قبل القراءة أدرت فقط القول أنه كان من الممكن أن اختصر كل تلك الفصول في فصل واحد خاص أجمع به هالي مع الاحفاد وانتهي، لكنني لم افعل ذلك؛ رغبة مني في إعطاء العلاقة بينهم فرصة أكبر وايضًا لأن ذلك الفصل الذي كنت سأكتبه لم يكن ليحتوي كل المشاعر أو ردات الفعل التي أردت عرضها، وربما وقتها لم يكن ليأخذ الصغير قاسم مساحته أو يظهر مقدار حب الجميع له، كانت ستكون مجرد مشاعر مُختصرة، لذلك كتبت تلك النوفيلا القصيرة والتي كانت لهدف واحد أن تبرز العلاقة بين هالي وأبناء خالها، كانت نوفيلا كوميدي عائلي ولا ضير من بعض الرومانسية ...
لهذا الهدف الاول والاخير من كل ذلك هو إبراز حب الاحفاد لابنة العم لا شيء آخر .
واتمنى من كل قلبي إن يكون الأمر قد وصل لكم وأن تكون المشاعر قد وجدت صداها لديكم، وألا تكون رحلتكم معهم مللة رتيبة...
************
سيُصلِحُ رمضان
ما أفسدته الأيام في قلبك
فاستَعِد
صلوا على الرسول ....
_________________
دارت عين مرزوق في الجميع يحاول أن يفهم مجرى ما يحدث وإن كان ذلك الرجل الذي يرفع جسده في الهواء يمزح معه مزاحًا ثقيلًا أم أنه جاد فيما قال منذ ثواني .
وبعدما رأى تجهم الوجوه حوله أدرك أنه لا يمزح ..
" مالك بس يا باشا ؟؟ أنا قولت حاجة غلط يعني ؟! ده انا بقول نشتغل كلنا سوا ونكون ايد واحدة عشان نخلص الشغل بسرعة وكمان الحاج الكبير اللي وراك هو اللي عرض الموضوع من الاول أنا مجبتش حاجة من عندي "
حرك بعدها نظراته صوب الحاج الكبير " اليخاندرو " يتحدث بجدية واستجداء :
" مش كده يا حاج ؟! مش أنت قولت أن الرجالة اللي لابسين بدل سودة هيساعدوني ؟!"
رفع اليخاندرو حاجبه لا يدري ماهية ما يقول ذلك الرجل لكنه يعلم جيدًا أنه يوجه له الحديث ليشير إلى مرزوق متسائلًا :
" ما الذي يقوله هذا الاحمق ؟!"
نظر مرزوق حيث فبريانو :
" اهو سمعته بودانك؟! يعني الكلام معاه، لو عايز تتخانق روح اتخانق معاه هو، ولا هو مقدرتش على الحمار تتشطر على البردعة"
شهق أدهم من حديثه وهو ينظر بأعين فبريانو التي اشتد غضبها بعد وصف ذلك الاحمق جده بهذا الوصف البشع، رغم عدم قصده للأمر إلا أنه وصفه وانتهى الأمر...
وبالنظر لردود فعل أدهم وفبريانو ارتاب الجميع من تلك الجملة ليتحدث جايك بشك :
" ما الذي قاله هذا الرجل للتو آدم ؟!"
نظر آدم للرجل ثواني يحاول أن يفكر في شيء يُحسّن به من موقفه لعلمه أن ذلك الغبي لم يقصد ذلك المعنى المتوارى خلف جملته :
" لا شيء هو فقط خانه التعبير منذ قليل ووصف جدك بشيء ليس بالجيد"
نظر له اليخاندرو ثواني دون تعابير ثم قال :
" بما وصفني آدم ؟!"
" جدي هو ليس وصفًا بمعنى الوصف هو فقط مجرد مثل شعبي يُقال عند الـ"
قاطعه انطونيو بشر :
" تبًا لك نحن لا نريد شرحًا نريد معرفة ماذا قال ليزداد غضب فبريانو هكذا ويفزع زوج هالي "
ابتلع آدم ريقه وهو يردد بخفوت :
" وصف جدك بالحمار، لكن صدقني هو لا يعني بل هو مجرد تعبير يقوله المصريين عند مــ "
لكن يبدو أن آدم تأخر بتفسير ما يحدث ففي تلك اللحظات التي كان يحاول فيها التفكير في كلمات يشرح بها موقف ذلك المسكين الذي اوقعه غباؤه مع عائلته، كانت عائلته قد انقضت على ذلك المسكين ....
___________________________
توقفت بعض سيارات الأجرة في الحارة خلف بعضها البعض بشكل مريب، فقد كانت هناك أكثر من سيارة أجرة خلف بعضهن البعض، هبطت جميع النساء من السيارت ضاربات بتحذير الرجال عرض الحائط، غير مهتمات بشيء، الجميع ينظر للمحيط بتعجب لا يدركون أين هم، لكن هذا هو المكان الذي وصفته لهن هالي البارحة قبل رحيلها حيث منزلها .
خلعت جولي نظارتها الشمسية تدور بعينيها في المكان هاتفة بتساؤل :
" إذن رفقة هل هذا هو المكان أم أننا ضائعات ؟!"
هبطت رفقة تنفخ بضيق من تلك الحرارة التي كان جسدها قد نسيها خلال الشهور التي عاشتها في الخارج، ورغم برودة الجو مساء البارحة إلا أنه قرر أن يخيب ظنون الجميع بنهار لطيف ويتسبب لهم بحرق جلودهم ..
" نعم جولي هذا هو العنوان كما أخبرتني هالي "
نظرت لروبين التي خرجت ترتدي ثياب من قطعة واحدة من خامة الجينز، تضع أعلى رأسها قبعة كبيرة بدت للجميع سخيفة حينما خرجت بها، لكنها الآن تبدو مناسبة لمثل تلك الأجواء المشمسة، أمسكت روبين يد قاسم تخرجه بلطف :
" يلا يا قاسم وصلنا عند ماما "
هبط الصغير من السيارة يمسك بيد روبين مبتسمًا بسعادة وهو ينظر حوله مرددًا بكلمات غير مفهومة :
" جدو "
حملته روبين بحب :
" أيوة ياقلبي رايحين عند جدو وماما وبابا كمان "
ختمت حديثها طابعة قبلة أعلى وجنته الممتلئة بعض الشيء، ثم حركت عينها على الجميع تقول :
" قاسم تعرف على المكان تقريبًا؛ لذلك نحن في المكان الصحيح "
ابتلعت روز ريقها تغمض عينيها رافعة يدها حتى تمنع بعض أشعة الشمس من الوصول لها، تلك الأشعة التي كانت تتخلخل خصلات شعرها الحمراء لتضيئها :
" فقط اتمنى ألا يوبخني جايك لمخالفة أوامره، اقسم أنه قد يجعلني اقضي ليلة كاملة أمامه لرسمي معاقبة لي "
خرج صوتًا ساخرًا من روما التي كانت ترتدي قميصًا تعلوه سترة بيضاء وبنطال، لكن وبسبب حرارة الأجواء خلعت سترتها لتبقى بالقميص الذي كان بنصف كم، تردد بتهكم :
" يرسمك ؟! عزيزتي انطونيو سيجعلني أنا شخصيًا رسمة، لكن لا بأس احيانًا التمرد يكون ممتعًا "
سمع الجميع صوت هايز التي كانت ما تزال تجلس في السيارة تخشى الخروج وتعريض شعرها ذو اللون الفاتح للشمس خوفًا من التقصف :
" حسنًا لذلك علينا العودة، فبغض النظر عن تدمير بشرتي وشعري، آدم لن يمرر الأمر بسهولة "
زفرت فيور بضيق من تذمر الجميع :
" هيا توقفن عن كل ذلك، ما اسوء ما يمكن أن يحدث سيتم الصراخ علينا بضع ساعات وتحطيم بعض اثاث المنزل، ثم ماذا ؟! لا شيء هم لن يضربونا صحيح ؟!"
رفعت راسيل كتفها بعدم معرفة شاكرة لعقلها الذي هداها لارتداء فستان طويل ذو أكمام طويلة ليس فقط لأجل اخفاء حروق يدها، بل لأجل منع أشعة الشمس عن جروحها :
" لا بأس حبيباتي لن تكون أول مرة نخالف بها كلام الرجال، والآن لنتحرك قبل أن نحترق بتلك الشمس "
وافقتها لورا الحديث، تنفخ بضيق من تذمر البعض طوال الطريق :
" نعم رجاءً وجهي بدأ يتحسس من كل تلك الحرارة"
تحسست وجهها بعد انتهاء جملتها بتذمر، لتشير روبين لهم بالتحرك :
" لنتحرك إذن حتى لا نضيع الوقت، ثم إن مظاهركم بدأت تجذب الانظار "
أنهت حديثها تشير باصبعها على كل الرجال الذين بدأوا يتوقفون في سيرهم ينظرون لتجمع النساء الغريب عن حارتهم، بل عن بلادهم بأكملها، البعض قاده الاعجاب بمظاهرهن والبعض قاده فضوله لمعرفة سبب تجمع كل هؤلاء النساء الجميلات في مكان واحد، هل تم افتتاح مسابقة ملكة جمال العالم في حارتهم دون علمهم ام ماذا ؟!
نظرت رفقة لهن تشير بالتحرك وقد علت ملامح التحفز والترقب وجهها :
" طب نتحرك عشان لو وقفنا شوية مش هضمنلكم اللي ممكن يحصل "
وبهذه الكلمات بدأت جميع النساء في التحرك في شكل جذب الأنظار أكثر وأكثر بثيابهم المختلفة هذا دون ذكر أشكالهن، بدأ الجميع يتجمع حولهن وبدأت الاخبار تنتشر في الحارة عن وجود فوج اجانب بها، الجميع خرج في النوافذ لمراقبة ذلك الفوج بفضول كبير ...
وعلى بداية الشارع الذي من المفترض أنه يحتوي منزل هالي توقفت جميع الفتيات فور سماعهن لصوت صافرة تنطلق خلفهن، استدرن في اللحظة التي على بها صوت أحد الشباب الذي يبدو من شاربه غير المكتمل أنه بلغ العشرين من عمره للتو :
" ده ايه الجمال ده كله ؟! هو أنا في حارتنا ولا الجنة ؟!"
