الفصل 12 | من 19 فصل

رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
60
كلمة
12,616
وقت القراءة
64 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

اضحى المطبخ فارغًا من المجرمين بعدما أعطى انطونيو الكارت الاخضر لفبريانو حتى يتصرف بهم كيفا شاء، ودون ثانية انتظار واحدة كان فبريانو يقودهم خارج المطبخ حتى يلهو رفقتهم كما يحب ..

غرق المطبخ في الصمت بعد رحيلهم، وقطع ذلك دخول اليخاندرو والذي تعمد التأخر حتى ينتهي أحفاده من هؤلاء الرجال، وكي لا يُعرض صغيره الحبيب قاسم لأي مشاهد قد تضر بطفولته وبرائته ...

لكن بمجرد دخوله ورؤيته لحفيدته الحبيبة تجلس ارضًا مرتعشة بين احضان زوجها حتى ترك الصغير قاسم ارضًا بحنان مهرولًا صوبها جاذبًا إياها من بين احضان ادهم لخاصته :

" حبيبة جدك ما بكِ؟! هل فعل لكِ أحدهم شيئًا ؟! هل رفع أحدهم يده عليكِ أو لمسك ؟!"

كان يتحدث وهي فقط تستكين لاحضانه بخوف، ليرفع اليخاندرو عينه لهم بغضب مخيف هامسًا وكأنه يتوعدهم :

" أين هؤلاء القذرين ؟؟ نادوا لي فبريانو "

تنحنح انطونيو وهو يقول بتردد :

" جدي فبريانو هو من تسبب في حالتها تلك "

رفع له اليخاندرو رأسه بتعجب، ليسترسل مارتن في قص ما حدث محاولًا بقدر الإمكان أن يُحسن من موقف أخيه:

" هو لم يقصد بالطبع، لكن ذلك الرجل كان يمسك بهالي بين يديه يهددنا بها، وأنت تعلم فبريانو هو امممم كيف اقولها، لم يتحكم بيديه فأصاب المجرم بخدش صغير وهالي خافت من رؤية ذلك الخدش الصغير، اعتقد انها تعاني من مشاكل مع الخدوش... "

اكمل اليخاندرو بسخرية :

"  الصغيرة ؟!"

" نعم جدي هذا هو، نعم هي تخاف من الخدوش الصغير، أليس كذلك هالي عزيزتي ؟!"

رفعت هالي رأسها له مرددة بخوف :

" لا "

أشار لها مارتن ببسمة :

" ها رأيت تخبرك أنني محق "

هز آدم رأسه وهو بوضح ما قالته هالي:

" لكن اخي هي تقول ا...."

وتوقف عن إكمال جملته بسبب قبضة مارتن التي توسطت معدته بقوة راميًا إياه بنظرة مخيفة هامسًا :

" أتريد أن يولد اطفالك بلا أب "

أمسك آدم معدته بوجع هامسًا من بين أسنانه :

" وكيف يولدون بدون أب يا احمق "

" فبريانو سينتظر حتى يُولدوا ثم يقتلك "

هز اليخاندرو رأسه بحنق على احفاده وبعدها ساعد هالي في النهوض، ثم جذبها معه للخارج والجميع لحق بهم عدا روبين التي نظرت لاثرهم، ثم ابتسمت وهي تخرج من الباب الخلفي تركض في الجهة التي رحل لها فبريانو ...

في الخارج التف الجميع حول اليخاندرو الذي كان يضم هالي بين أحضانه، الجميع يحاول أن ينسيها ما رأت، مدركين جيدًا أن كل ذلك جديد عليها عكس زوجاتهم اللواتي اعتدن اصوات الأسلحة أكثر من اعتيادهم لزقزقة العصافير في كل صباح، واعتادوا مظهر الدماء أكثر مما اعتادوا رؤية الأمطار في الشتاء ..

مدّ مايك يده يربت على رأس هالي، ثم انحنى منتويًا تقبيل رأسها بحنان، ليجد فجأة وجهه يُدفع للخلف بقوة وصوت أدهم يصدح بصدمة :

" أنت بتعمل ايه !!"

" ماذا ؟! لم افهمك "

لوح أدهم بيده في وجه مايك صارخًا بجنون :

" إن شاء الله عنك ما فهمت، عايز تبوس راسها ؟؟ ده أنا جوزها وبتكسف اعمل كده على العام، هو أنت ايه مفيش دم خالص ؟!"

لم يفهم مايك ما يقول أدهم لكنه رغم ذلك تحدث بهدوء مشيرًا لهالي:

" لا تقلق أنا كنت سأقبل رأسها فقط اقسم "

" فقط ؟! مالك بتتكلم كده كأنك بتمن عليا كده؟! ده أنت ناقص تقولي عشان خاطرك بس مش هـ"

ولم يكد يكمل حديثه حتى قاطعه مايك مشيرًا خلفه حيث تقبع زوجته بين احضان جدها :

" ها لماذا تصرخ بوجهي تاركًا ماركوس يقبلها ؟!"

استدار أدهم كالرصاصة للخلف ليبصر ماركوس على وشك الانحناء مقبلًا رأسها، انطلق صوبه صارخًا بجنون دافعًا ماركوس بعنف بعيدًا عن زوجته وهو يصرخ في ماركوس الذي لم يفهم ما به ولم يكن يدرك أن صراخه في مايك سببه ما كان هو عللىوشك فعله :

" هو أنت أعمى مش شايفني لسه بزعق للتاني عشان كده تقوم أنت تعمل نفس اللي كان هيعمله ؟!"

استدار صوب وجه زوجته التي كانت لا تعي بما يحدث حولها  :

" الاحق عليكِ منين ولا منين، ايه العيلة اللي كل حاجة تبوس دي، مش عارفين تواسوها بالكلام ؟! متعرفوش كلمة معلش ؟!"

أنهى حديثه يجذبها من بين أحضان اليخاندرو قائلًا :

" معلش يا جدو هات مراتي كده، والله لاحاوطها باسلاك شائكة بعد كده، تعالي يا استاذة "

أنهى حديثه جاذبًا إياها بين أحضانه راميًا الجميع بنظرات مشتعلة لتعلو ضحكات مارتن الصاخبة في المكان شاركه بها مارسيلو الذي قال :

" حسنًا يا رجال، اعتقد أنه يغار على اميرتنا الصغيرة، لذلك لا تقبلوها اكتفوا بالاحضان فقط "

صرخ أدهم بجنون :

" ولا صباع واحد يترفع عليها سامعين "

رفع مارسيلو حاجبه بحنق مرددًا :

" ما الذي يقوله ذلك الرجل آدم ؟!"

نظر آدم لادهم قائلًا بهدوء :

" يخبركم ألا تقتربوا منها أبدًا "

استاءت ملامح جايك الذي قال بتذمر كبير :

" هذا ليس عدلًا هي شقيقتنا أيضًا، هو لا يمتلكها "

وخرج صوت أدهم مؤكدًا :

" بلى أفعل، هي زوجتي أنا، ولي وحدي، واشكروا ربكم أنني أسمح لكم برؤيتها  "

رفع جاكيري حاجبه لا تعجبه تلك النبرة التي يتكلم بها أدهم وكذلك انطونيو، لكن انطونيو ليس من ذلك النوع الذي يحب الاستفزاز، هو ليس فبريانو والذي إن كان هنا يقسم أن لا أحد كان سيستطيع اخراج هالي من أحضانه بعدما يحتضنها عنادًا بزوجها فقط ...

فجأة قطع كل تلك النظرات صوت رنين هاتف أدهم بنعمة معروفة للجميع، فقد كان أحدهم يرنّ عليه باستخدام تطبيق التواصل الاجتماعي Facebook، أخرج هاتفه بتعجب ومازالت يده تضم كتف زوجته بحماية، ليرى أن من تتصل به لم تكن سوى أم علي، دخل بسرعة على الرسائل الخاصة بها ليبهت وجهه فجأة مما قرأ وتتسع عينه برعب ...

انتبهت هالي لنظرات زوجها :

" مالك يا ادهم؟! فيه حاجة ولا ايه ؟!"

نظر لها أدهم بعجز لا يدري ما يقول، إلا أنه ابتلع ريقه مرددًا بصدمة وقلبه يقرع بقوة :

" في حريقة كبيرة مسكت في بيتنا ........."

_____________________________

كان الجميع يحاول السيطرة على الحريق الذي نشب دون أي مقدمات وبطريقة مجهولة، سليم يركض على الدرج بجنون ليحضر مطفأة الحريق من جميع المنازل، بينما بدأ شادي وكريم في إحضار دلاء المياه واعطائها لشاكر وعوض اللذان كانا يحاولان تدارك الأمر ...

بينما حدّثت شادية المطافئ وهي تبكي بخوف، وجميع النساء يبكين برعب على الدرج المقابل لمنزل أدهم والذي يؤدي للأعلى ..

استمرت شادية في البكاء والدعاء بخوف :

" يا رب لطفك يارب، لطفك يا رب "

عاد سليم يحمل بين يديه أربعة من مطفأة الحريق وهو يركض صوب المنزل يعطي الجميع واحدة وفي ثواني بدأ الرجال يحاولون إطفاء الحريق قبل أن يعلو صوت وصول المطافئ ..

الأمر تم في دقائق معدودة، تم إطفاء الحريق بعدما أكلت النيران المنزل بالكامل ولم يتبقى سوى القليل فقط مما نجى، بدأ الجميع يضرب الكفوف حسرة على ما حدث في منزل ادهم، وبدأت الهمسات تعلو متسائلة عن أسباب الحريق .

لكن أفراد العائلة لم يهتموا لكل ذلك بقدر اهتمامهم بما حدث وبتدمير مسكن أدهم وعائلته .

