تحميل رواية «زهرة آل فوستاريكي» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
*ملحوظة * احداث الرواية كلها بعد زواج الاحفاد بشهر تقريبًا، وزواج هالفيتي بعامين فقط .... صلوا على النبي قبل القراءة .... __________________ " قناة المجد للقرآن الكريم، قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار" كان ذلك الصوت الهادئ والمريح للقلوب يصدر من التلفاز الذي يتوسط بهو شقة الطبيب الشاب ادهم، المكان هادئ، والسكون يتغلغل القلوب، فها هو يوم الجمعة يطل على الجميع مجددًا بعد اسبوع مشحون، ليبدد أي تعب وأي ملل . ومن بين كل تلك الأصوات انبثقت صرخات عالية لتنهي تلك الحالة من السلام . نفخ أدهم بحنق شدي...
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الاول 1 - بقلم رحمة نبيل
*ملحوظة *
احداث الرواية كلها بعد زواج الاحفاد بشهر تقريبًا، وزواج هالفيتي بعامين فقط ....
صلوا على النبي قبل القراءة ....
__________________
" قناة المجد للقرآن الكريم، قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار"
كان ذلك الصوت الهادئ والمريح للقلوب يصدر من التلفاز الذي يتوسط بهو شقة الطبيب الشاب ادهم، المكان هادئ، والسكون يتغلغل القلوب، فها هو يوم الجمعة يطل على الجميع مجددًا بعد اسبوع مشحون، ليبدد أي تعب وأي ملل .
ومن بين كل تلك الأصوات انبثقت صرخات عالية لتنهي تلك الحالة من السلام .
نفخ أدهم بحنق شديد وهو يبعد غطاء المفرش عنه، يتحرك خارج الغرفة يفرك عينيه بتعب، متحركًا صوب باب المنزل مباشرة دون قول كلمة لتلك التي تقف في المطبخ .
لحقته صرخة هالفيتي وهي تقول :
" متتأخرش يا ادهم عشان الفطار "
فتح ادهم الباب ومد رأسه ليرى مصدر تلك الصرخات، والذي يعلمه جيدًا فها هي المعركة بين شادية وشاكر اشتعلت مجددًا، بعد هدنة أيام بسبب انشغال شاكر في عمله، نفخ يتحرك صوب الطابق الخاص بشقة عوض وهي يتمتم بضيق :
" أنتم مش هتتهدوا غير لما اطفش من العمارة كلها "
كانت شادية تقف مستندة على سور الطابق وهي تصرخ ضاربة كفيها ببعضهما البعض :
" والله يا خويا أنا عارفة نفسي كويس، الدور والباقي على اللي مش عارفين هو فاكهة ولا خضار "
أنهت حديثها ببسمة شامتة ساخرة، لكن فجأة انمحت تلك البسمة وهي تسمع صوت غلق باب شقة شاكر، صرخت شادية برعب وهي تركض لمنزلها بسرعة تغلق الباب في عنف كبير تزامنًا مع وصول شاكر للطابق الخاص بها وهو يقول بغضب :
" قولتي ايه ؟! اطلعي هنا وقوليلي قولتي ايه يا شادية ؟!"
وصل أدهم لطابق شادية وهو يقول بانزعاج:
" فيه ايه بس يا شاكر هو كل جمعة لازم تعكروا النهار على الواحد يا اخي، مالها شادية بتتخانق معاها ليه على الصبح، أنتم لحقتوا تغسلوا وشكم لما تتخانقوا ؟!"
استدار شاكر بعنف لادهم وهو يصرخ :
" الست دي اقسم بالله باقيلها معايا تكة، تكة وهولع في الشقة بتاعتها بيها "
وصله صوت شادية من الداخل وهي تصيح بحدة :
" ابقى وريني كده يا شاكر هتعملها ازاي وأنا والله انكد عليك عيشتك، والله عال مبقاش غير بتوع الحرنكش اللي يهددوني "
لوح أدهم بكفه صارخًا في غيظ من استفزاز شادية لشاكر وهو يلقي بجسده في منتصف الطريق بين شاكر وباب منزل شادية :
" يا ستي ما كفاية استفزاز بقى هتخليه يولع فينا كلنا"
صرخ شاكر وقد اشتدت عروق رقبته، يحاول أن يفلت من بين يديّ ادهم :
" والله لولا أنك ست قد جدتي لكنت اتصرفت معاكِ بشكل تاني، بس كلامي مش معاكِ، كلامي مع ابنك لما يصحى و ..."
وقبل أن يكمل جملته أبصر فتح الباب واندفاع شادية منه وهي تقف قبالته وبينهما ادهم يكاد يحترق من غضبهما سويًا :
" ما هو أنت لو ابوك كان رباك مكنتش قولت كلمة زي دي لـ lady زيي، بس نقول ايه راجل بيئة وغير متحضر "
تناسى شاكر كل هيبته وعمره ومكانته وكل شيء وهو يطلق شهقة عالية ضاربًا كفيه في بعضهما البعض متهكمًا :
" ايه يا ختي ؟! Lady ؟! عيني عليكِ باردة يا ضنايا، بعدين تحضر مين يا ام تحضر، ده أنتِ بُقك (فمك ) ده عمره ما خرج كلمة واحدة متحضرة"
ومن بين تلك الكلمات المتراشقة وتلك الاصوات الصارخة وتلك الفوضى، تحرك عوض خارج منزله يحمل بين يديه مسبحته يحرك حباتها بكل هدوء وسلام نفسي، مرددًا اذكاره اليومية دون أن يهتم لما يحدث، ثم ابتسم بكل هدوء وهو يقول :
" صباح الخير يا شاكر، مش عوايدك يعني تبدأ من الصبح كده، بس كده احسن الخناقة البدرية منسية، خلص بقى على السريع وابقى تعالالي القهوة نشرب كوباية شاي سوا"
وما كاد يتحرك حتى عاد مجددًا وهو يرفع إصبعه في وجه شاكر مرددًا بجدية :
" بس خلي بالك وأنت متعصب كده لاحسن تكسر الباب زي آخر مرة، انا تعبت عما صلحته، وانا بعيد عنك مبقتش حمل ادفع شلن زيادة اصلح حاجة "
انتهى من كلامه، ثم تحرك صوب الاسفل ليتقابل مع كريم الذي كان يحمل حقيبة بلاستيكية تفوح منها رائحة الافطار المصري الشهي وهو يقول ببسمة :
" صباح الخير يا عم عوض، ايه اللي صحاك بدري كده ؟!"
" ابوك "
انتهى عوض من حديثه وهو يتحرك صوب الاسفل، بينما نظرات كريم تشيعه بتعجب وهو يردد :
" ابوك ؟! دي شتيمة ولا ايه ؟!"
وقبل أن يكمل أفكاره كانت اصوات الصراخ تعلو من الطابق الخاص بشادية، ركض كريم بسرعة صوب الاصوات .
_____________________
وفي منزل شادي استيقظ بفزع على هزات منة التي كانت تصبح بغيظ :
" شادي، شادي اصحى فيه مصيبة "
انتفض جسد شادي من الفراش وقلبه يقرع بقوة، عينه تدور في المكان حوله متحدثًا بخوف :
" حصل ايه ؟! بنتك خطفت ابن كريم ولا ايه ؟!"
كان يتحدث وهو يتحرك في الغرفة باحثًا عن ثيابه مرددًا برعب :
" المرة دي شاكر هيرفع علينا قضية ويشردنا بسبب بنتك، ولا يكونش ابويا اكتشف إني عــ...."
" بنتي مين يا شادي أنت كمان ؟! شادية وشاكر بيتخانقوا"
توقف شادي عما يفعل وهو ينظر ببلاهة لزوجته ثم ردد :
" يعني بنتك مخطفتش ابن كريم !!"
هزت منة راسها بلا ليتساءل شادي مجددًا :
" ولا ابويا اكتشف إني عطيت ادهم باسوورد واي فاي القهوة ؟؟"
صاحت منة بغيظ :
" أنت بتهزر يا شادي ؟! بقولك شادية وشاكر هيقتلوا بعض"
عاد شادي مرة أخرى للفراش وهو يردد براحة وقد هدأ خفقان قلبه المرتاع:
" طب ياستي قلقتيني، ده انا قولت مصيبة، سيبيهم يلعبوا مع بعض وهما لما يزهقوا كل واحد هيرجع لبيته"
نظرت له منة بصدمة وهي تردد :
" أنت بتهزر ؟!"
اجابها شادي بحنق :
" لا يا منة أنتِ اللي بتهزري الصراحة، يعني مصحياني بدري يوم الجمعة وتقوليلي مصيبة وفي الآخر يطلع شاكر وسادية بيتخانقوا، فين المصيبة في كده ؟! ده روتين يومي عادي، بلاش تكبير مواضيع "
راقبته منة وهو يعود للنوم مرة أخرى قرير العين، ليس وكأن جدته تُشعل شجارًا في الخارج، بل وتكاد تُقتل ...
_____________________
الملابس تتطاير وشظايا الزجاج تتقاذف هنا وهناك، والصراخات تعلو تزامنًا مع ارتفاع صوت تحطيم أثاث الغرفة بأكمله، بدى الأمر كما لو أنك تجلس في موقع تحطيم وهناك ناقلة عملاقة تمر على المباني وتفتتها أسفل عجلاتها، أو وكأن موجة غاضبة هاجمت الشواطئ بجنون، لتزيح كل ما عليها دون أن يرف لها جفن .
كل تلك المشاهد وكل تلك الفوضى لم تحرك شعره به وهو يجلس على مقعده في أحد أركان الغرفة يراقب ما يحدث، يجلس بقميص بذلته الغير مهذب، بعدما القى سترته ارضًا تجاور رابطة عنقه، والآن يضع قدمًا على أخرى يراقب انفجار زوجته والذي توقعه منذ اللحظة الأولى، حينما أخبرته وبكل جنون أنها اكتفت من شهر العسل، ذلك الشهر الذي لم يكن شهرًا فعليًا، بل كان شهر وخمسة أيام تحديدًا .
توقفت هي عما تفعل وهي تتنفس بعنف صارخة، تشد خصلات شعرها بعدما غاصت الفساد في كل ما حولها ولم يتبق شيء لتفعله :
_ أنت...انت فعلت هذا قصدًا صحيح ؟!
ولم تصل لها إجابة منه فاشتعل غضبها مرة أخرى بعدما كانت قد بدأت حرائقه تخمد، نظرت حولها بجنون تبحث عما تحطمه في الغرفة، لكن لم تجد شيء تفرغ به غضبها .
ليبتسم الآخر بهدوء شديد وهو ينزع إحدى المزهريات من الطاولة جواره والتي كانت قد نجت من تلك المعركة، ثم مدها إليها.
تحركت نحوه بعنف تنتزعها من يده بقوة ثم هشمتها لقطع صغيرة وصدرها يعلو ويهبط بقوة تحاول أن تزيح ذلك المشهد من رأسها، تلك الراقصة اللعينة التي ضمت زوجها بل وقبّلته أيضًا دون حركة واحدة منه .
نزلت دموعها وهي تراقب الغرفة وما فعلته بها، بينما انطونيو يراقب ما يحدث في انتظار أن تهدأ ليتحدث معها، فهي في هذه الحالة لن تستمع له .
" افضل ؟!"
نظرت له روما من بين دموعها ولم تجيبه بحركة واحدة ليتحرك هو ويقف من مقعده يشرف عليها من الاعلى، ثم بكل بساطة ضم رأسها له يربت عليها، ليشهد بذلك انفجار روما وهي تردد من بين شهقاتها :
" لقد قبلتك امامي انطونيو، تلك الحقيرة قبلتك دون حتى أن تهتم لوجودي، تلك الراقصة التي تلتمع بشرتها كما الذهب، كيف يمكن أن تكون بشرتها لامعة بهذا الشكل "
كتم انطونيو ضحكته على تساؤلها العجيب في تلك اللحظة، لكنه لم يظهر لها وهو مازال يربت على ظهرها تاركًا لها حرية التحدث بكل ما يزعجها :
" لقد كانت جميلة انطونيو، ألم ترى كيف كان خصرها يتحرك بسلاسة ؟! الفتاة كانت جميلة جدًا "
صمتت ثم أضافت بصوت مقهور :
" جميلة لدرجة أنها اعجبتني أنا انطونيو، فما بالك بك ؟! أقسم إن لم تكن تلك الفتاة قد فتنتك كرجل، فهناك أمر خاطئ بك، أخبرني هل أعجبتك ؟!"
التوى فم انطونيو وهو يحاول مقاومة ذلك الهاجس المرعب في رأسه والذي يأمره بطحن جسدها ويحوله لفتات صغيرة أسفل يده .
" ماذا لم تجبني ؟! هل أعجبتك الفتاة ام لا انطونيو ؟!"
حرك انطونيو رأسه للاسف ثم ثبت عينه على خاصتها وهو يردد بغضب مكبوت :
" وكيف اجيبك وأنتِ وضعتيني بين خيارين احمقين، فإن قلت لكِ نعم روما اعجبتني، سأصبح خائنًا وتحيلين حياتي لجحيم وينتهي بي الأمر بقتلك ثم اقتل نفسي وانتهي، وإن أخبرتك لا فسيكون بي شيء خاطئ، ماذا افعل أخبريني ؟! "
دفعته روما بعيدًا عنها وهي تقول :
" إذن أنت تأبى الاعتراف بأن تلك الفتاة أعجبتك ؟!"
" أنتِ يا امرأة بحق الله، هل رأيتني يومًا انظر لأخرى غيرك؟! ثم عندما قبلتني تلك الذهبية الشعور الوحيد الذي تدافع داخلي هو الاشمئزاز ولولا المكان الذي كنا به لكنت تصرفت بعنف، لكنني فقط اكتفيت بدفعها "
لم تنتبه روما لكل حديثه ذلك بل فتحت عينها وهي تقول بصدمة وصراخ :
" مهلًا مهلًا، كيف علمت أنها ذهبية انطونيو ؟! هل كنت تحدق بجسدها ؟!"
رفع انطونيو حاجبه ببطء، ثم دفعها جانبًا بغضب دون كلمة واحدة وهو يتحرك صوب المرحاض مرددًا بحنق :
" اقسم أنني بدأت اصدق أن هناك لعنة وضعت على شهر العسل خاصتي، هذه ثاني مرة يفسد "
تابعته روما بعينها وهي تزم شفتيها وهي تشعر بالقهر من ذلك المشهد، تعلم أن انطونيو لن ينظر لامرأة سواها، لكنها خافت، خافت وارتعبت أن يتسبب جمال تلك الفتاة في تحطيم اسواره التي يبنيها حوله، وقد ساهمت غيرتها في تعزيز ذلك الخوف، لتشعر بصخرة تجثم فوق صدرها بعنف مانعة إياها من التنفس .
فاقت من شرودها على طرقة قوية بعض الشيء على باب الغرفة وصوت جايك يصدح بجدية :
" اخي جدي يطلبنا جميعًا في مكتبه "
وبعدها صدحت خطوات جايك بعيدًا عن الغرفة، دقائق مرت قبل أن يخرج انطونيو وقد بدّل ثيابه لأخرى منزلية مريحة، بينما روما مازالت تقف في منتصف الغرفة دون كلمة واحدة، ثواني حتى اشتمت رائحة سائل الاستحمام خاصته يخترق انفها، تليها بضع قطرات من الماء البارد يتساقط على وجهها، وما كادت ترفع وجهها لترى ما يحدث حتى شعرت بقبلة رطبة حنون تستوطن جبهتها وصوت انطونيو يردد بحب :
" لم تعجبني تلك الفتاة روما، ولم تحرك بي شعرة واحدة، لا يوجد في هذا العالم امرأة تحرك بي شيئًا عداكِ، فأنتِ تزلزلين كياني برمشة صغيرة من عينك، فعداكِ أنتِ روما كلمة نساء تثير اشمئزازي "
انتهى من كلماته ولم يكد يتحرك صوب الخارج حتى شعر بروما تدفن رأسها بظهره مرددة من بين دموعها :
" أخبرني أنك تحبني أنا فقط انطونيو"
استدار انطونيو ببطء يحتوي رأسها بحنان كما جسدها وهو يردد بلطف وحب :
" قلبي لايقبل بسواكِ ساكنًا روما ........"
____________________________
عاد ادهم للمنزل بعدما تمكن بأعجوبة رفقة كريم من انهاء تلك الحرب التي ستطيح البناية أعلى رؤوس الجميع يومًا ما، تمطأ بتعب وهو يفرك خصلات شعره مقررًا أن يمر على المطبخ ليتناول بعض الطعام قبل أن يذهب مع صغيره للخارج و...
توقف عن الحديث وهو يبصر زوجته وابنه مغطيان بالشوكولاتة، والاخير يكاد يقفز بجسده كله داخل العلبة الكبيرة الشبه فارغة التي يضعها أمامه ارضًا، المكان شبه مدمر وكأن إعصار قد ضربه .
رفعت هالفيتي رأسها وهي تشعر بوجود خيال يغطيهما :
" ادهم اتأخرت ليه؟! فضلت مستنياك عشان نفطر سوا، بس أنت اتأخرت وانا يا حبيبي حسيت بهبوط مفاجئ كده فقاسم أصر عليا اني افطر "
أنهت حديثها وهي تشير باصبعها صوب الصغير صاحب العامين " قاسم "
لكن أدهم كل ما صدر منه هو صوت ساخر مصاحبًا لحديثه :
" اولا اسمه فتحي مش قاسم، ثانيا ابنك أصر عليكِ تفطري عشان حسيتي بهبوط ؟! ابنك اللي عنده سنتين ؟!"
توترت ام فتحي وهي تبتلع ما في فمها مرددة بجدية :
" لا اسمه قاسم مش فتحي، وآه حبيب ماما عنده نظر شافني بتمطوح في المكان فقام قالي، أفطري يا مامي بدل ما يحصلك حاجة "
" فتحي !!"
" اه، اصله بعيد عنك عنده نظر مش زيك، عموما متخافش أنا سيبت ليك فطارك في صينية على الرخامة "
أنهت حديثها وهي تشير لصينية موضوع عليها بضعة اطباق، ثم عادت ببساطة تتشاجر مع صغيرها على علبة الشوكولاتة الذائبة التي تدمنها " النوتيلا" .
بينما تحركت ارجل أدهم صوب تلك الصينية التي تدعي زوجته ظلمًا أن فطوره بها، وقد كانت فقط تحتوي على قرص صغير من تلك الفطائر المصرية ( طعمية) وملعقة فول واحد تقريبًا إلى جانب قطعتين من المخلل الحار، وقطعة خبز صغيرة .
تحركت عين ادهم لها وهو يشير ببلاهة لما تركته :
" ايه ده ؟!"
رفعت هالفيتي عينها لما يشير له ادهم :
" سلامة نظرك يا حبيبي ده الفطار "
" فطار ايه ؟! ده البواقي اللي ابنك بيوقعها وهو بياكل اكتر من كده، فين الفطار ؟! وبعدين ايه دي ؟! قوليلي ايه دي ؟!"
كان يتحدث وهو يمسك كسرة الخبز غاضبًا :
" ده انتِ لو مربية دكر بط في البلكونة هتزغطيه بحتة عيش اكبر من دي "
بدأت ام فتحي تتراجع مختبأة خلف طفلها الذي حشر كف يده كله داخل علبة الشوكولاتة، لا يهتم بتلك المعركة حوله، بل كل ما يهمه أن يحصل على آخر ملعقة شوكولاتة .
" فيه ايه يا ادهم ؟! مالك عصبي كده على الصبح، الحق عليا اني بحاول احميك من كل الزيوت والدهون والنشويات اللي هتسد شرايينك ؟؟"
تحرك ادهم نحوها بعنف لتطلق أم فتحي صرخة عالية في المكان بأكمله وهي تترك ابنها زاحفة بعيدًا لإحضار شيء تدافع به عن نفسها، فما كان منها إلا أن تمسك غطاء الوعاء جوارها تشهره أمامها كما الدرع، تخفي خلفه وجهها وهي تراه ينحني نحوها يجذبها من ثيابها :
" اقتلك ويقولوا الراجل قتل مراته عشان قرصين طعمية ؟! ادخل السجن فيكِ لأجل معلقتين فول يا معفنة ؟!"
" وليه تعمل كده وتضيع نفسك وتضيعني وتشرد ابنك، مكانش طبق فول بالزيت الحار اللي يعمل فينا كده، أهدى بس وكل حاجة هتتصلح، فيه حتة حلاوة طحينية اعملك سندوتش بيها وافطر يا حبيبي طالما الفطار مش عاجبك"
جذبها ادهم نحوه حتى وقفت على قدمها وهي تغمض عينيها بخوف منه :
" تصدقي بالله، أنتِ لو فيه واحد محتاج وقف على بابك وقالك حاجة لله، هتتكسفي على دمك تديه الاكل اللي أنتِ سيباه ليا ده "
أمسكت أم فتحي يد ادهم التي كان يقبض بها على طرف ثيابها مربتة عليها بحنان :
" أهدى بس يا حبيبي وكل شيء هيتحل، كل ده عشان طعمية وفول، بعدين يعني يا ادهم هتستخسر في مراتك حبيبتك خمس اقراص طعمية ؟! أنت اتغيرت اوي يا ادهم"
رفع ادهم حاجبه وهو يتركها ساخرًا من حديثها، لكن ام فتحي لم تهتم به وهي تتحرك بعيدًا عنها تردد معطية إياه ظهرها وقد بدا عليها التأثر :
" فاكر يا ادهم، فاكر لما كنت بتشيل اللقمة من قدامك وتديها ليا وتقولي أهم حاجة تاكلي أنتِ يا حبيبتي ؟! فاكر لما كنت تحرم نفسك من كل ملذات الحياة لأجل ما تسعدني وتخليني محسش بفرق بينا ؟! اكمنك يعني دكتور على باب الله وكحيان وانا غنية وكده، "
استدارت فجأة في حركة مسرحية منها وهي تردد بملامح حزينة :
" فاكر ولا لا يا ادهم ؟! "
تحدث ادهم بحنق وهو يحرك يديه في الهواء :
" اولًا أنتِ كدابة أنا عمري في حياتي ما شلت اللقمة من قدامي عشانك، أنتِ اللي بتسرقيها، ثانيًا بقى الدكتور اللي كحيان ده كحيان بمزاجه، أنا جدو عمدة كبير في تركيا "
انتهى من حديثه وهو يدفعها جانبًا يتحرك صوب الخارج، لكن فجأة وجد صغيره يقف في وجهه يرفع علبة الشوكولاتة في وجهه مرددًا بحديث متلعثم بسبب عمره الصغير وبكلمات متقطعة قال :
" بابا علبة فاضية"
أمسك ادهم العلبة من ابنه يردد بحنق :
" العلبة دي اللي هقطعك أنت وامك واعبيكم فيها، حوشها بقى يا حبيبي لغاية ما قضاكم ييجي "
أنهى حديثه وهو يتحرك خارج المطبخ وخلفه أم فتحي تضحك بصخب وهي تنادي عليه :
" طب تعالى طيب هعملك سندوتش مربى اللي بتحبها يا ادهم، أنت بقيت قفوش وخلقك بقى ضيق يا ادهم وانا يا ابن الحلال مبقتش قادرة اتحمل الحياة دي "
أنهت حديثها وهي تتوسط بهو المنزل تضم ذراعيها لصدرها بحنق كبير، قبل أن تبصر بطرف عينها ادهم الذي تحرك صوبها بغضب مرعب، الشيء الذي جعلها تصرخ وهي تركض في المنزل :
" أنا آسفة والله انا آسفة، خلي بالك أنت كده هتتعب نفسية قاسم وهيطلع معقد "
وصل لها أدهم ولم يكد يمد يده ليمسكها حتى سمع الاثنين صوت طرق على باب منزلهما، لتستغل أم فتحي تلك الفرصة وهي تركض صوب المطبخ :
" طب يا ادهم هدخل اعملك قرص عجة وأشوف قاسم بيعمل ايه ......."
______________________
كان الجميع يجلس في مكتب اليخاندرو في انتظار أن يتحدث جدهم عما جاء بهم لأجله، لكن يبدو أن اليخاندرو لم يكن ينتوي الحديث بجلسته المسترخية تلك واغماضه عينه براحة كبيرة .
مال ماركوس على أذن آدم وهو يردد :
" هل جاء بنا جدك لنحرسه أثناء نومه أم ماذا ؟!"
" لا أدري ما السبب الذي جعلنا نستيقظ مبكرًا لأجله "
اجاب جايك والذي اقتحم الجلسة للتو، يجلس على أحد المقاعد جوار ماركوس مرددًا بحنق :
" نحن ننتظر انطونيو "
خرج صوت مستنكر حانق من فم مايك وهو ينظر لجايك:
" ننتظر السيد انطونيو إذن ؟! لا يكفيني أن السيد استمر في شهر عسله أكثر منا جميعًا، والآن يجبرنا على الانتظار تاركين حياتنا لأجل أن يتمتع السيد بلحظات إضافية رفقة زوجته "
انتهى مايك من حديثه حانقًا غاضبًا، ليقطع باقي سيل كلماته التي كانت على وشك الخروج من فمه دخول انطونيو وهو يردد بسخرية :
" كنت أتساءل كيف يتدمر شهر العسل الخاص بي كل مرة، ظننت الأمر لعنة، لكن اتضح أنه أنت مايك "
استدار مايك كما الجميع صوب انطونيو الذي تحرك للاريكة التي يغفو عليها مارسيلو بكل كسل كعادته، نزع انطونيو رأس مارسيلو بعنف ملقيًا إياها بعيدًا ثم استقر على الأريكة بخفة مبتسمًا للجميع بسمة باردة .
صدح صوت فبريانو في المكان وهو يعتدل في جلسته :
" إذن وبما أن انطونيو وصل ايقظوا جدي لنرى ما حدث "
فتح اليخاندرو عينه وهو يردد بهدوء :
" أنا مستيقظ فبريانو، فقط كنت انتظر وصول الجميع "
ابتسمت بسمة واسعة على فم فبريانو وهو يشعر بحماس كبير يندفع في جسده :
" هل اعتبر هذا الحديث تمهيدًا لمهمة جديدة ؟؟"
اتسعت بسمة جاكيري والذي ترك هاتفه جانبًا مردفًا بلهفة :
" اوووه يبدو هذا رائعًا، هل اذهب واجهز السيارة جدي؟! ام طائرة؟! ربما دبابة اريد وبشدة أن اجرب كيف تكون قيادة الدبابة "
اندفع مارتن معترضًا وبقوة على حديثه :
" لا يا جدي ارجوك، لا تدع جاكيري يقود، ليفعل مارسيلو افضل "
أنهى حديثه وهو يشير لمارسيلو الذي كانت رأسه تتدلى على الأريكة من الخلف وهو يتمتم من بين نومه بعدة كلمات غير مفهومة، قبل أن تتدخرج رأسه وتسقط على قدم انطونيو .
زفر انطونيو بغيظ وهو يزيح رأسه بقوة مما أدى لسقوطه ارضًا :
" أي مهمة هذه يا جدي؟! أنت لم تخبرني بالأمر سابقًا "
تحدث وهو يتجاهل جسد مارسيلو الذي سقط ارضًا على السجادة الوثيرة يكمل نومه بلا اهتمام بعدما فتح عينه والقى بسبة على انطونيو، فهو خلال ذلك الشهر المزعوم والذي يطلق عليه شهر عسل، لم يغفل لثانية حتى، والآن جسده يأن مطالبًا..
ابعد مارتن عينه ثواني من على جسد مارسيلو ثم أضاف بجدية :
" حسنًا لا بأس فقط ارسل لي احداثيات المكان يا جدي وانا سأذهب معهم، ارسل معي فبريانو وانطونيو فقط "
ارتفعت اعتراضات جاكيري عالية :
" ماذا عني ؟؟ أنت لن تجد من يقود السيارة افضل مني "
" هذا إن اعتبرنا ما تفعله قيادة جاكيري"
كاد جاكيري يجيبه معترضًا، لكن صوت اليخاندرو الذي خرج مقاطعًا الجميع اصمته :
" ومن قال أنها مهمة ؟!"
نظر له الجميع بتعجب وعم الصمت المكان إلا من أصوات شخير مارسيلو الذي كان كما لو بدأ الغناء للتو مصدرًا صوتًا مستمتعًا.
تبادل الجميع النظرات قبل أن يقول اليخاندرو بجدية وبسمة واسعة :
" منذ متى ولم نذهب في رحلة كعائلة واحدة ؟!"
صمت الجميع ليتحدث جاكيري وهو يفكر :
" ليس منذ وقتٍ طويل، تقريبًا منذ كنت في السادسة من عمري "
ابتسم اليخاندرو وهو يضيف :
" لهذا قررت وبعد أن انتهى كل واحدٍ منكم من شهر عسله، أن نذهب في رحلة هادئة، كعائلة واحدة سعيدة، أوليس هذا رائعًا ؟!"
نظر الجميع لبعضهم البعض باعتراض واستنكار، قبل أن يهتف مايك بحنق :
" أي عائلة سعيدة تلك ؟! "
" نحن جميعًا مايك، اولسنا عائلة سعيدة ؟!"
أضاف فبريانو مقترحًا :
" أنا افضل الذهاب مع روبين وحدنا على أن يرافقني هؤلاء الاوغاد، أنا يا جدي اتحمل وجودهم في المنزل نفسه بصعوبة كبيرة، كيف تتوقع مني أن ارافقهم في رحلة ؟!"
أشار له انطونيو موافقًا :
" اوافق فبريانو الرأي "
اعتدال اليخاندرو في جلسته وهو يردد بجدية :
" لكنني لا اوافقكم الرأي، لقد اتخذت قراري وانتهى الأمر، نحن جميعًا بالإضافة إلى هالفيتي سوف نذهب لرحلة إلى إحدى الاماكن السياحية ونقضي بعض الوقت كعائلة متكاتفة سعيدة "
انتبه له الجميع قبل أن يردد انطونيو بجدية :
" هالفيتي ؟!"
" نعم انطونيو، اعتقد أن الوقت لعودة حفيدتي لاحضاني قد آن، خذ معك فبريانو وجاكيري واذهبوا لتحضروا حفيدتي من اجلي "
_____________________
ألقى شادي جسده على الأريكة جوار كريم وهو يكاد يلصق وجهه في هاتف كريم، يحاول معرفة ما يخفيه ذلك الخبيث منذ الصباح، بينما سليم يتحدث مع أدهم في عدة أمور تخص العمل، قبل أن ينتفض الجميع على صراخ شادي المفزوع وهو يشير لهاتف كريم :
" ستــــــات؟! بتكلــم ستــات يا كريم ؟! "
فتح كريم عينه بفزع وهو ينظر سريعًا صوب المطبخ حيث تقبع مريم رفقة جميع النساء، وما كاد يتحدث بكلمة حتى نهض شادي من مكانه يطوف في منزل شادية وهو يصرخ بحسرة :
" يعني معملتهاش وأنت بائس جاي تعملها بعد ما اتجوزت ؟! وذنبها ايه مريم يا كريم ؟!"
رفع سليم حاجبه وهو يقول بتحفز :
" ستات مين دول يا كريم ؟!"
مد كريم يديه بفزع :
" والله انتم فاهمين غلط أنا هوضح لكم اصبروا بس "
ضرب شادي كفيه ببعضهما البعض مرددًا بحنق :
" توضح ايه يا خويا ما أنا شايف بعيني التليفون والست اللي فيه بتقولك بدنا ترويئة، ايه هتشتغلها فلبينية ؟! تعالى يا مريم تعالى شوفي جوزك وهو هيشتعل هيروح يروق عند واحدة سورية "
صحح له كريم دون شعور :
" لبنانية "
صاح شادي ببسمة واسعة مشيرًا لكريم وكأنه امسكه بالجرم المشهود :
" اهو بصوا اعترف بلسانه، أثبتوا الكلام ده بقى "
انطلق كريم صوب شادي بغضب وهو يود الانقضاض عليه :
" أنت يا متخلف ايه السعادة اللي أنت فيها دي ؟! كنت جوز امك يا حيوان ؟؟"
خرجت مريم في ذلك الوقت من المطبخ وهي تتحدث بتعجب :
" فيه ايه يا شادي بتنادي ليه، وماله كريم ؟!"
تحرك كريم صوبها سريعًا مرددًا ببسمة وحب :
" ولا حاجة يا روما ده شادي كان بيـ ..."
ولم يكد يكمل كلمته حتى قاطعه حديث شادي :
" الاستاذ جوزك بيخونك مع واحدة لبنانية، وهيروق لها البيت بتاعها ويروقلها مزاجها كمان "
أنها حديثه بحنق بينما مريم تنظر لكريم بصدمة:
" لبنانية يا كريم ؟!"
تحدث شادي بحنق وهو يرى أن الجميع بدأ التجمع في البهو :
" يعني مشكلتك أنها لبنانية ؟! مش أنه بيخونك !! أنتِ هبلة ؟! ما تشوف اختك يا عم سليم وتشوف حوارها مع زير النساء ده "
استدار له كريم بعنف وهو يتحدث من بين أسنانه :
" كلمة كمان وهمسك زير شادية اكسره فوق دماغك "
صمت شادي بحنق وهو يتمتم بغيظ :
" ايوة ايوة ما هو كده اللي يقول الحق بياخد على دماغه"
تحدثت منة بصوت منخفض جوار أذن شادي :
" هو فيه ايه يا شادي ؟! "
نظر شادي بطرف عينه لكريم ثم استغفر ربه وهو يردد بحسرة :
" شباب طايش يا منة، تخيلي كريم بيكلم ست غير مراته، بيبص لست تانية غير مراته؟! تخيلي القذارة اللي هو فيها، مش فاهم ازاي فيه راجل ممكن قلبه يطاوعه يبص برة بيته ؟؟"
تحدثت مريم وهي تنظر لكريم بأعين دامعة :
" بتخوني مع لبنانية يا كريم وهتروح تروق ليها البيت ؟! ده انا بتحايل عليك تساعدني مش بتعرف "
" اخونك ايه يا مريم أنتِ هتصدقي الاهبل ده ؟! دي عميلة عندي وعايزة اعمل ليها نظام أمان للفيلا بتاعتها في مصر"
رفع شادي حاجبه بسخرية :
" وعايزاك تروق ليها الفيلا ؟!"
" اروق ايه يا متخلف، ترويقة يعني طعام باللبناني ..طفح، يا اهبل "
صمت شادي بتعجب من حديث كريم لكنه لم يستسلم وهو يفتح فمه مجددًا آبيًا الاستسلام :
" برضو ميمنعش أنك هتروح تـ..."
وقبل أن يكمل هجمع عليه كريم بغضب طارحًا إياه ارضًا بينما سليم يشاهد ما يحدث بتشفي وسعادة وادهم يعبث بهاتفه متجاهلًا ام فتحي التي اقتربت منه تجلس جواره :
" صباح الخير يا ادهم"
استدار لها أدهم مجيبًا باستفزاز :
" صباح النور يا ضنايا "
ولم يكد يدير رأسه بعيدًا عنها مدعيًا الغضب حتى وجدها تسحب وجهه نحوها مجددًا شاهقة بصدمة :
" ايه ده؟! بسم الله ما شاء الله، الله اكبر "
تراجع ادهم بريبة وعينه ترمقها بشك :
" ايه هتدبحيني ولا ايه ؟!"
لم تهتم هالفيتي وهي تردد :
" ايه الحلاوة دي على الصبح، مش معقول كده، يابني أنت كل ما تكبر تحلى وتصير أحلى واحلى"
تشنج أدهم من حديثها :
" وايه المناسبة يا استاذ كاظم الساهر ؟! يعني غزل ودلع؟! ده اكيد تمهيد لمصيبة كبيرة "
" لا يا ادهم مصيبة ايه كفى الله الشر، أنا بس حبيت الفت نظرك أنك احلويت وبقيت قمر والعرق التركي بدأ يطفح على خلقتك اهو"
صمتت وهي تقلب وجهه بين يديها مرددة ببسمة :
" شايف وشك نور ازاي لما قللت زيوت ودهون على الصبح، عشان تعرف بس إن كل ده عشان هالفيتي حبيبتك بتخاف عليك من الكوليسترول"
ضرب ادهم يدها التي تحيط بوجهه :
" كتر خيرك والله مكنتش اعرف إن الاقلاع عن الطعمية لمدة ساعة زمن هنوّر "
ابتسمت له هالفيتي وهي تضم ذراعه بحب :
" ايوة بس انا اعرف يا حبيبي، وعشان كده مسؤوليتي كزوجة صالحة وام مراعية إني اخاف على صحتك أنت وقاسم حبيب ماما "
اغتاظ ادهم بشدة من ذلك الاسم الذي أصر على مناداة صغيره به :
" اسمه فتحــ..."
وقبل أن يكمل كلمته سمع الجميع صرخة هزت جدران المكان بأكمله وقد جحظت أعين الكل في المنزل .......
____________________
" يعني ايه راقصة ذهبية دي ؟! دي حاجة زي الكرة الذهبية بتاعة ماتش الكورة، بس دي بيفوز بيها اكتر واحد نقّط الرقاصة ولا ايه ؟!"
هكذا ابدت روبين تعجبها وهي تستمع لقصة روما بعدما تجمعن في الغرفة الخاصة بجولي كالعادة .
نظرت روما لها ببلاهة قبل أن تهز رأسها بلا اهتمام :
" لا اخفيكن سرًا، في البداية شعرت بنيران تشتعل في جوفي، لكن حينما ضمني إليه انطونيو وأخبرني تلك الجملة السحرية خمدت نيراني "
ابتسمت جولي ساخرة من حديث روما :
" نعم نعم ذلك القبيح يعلم جيدًا كيف يُصمتك أيتها البلهاء، اقسم إن كان مارتن لكنت أحلت حياته لجحيم مستعر، يا امرأة ألا احساس لديكِ؟! لقد قبلته راقصة أمام عينيكِ بعدما تراقصت حوله كالنحلة "
صمتت وهي تنظر للجميع ثم قالت بحسرة :
" أشعر أن هناك لعنة قد ألقيت على رجال هذا المنزل، دائمًا ينجذبن للراقصات"
صمتت جميع الفتيات قبل أن تضيف جولي :
" انظري لتلك الهايز هنا، الفتاة المسكينة اكتشفت بعد سنين طويلة أن زوجها كان يقضي لياليه في الحانات يتمايل مع بعض الراقصات، من كان يتوقع أن آدم الصغير البرئ يفعل هذا ؟!"