نظرت جميع النساء حيث صوت ذلك الشاب الغر ليجدوا أنه لم يكن وحده بل كان هناك ثلاثة آخرين مثله يقفون على بداية الشارع جوار دراجة نارية وكأنهم اختاروا ذلك الموقع الاستراتيجي خصيصًا لأجل مراقبة من يدخل ويخرج من الشارع وإطلاق بعض الجمل الوقحة التي تلاحق الفتيات والنساء على حد سواء، لا يهم عجوز كانت أم مراهقة، ترتدي ثياب قصيرة ام ساترة، ما يهمهم أنها تنتمي لمجتمع نون النسوة حتى يقذفوها باقذر الألفاظ واوقحها، متسببين لها بالرعب مما يمكن أن يحدث بعد تلك الكلمة، لتهرول الفتاة أو السيدة لمنزلها تحتمي به من كل ذلك، والقليل القليل فقط هن من كن يتوقفن لمواجهة ما يحدث بكل شجاعة، ورفقة كانت من ذلك البعض ....
نظرت له رفقة بتساؤل ليفطن الشاب أنها لم تفهم جملته :
" الحق ياض يا حودة دول فعلا شكلهم سياح يلا البت مش فاهمة أنا بقولها ايه "
ابتسم المدعو حودة والذي كان يتكأ بنصف جسده على الدراجة النارية بكل كسل و " روشنة " :
" يعني بزمتك الاشكال دي مصرية ؟؟ اكيد اجانب يا اهبل"
نظر بعدها للفتيات اللواتي كن ينظرن له بترقب وروبين تضم قاسم لها وهي على أتم الاستعداد لإحضار فبريانو في أي لحظة إن اشتعلت الأجواء، لكنها أرادت أن تتجنب كل ذلك حتى لا يُوبخن لأجل الخروج دون استئذان :
" رفقة تجاهليهم رجاءً ولنرحل "
نظرت لها رفقة بحنق لكنها لم تهتم وما كادت تجيبها حتى ارتفع صوت " حودة " مرددًا ونظراته قد أبحرت على أجساد جميع النساء في وقت قياسي :
" طب الواحد لما يعوز يقولهم انهم وتكات يجيب مين يترجم لهم ؟؟"
في الثانية التالية لم يستوعب أحد ما حدث حيث وجدوا فجأة كف يلتصق بوجه حودة وصوت يرعد في المكان بأكمله من فم إحدى الـ " وتكات" :
" نجيب امك يا شاطر ...."
____________________________
ينظر للجميع من ارتفاع عالي بعض الشيء، يحرك قدميه في الهواء محاولًا الفكاك من تلك الحبال التي تمنعه من التحرر، يردد كلمات قاسية يحاول بها أن يرد بعضًا من كرامته التي سُلبت للتو حينما علقه الرجال ذو البذلات السوداء في الجدار باستخدام الحبال ...
كان الجميع في الاسفل يمسك المسدسات يحاولون بها بث الرعب في قلب ذلك الأحمق، هم لن يضروه لمعرفتهم أنه لا يضمر لهم شر، بل هو فقط مجرد غبي لا يُحسن انتقاء ألفاظه، ولكن كل ذلك فقط لتحذيره من التمادي معهم والقاء الأوامر عليهم مرة أخرى ..
" تصدقوا بالله أنتم اساسًا اخركم نقاش أي كلام يخلصلكم المخروبة دي، نزلوني وبس ومش هقعدلكم فيها ثانية، أنتم خسارة فيكم علمي ومهاراتي"
كان يحاول أن يفك نفسه من تلك الحبال حينما لمح شادية تجلس باسترخاء على أحد المقاعد تراقب ما يحدث ببسمة واسعة وكأنها تراقب عرضًا ما :
" عجبك كده يا ست شادية ؟! بقى تسيبيهم يعملوا كده في ابن جارتك حبيبتك ؟! دي امي كانت تقولي انك اعز عليها من خالتي نفسها"
ابتسمت شادية بسمة صغيرة ساخرة :
" متخافش يا مرزوق يا حبيبي أول ما تستوي هينزلوك"
ارتفعت ضحكات شادي وكريم بصخب على حديث شادية مما جعل ملامح مرزوق تسود بحنق وغيظ :
" كده يا ست شادية ؟؟ بتتريقي عليا؟! طب على فكرة بقى امي مش بتحبك ودايما تقولي أنها تطيق العمى ولا تطيقك، وأنك ست بتاعة مشاكل من يوم ما كنتِ عيلة صغيرة، ويلا بقى اللي يحصل يحصل "
اسودت عين شادية وهي تنهض من مقعدها تتجه صوبه لكن منعها سليم الذي امسكها بسرعة وهو يقول :
" اعقلي يا شادية هتنزلي عقلك لعقل مرزوق ؟! ده بيستفزك اساسا "
لم تكد شادية تجيبه حتى سمع الجميع صوت ناعس خافت يصدر من تلك الغرفة التي اغلقها أدهم منذ خرج منها :
" هو ايه اللي بيحصل هنا ؟!"
وفي ثواني، بل أقل من ثواني...
في لمح البصر كانت جميع أسلحة الاحفاد تختفي عن الأنظار والجميع يخفي ملامح الغضب والاجرام التي كانت تعلو وجووهم، ليحل محلها نظرات بريئة مسالمة متذكرين تحذيرات اليخاندرو الصارمة بعدم القيام بأي أعمال عنيفة أمام أعين حفيدته تجنبًا لانهيارها كآخر مرة ومن يخالف حديثه سيكون عليه أن يواجه غضبه ..
ابتلع الجميع ريقهم تحت أنظار الباقيين المتعجبة لما فعلوه متسائلين إن كانوا يخشون هالفيتي ؟! لكن الأمر كان أنهم لا يخافونها، بل يخافون خوفها، ويخشون حزنها .
ردد انطونيو ببسمة واسعة حنونة :
" صباح الخير أميرتي كيف كانت ليلتك، اتمنى أنها كانت هانئة مريحة، أنتِ لم تتناولي الفطور صحيح ؟! يمكنني أن أرسل جاكيري لإحضار الطعام لاجلك "
تشنجت ملامح ادهم بحنق رافضًا أن يتم تدليل زوجته في حضوره، يشعر بأن أمواج انانيته بدأت تجتاح شواطئه منذ اقتحم هؤلاء التسعة حياته وحياة زوجته الحبيبة، في البداية كان هو من يدللها ويضحكها ويسعدها، الأن جاء هؤلاء ليشاركوه كل ذلك، وهو رغم معرفته أنها ليست شيئًا ليتفرد بملكيته دون الآخرين، إلا أنه لا يسعه سوى الشعور بالتملك والغيرة كلما نظر لها أحدهم تلك النظرة الحنونة .
" لا شكرًا أم فتحي مش بتحب تفطر اساسا "
رمقته هالي بحنق من حديثه :
" مين دي اللي مش بتحب تفطر ده انا بـ "
قاطعها أدهم وهو يجذب رأسها له بمزاح خشن :
" أنتِ يا حبيبتي مش بتحبي تفطري عشان الفطار بيعملك حموضة وبتتعبي بسببه "
انهى حديثه وهو يميل ليهمس في أذنها:
" هجبلك علبة نوتيلا وعلبة مربى توت لوحدك لو سكتِ "
ابتسمت هالي وقد اجبت تلك الصفقة، لكنها رغم ذلك أرادت الاستفادة أكثر :
" و لانشون ؟!"
ضغط أدهم على أسنانه طاحنًا إياها في إشارة على قرب انفجار غضبه، لكن كل ذلك لم يحرّك مقدار شعرةٍ من رأس هالفيتي التي نظرت له بحاجب مرفوع في انتظار معرفة رده على صفقتها، وقد أتاها الرد على هيئة تمتمة من ادهم تبعتها كلمات حانقة من فمه :
" ولانشون، ولانشون يا مستغلة"
ابتسمت هالي له، ثم انتبهت لما يحدث حولها تنظر في الشقة تحاول معرفة ما يحدث وقد ارتابت من حركات أبناء خالها الغريبة وقد كانت تقف أسفل جسد مرزوق المعلق على الجدار لا تراه بسبب الارتفاع المعلق به :
" هو أي اللي بيحصل هنا ؟! فيه حاجة غريبة بتحصل "
سمعت فجأة هالي صوت أتى من خلفها يقول باستنجاد لتلك المرأة التي لاحظ تأثيرها على الرجال ذوي البذلات السوداء:
" أنتِ يا ست أنتِ، أنا ورا اهو بصي "
ارتفعت صرخات هالي وهي تنتفض بعيدًا عن ذلك المكان بسبب سماعها لأصوات تأتي من الاعلى ليفسرها عقلها البسيط على أنه ليس سوى شبح :
" عفريــت "
ارتفع صوت مرزوق في المكان يردد بعد مصمصة شفاه سريعة فعلها كأمرأة عجوز:
" عفريت ؟؟ الله يكرمك يا ست فكرتيني بأيام لما كنت في المعهد كان كلهم يقولولي إني عفريت، اكمني يعني كنت اعرف اعمل كل حاجة، ما علينا مش ده موضوعنا، خلي يا ست الناس اللي وراكِ ينزلوني لأحسن ضهري بدأ يقفش عليا "
استدارت هالي فجأة للخلف ترى من قام بتقييده لترتسم في لحظات قليلة ملامح البراءة على وجه جميع أبناء خالها، بعدما كانوا يقذفون ذلك الغبي بنظرات مرعبة.
البعض نظر للأعلى يصفر كجايك الذي كان يدعي أن لا شيء حدث، ومارتن الذي أخرج هاتفه يتلاعب به، بينما انطونيو ملامحه واحدة لم تتغير فقط البرود والجمود هو ما يعلو وجهه، بينما فبريانو نظر سريعًا لادهم ورفاقه الذين كانوا ينظرون لما يحدث بهدوء ليقول مشيرًا لهم :
" هما اللي علقوه كده، احنا لسه جايين، مش كده يا جماعة ؟!"
نظر لأبناء عمومته وإخوته بتحذير ليهز الجميع رؤوسهم بنعم دون فهم، بينما هالي استدارت بصدمة لادهم وسليم وكريم وشادي ويدها تشير لمرزوق الذي كان ينتظر أن تأتي تلك المرأة بخلاصه:
" أنتم اللي عملتوا في الراجل كده يا أدهم ؟!"
تشنج سليم وهو يستمع لكلمتها :
" نعمل ايه ؟! وهنعمل ليه اساسا ؟!"
ارتفع صوت مرزوق يصحح لهالي سوء فهمها :
" لا يا مدام مش الناس دول مع أنهم يعني مرضيوش إني أفطر واخد راحة، بس ما علينا الناس اللي لابسة جواكت سودة هما اللي علقوني "
وفي ثواني فقط كان الجميع يخلع سترته دون لحظة تفكير بعد إشارة من آدم والذي فهم حديث مرزوق ...
ولم يتبقى سوى أنطونيو وفبريانو وشادي هم من يرتدون سترات سوداء ..