ضرب عوض كف بالآخر مستغفرًا ربه :

" لا حول ولا قوة إلا بالله، لطفك بعبادك يارب "

ردد شاكر بهمس ورضا :

" اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها، الحمدلله قدر ولطف ومكانش حد في البيت "

حركت شادية عينيها في المكان وهي تقول ببكاء وقهر :

" البيت مبقاش فيه حاجة سليمة، ده لو ادهم عرف هيروح فيها، ده آخر حاجة فضلت ليه من أمه "

جلس سليم ارضًا يستند على الجدار واضعًا رأسه بين يديه، يحاول أن يتمالك نفسه، قلبه يتشقق جزنًا كلما تخيل عيون ادهم عندما تبصر ضياع مسكنه بهذا الشكل .

سقطت دموع كريم دون شعور وهو يتذكر صرخاتهم وضحكاتهم التي كانت ترن بين جدران المنزل، يتذكر سهراتهم على تلك الأريكة، تمددهم على هذه الأرضية، ركضهم بين الغرف، كل تلك الذكريات تلاشت مع رماد المنزل .

صوت الماضي يتردد في أذنه بقوة وكأنه كان البارحة ...

********

" يعني أنت بتطردني يا ادهم ؟! دي اخرتها ؟؟ الاقيها منك ولا من ابويا اللي مشردني"

" اه بطردك وإياك تعتب بيتي تاني يا زبالة، يلا ياض من هنا، واقولك خد الاتنين التانيين دول معاك، وبيتي الطاهر ده رجلك متدبش فيه "

" ماشي ماشي خليك فاكرها يا أدهم بكرة تتحوج ليا واطردك نفس طردة الكلاب دي، واه على فكرة اللانشون اللي جبته ليك فاسد "

فتح أدهم الباب بعنف وهو يركض صوب كريم الذي صرخ يصعد درجات المنزل بسرعة كبيرة وخلفه ادهم الذي صاح فيه بشر :

" ليه جايبه عشان تسم فار، طب والله تستاهل اللي ابوك بيعمله فيك يا كريم"

سمع الاثنان صوت غلق الباب الخاص بمنزل أدهم، نظر أدهم لكريم بتعجب كبير قبل أن يركضا على الدرج حتة وصلا ليجدا سليم قد أغلق الباب، طرق ادهم الباب بعنف :

" أفتح الباب يا سليم، افتح هو بيت ابوك، افتح يا زفت "

ارتفع صوت سليم من الداخل :

" اه بيت ابويا واتفضل أنت وهو روحوا شوفوا مكان تاني يلمكم مش ناقصين قرف على المسا"

ضرب أدهم الباب بشر صارخًا :

" يا ابن الـ..."

نظر لكريم ضاربًا إياه في كتفه بغيظ كبير :

" عجبك؟! كل ده بسببك خليت واحد زي سليم يبلطج عليا ويطردني من بيتي "

فرك كريم كتفه بغيظ :

" وانا مالي مش أنت اللي طردتني، وكل ده ليه ؟! عشان وقعت عصير على الكنبة "

" الكنبة دي اللي مش عجباك اغلى منك، دي امي اللي عملت الغطا بتاعها بايدها "

صمت كريم بخجل، ثم تشدق :

" والله يا أدهم كان غصب عني، شادي هو اللي ضحكني فوقعت الكوباية غصب عني، حقك عليا والله هاخده اخلي امي تغسله ليك "

أدعى ادهم الغضب :

" وابقى خد معاك الهدوم بتاعتي برضو "

ضحك كريم يضم أدهم بحب مقبلًا وجنته :

" عيوني ليك ده انا اغسلهملك بايدي يا جدع أنت بتقول ايه بس "

ابعد أدهم كريم عنه مدعيًا الاشمئزاز :

" بطل بوس يا زفت مش بحب كده "

لكن كريم عانده وهو يضمه أكثر في نفس الوقت الذي فتح به شادي الباب وهو يغمز لها :

" خلاص اتصالحتوا؟! يلا أدخلوا قبل ما سليم يخلص الاكل "

دفع أدهم شادي بقوة وهو يقتحم المنزل راكضًا صوب سليم متوعدًا له :

" بيت ابوك هو يا سليم تطردني منه؟! ده بيتي أنا وانا رئيس جمهورية البيت ده وأنتم شوية رعاع عندي يا معفنين، مش كفاية أنه هو اللي بيلمكم لما تنطردوا زي المتشردين من بيوتكم ؟!"

ارتفعت ضحكات الجميع على حديث أدهم يتابعون ركض ادهم في طرقات المنزل خلف سليم الذي كان يحاول الهرب منه ..

********

فاق كريم من شروده دافنًا رأسه بين قدميه يخشى تخيل تلك اللحظة التي يعلم بها أدهم أن ذلك المنزل الذي تركت به والدته بصماتها قبل الرحيل قد تدمر كليًا .

ارتعشت يد شادي وهو يضعها على فمها يحاول كتم شهقاته، وعوض جواره يحمل مسبحته مستغفرًا ربه، بينما شاكر يرمق ما حصل للمنزل بعجز...

وصوت شهقات مريم هو ما يمكن سماعه في المكان، تبكي بين احضان اشرقت التي كانت تحاول أن تهدأها غير قادرة على تهدئه نفسها، ومنة تضم جميع الأطفال لاحضانها محاولة التماسك لأجلهم..

" هنفضل نبكي على الاطلال كتير ؟؟"

انتبه الجميع لصوت شاكر الذي لملم شتات نفسه سريعًا لتدارك الوضع حتى يخرجوا من تلك الكارثة :

" قوموا معايا خلينا نحاول نرجعه زي الاول قبل ما ادهم يرجع، باقي كام يوم نقدر نعمل فيهم كتير "

نظرت شادية للمنزل بدموع :

" بس البيت كله راح يا شاكر، ده محتاج يتأسس من الاول وجديد "

حرك عوض حبات سبحته بين أصابعه وهو يردد بهدوء :

" خير يا امي خير، أنا معايا قرشين كده كنت شايلهم لوقت عوزة واهم جه وقتهم "

هز شاكر رأسه وقد بدأ الجميع يتمالكون أنفسهم :

" كويس وانا عندي ارض في البلد هبيعها "

نهض كريم من مكانه يردد بلهفة ماسحًا دموعه بسرعة وحماس وكله أمل أن ينجح الجميع في إصلاح ما تلف قبل عودة ادهم :

" وانا يابابا الفلوس اللي شايلها معاك خدها وكمل عليهم "

بدأ الجميع يعرض مساعدته لإحياء منزل أدهم مجددًا، ذلك المنزل الذي ضمهم لسنوات عديدة وضم بين أركانه ذكريات لا تعوض بكنوز الدنيا .

سارع سليم بالتحدث :

" وانا كان عندي وديعة هفكها برضو "

وافقته مريم الحديث :

" وانا كمان يا سليم فك الوديعة بتاعتي أنا كده كده مش بعمل بيها حاجة "

ابتلع شادي ريقه وهو يقول :

" الشقة اللي ورثتها من امي في بولاق لو بيعتها ممكن برضو تجبلنا مبلغ كويس "

نظرت شادية لشاكر مرددة بلهفة ورجاء :

" كده كفاية يا شاكر صح "

ابتسم لهم شاكر يردد :

" كفاية يا شادية، كفاية اوي إن شاء الله منحتاجش اكتر "

اجابته شادية غير مهتمة :

" ولو احتجنا مش مشكلة، أنا كمان عندي ارض في البلد هخلي عوض يبيعها "

نظرت منة للجميع قائلة بتردد :

" لو احتجنا فلوس تاني أنا ممكن اخد من حسابي في البنك، كان معايا فلوس من ايام ما كنت بشتغل ومش بستخدمهم "

ابتسم لها شادي بامتنان، لتشعر أشرقت بالخجل وهي لا تمتلك ما يمكن أن تقدمه، لا أملاك لبيعها ولا أموال لدفعها، كل ما تملكه هو ذلك الذهب الذي اهداه لها سليم وقت زفافهم :

" دهبي اللي جابه سليم أنا مش بلبسه ممكن ابيعه و.."

قاطع شاكر حديثها ببسمة أبوية حنونة :

" مش هنحتاجه يا اشرقت ولا هنحتاج فلوس منة ولا وديعة مريم، اللي معانا يكفي يابنتي كل واحدة تخلي فلوسها معاها لوقت ما تحتاجهم هي "

أنهى حديثه وهو ينظر للجميع ثم تنفس بصوت مرتفع قبل أن يقول :

" بكرة نحاول نسحب الفلوس وهنتفق مع عمال يجوا يشتغلوا في الشقة بس دلوقتي عايزة نحاول نشوف الحاجات اللي نجت من الحريقة ونخرجها نحطها عند شادية، والباقي نخرجه نحطه في المخزن اللي في مدخل العمارة تحت، ونستنى نشوف أدهم هيعمل معاهم ايه "

نظر لوجوه الجميع الذين دبّ الحماس بين اوردتهم وقال ببسمة :

" يلا خلينا ننجز ...."

____________________

هل يمكن أن تمثل رأس شخصٍ ما ثُقل العالم كله، رأسه التي تتكأ على كتفها تشعرها كما لو أنها تحمل جبلًا أعلى كتفها، هل هي الهموم التي اثقلتها أم أن حزنها هو من اضعفها لدرجة ألا تتحمل أن تحتل قشة كتفها وليس رأس زوجها .

لا تدري كيف تم الأمر لتجد نفسها في طائرة عائلتها محاطة بالجميع دون استثناء متجهين صوب وطنها، لا تدرك حتى ما حدث بمجرد أن انطلقت تلك الجملة من فم زوجها ومع تصلب زوجها، حدث كل شيء فجأة لم تشعر كيف خرجت من المزرعة رفقة العائلة وكيف صعدت للطائرة، كل ما تشعر به هي تلك الأنفاس الحارة التي تخرج من فم زوجها، تشعر بوجعه، فهي أكثر من تدرك مكانة كل ركن من ذلك المنزل له، تتذكر تلك اللحظات التي كان يقص عليها ذكرياته مع والدته وأصدقائه في كل ركن به .

سمعت همساته تعلو جوار أذنها وهو يردد " الحمدلله " دون تواني منذ علم ما حدث، لكن صوته الآن كان مختنقًا، مختنقًا كما لو كان ...يبكي .