صمتت وهي ترى وجه هايز احمر بغضب وكأن جولي ذكرتها للتو ما حدث، لكن جولي لم تهتم وهي تشير للورا:
" وتلك الغبية لورا، تزوجت بمايك الذي قضى نصف عمره في الحانات كما أخبرني آدم سابقًا "
اعترضت لورا بحنق :
" مهلًا لقد تاب عن الأمر، زوجي الآن رحل صالح "
تجاهلتها جولي ثم أشارت على رفقة تردف بجدية :
" وهذه الحمقاء لم تتزوج برجل يهوى الراقصات، بل تزوجت براقصٍ "
حولت عينها في جميع الأوجه حتى توقفت على وجه راسيل، وقبل أن تفتح فمها قاطعتها راسيل وهي تقول ببسمة واثقة :
" لا تحاولي حتى أن تبثِ سمومك بعقلي أيتها الافعى، أنا أدري جيدًا أن زوجي العزيز لن يفكر يومًا في الذهاب لتلك الاماكن ويراقص النساء "
نفخت جولي باستهزاء :
" اراكِ واثقة في زوجك ؟!"
" لا بل واثقة في كسل زوجي، الحانات ليست مكانًا مناسبًا للنوم، لذلك من الصعب أن يذهب مارسيلو هناك "
" حسنًا هذا منطقي و..."
وقبل أن تكمل جولي حديثها انتفضت روبين من مجلسها وهي تركض بعيدًا عن الجميع خارج الغرفة، تحت نظرات الجميع المتعجبة.
ركضت روبين على الدرج وهي تتوجه صوب المكتب الخاص باليخاندرو، تدرك أن فبريانو به، لكن يبدو أن غضبها وغبائها اندفعا في نفس الوقت داخل أوردته، ليجعلانها تنطق بتلك الجملة الغبية وبشدة :
" فبريانو مين الرقاصة اللي قولتلي قبل كده أنها الوحيدة اللي اتفرجت عليها ؟!"
انتفض الجميع على صوت روبين وخاصة فبريانو الذي رمقها بتعجب لثواني قبل أن يتحدث باستنكار :
" ماذا ؟!"
فتحت روبين فمها باندفاع مجددًا وهي تقول بحنق :
" أنت قبل كده قولت إنك شوفت رقاصة، مين هي ؟! وهل هي مصرية ولا أجنبية؟! وايه نوع الرقص اللي بترقصه، والسؤال الأهم هل هي ذهبية ولا لا ؟؟"
ابتسم فبريانو بسمة خبيثة وهو يهمس بعدما اقترب منها خطوات صغيرة :
" تؤ تؤ الراقصة وردية، ليست ذهبية "
لكن يبدو أن تلميحات فبريانو لم تجدي نفعها مع عقل روبين في هذه اللحظة وهي تقول بجدية مضحكة :
" ودي احلى من الذهبية ؟! ولا مستوى أقل ولا اروح أسأل جولي ؟!"
أطلق فبريانو ضحكة عالية وهو يقبض على كف يدها جاذبًا إياها للخارج مرددًا :
" حسنًا جميعًا لدي أمر هنا لمناقشته رفقة زوجتي الحبيبة، نكمل الحديث في المساء لنتفق على كل شيء، والآن وداعًا"
خرج فبريانو من الغرفة وهو يجذب يد روبين التي كانت تتحرك خلفه فقط لتعلم من تلك الراقصة الذهبية التي يتحدث عنها ....
___________________
انتفض الجميع على صوت قرع الباب العنيف، تبادلوا النظرات ولم يجرأ أحد على الاقتراب وفتح الباب الذي يكاد ينخلع تحت قبضة عوض الصارخ في الخارج :
" افتحوا عارف انكم كلكم جوا، افتحوا ده انا هفتح نفوخكم واحد واحد "
ابتلع شادي ريقه وهو يتراجع للخلف ورأسه بدأت في استرجاع آخر ٢٤ ساعة قضاها في حياته، يحاول معرفة سبب غضب والده، مستبعدًا تمامًا أن يكون السبب هو إعطاء كلمة سر الانترنت الارضي للجميع .
تحرك سليم من مقعده صوب الباب يردد بغيظ من تبلد أجساد الجميع :
" مالكم كده خايفين؟! هو تلاقيه جاي يهزق شادي اساسا"
نظر له شادي بغيظ شديد ولم يكد ينبث ببنت شفة حتى وجد جسد والده يندفع للمنزل وخلفه شاكر الذي بدا متشفيًا .
علت صيحات عوض وهو يرفع ورقة بيده مرددًا بجنون :
" ١٠٠٠ جنيه ؟! استهلاك نت ١٠٠٠ جنيه ؟! ليه فاتح فرع لشركة بيل جيتس عندي في القهوة ؟!"
ارتاب ادهم وهو ينظر لملامح شادي الذي بدى جيدًا ما يفكر به وقبل أن ينطق شادي بكلمة واحدة تدين ادهم، سارع ادهم ببيعه وهو يردف:
" لا حول ولا قوة إلا بالله، أهدى كده يا عم عوض هيحصلك حاجة وخلينا نفكر مين اللي عارف الباسورد اللي بيتغير كل يوم اساسا غيرك أنت؟! كريم مثلا عشان هو اللي بيغير الباسورد كل يوم ؟؟ بس كانت عارفين كريم ملوش مصلحة وهو يقدر يسرق شركة النت نفسها، ولا.."
صمت وهو ينظر لشادي نظرات اتهام واضحة للجميع جعلت شادي يشهق بصدمة من حديثه وهو من ظنه سيدافع عنه، بينما صفقت ام فتحي بسعادة وفخر :
" تبارك الله يا ناس متجوزة محقق قد الدنيا، اسم النبي عليك حارسك وصاينك شبه الجدع دهون اللي اتفرجنا عليه امبارح في الفيلم اسمه ايه مش فاكرة كان اسمه ايه ؟!"
رمقها ادهم بتحذير وهو يراها تدور حول نقطة أنهم يشاهدون افلام ويعلم جيدًا أنها قد تذكر من غبائها أمر أنهم يشاهدون تلك الأفلام بانترنت عوض :
" مش لازم اسمه يا ام فتحي مش لازم "
" اصبر بس قربت افتكره، هو جدع طويل ومسمسم وشعره سايح على عينه وزي القمر والله، ايوة عرفت، اسمه شروق هولمز، حتى بالإمارة دائما لابس بالطو اسود وكوفية نفس اللون، وساعات كان بيلبسها كحلي و..."
قاطعها ادهم وهو ينقض عليها مكممًا فمها :
" خلاص مش لازم نعرف كان بيبلس ايه اسكتي، وقفي فرامل لسانك ده، شوية وهنروح في داهية "
أبعدت ام فتحي يدها بحنق شديد :
" ايه مالك يا ادهم مش بفتخر بيك قدام الكل أن ربنا قدرك وكشفت المجرم؟! "
اعترض شادي على حديثها وهو يصيح باستنكار :
" مجرم ايه يا عم المفتش كرومبو، أنا لو غرقت مش هغرق لوحدي وهعترف على الكل من اول قاسم ابنك لغاية جو....."
قاطعه ادهم وهو يقترب منه هامسًا ببسمة محاولًا بها أن يشتت انتباه الجميع عنه :
" هديك ساندوتش بانيه كمان "
نظر له شادي بغضب مبعدًا يده بحدة :
" والله لو جبتلي فرخة كاملة ما هسكت، انا مش هشيل الليلة لوحدي "
" طب معاه سندوتش سكلانس وواحد نوتيلا "
نظر له شادي بطرف عينه وهو يردد بسخرية :
" أنت فاكرني ايه يا ادهم يا حبيبي ؟! طفس وهسلم ليك كده عشان كام سندوتش؟ لا يا حبيبي فوق مش اقل من أكلة كفتة "
رفع أدهم حاجبه وهو يتشنج من حديث رفيقه قبل أن يدفعه باستنكار :
" طب اتفضل يا شادي يا حبيبي قول لابوك مين اللي سرق نت القهوة، وانا هقوله أنك عطتني كلمة السر بسندونش بانيه ومن غير بطاطس كمان يا معفن "
نظر شادي بعينه لوالده الذي كان ينتظر أن يعلم الفاعل، ثم عاد بنظره لادهم وقال :
" طب ما اجبلك أنا كيلو كفتة وتشيل الليلة ؟؟"
هز ادهم رأسه بلا وبسمة مستفزة تزين وجهه، لكن قاطع كل تلك النظرات حديث عوض الغاضب :
" كريم يا بني مش أنت بتفهم في الحاجات دي ؟!"
ابتلع كريم ريقه وهو يدري القادم، نظر حوله ليرى ادهم يشير له بالنفي وكذلك سليم الذي بدأ يعي ما سيحدث لاحقًا، ولم يستطع كريم سوى أن يهز رأسه بتوتر :
" يعني شوية على قدي يا عم عوض "
" طيب يابني الله يكرمك عايزك تقولي مين اللي استهلك نت القهوة وليك عليا هحليلك بقك "
حرك كريم عينه للجميع ليجد أن ادهم يحرك يده على رقبته كما السكين في تهديد واضح له، ليشعر كريم أنه محاصر، لكن عوض قرر الضغط عليه واغراءه بشتى الطرق ليوافق على ما يريده :
" لو عملتلي الخدمة دي كل السحلب اللي هتطلبه بعد كده ولمدة شهر على حساب القهوة...."
وقبل حتى أن يُتم عوض جملته أشار كريم على رفاقه ببسمة واسعة :
" مش محتاج تهكير يا عم عوض، شادي ابنك هو اللي وزع الباسورد على الكل هنا "
ارتسمت بسمة مخيفة على وجه عوض وهو يدير رأسه شيئًا فشيء صوب ابنه، بينما شادي تراجع الملف وهو يتمسك بادهم :
" اطلب البوليس، يا ادهم اطلب البوليس بسرعة "
ابعد ادهم يده وهو يخرج هاتفه متحدثًا بجدية :
" طب يا جماعة استأذن أنا عشان بعتوني لحالة طارئة في المستشفى "
استدار يصافح شادي مقبلًا إياه :
" متخافش يا صاحبي هجبلك قرص وانا جاي اوزعها على روحك، لا إله إلا الله يا شادي يا حبيبي "
انتهى من حديثه وهو يركض خارج الشقة وخلفه أم فتحي التي حملت ابنها وهي تركض خلفه ...
بينما سليم حمل ابنته أسفل ذراعيه وأمسك يد اشرقت ( زوجته ) ملقيًا قبلة الوداع على شادي :
" البقاء لله يا جماعة، اي حاجة تحتاجوني فيها أنا رقبتي سدادة، اعلق صوان العزا أو ارص الكراسي مش هتأخر، ده صديق عمري برضو "
اختفى سليم بمجرد انتهاء كلماته وهو يبتسم لشادي بسمة متشفية جعلت شادي يبتلع ريقه وهو ينظر لمنة التي سارعت تقول بصدمة وفزع :
" أنا معنديش هدوم سودة تليق على المناسبة دي "
لطم شادي وجنتيه بحسرة :
" مناسبة ايه انا رايح اتكرم ؟! الحقيني يا شادية "
تحركت شادية بكل هدوء صوب المذياع المعلق في صالة المنزل ورفعت صوت القرآن وهي تضرب كفيها ببعضها البعض، ثم تحركت للاريكة التي تقبع اسفل النافذة وهي تجلس عليها دافنة رأسها بين كفيها :
" كان نفسي أنت اللي تدفني بايدك يا شادي، بس شكله كده انا اللي هاخد عزاك يا حبيبي "
أنهت حديثها وهي تضع طرف حجابها على وجهها تتنهد كما لو كانت تبكي حقًا ...
صرخ شادي بغيظ :
" والله ؟! كلكم بعتوني؟! ده أنتِ لوحدك مخلصة نص الباقة على الفيديو كول مع أم علي يا شادية، وفيديوهات ام كلثوم اللي بالساعات "
تحدثت شادية بصوت ابح جاهدت في افتعاله:
" أنا يابني ؟! هو أنا أفهم في الفيديو كول بتاعكم ده انا ست على قدي شايلة التليفون عشان اكلم فرج ابن عمي في البلد، واهو أي حاجة بتقول الو "
تحدث شادي بحنق :
" أي حاجة بتقول الو؟! القادرة شايلة ايفون وتقولي أي حاجة ؟!"
رأى كريم كل ما يحدث حوله ليشعر بذبذبات تنتشر حوله؛ لذلك أمسك يد مريم منسحبًا من المكان بأسره، ومريم تقاوم وهي تبكي حزنًا على شادي :
" استنى يا كريم عايزة اتفرج عليه وهو بيموت "
اجابها كريم وهو يهرب بها من المكان :
" يبقى تابعي الأحداث على قناة اليوتيوب بتاعة شادية "
دارت عين شادي حوله يرى أن الجميع قد تركوه في ساحة المعركة اعزلًا، لذلك لا مفر من التسليم ....
صدح صوت عوض في المكان بشر :
" تحب عزاك هنا ولا في البلد عند فرج؟! ....."
_______________
اقتحم مارتن الغرفة بسرعة كبيرة بعدما تذكر فجأة واثناء جلوسه في مكتب جده أنه نسى مسدسه الشخصي على الفراش دون رقيب أو إخفاء .
دارت عينه في الغرفة برعب وهاجس أنه سيحد جثة جولي ملقاه ارضًا يطوف أمام عينه، لكن على العكس لم يجد أي دماء أو أي خراب، حتى أن سلاحه مازال كما هو على الفراش دون أن يُمس، فتح مارتن فمه بصدمة وهو يتحسس سلاحه، حسنًا الآن ازاداد خوفه أكثر من ذي قبل .
تحرك صوب المرحاض يطرق بابه بهدوء ورعب :
" جولي حبيبي، هل أنتِ بخير ؟؟"
لكن كل ما وصل له هو همسة صغيرة تكاد تكون مسموعة :
" لحظة واحدة مارتن أنا قادمة "
وقف مارتن أمام باب المرحاض بتعجب وهو ينتظر أن تطل عليه جولي، وقد أخذت هواجسه تهيأ له أنها الآن في الداخل تحاول اخفاء الاضرار التي سببتها، أو ربما تحاول تضميد جرحها الذي أحدثته برصاص مسدسه .
وعند تلك النقطة انطلقت باندفاع صوب الباب وما كادت يده تمتد لفتحه حتى وجده يُفتح وتطل منه جولي بهيئة لم يبصرها يومًا، هيئة مهلكة بثياب فاتنة، و زينة وجه تليق بها وبشدة، كل هذا شيء، وشعرها الثائر بطريقة غريبة شيء آخر.
" ما هذا ؟؟"
وكان هذا اقصى ما استطاع فمه أن ينطق به أمام كتلة الفتنة المتحركة تلك، لكن جولي ابتسمت دون أن تدري ما فعلته به ودارت حول نفسها بخفة مرددة :
" أعجبك ؟! "
ولم يستطيع مارتن أن يجيب بكلمة وهو يراها تتحرك أمامه بخفة صوب هاتفها الموضوع على إحدى الطاولات :
" قررت أنه آن أوان تطبيق جميع دروسي بشكل عملي، خاصة وأن الراقصات الذهبية أصبحن منتشرات في هذا الوقت من العام "
" راقصات ذهبية ؟!"
توقف جولي وهي تشغل إحدى الأغنيات على هاتفها مرددة بغمزة مقتربة منه مجددًا :
" اممم هؤلاء الراقصات أصحاب الأجساد الذهبية اللواتي يفتنّ الرجال بخصروهن المرنة "
أنهت حديثها وهي تدفع مارتن على أحد المقاعد تبتسم بخبث :
" والآن عزيزي دعني اريكِ كيف تكون الرقصات "
ارتسمت بسمة بطيئة على شفاة مارتن وعينه تلتهم تفاصيل جولي بنهم، يراها بدأت تتحرك بمرونة على صوت الموسيقى، ثم شيئًا فشيء بدأ حماسها يخفت حتى توقفت عن الرقص وهي تتحرك صوب المقعد المجاور لمارتن تلقي بجسدها عليه تحرك يديها في الهواء بتعب تمسح عرق وهمي :
" يا ويلتي كادت انفاسي تزهق للتو "
نظر مارتن لها بتعجب :
" هكذا فقط ؟! ثلاث دقائق ؟! أنا حتى لم استوعب انكِ اشعلتي الموسيقى "
" ماذا يا مارتن؟! لا تخبرني أنك لما تشاهدني ارقص لك"
" عفواً يا سيدة أي رقص هذا؟! لقد ظننتك تقومين بتمارين الإحماء لبدء الرقص، أنتِ حتى لم تحركِ كتفيكِ"
نهضت جولي من مكانها رافعة ذقنها بحدة وهي تردد :
" حسنًا يبدو أنني أعطيتك الكثير حتى أضحى القليل لا يكفيك؛ لذلك من اليوم سأكون حريصة على ألا امنحك أكثر مما تريد، أنت متطلب بشكل خانق "
أنهت حديثها وهي تتجه للمرحاض، حتى تخلع بذلتها، بينما مارتن يصيح خلفها بصدمة :
" مهلًا أنا هذا لا يُحتسب، أنا حتى لم استوعب أي أغنية كنتِ ترقصين عليها، يا فتاة المغني لم يبدأ حتى بالغناء، لقد تعبتي أثناء موسيقى البداية فقط "
أنهى حديثه وهو يلقي بجسده على الأريكة بغيظ شديد وقد تحطمت أحلامه أسفل اقدام جولي :
" لا يرهقك كثرة القفز هنا وهناك أثناء مطاردة انطونيو النكرة، لكن ثلاث ثواني من الرقص تزهق انفاسك، اقسم أنني أنا من ستزهق أنفاسه "
توقف مارتن عن الحديث وهو يستمع لرنين هاتفه ويلمح اسم جده على الشاشة، نفخ بغيظ ثم تحرك خارج الغرفة، ومازالت تمتماته الحانقة تصل لجولي داخل المرحاض ....
____________________
مساء نفس اليوم، وفي منزل ادهم الذي عاد لتوه من المشفى بعدما تم استدعاءه لأمر طارئ، تسحبت هالفيتي من جوار قاسم صغيرها، ذلك الفتى الذي ورث والدته في كل شيء، ولم يرث والده في المظهر الخارجي فقط ...
وقفت هالفيتي جوار الفراش وهي تشرف على زوجها من الاعلى مبتسمة بسعادة وقلبها يقفز طربًا لسماع اصطدام قطرات المطر بالارضية ...
"أدهم، ادهم أنت نايم ؟! "
تأفف ذلك النائم وهو يتقلب على الفراش بملل يحاول ألا ينهض ويتسبب في جريمة قد تنهي حياته، رفع طرف الغطاء يواري به جسده ووجه، علّ ذلك يكون إشارة واضحة منه لتختفي تلك المزعجة من جواره وتتركه ينال القليل من الراحة .
لكن ما كانت أم فتحي لتيأس وهي تدس رأسها أسفل الغطاء قائلة بهمس :
" أدهم أنت نمت ؟! "
صرخ ادهم بجنون وهو مازال أسفل الغطاء رفقة رأسها :
" ولو قولتلك نايم يعني هتسبيني في حالي ؟!"
" لا هصحيك ."
مدّ ادهم يده ثم دفع رأسها خارج الغطاء بغيظ مرددًا :
" امشي بدل اقسم بالله هقوم ارجعك لاصلك واخلي روحك تطوف في العمارة متلقيش جسم تسكنه ."
جذبت هالفيتي الغطاء من فوقه وهي تتحدث ببسمة وسعادة غير مهتمة برفض أدهم لما تفعل :
" اسمع بس مش تعرف أنا عايزاك ليه الاول ؟!"
فتح ادهم عين واحدة وهو يقول بتساؤل:
" ليه إن شاء الله ؟!"
اتسعت بسمة هالفيتي وهي تضم يديها لصدرها ثم صمتت ثواني قبل أن تقول بسعادة وصوت مرتفع :
"الجو بيمطر ..."
ثواني مرت وهي تنظر لوجه أدهم تنتظر ردة فعله، بينما هو يرمقها ببلاهة وجمود ودون أي ملامح تذكر، واستمر الاثنان في النظر لبعضهما البعض، قبل أن يقول ادهم بعد صمت طويل نسبيًا :
" بس كده ؟!"
" بس ايه ؟!"
"مفيش تكملة لكلامك، يعني مثلا الجو بيمطر دهب أو الجو بيمطر سندوتشات بطاطس سوري، أي حاجة تشفعلك عندي ومتخلنيش اقوم حالًا ادخل فيكِ السجن واشرد ابنك المسكين ؟!"
نظرت هالفيتي حولها وهي تقول ببسمة متوترة :
"لا بس الجو بيمطر والمطرة حلوة ."
"والله أنتِ اللي حلوة ."
ابتسمت هالفيتي باتساع وهي تشكره :
" الله يكرمك ."
أشار لها أدهم أن تقترب :
" معلش قربي شوية ."
مالت هالفيتي صوب الفراش مقتربة برأسها من ادهم ويسكنها مازالت تستوطن فمها :
" ايه ؟! طب ما تستنى نطلع فوق السطح وتقول اللي عايزة، اصل الكلام الرومانسي بيكون احلى تحت المطر ."
"معلش خديني على قد عقلي ."
اقتربت منه هالفيتي منه وهي تحرك خصلات شعرها للجانب الآخر من رقبتها مفسحة الطريق أمام ادهم حتى لا تحول خصلاتها بينه وبين أذنها .
لكن أدهم ابتسم وهو يهمس لها بصوت خافت هامس :
" اخرجي من الاوضة واطفي النور بدل ما اقوم اطفي الحياة من عينك، والمرة دي مش بس شادية لا منظمة حقوق المرأة كلها مش هتحوشني عنك ."
استدارت هالفيتي صوب ادهم بعنف وهي ترمقه بشر كبير تحاول ابتلاع حديثه قبل أن تقول :
"يعني ايه ؟! يعني مش هتطلع تقولي كلام رومانسي وترقص معايا تحت المطر ؟! "
_ ارقص ايه انا آخر مرة رقصت معاكِ تحت المطر اتزحلقت مسحت سلم العمارة ولولا شادي وقف في وشي ووقعت عليه كان زماني دلوقتي على الحدود المصرية السودانية بعدين أنا راجع من المستشفى تعبان و........
صمت وهو يفتح عينه بصدمة مرددًا :
" أنتِ بتعملي ايه يا مصيبة أنتِ ؟!"
فتحت هالفيتي النافذة وهي تحمل قطرات المطر بين يديها تدخلها داخل الغرفة مرددة ببسمة :
" لو مش هتطلع للمطرة، يبقى ندخلها ليك "
انتفض ادهم من مرقده راكضًا صوبها بغضب شديد يغلق النافذة بعنف وهو يسحب جسدها للداخل :
" هالفيتي بطلي، آخر مرة طلعتي للمطرة تعبتي لاسبوع كامل "
نظرت له بأعينها اللامعة المستفزة لكل ذرة حنان داخله :
" بس انا بحب المطرة يا ادهم، وبحب اشارك لحظاتي فيها معاك أنت بالذات "
كاد أدهم أن يرضخ لتوسلها الواضح في مقلتيها، لكن تذكره لمرضها الشديد تلك المرة ردعه عن ذلك وهو يردد باعتراض :
" قولت لا يعني لا"
نفخ بغضب، يكره أن يرفض لها طلبًا، فمنذ تزوجها وأصبحت هي كل عائلته، تعهد بينه وبين نفسه ألا يحزنها يومًا بقصد، وخاصة فيما يتعلق بالمطر الذي يعلم عشقها له، لكن مرضها يؤلمه أكثر من حزنها :
" ايه رأيك منامش ونخرج نعمل فشار ونتفرج على فيلم شروق هولمز ؟!"
لوت هالفيتي شفتيها وهي تتحرك صوب الخارج مرددة بقنوط :
" لا شكرًا نام، أنت تعبان "
أعاد ادهم شعره للخلف بحنق كبير، قبل أن ينظر حوله يحاول كتم سبة عنيفة على باب فمه ..
بينما في الخارج كانت هالفيتي تقبع على الأريكة وهي تنظر أمامها بحزن وقد بدأت دموعها تهبط بشدة، تتذكر تلك اللحظات حينما كان يحملها والدها على أكتافه في المطر ووالدتها تصرخ به أن يدخلا، زخات المطر التي حملت معها ذكريات عديدة تخص عائلتها وتخص ادهم ايضًا.
مسحت دمعتها وهي تحاول ألا تبتأس مذكرة نفسها أن ادهم يفعل ذلك لأجلها، لكنها فقط تود أن تشعر بالحياة أسفل قطرات المطر .
" يلا يا ستي اتفضلي اطلعي فوق، وهي نص ساعة بس لاحسن والله ارميكِ من فوق وارمي نفسي وراكِ ونيتم قاسم أو فتحي "
رفعت هالفيتي رأسها بقوة لترى ادهم يرتدي سترة بقبعة يرفعها فوق شعره وهو يغلق السحاب والاعتراض يعلو ملامحه، لكنه لا يملك سوى أن يسعى في أي طريق نهايته سعادتها ...
اتسعت بسمة هالفيتي بشدة وهي تندفع له بقوة ملقية نفسها بين أحضانه مرددة بحب :
" أنا بحبك اوي يا ادهم، أنت احن راجل في الدنيا دي كلها"
ضمها ادهم بحنان كبير وهو يقبل شعرها ثم أبعدها مرددًا بحماس لأجلها رغم تعبه الشديد :
" طب يلا قبل ما المطرة تقف "
وهكذا اندفع الاثنان صوب سطح البناية بحماس كبير، وقد اندفعت ذكريات عديدة لرأس ادهم وهو يرى ركض هالفيتي في المكان حتى استقرت تحت الامطار مباشرة دون حائل، رفع ادهم قبعة ثيابه وهو يسمع للمياة أن تتغلغل له، في النهاية أحدهما سيمرض، لذا عليه أن يستمتع الآن وبعدها يرى من سيعتني بالآخر .
بدأت هالفيتي تدور أسفل الأمطار كما كانت تفعل ذلك اليوم مع ادهم والأطفال، لكن تلك المرة هي تشعر بكل قطرة مياه تلمسها، شعرت فجأة بجسد أدهم خلفها، ثم بادهم يضمها من خصرها حاملًا إياها ويدور بها بسعاظة وضحكات هالفيتي تخترق قلبه مثيرة لديه كل مشاعر ترتبط بالسعادة .....
_________________
وهناك حيث ايطاليا ..
صعد كلٌ من انطونيو لسيارته، وكذلك فعل فبريانو وجاكيري الذي سيقود بهم طائرة انطونيو الخاصة نحو مصر لإحضار الصغيرة المدللة هالفيتي .
بعد نصف ساعة تقريبًا توقفت السيارات في مهبط طائرات خاص، هبط الثلاثة، انطونيو بهيبته، وجاكيري بجنونه، وفبريانو بتلك البسمة التي عند النظر إليها لا تدرك ماهيتها....
صعد انطونيو الطائرة وهو يردد ببسمة واسعة :
" لنحضر زهرتنا العزيزة يا رجال ........"
_____________________
وما تلك سوى بداية لجنون كبير سنعاصره رفقة الجميع...
استعدوا لأحداث أكثر جنونًا من السابق ...
وتذكروا أنكم لم تروا شيئًا بعد .
المواعيد الثابتة :
كل اثنين وخميس الساعة ٧ مساءً بتوقيت مصر .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
الفصل ده حقيقي اتكتب في لحظات حزني وتعبي نفسيًا، وكنت قررت أكثر من مرة انزل اعتذار، بس حسيت إن محدش له ذنب في سوء نفسيتي، لذلك كتبته وبكل الحب، لأن حتى في وسط كل أحزاني كنتم الفرحة الخاصة بيا، ولطفكم هو اكثر شيء ممكن يبدد حزني ويحسن من حالتي .
لذلك لو كلماتي ساهمت في يوم من الايام أنها ترسم بسمة على وجه أي حد، ارجو يدعي لي أن الفترة دي تمر على خير ❤️❤️
كُن أنت الخير في كل مكان وزمان إجعل لنفسك أثراً طيباً في قلوب الناس.💛∞
صلوا على نبي الرحمة
_____________________
استيقظت هالفيتي من نومها تنظر حولها بتعجب، لا تتذكر متى عادت لفراشها، أو متى سحبها النوم بكل خبث لتنغمس بين خيوطه، كل ما تتذكره أنها وفي وسط امطار البارحة استندت برأسها على صدر ادهم ترتشف من حنانه بنهم عَطِش رأى بحيرة وسط الصحراء .
ومن ثم ؟؟؟؟
لا شيء لا تتذكر شيء، يبدو أن دفء ادهم امتد داخل اوردتها حتى وصل لكامل اجزاء جسدها فاصابها خدر جعلها تسقط نائمة دون أن تشعر .
تحركت من فراشها ببسمة مسترخية ترتسم على وجهها، قبل أن تصطدم عينها بورقة موضوعة على الطاولة جوار الفراش، امسكتها هالفيتي بتعجب وهي تمرر عينها على تلك الأحرف التي تعلم جيدًا صاحبها، ارتسمت بسمة عاشقة على فمها مرددة ما دُوّن على الرسالة...
( صباح الخير يا أم العيال، هتسأليني وتقوليلي هو عيل واحد ازاي ام العيال؟! هقولك عشان هي بتتقال كده وانا محبتش العب في الثوابت، المهم أنا قيست حرارتك الصبح والحمدلله مفيش اي تعب أو زيادة في الحرارة، ومطر امبارح مر على خير، أنا اخدت فتحي وهسيبه مع شادية يلعب هناك مع الاولاد عشان ميصحكيش، واسيبك ترتاحي، لما تصحي كلميني وطمنيني إن لسه حرارتك طبيعية، مع حبي " ابو فتحي " )
ضحكت هالفيتي بقوة، تضم رسالته لقلبها بحب، ذلك الرجل أشبه بجوهرة نادرة، تعشقه وتعشق كل ما به، خبأت الرسالة في ذلك الصندوق الذي تضع به كل ما له ذكرى مع ادهم كذلك الحصان الصغير الذي أهداه لها في طفولتهم .
قبضت هالفيتي على هاتفها وهي تتحرك خارج غرفتها لتبدأ رحلة تنظيف المنزل، ثم تصعد لتجلس رفقة شادية والفتيات، في جلسة هادئة مرحة .
___________________
صوت اطارات السيارة يكاد يصم آذان قاطني تلك الحارة البسيطة الذين لم يبصروا يومًا أحدًا يقود بمثل هذا الجنون.
بينما داخل تلك السيارة والتي كانت طريقة تحركها تدل أن قائدها واحد لا يمكن أن يكون غيره، فهذا الكوكب لن يتحمل شخصين يقودان بمثل ذلك الجنون.
ابتسم جاكيري يزيد من سرعته وقد مثلت له تلك الحارة المكتظة بعربات الخضار والمحلات التي تعرض بضاعتها أمام أبوابهم، تحديًا كبيرًا .
ورغم ارتفاع صوت احتكاك اطارات السيارة إلا أن صوت صراخ انطونيو نافس تلك الاصوات، كان يصيح وهو يُعنّف أخاه :
" بحق الله توقف عن جنونك ذاك أيها الأحمق، نحن لسنا في مضمار سباق، جاكيري أنت هكذا تعرض حياة الآخرين للخطر "
نظر جاكيري أمامه للشارع والذي كان شبه فارغ من الأشخاص :
" أي آخرين هؤلاء يا أخي، لا يوجد احد"
صرخ انطونيو وهو يمسك بكتف جاكيري يحاول إيقافه :
' هذا لأنهم يختبئون منك أيها الغبي "
كان يتحدث وهو يشير لتلك الاجساد المتوارية في المحلات والمنازل، لذلك قام جاكيري بتهدئة سرعته مُرغمًا، حتى لا يتسبب في أذية أحدهم شاعرًا بتهوره، وشيئًا فشيء خفّت سرعته حتى اصبحت السيارة تسير بشكل طبيعي .
بينما في الأريكة الخلفية وحيث يغفو فبريانو لبعض الوقت، شعر بالسيارة تهدأ، لذلك فتح عينه وهو يتمطأ معتقدًا أن السيارة توقفت وقد وصلوا لعنوان هالفيتي :
" ماذا هل وصلنا ؟!"
نظر له انطونيو وهو يلقي بجسده على المقعد يهز رأسه بحنق، بينما فبريانو لم يفهم ما به، لكنه لم يهتم به بقدر ما أثار هدوء جاكيري في القيادة انتباهه .
" هل دهس جاكيري أحدهم ؟!'
اجابه انطونيو بسخرية :
" لا، لكنه كاد يفترش الأرض بالاجساد منذ قليل "
في نفس الوقت وأمام القهوة، كان يقف عوض يراقب العمال يحملون المقاعد الجديدة بدل تلك التي حطمها ابنه ورفاقه، يشير للعمال أن يضعوها أمام المقهى حتى يقوم بترتيبها ..
" ايوة هنا يا رجالة الله ينور عليكم، سيبوها وانا بقى هتصرف و....."
وقبل أن يكمل كلمته وجد سيارة سوداء تحطم جميع المقاعد بشكل مأساوي بعدما توقفت أمام المقهى، أو بالأحرى داخل المقهى.
كانت المقاعد تقبع أمام المقهى، والآن هي مجرد حطام من الأخشاب، وضع عوض يده على رأسه وهو يرمق ما حدث بفم مفتوح وعينه تكاد تخرج من وجهه وفي رأسه تتردد تلك الأغنية القديمة معبرة بشكل كبير عن حالته ( والملاحة والملاحة وحبيبي ملو التراحة)
ثواني وهبط الثلاثة من السيارة وجاكيري يردد ببسمة :
" كان هبوطًا موفقًا انظر اخبرتك أنني سأجد مكانًا لركن السيارة به "
كان يتحدث وهو يشير للسيارة التي دخلت مقدمتها للمقهى وقد اقتحمته بشكل مثير للضحك أو الرعب ..
كان عوض مازال ينظر لما حدث وملامح وجهه لا تُفسر، وقد انتبه له انطونيو وهو يضرب أخاه على رأسه صارخًا :
" أنت احمق، أنظر ماذا سببت بتهورك، اقسم أن هذه آخر مرة اجعلك تمسك مقود سيارة، أيها الغبي "
انتهى من حديثه وهو يمسح وجهه بضيق، ثم التفت لعوض ليتحدث ويخبره أنه سيعوضه، في ذات الوقت الذي ابتعد به فبريانو عن كل ذلك وهو يحمل هاتفه ليجيب روبين ..
" ماذا ارنبي الوردي هل اشتقت لي ؟؟"
" وصلت ولا لسه ؟!"
نظر فبريانو حوله يراقب المعركة التي مازالت مشتعله بين جاكيري وانطونيو وذلك العجوز صاحب المقهى :
" نعم وصلت للتو، وها أنا اقبع أسفل منزل هالفيتي "
صمتت روبين ولم تتحدث بكلمة مما أثار تعجب فبريانو الذي استند على الجدار خلفه مرددًا :
" قولي ما تريدين دون تردد "
" فبريانو هو....هو بنت عمتك دي حلوة ؟!"
رفع فبريانو حاجبه لثواني قبل أن ترتسم بسمة خبيثة على فمه، مدركًا أن روبين لم تستوعب بعد أن هالفيتي متزوجة، لذلك قال بحقيقة كاملة ودون كذب :
" نعم ارنبي الوردي، هي كزهرة ندية جميلة ورقيقة"
ومجددًا صمتت روبين، لتتسع بسمة فبريانو يتخيلها الآن بوجه محمر بسبب كبتها لبكاءها ومنعها لصوت شهقاتها من الخروج، كاد يفتح فمه للتحدث وأخبارها ألا تبكي وأنه كان يمزح فقط وأن ابنة عمته متزوجة من الاساس، لكن جمدته صدمة صراخ روبين المخيف :
" ما أنت حلو وبتعرف تقول اشعار وغزل اهو ؟! ولا هي بتيجي عندي وبتقلب عربجي ؟! وبعدين ايه زهرة ندية دي ؟! تكونش فاكر نفسك بستاني بجد ؟! طب اقسم لك يا فبريانو لانكد عليك عيشتك لما ترجع، يا بتاع الزهور والفل "
أنهت حديثها وهي تغلق الهاتف في وجهه تاركة فبريانو ينظر بصدمة أمامه لا يصدق أنه كان يُحدّث روبين للتو، تلك الفتاة التي توقع أنها ستبكي من مزحته الثقيلة، تهدده الآن ؟!
ارتسمت بسمة خبيثة على وجهه وقد أعجبته تلك اللعبة وبشدة :
" اووه يبدو هذا ممتعًا، الآن زاد شوقي للعودة إلى الديار "
انتهى من حديثه وهو يتحرك صوب المقهى مجددًا ليرى أن أنطونيو قد حلّ تلك المشكلة وقام بمرضاة صاحب المقهى الذي يعرفه جيدًا، فهو أحد أقارب زوج هالفيتي الذين قابلهم سابقًا ...
لكن يبدو أن ذلك الرجل لم يتعرف عليهم جيدًا .
انضم لهم فبريانو ثم تحرك مع أبناء عمه صوب منزل هالفيتي والذين اتو إليه قبلًا .
كان الثلاثة في طريقهم لتلك البناية التي تقطنها هالفيتي، قبل أن تنطلق شهقات عالية من أفواههم بسبب تلك المياه التي هبطت من السماء بشكل مفاجئ أعلى رأس جاكيري .
نظر جاكيري لنفسه وهو يردد :
" يا اللهي أنها تمطر بغزارة هنا و..."
توقف عن الحديث وهو يرفع أعينه لانطونيو وفبريانو، لكن للعجب لم يبتلا، وهذا جعله يتساءل كيف سقطت الأمطار عليه وحده، ولم يكد يفتح فمه ليستفسر عن الأمر، حتى ارتفع صوت انثوي من الأعلى حيث سقطت المياه :
" يوووه، لامؤخذة يا بني مكنتش اعرف إن فيه حد تحت البلكونة ".