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة وهو يشير لثيابه قائلًا :
" قد يبدو لكِ أنني ارتدي اللون الاسود، لكن في الحقيقة هذا لون اخر وعينك هي من تخدعك، أنا ارتدي اللون الأسمر لكنه لن يظهر لكِ بسبب الإضاءة فقط "
قاطع مرزوق كل هذا النقاش الذي بدى له ممتعًا لكن ليس وهو معلق بهذا الشكل :
" معلش بس يا ست ممكن تخليهم ينزلوني وبعدين تتكلموا ؟؟"
نظرت هالي له بحيرة لا تدرك سبب تعليقه بهذا الشكل، هي ليست غبية لتظن أن من فعل هذا هم ادهم ورفاقه، ربما تقتنع إن قال سليم وادهم فهم أكثر الأربعة بأسًا، لكن في وجود أبناء خالها، سيكون اللوم كله عليهم .
تحدثت هالي لفبريانو لعلمها أنه الوحيد الذي يفهمها بعدما أدركت ذلك يوم حادثة ليزا والمزرعة يوم كادت تصاب بذبحة صدرية لمعرفتها أنه كان يفهمها طوال الوقت ومنذ تعرفت عليهم وكذلك آدم...
" علقتوه ليه ؟؟ هو الراجل ده عمل ايه ؟!"
ابتسم لها آدم بسمة صغيرة يحاول أن يجد مبرر لما تراه قبل أن تخشاهم :
" هذا ؟؟ نحن فقط رفعناه لكي يصلح السقف، أعني نحن قد بدأنا العمل للتو ولم يستطع ذلك المسكين أن يصل للسقف فتبرعنا نحن بكل كرم لرفعه، صحيح "
ردد الجميع في صوت واحد :
" نعم صحيح "
نفخ أدهم باستنكار :
" وكأنها ستفهمك، ثم حتى إن فهمتك هل تظن أن زوجتي بالغباء الذي يجعلها تصدق حديثك ؟!"
في تلك اللحظات كان فبريانو قد ترجم لها ما قاله آدم ليسمع الجميع صوتها وهي تقوله :
" اااه عشان كده متعلق، والله الناس دي بتتعب في شغلها، ربنا يرزقهم بالحلال "
نظر أدهم لها ثم عاد بنظره لادم يقول ببسمة مغتاظة:
" هي اغبى من كده بكتير "
في تلك اللحظة ارتفع صوت اليخاندرو الذي حاول أن يبعد تفكير حفيدته عما يفعل أحفاده :
" حبيبة جدك اشتقت لكِ "
ولم تفقه هالي من حديثه سوى تلك الكلمة ( حبيبة جدك) والذي كان جدها يكررها طوال الوقت على مسامعها حتى حفظتها وتستطيع تردديها دون أي أخطاء .
اندفعت لاحضانه بحب :
" وحشتني يا جدو"
ضمها اليخاندرو بحب كبير، ذلك الرجل الذي رأى من الحياة ما يمكن أن يحول المياه لجبال صلبة من قسوتها، لكنه وببساطة تخطى كل ذلك لاجلهم، لأجل أحفاده جميعهم، حاول حمايتهم ولو على حساب سلامته وحياته هو، ذلك العهد الذي قطعه منذ قتل جميع أبناءه وهو أن يحمي أحفاده بنفسه، وها هم الآن يحيطون به، حتى إن رحل الآن سيكون أكثر من سعيد لمعرفته أنهم يستطيعون حماية أنفسهم وحماية زهرتهم الوحيدة؛ تلك الزهرة التي نشأت بين تسعة من النخيل الشاهق .
ابتسم انطونيو بحنان وهو يراقب ما يحدث قبل أن يسمع الجميع صوت ضوضاء قادمة من النافذة وصراخ صبي صغير في الشارع وكأنه يذيع أحد الاخبار :
" الواد حودة بيتخانق مع الستات الأجانب على الناصية "
واستمر بترديد تلك الجملة أثناء ركضه في الشارع لتنتفض شادية وهي تقول بحنق وحدة وقد فاضت كؤوس صبرها من ذلك الـ " حودة" الذي يستمر بازعاج النساء :
" تاني يا حودة الزفت ؟! تعالى معايا يا شادي أما نشوف الزفت ده هبب ايه تاني، والله لاقطع رجله عشان يبطل يرمي كلام على اللي رايحة وجاية"
تحركت شادية للخارج وخلفها سليم وكريم وشادي عالمين جيدًا أن شادية لن توفر جهدًا لتقريع حودة خاصة بعدما تجرأ في إحدى المرات وازعج مريم أثناء عودتها من الخارج وقتها لم يستطع أحد أن يخرجه من أسفل يد كريم إلا شاكر فقط وقد أخذه للمركز وحبسه هناك ليوم حتى يتأدب، لكنه خرج وعاد لعادته وشادية توعدت له يومًا أنها إن سمعت منه شكوى واحدة ستبرحه ضربًا هو ووالدته الني لم تُحسن تربيته .
رأى اليخاندرو والأحفاد جميع الرجال يتحركون نحو الخارج بسرعة لنجدة هؤلاء النساء من حودة ومن معه غير منتبهين لكلمة " أجانب" التي صاح بها الصبي .
تحدث مايك بتعجب وهو يرى كل ذلك :
" ما الذي حدث هنا ؟!"
ترجم له آدم بشك :
" يقولون هناك شجار بين شخص يُدعى حودة ونساء ...اجنبيات "
ومع نهاية جملته ارتفع صوت مارسيلو :
" اجنبيات ؟؟؟"
حرّك انطونيو رأسه بريبة وهو يقول :
" نعم اجنبيات، لكن ما تعريف الاجنبيات هنا لهم ؟!"
ابتسم فبريانو يقول بشر وقلبه ينبأه أن تخمينه صحيح :
" اجنبيات هنا تعني أي امرأة ليست مصرية "
قال مارتن بصوت أشبه بالفحيح وحدسه يخبره أن ذلك الموضوع ستكون جولي أحد الأطراف به :
" اجنبيات كزوجاتنا ؟؟"
هز فبريانو رأسه:
" نعم كزوجاتنا"
وبمجرد انتهاء كلمته هرول الجميع للخارج في شكل مرعب جعل هالي تنتفض من احضان جدها تقول بريبة.:
" هو فيه ايه ؟؟"
نظر لها اليخاندرو ثم قال :
" يبدو أن منزلك لن يكون الوحيد المحترق في تلك الحارة عزيزتي "
وبمجرد انتهاء كلماته تحرك بسرعة صوب الاسفل فهو الوحيد الذي يستطيع تهدئة أحفاده، ولحقت به هالي في خوف لما يحدث حولها .
بينما بقى مرزوق معلق وهو ينظر للمكان الذي أصبح فارغًا حوله حتى من الصبي المساعد له والذي اختفى بمجرد وصوله هنا حينما طلب منه إحضار السجائر:
" طب وانا يا عم الحاج مش هتنزلني؟؟ يا جماعة يا للي هنا نزلوني طيب وشوفوا حودة واللي عمله، يا ناس نزلوني عايز ادخل الحمام "
صمت يحدق في المكان حوله ثم قال :
" طب متتأخروش طيب لاحسن مش همسك نفسي كتير"
________________
في الحارة وأمام مسمع ومرأى الجميع كانت نظرات الصدمة تعلو الوجوه من تحول " الفتيات الأجنبية " كما يطلقون عليهم، لأشخاص هم اقرب لأبناء الحارات المصرية الأصيلة، فها هي إحدى الفتيات تمسك حودة توسعه ضربًا وهو يتلوى ارضًا من ضربات حذائها يحاول الإفلات منها :
" طب والله لاوريكِ يا زبالة يا بنت الـ ***، اوعي بس كده عشان والله هوريكِ "
تدخل أحد الشباب الواقفين في المحيط يتحدث بحدة مغتاظًا من ذلك الشاب الذي يُمثل نموذجًا سيئًا لجميع الشباب هنا :
" ده لو قومت، اصبر بس تخلص منك وانا همسكك اروقك أنا ورجالة الحارة احلى ترويقة عشان تبقى تحرم ترفع عينك بالغلط في بنت "
لكن حودة لم يكن في مزاج يسمح له بسماع توعد ذلك الرجل، بل كان جلّ اهتمامه أن يخرج حيًا من أسفل يد تلك المرأة التي أصابته بصدمة كبرى حينما سمعها تسبه بكل السبات المصرية الاصيلة، صدمة جعلت رفاقه يتجمدون في أرضهم حتى انقضت عليهم فتاة أخرى لكنها كانت تتحدث بلغة غريبة عكس الاولى ولم تكن تلك الأخرى سوى جولي التي لم تفهم شيئًا غير أن رفقة تتشاجر مع هؤلاء الشباب الوقحين.
بعدما أسقطت جولي الشاب الآخر ارضًا انحنت تفك رباط حذائها حتى تضربه به كما تفعل رفقة، لكن يبدو أنها استغرقت وقتًا طويلًا لفك رباطه، وقت استطاع به الشاب الهرب من تحت يدها مرتعبًا أن يصل أمر الشجار لوالده .
بينما جولي علت ملامحها الصدمة والحسرة فبعدما خلعت حذائها أخيرًا رحل ...
لكنها لم تدع الحسرة تتمكن منها طويلًا فقد انقضت فورًا على ذلك الشاب الذي كانت تضربه رفقة تضربه بحذائها تسمعه من السبات الايطالية اسوأها، بينما جميع الفتيات اتخذن دور الجمهور ليشجعنهن ...
ابتلعت روز ريقها وهي تبصر بعينها الشاب الثالث الذي هرب منذ بداية المعركة يعود ومعه امرأتين يبدو على ملامحهما الإجرام ..
جذبت ثياب روما وهي تقول بريبة :
" روما لنذهب من هنا فالأمر يزداد سوءً"
نظرت لها روما توافقها على رأيها، نظرت لجولي ورفقة تتحدث بصوت مرتفع صارم:
" رفقة جولي لنرجل من هنا الآن"
لكن يبدو أن ايًا منهما لم تستمع لما قيل، وقبل أن تتبع روما جملتها السابقة بأخرى وجدت امرأتين ذوات جسد معتدل ليس بالكبير أو الصغير يقتحمن الشجار وصراخهن يعلو بكلمات غير مفهومة، سمعت جوارها صوت لورا التي تدخلت بحدة تصرخ بكلمات أخرى غير مفهومة لها، لتشتعل الحرب أكثر بانضمام فيور لهن وهي تنقض على إحدى المرأتين ...