مدت كفها تحتوي وجهه الذي يدفنه في كتفها تربت عليه بحنان تحاول أن تخفي حزنه داخلها، أن تمتص دمعاته، أن تمنع الآخرين من رؤية ضعفه، هو لا يحب أن يرى أحدهم لحظات انهياره وهي ستعمل على ذلك .

نظرت حولها لترى أن جميع افراد عائلتها كانوا يعطونهم ظهورهم احترامًا لتلك اللحظات التي تمر بها ابنة عمتهم .

وقاسم يقبع بين احضان اليخاندرو نائمًا بكل راحة لا يدري ما يحدث حوله، يتمتم بهمسات طفولية من بين أحلامه ويد اليخاندرو لا تتوقف عن التربيت عليه بحب ...

وفي الخلف كان نفس المشهد يُعاد مع هالي وادهم، فقد كانت هالي تربت على زوجها الذي يتمتم بالحمد وبهمسات غير مفهومة كالمحموم ..

سقطت دموعها وهي تميل برأسها تقبل خاصته :

" كل حاجة هتكون بخير يا ادهم، كل حاجة هتكون بخير يا حبيبي "

ضغط أدهم على خصرها بواسطة يده التي كانت تحيطه يهمس ولسانه لم يتوقف عن اللهج بالحمد :

" اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها "

وما هي سوى ثلاث ساعات وبضع دقائق حتى صدح صوت جاكيري في المكبر يطلب من الجميع ربط الأحزمة للهبوط، وبالفعل بعد دقائق استقرت الطائرة على أرضية مصر .....

خرج الجميع من الطائرة واحدًا تلو الآخر، صعد أدهم وهالي في سيارة مارتن الذي طلب أن يتحرك هو بهما بعدما تسلم الجميع السيارات التي طلبوها من إحدى شركات الإيجار في القاهرة ...

راقب اليخاندرو سيارة مارتن تتحرك بهالي وزوجها و جولي كذلك ..

نظر لهم بأعين غامضة ثم قال بجدية ونبرة متوعدة قبل أن يتحرك مبتعدًا بقاسم :

" اريد معرفة سبب تلك الحادثة وإن كانت بالفعل حادثًا ام لا ......"

نظر جميع الاحفاد لبعضهم البعض قبل أن تتسع بسمة الجميع بشكل مخيف ليغمز لهم فبريانو جاذبًا له روبين بحب :

" حسنًا احبائي، آخر من يعلم سبب ذلك الحريق خاسر "

أنهى كلماته جاذبًا روبين له متحركًا صوب أول سيارة وجدها دون الاهتمام لنوعيتها بينما روبين تنظر له بحماس :

" هنعمل ايه ؟؟"

نظر لها بحاجب مرفوع لا ينسى تسللها خلفه وافسادها لاستمتاعه في المزرعةؤ حيث اقتحمت عليه المكان وهي تراقبه وما يفعل ليضطر إلى حملها بعيدًا بعدما كانت متشبثه به كالعلقة :

" سنستمتع ارنبي الوردي "

راقب انطونيو رحيل سيارة فبريانو ليبتسم بسمة جانبية وهو يضم روما له برفق يميل مقبلًا وجنتها بحنان:

" أنتِ بخير صحيح ؟!"

" نعم انطونيو لا تقلق، هذه المرة التاسعة التي تسألني بها منذ هبطنا "

سحبها انطونيو خلفه صوب إحدى السيارات الكلاسيكية الحديثة مرددًا :

" حسنًا لنكملهم عشر، هل أنتِ بخير الآن"

ضحكت روما ضحكة خافتة وهي تهز رأسها بيأس، بينما كان الجميع ينظر لهما...

سحب جاكيري رفقة لدرجة نارية طلبها خصيصًا لأجله، وقف أمام الدراجة وهو يميل ململمًا خصلات شعر رفقة ثم أعاد خصلاتها الامامية للخلف وبعدها وضع الخوذة أعلى رأسها يغلقها بحنان هامسًا :

" إذن رفكة هل أنتِ مستعدة ؟!"

هزت رفقة رأسها بلا وهي ترتعش منذ رأت تلك الدراجة، ابتسم جاكيري وهو يجذب وجنتها بمشاكسة :

" حسنًا إذن لنتحرك ونرى ما حدث "

صعد وصعدت هي خلفه تتمسك به بقوة وكأنها ستطير، وقد كان ذلك حقيقة....

بينما الباقيين كمايك ومارسيلو وماركوس وآدم وجايك، كلٌ أخذ زوجته في سيارة ثم تحركوا بسرعة كبيرة خلف بعضهم البعض وكأنهم أسطول ..

_______________________

توقفت سيارة مارتن أمام المنزل الخاص بهالي وعائلتها حسب تعليمات هالي ووصفها للطريق، فـ ادهم في هذه اللحظة لم يكن يعي ما حوله، بل كان جسده يطوف على سطح محيط ذكرياته الخاصة به وبوالدته...

هزت هالي جسده برفق :

" أدهم حبيبي، وصلنا "

رفع ادهم رأسه لها، ثم منحها بسمة لم ترها ترتسم يومًا على فمه، فلطالما كانت البسمات التي يوجهها لها أدهم هي اصدق البسمات وارقها، لكن تلك كانت مصطنعة بشكل جلب الالم لها.

هبط ادهم من السيارة، ثم تحرك دون كلمة صوب الاعلى بينما تحدثت جولي وهي ترمق رحيله بشفقة :

" هالي هل سيكون زوجك بخير ؟؟ أشعر أنه على وشك الانهيار "

نظرت هالي لأثر أدهم تحاول تمالك دموعها لتمنح جولي بسمة تبعتها بحديث تدري أنها لن تفهمه :

" هيكون بخير، هو مر بكتير وعدى بمنعطفات كتير، وده هيمر زي ما كل شيء بيمر "

وداخل البناية كان أدهم يتحرك بخطوات رتيبة صوب المنزل وملامحه جامدة وكأنه ليس ذلك الذي كان يتألم منذ ساعات قليلة وعلى وشك الانهيار حزنًا، الأمر لا يتعلق بمجرد جدران ومنزل، بل يتعلق بطفولته، ذلك المنزل ضم ذكرياته الوحيدة الجيدة خلال طفولته قبل أن تتدمر بموت والدته، كان المكان الوحيد الذي احتوى سعادته وحزنه، المكان الوحيد الذي تركت به والدته أثرها، كل ركن به يحمل رائحتها ...

سقطت دمعة دون أن يشعر وهو يتمنى لو كانت تلك مجرد مزحة سخيفة من ام علي، لكن بمجرد أن وطئت قدمه الطابق الذي يقبع به منزله ورأى ذلك اللون الأسود الذي احتل جدران منزله حتى أدرك أنه حقيقة .

خطى بهدوء صوب المنزل ليرى الباب الخاص به ملقى جانبًا وهناك العديد من أثاث المنزل المتفحمة مستقرة على جانبي الباب خارجًا .

دخل بقلب يرتجف حزنًا يحاول تلمس أي أثر لمنزله ومخبئه الآمن والدافئ لكن كل ما قابله هو سواد، سواد أزاح بعتمته نور ذكرياته ..

دارت عينه في المكان وصوت صرخات وضحكات والدته تترد في أذنه، والدته الحبيبة، اول امرأة احبها في هذا الكون ....

" أدهم أنت جيت امتى ؟؟"

وكان ذلك الصوت الصادر من إحدى غرف منزله والذي يخص شادي هو الفيصل بينه وبين الغرق في حزنه، استدار ينظر لشادي يحاول رسم بسمة صغيرة :

" سمعت أن البيت وحشه وجودي لدرجة أن نار الشوق مسكت فيه وفحمته "

أنهى حديثه بضحكة خافتة لم يستطع أن يخفي بها حزنه، ولن يستطع...

اندفع له شادي يجذبه لاحضانه بقوة يربت على ظهره بحب :

" هيرجع زي الاول واحسن، متقلقش والله احنا هنـ"

قاطعه أدهم وهو يردد بوجع تخلله شهقات مكتومة :

" مفيش أي حاجة خرجت سليمة ؟! أي حاجة ؟؟"

ابتعد عنه شادي ولم يكد يجيبه حتى ارتفع صوت كريم الذي دخل لتوه إلى المنزل بعدما كان مع سليم ليخرجوا الاشياء التي نجت من الحريق ويضعونها في منزل عوض :

" أدهم؟!!"

اقترب سليم في نفس الوقت ليبصر وقوف أدهم بصدمة في منتصف المنزل، ابتسم لهم ادهم بسمة صغيرة ثم تجاهل كل شيء وهو يتحرك صوب إحدى الغرف دون كلمة واحدة أو دون أي ردة فعل، اغلق الباب خلفه بقوة ثم انهار ارضًا وقد اختلى بنفسه أخيرًا، بينما الجميع في الخارج يشعرون بالوجع .

نظرت شادية للجميع بتعجب بعدما سمعت صوت قرع الباب القوي :

" واقفين كده ليه؟! ومين اللي هبد الباب بالشكل ده هو الابواب ناقصة ؟!"

تحدث سليم وهو مازال ينظر للباب الذي اغلفه أدهم وقال بشرود :

" أدهم جه "

شهقت شادية بفزع وهي تنظر لذلك الباب :

"جه ؟! مين اللي قاله ؟؟ مش قولنا محدش يبلغه "

مسح شادي وجهه بتعب :

"  يعني هيكون مين يا شادية، احنا كلنا اساسا من وقت الحريقة واحنا بنحاول نخلص الدنيا هنا، واكيد محدش فينا غبي يقوله، تلاقي حد من الجيران هو اللي بلغه "

جلست شادية بتعب على الأريكة والتي كانت قد طالها الحريق كذلك، لكنها ما تزال قائمة :

" ياضنايا يابني ياللي حظك في الدنيا قليل "

استغفر كريم ربه وهو يردد :

" ده قدر ومكتوب ليه يا شادية مش هنعترض على مشيئة ربنا "

استغفرت شادية ربها وهي تمسك طرف حجابها تمسك بها دموعها التي بدأت تتساقط مجددًا :

" اعمل ايه يابني قلبي متقطع من الزعل عليه، تلاقيه يا حبة عيني منهار دلوقتي، أنا اكتر واحدة عارفة هو متعلق بالبيت ده ازاي، من وقت ما رجع بعد موت أمه وهو كان دايما يرفض يغير أي حاجة فيه ويقولي دي من ريحة امي ومش حابب اغيرها "

في نفس الوقت وأثناء حديث شادية دخلت هالي المنزل وهي تبحث بعينها عن أدهم:

" هو أدهم فين !!"