رفع جاكيري عينه لها وهو لا يفهم حديثها، أو يتبين إن كانت توجهه له أو تتحدث لآخر، لكن السيدة تحدثت مجددًا :
" يقطعني، شكلي بوظتلك الجاكته بتاعتك، اقولك اطلع وانا اغسلهالك واكويها واخليها فلة"
نظر جاكيري لفبريانو بتعجب :
" أنا لا افهم شيئًا "
ابتسم فبريانو باستفزاز:
" تخبرك أنها آسفة لسكب المياه أعلى رأسك"
" ماذا ؟! هل هي من سكبتها ؟!"
رفع جاكيري رأسه لتلك السيدة وهو يصرخ بحنق :
" أنتِ يا امرأة ألا تبصرين ؟! انظري لقد لوثتي ثيابي بالكامل، وأنا من تعجبت أن للامطار رائحة، ماذا وضعتي بهذه المياه أيتها الغبية ؟!"
كانت المرأة لا تفهم صراخ جاكيري بلغته الأم، لكنها استطاعت أن تستشف أنه يوبخها من نبرته وملامحه المنزعجة:
" يوه ما قولنا معلش يا خويا، sorry عشان تفهمها، حد قالك تمشي تحت البلكونات ما الشارع واسع اهو "
ولم يلتقط جاكيري منها سوى تلك الكلمة الإنجليزية التي خرجت من فمها بشكل مذري ليجيبها بالإنجليزية بعدما ظن أنها تتقنها :
" أي اسف هذا ؟! لقد افسدتي حُلتي بالكامل "
استشاطت السيدة وهي تعتدل في وقفتها بعدما كانت تتكأ على سور الشرفة :
" جرا ايه يا حبيبي أنت هتقل ادبك عليا اكمنك سايح؟! لا ده أنت متعرفش مين جوزي، ده انا ممكن اصحيهولك من جوا يفرج عليك الحارة باللي فيها، فاتقي شره و زُق عجلك(تحرك) من هنا "
ضحك فبريانو بصخب على حديثها بينما نظر له جاكيري وقد أثارت حركات تلك السيدة بيدها حفيظته :
" ماذا قالت تلك السيدة ؟!"
" تخبرك أنك إن لم ترحل ستجعل زوجها يهبط لك ويوسعك ضربًا "
اشتعلت عين جاكيري وهو ينظر للأعلى صارخًا وقد استطاعت تلك السيدة أن تستفز جنونه المعروف به، تحركت يده صوب السلاح وهو يفكر في قتلها جديًا:
" حسنًا إن اردتِ أن تفقديه فاجعليه يهبط، أنتِ لا تعلمين مع من تتعاملين أنا أعمل بالمافيا يا حـ "
قاطع انطونيو حديثه وهو يجذبه بعيدًا عن الجميع يحاول أن يمنعه من إكمال صراخه وحماقته، بينما السيدة تنظر له وهي تصرخ بغضب بعدما التقطت أذنيها كلمة ( مافيا ) :
" مافيا ايه ونمبر ون ايه؟! يابتوع محمد رمضان يا سرسجية، هتخوفني ولا ايه ؟!"
كان انطونيو يشعر باعصابه تكاد تنفلت وهو مازال يجاهد لإبعاد جاكيري والذي أفلت منه في غفلة وعاد ركضًا حيث السيدة، ثم صعد تلك البناية بغضب وخلفه انطونيو وفبريانو يضحك بصخب وقد أعجبته تلك الرحلة وبشدة .....
__________________
انتهت هالفيتي تقريبًا من عملها المنزلي، ثم تمطأت، وقررت تبديل ثيابها والانطلاق نحو شادية لقضاء نهار آخر في الحديث النسائي في ظل رحيل جميع الرجال لعملهم ..
حملت هاتفها الذي رنّ باسم منة، اجابته هالفيتي بتعجب :
" ايه يا منة قاسم حصله حاجة !!"
ولم يصل لها من الجانب الآخر سوى صوت صراخ منة ومريم وبكاء بعض الاطفال، ثواني حتى وجدت صوت منة الحانق يخترق مسامعها :
" والله يا هالفيتي السؤال الصح هو قاسم عملكم حاجة ؟! ابنك ماسك ايد بنتي وحيل الله ياكلها، مش كفاية اللي حصل في شادي امبارح بسببك أنتِ وادهم، دلوقتي ابنك بيكمل على بنتي "
أبعدت هالفيتي الهاتف عن أذنها بانزعاج :
" ماله يعني شادي ما أنا شوفته نازل الصبح زي الفل وراح القهوة وكانش فيه خربوش واحد، وبعدين قاسم ابني مش بيأذي حد، ده ملاك حبيب ماما، تلاقي بنتك اللي استفزته"
" امبارح عن عوض كان ماشي وراسه والف سيف يبلغ البوليس عننا كلنا، لولا شاكر هدّاه كان اتصرف تصرف تاني، تعالي شوفي ابنك بدل ما ارميه من فوق "
أنهت حديثها وهي تغلق الهاتف دون مقدمات تاركة هالفيتي ترمقه بتعجب، ثم كادت تتحرك صوب الباب ليوقفها طرق عنيف بعض الشيء عليه، شعرت بالريبة وهي تقترب من الباب مرددة :
" مين ؟! منة ؟!"
لكن لم يصل لها رد، وفي ثواني تدافع حديث منة عن تهديد عوض إلى رأسها وشعرت أن الأرض تدور بها، ابتلعت ريقها وهي تقترب برعب من الباب لمعرفة الطارق، وهي تمني نفسها أنه ربما كانت مريم أتت لتستعجل حضورها .
الصقت حدقة عينها في ذلك الثقب الصغير الذي يساعدها في بعض الأحيان لمعرفة هوية الطارق دون الحاجة لفتح الباب، لكن تلك المرة كان كل ما يظهر أمامها هي أجساد طويلة القامة ترتدي سترات جلدية سوداء، هبطت بعينها شيئًا فشيء حتى استقرت بنظرها على تلك الساعات الأنيقة التي تتوسط أيدي الطارقين.
تراجعت للخلف شاهقة برعب وهي تلطم وجنتيها مرددة بخوف وقد بدأ جسدها يهتز من فكرة أن عوض قد نفذ تهديده لهما البارحة .
دون تفكير ركضت هالفيتي صوب الهاتف تحمل بأيدي مرتجفة وهي تنظر للباب وكأن وحشًا سينقض عليها منه، انتظرت ثواني حتى وصل لها صوت زوجها العزيز لتأخذ فرصتها في البكاء وتنفجر في الهاتف صارخةً برعب رغم صوتها الخافت :
" ادهم الحقني يا ادهم، فيه بوليس برة على الباب وشكلهم كده أمن دولة ."
على الجانب الآخر كان آدهم يحمل بعض الشطائر الشعبية التي أحضرها سليم لتناول الفطور :
" أمن دولة ايه يا أم فتحي بس أنتِ مخبية مفاعل نووي في الحمام ولا ايه !!"
وصل له صوتها الحانق وهي تردد مرتعبة :
"أنت بتهزر ؟! ده وقته تهزر فيه ؟! بقولك أمن الدولة واقفين برة على الباب أنا شوفتهم ."
" شوفتيهم ازاي خرجوا ليكِ بطاقاتهم ولا ايه ؟!"
نظرت هالفيتي بريبة للباب ثم اخفضت صوتها أكثر وكأنها على وشك قول سر خطير :
"دول لابسين جواكت جلد سودة وساعات ماركة ."
نظر أدهم ثواني لسليم الذي كان يستمع باهتمام كبير لما يحدث، ثم اعتدل في جلسته وهو يقول بتشنج :
"نعم ؟! "
" نعم ايه بقولك لابسين جواكت جلد سودة ."
تنفس أدهم بحدة وهو يردد :
"لولا أني اخاف اخدش حياء سليم أنا قولت دلوقتي شتيمة لا سمعتي زيها ولا هتسمعي، يعني هما عشان لابسين جواكت جلد سودة يبقوا أمن دولة ؟! طب ما شادي المتخلف عنده واحد، هل معنى كده إن شادي أمن دولة ؟! "
بطن هالفيتي برعب وهي تقول وقد ازداد الطرق على الباب :
"الظاهر كده عم عوض عملها وبلغ علينا عشان الواي فاي اللي سرقناه من عنده ."
قضم ادهم من شطيرته وهو يردد بسخرية لاذعة :
" عم عوض هيجبلك أمن الدولة عشان سارقة واي فاي من عنده ؟! ليه سارقين واي فاي من القصر الرئاسي ؟! روحي يا حبيبتي ربنا يهديكِ روحي شوفي مين اللي بيخبط وانا معاكِ على التليفون ."
تحركت هالفيتي بأقدام مرتجفة صوب الباب وهي تردد برعب ودموع جارية :
" اقسم بالله يا ادهم لو أخدت قلم واحد لاقولهم أنك أنت اللي عطتني الباسوورد، ولا اقولك أنا اساسا مش هستنى أخد قلم أنا هعترف على كل حاجة من غير ولا قلم، كلم شاكر يحصلني على القسم ."
انتهت حديثها وهي تمد يدها لفتح الباب بينما ادهم ينظر لسليم وهو يردد بتفكير :
" هو أنا لو رميتها من البلكونة ممكن اتسجن كام سنة ؟!"
تحدث سليم مفكرًا بجدية في الأمر :
"على حسب الدوافع يعني، بس ممكن شاكر هو اللي يفيدك في الحوار ده أكثر "
" فكرني اسأله لما نرجع ."
عاد ادهم بانتباهه للهاتف وهو يردد :
"ها يا ست نادية الجندي، طفوا سجاير في صوابع رجلك ولا لسه ؟!"
لكن لم يصل له أي رد، بل أغلقت الهاتف دون كلمة
وعلى الجانب الآخر فتحت هالفيتي الباب ببطء وهي تنظر بخوف وبمجرد أن بدأت الأجساد العملاقة أمام الباب تتضح حتى فتحت عينها بصدمة وانبهار وهي تردد مغلقة الهاتف في وجه ادهم دون اهتمام :
"كرستيانو والطونيو ؟! ومين الطويل التاني ده ؟!"
____________________
على الجانب الآخر كان ادهم مايزال ينظر للهاتف بريبة وقد بدأت تلك الأفكار الغبية التي زرعتها ام فتحي في رأسه تدور وتدور دون أن تجد لها مرسى ....
تحدث وهو يحرك الهاتف أمام عينه بشرود :
" تفتكر يكون فعلا عوض بلغ البوليس؟! اكلم شاكر يروح ليها أمن الدولة ؟!"
كان ادهم يتحدث منتظرًا من سليم ردًا وقد وصله الرد عاجلًا منه الذي تحدث بفم ممتلئ وفي يده يحمل شطيرة فول شعبية :
" هتاكل سندوتش الطعمية ده ؟!"
رفع أدهم عينه له بغضب وقد كانت ملامح التعجب واضحة على وجهه، ليعتدل في جلسته صارخًا :
" أنت ياض ملتك ايه ؟! بقولك مراتي حصلها حاجة ويمكن دلوقتي تكون في ورطة وأنت تقولي سندوتش طعمية ؟!"
استمر سليم في النظر له ثواني يرفرف برموشه قبل أن يكمل مضغ طعامه وهو يمد يده لالتقاط الشطيرة من أمام ادهم :
" يعني مش هتاكله "
وقبل أن تصل يده للشطيرة كانت ضربة ادهم تسقط عليها بحدة هامسًا بنبرة سفاح محترف ومخيف :
" اقسم بالله ايدك تلمس سندوتش الفول بتاعي هقطعهالك"
لوى سليم شفتيه وهو يعود لمقعده مجددًا يشير له بجدية:
" كلم شادية أو أشرفت تنزل تبص عليها، وصدقني لو في ورطة مش هتلاقي احسن من شادية ينجدها "
حمل ادهم شطيرة الفول خاصته يتناول منها قضمات متتالية يقول باستحسان :
" عندك حق، ده اسلم حل فعلا، ولو فيه مصيبة نخلي شادية تلم عليهم الشارع لغاية ما نوصل "
هز له سليم رأسه غامزًا له :
" اتصل يلا طيب "
في نفس الوقت وقبل أن يفكر ادهم في الاتصال، وجد من يقتحم غرفة الاستراحة التي يحظى فيها بفطوره رفقة سليم، ولم يكن ذلك المقتحم، سوى صاحب الضحكة الرنانة والفائز بلقب اكبر مستفز يعيش على الأرض، سامي الحبيب .
" دكتور ادهم فيه ناس واقفة برة مستنية حضرتك "
نظر له ادهم بخوف وقد بدأ قلبه تعلو وتيرة خفقانة، ليس لشيء سوى هدوء سامي واحترامه المرعب ذاك ..
نظر أدهم بطرف عينه لسليم الذي كان يفتح فمه بصدمة وقد توقفت يده في منتصف الطريق بعدما كاد يقضم قطعة أخرى من طعامه، مال ادهم قليلًا وهو مازال يثبت عينه على سامي :
" سليم هو سامي قالي حضرتك ولا أنا من كتر خوفي على مراتي بدأت اسمع حجات غريبة ؟!"
ابتلع سليم ما في فمه بصعوبة :
" لا هو المفروض أنت اللي يتخاف عليك دلوقتي مش مراتك، لأن اللي احنا شايفينه ده مرعب أكثر من اللي بيحصل لمراتك دلوقتي ايًا كان "
ابتلع ادهم ريقه وما كاد يفتح فمه للاستفسار حتى عاجله سامي ببسمة مخيفة خبيثة كتلك التي ترتسم على فم الشرير في نهاية كل الافلام معلنًا عن بداية جزء جديد :
" لا بسرعة يا دكتور ادهم لاحسن لاحسن ابو حالة عندك واقف برة وتقريبا فضحك وجرسك في المكان كله، وخلى اللي ما يشتري يتفرج عليك "
نهض ادهم من مكانه يتحرك صوب الباب وهو يتحدث بسرعة :
" كلم شادية يا سليم وقولها تلحق أم فتحي، وكلم البوليس احتياطي يلحقني أنا كمان "
ضحك سليم وهو يخرج هاتفه يتحرك خلف ادهم وهو يردد :
" اصبر أنا جاي معاك أنا بحب الخناقات "
كان ادهم يسير في ممرات المشفى وخلفه سامي يركض ضاحكًا وضحكته تجلجل المكان بأكمله، استدار له ادهم ضاربًا إياه بغيظ :
" بس بقى يا بومة، ده انا لو جوز امك مش هتفرح فيا بالشكل ده "
لكن سامي لم يتوقف عن الضحكات الهيستيرية :
" شكلها كده والله اعلم آخر مرة نشوفك فيها يا ادهم باشا"
رمقه أدهم بغيظ، ثم ركض صوبه متناسيًا ما يحدث وهو ينقض عليه بالضرب وضحكات سامي تعلو أكثر وهو يرددل استفزاز :
" كده بدل القضية هتبقى اتنين يا دكتور ادهم ..."
____________________________
على الجانب الآخر تحركت شادية رفقة جميع الفتيات الاسفل صوب شقة ادهم، وملامح الإجرام تعلو وجه شادية بعد مكالمة سليم لها أن تهبط لترى خطب هالفيتي، لتترك الصغار رفقة هاجر وتنطلق مع الثلاث فتيات .
تحدثت أشرقت بخوف وهي تقترب من الطابق الخاص بادهم :
" طب نبلغ البوليس يا شادية "
" لا البوليس هينجدهم من تحت ايدي، وانا مش عايزة حد يحوشني عنهم "
أنهت حديثها تخطو بقدمها طابق منزل ادهم حاملة بين يديها عصى غليظة كأحد المجرمين المحترفين، وخلفها مريم تتمسك بذراع منة وهي تهمس :
" لو طلعوا مجرمين خطيرين أنا هجري واسيبكم "
رمقتها منة بغضب لتكمل مريم ببسمة غبية :
" عشان اتصل بعمو شاكر مش اكتر والله "
ضحكت منة وهي تقول مشددة يديها على العصا الأخرى بيدها :
" لا بلاش عمو شاكر لأن الادرينالين دلوقتي عالي عند شادية ولو جه مش هنعرف نسلك بينهم "
ابتسمت مريم وهي ترى شادية تتسحب على أطراف أصابعها بشكل مثير للضحك، تختبئ جوار باب كنا لو كانت أحد أفراد فرقة مكافحة الشغب وعلى وشك اقتحام وكر عصابات .
رفعت شادية أصابعها تعد عليها بصمت، ثم في ثواني ضربت باب منزل ادهم والذي كان بالفعل مفتوح على مصراعيه، واقتحمت المنزل مع الثلاث فتيات ...
في نفس الوقت كانت هالفيتي في منزلها تنظر لأبناء خالها بصدمة وفم مفتوح ولم تكد تنطق بحرف منذ دخلوا حتى سمع الجميع صوت تحطيم وصراخ ...
وقبل أن يستوعب أحد شيء كانت أربعة أسلحة تتوجه صوب شادية ومن معها من الفتيات، فبريانو بسلاحين وانطونيو وجاكيري كلٌ منهم يحمل واحدًا .
كانت نظرات الثلاثة مشتعلة بغضب ظنًا أن هناك أحدهم لاحقهم حتى هنا، لكن عندما ابصروا أنهن نساء اخفض الجميع أسلحته عدا فبريانو الذي لم تتحرك به شعره وهو يتحدث بشر :
" انزلوا اسلحتكم تلك "
وفي ثواني ألقت منة ما بيدها وهي تضرب يد شادية الساهمة فيهم لتترك ما بيدها بينما تراجعت مريم للخلف وهي تردد :
" هو مفيش على وشهم تعاوير زي المجرمين ليه ؟!"
لم تهتم شادية بأحد وهي تلقي ما بيدها ارضًا تعدل من وضعية ثيابها وهي تسب ادهم وسليم بكل ما تعلم من سباب :
" محدش قالي اظبط نفسي وانا نازلة، شوية متخلفين ياربي، قال وسليم يقولي ناس خطرة ومجرمين، لو دول مجرمين يبقى هما ايه؟! زومبي؟! "
عدّلت شادية من نفسها وهي تقول ببسمة :
" مش تقولي يا ام قاسم يا حبيبتي أنك فتحتي فرع لمحل الحلويات بتاعك في الشقة هنا، كان حتى الواحد جاب معاه شاكر يملّح بيه بدل ما يجيلي السكر من المناظر اللي تسر القلب دي ؟!"
أنهت حديثها وهي تغمز للثلاث رجال ليطلق جاكيري ضحكة عالية صاخبة رغم عدم فهمه لما سمع، لكن يكفيه حركات تلك العجوز، جعلت ضحكته شادية تتحرك صوب هالفيتي وهي تردد :
" يا ختي ايه الضحكة اللي شبه سيمفونية بيت هوفن دي ؟! "
نظرت لهم من أسفل أهدابها تحت أنظار الجميع وقد قررت أن تدخل في صلب الموضوع :
" صباح الخير يا شوية مكسرات، محدش عايز شوجر مامي ؟!"
صاحت منة بحنق :
" شادية بتقولي ايه ؟! "
أشارت شادية للثلاثة الذين مازالوا يرمقونها بتعجب عدا فبريانو الذي كانت ملامحه متشنجة :
" فيه ايه بشوف رزقي، بعدين متدخليش أنتِ "
" تشوفي رزقك ايه ؟! بعدين ايه شوجر مامي دي ؟؟ أنتِ عارفة يعني ايه اساسا شوجر مامي؟! "
أجابت شادية ببسمة وبلاهة وهي تغمز للثلاثة :
" يعني ماما السكر "
هنا وانطلقت ضحكات فبريانو في المكان جاعلة الجميع ينظر له بصدمة وهو يضع يده أعلى وجهه يحاول تمالك ضحكاته، بينما هالفيتي ابتسمت ببلاهة وهي تقول :
" عندها حق شادية دي مش ضحكة دي سيمفونية "
توقف فبريانو أن الضحك وهو يشير للجميع قائلًا :
" حسنًا لنتحدث بجدية هالفيتي، هلا طردتي هؤلاء النساء من هنا لنتحدث ؟!"
كان يتحدث بكل بساطة ليس وكأنه للتو تواقح في وجود الجميع وبالطبع لم تفهم هالفيتي كلمة لتوضح لها منة ببسمة غبية وهي مازالت تنظر لهم :
" بيقولك يا ام فتحي اطردينا عشان عايزك في موضوع "
نظر لها انطونيو ثم أضاف :
" نعم واخبريها أن تحضر زوجها لأن الأمر يخص كليهما "
نظرت هالفيتي ببلاهة لمنة التي قالت ببسمة :
" بيقولك اتصلي بادهم عشان الموضوع يخصه هو كمان "
اتسعت بسمة هالفيتي وهي تشير لهم ليستريحوا :
" طب اقعدوا طب استريحوا انتم جايين من سفر، هدخل اعملكم الغدا يكون ادهم جه، اقعد يا كرستيانو واقف ليه ؟!"
مسح فبريانو وجهه وهو يحاول تقبل ذلك الاسم :
" فبريانو "
ولم يدرك أحد أنه فهم حديث هالفيتي، لتضحك الأخيرة وهي تضيف :
" ايوة ايوة، قعد الطونيو والتالت ده اللي مش عارفة اسمه ايه "
تمتم فبريانو بسخرية :
" لماذا هو الوحيد الذي اعترفتي أنكِ لا تستطيعين نطق اسمه ؟! بينما جميعنا لم تستسلمي عن المحاولة، ولم تسلم اسمائنا منكِ"
تحركت هالفيتي للداخل وهي تمسك هاتفها تهاتف ادهم وعينها تتحرك على شادية التي جلست على الأريكة تنظر لهم ببسمة ومعها الفتيات ..
ثواني وسمعت هالفيتي صوت ضجيج وشجار يأتيها من الجهة الأخرى :
" الو ادهم ؟! ايه الدوشة اللي عندك دي ؟!"
اجابها صوت انثوي رخيم بعض الشيء يظهر عليه كبر السن :
" اهلا يا مدام أنا مش الدكتور ادهم أنا سعاد الممرضة، دكتور ادهم دلوقتي بيتخانق مع شوية ناس اصله الراجل المفتري ابو الولد جاي يقول قال ايه الدكتور ادهم وصف دوا غلط لابنه، وهو اللي متخلف وخلى إبنه يشرب لبن رغم إن دكتور ادهم حذره من اللبن قدام عيني، بس نقول ايه عالم معفنة، لكن الدكتور ادهم اسم الله عليه، ابن اصول ومسكتش على التهمة اللي بتمس اسمه في المستشفى هنا وماسك ابو الولد نازل فيه ضرب مع دكتور سليم والدنيا هنا ايه، فرح يا مدام فرح "
انتهت سعاد من سرد ما يحدث على مسامع هالفيتي التي لم تفهم شيء من حديثها سوى أن ادهم يتشاجر وهناك من يحاول التهجم عليه، لذلك أغلقت الهاتف وهي تركض لغرفتها تحضر حقيبتها بفزع وقد لغى رعبها على ادهم عقلها، متناسية أبناء خالها وكل من يجلس في بهو منزلها، خرجت من الشقة مرتعبة وهي تصرخ :
" فيه ناس بتتهجم على ادهم في المستشفى "
نهضت شادية مرتعبة وهي تضرب على صدرها ولم تكد تتحرك حتى وجدت الثلاث رجال يركضون بشكل مرعب خلف هالفيتي بعد نظرة واحدة وجهها لهم انطونيو، بينما تحركت شادية نحو النافذة بسرعة وهي تنادي بصوت عالي على شادي لتخبره ما حدث ...
_________________________
كانت تتوسط المكان أمام الأواني وهي تحرك الملعقة فيها تُعد بعض الطعام للجميع، كانت هذه عادة روز التي لعبت دور الوالدة في ظل غياب أي خدم في هذا المنزل، وكبر سن سيلين التي أخذت عليها عهدًا أن تعامل مطبخها كما لو كان أحد أبنائها .
لكن تلك المرة في المطبخ كانت مختلفة، فهي لا تقف وحدها بل احتشدت التسع نساء هنا جوارها والجميع يرغو ويزبد دون توقف يتحدثون حول الضيفة التي ستصل خلال يوم او اثنين .
ابتسمت راسيل وهي تتوسط الطاولة جوار روز ومعاها روما ورفقة :
" أخبرني مارسيلو أنه لم يرها كثيرًا، لكنها لطيفة جدًا وسوف نحبها جميعًا "
تناولت روما قطعة من الفواكه التي قطعتها جولي لأجلها، بينما يدها تتحسس معدتها المنتفخة بعض الشيء :
" نعم هكذا أخبرني طوني كذلك، ثم كيف لا تكون لطيفة وهي قريبة لطوني؟!"
ضحكت جولي التي كانت تقف تقطع الفواكه للجميع :
" اقسم أنني لم أر في حياتي من هو بمثل غبائك حتى تلك الروبين الحمقاء أكثر تعقلًا عنك حينما تصف زوجها باللطيف "
خرجت همهمة ساخرة من فم روبين وهي تردد بحنق كبير :
" لا جولي، فبريانو لم يعد لطيفًا، لقد انتزعت منه ذلك اللقب وانتهينا "
توقفت يد رفقة قبل أن تصل لفمها وهي تردد بصدمة :
" ماذا ؟! هل عاد عقلك روبين وعلمتِ أن زوجك وغد ؟!"
انتفضت روبين وهي تقول :
" لا ليس لدرجة وغد، أنا فقط انتزعت منه لطيف، الآن أصبح فبريانو فقط دون لطيف، لكنني لم أضف له وغد بعد"
ضحكت هايز بقوة وهي تساعد روز فيما تفعل :
" أنتِ قاسية يا فتاة، أي فعلٍ شنيع قام به زوجك ليستحق منك كل تلك القسوة ؟!"
التوى فم روبين بغيظ تقاوم البكاء، لا تدري ما تقول، هل تخبرهم أنها تغار عليه من ابنة عمته تلك، بل تغار من تدليله لها بالزهرة، هي اعتادت أن يحبها ويدللها هي فقط، هل هذه أنانية ؟!
واثناء الحديث كانت روز قد انتهت مما تفعل لتقوم لخفض النيران أسفل الطعام ليتم طهية بشكل صحيح، ثم استدارت مستندة بظهرها على الرخام الخاص بالمطبخ وهي تقول :
" جدي يقول أننا سنذهب في رحلة إلى إحدى الاماكن الريفية حيث اشترى مزرعة هناك، ألن يكون هذا ممتعًا؟! "
تحدثت لورا ببسمة خبيثة تتناول قطعة تفاح :
" امممم ممتعًا خاصة لزوجك الذي سيحملك معه في كل مكان لرسمك عند كل شجرة وزهرة هناك بمناسبة وبدون مناسبة "
ضحكت روز بصخب وهي تتخيل حديث لورا، تود لو تجيبها بأن ذلك لا يزعجها كما تظهر لجايك حتى تثير حنقه، بل فقط تعشق كل لحظة تكون بها معه .
تحكرت روبين بعيدًا عن الجميع وهي تشير للهاتف قائلة :
" حسنًا سأذهب لاحادث فبريانو واعود "
تحركت للخارج تحت نظرات الجميع، قبل أن تندمج الفتيات في الحديث مجددًا
_________________________
كانت هالفيتي تقبع في سيارة أبناء خالها بعدما قاطعوا طريقها مطالبين إياها بالصعود، وافقت وليتها لم تفعل، فها هي قاربت احبالها الصوتية على الانقطاع بسبب الصراخ، نست زوجها ونست كل شيء ولم تهتم في هذا اللحظة إلا بتلاوة الشهادة .
" هموت، هموت"
كان فبريانو جوارها يتحدث بهدوء :
" متخافيش سواقة جاكيري مش بتموت، هي بتسبب اعراض جانبية زي ارتجاج في المخ، قئ ودوخة، كسر في الضلوع، واحيانا ارتفاع مستوى السكر في الدم أو انخفاضه على حسب الشخص، وساعات مش دايما يعني بيسبب توقف عضلة القلب، غير كده مش بيعمل حاجة"
ولم تدرك هالفيتي في غمرة رعبها أن فبريانو يتحدث بالعربية معها، ولم تتوقف عن الصراخ :
" نزلوني، نزلوني مش عايزة اموت نزلوني، سيبوني "
في ذلك الوقت وقبل أن ينطق فبريانو بكلمة سمع رنين هاتفه، اجاب دون النظر بالمتصل:
" مرحبًا"
وصل له صوت روبين وهي تقول بصوت مشتاق :
" الو فبريانو، أنت هتيجي امتى ؟!"
وقبل أن يصل لروبين صوت فبريانو سبقته صرخات هالفيتي :
" يا رتني ما سمعت كلامكم ولا جيت معاكم "
نظر لها فبريانو بشفقة وحنان مرددًا دون شعور :
" متقلقيش يا هالي أهدي بس ومفيش حاجة "
ولم يستوعب فبريانو ما قاله إلا حينما وصلته همسة روبين الساخرة :
" يا حنين ؟!"
" هذه هالفيتي "
" الزهرة الندية؟! عارفاها يا روحي، الظاهر كده اتصلت في وقت مش مناسب يا عم البستاني "
تحدث فبريانو بتعجب :
" ماذا؟! روبين هل جننتِ !!"
" اقسملك يا فبريانو لاحرق قلبك زي مابتغيظني، وأمسك الشجرة اللي تحت الشباك دي اعملها اقلام رصاص، وابقى بقى وريني رجلك هتخطي الاوضة ازاي، خليك في جنينة الورود اللي عندك"
وبمجرد انتهاء كلماتها أغلقت الهاتف تزامنًا مع توقف سيارة جاكيري أمام المشفى وهو يردد ببسمة :
" لقد وصلنا هالفيتي ...."
_________________________
عادت روبين للمطبخ مجددًا وهي تتمتم بغيظ وغضب، لكن فجأة وقبل أن تتحدث بكلمة سمع الجميع صوت انفجار كبير مرعب قادم من أنابيب الغاز ....
بدأت ألسنة اللهب ترتفع في المطبخ بشكل مفزع، ودون مقدمات، لتتسع أعين الجميع برعب وتتعالى الصرخات وخاصة روز التي كانت اقربهم للنيران، اندفعت روز بقوة بعيدًا بقوة وهي تشعر بالرعب يملء نفسها وقدت بدأت الفتيات يحاولن طلب المساعدة بينما جولي تركض في المطبخ بحثًا عن مطفأة الحرائق، الجميع يتحرك بجنون عداها هي ....
راسيل ترى ما حدث سابقًا يتكرر أمام أعينها، نفس المشهد يتكرر بشكل أقل حدة، فالنيران لم تنتشر في المطبخ، بل فقط ارتفعت فوق الآنية التي يتم بها طهو الطعام ..
ثواني هي تلك التي استغرقها جايك ليندفع كالقذيفة للمطبخ يجذب روز بعيدًا برعب، ثم دفعها صوب الباب بحدة صارخًا لها أن تخرج، وهو يركض صوب مكان مطفأة الحريق، صارخًا بالجميع أن يركضوا :
" اخرجوا جميعكم اخرجوا "
دخل مايك في نفس اللحظة وهو يشعر بقلبه يكاد يتوقف فزعًا يدفع جميع النساء للخارج بعنف شديد وقد تيبست اقدام البعض برعب .....
في نفس الوقت الذي كان مارسيلو يركض كالمحنون على الدرج بعدما خرج من المرحاض ليسمع صراخ بكلمة " حريق " تلك الكلمة التي أشعلت ذكريات كان قد واراها أسفل الرماد، قلبه يقرع بعنف وكل فكره بذهب نحو راسيل، يدعو الله ألا تكون بالقرب من الحريق، هي لم تُشفى بعد مما حدث لتتجدد لها نفس الجروح .
اقتحم مارسيلو المطبخ ليجد أن جميع أبناء عمومته في الداخل قد اخمدوا الحريق وجميع الفتيات أمام المطبخ يبكين برعب عداها، هي الوحيدة التي لم تكن معهم، هنا وسقط قلبه وهو يبحث بعينه عنها كالمختل :
" أين هي؟! أين راسيل؟! ألم تكن معكن ؟!"
نظرت روما حولها من بين دموعها حيث كانت تضم روبين التي بكت حد الانهيار، تحاول البحث عن راسيل وقد بدأ قلبها يتباطئ في النبض رعبًا، مرددة بشفاة مرتعشة :
" لقد ...لقد...كانت هنا، كانت معنا بالداخل و..."
لم ينتظر أن تكمل حديثها وهو يقتحم المطبخ صارخًا برعب :
" راسيل، راسيل أين أنتِ "
نفس الصرخات التي كانت يصرخ بها ذلك اليوم وسط النيران، ما أشبه اليوم بالبارحة !
تناهى لمسامعه صوت مارتن الذي قال بجدية :
" لقد كان السبب هو أن منظم ضغط الغاز تعطل "
اقترب ماركوس من منظم الضغط ينحني على ركبتيه وهو يشير لهم بمساعدته :
" اعطوني مفكًا وقوموا بإغلاق مقبض الغاز المركزي هنا "
كان يتحدث وكلماته تخرج بارتعاش نسبي، وما حدث منذ قليل لا يُمحى من رأسه، كادوا يفقدون زوجاتهم جميعًا، كادوا يعودون للظلام مرة أخرى، لكن تلك المرة كان الظلام سيزداد حدة، مسح وجهه وهو يحاول تهدئة نفسه .
بينما مارسيلو كان يتجاهل ما يحدث وهو يصرخ كالمجنون باسم راسيل وادم يساعده في البحث عنها بعدما علم أنها غير موجودة، ثواني وصرخ آدم باسم مارسيلو .
تحرك مارسيلو صوب آدم بأقدام متلهفة ليجد راسيل تحشر جسدها بين إحدى الطاولات والثلاجة، تنفس بتعب وهو يمد يديه يردد بعشق ويده ماتزال ترتجف :
" راسيل حبيبتي كدت أموت رعبًا عليكِ "
اندفعت راسيل من جلستها تلقي بجسدها بين احضان مارسيلو الذي تلقاها بحب شديد غير مهتمًا بجسده الذي اصطدم بعنف شديد بالارضية، يضمها بقوة كما لو كانت ستتلاشى بين ذراعيه، لا يهتم لأحد أو لأي اصوات حوله، فقط اكتفى بضمها وإغلاق عينه براحة بدأت تسري بين أوردته، استنشق مارسيلو عبيرها مرددًا بعشق :
" اششش لا تقلقي حبيبتي، أنا هنا دائمًا "
رددت راسيل ببكاء خافت :
" لقد رأيت النيران ترتفع و..."
" انتهى كل شيء، أنتِ الآن بين أحضاني، ممدان على أرضية المطبخ الباردة تحت نظرات بعض الاوغاد "
أنهى حديثه لتضحك راسيل من بين دموعها بصوت خافت، شعرت فجأة بمارسيلو يزيد من ضمها وهو يردد :
" يمكننا النوم بضع ساعات هكذا، ثم عندما نستيقظ سأمنحك فرصة الانهيار والبكاء في أحضاني أكثر حتى تصمتين واقبلك مخبرًا إياكِ مقدار تضحيتي بترك وقتي المفضل في الاستحمام لاجلك، حتى أنني لم اجفف جسدي من الصابون "
نظرت له راسيل ثواني لتنتبه لرقبته التي كان هناك بعض الصابون متناثر عليا، انطلقت ضحكاتها بصوت مرتفع جاذبة انتباه الجميع لها بعدما خشوا أن تدخل في صدمة ويحدث لها شيء .
تنفس الكل براحة شديدة وهم يراقبون راسيل التي يبدو أن مارسيلو استطاع بطريقة ما أن يخرجها مما حدث ويصرف انتباهها .
شعر مارتن بمن يلتصق به ويدفن وجهه في صدره، وبالطبع لم يكن في حاجة لمعرفة من تلك، حيث مد يديه يضمها بقوة مقبلًا أعلى رأسها :
" منقذتي القوية التي لم تهاب النيران "
ابتسمت جولي لحديثه فقد كانت هي الوحيدة التي فكرت في الركض والبحث عن طريقة لإنقاذ الجميع من الحريق، بينما روما كان كل ما يشغلها هو أن تخرج الفتيات جميعهن وتتأكد أنهن بخير .
تحركت فيور تحمل صندوق العدة التي يحتاجها ماركوس بصعوبة بسبب حجمه، ثم وضعته ارضًا وهي تجلس جوار ماركوس حتى تساعده فيما يفعل :
" إذن ماذا أفعل الآن يا قائد ؟!'
نظر لها ماركوس ثواني قبل أن يميل عليها ملتقطًا قبلة حنونة من وجنتها مرددًا بعشق :
" فقط ابقي أمام عينيّ فيور هذه أكبر مساعدة تقدمينها لقلبي حبيبتي "
ابتسمت له فيور بحب وهي ترد له القبلة في وجنته :
" لك ذلك سيد ماركوس "
تحدث جايك التي كانت روز ما تزال تنتفض بين أحضانه بخوف وهو يشدد ضمها إليه بحنان :
" هل نخبر انطونيو أو ايًا من فبريانو وجاكيري ؟؟"
نظر له مارتن ثواني ثم مرر عينه بين الجميع يتأكد أن لا أحد اصابه سوء جسدي :
" لا حاجة لذلك جايك، هكذا سيرتعبون دون جدوى، دعهم ينتهون مما ذهبوا لأجله وعند عودتهم قد نخبرهم "
هز جايك رأسه بحسنًا ثم انحنى دون مقدمات ليحمل روز بين ذراعيه بحنان مقبلًا جبينها بحب :
" هيا زهرتي، تحتاجين للراحة "
ضمت روز نفسها لاحضانه بحب وهي تهز رأسها موافقة .
بينما هايز كانت تلتصق بادم في خوف، وذلك لم يزعج آدم ابدًا، بل على العكس أحب التصاقها به، لكن ليس وهي ترتعش بهذا الشكل؛ لذلك قرر مشاكستها :
" انظري هايز القدر يصر على التصاقنا سويًا، ها أنتِ بعدما صرختِ في وجهي البارحة بأنني منحرف وأنك لا تريدين الاقتراب من منحرف، تأتين في صبيحة اليوم التالي للالتصاق بي "
ضحكت هايز بصوت خافت ومازالت نبرتها مرتعشة بعض الشيء :
" لكنني أحب ذلك المنحرف آدم "
" وذلك المنحرف يعشقك هايز حتى أكثر من تلك الراقصة المثيرة ميمي التي كانت تغازلني في فترة مراهقتي "
ابتعدت هايز عن آدم بغضب وهي تضربه في صدره :
" تبًا لك يا آدم وتبًا لتلك الراقصة ميمي "
أنهت حديثها وهي تندفع للخارج بغضب بينما آدم يركض خلفها وضحكاته تعلو أكثر وأكثر :
" هيا هايز أخبرتك أنني افضلك عنها ما بكِ ؟!"