وصلت أم حودة للشجار بعدما أبصرت رفيق ابنها يعود للمنزل شاحب الوجه لتسأله عن ابنها وتعلم منه ما حدث، اقتحمت الشجار وهي تصرخ بجنون :
" جرا ايه منك ليها هتموتوا الواد، اوعي يا ختي، اوعي يا شاطرة كده "
كانت تتحدث وهي تزيح رفقة بحدة جعلتها تسقط ارضًا بقوة على يدها، ورغم احساس رفقة بالوجع يسري في ذراعها إلا أنها تمكنت من تحمله وهي تعتدل تنفض ثيابها :
" والله اللي عنده عيل قليل الادب يلمه مش يطلقه يرازي في خلق الله، ثم ابنك هو اللي بدأ اساسا "
شهقت المرأة وهي تقول بحدة وصراخ :
" والله ابني شاب زي أي شاب بيبص هنا وهنا، مش ذنبه أنك نسيتِ تلبسي وأنتِ خارجة وطلعتِ بلبس بيتك "
أنهت حديثها في إشارة لملابسها التي كانت عبارة عن بنطال اسود قماشي مع قميص صيفي باللون الاصفر، رفعت رفقة حاجبها ولم تكد تجيب حتى اقتحمت لورا المكان صارخة بصوت أعلى من صوت المرأة في:
" اييه لا هيك كتير، اصلًا ابنك بلا ترباية يا خالة "
اشتعلت عين المرأة ولم تكد تتحدث حتى لمحت روبين التي كانت تحمل قاسم لتشتعل عينها مرددة :
" مش ده ابن الدكتور أدهم؟! معنى كده أنكم قرايبه ؟! "
نظرت روبين لها تضم قاسم لها بخوف أن تأذيه، بينما السيدة ابتسمت بسخرية وهي تنظر لرفقة من أعلى لاسفل :
" اكيد مش هتجيبي قلة الأدب دي من برة، اكيد من شادية "
في الوقت الذي نطقت به اسمها كانت كمن حضر العفريت، اقتحمت شادية الجمع تزيح هذا وذاك جانبًا تتحرك بصعوبة بسبب عمرها وصوتها يصدح في أرجاء المكان :
" ومالها شادية يا ام حودة ؟! كنت باكل منابك ولا يكونش مرات ابوكِ؟! بعدين مين دي اللي قليلة الادب يا ولية يا ناقصة، ده مفيش حد في الحارة دي ميعرفش تربيتك اللي زي وشك اللي مربياها لعيالك"
نظرت جميع الفتيات للسيدة الجديدة والتي لم يتعرفوا عليها، إلا أنهم ابتسموا لتدخلها فهي الوحيدة التي تسببت في احمرار وجه والدة الصبي التي نظرت بغضب حولها وهي تردد بصوت صاخب مرتفع :
" والله يا حبيبتي على الأقل ابني صغير وملوش في المشاكل آخره يعاكس بنت ولا يرمي كلمتين، الدور والباقي على اللي حفيدها والعيال صحابه ماشيين يعملوا مشاكل مع خلق الله وكل يوم والتاني عاملين دوشة في الحارة "
اسودت عين شادية وهي ترفع يدها في وجه المرأة :
" كلامي مش معاكِ يا سامية، كلامي مع جوزك اللي سايبك ماشية تخبطي في غيرك، والكلام اللي قولتيه في حق احفادي مش هنساه، دول مش عيال صغيرين بريالة زي ابنك، لا دول رجالة وعمرهم ما وقفوا في باطل ودايما مع الحق"
لوت سامية شفتيها بسخرية لاذعة ولم تكد تجيب حتى انقلبت الحارة رأسًا على عقب بتدخل رجال كثير بثياب سوداء وملامح جامدة تنافس سواد ثيابهم وصوت واحد ارتفع بشكل مرعب :
" ما الذي يحدث هنا ؟؟"
_________________________
وعلى مقربة من كل ذلك كان يجلس في مكانه المفضل الذي اكتشفه منذ البارحة مساءً، يستند برأسه في سعادة وانتشاء بسبب تلك الرائحة التي تقتحم أنفه، لقد ترك الجميع منذ جاءوا صباحًا لرؤية هالي وجاء هو هنا لتناول المزيد والمزيد من ذلك " الكرشي اللذيذ "
" وعندك احلى طاجن كشري وصلحه "
كانت تلك كلمات أحد الشباب الذين يعملون في المحل والذين تعرفوا على جاكيري منذ الأمس حينما تناول عندهم ما يزيد عن خمسة اطباق دون اكتفاء .
ابتسم له جاكيري يشكره بكلمات مقتضبة قبل أن ينقض على الاطباق يتناول منها ما يشاء وصوت تمتماته اللذيذة تعلو في المكان راسمة بسمة فخورة على فم الشاب الذي قدّم له الاطباق، تحرك الشاب بعيدًا تاركًا إياه يتناول ما يشاء دون حرج ليسمع صوت المدير يردد ببسمة واسعة :
" هو نفس الزبون بتاع امبارح رجع تاني ؟!"
هز الشاب رأسه بنعم وهو يقول :
" أيوة يا معلم تقريبًا مقدرش يقاوم حلاوة الكشري بتاعنا"
ابتسم الرجل بسعادة كبيرة وهو يراقب ملامح التلذذ التي تعلو وجه جاكيري، وقد امتلأ قلبه سعادة لحضور أحد الأجانب لمطعمه المتواضع، لكن فجأة وأثناء كل هذا لاحظ المدير وجه الزبون ينقلب وهو يستمع لرنين هاتفه .
وعلى طاولة جاكيري وأثناء تلذذه بتلك الوجبة الجميلة رخيصة الثمن والتي لم يصدق البارحة سعرها حينما أخبره الشاب، قاطع كل ذلك صوت رنين هاتفه، لوى فمه بحنق يخرجه من جيبه ليرى المتصل ووجد أنه لم يكن سوى ماركوس ..
فتح جاكيري الهاتف يجيب المتصل ليرتفع صوت ماركوس من الجهة الأخرى قائلًا بجدية ونبرة عالية بعض الشيء وفي الخلفية يعلو اصوات شجار عنيفة لم يميز منها سوى صراخ زوجته وحديث انطونيو العنيف أن تصمت ..
" جاكيري تعال بسرعة أمام منزل أدهم، زوجتك تتشاجر مع بعض الشباب هنا "
انتفض جاكيري من جلسته بصدمة، ثم أخرج أموال من جيبه دون عد وتحرك خارج المطعم بسرعة كبيرة يمسك فمه بأحد المناديل، يفكر في السبب الذي يجعل رفقة تشاجر رجل، وحينما اقترب من منزل أدهم أبصر تجمعًا تعلو منه اصوات الصياح ...
وفي وسط الشجار كان انطونيو ينظر بتحذير لرفقة ألا تدخل في الأمر :
" أخبرتك أن تبتعدي رفقة ونحن من سيتولى الأمر "
لكن رفقة أصرت وهي تقول في وجهه :
" لا لن افعل انطونيو ذلك القذر رفع يده وكاد يضربني بعدما صفعته لأجل كلماته القذرة التي ألقاها على مسامعنا، حتى أن أحد رفاقه دفعني ارضًا "
تدخل ادهم في الأمر حتى لا تتصاعد الأمور وهو يعلم كيف يمكن أن يتصرف أقارب زوجته، فهم يستطيعون إحراق المكان إن اضطر الأمر، وبالفعل بدأ يرى أسلحة تخرج من ثياب الجميع، زفر أدهم يتقدم من الجميع :
" حسنًا جميعًا فقط اهدأوا تلك الأمور لا تحتاج لكل ذلك العنف، هذا الاحمق سوف يُعاقب اضمن لكم هذا، لكن فقط لنتحدث بهدوء "
تدخل فبريانو بقوة وهو ينظر لارتعاشة زوجته التي كانت تضم الصغير محتمية به :
" بل أنت من لن يتدخل، هذا الفتى لي وحدي "
وصلت هالي في نفس الوقت الذي وصل به جاكيري والذي اخترق الجمع بعنف وملامح لا تراها عادة على وجهه المشاكس المازح، ملامح مخيفة يضم زوجته بحمائية كبيرة :
" ما الذي يحدث هنا انطونيو ومن هذا الذي تجرأ وابكى زوجتي "
أنهى حديثه يضم رفقة له بلطف بينما رفقة وبمجرد أن سمعت صوته حتى استكانت وصمتت واطمئن قلبها بوجوده، بينما الجميع نظروا للشاب الملقى ارضًا والتي كانت والدته جواره تحاول أن تساعده للنهوض ....
تحدث انطونيو يرفع إصبعه مشيرًا لمنزل أدهم بمجرد أن لمح وجود هالي، وقبل أن يتطور الأمر ويخرج أبناء عمومته وإخوته عن طور هدوئهم قال :
" الجميع لمنزل أدهم الآن ودون نقاش "
فتح فبريانو فمه للحديث لكن قاطعه انطونيو بشر :
" قلت الجميع ولم استثنيك فبريانو "
ودونًا عن إرادته تحرك فبريانو يسحب له روبين بحنان بينما الغضب ينبض من كل حركاته وهكذا انسحب كل رجل بزوجته ولم يتبقى سوا شادية وهالي وزوجها وجده.
نظرت شادية لسامية وقالت :
" والله يا سامية ما أنتِ قاعدة فيها، هنضف الحارة منك ومن ابنك اللي مسابش ست ولا بنت غير وقل أدبه عليها سواء بكلمة أو بلمسة "
أنهت حديثها تتحرك صوب مقهى ابنها وفي رأسها عازمة على وضع حد لتلك الآفات التي تتمثل في حودة ورفاقه
بينما انطونيو أشار لادهم أن يأخذ زوجته ويصعد :
" وأنت ادهم رجاءً خذ هالي واصعد سوف الحق بكم، وكذلك أنت جدي "
ودون كلمة أمسك ادهم بيد هالي وأخذها بعيدًا خوفًا أن ترى ما يخيفها، وكذلك اليخاندرو الذي رمق حفيده بنظرة صغيرة فهمها الاخير .
وهكذا رحل الجميع ولم يتبقى سوى أنطونيو وحودة وأقارب حودة ووالدته، تحرك انطونيو صوب الأخير الذي كان يتسطح ارضًا يقول ببسمة بدت باردة هادئة لكنها في الباطن كانت مخيفة بحق يمد يده لحودة وصوته خرج مخيفًا :
" هيا عزيزي دعني اساعدك ......"
______________________
كانت جميع الفتيات يجلسن في منزل أدهم لا أحد يتحدث بكلمة، بل لا يجرأن على الحديث وهن قد ضربن بحديث أزواجهن عرض الحائط، ولم يكتفين بذلك بل افتعلن مشاكل في المكان وتعرضن للمضايقات أثناء قدومهن..