استدار الجميع لها لتنهض شادية بلهفة وهي تقترب منها تضمها بين أحضانها:

" هالي يا حبيبتي حمدالله على سلامتكم ياقلبي "

" الله يسلمك يا شادية، هو أدهم مش جه؟!"

سقطت دموع شادية مجددًا مشيرة للغرفة حيث شجن أدهم نفسه :

" جه وحابس نفسه في الاوضة يا حبة عيني، أنا بس مش عارفة مين اللي قاله، كنا هنحاول نصلح البيت من غير ما يعرف "

نظرت لها هالي بتعب وهي تتحرك صوب باب الغرفة تطرقه بحنان :

" أدهم، أدهم افتحلي الباب أنا أم فتحي يا أدهم"

لكن لم يصل لها رد سوى ارتفاع صوت شهقات أدهم الذي لقى صداه في القلوب كلها حتى بدأت موجة الحزن تكتسح شواطئ الجميع مرة أخرى بعدما تمالكوا أنفسهم بصعوبة كبيرة ...

دخل مارتن وجولي المنزل ليسوءهم ما حدث به، حرك مارتن عينه في المكان بحزن، ربما لو كان هو في موقف أدهم لحزن كما فعل الاخير، خاصة بعدما علم مكانة المنزل لديه .

شهقت جولي بحزن وهي تحرك عينها بحزن قبل أن تقع على هالي التي كانت تبكي مستندة برأسها على أحد أبواب المنزل وحولها العديد من الأشخاص والجميع ينادي باسم أدهم.

فجأة امتلئ المنزل بأفراد عائلة اليخاندرو الذين وصلوا لتوهم بعدما أعطى اليخاندرو الصغير لروبين والفتيات وارسلهم رفقة ماركوس لقصر العائلة الذي يحتفظون به هنا، فهو لا يريد للصغير أن يبصر بعينه ما حدث في المنزل الذي نشأ به .

نظر اليخاندرو للجميع ثم أشار لهم بعينه :

" اعلموا لي من وراء كل ذلك، لا يعقل أن حريق كهذا نشب دون شرارة، وهذه الشرارة لن تشتعل وحدها اعزائي "

نظر مارتن نظرة أخيرة لهالي ثم قال :

" سوف أهبط واحاول البحث عن كاميرات مراقبة بالقرب من المنزل، فبريانو تعال معي فلن استطيع التواصل مع أحد"

تحرك معه فبريانو، وكذلك انطونيو والجميع وقد احترقت صدروهم بالغضب بعدما رأوا انهيار ابنة عمتهم ودمار منزلها الوحيد، الأمر اشعل فتيل جنونهم، أن يستغل أحدهم غيابهم ليدمر كل ما يملكونه وكأنهم سنجون بفعلتهم ...

تحرك اليخاندرو صوب هالي التي كانت تبكي أمام الباب تترجى أدهم أن يفتح لها، فجأة شعرت برأسها تستند على صدر أحدهم، رفعت عينها لجدها تهمس بوجع :

' أدهم يا جدو، مش راضي يفتحلي "

ضمها اليخاندرو بحب مقبلًا رأسها :

" يعز على جدك دموعك أميرتي، اقسم إن كان ذلك قد حدث بقصد، سوف اقتص لحزنك ولحزن زوجك عزيزتي "

بكت هالي أكثر والجميع حولها ينظر لها بشفقة، لا أحد ما يجب فعله، غير أن سليم تحدث محاولًا تهدئتها:

" اهدي يا هالي والله كل شيء هيتحل، احنا اهو كلنا هنساعد بعض والبيت هيرجع أحسن ما كان "

نظرت له هالي بدموع مرددة :

" أنا ميهمنيش البيت يا سليم، أنا يهمني أدهم"

ودت لو تخبره أن أدهم هو منزلها ومسكنها الوحيد، لا يهم تحت أي سقف تعيش طالما أنها تتنفس بقايا انفاسه، لا يعنيها في أي أرض تستقر طالما كان هو جوارها يضمها لصدره مربتًا عليها بحنان، ادهم هو سكنها ومسكنها .....

فجأة انتفض الجميع على صوت فتح الباب ليظهر أدهم بعدما انتهى من انهياره بعيدًا عن الأعين، ثم تمالك نفسه وخرج لهم، نظرت له هالي بلهفة وهي تهمس :

" أدهم"

وقبل أن تتم جملتها كان الأخير يفتح لها ذارعيه بحنان كبير يستقبلها بينهما بحب، يربت عليها، ولا يدري أيواسيها أم يواسي قلبه ؟!

همس لها بحب :

" كل شيء هيكون كويس، هنرجع بيتنا زي ما كان وأحسن"

" ميهمنيش يا ادهم والله لو هنعيش في عشة بس اكون معاك "

ابتسم ادهم ثم قال محاولًا تلطيف الأجواء :

" طب نستأذن شادية في عشة البط بتاعتها وناخدها أنا وأنتِ والواد فتحي "

ضحكت هالي بصخب من بين دموعها تدرك جيدًا ما يحاول اخفاءه خلف مزاحه ومرحه :

" أنت صدقت، ده كلام بيتقال في لحظة حماس كده"

ابتسم أدهم بحب يضمها لقلبه مجددًا ثم تساءل فجأة  موجهًا حديثه لاليخاندرو :

" أين قاسم ؟؟ "

" لا تقلق لقد ارسلته لمنزلنا مع النساء هن ستعتنين به "

شعر أدهم بضربة عنيفة فجأة على كتفه تبعها صيحة سليم القوية :

" أنت ايه اللي جابك دلوقتي عايز افهم، مش قولت هتقعد اسبوعين ؟!"

نظر له ادهم أثناء فرك كتفه بوجع، وملامح الحنق تملء وجهه :

" هو ايه أصله ده ؟؟ ده بيتي اللي اتحرق يا زفت "

تدخلت شادية قائلة بتوعد وشر :

" مين ده اللي قالك اساسًا أنه البيت حصله حاجة ؟!"

" فيه ايه يا جماعة هو أنتم ليه مستغربين اني عرفت أن بيتي ولع؟! ما هو بيتي، بعدين ام علي هي اللي قالتلي على الماسنجر "

تحدثت شادية بشر وتوعد مبطن :

" الله يسامحك يا أم علي، والله لاوريكِ"

همس كريم بغيظ :

" والله لاحسرك على الاكونت بتاعك واقفلهولك"

صدح صوت شاكر في المكان بتعجب بعدما أبصر وجود ادهم:

" أدهم أنت جيت امتى ؟؟"

نظر له ادهم ببسمة صغيرة باهتة:

" لسه من شوية يا شاكر، وحشتني فقولت اجي اشوفك "

ابتسم شاكر يقترب منه معانقًا إياه بحنان ابوي كبير :

" متزعلش نفسك، والله لارجعلك البيت احسن من الاول، أنا اساسا كلمت عمال كتير عشان البيت واتفقت معاهم ومن بكرة هيبدأ الشغل في البيت "

هز أدهم رأسه وقد استحكمت غصة حلقه :

" أنا مش عايزة احسن من الاول يا شاكر، أنا نفسي يرجع زي الاول "

ربت شاكر على كتفه بحنان :

" هيحصل يا حبيبي متقلقش من حاجة أنت وراك رجالة "

أنهى حديثه يشير لرفاق أدهم الذين ابتسموا له بحب ليبادلهم أدهم البسمة وهو يفتح لهم ذراعه مرددًا :

" وحشتوني والله "

انطلق الثلاثة بقوة صوب أحضان أدهم ليعود أدهم للخلف بصدمة من اندفاعهم القوة :

" براحة منك ليه هتكسروني، أنا لسه داخل على تجديد بيت وموال طويل "

ردد شادي بحب ومؤازرة :

" متخافش يا أدهم الحمل خفيف لو اتقسم يا صاحبي "

ابتسم له ادهم بحب ليسمع صوت اليخاندرو يقول بجدية :

" إذن ادهم أنت سوف تأتي اليوم وحتى ينتهي المنزل وتقيم في المنزل معنا "

قاطعه شاكر بجدية :

" لا بأس سيد اليخاندرو فمكان أدهم محفوظ في منزلي هو وزوجته "

تدافع الجميع يعرض على أدهم مسكنًا في منازلهم، شادية تصرخ في الجميع أنها هي من ستستقبله في المنزل إلا إن أراد الوسيم استقبالها مع أدهم في منزله، وكريم وشادي وسليم، كلٌ منهم يردد أنه من سيستضيف أدهم، لكن أدهم قطع كل ذلك النقاش وهو يردد :

" شكرًا يا جماعة بس انا بجد حابب افضل هنا انهاردة في الشقة، ام فتحي هتروح مع جدها وانا هفضل هنا، بس ساعدوني نصلح باب الشقة "

نظرت له هالي باعتراض ولم تكد تتحدث بكلمة حتى عاجلها ادهم:

" متتعبنيش يا ام فتحي لو سمحتي وروحي مع جدك وبكرة يبقى تعالي معاه "

نظرت هالي له بحزن، ثم رمقت جدها الذي مد يده لها بحنان رغم عدم فهمه لما تشدق به أدهم..