أمسك مايك يد لورا وهو يجذبها له بحب مرددًا أثناء تحركه للخارج :
" كيف حال اميرتي، أطالك أذى ؟!'
هزت لورا رأسها بلا ليبتسم لها مايك وهو ينحني مقبلًا وجنتيها بحب :
" جيد إذن، هيا سنذهب سويًا لشراء بعض الملابس من أجل العطلة، اريد شراء ملابس للخيل، فزوجك يا لورا فارس بالفطرة "
" حقًا؟!"
" نعم سوف ترين بعينيكِ "
ضحكت لورا وهي تجيب :
" أتطلع لهذا "
بدأ الجميع يهدأ وتعود الضحكات تعلو مجددًا بعدما استطاع كل الرجال أن يخرجوا زوجاتهم من ذلك الرعب الذي تلبسهن حتى روما وروبين ورفقة، ورغم غياب زوج كل منهن، بدأت الثلاث نساء يتحدثن ببسمة وراحة، لكن سرعان ما تبددت تلك الراحة وتلاشت تلك البسمات وهم يسمعون صوت صرخات عالية تنافس صوت الانفجار الذي حدث منذ ثواني، ولم يكن ذلك الصوت سوى صوت سيلين التي صرخت برعب وقهر :
" مطبـــــــخــــــــــي "
________________________
كان ادهم يحاول ألا يتهور واضعًا أمام عينه أنهم يفعلون كل ذلك لأجل خوفهم على طفلهم، حاول التحدث أكثر من مرة متجاهلًا يد الرجل الذي يمسك تلابيبه بشكل مهين :
" يا استاذ افهمني ابن حضرتك مكنش ليه أنه يشرب لبن لانه بيـ ..."
وقبل أن يكمل ادهم كلمته كان الرجل يجذب ثيابه بعنف صارخًا :
" لبن ؟! يعني اللبن هو اللي هيتعبه بالشكل ده ؟! الصيدلاني بلغنا إنه أخد علاج غلط فمتصعش علينا "
أمسك ادهم يد الرجل يحاول أن يتمالك غضبه :
" واصيع على حضرتك ليه !! أنا مش بلعب هنا ولا أنا صغير يا استاذ، حضرتك أنا مش مبتدأ عشان اغامر بحياة طفل، ارجع للصيدلي ده واسأله، ده لو كان صيدلي اساسا مش مجرد شخص واقف في صيدلية، روح واسأل دكتور صيدلي بجد وخليه يقولك إذا كان عيب أدوية ولا لا ؟!"
هنا وفارت دماء الرجل ليرفع قبضته هابطًا على وجه ادهم وخلفه العديد من الرجال الذي جاءوا لا ينتون خيرًا :
" وانا لسه هسأل يا روح امك؟! أنا هطربق ام المستشفى دي فوق دماغك أنت واللي مشغلينك "
وقبل أن تمتد يده بضربة أخرى كان وحش سليم قد أفلت من قيوده وهو يندفع في دائرة الشجار هابطًا بقبضته فوق وجه الرجل وهو يصيح في وجه بجنون :
" ما قالك مش عيب أدوية ولا لازم نقل أدبنا عشان الكلمة تتسمع ؟!'
هنا واشتعلت الحرب وبدأ الرجال القادمين مع والد المريض يحطمون كل ما تطئه ايدهم غير مهتمين أنهم في مشفى أو أن كل شيء يتحطم، يتحطم معه أمل أحد المرضى في الشفاء، وأن ذلك التجبر الذي يمارسونه سيكفل العديد من المرضى الكثير، اعماهم غضبهم، وغرهم بأسهم ..
امتلئت المشفى بالفوضى ولم يستطع أحد السيطرة على ما يحدث، سارع مدير المشفى في طلب البوليس وهو يحاول حماية من بالمشفى .
بينما ركض سامي ليدافع عن ادهم وسليم ومعه بعض الأطباء، والكل يحاول انقاذ ما يمكن إنقاذه، وقد بدأت الفوضى تنتشر في المكان بشكل مثير للرعب ...
في نفس الوقت اقتحمت هالفيتي المشفى وخلفها الثلاث رجال، لكن بمجرد أن لمح الجميع ما يحدث أمسك انطونيو يد هالفيتي بحدة ونظر حوله يبحث عن شيء معين، قبل أن يلقي بها في إحدى الغرف واغلق عليها الباب وبعدها نظر لفبريانو وجاكيري يشير لهم بعينه أن يتولوا الأمر، اتسعت بسمة فبريانو بشدة وهو يخرج سلاحيه لكن كلمة انطونيو أوقفته :
" بدون أسلحة فبريانو "
نظر له فبريانو بملل وهو يخفي الأسلحة في ثيابه مجددًا، ثم تحرك نحو ذلك الشجار وخلفه جاكيري، الاثنان يسيران بكل قوة وهيبة وقد لحق بهم انطونيو الذي قال :
" اخرجا زوج هالفيتي سالمًا، غير ذلك لا شروط "
اتسعت بسمة الثلاثة بشكل مرعب، وفي لحظات أبصر الثلاثة جسد يندفع بقوة من باب المشفى صوب الشجار وقد على الإجرام ملامحه، ولم يكن ذلك الجسد سوى شادي الذي أخبرته شادية ما يحدث .
ثم جسد آخر يركض خلفه وقد كان كريم الذي حدثه شادي، انضم الشابين لرفاقهما في واحدة من تلك الحروب المعروفة في هذه المناطق .
وهكذا بدأت حرب طاحنة، لكن هذه المرة الحرب ستكون بلمسة الاحفاد الخاصة .......
____________________________
متنسوش اني بكرة هكون موجودة في معرض الكتاب من الصبح وهيكون جميع رواياتي موجودة باذن الله ❤️
صالة 2 جناح a33 ( باسم دار يافي )
واللي حابب يطلب رواياتي أون لاين يقدر يطلبهم عن طريق الواتساب
01557072836
اشوفكم على خير .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
الفصل اهداء لكلًا من :
الجميلة والالطف على الإطلاق ورفيقة كل معرض وكل مناسبة هي وعائلتها الالطف Fatma Naser
فاطمة اللي دائمًا بتشجعني وتسعدني بلطفها، البارحة كان يوم مولدها، لذلك كل عام وانتِ بخير جميلتي ❤️
واهداء لـ صاحبة ألطف حديث ودائمًا تسعدني بحديثها، لطالما شجعتني مرارًا وتكرارًا دون كلل أو ملل، واتمنى من قلبي أن يكتب الله لنا لقاء قريب، إلى الجميلة Nourhan M Sadek، كل عام وانتِ سعيدة جميلتي ❤️
**********
أنتَ مُرَحَّبٌ بك عِند ربّك مهما جَنَيْتَ على نفسِك!
صلوا على نبي الرحمة
________________________
تقف في تلك الغرفة تتحرك يمينًا ويسارًا، بينما قلقها يعلو وتيرته أكثر وأكثر، كلما استمعت لصرخة أو آهً قادمة الخارج، حيث زوجها ورفاقه وأبناء خالها، ابتلعت هالفيتي ريقها وقد بدأت دموعها تهبط وقلبها يزداد قرعًا وهي تدعو للجميع، تخشى بل ترتعب من فكرة أن يُخدش ادهم، تعلم أن أبناء خالها عتيدي الإجرام فلا بأس عليهم، لكن أدهم......
بكت أكثر وهي تتحرك كالمجنونة في الغرفة التي سجنها بها " الطونيو " باحثة عن أي مخرج لها، لا تفكر في شيء سوى أنها تريد أن تكون جواره، لا تود أن يتم تركها للأفكار التي تلعب الاصوات الخارجية على اوتارها بمهارة وتشكلها كيفما تريد .
فجأة أبصرت هالفيتي نافذة مرتفعة تعلو خزانة ما لا تدري ما تحتويه، لكنها لا تهتم، تحركت صوبها وهي ترمق الخزانة بجدية، اقتربت بسرعة تتسلقها بكل مهارة كما لو أنها ولدت قردًا، لحظات صعبة عليها وشاقة كادت أنفاسها تزهق بها وهي تحاول الوصول لقمة الخزانة، وقد فعلت، لكن وقبل أن ترتسم ابتسامة نصر على فمها سمعت صوتًا يأتيها من الغرفة في الاسفل حيث الفراش الذي يتوسط أحد الأركان :
" تعالي يابنتي ناوليني حبة الضغط لاحسن جه وقتها ومحدش من الممرضين اللي برة معبرني وبيلعبوا وهايصين ولا على بالهم إن فيه واحد بيموت جوا"
استدارت هالفيتي بصدمة وهي ما تزال تنحني أعلى الخزانة لتخرج من النافذة، تنظر من أعلى كتفها نحو ذلك العجوز المتذمر والذي كان يرمقها من أسفل عدساته الطبية بتقييم وترقب وكأنه يحذرها الرفض، وبعدما طال صمتها أضاف العجوز :
" ايه هتنزلي تديني الدوا ولا تفضلي تتفرجي عليا طول اليوم ؟! "
أشارت له هالفيتي بحسرة :
" بعد ما طلعت ؟! أنا طلعت بالعافية "
التوى فم العجوز في شبه بسمة، يرفع حاجبه في تزامن ساخر مردفًا :
" مش مشكلتي، ده معاد الدوا، ايه هتسيبي راجل عجوز يموت عشان حضرتك مكسلة تنزلي من فوق الدولاب ؟!"
نظرت هالفيتي بتردد للخارج حيث الأجساد المتلاحمة والصرخات العالية، ثم عادت بنظرها للعجوز، نفخت بضيق وهي تستدير لتهبط مجددًا، بينما ملامح العجوز مازالت حانقة ناقمة كما هي، هبطت هالفيتي واقتربت منه قائلة بغيظ يكاد ينفجر :
" فين البرشام ده يا حاج خلينا نخلص "
" ما تيجي تديني بالقلم على وشي احسن ؟!"
ضغطت هالفيتي على أسنانها بحنق كبير :
" العفو حضرتك أنا آسفة، فين ام البرشام ابوس ايدك جوزك بينطحن برة "
أشار العجوز للطاولة التي تلتصق بفراشه والتي يعلوها بضعة اقراص علاجية جوارها كوب ماء، ارتفع طرف شفاة هالفيتي فجأة وهي تشعر ببوادر جلطة :
" نعم ؟!"
" أنعم الله عليكِ يا ضنايا ؟! اديني البرشام "
أشارت هالفيتي للادوية بجنون والتي لم تكن ستكلف العجوز سوى أن يرفع يده ليمسك بها ويتناولها :
" يعني حضرتك منزلني من فوق ومعطلني عشان اجي اديك الدوا اللي هو اساسا جنب ايدك ؟! هو أنت مستوعب أنت عملت ايه ؟!"
ويبدو أن إجابة السؤال الاخير لها هو نعم، حيث ابتسم العجوز بسمة مقيتة، جعلت هالفيتي تود أن تغرز أظافرها في وجهه :
" أنا متعود الممرضة تديني العلاج وتناولني المايه وتقولي بالشفى يا ابو محمد "
صرخت هالفيتي بجنون :
" وانا مالي يا ابو محمد، ما كنت تاخد العلاج بنفسك وانا كان ممكن اقولك بالشفا وانا فوق الدولاب عادي والله، لازم ام المرمطة دي على الصبح ؟!"
انكمشت ملامح الحاج ابو محمد وهو يرمق هالفيتي بعدم رضا :
" صوتك عالي وانا بدأت اتعصب، اديني الدوا واتفضلي روحي شوفي هتعملي ايه وشوفي جوزك اللي بينضرب برة ده "
غضب قوي اندفع في اوردتها، لكنها كبتته بصعوبة وهي تساعده في تناول الأدوية ثم رددت تلك الجملة الروتينية التي جعلت الحاج ابو محمد يحبط خطتها في إنقاذ زوجها :
" بالشفا يا ابو محمد "
انتهت من حديثها ثم ودون كلمة إضافية ركضت صوب الخزانة وبدأت تتسلقها بأنفاس لاهثة، حتى وبعد دقيقتين او ثلاثة تقريبًا وصلت لقمتها، ابتسمت بسعادة وهي تفتح تلك النافذة، لكن توقفت يدها في الهواء وهي تسمع صوت العجوز يردد ببرود :
" تعالي اطفي النور عشان مش بعرف انام غير في الضلمة "
أشارت هالفيتي للخارج وهي تود أن تتحدث، لكن قاطعها الرجل وهو يردد بحنق :
" انزلي اطفيه يا بنتي متوجعيش قلبي عايز انام، الدوا بينيم "
شعرت هالفيتي برغبة عارمة في البكاء، لكنها رغم ذلك تذكرت أنه رجل كبير وقد كانت والدتها تردد دائمًا أن كبار السن كما الاطفال، لذلك عليها ألا تغضبه أو تحزنه لن تكون هي ومرضه عليه .
هبطت لكل هدوء، ثم تحركت صوب زر الإضاءة واغلقته، وبعدها نظرت له وهي تقول :
" حاجة تاني قبل ما اطلع !!"
اجابها العجوز باجفان ثقيلة :
" وانا هعوز منك ايه، ربنا ما يحوجني لحد "
رفعت هالفيتي حاجبها بسخرية وهي تصعد الخزانة مجددًا وقد أضحت خبيرة في الأمر، تعلم أين تضع قدمها واين تتمسك بيدها، وصلت لقمة الخزانة مبتسمة بنصر، ثم فتحت النافذة تمد قدمها الاولى للخارج، وما كادت تخرج بجسدها بأكمله حتى سمعت صوت العجوز يردد :
" تعالي غطيني كويس عشان طراطيف صوابعي بدأت تبرد ...."
_________________________
في الخارج حيث كانت الحرب ما تزال في اوجها، تحرك فبريانو بكل بساطة يقتحم ذلك التلاحم بين الجميع لا يهتم بأي أحد ولا يخشى أي سلاح معهم، حسنًا إن اعتبرنا ما يمسكونه سلاحًا، وصل لبؤرة الشجار وتوقف ثواني وأمامه ظهر ذلك الرجل الذي يحاول الايقاع بزوج هالفيتي، مدّ أصابعه بسرعة كبيرة وغرزها في وجه ذلك الرجل جاذبًا إياه بعنف للخلف، حيث اصطدم في صدره وهو يسحبه بعيدًا عن الجميع تاركًا ادهم يفتح عينه بصدمة يحاول أن يستوعب ما حدث منذ ثواني .
وجاكيري الذي أمسك اول شخص وقع تحت يديه سالبًا إياه ما يمسك، ثم ألقاه ارضًا قبل أن يعود برأسه للخلف ليضرب بها رأس من أمامه بعنف جعل الأخير يسقط ارضًا وقد بدأت أنفه تنزف بقوة .
ابتسم جاكيري وهو يتحرك لآخر مرددًا :
" عجبًا رأسه أقل صلابة مما اعتدت عليه "
كان فبريانو ما يزال يغرز أصابعه في وجه الرجل والد الطفل المريض، وهو يردد من خلفه بصوت خافت مرعب :
" تحب تحتفظ بعيونك ولا تودعهم ؟!"
استمر الرجل في محاولة الإفلات منه وهو يصرخ بوجع وقد كادت اصابع فبريانو تخترق وجهه، بينما الأخير لا يهتم مرددًا :
" مش كويس أنك تعمل إزعاج في المستشفى للمرضى، مش كويس خالص، كده عيب وغلط وغير قانوني، وانا اكثر شيء بكرهه في حياتي هو الأفعال الغير قانونية "
صرخ الرجل برعب وهو يتحرك بجنون بين أيدي فبريانو الذي ترك جسده بكل بساطة ملقيًا أياه ارضًا ضاربًا إياه في معدته بقدمه .
بينما انطونيو كان يستمر في محاولة فك الشجار بين الجميع قبل أن يتأذى برئ بينهم، وخلال محاولته لفعل ذلك أبصر انعكاس جسد في زجاج إحدى الغرف، يقترب منه من الخلف حاملًا عصى غليظة، وقبل أن يستدير انطونيو ليصده وجد جسد ذلك الرجل يسقط ارضًا وامرأة ممتلئة الجسد تنكب فوقه ضربًا بخفها بينما تصيح ببضع كلمات غير مفهومة، لكنه خمن أنها سباب .
وقد كانت تلك السيدة هي نفسها صاحبة المدونة الأشهر لفضح أطباء المشفى " هناء "
" يا زبالة أنت وهو فاكرينها سايبة ولا سايبة، ده انا هخلي سيرتكم على كل لسان وهشردكم نفر نفر في كل حتة "
اقتربت سعاد ( الممرضة الأخرى ) وهي تتحدث :
" أمسكيه يا هناء هروح اجيب حبل ونربطه "
تجاهل انطونيو كل ذلك وهو يبحث بعينه عن زوج هالفيتي، حتى وجده يقترب من أحدهم ساحبًا إياها بعنف، ثم انقض فوقه ضربًا بشكل مخيف جعله يشك أن هذه هي المرة الأولى التي يتشاجر بها، فمن يضرب الجميع بهذا الشكل أمامه لا يمكن أن يكون شخص مسالم لم يتشاجر قبلًا .
وكذلك كان ادهم الذي شعر بغضبه يكاد يدفعه لقتل الجميع بعدما ابصر أحدهم يصفع إحدى النساء العاملات في المشفى بعدما رآها تحادث الشرطة، يرفع يده على امرأة ويعيث بالمكان فوضى، ويتسبب بالضرر لجميع المرضى، كل ذلك جعله غضبه يشتعل .
وجواره سليم كان يعيش افضل لحظات حياته بعدما وجد أخيرًا شيئًا يستخدم به عضلاته التي يضيع عليها وقته في التمرينات.
كان أحدهم يمسك بثياب كريم يكاد يضربه لولا يد كريم التي أوقفته فجأة وهو يردد بجدية :
" اصبر "
نزع نظارته واضعًا اياها في جيب سترته، ثم ضرب الرجل برأسه وهو يرميه صوب شادي الذي تلقفه لاكمًا إياه بغضب .
كان بهو المشفى أشبه بساحة حرب، عصيّ تتقاذف، مقاعد تُحطم، أجساد تفترش الأرض، وأشخاص يطيرون .
كانت هذه الأجواء هي المحببة لقلب كلٍ من فبريانو وسليم .
في تلك اللحظات استطاعت هالفيتي أن تصل لهم وهي تصرخ باسم ادهم، وقبل أن تصل له وجدت جسد رجل يسقط فوقها بعنف شديد، سقطت ارضًا وهي تصرخ ظنًا أنه ميت :
" قتيل ...قتيل "
لكن فجأة وجدت من يجذب الجسد من فوقها بعنف كبير مرددًا بلطف وهو يثبت جسد ذلك الرجل :
" لا تخافي هالفيتي أنه ليس ميتًا أنه فقط مرهق بعض الشيء، انظري هو بخير "
أنهى فبريانو كلماته وهو يترك جسد الرجل الذي ظل واقفًا ثواني قبل أن يسقط ارضًا بقوة، ليغمض فبريانو عينه وهو يقول ببسمة :
" حسنًا هو ليس بخير تمامًا، ربما لم ينم البارحة جيدًا، أو ربما ذلك لأنه لم يتناول فطوره، والدتي كانت تخبرني أن الفطور مهم حتى استطيع صلب جسدي طوال اليوم "
فتحت هالفيتي عينها بصدمة وهي تنهض مرددة :
" أنا مش فاهمة حاجة، هو أدهم فين ؟! قتلوه ؟!"
اقترب منها فبريانو يربت على كتفها ليهدئها :
" لا لا تخافي هالي هو بخير، فقط بعض الخدوش في وجهه، ثم لا تخشي على زوجك فهو يضرب كما المجرمين"
لم تفهم منه هالي شيء لتصرخ :
" ايوة يعني هو كده كويس ولا لا برضو ؟!"
في تلك اللحظة شعر فبريانو بشخص يندفع نحوه بعنف ليبتعد عنها سريعًا حتى لا تتأذى ساحبًا ذلك الرجل في ركن نائي..
بينما هالفيتي اكتفت من الوقوف لتبدأ البحث بنفسها عن زوجها بين الجميع حتى وقعت عينها عليه أخيرًا يمسك بتلابيب أحد الرجال، ركضت صوبه وقد بدأت وتيرة المعركة تهدأ بعض الشيء بعدما انتهى فبريانو من نصف الرجال تقريبًا .
توقف هالفيتي جوار ادهم وهي تقول بشر وغضب محدقة بالرجل الذي يكاد يلفظ أنفاسه بين يدي ادهم :
" ايه يا ادهم حد عملك حاجة؟!"
استدار ادهم بعنف لزوجته وهو يردد بعدم فهم :
" أنتِ بتعملي ايه هنا ؟! ايه اللي جابك ؟!"
أشارت هالفيتي صوب أبناء خالها دون أن تنزع نظراتها عن الرجل :
" كرستيانو وعيال خالي هما اللي جابوني "
صرخ ادهم بجنون ويده تشتد حول ثياب ذلك الرجل :
" كرستيانو ايه يا ستي أنتِ؟! امشي من هنا يا ام فتحي بدل ما اسيب اللي في أيدي وأمسك فيكِ أنتِ "
واخيرًا نزعت هالفيتي عينها من على وجه ذلك الرجل وهي تنظر لادهم بصدمة صارخة :
" أنت بتزعق ليا يا ادهم ؟!"
" ايوة بزعق، جاية في مطحنة وضرب ومش عايزاني ازعق ؟!"
اغتاظت منه هالفيتي وهي تصرخ في وجهه أكثر :
"وانا اللي كنت هموت من الرعب عليك، تصدق أنك متستاهلش، والله يا ادهم أنا بقرة اني جتلك هنا "
" أنتِ بقرة من قبل ما تيجي يا ام فتحي "
اشتعلت عين ام فتحي التي صرخت بصوت اعلى :
" تمام يا ادهم، تمام، طب والله لأخد قاسم وارجع مع عيال خالي عند جدو، وشوف هتلاقيني فين بقى ؟!"
اجابها ادهم بسخرية :
" أنتِ هبلة؟! ما أنتِ لسه قايلة عند جدك "
توقفت هالفيتي عن الحديث ثواني تحاول أن تستوعب الأمر قبل أن يعلو صوت الصرخات مجددًا وقبل أن يتحدث أحد سمع الجميع صوت جهوري يهتف :
" بوليس، كله يرفع أيده لفوق "
ودون أن تفكر حتى رفعت هالفيتي يدها عاليًا وهي تنظر حولها برعب بينما ادهم ضرب وجهه بحنق وهو يتنهد بتعب على تلك الغبية، المجرمون الحقيقيون لم يرفعوا أيديهم وهي من فعلت :
" يارب لطفك يا رب "
__________________
ركضت في ممرات المركز وهي تسحب خلفها شاكر الذي كاد يسقط أكثر من مرة على الأرض بعدما اقتحمت شادية مكتبه ساحبة إياه وهي تصرخ، أن حياة الشباب ستضيع بين جدران السجون وأن زهرة شبابهم ستذبل .
تحرك عوض خلف والدته وشاكر وهو يتمتم بغضب وعصبية على هؤلاء المتهورين الذين يُسقطون أنفسهم في مشاكل لا قِبل لهم بها .
كانت شادية ما تزال تنوح بحسرة :
" حبايب قلبي مستقبلهم هيضيع وسط المجرمين والبلطجية، اتصرف يا شاكر مش أنت ظابط وعندك دبابير على اكتافك ؟!"
توقف شاكر بعنف وغضب وهو يحاول أن يوقف شادية :
" دلوقتي شاكر ؟! ومن يومين كنتِ مفرجة العمارة عليا ؟!"
نظرت له شادية بصدمة وهي تشير لنفسها لا تصدق ذلك الحديث الذي يخرج من فم شاكر، يتهمها زورًا وظلمًا :
" أنا ؟! أنت بتقول ايه يا شاكر يابني ؟! أنا عمري فتحت بُقي( فمي) بكلمة عليك ؟!"
فتح شاكر فمه بعدم تصديق وهو يعود للخلف قليلًا وهناك بسمة مصدومة تعلو فمه مشيرًا لها :
" يا ست اتقي الله، ده صدى صوتك وأنتِ بتردحيلي لسه بيرن في العمارة لدلوقتي "
ابتسمت شادية محاولة أن تلطف الأجواء معه محركة كفها في الهواء :
" يوه عليك يا شاكر، ده كان هزار عادي يعني، ده أنت زي عوض عندي مش كده يا عوض يا حبيبي ؟!"
هز عوض رأسه وكأنه يوافق والدته، وقبل أن يضيف شاكر تعليق آخر جذبت شادية يده قائلة ببسمة :
" يلا بقى نلحق مستقبل الشباب اللي بيضيع جوا ده "
أنهت حديثها تجره جرًا صوب مكتب الشرطي المسؤول عن ذلك المركز الذي يقع بالقرب من المشفى، وقف شاكر أمام الباب مخرجًا هويته للعسكري :
" لو سمحت بلغ الظابط اني حابب اقابله"
نظر العسكري لهوية شاكر وهو يؤدي له تحية، ثم فتح الباب ودخل غرفة المكتب التي كانت تعج بالأشخاص الذين احضروهم من المشفى للتو بعد شجار طاحن :
" اللوا شاكر المصري برا يا فندم "
انتفض الشرطي من مقعده وهو يشير للعسكري أن يدخله بسرعة :
" دخله يابني بسرعة أنت موقفه على الباب "
نظر كريم للجميع بقلق لوجود والده في المكان، ثم وضع يده يخفي بها وجهه، محاولًا أن يلتصق بجسده في الجميع ويخفي نفسه، لكن دخل والده الذي قال بسخرية وهو يقترب من الشرطي يصافحه :
" شايفك يا حبيبي "
اندفعت شادية للمكتب وهي تردد :
" حبايبي عملوا فيكم ايه ؟! انتم كويسين ؟؟"
ابتسم شادي وهو ينظر لها بحب ممسكًا يدها ليقبلها :
" متقلقيش يا شادية ولادك رجالة ومحدش قدر يلمسهـ"
لكن فجأة توقف عن الحديث وهو يجد شادية تدفعه مرددة بحنق :
" يا خويا ما تولعوا، أنا بقول على الشباب اللي زي الورد دول "
قالت حديثها وهي تشير لانطونيو الذي كان يجلس على الأريكة وجواره فبريانو بينما جاكيري يقف جوار المقعد وهو يرمق ما يحدث دون أن يلتقط كلمة .
اقتربت منهم شادية وهي تردد :
" الله يسامحكم يا شادي يا ابن ابني أنت وصحابك الصيّع، كده تبهدلوا الحلويات دي معاكم، طب انتم شلق ومتعودين، رايحين تجروا رجل الناس البريئة دي معاكم ليه !!"
تشنج شادي وهو ينظر لجدته بعدم تصديق :
" نعم ؟!"
لكن شادية لم تهتم وهي تتحدث ببسمة للثلاثة :
" متقلقوش أنا روحت جبتلكم شاكر يخرجكم هو الناس بتحترموا هنا تقريبًا، مش هسيب شبابكم يضيع وسط المجرمين امثال شادي وسليم "
تمتم ادهم بسخرية لاذعة في نفسه:
" دول هما نفسهم المجرمين "
نظر لها شاكر بصدمة، هل هؤلاء هم الشباب الذين كانت تصيح له بأنهم سيفقدون مستقبلهم؟! هؤلاء ؟! ثلاثة أفراد من أكبر عائلات ايطاليا التي تمتد نفوذها من القطب الشمالي للجنوبي، دون ذكر أنهم اجانب في النهاية .
اقتربت هالفيتي من ادهم وهي تهتف بصوت مسموع لفبريانو الذين كانت تقف جواره :
" أنا خايفة يكتشفوا إن عيال خالي عصابة ومجرمين ويحبسوهم، افرض شافوا البطاقة بتاعتهم ؟!"
رمقها ادهم بفم مفتوح ببلاهة في نفس الوقت الذي فتح فبريانو عينه بصدمة وهو يردد :
" حقًا ؟!"
اسكت ادهم هالي وهو يردد :
" وهو المجرم بيكون مكتوب في بطاقته، الوظيفة مجرم ؟! أنتِ هبلة؟! بعدين عصابة ايه اخرسي هتحبسيهم"
" ايه ما هما عصابة، ده جدو لوحده عنده طيارات وأسلحة وقنابل تكفي جيش كامل و ..."
كتم أدهم فمها وهو يرى أن الجميع بدأ ينظر لهما بعدما ارتفع صوتها للحظة دون أن تنتبه، ابتلع ادهم ريقه وهو يردد ببسمة بلهاء :
" معلش اصل المدام بتحب تهزر ودمها خفيف "
نظر انطونيو لفبريانو نظرة علم بها الأخير مقصده ليقول بسخرية وبسمة جانبية :
" هالفيتي فقط تُعرّف الجميع على ثروة جدي من الأسلحة، وتفتخر بعملنا كعصابة ومجرمين "
تشنج انطونيو وهو ينظر لهالفيتي التي كانت تلوي فمها بتذمر وحنق كبير :
" هل هي غاضبة لأنها لم تفصح عن أسرارنا ؟! "
ضحك فبريانو ضحكة خافتة قبل أن يسمع صوت انطونيو يضيف بسخرية :
" يبدو أن جولي ستجد بها رفيقة جيدة، وستوسع حملة فضحنا في أرجاء ايطاليا، وتجعل هالفيتي وكيلة لها في مصر "
تحدث الشرطي بصوت واثق لشاكر :
" يا باشا وجودك مكنش له لزوم، لأن كل دول مش متهمين بالعكس هما هنا بس عشان الشهادة، والأشخاص اللي ارتكبوا الفعل ده تم وضعهم في الزنزانة لحين الحكم في القضية "
هز شاكر رأسه بتفهم وهو يفتح فمه ليتحدث، لولا تلك الزغرودة التي خرجت من فم شادية وهي تردد بفرحة :
" والله ده رزق التلات مساكين دول، وربنا كرمكم عشانهم، اصل دول مش وش سجون ولا بهدلة، مش زي الأربعة اللي كل يوم بخناقة شكل "
أنهت حديثها وهي تشير لادهم وسليم وكريم وشادي الذين نظروا نحوها بحنق .
بينما جاكيري كان ينظر لشادية وهو يردد بجدية بعدما حاول التخمين :
" اظن أن هناك مشكلة، فذلك الصوت تصدره رفقة عند كل مشكلة، اعتقد أنه أشبه بجرس الانذار هنا "
شعر انطونيو بملل بدأ يتسرب له، وهو يود النهوض والعودة لبلاده واحضان روما، لكن عليه اولًا أن ينتهي من كل ذلك ويعود، لكن بهالفيتي....
_____________________
دخل منزله بعدما تلقي حديث لاذع هو والجميع من والده الذي كان يبدو مرتعبًا بعدما علم من الشرطي الوضع، وأدرك كم الخطر الذي كان به الجميع .
تحرك كريم في المنزل بتعب شديد وهو يبحث بعينه عن مسكنه الدافئ، من يلتجأ له عند كل ضائقة، مريم؛ تلك الفتاة الخجولة البريئة والتي لا تبذل حتى مجهودًا لتجعله يخر على ركبتيه أمامها معترفًا أنه يذوب بها عشقًا.
مريم التي يتلذذ بنطق اسمها؛ اسمها الذي يمثل له محيطًا من العشق، وما بين الميم والميم يغرق ....
تعجب كريم هدوء منزله حتى كاد يظن أن زوجته صعدت لوالدته أو لوالدتها، لكن ما كاد يتحرك حتى سمع صوت شهقات تصل له من المطبخ، تحرك نحو الصوت بأقدام سريعة وخوف أن تكون قد أذت نفسها أثناء الطهو، وبمجرد أن خطى للمطبخ ودون كلمة، اندفع صوب جسد مريم الجالسة ارضًا تبكي، يتلقفه بين أحضانه مرددًا بخوف :
" مريم مالك ياقلبي ؟! اذيتي نفسك ؟! وريني ايدك كده، وريني ايدك"
كان يتحدث وهو يجذب يدها لفحصها، لكن مريم ازدادت في البكاء وهي تلقي بنفسها بين أحضانه أكثر مرددة بشهقات :
" سمعت شادية بتقول انكم في خناقة كبيرة والناس هناك معاها أسلحة يا كريم، كنت هموت من الرعب عليكم"
تنفس كريم براحة وهو يستمع لجملتها :
" خلاص يا مريم محصلش حاجة يا حبيبتي، خناقة زي اي خناقة هي أول مرة ؟!"
هزت مريم رأسها بلا وهي تنظر في عينه بخوف باكية :
" مش اول مرة يا كريم، بس انا كل مرة بعيش في رعب عليكم، بخاف اوي بخاف حد في وسط الهيصة دي يأذيكم، فاكر لما واحد مرة ضرب ادهم بالسكينة في خناقة ولولا ستر ربنا كان ممكن يحصله حاجة"
ضمها كريم له بحب وهو يقبل رأسها مرددًا بلطف وحنان :
" حقك عليا يا ريمو، صدقيني والله بيبقى غصب عننا، يعني يرضيكِ الناس دي تروح مستشفى وتعمل البلاوي دي كلها ونسيب صاحبنا ؟!"
هزت مريم رأسها بلا فابتسم لها كريم باحثًا بعينه عن طفله الصغير:
" فين يوسف ؟! مش هنا ولا ايه !!"
مسحت مريم دموعها وهي تردد :
" سيبته عند خالتو هاجر وقولتلها اني هحضّر الغدا ليك، وجيت هنا عشان خوفت اعيط قدامها وتعرف "
ابتسم لها كريم ثم اقترب مقبلًا عينيها بحب :
" تمام سيبيه يكمل يومه بقى مع خالتو هاجر، عشان ابن خالتو هاجر وحشته روما اوي "
نظرت له مريم مبتسمة وهي تقول مستندة برأسها على صدره :
" شكلك بدأت تورث الموضوع عن عمو شاكر وتسرب ابنك"
ضحك كريم بصخب وهو ينهض جاذبًا يد مريم لخارج المطبخ :
" من شابه اباه بقى "
توقف كريم من مريم في وسط المنزل، ثم تحرك صوب الحاسوب الخاص به والذي يتركه في المنزل لزوجته وطفله، واختار موسيقى معينة، ثم عاد صوب مريم ينحني جزئيًا مرددًا :
" تسمحيلي بالرقصة دي !!"
ارتسمت بسمة لطيفة على فم مريم التي احتضنت كفها خاصة كريم، تراه يعتدل في وقفته، ثم ضمها من خصرها جاذبًا إياها نحو صدره بحب :
" محظوظ عشان ربنا رزقني بألطف مريم في الدنيا كلها "
ابتسمت مريم بسمة عاشقة وهي تتخيل حياتها إن لم تقبل بالزواج من كريم استندت برأسها على خاصته هامسة :
" وانا من طفولتي محظوظة يا كريم، كنت الاول صديق واخ، ودلوقتي بقيت عالم......"
صديقها الذي كان لا يترك شيئًا يسعدها في طفولتها إلا وفعله، يراقصها أسفل الأمطار ليقضي بعدها اسبوعًا طريح الفراش بسبب ضعف مناعته وقتها، لكنه لم يكن يهتم.
كان _ورغم طبيعته الهادئة المسالمة_ اول من يقف في وجه أي مزعج يقترب منها، كان دائمًا ما يعود للمنزل بكدمات في وجهه بسبب شجاره العنيف مع كل من تسول له نفسه في بكاء مريم ويزعجها، كريم الذي كان كالحائط المنيع في وجه جميع من يسخر منها.
تتذكر كل لحظة معه، منذ عانقها ذلك اليوم أعلى الدرج حين وفاة والدها في عمر السادسة، وحتى ذلك اليوم الذي ضمها فيه معترفًا بعشقه ومدافعًا عن حقه بها، وقد كان محقًا فإن كان لأحدهم حق بمريم فهو كريم .......
_____________________
كان يقف في المطبخ رفقة زوجته وعينه تتحرك بعدم ارتياح على الثلاثة ضيوف في الخارج، لا يدري سبب مجيئهم هنا، لكن قلبه ذلك الاحمق يقرع بخوف أن يطالبوه بأخذ ملاكه الحبيب معه ولو لدقائق، سيرفض نعم سيفعل، هو لا يستطيع أن يتخيل يومه بدونها، ولا منزله بلاها.
شعر ادهم بيد هالفيتي توضع على كتفه وهي تهزه برفق :
" أدهم مالك ؟! بقالك ساعة سرحان فيه ايه ؟!"
استدار لها أدهم متحدثًا بقلق :
" هما عيال خالك جايين ليه ؟!"
لم تنتبه هالفيتي للقلق في نبرته من ابتعادها عنه، حيث هزت كتفها بعدم معرفة :
" معرفش والله يا ادهم هما جم وطلبوا مني تكون موجود لأن الحوار يخصك برضو زي ما فهمت "
ومازاده حديثها سوى قلقًا، نظر لهم جميعًا بجمود، وداخله قرر ألا يدعها لهم ولو لثواني، هم عائلتها ولهم حق بها، يعلم هذا جيدًا، لكن ....
هي عائلته بأكملها، هم لديهم بعضهم البعض، بينما هو لا يملك غيرها، وليس مستعدًا لتركها تبتعد عنه ثواني فقط، ليست مستعدًا لشعور الوحدة واليُتم مجددًا .
في الخارج حيث يجلس انطونيو وفبريانو بملل في انتظار خروج هالفيتي وزوجها وجدوا باب المنزل يُفتح بقوة وينطلق منه طفل صغير تتبعه تلك العجوز التي ابتسمت منادية الصغير :
" قاسم تعالى سلم على خالو يا حبيبي "
توقف الصغير قاسم ينظر لشادية ثواني دون فهم ما تريد، ملامح البلاهة تعلو وجهه الجميل، فقد كان قاسم يمتلك ملامح والده جميعها، لكنه أخذ من والدته لون بشرتها مختلطًا بلون بشرة والده، ليخرج الصغير ببشرة عاجية جذابة وملامح بريئة جميلة للغاية .