ابتسمت لورا بسمة غبية وهي تتحرك من مقعدها تقترب من مايك تقول بصوت برئ :
" اشتقت لك مايكي "
رفع مايك حاجبه بسخرية لاذعة ولم يجب ثم أشار بعينه لها أن تتحرك صوب مقعدها وقد فهمت لورا الرسالة التي ارسلتها عينه، فجلست وصمتت ولم يتحدث أحدهم حتى ارتفع صوت فبريانو الصارخ والذي امتلئ صدره غيظًا بسبب كل ما حدث :
" هذا يكفي سوف أهبط واقتله ثم أعود "
أمسك مارتن يد قبل أن يهبط ويتهور في منتصف النهار وأمام أعين الجميع، هم ليسوا في قصر معزول أو في جبل نائي حتى يخرج سلاحه ويتصرف كأن لاشيء ليعبأ به ..
" توقف فبريانو جدي ينظر لك بشكل مخيف "
تحولت عين فبريانو صوب اليخاندرو الذي حذره من التحرك خطوة اضافية، واحترامًا لجده فقط عاد مكانه كطفل تم انتزاع لعبته المفضلة منه ..
دقائق مرت بصمت على الجميع حتى ارتفع صوت مرزوق الذي كان ما يزال معلقًا :
" وحدوه ..."
تمتم البعض منهم بلا إله إلا الله ليعلو صوت مرزوق مجددًا وهو يقول :
" يا جماعة ده شيطان ودخل بينكم والله يا استاذ فبريانو، نزلوني بس وبعدين حلوا مشاكلكم الأسرية مع نفسكم، مش قدامي أنا مهما كان شخص غريب عليكم، روحوني لامي واتكلموا زي ما تحبوا اصل انا فتان وممكن اقول لامي على اللي بيحصل هنا "
رمقته هالي بسخرية :
" وأنت فاهم على كده يا مرزوق ؟!"
" لا يا ست هانم بس هسجل ليكم كل حاجة واترجمه على جوجل، معلش هتعبك معايا ناوليني بس التليفون بتاعي من شنطة العدة اللي عندك تحت "
تجاهلته هالي وهي تنظر لأبناء عمومتها تقول بجدية :
" مرزوق عنده حق يا جماعة ده شيطان ودخل بينكم، بعدين مش فاهمة أنتم متعصبين من إيه ؟! ده حودة يعني آخره مبيد حشري ونخلص منه "
نهضت شادية من مكانها تقول ببسمة :
" هروح اعمل عصير ليمون ليكم يهدي اعصابكم"
خرجت وهي تردد :
" ايه الاشكال اللي تفتح النفس دي،ده مفيش واحد فيهم فيه عيب صغير"
تحدث أدهم بهدوء وهو يرى أن الجميع بدأ يهدأ:
" خلاص اللي حصل حصل وانا هتصرف مع حودة واهله، ممكن دلوقتي نركز في بيتي اللي متفحم ده لو مكنتش هزعج روح الانتقام جواكم"
التفت له فبريانو بشر ليتحدث أدهم دون اهتمام :
" متبصليش كده، اساسا أنتم اللي باين عليكم عيلة لبش وبتاعة مشاكل من وقت ما رجليكم دبت المكان "
ابتسم فبريانو يردد بسخرية وملامح جامدة :
" العيلة اللبش دي هي اللي جابت الكلب اللي عمل في بيتك كده "
انتفض جسد أدهم بعنف وهو ينظر لفبريانو بصدمة :
" هو فيه حد هو اللي حرق البيت ؟؟"
ابتسم فبريانو بسمة جانبية ولم يتحدث بكلمة لينهض أدهم من مكانه يقترب منه يمسك تلابيب ثيابه مهددًا إياه دون أن يعبأ بمن يقف أمامه :
" أنت هتخرس دلوقتي ؟؟ انطق قولي مين اللي حرق بيتي وعشان ايه اساسا ؟؟"
نظر فبريانو ليده ثواني ثم ودون أن يشعر وجد أدهم قبضة فبريانو تصطدم بوجهه والأخير ينهض من مكانه يقول بجدية :
" إياك أن تتجرأ وتمسك بي بهذا الشكل مجددّا، ونعم أيها الاحمق ذلك الرجل الذي تشاجرت معه في المشفى قبل سفرنا هو من حرق منزلك بالكامل"
اشتعلت عين أدهم ليس من ضربة فبريانو، بل من حديثه شعر بدماءه تهدر في عروقه والنيران تكاد تخرج من أعينه، لكن جملة فبريانو التي خرجت لاحقًا هدأته قليلًا :
" لقد توصلنا له عن طريق بعض أفراد الحارة الذين تعرفوا عليه، وقد قمنا بالتخلص منه "
شهق أدهم بعنف لوقع تلك الكلمة على أذنه:
" قتلتوه؟؟"
فتحت هالي عينها وهي تنظر لفبريانو تصيح برعب وعدم فهم :
" قتلوا ؟! قتلوا مين ؟؟"
نظر لها فبريانو ينفي تلك الفكرة التي زرعها ذلك الغبي زوجها الان في رأسها:
" نقتل مين !! لا احنا بس ضربناه شوية صغيرين وبعدين سلمناه هو والتسجيلات للشرطة "
قال جملته الأخيرة بتذمر كبير وكأنه لم يكن راضيًا عن الأمر وفي الحقيقة هو كان كذلك، لكن رغبة جدته هي من نفذت وتم تسليم ذلك الرجل وعائلته للشرطة بعدما تلقى بعض الضربات منهم ...
في ذلك الوقت صعد انطونيو يمسح يده بمحرمة وهو ينظر للجميع بغموض وبسمة صغيرة مرتسمة على فمه، يقول دون اهتمام بشيء :
" إذن بما أن الجميع هنا، هلّا بدأنا ؟؟؟؟؟"
نظرت روما لانطونيو تراقب بسمته تلك والتي زرعت الراحة في قلبها من ردة فعله، ظنًا بكل غباء أنه تجاهل مخالفتها أوامره وخروجها من القصر في دولة لا تعلم عنها شيئًا ..
لكن اقتراب انطونيو منها وهمسته بالقرب من أذنها حطمت آمالها على صخرة الواقع :
" أنا لم أنس ما فعلته سيدة روما، لكن عندما ينتهي هذا كله سنتحاسب، فقط انتظري لنعود إلى غرفتها "
نظرت له روما بأعين بريئة تهمس له بالمثل :
" أنا لن أفعل شيئًا كانت رفقة هي من تشاجرت اقسم لك "
" أنا لا أتحدث عن المشاجرة روما "
وبهذه الكلمات أنهى الحوار وهو يعتدل في وقفته وفتح فمه للتحدث، لكن قاطع كل ذلك صوت مرزوق وهو يقول بحنق :
" هو مش كفاية ولا ايه ؟! أنا حاسس اني هطرح بلح كمان شوية، ما تنزلوني يا جماعة كدة كتير والله "
أشارت هايز حيث مرزوق بتعجب :
" صحيح من هذا الرجل ؟؟ ولماذا هو معلق بهذا الشكل ؟؟"
نظر الجميع لمرزوق الذي كانت ملامحه حانقة غاضبة ليغمغم فبريانو بلا اهتمام :
" هذا مرزوق "
قالت روبين بتعجب :
" أيوة مين مرزوق وليه متعلق كده ؟؟"
ابتسم فبريانو ثم قال بتلميح وفحيح :
" أصله مش بيسمع الكلام، وبيخالف اللي بقوله عليه "
ابتسمت روبين بغباء تدرك أنه يقصدها بذلك الحديث :
" معلش سامحه هو بيحبك وعشمان فيك خير "
رفع فبريانو حاجبه :
" مين ده ؟؟"
" مرزوق "
قاطعهم صوت اليخاندرو الذي نهض من مكانه يشير للجميع أحفاده :
" حسنًا يكفينا هذا، منذ الصباح ونحن لم نفعل شيئًا مما جئنا لاجله، هيا احبائي احملوا عدتكم وتجهزوا لبدء العمل ..."
_______________________
في الاسبوع التالي لذلك اليوم كان الجميع يعمل على قدم وساق للانتهاء من تلك الأعمال في اسرع وقت، الجميع يتعاون، أو يحاولون التعاون، فأمر كالتعاون وسط ساحة الحرب تلك أشبه بتساقط الثلوج في أسوان صيفًا ...
كان مايك يحمل فرشاة ضخمة يحاول أن ينتهي من دهان الأركان التي لا يصل لها أحد، وخصره يهتز يمينًا ويسارًا على تلك النغمات التي تصدح في المكان، لا يهتم للصرخات والشجارات القصيرة التي تحدث كل ثانية بين الجميع .
توقف عما يفعل حينما شعر بمن يصطدم به، استدار ليرى أن من اصطدم به لم يكن سوى مرزوق والذي كان يكمل كوب الشاي الخاص به يدور على الجميع يتخذ دور المشرف، ولم تمس يده العمل سوى مرات قليلة حينما يرمقه انطونيو بشر .
تأتأ مرزوق بحسرة بعدما تسبب اصطدام مايك في تساقط بضع قطرات شاي عليه وعلى ثيابه :
" الله مش تخلي بالك يا باشا؟! كنت هتضيع عليا كوباية الشاي الصباحية "
نظر حيث الجدار الذي يقوم مايك بدهانه ليحاول أن يضيف بعض ملاحظاته :
" تسلم ايدك يا زي الفل، بس شوف الخط اللي فوق ده ميّل الفرشة بزاوية وادهنه كويس بلاش شغل الكروتة دي"
ختم حديثه يرتشف من كوبه بصوت مرتفع ثم أضاف :
" بس عامة تسلم ايدك، أنت بس لو تطاوعني وتيجي تشتغل معايا هأكلك الشهد بدل الزفت اللي اسمه سمير اللي وجوده زي عدمه، فكر ورد عليا "
ربت على كتف مايك وهو يتحرك ليشرف على الباقيين، بينما مايك ينظر لكتفه حيث ربت ذلك الاحمق، لكنه لم يهتم كثيرًا بشيء وهو يعود للاندماج مع تلك الأغنية التي وضعها .
في منتصف المنزل كان جايك هو المسؤول عن تحضير الدهانات واخبار الجميع بأي لون يدهنون الجدران، فكان هو مصمم الديكور الخاص بالمنزل، وبينما يقوم بخلط الدهانات شعر بجسده يسقط فجأة في دلو الدهان بقوة، وصوت خلفه يردد بصدمة :
" تؤ تؤ تؤ يا ستار يا رب ده أنت اتزرعت زرع بصل، حاول تخرج بسرعة بس متقومش مرة واحدة استنى لما تتصفى لاحسن تنقط على الأرضية والدهان ده غالي مش ناقصين خسارة الله يكرمك "
انتهى مرزوق من إلقاء أوامره، ثم تحرك صوب مسجل الصوت الذي كان يصدح في الإرجاء ليوقفه بحنق من تلك الأغاني الاعجمية التي لا تستسيغها أذنه، ثم قام بتشغيل أغنيته المفضلة يمتص شفتيه بتأثر على صوت الموسيقى التي علت في الأجواء :
" الله الله، سمعنا يا سلطان الزمان ..."