نظر الجميع لادهم بتردد قبل أن يسارع كريم ويعرض :

" طب أنا هبات معاك "

وقبل أن يعرض الباقيين نفس الأمر منعهم ادهم وهو يقول بهدوء :

" لا كل واحد يروح بيته أنا حابب افضل لوحدي انهاردة "

هز شاكر رأسه بتفهم رغبته، ثم أشار لسليم أن يلحق به هو وشادي :

" تعالوا ساعدوني نصلح الباب وأنت يا كريم اطلع هات لحاف وبطاطين لادهم"

هز كريم رأسه وهو يسارع للخارج، بينما اقتربت شادية منه تربت على كتفه بحنان :

" اكلت يا حبيبي؟! انا عاملة محشي الكوسة اللي بتحبه يا ادهم "

قبّل أدهم يد شادية بحب :

" بالهنا والشفا يا حبيبتي مليش نفس والله "

نظر لهالي التي كانت تنظر له بحنق، قبل أن تشير لجدها أن يذهبوا، تنهد أدهم بحزن من حزنها لكنه قرر أن يصالحها في الغد .

رحل اليخاندرو بعدما أردف بهدوء :

" حسنًا ادهم في الغد ستجدنا جميعًا في المنزل هنا لنساعدك "

" شكرًا لك، فقط اعتني بهالي وفتحي "

ابتسم له اليخاندرو بحنان :

" أتوصيني بحفيدتي وطفلها !!"

وهكذا رحلت هالي مع جدها، تاركة أدهم يلقي بجسده في تعب كبير على الأريكة التي نالها ما نال المنزل، يرمق بعينه شاكر يصلح المنزل رفقة أصدقاءه بينما تحركت شادية للخارج وهي تقول ببسمة وإصرار :

" هروح اجبلك محشي وعصير فراولة بلبن وجاية والله هيعجبوك"

هز أدهم رأسه بيأس من شادية وما كادت تبتعد حتى عادت مجددًا تردد :

" ألا بقولك يا أدهم، هو الراجل الكبارة اللي مشيت معاه مراتك ده هيجي تاني ؟؟"

رفع أدهم حاجبه بتشنج لتضيف شادية بسرعة وتبرير :

" عشان بس اعمل حسابه في الطعمية بكرة "

" أطلعي يا شادية فوق، اطلعي "

تحركت شادية بسرعة وهي تقول ببسمة :

" هروح اجبلك المحشي "

راقب أدهم تحركها ثم شرد في السقف وهو يقول بتعب :

" يارب ..."

____________________

" يعني ايه؟! هو أنت هتنصب عليا عيني عينك ؟! دي بعشرة في كل حتة "

كان ذلك الصياح صادر من أحد الزبائن داخل أحد المحلات المختصة ببيع الاشياء اليومية في الحارة الخاصة بادهم..
زفر البائع بحنق فقد استمع لتلك الجملة مئات المرات خلال آخر يومين :

" والله هي دي الاسعار، ولو مش هتاخد اتفضل سيب الحاجة وأخرج "

ألقى الرجل الحقيبة من يده بحنق :

" روحوا حسبي الله ونعم الوكيل فيكم والله لابلغ عنكم حماية المستهلك واحد واحد "

ختم حديثه يندفع خارج المحل بغضب وقهر نابع من عجزه عن تأمين ابسط احتياجات منزله اليومية، بينما البائع لم يهتم وهو يلملم ما سقط من الحقيبة التي ألقاها ملوحًا بيده في استخفاف :

" بلغ يا خويا، روح بلغ ووريني اخرك، هو اخركم بق على الفاضي "

كان يتمتم ويتحدث بحنق أثناء إعادة ترتيب تلك الاشياء التي نبذها الرجل بسبب ارتفاع سعرها :

" الواحد بقى يقضي اليوم يتناقش مع الزباين وياريت بيبيع، وكل اللي عليهم أنتم نصابين وهبلغ حماية المستهلك، بلغها يا خويا وريني هيعملــ"

توقف عن الحديث بصدمة يرى المحل يمتلء برجال يرتدون ثياب سوداء بوحوه جامدة وملامح مرعبة ونظرات غامضة، اقتحموا محله ليرفع الرجل يده عاليًا وجسده يرتعش :

" والله العظيم يا باشا هو ده السعر عند الكل، والله انا بشتريهم من تجار الجملة كده ومش طالعلي فيهم مكسب اساسا "

كان انطونيو يتقدم الجميع وعلى الجانبين ارتص أبناء عمومته وإخوته في مظهر مهيب، يراقبون ذلك الرجل يرفع يده لاعلى يتحدث بكلمات غير مفهومة لاحد سوى فبريانو وآدم وجاكيري الذي أعاد سماعته له حتى لا يشعر بالجهل طوال الوقت .

ابتلع البائع ريقه خوفًا من نظراتهم خاصة أن لا أحد منهم تحرك واجابه بكلمة :

" هو لحق يبلغ امتى بس ده لسه خارج، ولا انتم تبع الراجل اللي جه يشتري كيلوباترا الضهر ؟!"

مال جاكيري على فبريانو هامسًا بتعجب :

" هل يتاجر ذلك الرجل بالآثار ؟! أسأله إن كان مهتمًا بشراء سيدة بعمر المائة وخمسين تقريبًا "

رمقه فبريانو بحنق قبل أن يتقدم من الرجل يشير نحو جهة معينة دون كلمة، تحركت عين الرجل حيث يشير فبريانو ليجد أنه يشير لعبوة العلكة، سارع يلتقط العلبة يخرج منها العديد والعديد من العلكة :

" عايز ماربيلا يا باشا؟! اتفضل والله متغلاش عليك "

رفع فبريانو حاجبه بسخرية فهو كان يشير على شاشة المراقبة التي تقبع أمامه، وما كاد يهتف في وجهه حانقًا حتى وجد جاكيري يقترب من الطاولة يجمع تلك العلكة كلها في جيبه مرددًا بجدية :

" أنا سأصادر تلك العلكة "

نفخ فبريانو بيأس على تصرفات جاكيري ثم قال :

" عايز اشوف الكاميرات بتاعة المراقبة دي "

نظر الرجل للشاشة ثم هز رأسه بموافقة :

" اكيد يا باشا اكيد اتفضل المحل محلك، بس والله انا مغشتش حد ياباشا "

لم يهتم فبريانو بما يقول يشير لمارتن أن يتحرك ويرى عمله، في الوقت الذي أخذ جاكيري يوزع على الجميع العلكة وقد نالت استحسان جايك ومارسيلو الذي ردد :

" أنها بطعم الفراولة، تشبه العلكة التي لدينا لكن هذه لا ادري بها شيء غريب ..."

رمقه مايك بحنق :

" بحق الله هلّا ركزتم قليلًا فيما نفعل ؟؟"

أجابه جايك بجهل :

" وماذا نفعل نحن، مارتن هو من يبحث في كاميرات المراقبة، هذا خامس محل نقتحمه ولم نجد شيئًا حتى الآن "

رمقه انطونيو بنظرةٍ واحدة اصمتته واصمتت الجميع، ثواني فقط حتى ارتفع صوت مارتن يردد أثناء خروجه :

" أيضًا لا شيء، الكاميرا فقط تُظهر وقت خروج الدخان من النوافذ ولا تظهر وجود أحد "

أشار انطونيو للجميع باللحاق به :

" دعونا نبحث عن كاميرات في الطرف الخلفي للمنزل "

سار التسعة خارج المحل بمنظر مثير للرعب، تراهم تحسبهم شرطة جاءوا لاعتقال بعض المجرمين الخطيرين، كان الجميع يراقبهم بريبة في الشارع لا أحد يفهم من هؤلاء، لكن تلك الوجوه الأجنبية أثارت إعجاب الفتيات وبشدة ليبدو الأمر كما لو أن الحارة انقلبت لإحدى الاماكن السياحية .

وفي الشارغ الخلفي للبناية التي تضم منزل أدهم دارت أعين التسعة في جميع المحلات المحيطة يحاولون إيجاد أي كاميرا مراقبة، حتى وقعت عين آدم على واحدة ليشير لها هاتفًا :

" هناك "

تحرك التسعة صوب ذلك المحل الذي تخرج منه روائع عدة متداخلة لم يستطع أحدهم تمييز شيء منها سوى رائحة الثوم، توقف التسعة أمام باب المحل يتحدث انطونيو بجدية كبيرة :

" يبدو أنه أحد المطاعم فهو مكتظ من كل تلك الأصوات التي تخرج منه؛ لذلك لا اريد افتعال أي مشاكل "

استمع فبريانو لحديثه وهو يدفع الباب بعنف مرددًا كعادته :

" حسنًا"

وبمجرد أن خطى للمطعم حتى صاح بنبرة مخيفة :

" فين المدير هنا ؟!"

جاوره جاكيري وهو يصيح بنبرة تماثل نبرة فبريانو :

" وما مصدر تلك الرائحة الجميلة ؟؟"

مسح انطونيو وجهه بقوة، يحاول التحكم بنفسه قبل أن يشير للاثنين مرددًا بغضب :

" رأيتم، هذان الاثنان سوف يصيباني بأمراض الدنيا"

ربت مارتن على كتفه وهو يقول من بين ضحكاته :

" لا بأس حقًا، هذا معتاد منهما، والآن لنرى ما يمكن أن نجده في هذا المكان قبل أن يُصاب رواد المطعم بالهلع من فبريانو، وبالمجاعة من جاكيري "

______________________

بعد ساعتين

انتهى الجميع في منزل أدهم واخيرًا من إصلاح الباب وتجهيز فراش متواضع لأجله بعدما رفض أدهم أن يتخلى أحدهم عن فراش من منزله لأجله، مكتفيًا بغطاء ومفرش سميك أحضره كريم لأجله..

جلس ارضًا يتناول الطعام التي أصرت شادية عليه أن يتناوله تراقبه بحنان وهي تربت على كتفه بحب :

" كل يا حبيبي تلاقيكِ معرفتش تاكل الاكل بتاعهم هناك"

ابتسم لها أدهم بحب وهو يرى الجميع يجلس حوله يحدثه في أمور كثيرة رافضين تركه لأفكاره وحزنه وحده، أصر أدهم على الجميع أن يشاركوه الطعام فهو لا يحب تناوله وحده، هذا يذكره بأيام وحدته في منزل والده حينما كان ينفره الجميع، ويتناول الطعام في غرفته كالمنبوذ .

وتحت إصراره جلس الجميع وبدأوا يشاركونه الطعام بعدما زودتهم شادية بالكثير والكثير من ذلك المحشي الشهي الذي تعده ..