تحرك قلب انطونيو في مضجعه وهو ينظر للصغير بحنان، قبل أن يُحرك عينه للعجوز متسائلًا بخفوت :
" هل هذا صغير هالي ؟!"
لم تفهم شادية من حديثه سوى اسم هالي؛ لذلك خمنت معنى سؤاله وأجابت ببسمة :
" ايوة هو ده ابن هالي، قاسم "
ابتسم فبريانو وهو يترجم حديثها لانطونيو :
" نعم هذا هو انطونيو "
تأوه انطونيو بحب وهو ينهض من مقعده جالسًا على ركبتيه فاتحًا ذراعيه للصغير مرددًا بحنان :
" مرحبًا يا صغيري، تعالى هنا "
رمقه قاسم وملامح الجهل تعلو وجهه، فامامه رجل طويل القامة حتى بعدما جلس على ركبتيه، يتحدث بطريقة غريبة جعلته يطيل النظر لفمه متسائلًا كيف يتحدث هكذا.
ابتلع انطونيو ريقه وهو ينظر لفبريانو قائلًا بهدوء :
" فبريانو أخبره أن يأتي لي "
ابتسم له فبريانو مدركًا جيدًا أن نقطة ضعف ابن عمه التي لا يعلمها أحد سوى القليل فقط من المقربين، تلوح أمام عينه الان، انطونيو ذلك الجامد المخيف يستطيع أن يركع أمام طفل بكل بساطة، حتى لو كان مجرد طفل غريب، ولو كان طفل عدوه، كما فعل مع صغير ايثان، الذي يعتني به في أحد منازله وكأنه طفل له، فما بالكم بصغير هالفيتي التي تحتفظ بمكانتها في قلب كبيرهم ؟!
تحرك فبريانو من مكانه مقتربًا من الصغير يحاول ان يرسم بسمة لطيفة دون أن تنقلب لمرعبة، يستغل ملامحه الهادئة اللطيفة لجذب انتباه الصغير وهو يداعب خصلات شعره :
" اهلا يا قاسم "
نظر له قاسم ببسمة صغيرة لطيفة وقد تراجع ليختبأ في قدم شادية، لكن فبريانو لم يسمح له وهو يقترب منه مجددًا :
" متخافش يا قاسم، تعالى عندي "
كان يتحدث وهو يمد له يده، فنظر قاسم لشادية التي هزت رأسها بنعم، تقدم قاسم من فبريانو ببطء وهو يضع طرف إصبعه في فمه، قبل أن يمد يده الأخرى التي مال عليها فبريانو مقبلًا إياها بحنان كبير :
" اهلا يا بطل أنا خالو فبريانو "
وكما توقع، نظر له الصبي بنظرة عجز واضحة لا يستطيع فهم تلك الكلمة الأخيرة العجيبة، لذلك ضحك فبريانو مداعبًا شعره بحنان :
" فابري، قولي فابري "
نطق الصغير على استحياء وبتعثر واضح :
" فربي "
ضحك فبريانو بصخب وهو يردد :
" نعم أنت ابن هالي لا شك، حسنًا لا بأس فربي "
نظر له الطفل بجهل ليشير فبريانو صوب انطونيو الذي كان مايزال ينتظر دوره في عناق الصغير :
" شايف خالو الطويل ده ؟!"
نظر قاسم لانطونيو ثم هز رأسه ليضيف فبريانو بحنان :
" روح عنده احضنه حضن كبير عشان هو بيحب قاسم اوي وجايب ليه حلويات كتير "
نظر له الصغير ببراءة وهو يردد :
" شوكولاتة ؟!"
" ايوة شوكولاتة، روح احضنه وهو هيديك شوكولاتة كتير"
ابتسم قاسم وهو يقترب باستحياء من انطونيو الذي كان جسده متحفزًا في انتظار عناق الصغير، وبمجرد أن دخل قاسم لمحيط يد انطونيو، حتى سارع الاخير بغلق يده حوله بقوة يعانقه بلطف وحنان مرددًا :
" مرحبًا بالحفيد الاول في العائلة، جدي سيبكي سعادة عند رؤيتك يا صغيري "
صمت يستنشق الصغير بحب معتاد منه، فانطونيو سبق ولعب دور الأب لثمانية، ويبدو أنه لكثرة لعب ذلك الدور أصبح يتقنه وبشدة :
" يا ويلي أنت لطيف للغاية "
ابتسم فبريانو على انطونيو وهو يتحرك خارجًا من المنزل ليحضر شوكولاتة للصغير حتى لا يظنه كاذبًا، وأثناء ذلك قابل جاكيري الذي كان يقف على باب المنزل يتحدث في هاتفه بجدية، تجاهله وهو يتحرك للاسفل بحثًا عن اقرب محل ليشتري منه كل ما به من حلوى لحفيد آل فوستاريكي الحبيب، ذلك الصغير الذي سيصبح وبامتياز مُدلل جده الاول ...
______________________
وأمام المنزل كان جاكيري يتحدث لرفقة بجدية عكس عادته :
" لا تحاولي إقناعي أنكِ بخير، أنا أشعر بكِ، صوتك يرتجف، ما بكِ حبيبتي ؟!"
على الجانب الآخر كانت رفقة تتوسط فراشها وهي تحاول كبت دموعها المشتاقة له، فالاول مرة يكون جاكيري بهذا البعد عنها، لطالما كان على مقربة منها، وقد زاد حزنها ووجعها أنه في لحظة الحريق لم تجد يسحبها لذراعيه هامسًا لها بحب أنه هنا لاجلها، أو حتى تسمع منه اسمها بلهجته الخاصة والتي كانت قادرة في ذلك الوقت على جعلها تنسى كامل أحزانها .
وكأن جاكيري سمع رجائها الخاص ليهمس لها بكامل الحب :
" رفكة "
هنا وانهارت رفقة في البكاء بشوق وهي تردد من بين شهقاتها:
" اشتقت لك جاكيري، أريدك أن تعود، فأنا لا احتمل بعدك"
تأوه جاكيري وهو يعيد خصلات شعره للخلف :
" رفكة ارجوكِ لا تبكي، لأجلي حبيبتي أنتِ تشعرينني بالعجز الآن"
" أنا فقط اشتاق لك جاكيري "
" وانا أموت شوقًا لرؤياكِ ولرؤية صغاري رفكة "
ضحكت رفقة من بين دموعها ضحكة خافتة وهي تمسح دموعها بحب تحاول أن تتمالك مشاعرها هذه فهو الآن بعيدًا عنها، ولا تريد أن تحزنه أو تحمله فوق طاقته :
" وهم كذلك يشتاقون لك عزيزي، لا تتأخر "
ابتسم جاكيري مدركًا جيدًا أنها تحاول صرف انتباهه عن بكائها، لذلك جاراها في الأمر وهو يردد :
" لا لن اتأخر، سوف اعود واجلب لكِ معي كل ما طلبتيه، وايضًا سأحضر لك الكثير من الكرشي"
أطلقت رفقة ضحكة عالية وهي تردد :
" حسنًا حبيبي، لكن فقط دع فبريانو هو من يحضر الكرشي، ولا تطلبه أنت"
" لماذا ؟! أنا استطيع فعل ذلك بنفسي "
" حبيبي أخشى أن ينتهي بك الأمر في ( مسمط) بعدما تطالب بائع الكشري بالكرشي "
شعر جاكيري فجأة بالجهل يضربه لسماع كلمة غريبة عن مسامعه :
" ماذا ؟! ما هذه الكلمة الغريبة ؟؟"
أجابته رفقة بجدية قاصدة بذلك الاماكن التي تقع في أحياء القاهرة والتي تختص ببيع لحوم وأعضاء البهائم الداخلية والمسماه ( مسمط) حيث يوجد عندهم ما يسمى بالكرشة وغيرها من تلك المسميات الشعبية :
" هذا هو المكان حيث يبيعون الكرش حقًا "
هز جاكيري رأسه بتفهم مرددًا :
" حسنًا لا بأس سأذهب إليه"
انطلقت ضحكات رفقة بقوة وهي تردد :
" لا لا جاكيري لا تفعل، فقط احضر لي كرشي من أي محل يخرج من رائحة الصلصة والثوم حسنًا حبيبي ؟!"
حك جاكيري رأسه وهو يردد :
" حسنًا حبيبتي "
لمح أثناء ذلك عودة فبريانو بحقيبة سوداء كبيرة وهو يردد بجدية :
" هل مازلت تقف هنا ؟! اتبعني للداخل جاكيري لننتهي من هذا "
هز جاكيري رأسه وهو يجيبه :
" سألحق بك "
دخل فبريانو تاركًا جاكيري يودع زوجته، بينما توجه هو صوب انطونيو الذي كان يجلس حاملًا على قدميه قاسم، وضع فبريانو حقيبة الحلوى جوار انطونيو على المقعد هامسًا له :
" اعطي الصغير حلوى انطونيو "
نظر له انطونيو ثواني قبل أن يحمل الحقيبة وهو يعطيها للصغير الذي نظر لها بانبهار وسعادة، ثم التقطها على استحياء وهو يردد له بكلمة خمن انطونيو أنها شكر، ثم وفي حركة غير متوقعة، رفع الصغير قامته بشدة ليقبل ذقن انطونيو، حيث لم يستطع أن يصل لوجنته مرددًا بلطف :
" خالو "
نظر انطونيو ومشاعر حب تملء عينه لفبريانو في انتظار أن يخبره ما يريد الصغير، ليفعل فبريانو وهو يقول ببساطة :
" يقول لك خالي "
شعر انطونيو بقلبه يقفز في صدره وهو يضم الصغير له مرددًا :
" حبيب خالك أنت يا صغيري اللطيف "
في ذلك الوقت سمع الجميع صوت ادهم الذي خرج عليهم بصينية مشروبات وبعض البسكوت وغيرها من الضيافة التي تُقدم عادة يردد ببسمة مرحبة :
" انرتم المنزل بوجودكم "
دخل جاكيري في نفس اللحظة وهو يجيبه ببسمة :
" شكرًا لك "
جلس جاكيري جوار فبريانو، يراقب ذلك الصغير الذي يحمله أخاه بتعجب والذي هبط من أعلى قدم انطونيو يحمل نفس الحقيبة التي كان يمسكها فبريانو، راكضًا بها صوب ادهم يردد ( بابا ) .
ابتسم جاكيري بسمة واسعة وهو يردد :
" ابن هالي!!"
هز له انطونيو رأسه ليتأمله جاكيري بحب :
" ياللهي هو صغير ولطيف للغاية "
انتبه الجميع لصوت ادهم الذي أشار للصغير بلطف :
" طيب يا فتحي روح عند ماما وريها الحلويات اللي جابها خالو وقولها تيجي "
هز الصغير رأسه وهو يركض للداخل بينما تحدث فبريانو بتعجب :
" فتحي؟! من هذا فتحي ؟!"
نظر له ادهم بعدم فهم لثواني ثم أجاب ببساطة مشيرًا حيث ذهب صغيره :
" طفلي هو فتحي، ألم يخبركم اسمه ؟!"
أشار انطونيو لشادية التي كانت تتابع ما يحدث ببسمة واسعة وبهدوء غريب :
" لكن تلك العجوز أخبرتنا أنه قاسم "
انتعش قلب شادية وهي ترى ذلك الوسيم يشير لها، إذن فالحديث يدور حولها، لربما يمتدحونها أو ما شابه، اعتدلت في جلستها وهي تدعي الانشغال في هاتفه .
هز ادهم رأسه برفض :
" لا هو فتحي وليس قاسم"
في ذلك الوقت خرجت هالفيتي وهي تحمل قطعة شوكولاتة من تلك التي سرقتهم من طفلها البرئ متحدثة بجدية بعدما سمعت لاسم قاسم وفتحي :
" بتتكلم في اسم الولد صح ؟! اسمه قاسم حبيب ماما "
نظر لها أدهم بغيظ :
" اسمه فتحي يا ام فتحي، تحبي أجيب شهادة الميلاد من جوا ؟!"
" بص صيح مهما تصيح برضو اسمه قاسم، وكله بيناديه قاسم ومحدش معترف بفتحي غيرك أنت يا ادهم "
شعر ادهم بالغيظ الشديد وهو يتمتم بغضب :
" برضو هيفضل فتحي وهتفضلي ام فتحي، وهفضل اناديكِ بالاسم ده، عشان متنسيش في لحظة اسمه "
ضحكت ام فتحي عليه وهي تنظر لأبناء خالها الذي يراقبون ما يحدث بجهل عدا فبريانو بالطبع ...
" متاخدوش في بالكم هو على طول كده بيلبسه ميت عفريت لما يسمع اسم قاسم "
صمتت ثم نظرت لادهم وهي تسأله:
" ممكن تترجم ليهم ؟؟"
" اترجم ايه إن شاء الله ؟؟"
" قولهم أنك بتتعصب لما حد يعترف أن ابنك اسمه قاسم مش فتحي "
ابتسم ادهم بسخرية :
" أنتِ بجحة يا بت والله، مشوفتش في بجاحتك"
ردت له ام فتحي البسمة بأخرى أكثر استفزازًا، وهي تنظر لأبناء خالها متحدثة بحنين:
" طب اسألهم كانوا عايزينا في ايه ؟! يعني جدو بخير وكلهم بخير ؟!"
نظر لها أدهم بحنق قبل أن يستدير اهم يترجم ما قالته بالإنجليزية، جاهلين جميعًا قدرة فبريانو على الحديث بالعربية .
ليجيب انطونيو بكل هدوء :
" لقد أرسلنا جدي لأجل هالفيتي "
شعر أدهم بتوقف قلبه لثواني قبل أن يكمل انطونيو حديثه :
" يريد منكما أن تنضما لنا في رحلة عائلية لطيفة إلى مزرعته، لذلك أرسلنا لنحضركما وكذلك الصغير قاسم "
صحح له ادهم بحنق :
" فتحي "
" ايًا يكن، نحن جئنا لاخذكما فتجهزا لأن الطائرة الخاصة بنا ستقلع مساء اليوم من القاهرة متوجهه لروما "
أنهى حديثه لافظًا آخر كلمة بحنين كبير وعشق .....
بينما ادهم نظر لهالي ليتحدث أو يعترض لأجل ظروف عمله، لكن الجمته نظرة الحماس والحنين التي غطت عينيها، وهي تكاد تقفز الآن راكضة معهم، صمت ولم يستطع التحدث بكلمة واحدة، صمت يفكر في الأمر مليًا .
بينما هالفيتي تتحدث وهي تهز رأسها بسعادة كبيرة :
" أنا موافقة اوي، اساسا جدو وحشني اوي اوي "
نظر انطونيو لفبريانو الذي هز رأسه بمعنى أنها وافقت.
ابتسم انطونيو بسمة واسعة وهو ينهض من مكانه يغلق ازار بذلته بهيبة معتادة منه، ثم اقترب من هالفيتي فاتحًا ذراعيه وفي نيته أن يضمها في عناق اخوي حنون بعدما انتهى من التحدث معها، ولكن قبل أن يصل لها وجد من يقطع طريقه وهو يتحدث بكلمات غير مفهومة بالنسبة له، ولم يكن ذلك سوى ادهم الذي وقف في وجهه وعيونه تخرج شرارًا متحدثًا بشر وهو يحرك يديه في الهواء :
"الحلو هيعمل ايه ؟! "
انتشرت سعادة غريبة داخل قلب هالفيتي وهي تبصر غيرة زوجها الحبيب عليها؛ لذلك قررت أن تزيد من اشتعال ذلك الغضب :
" فيه ايه يا ادهم هيحضني حضن اخوي ."
التفت لها أدهم وهو يقول من بين أسنانه بشر هامسًا :
" اسكتِ يابت بدل ما أنزل صف سنانك، قال يحضنك قال، حضنك قطر يا بعيدة ."
انتهى من حديثه وهو يستدير لانطونيو الذي كان يستمع بلا اهتمام وبملامح باردة، ونظرته توحي بشر قادم، لكن ذلك لم يساهم في تزحزح ادهم ولو خطوة واحدة وهو يقول :
"أنا لا اخافك يا هذا، حتى وإن أخرجت نيرانًا من عينك ."
اتسعت بسمة فبريانو الذي كان يشاهد ذلك العرض بكل استمتاع وعينه تتحرك على انطونيو حتى وصلت ليده التي حطت على سلاحه وقد بدى أن ذلك الشاب زوج هالفيتي استفز ابن عمه وبشدة .
لكن أدهم لم يتزحزح وهو يشعر بيد هالفيتي تربت على كتفه مرددة بدموع متأثرة :
" مكنتش متخيلة إن هيجي اليوم اللي تموت شهيد عشاني يا ادهم، طب تصدق والله لو عيشت بعد اللحظة دي لاعملك صينية المكرونة البشاميل اللي كان نفسك فيها ."
استدار لها أدهم يردد بسخرية وهو يدفع وجهها بعيدًا بغيظ :
"ابقي وزعيها على روحي يا بومة ."
وقبل أن يصدر من انطونيو أي ردة فعل سمع صوت يأتي من باب الشقة، صوت شاب ينادي امرأة، لم يكن ليهتم بالأمر لولا أن ذلك الاسم الذي نطقه الشاب جعل كامل جسده ينتفض وانتباهه بالكامل يتوجه للصوت .
كان كريم يقترب من شقة ادهم وهو ينادي مريم بصوت مرتفع بعض الشيء بلقبها المحبب له :
" رومـــا أنا عند أدهم ...."
وبمجرد أن انتهى من كلماته واستدار ليدخل الشقة وجد سلاح موجه على وجهه بشكل مرعب، رفع كريم يديه عاليًا بصدمة وعدم استيعاب :
" فيه ايه ؟؟؟؟؟؟"
__________________________
متنسوش اني بكرة هكون في معرض الكتاب باذن الله من الساعة ١٢ الضهر ...
وجميع رواياتي ماعدا لعنة الفراعنة هتكون هناك ..
يعني لو روحت هتلاقي جميع الروايات ( براءة ظلمه الجزئين / خرونس /مدرسة ميلر )
وكل ده في قاعة 2 جناح a33
لو روحت هناك أسأل عني وهما هيدلوك على مكاني ❤️
واللي مش هيقدر يروح المعرض يقدر يطلب اي رواية من رواياتي ( براءة ظلمه جزئين/ خرونس/ مدرسة ميلر / لعنة الفراعنة / لاجلك عزيزي البائس )
وكل ده تقدر تطلبه لأي مكان في مصر واتساب ..
01557072836
اشوفكم على خير بإذن الله ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل
*الفصل ده يعتبر بداية الأحداث والمغامرات اللي بجد، يعني ممكن نعتبر اللي فات مجرد تمهيد للي جاي .......*
*********
قال بعض السلف: "إذا زلزلت الأرض فإن ربكم يستعتبكم" فاللهم إنا نرجو عفوك ورحمتك.
اللهم اشف المصابين وارحم كل من ماتوا برحمتك الواسعة.
دعواتكم لكل شخص طاله أذى من الزلزال اللي حصل، اهلنا واخواننا في شرق سوريا، وجنوب تركيا.
صلوا على نبي الرحمة .....
_____________________
فتح كريم عينه بقوة وهو يدقق النظر في فوهة المسدس يحاول اخراج كلماته، فهذه هي المرة الأولى التي يرى بها سلاح حقيقي عن قرب لهذه الدرجة، وليس أي قرب بل أمام جبهته مباشرة ...
" هو فيه ايه ؟! أنتم ماسحين ولا ايه ؟! أنا كنت هقلع الجذمة والله "
كان كريم يتحدث ببلاهة وهي يتراجع خطوات قليلة، وما كاد يفعل حتى وجد يد انطونيو تمسك بتلابيل ثيابه وهو يصرخ بجنون :
" مالك وروما يا هذا ؟!"
أجابه كريم بعدم فهم وخوف من السلاح وداخله يحاول معرفة ما مشكلة هذا الرجل مع عاصمة ايطاليا :
" روما ايه ؟؟ أنا عمري ما خطيت روما والله، ولا خرجت من مصر و آخر مرة فكرت اسافر فيه اساسا الطيارة انقلبت بيا "
لم يفهم منه انطونيو شيء لكن اثار حفيظته تكرار كلمة روما في حديثه؛ لذا تشدق بالإنجليزية وبعنف شديد :
" وتتجرأ لتردد اسمها ؟!"
أجابه كريم سريعًا :
" مش فاهم ايه المشكلة؟ هو ممنوع ننطق اسمها ولا ايه ؟! ما أنا معرفش حضرتك، محدش بلغني، بعدين دي مدينة عادي، مظنش يعني لما حد بيقول القاهرة بنرفع عليه السلاح"
صمت وهو يبتلع ريقه يحاول أن يوضح حديثه لانطونيو :
" أعني أنا لا أدرك ما المشكلة التي تتعلق بالعاصمة الخاصة بك لتتصرف معي بعنف هكذا "
ضيق انطونيو عينه وهو يتحدث بشكل مثير للرعب :
" وما ادراك أنت بأمر العاصمة ؟!"
" وهو ده موضوع يستخبى برضو ؟! ادخل بس على جوجل واسأله ايه هي عاصمة ايطاليا هتلاقيه كاتبلك روما و..."
توقف عن الحديث وهو يرى نظرات انطونيو المخيفة :
" طب هي روما دي ليها معنى تاني عندكم غير العاصمة ؟؟ يعني هي شتيمة ولا ايه حكايتكم ؟! ما تروحوا تحلو مشاكلكم مع المجتمع الدولي وتغيروا اسمها "
نفخ جاكيري بحنق وهو ينظر لما يفعل أخوه والذي من المفترض أنه أكثرهم هدوءً وتعقلًا :
" انطونيو ما بك ؟؟ ألا يوجد بهذا العالم من تُسمى روما عدا زوجتك العزيزة ؟؟ دع الشاب وشأنه "
لكن انطونيو في هذه اللحظة لم يكن من التعقل الذي يسمح له بسماع حديث اخيه، يتذكر جيدًا صياح روما خلفه أنها تريد المجئ معه وهو من رفض لترمقه بحنق شديد، وعند سماع ذلك الشاب يتلفظ باسمها بهذا الشكل لم يطرأ على باله عدا أنها لحقت به وهذا الشاب أمامه يتحدث لها ....
جنون ؟! نعم جنون وتخيلات غريبة، وربط احداث اغرب، لكن شخص كانطونيو في غيرته وتملكه لروما، سيثير اسم زوجته من فم رجل آخر انتباهه وبشدة، ليلغي عقله ويحل مكانه صخره، ويصبح كما وصفه اليخاندرو سابقًا ( كائن بدائي عندما يتعلق الأمر بروما )
" اسمع يا رجل، لا أحد بهذا العالم يتعدى على حدودي الخاصة، وروما ليست مجرد حدود خاصة لي، بل هي أكثر من ذلك "
فتح كريم عينه بشدة وهو يحاول فهم تلك الكلمات الإيطالية المتقاذفة من فمه، لكن لم يصمت وهو ينتزع يد انطونيو من ثيابه متحدثًا بحنق شديد :
" أنت يا هذا تحدث معي بلغة افهمها ودعك مما تفعل، أنا لا ادري ما جنيته لتتعامل معي هكذا، لكن ما أعلمه هو أنني لن اقبل منك أن تتصرف معي بوقاحة كهذه أبدًا . "
انتهى كريم من كلماته وهو ينفخ صدره أكثر وأكثر، رافعًا رأسه حتى كادت رقبته تنفصل عن كتفه، بينما الجميع يرمقه بترقب قبل أن يعلو في المكان صوت صافرة خارجة من فم ادهم الذي أخذ يصفق لصديقه ويشجعه :
" بارك الله فيك يا ابو يوسف، كفيت ووفيت يا حبيب اخوك، هما الأجانب كده عايزين اللي يديهم على دماغهم بالجذمة، عشان يعرفوا بس إن مش كل الطير اللي يتاكل لحمه"
انتهى من حديثه وهو ما يزال يصفق بيده سعيدًا، قبل أن يسمع الجميع صوت رصاصة خرقت الأجواء ليصرخ ادهم وهو يضم زوجته له برعب ينظر حوله ليجد أن مصدر تلك الرصاصة ليس من انطونيو كما توقع، بل من ذلك الشاب الآخر الذي يتوسط اريكته بكل أريحية ....
ابتسم فبريانو بسمة جانبية وهو يحرك سلاحه بين يديه بعدما أطلق رصاصة لتهدئة الأجواء، ثم نهض وهو يتحرك صوب أدهم متحدثًا بجدية :
" أشعر أن حديثك يتضمن إساءة سيد ادهم "
اتسعت بسمة هالفيتي بقوة وهي تنظر لادهم مرددة بفخر بينما يدها تضرب كتفه بخفة :
" شوف الهيبة، عيني عليه باردة الواد زي العسل بالجاكت الجلد الأسود، عقبال ما اشوفك زيه يا ادهم "
نظر لها أدهم بتشنج :
" محسساني أنه لابس بدلة فضاء ليه؟! بعدين ايه المميز في الجاكت الجلد الاسود اللي مسكاه ليا من الصبح؟؟ "
" ايش فهمك أنت في اللبس؟! أنت مش شايف الطقم التيفال ده ؟! ده الاسود هياكل منهم حتة "
أنهت حديثه ثم اتبعته بحركة نتخسرة من شفتيها وهي تردف :
" مش لو كنت اتربيت معاهم كان زمان واحد فيهم اتجوزني من باب صلة الرحم حتى "
ولم تكد تنهي جملتها حتى وجدت ادهم يمسك ثيابها بشر وعينه تطلق شرارًا :
" احنا اتفقنا على ايه قبل كده يا ام فتحي ؟!"
نظرت له هالفيتي بريبة وهي تبتلع ريقها :
" إن إحنا نقلل نوتيلا ومخلل ؟!"
" لا قبل النوتيلا والمخلل، مش اتفقنا إن ربنا يتوب عليك وتبطلي تبصبصي لأي واحد معدي من قدامك "
هزت هالفيتي رأسها بنعم وهي تردد بضعف :
" حصل يا ادهم، بس ...بس أنت شايف بنفسك، الواحد ضعيف قدام كل ده، والنفس أمارة بالسوء يا ابو قاسم "
كاد أدهم يجيب لولا سماعه لصراخ كريم، استدار فجأة ليجد كريم يركض وهو يصرخ أن يساعده ويقفز على الأريكة وأمامه ذلك العملاق قريب هالي الذي يرمقه ببرود مثير للرعب دون حتى أن يحرك إصبعه، يصر أن يقتله وينتهي منه .
صرخ كريم في وجه ادهم :
" يا عم ما تشوف قريب مراتك المتخلف ده، هو عايز مني ايه؟! "
نظر له ادهم وهو لا يفهم شيء :
" يمكن شكلك معصبة يا كريم، طب جرب تقلع النضارة كده "
نظر له كريم بشر :
" وقته هزارك ده يا سفيه "
ضحك ادهم باستمتاع عليه وهو ينظر لانطونيو يحاول التحدث لأجل معرفة ما يريده، لكن قاطع ذلك صوت كريم وهو ينطق بتلك الكلمة التي أثارت غضب الثور مجددًا :
" روما ....."
________________
كانت تقف في مطبخها وهي تنتهي من وضع اللمسات الأخيرة على الطعام، حينما شعرت فجأة بصوت خطوات تقترب منها، ارتسمت على فمها بسمة واسعة وهي تحاول أن تتظاهر أنها غير منتبهة لتلك الخطوات التي تتسحب وفي رأسها تجهز نفسها لاستقبال مفاجأة زوجها لأجل عيد ميلادها.
أبعدت منة شعرها عن عينها تغلق النيران أسفل الأواني، ثم تنفست ببطء تتحفز لضمة شادي من الخلف أو حتى همسته بـ ( كل عام وانتِ بخير ) لكن وبعد انتظار دقيقة وتوقف صوت الخطوات عن التحرك، لم تحصل منة على شيء، رفعت حاجبها وهي تستدير ببطء وتنظر من اعلى كتفها لتبحث عن شادي وترى أين وصل في محاولته لمفاجئتها...
لكن كل ما رأته هو شادي الذي يقف أمام الثلاجة وهو يحمل طبق في يديه يتناول ما فيه بنهم وهو يرمقها باستنكار :
" أنتِ كنتِ نايمة ولا ايه ؟؟ بقالي ساعة واقف هنا وأنتِ مش بتتحركي "
شعرت منة في هذه اللحظة بأمالها تتحطم :
" أنت بتعمل ايه ؟؟ "
نظر شادي ليده بتعجب :
" بعمل ايه يعني، باكل رز بلبن لغاية ما تخلصي الغدا "
" بتاكل رز بلبن ؟! أنت بتهزر ؟!"
تعجب شادي حديثها، ليمد يده بالطبق أمام عينها التي امتلأت حسرة :
" لا والله مش بهزر، اهو رز بلبن، ده أنتِ اللي عملاه امبارح، بس المرة الجاية يا منة ابقي كتري مكسرات على الوش أنا بحبها اوي "
صمت وهو يرى ملامح زوجته تنقلب ١٨٠ درجة في لحظة واحدة، ليشعر بوجود خطب ما لذلك سارع في تصحيح ما قاله :
" بس هو عسل يا حبيبتي كفاية أنك أنتِ اللي عملاه"
نظرت له منة ثواني دون رد وهو صمت لا يعلم ما يجب قوله، ولا يدري سبب نظراتها تلك، لكنه لم يفعل سوى أنه اكمل تناول الحلوى أمامه لكن ببطء وتحفز، حيث كان يأكل وهو يثبت عينه على زوجته التي تحركت خارج المطبخ فجأة ودون مقدمات بشكل جعله يفتح عينه بعدم فهم ...
" هي كانت مخبية الطبق ليها وانا أكلته ولا ايه ؟؟"
ثواني وعادت منة للمطبخ وهي تمسك بورقة بين يديها تحتوي تاريخ اليوم ترفعها أمام عين شادي الذي كان ما يزال يتناول الحلوى بتعجب من أفعالها...
" انهاردة ايه يا شادي "
" انهاردة الحد "
" ايوة يعني ايه بقى ؟؟"
كانت تتحدث بتحفز والغضب يتقافز من بين احرفها، ليجيبها شادي بغيظ مما تفعل :
" يعني المفروض حضرتك تكوني طابخة ليا الرز والفاصوليا اللي بحبهم يا منة، ولحد دلوقتي واقف بصبر نفسي برز بلبن ومن غير مكسرات كمان"
ألقت منة الورقة ارضًا وهي تصرخ في وجهه :
" لا يا محترم انهاردة عيد ميلادي، عيد ميلادي اللي حضرتك نسيته خالص يا شادي "
فتح شادي عينه وفمه بصدمة كبيرة وهو يردد بذهول :
" عيد ميلادك ؟!"
أجابته منة بدموع وتأثر:
" ايوة يا شادي عيد ميلادي اللي أنت تجاهلته خالص ومفكرتش حتى تقولي كل سنة وأنتِ طيبة يا موني "
صاح شادي بحنق شديد :
" طب وده كلام يا منة، سيباني أكل الرز بلبن وانهاردة عيد ميلادك ؟! اجيب منين مكان للتورتة دلوقتي ؟!"
هنا وفاض الكيل لمنة التي صرخت صرخة واحدة في وجه شادي وهي تركض خارج المطبخ صارخة ببكاء :
" طب والله لاروح اقول لشادية يا شادي، عشان انت خلاص مدة صلاحيتك انتهت وبدأت تبوظ مني "
نظر لها شادي وهي تخرج ليصرخ في أثرها :
" ده سوء تخزين يا ختي "
صمت ثواني وهو ينظر لطبق الارز بلبن قبل أن ينتفض في وقفته صارخًا أثناء ركضه صوب الباب بعدما سمع صوت غلقه بعنف :
" لا منة اصبري متقوليش لشادية حاجة، بت اسرار بيتنا وعيلتنا يابت "
لكن كانت منة قد هبطت وانتهى الأمر ليركض خلفها شادي وهو يصرخ :
" استني والله كنت فاكر وبهزر معاكِ والله جبتلك هدية يا منة اصبري، هشرب سفن واهضم الرز بلبن تعالي بس ..."
___________________
في منزل ادهم كانت المعركة محتدمة بين كلٍ من كريم وانطونيو وادهم يحاول أن يدافع عن صديقه، في حين أن هالفيتي لا تدري ما يحدث وكذلك مريم التي جاءت لتعطي كريم هاتفه بعدما هبط ليطمأن على ادهم ...
" يا عم أنت متخلف ؟! ايه يا ادهم العيلة الهبلة اللي مناسبها دي ؟! "
كان كريم يصيح ويصرخ من أعلى الأريكة يحاول أن يفهم ما حدث، فبعدما هدأ انطونيو نسبيًا، انتفض فجأة بشكل جنوني جعل الجميع يرتاب منه ..
بينما ادهم كان ينظر لانطونيو بسخرية :
" اهو اللي حصل يا كريم يا خويا، أنا قولت اهي عفريتة اخرها مصباح واحبسها فيه لو عملت قلق، لقيتها دخلتني في مافيا وعصابات وشغل افلام اجنبية، ومش فاهم حصل أمتى وازاي ده كله، البنت كنت واخدها كل عيلتها متبرية منها ماعدا عمها "
اقتربت هالفيتي من جاكيري وهي تهمس له بصوت منخفض متجاهلة كل ذلك الصراخ والتحطيم حولها :
" بقولك يا اسمك ايه أنت، هو الطونيو عنده مرض نفسي ؟؟ مرات خالي مكانتش بتوكله فراخ وهو صغير ؟؟"
نظر لها جاكيري بعدم فهم لتسترسل هي بجدية :
" اصل خلي بالك العنف الزيادة ده بيكون ناتج عن قلة الحنان في فترة الطفولة، يعني ممكن تكون خالتي ام الطونيو كانت بتدي اخواته الورك وتديله هو الصدر "
حرك جاكيري عينه في المكان يحاول البحث عن فبريانو ليخبره ما تريده هالفيتي ظنًا منه أننا تتحدث في أمور هامة، بعدما نسي إحضار سماعة الترجمة الخاصة به معه، لكن كل ذلك لم يمنع هالفيتي عن إكمال حديثها والصرخات تعلو من حولها أكثر وأكثر :
" عندك أنا مثلا باخد أنا و الواد قاسم ابني الورك، ونأكل ادهم الصدر، عشان كده تلاقيه هو كمان معقد نفسيا ونرفوز، تخيل مرة قعد يزعق عشان جبت بخمسين جنيه حرنكش ؟؟ "
صمتت قليلًا ليتنفس جاكيري الصعداء وهو يظن أنها واخيرًا انتهت من الحديث والثرثرة،. لكن لم تستلسم هالي وهي تقول :
" تعرف إن شاكر ابو كريم اسمه حرنكش ؟! اصل شادية حكتلي أنه مرة وشاكر لسه شاب ...."
وهكذا لم تتوقف هالفيتي عن الحديث جوار أذن جاكيري الذي كان يحاول التقاط أي كلمة منها تخبره ما تريده، يشعر بالحيرة وهو يريد من يترجم له، فبالطبع هي تحتاج لشيء هام، فهي تتحدث منذ وقت طويل، هل يعقل أنها تحتاج مساعدته لشيء ما؟ !
فكر جاكيري وهو يلمح فبريانو الذي كان يراقب كل شيء ببسمة واسعة ينتظر الفرصة المناسبة حينما تهدأ الحرب، لينهض هو ويشعل فتيلها مجددًا .
تحدثت مريم وهي تقترب من الجميع تتوسط المكان بين كريم وانطونيو بشجاعة منقطة النظير :
" خير يا استاذ شايف نفسك علينا ليه ؟! ولا اكمنك بتبص للناس كلها من فوق فهتعملهم علينا ؟!"
صُدم كريم من شجاعة مريم اللحظية والتي أخذت تتراجع حينما وجدت رأس انطونيو تتحرك نحو وجهها .