راقبه أدهم يتحرك كالمخمور في منتصف المنزل وهو يحمل كوب الشاي الخاص به يردد مع الأغنية بكل استمتاع :
" الجو هادي خالص والدنيا هس هس، وانا وأنت يا حبيبي ونجوم الليل وبس "
في ثواني كانت يد أدهم تهبط على كتف شادي بعنف مشيرًا لمرزوق :
" اتفضل روح حزمه، روح حزم الاستاذ النقاش اللي جايبه يشرف علينا ويشرب ويفطر ويروح "
تأوه شادي بوجع من ضربة ادهم :
" مالك بس يا ادهم ما تروق، ما الجو بونو بونو وآخر سلطنة اهو"
اشتدت غضب أدهم وهو يكرر ضربته على كتف شادي :
" بتهزر ؟! ليك عين تهزر ؟! اتفضل خلي الاستاذ يخلص نمرته ويكمل دهان المطبخ "
تحرك شادي صوب مرزوق بحنق وصوت تمتماته تعلو في الأجواء وهو يتذمر من كل شيء :
" محسسني إني ولي أمره "
توقف شادي في منتصف بهو المنزل وهو يراقب حركات مرزوق الذي كان يتحرك وهو يحرك يديه في الهواء يردد باندماج :
" اديني حب اكتر، اديك الشوق يا سكر "
امسكه شادي من ثيابه جاذبّا إياه صوب المطبخ :
" اديك حب؟؟ ده أنا هديك بالجذمة يا مرزوق لو ما شوفتش شغلك"
وما كاد يتحرك خطوة مع مرزوق حتى شهق الاثنان بفزع كبير لشعورهما بدلو من الدهان يسقط أعلاهما بسبب جايك الذي صرخ بجنون في وجه مرزوق :
" أنت أيها الغبي لقد وصلت لنهايتك معي "
أشار شادي لنفسه ولذلك اللون الذي غطاه :
" طب وانا مالي، أنا مال امي بيكم وبمشاكلكم ؟!"
أطلق كريم ضحكات صاخبة يراقب شادي الذي أصبح باللون اخضر، بينما سليم كانت ضحكاته ترن في أرجاء المنزل وهو يشير لشادي يسقط ارضًا من كثرة الضحك :
" هالك بعد ما جاله السُل "
رمقه شادي بشر ولم يكد يتحدث بكلمة حتى شاركهم ادهم الضحك يتحرك صوب شادي بصعوبة حاملًا بين يديه عصا رقيقه قسمها نصفين ثم وضع كل نصف في إحدى جهات رأسه ليبدو كما لو كان يمتلك قرون استشعار...
" مرحبًا بك على كوكب الأرض "
نظر له شادي بحنق وهو يدفعه :
" ها ها يا مضحك يا ابو دم خفيف، الحق عليا بساعدك وبتتريق عليا، طب والله لاسيبلك الشقة وشوف مين هيحلق على مرزوق "
ضحك كريم يشارك أصدقائه المزاح :
" خلاص بقى يا شادي متبقاش قفوش كده، تعالى هنضايفك عشان تقول لقرايبك القضائين أن أهل الأرض ناس كريمين "
شاركه سليم الضحك وهو يشير له أن يصمت :
" سيبه يا كريم تلاقيه راكن السفينة الفضائية صف تاني "
" تصدق ياض منك ليه أنتم دمكم سم اوي بجد، لا بجد نكتكم بايخة اوي "
ضحك ادهم بقوة :
" بس ضحكتني "
" عشان أنت بايخ زيهم "
كان أنطونيز يراقب ما يحدث رغم عدم فهمه الا أنه ابتسم مرتاحة وهو يردد :
" جيد أن المشاكل لا تحدث مع هؤلاء الحمقى وإلا كانوا دمروا المنزل مجددًا"
ولم يكد ينتهي من كلماته حتى ارتفع صوت صرخات مارتن الغاضبة وهو يصيح في مارسيلو :
" أيها الكسول انظر ماذا فعلت ؟؟ لقد استغرق مني الأمر ثلاث ساعات وأنت دمرته ببساطة "
ضرب انطونيو رأسه بالجدار أمامه يلعن لسانه الذي تحدث منذ قليل بتلك الجملة :
" ليتني لم انطق بكلمة واحدة، يا ويلتي متى سأعيش بسلام ؟؟"
ارتفع صوت مارسيلو يلوح بيده في الهواء معترضًا على حديث مارتن والذي كان يساعده في توصيل الكهرباء للغرف التي انتهوا منها بالفعل :
" أنت من تظن نفسك لتصرخ في وجهي ؟؟ بدلًا من شكري لأنني لم اتركك تعمل وحدك وانام، تأتي لتصرخ بي؟؟ تبًا لك ولجميع أفراد عائلتك مارتن "
كان يتحدث وهو يلوح بيده في الهواء لدرجة أنه أصاب كريم الذي التصق وجهه في الجدار الذي لم يجف طلائه بعد ويصبح وجهه باللون الازرق السماوي، وتعلو ضحكات شادي الذي أشار لكريم :
" عم الكواكب والمجرات كلهم، أنت هنا ياراجل؟! ده انا قالب عليك كوكب زحل مش لاقيك"
مسح كريم وجهه بغضب ليضرب كتف مارسيلو بغيظ :
" أنت يا هذا انتبه أين تحرك يدك "
استدار له مارسيلو :
" ماذا أيضًا هل تريد التشاجر أنت كذلك؟! "
ولم يكد يتحدث كريم حتى تدخل ماركوس للدفاع عن كريم صديقه المقرب من قلبه ضد أخيه الذي يعلم أنه قد يخرج وحشه في وجه ذلك المسالم :
" مارسيلو لا تصرخ فيه هكذا أنت من ضربت وجهه اولًا "
" تقف ضد أخيك لأجل صديقك أيها الخائن"
تدخل مايك في الحديث وهو يتحرك صوب الاثنين :
" هيييه أنتما هل تتشاجران في وجودي ؟! ألا احترام لديكما ؟؟"
سخر فبريانو من كل ذلك وهو يحتسي كوب من الشاي الذي اضحى يدمنه منذ جاء هنا، يراقب كل ذلك الشجار حوله والذي كان يشعره بالراجة والانتشاء ...
بينما جاكيري والذي كان يدهن المرحاض خرج للتو وهو يضع سماعة في أذنه يغمض عينه يتحرك بشكل يشبه مايكل جاكسون في الصالون حيث يتشاجر الجميع ...
فكان يتحرك هو باقدامه في مهارة عالية وهو يغمض عينه ويرقص بينما الحرب قائمة على بُعد خطوة واحدة منه .
وآدم يحاول أبعاد مرزوق عن جايك لينقذ ذلك الغبي من بين مخالب ابن عمه، وعلى مقربة منه يقبع شادي الذي اشتد غضبه من سليم فهجم عليه ليتدخل أدهم يحاول أن يحيل بينهما ...
كل ذلك ومازال فبريانو يرتشف الشاي باستمتاع وهو يتحرك من مكانه صوب مصدر الصوت ليبدل الأغنية وفي ثواني صدحت اغنية ( البيت وناسه ) في المكان وفبريانو يحرك رأسه مع الأغنية باستمتاع يحاول تقليد ذلك الفيديو الذي شاهده ذات مرة لشجار على اغاني العائلة وكم أعجبته تلك الفكرة، وجواره مازال جاكيري يحرك جسده كمايكل جاكسون وهو يتحرك بقدمه في مهارة كبيرة وانطونيو يراقب مايحدث ببرود كبير يرفض حتى أن يُتعب حنجرته ويخبرهم أن يتوقفوا ...
في الأعلى حيث منزل شادية كانت الحرب مشتعلة كذلك لكن بين شادية وأم علي التي جاءت بعد غياب اسبوعين بسبب سفرها عقب الحريق مباشرة، والآن فقط عادت لتطمئن على ما حدث لتجد شادية في الانتظار ...
انقسمت الفتيات لفريقين البعض يجذب أم علي بعيدًا خوفًا عليها من بطش شادية والبعض الآخر يحاول تهدأة شادية التي كانت تقسم أن تنتقم من تلك الثرثارة...
كل ذلك وروما تجلس بهدوء على أحد المقاعد تراقب ما يحدث من بعيد خوفًا على صغيرها وجوارها تجلس اشرقت التي كانت تقطع الخضار لأجل صنع الطعام للرجال تراقب ما يحدث باهتمام ...
"إذن اشرقت هل سيستمر الأمر كثيرًا، فأنا جائعة وقد تأخر الطعام"
رددت اشرقت وهي تتناول قطعة خيار صغيرة :
" لنأمل أن يأتي شاكر فقط وعندها سينتهي كل ذلك "
هزت روما رأسها وهي تنظر لما يحدث، فهم منذ اسبوع ويومين تقريبًا وهم يأتون بشكل دوري لمنزل أدهم للمساعدة في تحضير الطعام، حسنًا هي لا تفعل شيئًا لكن الباقيات يفعلن خاصة روز التي لا تطيق البقاء خارج المطبخ أكثر من خمس دقائق وخاصة الآن حينما أُتيحت لها فرصة التعرف على طعام من ثقافة أخرى..
هن يساعدن في الطهو والرجال يساعدن في اصلاح المنزل، بينما اليخاندرو يقضي نهاره على مقهى والد شادي ومعه المدلل قاسم واحيانًا يبقى في المنزل ويأتي للأطمنئان أن كل شيء يسير على ما يرام .
" أنا هسيبك عشان الواد علي ابنك، بس يا ام علي والله لو عملتيها مرة تانية هيكون اخرك معايا طبق فل وشوية مكسرات "
أنهت حديثها تبعد أيدي الجميع عنها ثم صاحت بحنق :
" يلا كل واحدة تشوف بتعمل ايه خلينا نخلص الاكل لاحسن الرجالة شوية وهتجوع "
غمزت لها منة تحاول أن تخفف من حدة الأجواء :
" الرجالة برضو ولا جد الرجالة يا شادية ؟!"