ضربت فجأة شادي على رأسه بحنق :

" أنت يا طفس سيب حتة الفراخ بتاعة الواد أنت مش اكلت "

رمقها شادي بغيظ :

" الله ما هو قدامه حتتين اهو، بعدين يا شادية هتبصيلي في اكلي ولا ايه ؟!"

كادت شادية تجيب لولا حديث أدهم الذي حال بينهما :

" سيبيه ياكل يا شادية الاكل كتير اهو والفراخ كتير، هو أنتِ جايبة ليا فرخة لوحدي ولا ايه ؟!"

ضحكت شادية وهي تربت على كتفه بحنان :

" كل يا حبيبي بالهنا والشفا ده مناب الواد شادي بتاع بكرة"

صاح شادي بحنق :

" كمان؟! يعني منابي ( نصيبي ) وبتقطميني عشان باكل حتة منه ؟!"

رمقته شادية بشر :

" ولا هو مفيش غيرك هنا ؟! ما أنت شايف كريم وسليم ربنا يحرسهم بياكلوا وهما ساكتين ومحدش فيهم فتح بقه وسايبين الولد ياكل براحته، مفيش قليل أدب غـ ...."

وقبل أن تكمل كلمتها أبصرت سليم وكريم يتناولان الدجاج من أمام ادهم، نظر الاثنان لشادية بخجل وهناك بسمة غبية ترتسم على فمهما لتتعالى ضحكات أدهم في المكان وهو يقول :

" كلهم معفنين يا شادية، كلهم باصين ليا في حتتين الفراخ اللي واخدينهم من شادي "

ضربت شادية كف بالآخر مرددة في حنق :

" ينيلكم مفيش واحد فيكم عاقل، أنا هطلع فوق اريح ولو احتاجتوا  اي حاجة رنوا عليا هبعتلكم"

تحركت شادية وما كادت تخطو خطوة أخرى حتى على صوت أدهم الذي قال :

" أيوة يا شادية محتاجين فراخ الله يكرمك "

رددت شادية تمتص شفتيها في حسرة مصطنعة :

" كان على عيني يا بني حتة شادي واكلتوها "

ردد سليم في مزاح :

" طب وحتة عم عوض طيب !!"

" أنا أكلتها وانا بغرف ليكم الاكل "

تعالت ضحكات الجميع على شادية وبدأوا يتشاركون الأحاديث بين بعضهم البعض وكأنهم لم يجتمعوا هكذا منذ سنين طويلة، الضحكات تتعالى والذكريات تُعاد، واستمرت الجلسة لساعات وساعات حتى تمطأ ادهم بتعب وهو يردد :

" يلا كل واحد يسحب على بيته عايز اريح "

بادره كريم برجاء :

" طب ما نبات معاك يا ادهم زي زمان "

وافقه كلٌ من سليم وشادي، لكن اعتراض ادهم كان واضحًا على وجهه حينما قال :

" لا يا كريم، أنا حابب افضل لوحدي معلش، وياسيدي لو على زمان بإذن الله الدنيا تتعدل ونعمل ليلة حلوة ونفرش فوق السطح عند عشة شادية ونقضي الليل كله سوا، بس معلش انهاردة بذات حابب اكون لوحدي "

وتحت إصرار أدهم غادر الجميع مودعين إياه مع وعد بالعودة من صباح الغد لبدء اصلاح المنزل .

اغلق ادهم المنزل خلفهم وهو يستدير مستندًا على الباب يتنهد بتعب يدور بعينه بين جدران المنزل مرددًا بينه وبين نفسه، ها نحن عدنا وحدنا مجددًا .

رمق فراشه الصغير الذي أحضره كريم وهو يتحرك صوبه بتعب أثقل كتفيه، لكن ما كاد يستقر عليه حتى علت الطرقات على باب منزله، اتجه نحوها يزفر بضيق :

" أنتم مش هتسكتوا غير لما اطـ "

ولم يكد يكمل كلمته حتى وجد فراش كبير أمام عينه، تراجع للخلف بصدمة وهو يردد :

" ايه ده سرير مين ده؟!"

لكن لم يجبه أحد فقط تحرك الفراش لداخل المنزل وخلفه انطونيو الذي قال ببسمة صغيرة :

" لم نستطع أن نقنعها بالبقاء في المنزل دونك "

أنهى حديثه مشيرًا صوب هالي التي كانت تقف على الباب وهي تفتح ذراعيها هاتفة بمزاح :

" ابو فتحي حبيب قلبي "

عض ادهم شفتيه يمنع ضحكته التي كادت تصدح في المنزل يفتح ذراعيه لها يصيح ببسمة واسعة  :

" تعالي كنت عارف إني مش هخلص منك "

اندفعت هالي لاحضانه بحب تردد مشاكسة :

" انسى يا ابو فتحي، لازقة فيك لغاية ما تقول حقي برقبتي "

ضحك ادهم يضمها له بحب سعيد وبشدة لأنها عادت لاجله، بل أكثر من سعيد فحينما أغلق الباب منذ ثواني ونظر للمنزل الفارغ شعر بانقباضة في صدره، وندم على إصراره البقاء بمفرده، هو فقط لم يحب أن يُبعد أحدهم عن زوجته، وايضًا لم يرغب أن تعاني هالي بالنوم معه ارضًا بعدما احترق فراشهما..

أبصر ادهم فبريانو يخرج ومعه ماركوس وآدم ومارسيلو كذلك وقد وضعوا الفراش في إحدى الغرف، شكرهم أدهم بحب بينما يده تضم زوجته له بعشق :

" شكرًا لكم اتعبتكم "

ردد فبريانو باستفزاز :

" نحن فعلنا هذا فقط لأجل زهرتنا، فنحن لم نكن لنتركها تنام ارضًا، بينما أنت لو كان الأمر بيدي لوضعتك في علبة كِبريت صغيرة لا يهمني "

ألقى اه أدهم بقبلة في الهواء :

" تسلم يا حبيبي تتردلك في الافراح"

ابتسم له فبريانو بسمة صغيرة قبل أن يربت على كتفه بهدوء ثم غادر المكان منسحبًا مع أبناء عمومته مشتاقًا للنوم بين احضان ارنبه الوردي وبعد يوم مرهق كليًا لهم جميعًا، لكنه لن يذهب سدى بل وصلوا لما كانوا يتمنون...

بعد رحيل الجميع اغلق أدهم الباب خلفهم، ثم جذب زوجته خلفه صوب الغرفة ليجد الجميع وضعوا الفراش مباشرة أسفل النافذة حيث يظهر منها القمر ويتهافت منها النسيم وقد صنعوا لهم جو شاعري دون قصد، أو ربما بقصد ...

جذب أدهم هالي وجعلها تجلس على الفراش، ثم استقر برأسه على فخذها وهو ينظر لوجهها هامسًا براحة كبيرة لا يعلم من أين أتت بعد كل ما حدث اليوم :

" تحبي نسهر و احكيلك عن مغامراتي في الوحدة الصحية اللي كنت فيها أيام التكليف ؟؟"

ضحكت هالي وهي تميل تقتنص قبلة رقيقة من خده هامسة:

" أنت أي حاجة بتحكيها أنا بحبها يا ادهم "

" وانا بحبك أنتِ يا هالي..."

ابتسمت هالي ولم تتوقف يدها عن مداعبة خصلاته بحب كبير، ليعلو فجأة تساؤل أدهم :

" أنا خايف قاسم يكون دلوقتي بيعيط "

ضحكت هالي تعيد رأس أدهم لقدمها مجددًا بعدما رفعها قليلًا ليتحدث :

" قاسم مين ؟! قاسم اساسا مش فاكرنا، بعدين يعني ما هو من وقت ما سافرنا وهو بينام مع جدو يا ادهم متقلقش "

" أيوة بس كنا معاهم وجنبه، خايف يعيط لما يحس إني أنا وأنتِ مش معاه "

ربتت هالي على كتفه بحب هامسة:

" متقلقش تلاقيه دلوقتي في سابع نومة اساسا "

__________________

كان جسده يتحرك بقوة، قطرات العرق تتصبب أعلى جبينه بكثافة، أنفاسه تخرج متسارعة نتيجة ذلك المجهود الكبير الذي يبذله، أعينه تدور في المكان بأكمله بنظرات صقر، وأسفل قدمه تتدحرج الكرة ...

زاد قاسم من سرعته الصغيرة بسبب أقدامه وتعثره في السير، ينظر حوله حيث يلاعب الجميع كرة القدم في منتصف بهو المنزل مسببين لسيلين غيبوبة لم تفق منها حتى الآن، والعم توفيق يجلس جوار جثتها يذيع المباراة ...

" والآن سيداتي سادتي قاسم لسه محافظ على استحواذه للكرة، مفيش حد عارف يقطع الكورة منه، لعيب يابني لعيب "

توقف قاسم في ركضه يتنفس بقوة وكأنه للتو أنهى مارثون، نظر حوله ليجد ماركوس يركض صوبه لكن بالحركة البطيئة حتى لا يصل له، بينما انطونيو والذي كان من ضمن فريقه يلوح له :

" هيا قاسم، سجل الهدف وننتصر"

لم يفهم منه قاسم سوى إشارته للمرمى حيث يقف حارس الفريق الآخر وقد كان هو نفسه جاكيري الذي ضرب يديه في بعضها البعض يضيق عينيه ينتظر اقتراب قاسم بالكرة، تحرك قاسم مجددًا يدفع الكرة بيده بسبب صعوبة دحرجتها أسفل أقدامه وبمجرد أن وصل للمرمى ازدادت تشجيعات الجميع وازاداد الحماس بين الجماهير وازداد صخب المذيع .