نظر انطونيو لمريم ثواني قبل أن يبعد عينه عنها، ثم تجاهل ما يحدث وقد قابل بعينه تلك الروما وتأكد أنها ليست روما خاصته، فهذه هي نفسها الفتاة التي دخلت حينما نطق ذلك الشاب باسم روما، لكن كل ذلك لم يمنعه من رفع إصبعه بتحذير :
" اياك ونطق ذلك الاسم مجددًا بهذه النبرة المحببة "
كاد كريم يفتح فمه ليجيبه، لكن قاطع كل ذلك اندفاع شادي الذي اقتحم المكان بعدما سمع صراخ وشجار قادم من منزل ادهم، ليعتقد أن تلك العصابة من المشفى قد عادت، فأمسك العصى وتحرك نحو منزله ركضًا وهو يضرب الباب _ المفتوح سابقًا _ بقدمة ليرتطم في الجدار بقوة أكبر جعلت ادهم يفتح عينه بشر وصوت شادي يرن صداه في المكان ملوحًا بالعصى :
" فيه حاجة يا ادهــ "
ولم يكد يكمل جملته حتى وجد أربعة أسلحة تتوجه صوب رأسه دون مقدمات، مما جعل شادي يتراجع للخلف وهو يقول :
" فيه ايه يا باشا ده انا كنت جاي اصلح رجل الكنبة المكسورة، حتى أسأل ادهم "
لكن لم يهتم أحد بكلمات شادي ولم تتحرك الأسلحة من أمام وجهه مما جعله يصرخ برعب :
" يا ادهم قولهم اني معرفكش، ياباشا والله انا اساسا مش بطيقه، أنا بس كنت مصاحبه عشان سندوتشات اللانشون اللي كان بيجيبها في الحضانة، وابويا اساسا مش بيطيق حد فيهم ودايما يقولي يا شادي يا ابني سيبك من صحبة السوء دي "
انزل فبريانو سلاحيه مرددًا بجدية :
" حسنًا الأمر مرهق، أن تكون محاطًا بهذا القدر من الغباء لهو شيء مرهق وبشدة "
نظر شادي صوب شادية التي كانت تسجل كل شيء بهدوء شديد وبسمة واسعة :
" هما دول الشباب اللي خايفة على مستقبلهم مننا ؟؟ دول الناس البريئة اللي خايفة يختلطوا بالمجرمين ؟! بتصوري ؟! صوري صوري"
ابتسمت شادية باتساع وهي تسجل كل ما يحدث :
" يا خويا سيب الشباب تشوف شغلها، أنت مش شايفهم بسم الله ماشاء الله متألقين ازاي، كمل يا حبيبي كمل ربنا يباركلكم يارب "
صرخ شادي وهو يبتعد عن فوهة السلاح :
" يباركلهم ايه يا شادية ؟؟ هما بيطعموا مسكين، ولا بيكفلوا يتامى؟؟ دول رافعين سلاح على حفيدك"
صرخ كريم في المقابل بغضب شديد وهو يهبط من الأريكة يلوح بيده في الهواء :
" جرا ايه يا عم منك ليه، هو مفيش حد مالي عينكم ولا ايه ؟؟ أي بني آدم يدخل من الباب ترفعوا عليه السلاح، ولا كأننا داخلين نفجر نفسنا في السفارة"
نظر بعدها لادهم صارخًا:
" جرا ايه يا ادهم مش معاملة دي، ده احنا في بيتك حتى "
نظر أدهم للثلاثة ليرى ملامح الإجرام واضحة على الوجوه؛ لذلك تراجع وهو يقول ببسمة غبية :
" وبيتي وبيتهم ايه يا كريم ؟! ما هو بيت بنتهم برضو خليهم ياخدوا راحتهم، اتفضل ياباشا شوف شغلك ولو خلصت عليهم بدري أنا ممكن اروح اجبلكم سليم "
صاح شادي غير مصدقًا :
" تصدق يا ادهم أنك كل مادا بتسقط من نظري ؟ دي تاني مرة تبيعني فيها في نفس الأسبوع، أنا مشوفتش حد واطي قدك "
لم تصمت هالفيتي عن حديث شادي لتهب مدافعة عن زوجها بكل ما تمتلك :
" لا لو سمحت مسمحكلش، جوزي مش واطي ابدًا، هو ممكن يكون عصبي ورخم وأيده طويلة وقموص ومعندوش دم ساعات، بس عمره ابدا ابدا ما كان واطي "
حدق بها أدهم في سخرية :
" ياريتك كنتِ سيبتيني واطي على الأقل ارحم من كل ده"
تدخلت شادية في كل ذلك الحوار وهي تصيح بصوت مرتفع وغيظ :
" مريم اتحركي يمين شوية، كده الشاب ابو كوتشي ابيض مش باين "
مسح انطونيو وجهه وقد بدأت رأسه تؤلمه من كل تلك الأحاديث والضوضاء، لم ير في حياته جنون كهذا، هؤلاء الرجال يثيرون به كل خلاياه الإجرامية؛ لذلك ودون أن يشعر خرج منه صوت جهوري مخيف اصمت الجميع :
" فقط اخرسوا جميعكم ....."
_________________________
تجلس في الغرفة أمامه تراه منكس الرأس يفكر في حديث أبناء خالها منذ قليل، فبعدما أسكت انطونيو الجميع بدأ التحدث فيما يريد للانتهاء من كل هذا، ومنذ ذلك الحين وادهم يجلس بهذا الشكل يحاول الوصول لحل من أجل كل هذا .
" أدهم هو فيه حاجة ؟!"
خرجت جملتها مترددة مرتابة وقلقة، تشعر بوجود خطب ما، فادهم بهذه الملامح الشاردة لا يطمئنها، أضافت بتوتر :
" هو عندك مشكلة في السفر معاهم ؟!"
رأى ادهم توترها واضحًا في عينيها، ذلك التوتر الذي جعله يطيح بكل تردده داهسًا إياه دون اهتمام للعواقب، فإن كان الذهاب لجدها يعني لها كل ما يراه داخل مقلتيها، فهو مستعد لفعل كل ذلك دون تردد .
مدّ ادهم ذراعيه لها، لتندفع نحوهما هالفيتي دون تفكير وهي تدفن نفسها بين أحضانه مرددة بصدق :
" لو السفر دلوقتي هيسببلك أي مشاكل يا ادهم بلاها، أنا والله ما هزعل، اي وقت مناسب نسافر عادي "
نظر أدهم في عينها بحب يشدد من ضمه لها قبل أن ينحني مقبلًا وجنتيها بحنان :
" الوقت المناسب عندي هو الوقت اللي أنتِ تحبيه يا ام فتحي "
وكانت تلك قمة الرومانسية لها، أن يناديها بتلك الكنية يعني أنه ليس غاضبًا، فهي تعلم ادهم حينما بغضب يصرخ في وجهها باسم " هالفيتي" وكأنه يأبى أن ينطق بذلك اللقب التحببي في لحظات غضبه .
" وانا عشان كلامك ده يا ادهم مستعدة ارفض السفر حاليا أو نأجله "
" لا مش هنأجل حاجة، عيلتك ليها حق عليكِ وكمان جدك هيفرح اوي بفتحي مينفعش نحرمه منه أكثر من كده، أنا مش اناني "
وصوت داخلة انطلق راعدًا بسخرية لاذعة " كـــــاذب، بل أنت في هذه النقطة تحديدًا اكبر كاذب في هذا العالم" وقد كان كذلك بالفعل، هو اناني فيما يخص زوجته، فمنذ وافقت وأصبحت له ومعه، اعتاد رؤيتها في جميع أركان منزله ومعه، هو لم يخبرها ذلك سابقًا حتى لا تظنه مهووسًا، لكن حتى ساعات العمل يستثقلها ادهم لبعدها عن عينه ....
فاق ادهم من شروده على شعوره بضمة قوية ورأس ام فتحي تستقر أعلى كتفه بينما دموعها تبلل ثيابه مرددة بحب وصوت خافت :
" أنا بحبك اوي يا ادهم، بحبك اكتر من حياتي كلها "
وقد كانت تلك أقصى تعبيرات الحب التي استطاعت إخراجها في تلك اللحظة، كانت تلك أكثر الكلمات شاعرية التي مدها بها عقلها، وقد كانت أكثر من كافية لذلك الاحمق الذي يهيم في بحار عشقها دون سترة نجاة ....
____________________
في الخارج وفي نفس الوقت كان قاسم هو المُسكن الوحيد لجنون الاحفاد فوجوده في تلك اللحظة في الخارج كان سببًا كافيًا لمنع فبريانو من إخراج أسلحته ومنع انطونيو من ممارسة جبروته على الجميع .
لكن ذلك الهدوء من جهة الاحفاد لم يدم طويلًا فالبمقابل نشبت معركة حامية في ثواني قليلة ...
اقتحم شاكر منزل ادهم بجنون وهو يصرخ باسم شادية :
" أنتِ جبتِ اخرك معايا يا شادية، خلاص جبتي اخرك "
انتفضت شادية برعب وهي تركض لتختبأ خلف شادي وهي تنظر من أعلى كتفه لشاكر متعجبة غضبه، فهي منذ مجئ شباب المستقبل وهي لم تقترب منه أو تفعل ما يغضبه :
" جرا ايه يا شاكر هو حد جه جنبك دلوقتي ؟! أنا اساسا قربت انسى أنك عايش معانا هنا، لولا ريحة الحرنكش اللي مالية العمارة "
اشتعلت عين شاكر أكثر، ليرتعب شادي وهو يصرخ :
" ياست اسكتي شوية بتعصبيه اكتر، اهدي خلينا نشوف عملتي ايه يعصبه كده "
نظرت له شادية بغضب وهي تزيحه جانبًا تضرب كفيها في بعضهما البعض :
" جرا ايه يا شاكر أنت نسيت نفسك ولا ايه ؟؟ فوق ده أنت اخرك نبات صغير الحجم ردئ الطعم "
أحمر وجه شاكر وما كاد يتحدث حتى توقف كريم في المنتصف متحدثًا بجدية :
" أهدى بس يا بابا وقولي عملت ايه ؟؟ مش كل مرة تنزل وتفضل تزعق وتعمل كده ؟!"
نظر له شاكر بشر ليتراجع كريم بعض الشيء وهو يبتلع ريقه :
" أنا بقترح بس والله"
عايز تقتلها اتفضل بس استأذن عم عوض الأول عشان دي أمه برضو وممكن يمانع "
لم يهتم شاكر لحديث ابنه وأخرج سلاحه من جيب بنطاله لتشهق شادية ويفعل الجميع المثل، بينما جذب انطونيو قاسم يغلق عينيه متمتمًا بحنق وغيظ :
" ما هذا العنف؟! كيف يفعلون هذا أمام الأطفال بحق الله ؟!"
كان يتحدث مشيرًا بعينه لذلك الطفل الذي يسير بين الجميع يسقط وينهض مجددًا.
رفعت شادية يدها عاليًا برعب وهي ترى سلاح شاكر موجه عليها، ابتلعت ريقها تحاول أن تثير تعاطفه :
" كده يا شاكر يا بني ؟! بقى بعد كل السنين دي جاي ترفع عليا السلاح ؟! أنا شادية اللي كانت تعملك سندوتشات وعصير وأنت بتذاكر وابعتهملك مع الواد عوض، ايه كل ده نسيته؟! لو كنت نسيت ده كله فعلى الأقل يا اخي افتكرلي أني أول واحدة جريت عليك تشوفك كويس ولا لا بعد ما اتقلبت في عربية الحرنكش وبقى شكلك يعر قدام الكل "
وهكذا استطاعت شادية بكل مهارة أن تغير مزاج شاكر في ثواني قليلة، فبعدما كاد يهدأ، أشعلت غضبه مجددًا ليتحرك إصبعه نحو صمام الأمان الخاص بالمسدس وقبل أن يجذبه، وجد شادية تنحني في ثواني جاذبة حفيده تحمله أمام وجهها وكأنها بذلك تشهر له الراية البيضاء وهي تقول :
" نزل السلاح يا حرنكش واستهدى بالله، عشان يوسف ميشوفش جده وهو مجرم ومترباش "
ازداد غصب شاكر وما كاد يحرك يده حتى وجد الصغير يوسف يقترب بفمه من المسدس واضعًا إياه داخله يمتصه ظنًا أنه حلوى ...
ابتسم جاكيري بسمة جانبية وهو يردد أثناء تحديقه في فبريانو :
" ذلك الطفل الصغير يذكرني بأحدهم أثناء طفولته، كان السلاح هو لعبته المفضلة "
في ذلك الوقت وبينما الجميع كلٌ منشغل في أمره وشجاره، خرج ادهم وهالي إلى البهو لتردد هالي بفرحة وصوت عالي :
" احنا جايين معاكم ....."
_________________________
خرج جميع أفراد العائلة من القصر بعدما حزموا الأمتعة أمام الباب الداخلي في انتظار أن يتم وضعها في الحافلة بواسطة الرجال ...
ابتسمت رفقة وهي تجر حقيبتها خلفها، ويدها الأخرى ممسكة بيد روبين وهي تصرخ بحماس كبير :
" بسرعة بس عشان نلحق كراسي جنب الشباك "
ضحكت روبين وهي تزيد من سرعتها لتصعد تلك الحافلة الكبيرة التي قررت الفتيات البارحة أن يحضرنها، بدلًا من الذهاب في سيارات منفردة، هكذا تصبح الرحلة امتع بكثير .
بدأت الفتيات يصعدن الواحدة تلو الأخرى بسرعة كبيرة وحماس اكبر، عدا روما التي كانت تشعر ببعض الانقباضات الغير مريحة تمامًا داخل معدتها، تشعر بحركات الجنين وقد بدأ الإرهاق يظهر واضحًا على وجهها، لكن ما طمئنها أنها ما تزال في شهرها السادس فقط، هذا يعني أنه تبقى لها ثلاث شهور حسب ما أخبرتها الطبيبة آخر مرة ...
كان أول من لاحظ وجعها ذلك هو جايك الذي اقترب منها وهو يمسك بيد روز :
" ما بكِ روما ؟؟ أنتِ بخير ؟! هل انادي هايز لفحصك ؟؟"
هزت روما رأسها بلا تحاول التماسك :
" لا لا جايك أنا بخير لا تقلق، فقط بعض الانقباضات الطبيعية"
هز جايك رأسه بحسنًا، ثم نظر لحركتها الضعيفة تلك وتأوهها الذي حاولت أن تخفيه، ولم يملك سوى أن أعطى الحقيبة لروز ونظر لها نظرة عرفتها فمنحته بسمة صغيرة..
انحنى جايك قليلًا، ثم أمسك بيد روما وجعلها تستند عليه وهو يردد بحذر ولطف :
" هيا دعينا اساعدك "
نظرت له روما بامتنان وهي تحاول أن تسير ببطء شديد وقد استبد بها الألم، لكنها لم تهتم فهذا يحدث معها طوال الوقت، الفرق أن انطونيو ليس هنا الآن لتبكي بين أحضانه وتشتكي له أنها تعاني، ليضمها هو برفق مخبرًا إياها أنه هنا ولا بأس ستصبح بخير ....
سمع جايك صوت مايك من الخلف الذي انتبه لما يحدث :
" ماذا يحدث ؟! هل روما بخير ؟؟"
رسمت روما بسمة على وجهها بصعوبة :
" نعم نعم أنا بخير، لا تقلق مايك، فقط احتاج للراحة والتمدد والتحدث مع انطونيو وسأكون بخير "
ابتسم لها مايك، قبل أن يسير جوارها ببطء حتى يساعدهم إن احتاجت لشيء، وتسير لورا جواره وهي تنظر لروما بخوف ...
في نفس الوقت الذي خرج مارتن من المنزل وجولي تتمسك بذراعه في حب كبير وهي تردد بحماس كبير :
" ثم ستأخذني في جولة على ظهر الخيل، أنا من سيمتطيه وأنت تمسك بلجامه وتسير جواري كفارس نبيل"
ابتسم لها مارتن وهو يميل مقبلًا رأسها :
" سأفعل كل ما تطلبينه جولي، فقط نصل ولكِ كل ما تريدنه اميرتي "
نظرت له جولي بتأثر وهي تهمس :
" مارتن لا أعتقد أنه هناك من يمكنه تحملي في هذا العالم سواك أنت، لكم أنا محظوظه بعثوري عليك "
منحها مارتن بسمة عاشقة وهو يميل مقبلًا وجنتها بحنان ولطف شديد، ثم همس دون أن يبتعد وصوته يقطر عشقًا لا ينضب :
" هذا لأن لا أحد في هذا العالم سيعشقك كما أفعل بنية العينين "
" أنت يا رجل تجعلني أود البكاء تأثرًا الآن "
هكذا همست جولي بدموع بدأت تترقرق في مقلتيها، لكن وقبل أن يجيبها مارتن، أطلقت جولي صرخة فزعة وهي تنطلق كالرصاصة صوب روما :
" يا ويلي روما "
نظر مارتن بفزع صوب روما كما فعل الجميع بسبب صرخة جولي ...
تحركت هايز سريعًا من جوار آدم راكضة تجاه روما وهي تتحدث بخوف :
" ما بكِ روما ؟! هل تشعرين بأي وجع ؟!"
نظرت لها روما وهي تحاول تجاهل ما يحدث الآن بها :
" لا لا هايز أنا بخير، فقط اجعلي جولي تصمت عن الصراخ وسأكون شاكرة لكِ حقًا "
رمقتها جولي بحنق :
" كيف بخير ؟! أنتِ لا تسطيعين السير حتى "
" أنا بخير جولي، فقط ابتعدي من طريقي حتى اصعد الحافلة واجلس "
فعلت جولي كمان قالت روما وابتعدت لتصعد الاخير بمساعدة كلٍ من مايك وجايك، استقرت روما في مقعدها وهي تتنفس ببطء حتى تهدأ تلك الانقباضات .
صعد ماركوس الحافلة وهو يستدير لمساعدة فيور في ذلك بسبب ارتفاع الدرج المخصص للحافلة، حيث انحنى وضم خصرها جاذبًا إياها له، ثم منحها قبلة لطيفة مرددًا :
" ها نحن ذا "
ضحكت فيور وهي تتحرك صوب أحد المقاعد :
" بربك ماركوس لا تجعلني اشعر أنك تتعامل مع ابنة اخيك الصغير، هل تظن نفسك عمي ؟!"
غمز لها ماركوس :
" اولست كذلك ؟!"
ضحكت له فيور وهي تتذكر ذلك اليوم حينما صرخ في الجميع أنها ابنة أخيه الصغيرة، لكن فجأة انكحت ضحكتها وهي ترى الجميع متجمعين حول أحدهم، اقتربت لترى ما يحدث في نفس وقت صعود مارسيلو الذي كان يهتف بحنق :
" أما كان باستطاعتكم تأخير تلك الرحلة بضعة ساعات أخرى ؟!"
تحركت راسيل خلفه وهي تردد بحنق :
" يكفي مارسيلو، أنت لم تتوقف عن التذمر منذ استيقظت"
" هذا لأنني لا أحب أن يوقظني أحد، بل افضل أن استيقظ وحدي بعدما أنال كفايتي من النوم "
نفخت راسيل بسخرية وهي تجذب أكمام ذلك الفستان الصيفي والذي يلائم أجواء المزرعة كما أخبرها مارسيلو :
" وكأنك تكتفي من النوم "
اقترب منها مارسيلو حد الالتصاق هامسًا :
" فقط أمام عينيكِ راسيل، هذا هو الوقت الوحيد الذي يجافيني فيه النوم "
ارتسمت بسمة خجلة على فم راسيل وهي تهم برد تلك الجملة، لكن فجأة توقف الحديث على بداية فمها حينما سمع الجميع صوت صرخة عالية قادمة من احد المقاعد ....
" انطونيو ليتصل أحدكم لانطونيو الآن......."
____________________
يقف الجميع أمام مقدمة البناية يودعون ادهم وعائلته بعد ساعات من الصياح والصراخ، والتذمر من جهة شادية وذلك لرفضهم اخذها معهم ..
رددت الأخيرة بحنق :
" مش فاهمة كان هيجرى ايه يعني لو جيت معاكم ؟! ده انا كنت هدفع نفرين "
نفخ شادي بحنق :
" نفرين ايه بس يا شادية هما طالعين جمصة، دول مسافرين في طيارة يا حبيبتي "
رفعت شادية حاجبها باستنكار لحديث حفيدها :
" مش فاهمة ايه يعني طيارة ؟! يعني مش بيدفعوا فيها يعني ؟! أنا كنت هاخد كرسيين جنب بعض "
صمتت قليلًا وهي تغمز للثلاثة :
" إلا لو واحد من الثلاث قطع المستوردة دي كان حله. أي تاني "
تحدث ادهم وهو يتحرك بالحقيبة صوب السيارة :
" خلينا محمد ربنا أن التلات قطع المستوردة دي مش فاهمة أنتِ بتقولي ايه يا شادية "
تجاهلته شادية تمامًا وهي تخرج هاتفها مقتربة من جاكيري :
" بقولك ايه يا عسل ما تجيب اكونت الانستا بتاعك أو الفيس اعملك متابعة وتعملي متابعة ونتكلم بليل والجو هادي خالص والدنيا هوص هوص "
شعرت شادية بشخص يجذبها من الخلف وصوت ابنها يخرج حانقًا :
" يا امي مش كده، دول في سن احفادك "
" يا ابني سيبني اشوف حياتي بقى مش كفاية ضيعت شبابي عليك، عايز تضيع الباقي من عمري جنبك ؟؟ "
اقترب كريم من ادهم يعانقه بقوة مودعًا :
" متتأخرش علينا يا ادهم، الحارة مش هيكون ليها طعم من غيرك "
بادله ادهم العناق وهو يبتسم له بحب :
" متخافش هو كام اسبوع ام فتحي تشوف عيلتها وهنرجع تاني "
سحب سليم ادهم من بين احضان كريم إلى خاصته :
" هتوحشني يا صاحبي، مش هلاقي حد يقاسمني فلوس الفطار كل يوم في المستشفى "
ضحك ادهم بصخب :
" يبقى هات فطار مع سامي "
اقترب شادي يودع رفيقه وهو يضمه بقوة هامسًا :
" مش هوصيك يا صاحبي "
" متقلقش يا شادي هاخد بالي من نفسي "
" يا عم ما تولع انت"
نظر حوله ثواني بريبة ثم همس لادهم بجدية كبيرة:
" أنا عايزك تجبلي شوية ارقام لكام بنت ايطالية حلوة كده، دلع اخوك لاحسن بقالي سنين عايش في تقشف، مش هوصيك بقى الشقرا والحمرا وشكل ليا شوية حلوين كده، قولهم إن صاحبك قمر ومسمسم"
ضحك ادهم وهو يزيحه بعيدًا عنه :
" طب وده كلام برضو يا شادي، امال منة يا حبيبي بتعمل ايه ؟! اخرتها إيطاليين ؟!"
رمقه شادي بتحذير وهو يردد من بين أسنانه :
" يا اخي ملكش دعوة، أنا عايز انمي الايطالي عندي، ما اخدتوش من ايام الثانوي ومدام نادية، وحاسس اني بدأت أنساه "
تحدث شاكر وهو يربت على كتف ادهم :
" خد بالك من نفسك ومن عيلتك يا ادهم وابقى طمنا عليك يابني "
" والله يا شاكر أنت اللي تاخد بالك من نفسك، لاحسن أنا خايف امشي وارجع الاقيك أنت وشادية مخلصين على بعض "
ضحك شاكر بقوة مرددًا وهو يعانقه بحب :
" ارجع أنت بس بخير ووقتها يبقى نشوف هنعمل ايه، أنا هعمل هدنة مع شادية لغاية ما ترجع "
أنهى حديثه وهو ينظر لشادية التي كانت تقف جواره انطونيو وهي تردد بجدية :
" Just call me, after 12 pm, when my son sleep, so we can speak alot "
أنهت تلك الجملة التي عكفت على حفظها طوال الساعة الماضية حينما كان يتجهز ادهم وعائلته للرحيل، حتى أنها لم تكلف نفسها للتأكد إن كانت الجملة صحيحة أم لا، بينما انطونيو رفع حاجبه وهو يتحدث بالايطالية :
" لا اعرف كيف اقول هذا، لكن بالنظر لما تفعل تلك العجوز، بدأت افتقد سلين حقًا."
لكن شادية لم تكن تستوعب ما يقول ولم تهتم بما يقول، بل كان كل انتباهها منصب على الهاتف الذي تقرأ منه باقي جملتها غامزة بها :
" Don't forget suger"
جذب شادي جدته بحنق شديد وهو يردد من تحت أسنانه :
" هو ايه اللي مينساش السكر ده يا شادية، هو أنتِ باعتة ابن اختك السوبر ماركت ؟!"
جذبت شادية ذراعها من شادي بحنق :
" طالما مش بتفهم في الانجليزي متفتيش، أنا بقوله متنساش يا سكر، مش متنساش السكر يا غبي"
فتح شادي فمه ببلاهة شديد وصوت والده في الخلف يصدح بغيظ :
" أمسك جدتك يا شادي لاحسن تهرب معاهم وتجبلنا العار، يارب الاحق على مين ولا مين بس "
أطلق شاكر ضحكات عالية وهو يحاول أن يتمالك نفسه، لكن ما يحدث امامه كان أكبر من قوة تحمله؛ لذلك استند على الجدار خلفه وهو يحاول التماسك :
" ده الراجل لو بينطق عربي كان سبّلك يا شادية "
رمقته شادية بحنق وغضب :
" والله محدش قالك تحشر نفسك في كل حاجة يا شاكر، فوق أنت حرنكش مش ملح عشان تدخل في كل حاجة "
اشتعل غضب شاكر وهو يعتدل في وقفته وما كاد يفتح فمه حتى سمع صوت حفيده الصغير يجذب قدم البنطال الخاص به وهو يردد ببراءة :
" جدو حرنش "
هنا وفاضت كؤوس صبر شاكر الذي اندفع صوب شادية يصرخ بجنون :
" حتى حفيدي يا ولية يا مفترية، حتى حفيدي يا شادية، والله لاخلص الناس منك "
أطلقت شادية صرخة مرتعبة وهي تحاول الركض والاختباء من أمام أنظار شاكر بينما صيحاتها تعلو في المكان طالبة النجدة :
" Help me suger, help me، kill حرنكش"
أخرج جاكيري سلاحه وهو يركض خلف الاثنين صارخًا :
" خذ سلاحي، هو ملئ بالرصاصات "
كانت هالفيتي في ذلك الوقت تحمل الصغير قاسم وهي تنظر لما يحدث مرددة :
" هو ممكن نستنى لما ناخد عزا شادية ولا مستعجلين ؟!"
نظر لها أدهم بصدمة من حديثها لتبرر له هالفيتي :
" ده مهما كان بينا عيش وملح يا ادهم، دي هي اللي ربتك "
قاطع كل ذلك الحديث رنين هاتف أنطونيو الذي انكمشت ملامحه بتعجب وهو يبصر رقم جايك، فهو حدّث الجميع منذ ساعتين تقريبًا مخبرًا إياهم أنه على وشك العودة وسيصل في الصباح التالي، لكن رغم ذلك اجاب انطونيو وهو يحاول الابتعاد عن تلك الضوضاء يبصر عودة جاكيري بعدما فشل في اللحاق بالعجوز والرجل الذي يركض خلفها .
فتح انطونيو فمه للتحدث، لكن اوقف الكلمات على باب فمه صرخات شقت صدره جاعلة إياه يفتح عينه برعب كبير وصوت صراخ روما يكاد يصم آذانه، وصله صوت جايك يردد بخوف :
" اخي روما ليست بخير، نحن الآن في طريقنا للمشفى، وهي ترفض فعل شيء في غيابك، لا تتأخر ارجوك "
شعر انطونيو في تلك اللحظة بضربات قلبه تتصارع داخل صدره، انتشر الرعب بين أوردته حتى شحب وجهه، صرخات زوجته تتردد في أذنه وهو ليس معها، تتألم وتتوجع وهي وحدها .
كاد انطونيو يتحدث لولا سماعه لصرخة أخرى من فم روما :
" لا، أنا بخير فقط أحضروا انطونيو، أنا بخير، أنا بخير، فقط أريده جواري، أنا بخير انطونيو "
كانت تردد تلك الكلمات من بين صرخاتها وانفاسها اللاهثة تصل لانطونيو واضحة، بينما الأخير وكأنه شُلّ، لا يشعر بشيء حوله ولا بأن أنظار الجميع أصبحت متوجهة له ..
شعر انطونيو بهزة من يد فبريانو وهو يتحدث بريبة:
" ما بك انطونيو لِمَ وجهك بهذا الشحوب ؟! هل حدث لأحدهم شيئًا ؟!"
ابتلع انطونيو ريقه وهو يبحث بعينه عن جاكيري الذي كان يساعد ادهم في وضع حقائبه داخل السيارة، تحرك له بأقدام متلهفة وهو يجذبه بعنف مخيف من تلابيب ثيابه يردد بقوة واعين زائغة جعلت جاكيري يتعجبه :
" هل تستطيع التحليق بالسيارة جاكيري ؟؟؟؟؟؟؟"
___________________
وهذه فقط كانت البداية ..........
رأيكم في الأحداث ..
اتمنى الفصل يكون خفيف على قلوبكم، ومتنسوش دعواتكم للجميع بالخير ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل
الفصل اهداء لكل اخواتنا في سوريا، كان الله في عونكم، رحم الله شهدائكم، وشفى الله مرضاكم، ونجى الله فقداكم ...
ربنا يلطف بيكم جميعًا وينجيكم من كل سوء ❤️
دعواتكم لهم بالخير وإن المحنة تعدي بخير ....
صلوا على رسول الله
_____________________
ارتفعت صرخات روما لتصم آذان الجميع، قاذفة في قلوبهم رعب كبير عليها، تناقل الكل نظرات قلقة مما يحدث، ولم يستفق ايًا منهم إلا على صوت اليخاندرو الذي صعد للحافلة بسرعة وخوف بعدما سمع الصرخات .
" ما الذي يحدث هنا ؟؟ روما بنيتي ما بكِ ؟!"
بكت روما وارتفعت أصوات شهقاتها في السيارة كلها وهي تصرخ :
" أنا ألد الآن، أحضروا انطونيو أريده الآن"
نظر جميع الرجال لبعضهم البعض بفزع ولأول مرة يقفون بهذا العجز أمام أمرٍ ما، لطالما تولوا أمورهم بكل يسر وسهولة، وما لم يستطعيوا توليه كانوا ينتهون منه بكل بساطة، لكن الآن ماذا ؟!
صرخ اليخاندرو في أحفاده والجميع المترقب :
" ليتحرك أحدكم ويقود تلك الحافلة اللعينة صوب أي مشفى، وأنتِ هايز بحق اللهم اولستِ طبيبة ؟!"
نظر الجميع لهايز لتشعر الأخيرة بأنها تحت المجهر وتهمس بتوتر :
" نعم ...نعم جدي، لكن ...لكن أنا لستُ طبيبة نساء، أعني أنا بالطبع اعلم كل الامور الطارئة التي تخص هذه الحالات لكنني لستُ متخصصة بها، هذا تخصص آدم "
تحركت جميع الأنظار مجددًا صوب آدم الذي قال بصراخ ينافس صراخ روما :
" لا تنظروا لي هكذا، من سيضمن لي أن احتفظ برأسي إن علم انطونيو ؟!"
صرخ اليخاندرو بصوت مزلزل لأول مرة يسمعه الجميع، فلطالما كان هذا الرجل كالجبل لا يهتز، ولا يوجد ما يمكنه أن يثير غضبه أو يصل به لهذه الدرجة من الغضب :
" تبًا لك ولذلك البدائي انطونيو، تحرك وانظر ما بها زوجة أخيك، وأنت أيها الكوالا الاحمق، أفق وقُد السيارة صوب اول مشفى تراها عينك الكسولة تلك "
تحرك مارسيلو سريعًا صوب مقود السيارة يتوسط المقعد وهو يقول بصوت عالي :
" حسنًا اربطوا جميعًا الأحزمة "
ورغم أنه لم يكن كجاكيري ولم يصل لنصف ما وصل له جاكيري في قيادته لأي شيء بعجلات، إلا أن مارسيلو هو الامهر في القيادة خاصة إن كانت الطرق مليئة بالعوائق والازدحام، بعد جاكيري بالطبع ..
تحركت الحافلة بسرعة حذرة تحت تعليمات اليخاندرو الذي كان يربت على خصلات روما وهو يحدثها بحنان، بينما آدم بدأ يفحص روما بعدما ابتعد جميع الرجال وبقيت فقط الفتيات هن من يحطن بهم، وآدم يركز جيدًا وهو يسأل بجدية وعملية :
" في أي شهر أنتِ روما "
أطلقت روما صرخات عالية وهي تحاول تذكر ما يريده، لكنها كانت ابعد ما تكون عن الإجابة أو التفكير الآن؛ لذلك سارعت رفقة وقالت باهتمام :
" لقد بدأت في شهرها السادس منذ أيام قليلة "
اعتدل آدم ونظر لها بتعجب :
" السادس ؟! لا عجب أنني لا أرى أي بوادر لبدء الولادة "
صرخت به روما بغضب ووجع :
" ماذا تقصد ؟! أنا أموت هنا وأنت تخبرني أنني لا ألد ؟! هل هذا تدريب على الولادة أم ماذا ؟!"
لم يجبها آدم وهو يأمرها أن تتنفس ببطء وتتبع تعليماته، لكن كل ما حصل عليه هو سباب وصرخات من روما تخبره أن يجعلها تلد الآن، لكن آدم لم يفقد هدوءه أو صبر أو يهتم بكل تلك الصرخات وتعامل مع الأمر من منظور عملي بحت :
" هذا ليس موعد ولادتك روما، تقبلي الأمر، لا يمكنني أن اجبرك على أن تلدي الآن، هذه فقط انقباضات رحم عنيفة وللحق خطرة على الجنين؛ لذلك نحتاج أن نسرع للمشفى حتى يتم عمل بعض الأشعة، ونرى كل الأسباب المؤدية لذلك "
فتحت روما عينها بصدمة وهي تنظر له، ثم حركت عينها لاليخاندرو :
" جدي أخبر ذلك الاحمق أن يخرج طفلي الآن، أنا ألد اقسم أنني أشعر بذلك، ذلك الابله لا يفقه شيئًا، من أين حصل على شهادة الطب خاصته، هذا طبيب من وقف التنفيذ "
اعتدل آدم في جلسته وهو يقول بحنق وصراخ :
" حقًا ؟! من منا الطبيب هنا يا سيدة ؟! أخبرك أنكِ لا تلدين وكل هذه انقباضات عنيفة في الرحم، تقبلي الأمر ولا تشككي في قدراتي، فأنا حصلت على شهادة معتمدة من جامعة ألمانية و...."
قاطعته روما وهي تصرخ بجنون :
" هل تتباهى امامي بشهاداتك الآن ؟! أتراني في موقف يسمح لي باستيعاب ما تقوله ؟؟ لا يهمني كل ذلك، كل ما يهمني أنك احمق آدم "
" أحمق لأنني أخبرك أنكِ لا تلدين؟! بحق الله أي امرأة تلك من تنجب في شهرها السادس من الحمل ؟!"
نظرت له روما ثواني وهي تتنفس بعنف قبل أن تنفجر فجأة في البكاء صارخة :
" اريد انطونيو الآن"
نظرت راسيل بحنق لادم وهي تصيح معنفة :
" انظر ماذا فعلت آدم ؟؟ اجعلها تلد ولا تكن لئيمًا ؟؟"
رمته جولي بنظرة استنكار :
" أنت يا فتى من اعطاك شهادة الطب ؟؟ أنت جزار تستمع بعذاب الفتاة، هي تريد أن تلد الآن، اجعلها تلد ولا تغضبها "
نظرت له روبين ثواني وهي تريد البكاء بسبب كل ما تراه لتتحدث من بين دموعها لرفقة :
" هما بيقولوا ايه انا مش لابسة السماعة ولا فاهمة حاجة، روما بتموت ولا ايه ؟!"
نظرت رفقة للجميع بغباء :
" لا بس روما عايزة تولد دلوقتي وادم مش موافق "
انكمشت ملامح روبين بحدة :
" وهو ميوافقش ليه ؟! هو ماله اساسا "
رفعت رفقة حاجبها بصدمة من غباء الجميع :
" يمكن عشان لسه مش وقت ولادتها مثلا ؟؟"
وقف آدم على قدميه وهو يصرخ بجنون في الجميع حوله :
" هل انتن حمقاوات ؟! بحق الله هي مازالت في بداية الشهر السادس أعضاء الطفل لم يكتمل نموها بعد، هل سمعتن بامرأة تلد في شهرها السادس ؟! هل تم استدال عقولكن باحذية عفنة ؟!"
نظرت جميع الفتيات لبعضهن البعض قبل أن يفقيوا جميعًا على صوت صرخات روما التي علت مجددًا بوجع :
" أين انطونيو ؟؟ لِمَ تأخر ؟! أخبروه أن يحضر الآن وإلا سانهض الآن وأخذ معي طفلي ولن يرى وجهي مجددًا "
رمقتها رفقة بسخرية وهي تدفعها برفق لتتمدد على المقعد مجددًا :
" يا ستي بس اسندي طولك واقفي الاول وبعدين اهربي "
استدارت لها روما بعنف وهي تصرخ :
" ماذا قلتِ ؟! لقد سمعتك، لقد قمتِ بسبي للتو صحيح ؟؟ لأن زوجي ليس هنا تكالبتم جميعكم عليّ، بداية بـ آدم وحتى مارتن، جميعكم تتكالبون عليّ "
سمع مارتن اسمه والذي كان يقبع في مقدمة السيارة مع باقي الرجال يعطون ظهورهم لما يحدث :
" وما شأن مارتن الأن فيما يحدث ؟! هل أنا من امنعك من احضار طفلك ؟! أنه آدم، رجاءً لا تضعيني في مشاكل مع زوجك، أنا أيضًا اريد أن أرى طفلي "
مسح اليخاندرو وجهه وهو يحاول أن يتماسك قبل أن ينهض ويقتل الجميع، ارتفعت صرخته بغيظ :
" مارسيلو أين نحن الآن ؟؟"
فجأة توقفت السيارة بعنف بشكل جعل جايك ينقلب على وجهه، ليسقط على مارسيلو حيث كان يقبع جايك خلف الاخير مباشرة ..
صرخ مارسيلو وهو يبعد جسد جايك بعيدًا عنه بصعوبة مرددًا من اسفله وهو يرفع إبهامه :
" وصلنا ...."
_________________
ضغط على أكتاف أخيه بعنف وهو يردد بقوة :
" أريد أن أصل للبلاد في ساعة واحدة فقط، هل سمعت ما اقول ؟! "
أجابه جاكيري بكل هدوء وبساطة مبعدًا يده على كتفه :
" نعم نعم سمعت، فقط اتركني لإحضار عصاي السحرية من السيارة وسوف اجعلك تصل البلاد في دقائق إن أردت "
ضرب انطونيو السيارة بقدمه مُحدثًا صوتًا قوي جعل الجميع ينتفض برعب للخلف من بينهم هالفيتي التي اختبئت في ادهم، وصوت انطونيو كالرعد بينهم :
" هل تمازحني ؟! اتراني في حالة تسمح لي بالمزاح ؟؟"
أجابه جاكيري صارخًا بالمثل في وجهه :
" إن كان هناك من يمزح هنا فهو أنت انطونيو ؟! تطلب مني اختصار رحلة مدتها ثلاث ساعات تقريبًا في ساعة واحدة، لو أنني سأعبر من خلال ثقب زمني لن أصل بهذه السرعة "
ازداد غضب انطونيو حتى بلغ ذروته لترتفع يده هابطة على وجه أخيه بلكمة عنيفة أدت لتراجع جسد جاكيري للخلف، وضع الأخير يده على وجهه وهو يحاول تمالك غضبه مرددًا ببسمة :
" حسنًا اخي أنت الكبير ولك احترامك و..."