في ثواني ارتسمت بسمة على فم شادية؛ بسمة خجولة لا تليق بها :
" يوه جاتك ايه يابت يا منة، اكيد بعمل كده عشان الرجالة دول مهما كانوا زي اخواتي الكبار برضو "
انطلقت ضحكات الجميع في المكان عدا من لم يفهمني
الحديث، لتنهي هالي كل ذلك وهي تضحك بصوت عالي تشير لهن بالتحرك :
" طيب يلا كفاية كلام خلينا نخلص، يلا يا لورا خدي هايز وفيور واعملوا العصير، ورفقة مع راسيل يعملوا السلطة والباقي معايا نخلص تحمير الفراخ وعمايل المحشي تحت إشراف هاجر ( زوجة شاكر ) "
ابتسمت هاجر وهي تتحرك صوب مملكتها التي تنعزل بها :
" خلاص باقي آخر حاجة في المحشي هعملها "
وهكذا أصبح منزل شادية كخلية النحل الجميع يعمل عدا روما، الكل له دور في تحضيرات الطعام لأجل الرجال الذين يتعبون كثيرًا فيما يفعلون، ولو جاء أحدهم وأخبر الفتيات أن أزواجهن سيفعلون كل ذلك، وأنهم _باستثناء جايك _سيحملون فرشاة الدهان ويحملون ادوات الإصلاح لإعادة الحياة لأحد المنازل لسقطت جميع الفتيات ارضًا من الضحك، فهذه ستكون معجزة، الرجال الذين لم يعتادوا يومًا حمل أي شيء عدا الأسلحة، الوجوه التي لم تعتاد سوى الغضب، الأفواه التي لم تعتد سوى الصراخ، كل ذلك تغير لأجلها...زهرتهم الندية .
الفتاة الوحيدة التي وحّدت قلوب التسعة، المرأة الوحيدة التي تشاركوا في حبها، من لأجلها تجاهلوا كل الحدود وكل ما بنوه سابقًا، من لأجلها وافقوا أن يتناسوا هويتهم ويندمجوا في عالم بسيط بعيدًا عن ذلك الأخر المخيف .
_______________________
مر أسبوع آخر...
كانت تدور في منزل شادية بتعجب لا تجد أحد فيه، فهي وصلت للتو بعد رحلة قصيرة للسوق حيث ارسلتها شادية لإحضار بعض الفاكهة للرجال، لكن بمجرد وصولها لم تجد أحد حتى منزلها الذي منعها ادهم أن تطئه منذ اليوم الذي بدأ به العمل بحجة أنه يريد أن يجعله مفاجأة لها، كان بابه مغلق أثناء صعودها ولا صوت يخرج منه أبدًا .
ألقت هالي الحقائب ارضًا تخرج منها هاتفه لتتحدث مع رفقة أو اشرقت أو أي أحد، لكن ما كادت تفعل حتى ارتفع رنين هاتفها بين يديها لتنتفض بفزع، تضع يدها على قلبها وهي تتنفس بعنف مجيبة :
" الو يا أدهم"
" أنتِ فين ؟!"
تعجبت هالي سؤاله، لكن رغم ذلك أجابته وهي ترمق منزل شادية حولها بتعجب :
" أنا عند شادية، بس هو مفيش حد هنا خالص هما عندك ؟!"
نظر أدهم حوله، ثم تحرك خارج المنزل يقول بلهفة يصعد درجات المنزل وقلبه يقرع بسعادة غير مفسرة :
" طب خليكِ عندك انا طالع "
وبمجرد انتهاء كلماته سمعت هالي صوت صفارة تعلن انتهاء المكالمة، لترمق الهاتف بصدمة :
" قفل في وشي ؟؟"
قاطع وصول أدهم لمنزل شادية كل ذلك وهو يتجه لها بأقدام ملهوفة بشكل غريب على هالي التي نظرت له بعدم فهم :
" هو فيه ايه ؟! فين البنات وشادية وكمان أنت مش في الشقة ليه ؟؟"
تحرك أدهم صوبها ببسمة واسعة، أمسك يدها دون كلمة وهو ينظر بعينها في حب كبير :
" تعرفي اني بحبك اوي ؟؟"
ابتسمت هالي بتعجب كبير، لا تفقه ما يحدث ولا سبب حركة ادهم المتحمسة تلك وكأنه على وشك الصعود للمسرح لاستلام جائزة نوبل أو ما شابه :
" وانا كمان بحبك اوي بس ايه المناسبة ؟؟"
ابتسم أدهم ينظر بطرف عينه للهاتف قبل أن يخفيه في جيبه مجددًا، ثم أمسك يدها بكل حنان يقبلها، وبعدها جذبها خلفه صوب باب منزل شادية يقول بحب :
" تعالي معايا "
ورغم أنها لم تدرك ما يحدث أو تعلم سبب تصرفات زوجها، إلا أنها سارت خلفه تهبط درجات المنزل التي صعدتها للتو، تتحرك صوب الطابق الخاص بمنزلها والذي كـ...
لم تكتمل الأفكار في رأس هالي بسبب شهقتها التي انطلقت بصدمة مما ترى، هي للتو مرت من هذا الطابق، لكن لم تر كل ذلك، اضواء مبهرة تزين الطابق وورود منثورة بشكل عشوائي في الأرض وعلى جانبي الممر الذي يفصلها عن منزلها ارتص جميع أفراد عائلتها وعائلة أدهم التي تمثلت في شادية وشاكر وعوض ورفاقه .
نظرت لادهم بعدم فهم لينحني ادهم على كتفها يخبرها بهمس خافت :
" فاكرة لما قولتلك اول يوم بعد الحريق إني هعوضك ببيت احلى وهتدخلي ليه كأنك عروسة ؟؟"
نظرت له هالي بترقب ليبتسم أدهم وهو يشير لباب منزلهم الذي كان مزين بشكل رقيق :
" اتمنى أكون وفيت بوعدي "
فتحت هالي فمها وقد وقفت كلماتها على بابه بعجز، لا تعلم ما يجب قوله، لا تدرك بأي كلمات تجيب وكل ما تمكنت من نطقه كان اسمه الذي خرج خافتًا حنونًا :
" أدهم "
انحنى أدهم صوب أذنها يقول بحب :
" اصبري لسه مخلصناش "
وقبل أن يتم كلماته كان صوت الدُف يعلو في الأجواء وسليم يغني بصوت عالي بعض الكلمات والاناشيد، والجميع ممن استطاع فهمه يردد، وفي المقابل كان مارسيلو هو من يمسك بدف آخر يطرق عليه بحماس كبير وصوت اغاني سليم يعلو والنساء يصفقن والبعض يزغرد كرفقة وجولي بالطبع التي لم تكن لتوفر فرصة كتلك لاظهار موهبتها..
ضحك ادهم وهو يمد ذراعه لهالي يقول بغمزة :
" هدخلك البيت بزفة "
ضحكت هالي بصدمة مما يفعل وفجأة فُتح الباب ليكن اول من يستقبلها في المنزل هو صغيرها فتحي الذي فتح ذراعيه يردد بحب :
" ماما فتحي "
وقد كانت نية الصغير أن يناديها ( أم فتحي ) كما يسمع والده دائمًا ظنًا أن ذلك هو اسمها، لكن ما خرج منه جعل ضحكات هالي تعلو وهي تقول :
" يا اخي حتى في اليوم ده لازم تفكرني بفتحي دي وتعكنن عليا، يلا الله يسامحه ابوك يا فتحي "
تعالت ضحكات ادهم وهو يميل مجددًا هامسًا :
" هو أنا مقولتلكيش ؟؟ مش فتحي اسمه الحقيقي قاسم اساسًا "
حسنًا كل ما حدث منذ ثواني في كفة وتلك الصدمة في الكفة الأخرى، وقد رجحت تلك الكفة بالطبع، قاسم؟!! هل قال أن اسم طفلها الحقيقي هو قاسم ؟! لكن ...لكن هو لطالما كان يُصمتها بجملته أنه فتحي وقد سجله في الشهادة فتحي وسيظل فتحي لتبقى هي أم فتحي، والآن ماذا ؟؟
ضحك أدهم على ملامح الصدمة ليتشدق من بين ضحكاته :
" قاسم في الشهادة قاسم مش فتحي، وكنت بس بغيظك بفتحي"
صمت ثم قال بحب وهو يقبل رأسها بحنان :
" مقدرتش اكسر بخاطرك يوم ما طلبتِ مني نسمي ابننا قاسم، ولما روحت عشان اسجله كنت ناوي اكتبه فتحي فعلا، بس وقتها افتكرت نظرتك ليا وأنتِ بتقولي نفسك ابنك يبقى قاسم، ولقيت نفسي بقول للراجل قاسم"
" عشان كده مكنتش بترضى تخليني اشوف الشهادة ؟؟"
هز أدهم رأسه وهو يغمز لها :
" مش معنى أنه مش اسمه فتحي، أنك هتسيبي لقب ام فتحي "
دمعت عين هالي من حديثه السابق بشأن تخليه عن رغبته لأجل اسعادها، لتلقي نفسها بين أحضانه وصوت الغناء والدف يعلو والزغاريد تعلو وكأنه زفاف بحق :
" ده انا همسك في اسم أم فتحي اكتر، كفاية أنه أول اسم تناديني بيه يا أدهم "
ضحك أدهم وهو ينحني حاملًا إياها فجأة لتشهق هالي وهي تنظر للجميع بخجل :
" ايه يا ادهم هو أنت اندمجت مع الدف وافتكرت أنه فرحنا بجد؟! "
غمز لها أدهم بخبث :
" لا أنتِ اللي اندمجتي في حياتك ونسيتي إن انهاردة ذكرى جوازنا يا ام فتحي "
ضيقت هالي عينها بعدم إدراك ليصدح صوت أدهم وهو يتحرك بها صوب المنزل والجميع خلفه يصفق ويغني مع سليم وشادي :
" البيت اساسا خلصان من تلات ايام، بس أنا أجلته عشان نحتفل بيه مع ذكرى جوازنا "
ابتسمت هالي بعشق لذلك الرجل الذي لم يوفر جهدًا لاسعادها :
" فيه مفاجآت تاني انهاردة ؟!"
انزلها ادهم في منتصف بهو المنزل يشير لتلك الجنة التي خلقها بمساعدة الجميع :
" اه باقي مفاجأة واحدة، جبتلك مربى ونوتيلا يكفوكِ اسبوع أنتِ والخنفسة ابنك"
التمعت عين هالي بسعادة كبيرة :
" نوتيلا ومربى "
التوت ملامح أدهم بحنق :
" ايه يابت السعادة دي ؟! ده انا مشوفتهاش في عينك لما قولتلك بحبك أول مرة حتى "
ضحكت هالي وهي تدور بعينها في المنزل بانبهار :
" معلش اصلي بحبهم اوي "
صمتت تراقب اركان المنزل الذي كان يشبه القديم، لكن بعض إضافة لمسات أخرى زادته جمالًا، درات بعينها تدقق النظر في التفاصيل الجديدة، لترتسم اجمل بسمة قد يراها أحد على وجه انسان وهي تقول :
" أدهم البيت بقى حلو اوي، ازاي قدرتوا تخلوه كده في أيام قليلة ؟!"