وقف قاسم ينظر للجميع ببسمة ثم وبكل قوة دفع الكرة صوب المرمى، لتتوقف الكرة أسفل قدم جاكيري ولم تتخطاها حتى ليبتسم جاكيري وهو يمسكها من الأرض هاتفًا :

" هذا كل ما لديك يا صغير ؟؟"

رمقه قاسم بترقب ثم وجّه نظراته لانطونيو الذي بدوره حذّر جاكيري أن يدع الكرة تدخل المرمى، ضغط جاكيري على شفتيه بحنق شديد ثم قذف بيده الكرة داخل المرمى للمرة الحادية عشر وبعدها أدعى الصدمة وهو يصرخ :

" لا ليس مجددًا لقد هزمنا الصغير "

ارتفع صفير الجميع وبدأ التصفيق يرج الجدران والكل يشجع قاسم الموهوب الذي غلب بمفرده جميع الاحفاد، حمله انطونيو أعلى كتفه يدور به في المكان يشجعه بصخب وكأنه للتو منح فريقه كأس العالم.

ارتفعت ضحكات قاسم السعيدة وهو يتمسك برقبة انطونيو الذي كان يدور به في القصر والجميع يشجعه، يردد بسعادة :

" جون "

ارتفعت الضحكات يراقبون ذلك الصغير الذي منذ عادوا له للقصر ورحيل والدته وهم فعلوا له كل ما يمكن تخيله لصرف انتباهه عن رحيلها، رقص جاكيري وجايك لأجله، غنى له انطونيو وعزف له مارسيلو، لاعبة جايك بالالوان حتى أصاب سيلين بذبحة صدرية، حمله مارتن أعلى قدمه ولاعبة العاب فيديو كثيرة، حتى أن فبريانو حمله أعلى ظهره وتسلق به الشجرة الموجودة في الحديقة، حتى أنهم لعبوا لعبة اللص والشرطي وقد كاد فبريانو يصيب آدم  بثلاث رصاصات أثناء اللعب حينما أكتشف أن الصرخات تتسبب في زيادة ضحكاته، ومايك وماركوس لم يوفرا مجهودًا أثناء لعبة الاختباء.

تساقطت أجساد الاحفاد ارضًا بتعب ليعلو صوت مايك المتذمر :

" يا ربي لا أريد طفلًا كذلك القرد لا يكل ولا يمل "

ابتسم جاكيري باتساع يراقب قاسم الذي بدأ يغفو بين ذراعي اليخاندرو :

" أنا على عكسك أحب هذا النوع من الأطفال، اريد لطفلي أن يقفز هنا وهناك طوال الوقت ويحب الرقص مثلي، وفي الوقت ذاته يكون عاقلًا كأبيه "

انطلقت ضحكات صاخبة من الجميع عقب كلمات جاكيري الأخيرة، ليلوي الأخير شفتيه بحنق :

" نعم اضحكوا، غدًا سترون كيف سيصبح صغيري "

داعب فبريانو خصلات الصغير بحب :

" أنا أحببته كثيرًا "

ردد مارسيلو بسخرية :

" نعم فأنتما دمويان، الصغير كان يصفق مرحًا حينما تطلق رصاصة، ويستا، إن أخطأت الهدف "

تعالت ضحكات اليخاندرو يقبل رأس الصغير يرى كل ذلك الحب الذي يحيط به الحفاده الصغير، نعم توقع أن يعاملوه جيدًا وبحب لأنه في النهاية طفل شقيقتهم الوحيدة، لكنه تفاجئ من الوجه الذي أظهره الاحفاد معه، تنهد بحب يرمق عائلته الجميع يضم زوجته بحب منهم النائمة ومنهم المستكينة لزوجها ...

همس اليخاندرو بحب ونظراته تمر على الجميع :

" ستكونون اباءً رائعين احبائي، محظوظون هم من سيولدون تحت كنفكم "

____________________

صباح اليوم التالي انتفض جسد ادهم بفزع من فراشه، ينظر حوله لا يدرك أين هو أو ماذا يفعل، لكن نظرة واحدة للمحيط حتى عادت له جميع ذكرياته، مال على زوجته طابعًا قبلة حنونة على جبينها، ثم نهض يعدل من خصلات شعره متجهًا صوب الباب الذي يكاد يتحطم فوق رؤوسهم .

اغلق باب الغرفة خلفه حيث ترقد زوجته ثم تحرك لباب المنزل نفسه وفتحه وما كاد يتحدث بكلمة حتى وجد رجل طويل الجسد عريض المنكبين ذو معدة بارزة يدفعه من كتفه مرددًا بلهجة ممطوطة بشكل غريب :

" جرا ايه يا عمنا بقالي ساعة بخبط عليكم "

رفع أدهم نظره لذلك الرجل الذي كان يرتدي قميص قديم الطراز وبنطال من خامة الجينز باهت الالوان يلحق به شاب في بداية عقده الثالث تقريبًا يحمل حقيبة سوداء ضخمة ..

لم يفهم ادهم ما يحدث في تلك اللحظة :

" أنت يا استاذ رايح فين ؟!"

استدار له الرجل يشير للمنزل بباسطة :

" هو ايه اللي رايح فين ؟! داخل الشقة "

هز أدهم رأسه باقتناع :

" اه إذا كان كده تمام "

صاح بعدها منتفضًا وهو يمسك بتلابيبه :

" هو ايه اللي داخل الشقة ؟؟ حمام عام هو يا خويا ؟!"

نظر الرجل ليده بحنق :

" الله الله الله، وليه المعاملة دي بس يا عمنا ؟! لا خلينا حلوين كده مع بعض ده احنا لسه مطولين سوا "

" مطولين سوا ايه ؟؟ هو احنا طالعين رحلة ؟! أنت مين يا عم أنت ؟؟"

جاءه صوت من الخلف يردد بتعجب :

" ايه يا ادهم ماسك الاسطا مرزوق كده ليه ؟؟"

حدق ادهم في وجه شادي :

" مرزوق مين؟! بتاع ايه ده ؟!"

ابعد مرزوق يد أدهم عنه نافضًا إياها بقوة واباء :

" الاسطا مرزوق فنان نقاشة وحاصل على شهادة النقش الدولية من معهد سملوط "

تشنجت ملامح ادهم ولم يكد يبدي بردة فعل حتى وجد ذلك الاسطا يتنقل بنظره بين جدران منزله المحترقة والتي غطاها السواد حتى أضحت مظلمة كما الليل، أشار مرزوق للجدران متحدثًا بازدراء واضح :

" مين النقاش اللي كان شغال قبلي ؟! "

فتح أدهم فمه بصدمة من حديثه ليردد ساخرًا :

" واحد كده الله يسامحه "

" شغله مش قد كده للعلم، كده هنحتاج نشيل كل اللي عمله ونبدأ من جديد "

هز أدهم رأسه باقتناع وهو يحدق بجدران منزله المحترقة :

" اه عندك حق فعلا، ناس معندهاش ضمير "

" متقلقش يا برنس، مع الاسطا مرزوق حالتك هتتحسن وتروق "

ابتسم أدهم بسمة واسعة وهو ينظر لشادي والصبي الذي رافق مرزوق يتعجب كل ذلك الغباء والثقة المجتمعين بشخص واحد :

" لا وعامل شعار لنفسه كمان ؟! ماشاء الله ده احنا بنتعامل مع شخص محترف بقى "

نظر له مرزوق يردد بلهجة غريبة على مسامع ادهم :

" امـــــال يا باشا أنت بتكلم هواة ولا ايه ؟! تعرف البيت الأبيض ؟؟"

هز أدهم رأسه:

" اللي في امريكا ؟!"

" أيوة هو، البيت الأبيض ده اساسا كان اسود زي بيتك كده، استلمته من النقاش اللي قبلي حاجة استغفر الله، لكن بعونك يا رب خليته زي ما هو دلوقتي كل الناس بتحكي وتتحاكى عليه وحتى الراجل صاحب البيت ده كلمني بنفسه يشكرني "

" قصدك رئيس امريكا "

أشار الراجل بيده ورأسه وعينه متسعة بقوة :

" هو بنفسه، كلمني يشكرني وكمان رشحني لزمايله بعد ما عجبهم شغلي "

امتص ادهم شفتيه باستحسان :

" ده احنا محظوظين بقى أننا وقعنا فيك "

أجابه مرزوق ببسمة وفخر :

" أنت بس ابعت هاتلنا فطار وباكو شاي وكيلو سكر وعلبة سجاير واتفرج على الشغل "

هز أدهم رأسه وهو يلوي شفتيه يحاول كتم سبة، ثم جذب شادي من ثيابه بعنف شديد هامسًا من بين شفتيه :

" ايه اللي أنت جايبه ليا ده يا زبالة ؟؟ "

" ده الاسطا مرزوق احسن نقاش في الحارة ؟!"

ضربه أدهم على كتفه بغيظ :

" ده احسن نقاش ؟! كفاية كدب بقى، ده بيقولك مين اللي كان شغال قبلي "

أجابه شادي يحاول تفادي الضربات التي وجهها له ادهم :

" ده سؤال روتيني عادي يا ادهم، بعدين متحمكش عليه من غير ما تشوف شغله، يا جدع ده هو اللي مشطب ليا الشقة بتاعتي "

عض ادهم شفتيه وهو يردد بحنق لاذع :

" شقتك اللي استلمتها بعد شهرين من جوازك ؟؟"

" بس استلمتها "

ضربه أدهم بغيظ وهو يود لو ينقض عليه لولا صوت مرزوق الذي قاطعهم :

" ايه يا اساتذة يعني مش شامم ريحة طعمية ولا شايف كوباية شاي، مش هنبدأ ولا ايه؟! خلي بالكم ده كله من وقتكم "

رمقه أدهم بسخرية :

" هو احنا بنمتحن ؟! بعدين يا عم أنت لسه عملت حاجة اساسا عشان تتأمر"

" الله ما كل ده عشان نعمر الطاسة ونبدأ ولا هنبدأ كده اورديحي ؟؟ لازم فطار يا استاذ "

ضرب ادهم كتف شادي بغيظ :

" لا ازاي ؟! فطرهم يلا "

فرك شادي كتفه بغيظ شديد وهو ينظر لادهم في نفس الوقت الذي وصل به شاكر وعوض وكريم وسليم وشادية..