وقبل أن يكمل كلمته كانت قبضته تهبط فوق وجه انطونيو بعنف يوازي عنف الاخير وصوت يصدح في المكان :
" تبًا لك "
وهنا واشتعل القتال بين الإثنين، انطونيو يقاتل ليفرغ كل ما به من غضب حتى يستطيع السيطرة على نفسه، وجاكيري يقاتل ليدافع عن نفسه، بينما فبريانو لم يستطع أن يقف مكتف الأيدي وهو يرى اخوته يتشاجرون بهذا الشكل؛ لذلك اندفع بينهم يلكم انطونيو وجاكيري بحدة ثم صرخ :
" توقفا عن القتال "
نظر له انطونيو ثواني وهو يتنفس بعنف يحاول أن يعود لطبيعته، نظر حوله ليجد أن الجميع يتابع ذلك القتال ببلاهة كبيرة وافواه مفتوحة ولا أحد يفهم، كيف في ثواني قليلة فقط اشتبكا بالأيدي، هؤلاء الأشخاص لا شيء اسهل عندهم من القتال، أو ربما هذه إحدى طرق التعامل عندهم ...
مسح جاكيري وجهه وهو يتحسس فكه بحنق وغضبه يتصاعد :
" أتعلم شيئًا، سوف آخذكم هناك في عشر دقائق، أما هذا أو نذهب جميعًا لخالقنا، اصعدوا للسيارة "
وبهذا الشكل أوضح جاكيري ما ستكون عليه الأمور، صعد انطونيو سريعًا للسيارة وهو يشير لادهم وهالفيتي بالصعود، وكذلك فعل فبريانو ..
استقر جاكيري في مقعد السائق يجاوره انطونيو وفي الخلف فبريانو وهالفيتي وادهم الذي يضم الصغير بين أحضانه، يسمع همسات زوجته بالشهادة ولا يفهم شيئًا:
" مالك يا ام فتحي بتترعشي كده ليه ؟!"
أشارت هالفيتي بعينها على جاكيري وهي تردد :
" اسمه ايه ده هو اللي هيسوق "
رفع ادهم حاجبه بعدم فهم لما تقول وما كاد يتحدث بكلمة حتى ارتفعت كلمات فبريانو الذي ربط حزام الامان بقوة :
" من الأفضل أن تغلق حزام الامان عليك وتتمسك بالصغير فلا نريد أن يقتلنا جدي إن حدث له شيء "
رمقه ادهم بعدم فهم، لكن وقبل أن يجيبه وجد الصغير يطير بقوة مندفعًا للامام لولا يد انطونيو التي أمسكت به، لكاد يخترق الزجاج الأمامي للسيارة، بينما ادهم التصق وجهه بمقعد انطونيو وهو لا يعي ما حدث، ففي ثواني شعر بقوة تدفعه للامام ...
ضم انطونيو قاسم بين أحضانه وهو يقبل رأسه متحدثًا بلطف له متجاهلًا أن الصغير لا يفهم كلمة مما يتحدث :
" حسنًا حبيبي لنتجنب أي أضرار لي ولك، تمسك بالخال انطونيو "
لكن قاسم في تلك اللحظة كان يعيش أحد أحلامه الطفولية بالطيران وهو يشعر بالهواء يصطدم بوجهه في قوة كبيرة وضحكاته تعلو بصخب واستمتاع رافعًا يديه للأعلى وهو يستقبل كل ذلك الهواء على جسده بحماس .
وفي الخلف كان ادهم يرفع يده كذلك الأمر، لكن ليس استمتاعًا، لكن استغاثة، كان يحاول أن ينهض، لكن كلما تحرك خطوة وجد السيارة تقفز بقوة معيدة إياه حيث كان، بينما هالفيتي على مقعدها تلطم وتصرخ وتولول كما لو فقدت عزيزًا :
" هنموت كلنا ...هنموت كلنا "
تأتأ فبريانو بهدوء شديد :
" لا هالي احنا قولنا ايه ؟؟ قولنا محدش بيموت من سواقة جاكيري ....على الأقل حتى الآن محصلتش يعني "
والأخيرة لم تستوعب شيء وهي تلطم وجنتيها أكثر:
" اديه هيعملها اهو، الراجل اتشفط تحت الكرسي ومطلعش من وقت ما ركبنا"
تحدث فبريانو بهدوء مع تلك الغبية التي لا تستوعب ما يحدث وأنه يحدثها الآن بالعربية :
" هيكون كويس متقلقيش "
لوحت هالفيتي بيدها حانقة :
" كويس ايه بقولك اتشفط، وده نجبله فرقة إنقاذ ولا سمكري سيارات عشان يطلعه ؟!"
كانت تتحدث وهي تبكي وتندب ما يحدث لزوجها الذي كان جسده يتحرك في أرجاء السيارة بقوة وكلما فكر في التمسك بشيء للنهوض ازدادت سرعة السيارة أكثر .
لكن توقف السيارة بشكل مفاجئ للجميع جعل ادهم يطلق زفرة راحة طويلة وهو يخرج يده بصعوبة ليتمسك بأي مقعد، يسمع صوت يتحدث بالايطالية في الامام ...
وقد كان ذلك صوت جاكيري الذي توقف بالسيارة وهو يهز رأسه بعدم رضا :
" لا لا أشعر أن الأمر ليس ممتعًا، أنا لا أستطيع أن أقدم افضل ما عندي، هذا الأداء ضعيف للغاية، هناك ما ينقصني "
نظر له انطونيو بحنق وشر وعلى يده يجلس قاسم الذي كان يرمق جاكيري بنفس النظرة الحانقة بسبب توقف الهواء القوي الذي كان يضرب وجهه، ولم يهتم جاكيري بكل هذا وهو يفكر ما الذي تسبب في ضعف أداءه بهذا الشكل، ثواني معدودة فقط قبل أن تقع عينه على المذياع ليبتسم وهو يردد بحماس :
" نعم الموسيقى الحماسية، كيف فاتني الأمر بحق الله ؟!"
وبمجرد أن صدحت الموسيقى في السيارات حتى بدأ جاكيري يهز رأسه باستمتاع ويضرب كفيه ببعضهما البعض، قبل أن ينطلق مجددًا بسرعة أكبر جعلت أدهم يطلق صرخات عالية من الأسفل :
" وقف عشان يشغل اغاني، عايز يموتنا بمــــــزاج"
أمسكت هالفيتي يده بقوة حتى لا يُسحب أسفل الأريكة الخلفية مجددًا ويفقدون أثره:
" قاسم يا ادهم ابني فين ؟!"
" فتحي قدام مع ابن خالك الطويل الاهبل "
كان ادهم يتحدث بغضب وهو يحاول الاعتدال بينما فبريانو يجيبه ببرود :
" انطونيو لن يحب ذلك اللقب "
أجابه ادهم بغضب :
" إن شاء الله عنه ما حبه، يعني احنا اللي حابين الوضع ده ؟؟ لا صحيح ومضطرين نستحمله عشان ابن عمك المختل "
ارتفعت صوت ضحكات قاسم من الامام وهو يصفق بسعادة بينما والديه في الخلف يصرخان بالمقابل ....
لتكون مقولة ( أن الجهل بما يحدث احيانًا، أفضل من إدراك كل شيء حولك ) هي اصدق مقولة في تلك الحالة
دقائق أخرى وتوقفت السيارة ليتنفس الجميع الصعداء ويبدأون في الهبوط، وكان أول شيء فعله ادهم حينما هبط، هو أن سجد لله شكر وأخذ يشكر ربه أن نجاه ...
بينما هالفيتي كان جسدها يتحرك بشكل عشوائي وكأنها على وشك السقوط وهي تكرر بعدم تصديق :
" أرض صلبة ....أرض صلبة "
هبط انطونيو من السيارة وهو يضع نظارته على عينه بكل هيبة ثم انزل قاسم وأمسك يده يشير صوب الطائرة التي تتوقف بالقرب منهم مرددًا بالإنجليزية :
" حسنًا لنتحرك جميعًا، اذهب جاكيري واعد الطائرة للاقلاع "
راقب الجميع جاكيري وهو يغلق سحاب سترته متحركًا صوب الطائرة ببسمة سعيدة مختلة جعلت ادهم ينظر لهم وهو يفتح عينه برعب مرددًا ببسمة قلقة :
" خير ابن عمك قال للاستاذ اللي مشي يروح يجهز الطيارة عشان الاقلاع، ايه هي الطيارة مركونة من فترة وهو رايح يسيقها وينفضها ولا ايه ؟!"
ابتسم فبريانو بسمة جانبية يستمتع بما يحدث وبشدة قبل أن يهمس بخبث :
" لا تقل أنني لم أخبركم ؟!"
نظرت هالفيتي له بخوف وهي تردد :
" ادهم هو بيبتسم زي الاشرار اللي في الافلام كده ليه ؟!"
ابتلع ادهم ريقه وهو يستمع لجملة فبريانو التي خرجت كالرصاصة في صدره :
" جاكيري يعمل طيار، وهو سيكون قائد رحلتنا حتى نصل بأمان لأرض الوطن ..."
انتهى من حديثه وهو يلقي بغمزة لهما قائلًا قبل أن يرحل واضعًا النظارة أعلى عينيه :
" أو هذا ما نتمناه جميعًا ......"
___________________
كان حارس المشفى يقف أمام البوابة كعادته دون أي جديد يذكر، حتى وجد حافلة ضخمة تتوقف بشكل عنيف امام المبنى، حدق بها بضيق وهو يترك مكانه مقتربًا منها وما كاد يطرق النافذة حتى يطلب منهم الابتعاد عن البوابة الأمامية المشفى، إلا ووجد الباب الخاص بالحافلة يُفتح بقوة ويندفع منه رجال ضخام البنية أحدهم يحمل سيدة تصرخ، وقد كان اندفاعهم قوي لدرجة أن الحارس سقط ارضًا وهو يصرخ ظنًا أنهم يتعرضون لهجوم...
" النجـــــــــدة "
لكن لم يهتم به أحد وهم يركضون جميعًا خلف مارتن الذي كان يحمل روما وهو يهرول بها والأخيرة تصرخ وتهدد فيهم جميعًا، أنها ستخبر انطونيو كل شيء .
اعتدل حارس الأمن وهو يشكر ربه أنه نجى من ذلك الاندفاع وما كاد ينهض ليعدل من وضعية ثيابه، حتى وجد اندفاع اخر لكن هذه المرة كانوا جميعًا نساء ...
ركض جميع أفراد العائلة في ممرات المشفى مسببين بذلك مشهد مخيف، كما لو أنهم جاءوا لاحتلال المكان ..
صرخات روما تعلو أكثر وأكثر وهي تجذب خصلات شعر مارتن :
" أنا ألد ايها الاحمق، أنا ألد"
حاول مارتن أن يتفادى يدها صارخًا :
" وما شأني أنا، اخبري آدم بذلك هو من يرفض الأمر"
بكت روما بتعب وقد بدأت تفقد وعيها من شدة الإرهاق، والجميع يركض بها :
" اقسم أنني سأخبر انطونيو، سأخبره عنكم جميعًا "
تجاهل آدم ما يحدث وهو يسبق الجميع بالركض صوب العيادة الخاصة بالنساء مقتحمًا إياها بشكل همجي :
" نريد طبيبة حالًا "
فزع جميع الموجودين داخل الغرفة مما يحدث وما كادت احداهن تتحدث حتى وجدت آدم يجذبها من يدها بقوة :
" لا وقت للتفسير زوجة أخي تحتاج مساعدة "
نظرت الطبيبة ليدها التي يجرها آدم وهي تصرخ بغضب :
" أنت توقف أيها الهمجي، كيف تتجرأ وتفعل هذا ؟!"
" لا وقت للتفسير، زوجة أخي تعاني من انقباضات عنيفة بالرحم وهذا قد يؤثر على الجنين "
أخذ آدم يشرح لها الحالة كما علم بشكل مبدئي، والأخيرة تحاول التحدث لكن آدم لا يمنحها فرصة لذلك وهو يردد :
" بسرعة قبل أن يعود زوجها وينهي حياتنا جميعًا "
وصل آدم أمام الغرفة التي يقف أمامها جميع رجال العائلة عدا اليخاندرو الذي كان مع روما في الداخل يحاول تهدئتها، دفع آدم الطبيبة للغرفة وهو يقول :
" تحتاج لأشعة على الرحم و..."
قاطعته الطبيبة وهي تصرخ :
" اعطني فرصة للتحدث، أنا لستُ طبيبة نساء، أنا طبيبة نفسية "
رمقها آدم ببلاهة وما كاد يتحدث حتى وجد طبيبة تندفع وهي ترتدي القفازات الطبية:
" أين المريضة ؟!"
نظر لها آدم ثواني قبل أن تخبره الأخيرة :
" أين هي المريضة، أنا طبيبة نساء "
فتح آدم الباب وهو يشير لها بالدخول في نفس وقت خروج اليخاندرو والجميع عدا جولي التي بقيت لتساعدهم، مرت دقائق والجميع في الخارج ينظر لبعضهم البعض ولا أحد يعلم ما يجب فعله، ابتلع الجميع ريقه والكل يفكر في ردة فعل انطونيو إذا ما حدث لزوجته شيئًا ..
وعلى بُعد صغير كانت بعض الطبيبات والممرضات يراقبن تجمع هذا الكم من الرجال الوسيمين في مكان واحد، همست احداهن بضحكة :
" الأمر أشبه بالسقوط داخل أحد الأفلام التي تحتوي أكثر من ممثل وسيم، لتحتاري ايهم تحبين "
كان الجميع يتحدث واعينهم تحوم حول العائلة التي أقامت معسكرها أمام الغرفة، بينما إحدى الطبيبات كانت ترمق أحد الرجال دون غيره وهي تحاول التذكر أين رأته سابقًا، لكن ذاكرتها لم تسعفها في تلك اللحظة، تقسم أنها رأته لكن أين لا تعلم .
اتسعت بسمة تلك الطبيبة وهي ترى ابتعاد ذلك الرجل الذي تراقبه عن الجميع وهو يرفع هاتفه للتحدث، انسلت من بين الجميع دون أن يلحظها أحدهم تتسحب نحو الركن الذي وقف فيه ذلك الرجل تنظر لظهره بافتتان رفعت يدها بتردد ثم طرقت على ظهره بهدوء :
" عفواً يا سيد هل تقابلنا من قبل ؟!"
استدار ذلك الرجل متعجبًا يزيح الهاتف من على أذنه ونظر خلفه لتلك الفتاة التي اتسعت ابتسامتها وهي تصرخ :
" تذكرتك ...مايكي "
______________________
تسير حاملة حقيبة التسوق الخاصة بها، تشعر بالتعب يكاد يتمكن منها، نفخت بضيق وهي تنظر لساعة يدها، اتسعت عينها برعب، أوشك الظلام أن يحل وهي لم تعد للمنزل حتى الآن وكل ذلك بسبب تلك ما حدث معها عند السيدة التي كانت تخيط ثيابها ...
اقتربت اشرقت ( زوجة سليم ) من المنزل تشعر بالرعب، فهي خرجت من ظهيرة اليوم والآن فقط عادت للمنزل حينما كاد الظلام يملء كل ما حولها، وكل ذلك وهي لم تخبر سوى شادية بعدما فشلت في الوصول لزوجها .
دخلت اشرقت البناية وهي تدعو الله في قلبها أن يكون سليم قد تأخر في عمله، صعدت الدرج تحاول أن تنظم تنفسها، واثناء عبورها أمام منزل شادية سمعت صراخ هزها بعنف وصوت سليم يكاد يسقطها ارضًا من الرعب...
" اهــــدى ؟؟ انتم بتهـــزروا ؟! مراتي خارجة من الضهر ولحد دلوقتي مجاتش وموبايلها في البيت، وتقولي أهدى ؟! أنت عبيط يا شادي ؟!"
سمعت اشرقت صوت شاكر يتحدث بجدية :
" خلاص يا سليم شوية وانا بنفسي هاجي معاك القسم وهكثف البحث عنها "
هنا وأدركت أشرقت أنها هالكة لا محالة، لقد اجتمع جميع أفراد المنزل لأجلها، وهي تقف هنا تستمع لكل الاقتراحات حتى يجدوها ..
فكرت سريعًا أن تركض لشقتها وتتظاهر أنها عادت منذ وقت طويل ونامت من التعب وهو لم ينتبه لها، نالت تلك الفكرة استحسانها، وما كادت تتحرك خطوة من أمام منزل شادية حتى سمعت صوت سليم الجهوري يصرخ :
" تبحث متبحثش برضو مش هستنى ثانية ومراتي برة يا شاكر، افرض حصلها حاجة وانا قاعد هنا اضرب أخماس في اسداس ؟!"
انتهى من حديثه وهو يهرول صوب الباب يفتحه بعنف وقوة وبمجرد أن فتحه صُدم من وجود اشرقت التي فتحت فمها برعب ترى مظهره ووجه الاحمر من الغضب، هنا وهنا فقط أدركت أشرقت أنها هالكة لا محالة ...
" كنتِ فين ؟!"
كان ذلك هو السؤال الوحيد الذي استطاع سليم إخراجه بعد صمت طويل وعينه تمر عليها يتأكد أن لا سوء قد مسها، شعرت اشرقت بالأرض تدور حولها وما كادت تفتح فمها للتحدث، حتى وجدت يد سليم تقبض على ذراعها بقوة بشكل جعلها تطلق تأوهًا تراه يسحبها خلفه وهو يتحدث بشكل مخيف :
" شادية خلي يُسر عندك "
نظرت شادية لاثره برعب وهي تركض خلفه :
" طب اصبر بس يا سليم نطمن عليها، يمكن حصل حاجة"
لكن لم يجب سليم أو ينظر لها حتى، بينما اشرقت تسير خلفه وهي تحاول ألا تنهار.
رمقت شادية الجميع بحنق صارخة :
" أنتم واقفين تتفرجوا ؟! ما حد يروح يشوف الطور ده لاحسن يعمل حاجة في البنت "
تحدث كريم وهو يعدل من وضعية نظراته جاذبًا مريم بلطف له :
" ملناش نتدخل بينهم يا شادية دي مراته وهو قلقان عليها، ومتقلقيش سليم عمره ما هيأذيها ولا يعملها حاجة، آخره هيكسر البيت وخلصنا وبعدين هيصالحها"
انتهى كريم من حديثه، ثم انحنى وحمل يوسف يقبله من شعره يرى ملامح النعاس بدأت تحتل وجهه، ثم سحب مريم وهو يردد بهدوء :
" عن اذنكم يا جماعة عشان يوسف بينام على نفسه "
نظر شادي حيث ذهب سليم، ثم أمسك بيد طفلته وكذلك يُسر ابنة سليم وقال لمنة بعينه :
" يلا يا منة خدي البنات وروحي أكليهم جاتوه واديهم الالعاب "
كادت منة تتحدث لولا نظرات شادي المتوجه صوب يسر المنكمشة على نفسها، لذلك انحنت منة ولاعبت الصغيرة وهي تقول :
" تاكلي جاتوه يا يُسر ؟! "
هزت الصغيرة رأسها بخجل، لتبتسم لها منة وتمسك بيدها رفقة صغيرتها الشقية وتتحرك بهم صوب شقتها بعدما ابتسم لها شادي مطمئنًا :
" هشوف الدنيا هنا واحصلكم وهنسهر كلنا نتفرج على ربانزل "
ابتسمت الفتيات وتحركن رفقة منة، بينما بقي شادي مع شادية وشاكر وعوض وهاجر والكل متحفز لأي صوت قد يأتي من الاعلى أو لحدوث شيء يستحق التدخل ...
دقائق وفُتح الباب ودخل منه كريم بعدما ترك زوجته وابنه في الاعلى واخبرهم أنه سيحضر حلوى لاجلهما وذلك حتى يبعدهم عن أي مشاكل ..
جلس كريم جوار شادي وهو يضم ذراعيه لصدره :
" وادي قعدة لما نشوف اخرتها."
نهضت شادية وهي تقول باقتراح :
" هروح اعملكم عصير عشان شكلها مطولة، ودانكم مع الباب أي صرخة كده ولا كده هنقتحم ..."
_____________________
نظر مايك للفتاة ثواني يحاول تذكر إن كان رآها سابقًا أم لا، ويبدو أن الفتاة أدركت أنه لا يتذكرها لتسارع في إنعاش ذاكرته وهي تغمز له بإثارة :
" صاحبة الفستان الذهبي ذو الفتحة الخلفية "
فتح مايك عينه بصدمة وهو يتذكر تلك الفتاة التي قابلها سابقًا في إحدى الحانات، وكانت ترتدي فستانًا ذهبيًا به فتحة كبيرة من الظهر ليسارع بعرض مساعدة عليها، ثم انغمس في حديث ودي رفقتها، ومن بعدها لم يرها مجددًا، نظر لوجهها مجددًا وهو يقول ببسمة صغيرة :
" نعم تذكرت، كيف حالك ؟!"
ابتسمت له الفتاة بخبث وهي تعض شفتيها محركة يديها على كتفه بشكل جعل جسد مايك ينكمش للخلف وهو ينظر لها بحذر رافعًا حاجبه وصوت الفتاة يخرج باغراء من تلك الشفاة المطلية بأحمر شفاة كان سابقًا ليجعله يفعل المستحيل ليتعرف عليها، لكن الان كل ما يشعر به هو الاشمئزاز والريبة من حركاتها الغريبة .
" أنا بخير عزيزي، لم اصدق نفسي حينما لمحتك تقف وسط كل هؤلاء الرجال، لا عجب أنك كتلة وسامة، فجميع أفراد عائلتك كالفتنة "
فتح مايك عينه يحاول رسم بسمة دبلوماسية على فمه متراجعًا للخلف :
" شكرًا لكِ آنسة..."
" رونوس، هل نسيت اسمي ؟! "
صمتت الفتاة ثم أضافت ببسمة :
" ذلك اليوم نسيت سترتك معي و....."
" مـــــــــــــــــايـــــك "
ارتجت جدران المشفى بتلك الصرخة الصادرة من فم لورا التي شعرت بغياب زوجها، وعندما همت بالبحث عنه وجدت فتاة تكاد تقفز في أحضانه وهي تتحدث معه عن سترته التي تركها معها، انتفض مايك للخلف وكأن ثعبان لدغه وهو يدفع الفتاة بعيدًا عنه بعنف :
" لورا هذه ..."
" أي سترة تلك التي تتحدث عنها تلك الشمطاء ؟!"
فتحت الفتاة فمها شاهقة :
" أي شمطاء تلك ايتها الـ .."
وقبل أن تتحدث التفتت لها لورا صارخة في وجهها بجنون وقد بدأت الغيرة تعميها والشياطين بدأت حفلتها أمام اعينها مسببة جنونًا مضعافًا لها :
" اصمتي، لم يأتي دورك بعد "
فتحت الفتاة عينها بصدمة مما تقول لورا، ولم تستطع الصمت وهي تردد :
" كيف تجرأين على التحدث لي بهذا الشكل ؟؟ ومن أنتِ ؟!"
" تبًا لكِ أنا زوجة ذلك اللعوب الذي اعطاكِ سترته، اقسم أنني إن سمعت كلمة أخرى منكِ قبل أن آذن لكِ سوف اقتلع خصلات شعرك واحدة تلو الأخرى بيدي تلك ولن يهمني شيء "
انتهت من حديثها وهي تتنفس بعنف، ثم استدارت لمايك تدفعه للخلف بقوة لا تعلم من أين لها بها :
" والان ايها الشهم ما علاقتك بتلك الشمطاء وما سبب احتفاظها بتسرتك ها ؟!"
فتح مايك عينه بصدمة من حديثها يحاول فتح فمه لاخبارها حقيقة الأمر، لكن تلك الشمطاء _ والتي تستحق لقب لورا لها _ قررت أن تُحيل حياته جحيمًا وهي تتحدث بنبرة مستفزة له قبل زوجته :
" لقد نساها معي بعدما سهرنا سويًا طوال الليل، أليس كذلك مايكي ؟؟"
شهقت لورا بعنف وهي تردد مشمئزة :
" مايكي ؟؟ أي مايكي ؟! ما هذا اللقب البشع ؟؟"
تحدث مايك باستنكار :
" أنتِ تدلليني مايكي أيضًا "
استدارت له لورا بعنف صارخة بقوة مخيفة :
" أنا فقط من يحق له قول ذلك سمعت مايك ؟"
عادت بوجهها مجددًا للفتاة :
" والان وبعد خرقتِ تحذيري وتحدثتي دون أذني، سأريكِ الجحيم بعينيك "
وما كادت تنهي كلمتها حتى كان وجه الفتاة يستقبل لكمة عنيفة من لورا التي جذبت شعرها وهي تنقض عليها ضربًا، بينما مايك يشاهد ما يحدث بصدمة ولا يستطيع التحرك أو الإتيان بأي شيء أو التحدث بكلمة واحدة .....
___________________
كان الجميع يركض في المهبط الخاص بالطائرات، حتى يصلوا للسيارة التي ستأخذهم إلى المشفى حيث زوجة انطونيو .
وبمجرد أن وصلوا للسيارة ورأت هالفيتي أن جاكيري يتجه صوب مقعد السائق، صرخت بفزع وهي تفرد ذراعيها أمام الباب الخاص بالسائق :
" لا بالله عليك يا اخي ما تعمل كده، أنا ابني لسه صغير حرام عليك تيتمه بدري، أنت مفيش في قلبك رحمة، اميل على ايدك أبوسها طيب ولا اعمل ايه ؟!"
كانت تتحدث وهي تكاد تبكي وجاكيري يرمقها بعدم فهم، ينظر لفبريانو ليترجم له ما يحدث، ليبتسم له الاخير وهو يقول بجدية :
" تخبرك ألا تقود السيارة فهي مازالت صغيرة لتموت بهذه الطريقة "
ظهرت معالم الشفقة على وجه جاكيري وهو يقول بحنان :
" اه لا تقلقي هالي، لن يحدث لكِ شيء، ربما بعض الرضوض فقط، لكن صدقيني إن لم افعل أنا ذلك فسوف نموت جميعًا على يد انطونيو "
أنها حديثه وهو يتحدث بلطف :
" هيا تعالي لاحضاني لا تقلقي "
وقبل أن يجذب جسدها لاحضانه كان ادهم يقف في المنتصف وهو يقول بصراخ :
" أنت هتعمل ايه ؟! هي تكية كل من هب ودب يحضن فيها ؟؟ "
نظر له جاكيري بغباء وهو يردد :
" أنا فقط سأعناقها حتى لا تقلق "
ضم ادهم هالفيتي لاحضانه بتملك شديد وهو ينظر لجاكيري بحنق :
" شكرًا لك أنا من سيطمأنها"
اقتربت منه هالي وهي تقول بتعجب :
" هو بيقول ايه ؟!"
اجابها ادهم بسخرية :
" الاستاذ قال ايه عايز يحضنك عشان يطمنك، فيه الخير الـ ..."
" طب ما تسيبه يحضن يا ادهم، مش يمكن احسن بالسكينة لما يحضني ؟!"
نظر لها أدهم بشر وهو يهمس من بين أسنانه :
" السكينة دي اللي هبجها ( سأضعها ) في بطنك لو سمعت همسة تانية منك، قال يحضنك قال، حضنك قطر "
نظر أدهم لجاكيري وهو يردد بحمائية وغيظ موجهًا كلماته له وللجميع :
" اسمع يا هذا أنت وأفراد عائلتك، زوجتي تلك لا يحق لايًا منكم أن يقترب منها ويلمسها لمسة واحدة فقط وليس عناقها، وإلا..."
صمت ادهم ليتحدث فبريانو الذي كان يستند على مقدمة السيارة ببرود وهناك بسمة مخيفة ترتسم على فمه وبين يديه يحرك مسدسه يتلاعب به :
" وإلا ماذا ؟!"
نظر له ادهم بلاهة :
" ها ؟؟"
" أخبرتك وإلا ماذا ؟!"
" لا معرفش هي بتتقال كده والمفروض أنك بتخاف ومش بتسأل الأسئلة دي؛ لأن ملهاش اجابات "
اعتدل فبريانو في وقفته وهو يتحرك صوبهم ببطء وفي عينه التصميم على عناق هالفيتي ليس لشيء إلا ليعاند زوجها، لكن وقبل أن يصل لهم وجد انطونيو قد عاد بعدما أنهى جميع الأوراق الخاص بالهبوط وسلم كل شيء يتحرك صوب السيارة قائلًا بجدية :
" اصعدوا قبل أن اترككم هنا "
نظر فبريانو لادهم نظرة تخبره أنه نجى من معركة كبيرة وأن انطونيو أنقذه مما كان سيفعل، لكن أدهم لم يهتم وهو يمنحه بسمة واثقة يسحب زوجته خلفه ومعه طفله، استقر الجميع في السيارة ليتحرك بها انطونيو بسرعة كبيرة لا تساوي سرعة جاكيري لكنها تظل كبيرة ....
دقائق مرت أو ساعة تقريبًا حتى توقفت السيارة أمام المشفى بقوة كبيرة ولم يمنح انطونيو أحد الفرصة لقول كلمة حتى كان يهبط من السيارة راكضًا في ممرات المشفى بعدما تخلى عن سترته ورابطة عنقه في السيارة، يركض بقميصه الاسود وهو يبحث بعينه عن أحد أفراد عائلته ليستدل به على زوجته، وقد كان له ما أراد فقد لمح بطرف عينه ماركوس يقف جوار أحد الابواب ...
ركض بسرعة كبيرة صوب ذلك الباب وهو لا يرى أمامه، فتحه بعنف مقتحمًا إياه، ليجد نفسه في حمام النساء وقد تعالت صرخات البعض في الداخل، بينما ماركوس يقف ببلاهة أمام الباب لا يستوعب ما حدث منذ ثواني .
خرج انطونيو من جديد وهو يلكم ماركوس بقوة هامسًا :
" تبًا لك "
صرخ ماركوس وهو يضع يده على فمه بوجع :
" ماذا فعلتُ الآن ؟! أنا أنتظر زوجتي في الخارج ما بك؟!"
لكن انطونيو لم يهتم به وهو يكمل ركض في الممر تاركًا ماركوس ينظر له بحنق، لكن فجأة لمح فبريانو وجاكيري يركضان في الممر ومعهما الضيفان وطفل صغير، ابتسم بسمة حنونة ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت هالي تتحدث بنبرة عالية مشيرة له :
" الاه؟! مش ده الواد موكوس؟! "
صمتت تتأكد أنه هو لتصيح بفرحة :
" واد يا مـــوكـــوس ...."
وعند انطونيو كان يركض في الممرات حتى لمح جده يقف مع طبيبة يتحدث معها بجدية أمام أحد الابواب، لم يهتم بكل ذلك، فقط انطلقت قدمه لذلك الباب، لكن قبلًا تأكد أنه ليس مرحاضًا آخر، ثم ودون مقدمات اقتحم الغرفة بعنف ليجد أن جميع الفتيات في الداخل عند زوجته، صاح بكلمة واحدة :
" رومــــــــــــا "
استدارت جميع الفتيات صوب صاحب الصوت والذي كان يبدو كالمجنون، تحرك انطونيو ناحية الفراش والذي كانت جولي تجلس على حافته وهي تربت على يد روما :
" لا تقلق هي ..."
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بيد انطونيو تطيح بها ارضًا، لتطلق جولي تأوهًا مغتاظًا هامسة من بين أسنانها :
" أيها النكرة الحقير، تبًا لك "
لم يهتم بها انطونيو وهو يمسك يد روما بحب شديد يميل عليها مقبلًا إياها بلطف شديد وهو يهمس بحنين متجاهلًا وجود الجميع في الغرفة :
" كيف حالك جميلة الجميلات ؟؟"
نظرت رفقة للجميع وهي تشير لهم بعينها أن يتحركوا للخارج تاركين إياهم بحرية، وكذلك فعلوا حتى جولي التي كانت ما تزال ترمق انطونيو بشر متمتمة بحنق :
" عسى أن تحترق بالجحيم، قبيح وقح ونكرة، لا أدري حقًا سبب تحمل تلك المسكينة لك سوى أنك تهددها للبقاء جوارك "
انهت حديثها وهي تغلق الباب خلفها حيث كانت آخر الخارجين، بينما انطونيو لم يهتم وهو يقترب برأسه من روما يثبتها جوار رأسها، متحدثًا بعشق :
" ما بال عاصمتي مظلمة اليوم ؟!"
تحركت أصابعه برشاقة تتحسس وجنتيها بحب قبل أن يطبع قبلات خفيفة عليها :
" روما "
كان نداءً خافتًا، لكن صداه تردد في صدر روما التي كانت ما بين اليقظة والنوم منذ اقتحم انطونيو الغرفة، تسمع صوته لكنه اختلط بغفوتها لتشعر أنها تحلم، لكن تلك القبلات الندية والرقيقة التي تتساقط أعلى وجهها، كانت تخبرها أنها لا تحلم، فتحت عينها ببطء وهي تنظر حولها تحاول أن تستوعب ما حدث، فآخر ما تتذكره أنها سقطت في النوم بسبب التعب .
" طوني ؟!"
" أنا هنا روما "
" لقد تأخرت"
اقترب منها انطونيو مقبلًا جبينها بحنان :
" آسف"
صمتت روما تقول بدموع :
" لقد كانت معدتي تؤلمني بشدة، شعرت أنني لا أستطيع التنفس من الوجع انطونيو، خفت أن ألد وأنت لست جواري "
تحركت يد انطونيو حتى استقرت أعلى بطنها، يمسدها بحب شديد :
" لا بأس أنا هنا، يبدو أن الصغير سيكون شقيًا حتى يرهقنا قبل أن يصل للحياة حتى، لكن لا يسعني سوى أن أعشقه، يكفيني أنه منكِ وهذا يجعلني اعفو عنه لما فعله بكِ جميلتي "
ابتسمت له روما وهي تقول بتعب تتحرك في الفراش جانبًا:
" هيا تعال اريد النوم بين أحضانك "
ابتسم لها وهو يخلع حذائه قبل أن يتوسط الفراش جاذبًا جسدها بحنان شديد وحذر خوفًا أن يتسبب لها بأي الآلام، ثم ضمها بلطف يقبل أعلى رأسها هامسًا :
" كنت أشعر كما لو أن قلبي على وشك الخروج من صدري، خفت حد الموت روما، أن تشعر أن عاصمتك على وشك الانهيار لهو أمرٌ مؤلم وبشدة "
لم تتحدث روما بكلمة، بل اكتفت بوجوده هنا جوارها لتنعم بدفئه، تلاعبت اصابع انطونيو في خصلات شعرها بحنان :
" ارتاحي روما، وعندما تستيقظين ستجديني هنا...بين احضان اراضيكِ جميلتي "
_______________________________
كان يسير في ممرات المشفى مع جاكيري الذي سبقه للبحث عن زوجته مشتاقًا متلهفًا، بينما هو قرر اختصار كل ذلك البحث وهو يخرج هاتفه يتصل بها .
مرت ثواني دون أن تجيب رنينه، مما جعل فبريانو يتوقف عن السير وهو ينظر في الهاتف بتعجب قبل أن يعيد الاتصال مرة أخرى ينتظر الرد منها، ظنًا أنها غاضبة منذ آخر مرة حدثها بها، لكن فجأة سمع صوتها يجيبه بهمس وبنبرة ابحة غريبة كما لو كانت ..... كما لو كانت تبكي ؟!
" فبريانو .."
اهتز قلب فبريانو لنبرتها وهو يحاول السيطرة على ضربات قلبه المضطربة :
" روبين حبيبتي ما بكِ؟! أين أنتِ ؟!"
كان يتحدث وهو يركض في الممرات يبحث عنها بعينه، علّه يصطدم بها هنا او هناك، لكن لا شيء كل ما وصل له هو لاشيء.
وعدا شهقاتها المتقطعة لم يصدر من طرف روبين شيء يطمأن ذلك المجنون الذي ابحر عقله في محيط المصائب يحاول تخيل اسوء ما حدث، أنها وللمرة التي لا يعلم عددها قد خُطفت من بين الجميع.
هنا وطفح الكيل ليصرخ بعنف :
" تبًا لكِ روبين قلبي سيتوقف، تحدثي ما الذي حدث ؟؟!"
وصل له صوت روبين الخافت وهي تقول بهمس وكأنها تخشى أن يستمع لها أحدهم، وهذا عزز الفكرة التي ضربت عقل فبريانو منذ قليل، جذب خصلات شعره بجنون يقسم أن يفرغ جميع رصاصاته في صدور هؤلاء الحمقى الذين سمحوا بخطف زوجته وهي بينهم، لا بل سيعذبهم قبل أن يقــ
" أنا في الحمام "
وكانت تلك الجملة هي الفيصل الذي أوقف سيل افكار فبريانو المجنونة :
" عفواً ؟؟"
رددت روبين ببكاء وخجل :
" أنا في الحمام ومش عارفة أخرج، فستاني اتقطع قطعة كبيرة اوي من الضهر و..."
صمتت بخجل وهي لا تستطيع الاكمال، ليضرب فبريانو الجدار بقدمه صارخًا دون أن يستطيع كبت غضبه :
" تبـــــًا "
تحرك مجددًا وهو يتحدث بجدية وغضب :
" في أي مرحاض لعين أنتِ ؟!"
" أنا في المستشفى اللي فيها روما في ايطاليا يا فبريانو "
تحدثت وهي تكفكف دموعها ظنًا أنه مازال في مصر، ولم تنتبه أنه يحادثها من رقمه الايطالي حتى، لتسمع لعنات وسبات فبريانو من الجانب الآخر :
" أي مرحاض لعين روبين ؟!!"
تحدث روبين بخوف من صراخه :
" المرحاض داخل المشفى في الطابق الثاني في الممر الاول "
" حسنًا ابقي عندك "
انتهى من كلماته وهو يغلق الهاتف، ثم تحرك بأقدام سريعة صوب ذلك المرحاض الذي وصفته زوجته، يحاول تهدئة ضربات قلبه يردد لنفسه :
" لا بأس لا بأس هي بخير، فقط مجرد قطع في الفستان الخاص بها و...."
توقفت أقدامه فجأة يستوعب الأمر، حيث أن رعبه من أن تكون خُطفت جعله لا يدرك ما حدث لها، ردد فبريانو تلك الكلمات مجددًا ببطء وكأنه يجبر عقله على استيعابها:
" قطع في ظهر فستانها، قطع في ظهر فستانها سيظهر جسدها و..."
توقف وهو يزداد غضبًا صارخًا :
" تبــــًا، ليتها خُطفت على الأقل كنت سأعيدها وننتهي"
كان يسير في الطرقات بجنون يود أن يلمح رجل واحد فقط ليمسكه ويوسعه ضربًا واضعًا احتمال أنه لربما لمح ظهر زوجته العاري بسبب القطع .
