه على وجهه بشكل مرعب، رفع كريم يديه عاليًا بصدمة وعدم استيعاب :
" فيه ايه ؟؟؟؟؟؟"
__________________________
متنسوش اني بكرة هكون في معرض الكتاب باذن الله من الساعة ١٢ الضهر ...
وجميع رواياتي ماعدا لعنة الفراعنة هتكون هناك ..
يعني لو روحت هتلاقي جميع الروايات ( براءة ظلمه الجزئين / خرونس /مدرسة ميلر )
وكل ده في قاعة 2 جناح a33
لو روحت هناك أسأل عني وهما هيدلوك على مكاني ❤️
واللي مش هيقدر يروح المعرض يقدر يطلب اي رواية من رواياتي ( براءة ظلمه جزئين/ خرونس/ مدرسة ميلر / لعنة الفراعنة / لاجلك عزيزي البائس )
وكل ده تقدر تطلبه لأي مكان في مصر واتساب ..
01557072836
اشوفكم على خير بإذن الله ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!