دخل شاكر ينظر للجميع ببسمة :

"سلام عليكم، اتمنى تكون نمت كويس يا ادهم "

ابتسم له ادهم شاكرًا لطفه :

" وعليكم السلام يا شاكر، أيوة الحمدلله نمت كويس "

تحدث كريم وهو يتمطأ بتعب :

" حد من العمال جه ؟!"

نظر أدهم بحنق لشادي:

" اه الاسطا مرزوق جه بس لسه هيروق عشان يبدأ "

رفع سليم حاجبه :

" يروق ازاي ؟!"

" يروق يا سليم يا حبيبي هيفطر ويشرب شاي وياخد سجارتين كده على الماشي عشان يقدر يفوق للدنيا دي "

تشنجت شادية بحنق وهي تشير له بالتنحي :

" يروق ايه ده انا اللي هروقه، هو أخره معايا سندوتشات يفطر بيها لأجل حقوق الإنسان متاكلش وشنا، غير كده يبدأ شغله، هو طلب اساسا ياخد فلوس زيادة عشان هو مش هياكل أثناء الشغل "

أشارت بحنق لشادي :

" روح هاتلهم فطار يا شادي عشان ميشتغلوش على لحم بطنهم وانا هتصرف معاهم وهقعدلهم هنا وأما اشوف الشقة دي هتخلص امتى "

أنهت حديثها تتوجه صوب مرزوق بخطوات حادة، دقائق قليلة مرت قبل أن تعود مع مرزوق والذي كان يلوي وجهه بحنق وكأنه طفل أُنتزعت منه لعبته المفضلة ينفخ ويتمتم بحنق بعدما أفسدت عليه شادية راحته قبل بدء العمل، لوح بيده في الهواء حانقًا يصرخ بغضب  :

" فين يا استاذ الشقة اللي هتتعمل ليها نقاشة خلصونا "

نظر أدهم حوله لشقته ثم عاد بنظره للرجل :

" فوق في الحمام بتاع عم عوض على اليمين هتلاقي الشقة "

نفخ الرجل مجددًا :

" فين عم عوض ده ؟!"

فجأة شعر بضربة تهبط على ظهره وصوت شادية يصدح بحدة :

" وكمان غبي، طبعا هتطلع لمين ما هي وراثة في العيلة، ما أنت واقف في الشقة يا مرزوق بص حواليك يا خويا "

دار مرزوق بعينه في المكان حوله ثواني قبل أن يقول :

" مين النقاش الغبي اللي كان شغال قبلي هنا، ده مبهدل الدنيا خالص، لا مش هينفعني الكلام ده الحوار عايز وقت طويل،  أنا أمشي انهاردة وبكرة من الصبح بدري اجي اظبطلكم الدنيا دي "

وما كاد يتحرك خطوة واحدة بعيدًا حتى انقض عليه سليم يكتفه وهو يصيح في كريم :

" أمسك معايا الراجل ده يا كريم، والله ما أنت متحرك غير لما تخلص الشقة دي "

هجم الأربعة على مرزوق يكتفونه بقوة مانعين إياه من الرحيل، ومرزوق يتحرك بعنف بينهم وضحكات شاكر تعلو على ما يحدث بينما شادية تتمتم بسخرية في نفسها :

" اهبل زي اخوك الكبير، والله يا مرزوق أما اتعدلت لكون رايحة لامك اخليها تنكد عليك، فاكر العلقة ( ضربة) بتاع زمان ؟؟"

زفر مرزوق وهو يبعد الأربعة شباب عنه يصيح بنزق :

" طيب طيب هشتغل وامري لله، بس عايز افطر الاول وإلا والله ما همد ايدي على حاجة "

نظرت شادية له بحنق قبل أن تشير لشادي :

" روح هاتله فطار أما نشوف اخرتها ايه ؟!"

ابتسم مرزوق بسمة غبية بعض الشيء :

" اخرتها هتشوفيها بعينك يا ست شادية، هعملكم الشقة دي جنة بعونك يارب، أنتم الظاهر متعرفوش مين هو الاسطا مرزوق"

في نفس اللحظة وقبل أن يتحدث أحدهم مجيبًا إياهم ارتفع صوت اليخاندرو يعلو بانجليزية متقنة ومنمقة :

" صباح الخير جميعًا "

ارتفعت عين شادية له وهي تقول ببسمة واسعة :

" يا صباح الجمال على عيونك يا عسل، واد يا شادي اعمل حساب الهيبة ده معاك في طعمية "

نظر لها شادي بحنق :

" هتوكليه طعمية يا شادية؟! اتقي الله "

" عندك حق، أنا هروح اعمله صينية مسقعة عسل "

ولم تكد تتحرك حتى امسكها عوض وهو يردد بحنق شديد :

" ابوس ايدك اهدي شوية مش كده، استرينا "

نظرت له شادية بحنق تلاحظ حديث اليخاندرو وهو ينظر حوله للمنزل :

" إذن هل تحتاجون مساعدة ؟؟"

مال مرزوق على كريم يهمس له بجهل يحك أنفه في حركة معتادة منه :

" هو عم الحاج ده بيقول ايه لامؤاخذة لاحسن محسوبك مكنش قد كده في الانجليزي، هو ده من مركز التفتيش ولا ايه  "

نظر له كريم يردد بتهكم ( عم الحاج؟؟) لكنه رغم ذلك أجابه :

" بيقولك محتاجين مساعدة ولا لا ؟!"

هز مرزوق رأسه وهو ينظر لاليخاندرو الذي كان أحفاده يرتصون خلفه كالعادة في مظهر مهيب :

" أيوة بالله عليك يا حاج قول للشباب اللي معاك يساعدونا نخرج الحاجات من الشقة ويكنسوا الأرض عشان نشتغل على نضافة بس "

جذبه كريم بحنق :

" يكنسوا ايه يا متخلف أنت ؟؟ دول لو فهموك هيخلوك أنت نفسك مكنسة "

همس له مرزوق بتعجب :

" ايه مش بيعرفوا يكنسوا؟! "

رفع وجهه لهم يصحح حديثه :

" خلاص ممكن واحد من الأساتذة اللي وراك يقعد يعملنا شاي ويناولنا الدهانات أو اقولك خليهم كلهم عشان لو احتاجنا سجاير نبعت حد يجبلنا "

علت الصدمة وجه فبريانو وهو ينظر لذلك الرجل باستنكار، بينما مرزوق ذلك الشاب الثلاثيني البسيط لم يكن يعنيه مظهر الاحفاد أو ثيابهم ولم يكن يهتم بملامحهم الجامدة كل ما كان يهتم به هو ...سيجد من يحضر له سجائره ومن يصنع له كوب الشاي أثناء العمل .

أخرج فبريانو مسدسه بكل هدوء وعينه تدور على ذلك الاحمق في شكل لو لاحظه مرزوق لركض مرتعبًا خارج المكان بأكمله.

أشار مرزوق بيده في المكان حوله :

" يلا يا خونا خلي ربنا يكرمنا ونخلص بدري كل واحد يشوف حاجة يعملها ونساعد بعضينا كده "

أشار انطونيو لفبريانو :

" ما الذي يقوله ذلك الرجل ؟!"

رد فبريانو ببسمة ساخرة باردة :

" يخبركم أن تبقوا في الجوار، حتى إذا احتاج من يحضر له سجائر أو يصنع له الشاي يجدكم "

فتح انطونيو فمه بصدمة وفبريانو في رأسه يتخيل نفسه يمسك ذلك المرزوق يضع وجهه في علبة الدهان ثم يستخدمه كفرشاة لطلاء كل تلك الحوائط..

وقاطع كل تلك الأفكار صوت اليخاندرو الذي قال ببسمة واسعة وبكلمات أصابت جميع أحفاده في الصميم :

" لا بأس احفادي جميعًا سيساعدوكم، هم جيدين في كل تلك الأعمال، مارسيلو وحده قام بإصلاح وطلاء أربعة جدران في اقل من ساعتين "

استدار الجميع صوب مارسيلو الذي كان يفتح فمه ببلاهة، ثم صرخ :

" هذا كذب، أنا كنت نائمًا اقسم "

لم يهتم اليخاندرو وهو يقول ببسمة واسعة :

" جاهزين اعزائي للعمل، كعائلة واحدة، اعتقد أن هذا العمل مع عائلة ادهم سيكون ممتعًا؛ لذلك اظهروا لطفكم للجميع واروهم كيف هم احفادي"

علت الصدمة وجوه الجميع في المكان، أو فقط من فهم حديث اليخاندرو، والاستنكار هو كل ما يمكن رؤيته على وجوه الاحفاد، الاستنكار والتهكم .

تمتم فبريانو بحنق :

" جدي أنا لا اجيد مثل هذه الأفعال"

صمت ودار بعينه في المكان قبل أن يشير لمرزوق :

" يمكنني قتل مرزوق وهذا أكثر ما يمكنني أن أقدمه لكم "

تساءل مرزوق عن معنى حديث اليخاندرو الذي سبب كل تلك الصدمة على وجوه الجميع، ليخبره كريم بكلمات مقتضبة، ولم يكد يتم كلماته حتى رفع مرزوق يده عاليًا يهتف بحماس  :

" الله عليك يا عم الحاج يسلم بقك، كُتر الايادي بتساعد"

أشار بعدها للاحفاد ببسمة وكأنه يتلو عليهم مراسم تقليدهم أحد المناصب أو ما شابه :

"  وخلي بالكم أنتم مش هتشتغلوا مع أي حد، ده أنا الاسطا مرزوق، يعني أي واحد فيكم يقدر يكتب في الـ CV بتاعه أنه عمل في يوم من الايام تحت يد الاسطا مرزوق كصبي نقاش ده لوحده هيفتحله با.. "

توقف عن الحديث برعب حينما وجد جسد يندفع له من بين هؤلاء الرجال بسرعة مخيفة جعلته يطلق صرخة صاخبة وهو يتراجع للخلف وصوت يعلو في المكان يتحدث بفحيح :

" مش لما الاسطا مرزوق يكون موجود في الدنيا الاول ؟؟؟"

__________________________

واستمتعوا بالرمق الأخير ....

دمتم سالمين
رحمة نبيل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...