ابتسم أدهم يضم كتفها وهو يشير للجميع :
" مش لوحدي، كلهم ساعدوني، وخصوصًا عيال خالك مكانوش بيناموا عشان نخلص البيت في الوقت المحدد"
التمعت عين هالي تنظر لهم جميعًا بامتنان كبير، هذه العائلة التي عوضتها ما عانته قديمًا، كانت تأتي عليها ليالي تبكي وتشكي وحدتها، تتذمر أنها لا تمتلك عائلة كالجميع، لا تمتلك من يحنو عليها، من يحبها، من يخبرها أنه صنع شيئًا خصيصًا لأجلها ولأنه يعرف انها تحبه، افتقدت أن تكون شخصًا مرغوبًا به بين الأفراد المحيطين بها، وبعدما وجدت أدهم اطمأنت أخيرًا أن هناك عائلة لها، واتخذت عائلته عائلة لها، لكن لم تدرك أن عوض ربها أكبر وأكثر مما كانت تحلم فرزقها بعائلة كتلك العائلة التي لم تمل من تقديم دلالات حبها، عائلة كبيرة يحبونها كما هي، دون أي شروط .
سقطت دموعها تنظر لوجوه الجميع وكل ما فعلوه لأجلها يمر أمام أعينها في شريط سريع يوم انقذوها من مؤنس، يوم زفافها حينما أصروا على حضوره بأنفسهم، حينما انقذوها من على تلك الجزيرة التي سقطت عليها، هداياهم التي كانت تصل لها بين الحين والآخر، خوفهم عليها بعد ما حصل لها من تلك الفتاة ليزا، المفاجأة التي صنعوها لأجلها ولأجل أن تبتسم فقط، معاملة صغيرها كملك متوج، مساعدة زوجها في محنته، والآن سعيهم لاسعادها، ذلك الشيء جعلها تنفجر باكية بحب، لا تدرك لماذا لكنها الآن وفي تلك اللحظة لم تتحمل كل ذلك لتبكي مثيرة بذلك رعب التسعة الذين التفوا حولها في خوف يتحدثون مع بعضهم البعض بكلمات غير مفهومة لها ..
انطونيو ينظر لها بعجز :
" هييه أميرتي ما بكِ؟؟ هل هناك ما ازعجك ؟!"
نظر لها مايك بحنان يحاول أن يهدأ بكاءها :
" هالي عزيزتي توقفي عن البكاء رجاءً، أخبريني هل هناك ما يؤلمك أو تسبب في بكائك"
صرخ بهم فبريانو فاقدًا تعقله بسبب بكاءها:
" حسنًا ايًا كان من فعل بها هذا سأقتله هذه المرة ولن يمنعني أحد"
نظر لها مجددًا يردد :
" هالي قوليلي مين اللي عيطك "
خرجت همسة من بين شهقاتها تشير لهم :
" أنتم "
تراجع فبريانو للخلف بصدمة والجميع ينظر له بترقب ليترجم لهم ما سمعه، نظر الأخير لهم يقول بعدم فهم :
" تخبرنا أننا من تسببنا في بكائها "
نظر جاكيري لجايك بحنق وقبل أن يتحدث أحد كلمة كانت قبضته تهبط أعلى وجهه وهو يقول :
" تبًا لك ما الذي فعلته لها ؟!"
صرخ جايك بوجع شديد وهو يضع يديه على وجهه:
" ما الذي فعلته انا؟! ثم لِمَ أنا تحديدًا من ضربته أيها الاحمق !!"
" لا ادري شعرت أنك المتسبب في الأمر "
وقبل أن يشتعل القتال بين الجميع ارتفع صوت هالي تقول بحب كبير أصبح يسكن قلبها لهم، تعشق تلك العائلة الحنونة :
" أنا بحبكم اوي، أنتم احسن عيلة في الدنيا "
تأوه فبريانو بحب وهو ينظر لها وقد ظلل الحنان مقلتيه، بينما الجميع ينظر له بترقب أن يترجم الجملة التي رسمت ملامحه البلهاء تلك، أخرج فبريانو الكلمات بتأثر من فمه :
" تخبركم أنكم أجمل عائلة في هذه الحياة وأنها تحبنا "
ارتسم التأثر في أعين الجميع وقد علت الملامح بسمات حنونة لها، ولولا أن أدهم أخذ عهدًا عليهم ألا يمس أحدهم زوجته لكان الجميع هجم عليها بعناق كبير حطم عظامها اللينة تحت أيديهم..
اقتحم ذلك التجمع اليخاندرو الذي ضم هالي لاحضانه يردد بحب :
" لكم تسرني تلك النظرات التي تنير عينيكِ صغيرتي "
ضمته هالي بحب :
" أنا بحبك اوي يا جدو "
كان ادهم يقف على قرب منها يشاهد ما يحدث، ورغم ذلك الشعور المقيت بالغيرة إلا أنه ابى أن يفسد عليها لحظاتها تلك، وقد قرر أن يتحدث معها بشأن تلك الكلمة التي أخبرتهم بها، لكن لاحقًا ليس الان على الأقل، ليدعها ترتشف من حنان الجميع الذي حُرمت منه لسنوات طويلة ..
شعر أدهم في تلك اللحظة بمن يجذبه لاحضانه وقد كان شاكر الذي قال ببسمة حنونة :
" مش قولتلك يا بني هيرجع أحسن مما كان ؟؟"
ابتسم أدهم بامتنان كبير :
" شكرًا شكرًا ليكم كلكم يا شاكر، مبقتش عارف اودي جمايلكم عليا فين من كترها"
اقتربت منه شادية تقول بحنق وهي تضربه على كتفه:
" جمايل ايه يا اهبل أنت ؟؟ مفيش بينا الكلام ده "
ابتسم أدهم يترك أحضان شاكر ليمسك بيد شادية يقبلها بحب وتأثر :
" شكرًا يا شادية مش هنسالك اللي عملتيه عشاني، خلتيني احس بروح ماما معانا "
أنهى حديثه يرمق كل تلك الأغطية والتي كانت من صنع يد والدته وقد كانت هي نفسها الهدايا التي كانت تصنعها والدته لاجل شادية، وبعدما اكتمل المنزل جاءت شادية لادهم واعطته كل المشغولات اليدوية التي صنعتها والدته لاجل أن يحتفظ بها ولا يحزن .
" أنت عارف إني بحب احتفظ بالهدايا ومش بستخدمها، ويمكن ده كان سبب من ربنا عشان تحتفظ بريحة والدتك في البيت معاك "
ابتسم أدهم لها بحب قبل أن تعلو صرخاته الفزعة بسبب اندفاع أصدقائه له فجأة، أخذ الثلاثة يزيدون من ضم ادهم الذي ضحك بصخب يحاول احتواء الثلاثة بين أحضانه :
" هو أنتم لو حضنتوني واحد واحد هيحصل حاجة يا طور منك ليه ؟!"
تعالت ضحكات الجميع عليهم، فقد كانت النساء تراقبن كل ما يحدث بتأثر كبير، تارة تبتسم الافواه، وتارة تدمع الأعين، امتلئت الأجواء بالمرح والحب والدفء ...
تجمع الكل على طاولة الطعام في منزل أدهم والذي أصر أن تكون أول وجبة له مع الجميع ومع عائلته الكبيرة هنا، ساد المكان جو من المرح والمشاكسة والحنان والدفء ...
وارتفعت ضحكات الجميع في المكان على أحاديث شادية وشاكر، وغزل شادية للجميع بلا استثناء ..
كان كل رجل يقدم الطعام برقي لزوجته، عدا فبريانو الذي كان يتناول الطعام من طبق روبين التي انطلقت ضحكاتها بيأس عليه :
" هو الجو ده مش جاي معاك بحاجة ؟!"
نظر لها فبريانو بتعجب :
" ماذا ؟"
" لا مفيش حاجة بالهنا والشفا يا حبيبي "
منحها فبريانو بسمة عاشقة قبل أن يندمج مجددًا في الاكل، ومقابل فبريانو كان أدهم يمسك يد هالي يقبلها بحب وهو ينظر بعينها :
" شكرت الكل انهاردة ومتبقاش غيرك اشكره "
نظر لعينها هامسًا :
" شكرًا لأنك في حياتي، بل شكرًا لأنك حياتي "
ابتسمت له هالي وهي تغلق عينيها تحاول أن تحتوي كل تلك المشاعر التي تدافعت داخلها، مشاعر العشق لزوجها ومشاعر الحب لعائلتها، تلك الضحكات التي تضيف لقلبها مشاعر الدفء والسعادة، الأحاديث الجانبية والأحاديث الرئيسية في تلك الجلسة، المشاجرات اللطيفة بين زوجها وفبريانو، والتحالفات الخفية بين ماركوس وكريم، النظرات الجانبية بين كل زوجين، ونظرات الحنان المنبثقة من أعين الكبار، وتمتمات قاسم التي كانت تصدر كل لحظة والأخرى ويبدو أنه وجد لغة يتواصل بها مع اليخاندرو .
كل ذلك تجمع في قلب هالي ليشعرها كم هي محظوظة وكم أن عوض الله لا يمكن تخيله....
درات عينيها على أبناء خالها الذين ابتسموا لها أكثر بسمة صافية حنونة رأتها لتفكر أنها حتى وإن ماتت في أي لحظة، ستكون سعيدة لأنها عاشت الشعور الوحيد الذي فقدته منذ كانت طفلة ....شعور العائلة والاحتواء.
وهي لم تملك في عائلتها فردًا واحد أو اثنين أو حتى ثلاثة، بل امتلكت تسعة رجال أشداء وجدها، تسع من النخيل الشاهق يحيطون بها لحمايتها من العواصف كما يخبرها جدها، وكم أجاد الوصف، فهؤلاء التسعة لا يمكن وصفهم سوى بذلك ...
والآن يحق لها الراحة فها هي الحياة قد قررت أن تمنحها جولة أخرى من السعادة، لكن هذه الجولة لن تضمها كونها زوجة ادهم فحسب، بل ستكون زهرة عائلتها أيضًا، زهرة جدها كما يدللها، زهرة آل فوستاريكي .....
_________________
تمت بحـ....
لا لا لحظة واحدة، مازال هناك فصل آخر في تلك الحكاية لنعيشه سويًا، فصل آخر سيجمعنا بتلك العائلة...
انتظروا الخاتمة باذن الله ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!