لكن ولسوء حظه لم يجد، وقف أمام المرحاض ثواني قبل أن يقتحمه بقوة مسببًا التفات جميع الرجال بالداخل، ليدرك فبريانو أنه من المفترض أن يحضر زوجته من مرحاض النساء وليس الرجال، نفخ بضيق فهو لم يشعر بنفسه وهو يدخل مرحاض الرجال باعتيادية ..
خرج ضاربًا الباب خلفه بغضب، يقتحم المرحاض المجاور مسببًا انتفاضة جميع النساء برعب وقد تعالت صرخات البعض منهن، لكن فبريانو لم يهتم وهو يبحث عن روبين بعينه، ثم نظر لهن يقول بجدية :
" ألم تشاهدن فتاة صغيرة تشبه الارنب الوردي ولطيفة بفستان ذو قطع في الظهر ؟!"
كانت نظرات النساء تتراوح ما بين الرعب والصدمة، والجميع يفتح فاهه بعدم تصديق لما يحدث، لكن فبريانو لم ينتظر وهو يتأفف:
" هيا ساعدوني حتى لا اضطر لاقتحام جميع المراحيض "
أصدرت إحدى النساء شهقة مصدومة من جملته :
" أنت وقح يا سيد، سوف أطلب لك أمن المشفى "
لم يهتم فبريانو وهو يردد محركًا كتفيه لأعلى وأسفل :
" حسنًا سأجدها بنفسي "
وما كاد يتحرك حتى وجد امرأة تشير على المرحاض الثالث وهي تقول بلهفة :
" هي هنا لقد رأيتها "
هز فبريانو رأسه دون قول كلمة يتحرك صوب ذلك المرحاض، هو جديًا لم يكن سيقتحم المراحيض، كان فقط تهديد صغير وقد نجح .
توقف فبريانو أمام باب المرحاض وهو يطرقه بلطف :
" روبين، روبين افتحي الباب "
وفي الداخل انتفضت روبين وهي تستمع لذلك الصوت الذي ظنته في البداية خيالًا منها، لكن مع تكرار النداء تأكدت أنها لا تتخيل، تحدثت بريبة وهي تقترب من الباب :
" فبريانو ؟!"
" نعم حبيبتي هذا أنا، هيا افتحي الباب "
فتحت روبين الباب بسرعة وبعدم تصديق، لتشعر بيد فبريانو تدفعها للداخل، ثم اقتحم المرحاض معها وهو يغلق الباب وقبل أن تدرك روبين شيء كان فبريانو يجذبها لاحضانه بقوة :
" اشتقت لك ارنبي الوردي "
كانت روبين ما تزال تفتح عينها بصدمة بين أحضان فبريانو تردد اسمه ببلاهة وعدم تصديق :
" أنت هنا ازاي ؟!"
ابتعد عنها فبريانو، ثم انحنى يقبل وجنتيها بحب وحنان :
" سمعت نداء قلبك ؟!"
"ده بجد ؟!"
" لا انطونيو هو اللي خلانا نرجع بدري عشان روما "
ابتسمت روبين ولم تهتم بشيء وهي تقول بسعادة تضم خصره :
" أنا مش مصدقة أنك هنا "
ابتسم لها فبريانو وهو يبادلها العناق، لكن فجأة شعر ببشرة ظهرها أسفل يدها ليتذكر ما حدث معها ويبعدها عنه قليلًا وقد تبدلت نبرته كليًا :
" هل قابلتي أحد أثناء مجيئك هنا ؟؟"
" مش فاهمة ؟!"
" فيه حد شافك كده، تحديدًا راجل ؟! أو ست برضو مش هتفرق "
ابتسمت روبين وهي تتفهم مقصده لتهز رأسه بلا :
" لا محدش شافني متخافش "
تنهد فبريانو براحة وهو يبعدها عنه قليلًا، وكان هذا اقصى ما يستطيع فعله في ذلك المرحاض الضيق بعض الشيء، بعدها أخذ يخلع سترته السوداء وهو يردد :
" هيا ارتدي هذا "
نظرت روبين لسترته السوداء التي تعشقه بها، لترتسم بسمة واسعة على فمها وهي تتحدث بانبهار :
" بجد هلبس الجاكت بتاعك ؟!"
حملق بها في تعجب كبير وهو يقول :
" هل يعجبك الأمر ؟!"
" يعجبني ؟! لقد كانت هذه أمينة لي، أن ارتدي تلك السترة السوداء الرائعة "
ارتسمت بسمة حنونة على وجه فبريانو وهو يداعب خصلات شعرها :
" حقًا ؟! يمكنك أخذ جميع ما امتلك من السترات السوداء لا مانع لدي"
رفعت روبين عينها له وهي ترمقه بأعين لامعة بتأثر :
" أنت لطيف اوي وانا بحبك اوي "
انحنى فبريانو قليلًا، يضم جسدها له بحب :
" سأتظاهر أنني لم اسمع نصف جملتك الأولى"
صمت يقبل شعرها ثم استند بذقنه على رأسها هامسًا :
" وأنا أيضًا اذوب بكِ عشقًا، كقطعة سكر مسكينة لا تستطيع مقاومة امواج القهوة الحارة، لتستلم لها في النهاية وبكامل إرادتها"
ارتسمت بسمة عاشقة على فم روبين، تستمع له ولما يطرب به أذنها، استنشقت عطره بحب شديد وهي تردد :
" ريحتك حلوة "
نظر لها فبريانو بتعجب قبل أن يطلق ضحكة عاليًا مبتعدًا عنها وهو يساعدها في ارتداء سترته السوداء وبعدها اغلق السحاب عليها، ثم جعلها تستدير ليتأكد أن لا شيء ظاهر منها، انحنى طابعًا قبلة على رقبتها من الجانب :
" حسنًا تبدين فاتنة، لنرحل من هنا قبل أن اتناسى مكان وجودنا "
كانت روبين في تلك اللحظة هائمة لا تستوعب أي كلمة منه، ولم تفق من خدرها ذلك إلا عندما شعرت بقطرات مياه باردة تضرب وجهها، لتنظر حولها بتعجب وجدت جميع أعين النساء تتوجه لها، وفبريانو لا يهتم وهو يرتب خصلات شعرها بلطف ويخرج محرمه من جيبة يجفف بها وجهها، ثم قبلها بلطف :
" حسنًا ها أنتِ قد عدتي لبشاعتك كما عهدتك "
نظرت له روبين بحنق :
" وأنت قد عدت وقحًا كما عهدتك "
أطلق فبريانو قهقهة عالية وهو يضمها بحنان خارجًا من المكان مكتفيًا بثيابه السوداء التي كان يرتديها أسفل سترته، تحرك مع روبين صوب المطعم الخاص بالمشفى وهو يجلسها ثم تحدث بجدية :
" ابقي هنا سوف اذهب لجدي دقائق واعود، لا تتحركي سوف احضر لكِ طعام معي لاتناوله فأنا جائع "
هزت روبين رأسها بطاعة وهي تخرج هاتفها تشغل به نفسها، بينما فبريانو رمقها بحب وهو يتحرك صوب جده لينبأه بقدومه ويخبره بكل ما حدث .....
___________________
كانت هالي تنظر لماركوس وتلك الصغير التي تسير جواره بفضول، حسنًا هي لا تبدو صغيرة الوجه، بل قصيرة القامة ليس إلا، أشارت هالي لفيور وهي تردد بفضول :
" مين دي يا موكوس قريبتك ؟؟"
رمقها ماركوس دون فهم، لكن انتبه لاشارتها على فيور التي تتوسط أحضانه، ردف بحنان وحب وهو يداعب خصلات شعرها :
" هذه فيور زوجتي الحبيبة "
ولم تفهم هالي كلمة واحدة حتى، ليتطوع ادهم بالترجمة وهو يبتسم بشدة وسعادة أن هناك أحدهم تزوج وانتهى منه ومن خطره الذي يحوم حول زوجته الحبيبة :
" بيقولك أنها مراته "
وشهقة واحدة هي ما صدرت من هالي واوقفت الجميع عن السير بتعجب، وماركوس لا يعلم سر تلك الصدمة التي تظهر على وجهها واصبعها الذي يشير له :
" أنت اتجوزت ؟! هو مش الطونيو وأخوه التاني وكرستيانو بس اللي اتجوزوا ؟! ده اللي اعرفه "
لم يفهم ماركوس اي شيء منها لكنه حاول أن يتحدث حديث محايد :
" فيور لطيفة سوف تحبينها "
هزت فيور رأسها بنعم وهي تمنح هالفيتي بسمة حنونة مرددة :
" نعم لا تقلقي سنصبح اصدقاء "
نظرت هالفيتي فجأة لادهم وهي تقول بشر :
" ترجم بيقولوا ايه !!"
" بيقولك أن مراته عسل وهتحبيها "
فجأة أطلق أدهم تأوهًا عاليًا وهو يشعر بضربة زوجته على كتفه وصوتها يرعد في المكان :
" عسل في عينك، أنت بتعاكسها قدامي ؟!"
نظر لها أدهم بشر ودون مقدمات كانت كفه تنزل على رقبتها من الخلف مرددًا بحدة:
" هو اللي بيقول مش انا يا ام مخ تخين !!"
نظر ماركوس لما يحدث بصدمة يحاول فهم الأمر، بينما فيور تنظر لهما بإعجاب شديد :
" يبدو أن تلك الطريقة الخشنة تعبير عن حبهما "
فركت هالي رقبتها من الخلف وهي تتذمر :
" برضو مترددش أنت الكلام ده "
" وهو يعني حلال ليكِ وحرام عليا ؟! ما أنتِ ماشية تعاكسي في أي شيء مذكر قدامك"
نظرت له هالي بعيون لامعة من الدموع :
" بس انا بهزر وأنت عارف يا ادهم "
قلب ادهم عينه بضيق وهو يقترب منها يربت على ظهرها بحنان شديد ولولا وجودهما في مكان عام لكان ضمها واخبرها ألا تقلق فعينه تلك أضحت لا ترى في النساء سواها .
" حتى الهزار بيزعلني "
همست هالفيتي بخجل :
" ما أنا بطلت اهزر كده وأنت عارف "
لم يكد ادهم يقول كلمة حتى سمع صرخة زوجته العالية الصاخبة وهي تتركه راكضة بجنون صوب أحد الاتجاهات:
" جــــــــدو "
كان اليخاندرو في نفس الوقت يتحدث مع الممرضة يحاول منها معرفة ما تسبب بكل ذلك الألم لروما، لكن فجأة التقطت أذنه صوت بعيد لكنه قريب لقلبه، ورغم استبعاده لتلك الفكرة إلا أنه استدار بوجل يحدق في بداية الممر حيث ذلك الجسد الذي يندفع له بقوة شديدة ..
دون شعور وجد اليخاندرو نفسه يتجاهل الطبيبة وما تقوله وهو يتحرك بأقدام متلهفة صوب حفيدته الوحيدة، يزيد من سرعة أقدامه حتى وصلت للهرولة في الممر يلتقط جسدها بين أحضانه كمن يستقبل أول قطرة من الغيث بعد سنوات عجاف ..
ضمها بقوة بين أحضانه وهو يقبل رأسها ووجهها دون شعور يهمس لها بكل حنون :
" حبيبة جدك أنتِ، اشتقت لكِ هالفيتي، اشتقت لكِ يا صغيرتي "
بكت هالفيتي في احضان جدها، جدها الذي انقطعت أخباره منذ عامين تقريبًا، كان فقط يهتم بإرسال الأموال لها بشكل دوري دون أي أخبار عنه، حتى عندما كان يحادثها كان يتكلم بشكل مقتضب ويغلق المكالمة سريعًا ..
سقطت دمعة من عين اليخاندرو وهو يضم حفيدته لقلبه، لاعنًا تلك الظروف التي منعته عنها كل ذلك الوقت، لم يستطع أن يقترب منها وقد كانت معاركة في أوجها، لم يستطع حتى أن يطيل معها الحديث أكثر من كلمتين، خوفًا أن يتخذها أعداؤه ذريعة، ووقتها لن يتحمل، إلا هي ...
شبيهة جدتها، جدتها التي لم تورّث جمالها سوى لابنتها ومن بعدها حفيدتها، وكأنها أبت إلا أن تترك ذكراها في الأرض، ليتذكرها المسكين العاشق كلما رمق حفيدته ..
سقطت دمعة أخرى من أعين اليخاندرو وهو يتذكر زوجته، تلك الحبيبة التي دفنها عميقًا في أبعد نقطة داخل عقله بعيدًا عن كل ذلك السواد في عالمه .
مسح دموعه وهو يبعد هالفيتي ببطء ولطف، مع الاحتفاظ بها بين أحضانه :
" كيف حالك صغيريتي؟!"
نظرت له هالفيتي بعجز ودموعها ما تزال تسقط، نظرت خلفها لادهم الذي كان يراقب كل ذلك متأثرًا، حتى لمح نظرة الاستجداء في أعين زوجته وهي تناديه تمد يدها له :
" ادهم..."
لبّى النداء بلهفة وهو يقترب منها ممسكًا يدها التي تمدها له مقبلًا إياها وهو يردد مرحبًا باليخاندرو:
" مرحبًا سيد اليخاندرو، سعيد لرؤيتك "
ابتسم اليخاندرو بسمة صغيرة، يترك هالفيتي معانقًا ذلك الشاب والذي منذ تعهد أمامه بحماية حفيدته بروحه، وقد أخذ مكانة الحفيد في قلب اليخاندرو :
" ناديني جدي يا فتى "
ابتسم ادهم وهو يبادل اليخاندرو العناق بحب :
" حسنًا "
ابتعد ادهم عن أحضان اليخاندرو وهو ينظر لهالي التي كانت ما تزال تذرف الدموع بتأثر، وهذا ما لم يتحمله ادهم الذي ضمها لصدره بحنان :
" بتعيطي ليه دلوقتي ؟؟ مش شوفتي جدك ؟! كده هتخليه يفتكرني بعذبك يابنتي استريني عايز ارجع بلدي سليم"
ضحكت هالفيتي من بين أحضانها ولم تتمكن من تحمل مزاح ادهم دون أن تبتسم كعادته، تحت أنظار اليخاندرو الذي رأى مقدار التفاهم والحب بين حفيدته وزوجها ليتنهد براحة شديدة.
فجأة انتفضت هالفيتي من احضان زوجها وهي تصرخ برعب :
" قاسم .."
" فتحي ؟! "
ابتعدت هالفيتي عن أحضان ادهم وهي تصرخ :
" كنت مسكاه في أيدي قبل ما اشوف جدو، هو راح فين ؟!"
شعر ادهم لثواني بالهواء يُسحب من المكان ووجهه يشحب بقوة، ينظر حوله كالمجنون يجلد نفسه بقوة، كيف تجاهل طفله في تلك اللحظة، كيف غفل عنه؟ بينما اليخاندرو يقف ولا يستوعب أو يفهم ما يحدث ..
ثواني ووجد الجميع فبريانو يقترب وهو يتحدث بجدية لجده :
" طلبت رؤيتي بمجرد عودتي جدي؟! "
تجاهل اليخاندرو ما قاله وهو يشير لحالة حفيدته وزوجها :
" فبريانو ما بها هالفيتي وزوجها ؟!"
في تلك اللحظة بدأ الجميع بالتجمع برعب بسبب صراخ وبكاء وجنون هالفيتي وهي تردد كلمات غير مفهومة للبعض منهم، كانت تتحرك في المكان كالمجنونة وهي تبكي وتصرخ بأحد الاسماء ..
جُنّ جنون اليخاندرو وهو يصرخ في فبريانو :
" بحق الله فبريانو ما بها حفيدتي ؟!"
ردد فبريانو بقلق وهو ينظر لجميع أبناء عمومته وزوجاتهم اللواتي خرجن من غرفة روما بعدما طردهم انطونيو شر طردة :
" ابن هالفيتي مفقود ....."
_____________________
لا تنسوا اهالينا في سوريا من الدعاء في كل وقت، هم في أمس الحاجة لذلك ❤️
رحم الله شهدائهم واسكنهم فسيح جناته ....
فصل طويل عريض مليان احداث اهو عشان اللي طلبوا المرة اللي فاتت فصل طويل ❤️
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل السادس 6 - بقلم رحمة نبيل
"فَأرَدنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهمَا خَيْرًا مِنْهُ
ليسَ كل مَا نفقده خسارة
قد يُريد الله تَبديل النِّعمة بِخيرٍ مِنها
اطمئِن" ❤️
"إن الحوائج لتُقضَى
بكثرة الصلاة على النبي ﷺ " 🌸
______________________________
بمجرد انتهاء جملة فبريانو، انطلقت شهقات عالية متتابعة من أفواه الجميع، أي ابن هذا الذي يتحدث عنه؟!
كان اليخاندرو لا يبدي أي ردة فعل سوى صدمة عظيمة خطت ملامح وجهه الذي يظهر عليه عمره جليًا ...
" من ؟!"
ابتلع فبريانو ريقه وهو ينظر لحالة هالفيتي التي قاربت على الانهيار يردد جملته مرة أخرى، رغم ثقته من أن جده قد استمع لمرته الأولى :
" طفل هالفيتي جدي، قاسم الصغير لقد جاء معنا، ويبدو أنه .....ضائع "
أطلق اليخاندرو شهقة عالية :
" حفيدي ضائع ؟!"
نظر له الجميع بتوتر وقد بدأت الأجساد تتحفز، والجميع ينظر لبعضهم البعض في انتظار ما يجب أن يفعلوه، لكن فجأة انتفضت أجسادهم لعنف صرخات اليخاندرو بهم والذي يبدو كما لو أن الشياطين تلبسته :
" أيهـــــا الحمقــــــى الاوغـــاد، حفيدي ضائع وأنتم تحدقون بوجهي ؟! "
نظروا جميعًا لبعضهم البعض دون فهم لما يجب فعله، لتصدح صرخات اليخاندرو مجددًا:
" حركوا اجسادكم العفنة تلك، وجدوا لي حفيدي وإلا اريتكم الويل جميعًا "
رمق الجميع جدهم باستنكار ليتحدث جايك بتعجب :
" وكيف نجده ونحن حتى لا نعلم كيف يكون عــ "
ولم يكد يتمم جملته حتى وجد اليخاندرو يسحب ثيابه بقوة نحوه مما جعل جايك يفتح عينه بصدمة وصوت اليخاندرو يهدر بفحيح :
" لا يعنيني كل ما تردده، إن اضطررتم لإحضار جميع الأطفال امامي حتى ابحث عن حفيدي بينهم فافعلوا، لا اهتم للطريقة التي تحضرونها بها، فقط احضروه لي جايك فهمت ؟!"
حرّك جايك رأسه لأعلى وأسفل سريعًا يردد برهبة :
" فهمت جدي، فهمت "
ترك اليخاندرو ثيابه وهو يهمس بشر :
" جدوا لي حفيدي قبل أن اجده أنا بنفسي ووقتها سأريكم الويل "
نظر آدم لهالفيتي التي كانت تبكي وهي تنادي صغيرها بينما أدهم يضمها وهو يشعر بالعجز :
" هالي هل لديكِ صورة للصغير؟! أي شيء قد نصل له من خلاله "
نظرت له هالفيتي بجهل وهي تتحدث من بين دموعها :
" وده عايز ايه ده كمان ؟؟ أنا مش فايقة اترجم "
تحدث ادهم وهو يتجاهل كل ذلك مخرجًا محفظته، ثم أخذ منها صورة صغيره قائلًا بلهفة :
" هذا هو "
أخذ منه آدم الصورة وهو ينظر لها ثواني، ثم مررها لجميع أبناء عمه، لينظر الجميع لبعضهم البعض نظرات غامضة، قبل أن يتحركوا بكل هدوء وبدون حتى كلمة واحدة، بينما ادهم يراقبهم بعجز وهو يقول :
" طب هالي أنا كمان هروح ادور عليه، خليكِ هنا "
وما كاد يتحدث إلا ووجد هالفيتي تجذبه ببكاء :
" تعالى أنت كمان رايح فين ؟! افرض توهت اعمل ايه انا هنا؟! يبقى جوزي وابني "
" يعني اعمل ايه ؟! أقف اتفرج على الكل وابني ضايع في بلد غريبة مع ناس مش هيفهمهم ولا يفهموه ؟!"
مسحت هالفيتي دموعها وهي تردد بجدية :
" خلاص هاجي معاك واهو لو توهنا نتوه سوا "
نفخ أدهم بحنق وهو يدفعها صوب اليخاندرو :
" هو أنا رايح اتفسح ؟! خليكِ هنا هدور على فتحي وهرجع "
وما كاد يتحرك خطوة حتى أبصر شابًا يقترب منهم يراه للمرة الأولى الآن ولم يكن مع الجميع حينما ذهبوا للبحث عن قاسم، والآن يأتي من نهاية الممر وهو يردد بسعادة وبسمة :
" هالفيتي، لقد أتيتِ "
كان يتحدث وهو يفتح ذراعيه ليرحب بها، وما كاد يصل له حتى عاد ادهم له يجذبه من ثيابه بعنف مشيرًا له قائلًا :
" ده تبعكم ؟!"
هزت هالفيتي رأسها وهي تردد بشهقات :
" ده اخو موكوس الكبير "
جذبه ادهم خلفه وهو يهمس بحنق :
" وانا هفضل احلّق عليكِ من موكوس واخوات موكوس لغاية امتى، كله جاي يحضن ويبوس ولا كأنك معاكِ شوال رز "
كان يتحدث وهو يجذب مايك خلفه والذي انتهى منذ قليل من فك الشجار بين الطبيبة ولورا، وبعدها تركته لورا حانقة رافضة أي مبرر منه، ليتحرك صوب جده ويتفاجئ بوصول هالفيتي، لكن الآن ذلك الشاب يسحبه من يده بشكل غريب ..
" مهلًا يا سيد أين سنذهب ؟!"
"للبحث عن فتحي "
هز مايك رأسه باقتناع، ثم قال بعدما استوعب ما يحدث :
" مهلًا من هذا فتحي ؟!"
___________________________
كانت تجلس وهي تضع السماعات في أذنها تستمع لإحدى الاغاني التي يجبرها فبريانو على أن تسمعها لأجل تحسين لغتها الإيطالية، نفخت بضيق وهي تخفي يديها في جيب السترة تستمد منها بعض الدفء، لكن فجأة شعرت بيدها تصطدم في شيء داخل الجيب .
ضيقت روبين عينيها، تخرج محفظة الأموال الخاصة لفبريانو وهي تبتسم بخبث تنظر حولها قبل أن تنهض من مكانها متحركة صوب الماكينة الخاصة ببيع الحلوى .
اخرجت عملة ورقية وهي تقفز سعادة صوب تلك الماكينة التي تقبع في أحد أركان المطعم الخاص بالمشفى .
دست روبين العملة الورقية في الآلة تنتظر بفارغ الصبر سقوط قطعة الحلوى، لكن ما حدث هو أن الماكينة أخرجت بدلًا من ذلك طفل، فقد ظهر فجأة طفل صغير من خلف الماكينة.
انتفضت روبين للخلف وهي تطلق صرخة عالية من الفزع، بينما الصغير نظر لها ثواني بتعجب لردة فعلها تلك، ثم تجاهلها وهو يتحرك صوب ماكينة الحلوى يلصق وجهه بالزجاج الخاص بها ضاربًا بيده على مكان الشوكولاتة، ليخرج في تلك اللحظة قطعة الحلوى التي دفعت روبين ثمنها .
وما كادت روبين تتحرك لتأخذ قطعة الحلوى حتى وجدت ذلك الصغير يميل ملتقطًا إياها، ثم شرع في اكلها .
فتحت روبين فمها بصدمة وهي تصرخ :
" أنت يا حرامي أنت، دي بتاعتي "
حدق بها الطفل ثواني ببلاهة قبل أن يفتح الحلوى ويتناولها دون اهتمام بها، بينما روبين شعرت بالحسرة وهي تشير له معترضة :
" كده عيب على فكرة دي بتاعتي "
لكن الصغير أخذ يدس قطعة الحلوى في فمه بسرعة كبيرة وروبين تراقبه، قبل أن تقرر التدخل وانتزاع حقها من بين مخالب ذلك اللص الصغير المتشرد.
وقد كان، تحركت صوبه تميل عليه تنتزع منه الحلوى وهي تردد كلمات إيطالية متعثرة كطفل في بداية تعلمه للحديث :
" خاصتي هذه ...ملكي أنا"
نظر لها الطفل دون فهم لتستمر روبين في جذب القطعة من يده :
" سيب بقى يا رخم، دي بتاعتي أنا، ده أنت عيل ثقيل، سيب الشوكولاتة بتاعتي، فين امك اللي سيباك ماشي تاخد حاجات الناس كده "
لكن الطفل لم يستسلم وهو يدس قطعة الحلوى بالكامل في فمه لمنعها من أخذها، شعرت روبين بالقهر والحزن وهي تراه قد أنهى حلوتها لتنظر حولها بشر ناوية أن توبخ والدته على تركها لذلك الطفل هكذا يأخذ اشياء الآخرين .
" أين والدتك يا هذا ؟! هل تفهم الإنجليزية ؟؟"
لكن الطفل لم يهتم بها وهو يمضغ الشوكولاتة بكل استمتاع، ثم تحرك مجددًا ليختفي خلف ماكينة الحلوى ظنًا منه أن هذه هي الطريقة لكي يحصل على المزيد من الحلوى .
ضيقت روبين ما بين حاجبيها وهي تقول :
" ألا تملك ماما يا صغير ؟!"
لكن الطفل لم يجبها، اقتربت روبين من الركن الخاص به وهي تقول منحنية على قدمها بلطف مستخدمة الكلمة العالمية التي يفهمها الجميع دون مترجم :
" ماما ؟!"
نظر لها الصغير وهو يردد بلطف :
" ماما."
ابتسمت روبين بسعادة وهي تجلس على قدميها في ذلك الركن تهز رأسها بنعم متحدثة بايطالية متعثرة :
" ماما، أين ماما ؟!"
" ماما "
" ايوة عرفنا ماما، فين امك ؟!"
هز الطفل رأسه بلا بمعنى أنه لا يعرف، لتنفخ روبين بضيق تنظر حولها لتجد أن المطعم تقريبًا لا يحتوى على نساء وحدهن، أو امرأة تبحث عن طفل، لتضربها فجأة فكرة أن ذلك الطفل لربما يكون متشردًا ودخل المشفى ليتناول بعض الأطعمة .
" ألا ماما لديك يا صغيري ؟؟"
ردد الطفل الكلمة الوحيدة التي وصلت لعقله الصغير :
" ماما "
مسحت روبين وجهه وهي تقول بتعب :
" شكلك كده متشرد، تعالى معايا نشوف الأمن أو أي حد يساعدنا "
مدت يدها لتسحب الطفل، لكن الصغير قاومها وهو يتمسك بماكينة الحلوى مرددًا بشكل متعثر :
" شوكولاتة "
نظرت له روبين ببلاهة تحاول أن تستوعب أنه نطق كلمة عربية للتو، لكنها أقنعت نفسها :
" اكيد النطق متشابه مع العربي وهو عشان صغير فخرجت منه كده "
استقامت في وقفتها وهي تشير للماكينة لا تتوقع من الصغير ردًل لكنها قالت وكأنها تُحدث نفسها :
" عايز شوكولاتة ؟!"
وللعجب هز الصغير رأسه بنعم، لتتحرك روبين صوب الماكينة وتقف أمامها قليلًا، قبل أن تخرج حافظة أموال فبريانو، ثم اشترت بمبلغ كبير العديد من الحلوى مرددة في نفسها أن ذلك عملًا إنسانيًا لتطعم صغير متشرد .
تحركت بحقيبة الحلوى صوب الصغير تلوح بها وهي تقول بالإنجليزية لربما يفهمها :
" هيا تعال معي وسأعطيك الحلوى "
لم يهتم الصغير لما تقول، بل فقط كانت عينه مثبته على الحلوى، نظر لها بخجل وكأنه يستأذنها أن يأخذ الحقيقة :
" يا راجل ايش حال ما أنت لسه واخد الشيكولاتة بتاعتي وضع يد "
لم يجيبها الصغير وهو يمد يده ليأخذ الحقيبة لتنحني روبين حاملة إياه وهي تتحرك به بعدما أعطته الحقيبة :
" خلينا دلوقتي ندور ليك على أي حد يساعدنا "
نظرت له تراه يتعلق برقبتها لتتحدث بجدية :
" تصدق أنك قمر اوي، يا ترى اسمك ايه "
ردد الصغير وهو يحرك الحقيبة في الهواء بسعادة :
" قاسم "
هزت روبين رأسها بغباء :
" قاسم ؟! عاشت الاسامي يا قاسم ...."
لكن فجأة توقفت وهي تنظر للصغير بصدمة ليبادلها قاسم نفس النظرة دون أن يفهم سببها، ويسمعها تقول بصدمة :
" قاسم ؟؟ أنت اسمك قاسم ؟؟ "
هز الصغير رأسه وهو يقول ببراءة :
" قاسم "
" قاسم ازاي ؟؟ ده اسم عربي ده، أنت اهلك ليهم أصول عربية ؟!"
وقد كانت تلك الكلمات كبيرة على عقل قاسم الذي لم يستوعب منها شيء، ليهز رأسه ببلاهة بينما روبين قالت ببسمة واسعة لا تدرك أن الصغير يفهمها، بل فقط لاحظت أن اسمه عربي
" بس اسمك حلو يا قاسم، تعالى بقى نشوف هنعمل ايه، ولو ملقناش حد يساعدك هوديك ملجأ هنا، أو أخدك معايا البيت ونشوف صرفة ليك........ "
________________________
تنتظر من ساعة تقريبًا أن ينفجر في وجهها، يحطم المنزل أعلى رأسها أو يفعل أي شيء يخرج به ذلك الغضب الذي يأسره داخل عيونه .
فركت أشرقت كفيها في بعضهما البعض، ليس بردًا، لكن توترًا وخوفًا مما هو قادم .
وسليم فقط يكتفي بالجلوس على المقعد أمامها يستند بذراعيه على ركبتيه، ثم يستند بذقنه على يديه يحدق فيها بشكل جعلها تتململ في جلستها .
" سليم أنا..."
قاطعها صوت سليم وهو يشير لها بالصمت :
" اششش متتكلميش دلوقتي، أنا لسه بحاول اقنع نفسي اني مقومش ارتكب جناية "
صمتت اشرقت برعب من نبرته، والتزمت مكانها لتمر دقائق أخرى ثقيلة، شعرت فيها بتيبس عضلاتها ومازال سليم على نفس جلسته، فتحت فمها للتحدث، لكن فجأة قاطعها سليم وهو ينهض من مكانه قائلًا بغضب عنيف :
" مش قادر، مش عارف أهدي نفسي "
قالت اشرقت برعب من مظهره :
" طب أنا ممكن ادخل استخبى جوا و...."
وقبل أن تكمل حديثها أطلقت صرخة عالية واضعة يدها على أذنها أثناء تحطيم سليم لكل الاشياء القابلة للتكسير حوله :
" كنتِ عند الخياطة طول النهار بدون حتى ما تقولي للطور اللي متجوزاه، ولا هامك رعبي وخوفي أما رجعت من الشغل ولقيت الكل يقولي الحق مراتك مرجعتش من الصبح، مهمكيش إني حسيت بقلبي هيقف من الرعب وانا مش عارف اروح فين واجي منين "
كانت يتحدث أثناء تحطيمه لكل ما حوله وصوته يرتفع أكثر وأكثر مع كل قطعة يحولها لاشلاء، والساعات التي قضاها في رعب تمر امام عينه، لقد كاد ينهار من الخوف عليها، ظن وظن وظن، امتلأ عقله بالظنون وكلها اسوء من بعضها ..
توقف عما يفعل وهو ينظر لها وقد كانت اشرقت تخفي وجهه متراجعة على مقعدها برعب، تحاول أن تكتم صوت بكائها خوفًا أن يزداد غضبه .
بينما سليم آلمه قلبه لرؤية رعبها وانكماشها بنفس الشكل الذي كانت تنكمش به قديمًا حينما يحدث لها شيئًا سيئًا .
حينما كان يذهب لها خصيصًا ليراضيها وهو يترجاها ألا تحزن أو تبكي، والآن هو من يبكيها .
زفر سليم بتعب وهو يلقي بجسده على المقعد مجددًا يعيد رأسه للخلف بتعب :
" أول وآخر مرة يا اشرقت، المرة الجاية لو خرجتِ بدون علمي هيكون ليا كلام تاني معاكِ، مش حابب ابان ديكتاتور أو شخص متخلف، لكن عند سلامتك ومستعد اكون كده واكتر، وإذا كنتِ أنتِ مش عارفة فين سلامتك، فأنا مش كده "
أنهى حديثه وهو يتحرك صوبها، ثم انحنى يقبل رأسها وبعدها تركها مبتعدًا عنها، وقبل أن يخطو بعيدًا عنها جذبت اشرقت خصره وهي تهتف من بين بكائها :
" أنا آسفة والله انا آسفة، كان فيه بنت عند الخياطة ضيعت اسورة دهب والدنيا اتقلبت واتهموا الكل ومحدش عرف يمشي غير لما لقيناها، والله ما كنت هتأخر يا سليم، حقك عليا "
انحنى سليم ليقبل رأسها مجددًا لكن تلك المرة اطال القبلة وهو يردد بهدوء وحنان جعل اشرقت تغلق عينها براحة :
" المهم أنك بخير يا اشرقت، لكن برضو اللي قولتيه مخلنيش أهدى ولا شفع ليكِ عندي سنتي واحد، وحسابنا لسه مخلصش "
انهى حديثه مبتعدًا عنها تاركًا إياها فاغرة الفاه لا تصدق أنه بعد كل ما حدث وما قالته مازال غاضبًا، أخذت تتمتم بغيظ شديد تسب تلك الفتاة بكل ما تعلم من سباب، لكن فجأة انتبهت لتحرك سليم صوب الباب، ظنت أنه سيرحل ويتركها غاضبًا، لكن سليم لم يفعل سوى أنه فتح الباب فجأة وبقوة ليتساقط أمامه شادي وكريم، بينما ظل عوض وشاكر وشادية واقفين دون أن يتحركا خطوة .
تحدث سليم بسخرية :
" منورين يا جماعة"
ابتسمت شادية وهي تساعد الاثنين على النهوض قائلة ببسمة غبية :
" بنورك يا ابو يُسر يا حبيبي، احنا بس قولنا نيجي نبص عليكم لو محتاجين حاجة كده ولا كده، بس الظاهر أن الأمور تمام، نستأذن احنا بقى "
أشارت بعدها لشادي وكريم :
" يلا يا ولاد ننزل نكمل العصير، انسحاب، طلع انذار كاذب"
نهض الجميع لتردد شادية وهي تتحرك للخارج :
" المرة الجاية يا اشرقت عشان منطلعش على الفاضي، ابقي صرخي صرختين ورا بعض وهنعتبرها إشارة للهجوم"
أنهت حديثها وهي تغلق الباب خلفها مشيرة للجميع ببسمة غبية :
" يلا نكمل سهرتنا يا شباب ..."
ومن الداخل هز سليم رأسه بيأس على ما يفعلون، فقد أدرك وجودهم منذ بدأت اشرقت تصرخ، ابتسم وهو يحمد الله رغم كل شيء على عودة زوجته سالمة، سمع صوت اشرقت من الخلف تردد بغباء :
" سليم، مش حابب تشوف الفساتين اللي كنت بعملها عند الخياطة ؟؟؟؟؟"
___________________________
كانت المشفى في حالة تحفز غريبة والكل مرتعب من هؤلاء الرجال _ الذين يبدون كقابضي الأرواح_ يطوفون في المشفى مُخلّفين حالة من الرعب بين جميع روادها .
كان مارتن يجلس على أحد المقاعد الجانبية في الممرات الخاصة بالمشفى وجواره تلتصق به جولي وعينها تتابع كل تلك الاكواد التي تتحرك أعلى شاشة حاسوبه والتي يحاول بها اقتحام كاميرات المراقبة الخاصة بالمشفى .
لكن قاطع كل ذلك صوت جولي التي تحدثت مشيرة للشاشة :
" ما كل هذه الأرقام مارتن هل تعلم بالحسابات ؟!"
ابتسم لها مارتن وهو يجذب وجهها لها يداعب وجنتها بحنان :
" لا حبيبتي هذه اكواد المراقبة هنا "
" لماذا ؟؟"
" احاول اقتحام نظام الامان ورؤية تسجيلات المراقبة "
صمتت جولي ثواني قبل أن تردد بجدية :
" ولِمَ لم تستأذن منهم ببساطة لتجعلهم يعطونك تلك التسجيلات ؟!"
نظر لها مارتن ثواني، ثم قال بجدية وهو يعود بعينه يراقب تحطيم جدار الحماية شيئًا فشيء، قبل أن تتحرك أصابعه لتبدأ العمل :
" ما تقولينه قد يبدو بسيطًا بالفعل، لكن قد يحتاج بعض الوقت، حتى نحضر أذن من مدير المشفى ونذهب لتفريغ التسجيلات ولن تكون جميعها متاحة لنا وأمور في غاية التعقيد؛ لذلك أليس من الأسهل أن أحمل حاسوبي واشاهد ما أريده دون قيود "
صمت ثم غمز لها بمشاكسة :
" ثم دائمًا كسر القوانين هو الافضل "
فتحت جولي فمها بانبهار شديد :
" أنت رائع مارتن، احبك عندما تكون مجرمًا وغدًا "
غمز لها مارتن مقبلًا وجنتها بحنان، ثم اعتدل أمام الحاسوب :
" حسنًا دعينا نبحث عن ذلك الصغير "
بينما في غرفة روما :
كان انطونيو ما يزال يضم جسدها بحنان، ويده تتحرك على شعرها صعودًا وهبوطًا، و روما تسكن بين أحضانه باستنكانة وراحة وكأن تلك التي كانت تنازع وتصرخ من الوجع منذ ساعات قليلة لم تكن هي ...
شعر انطونيو بعد مرور دقائق بجسد روما يتململ بين ذراعيه، خفف من تشديده على جسدها وهو يجذبها له قليلًا لتصبح في وضع صحيح، فتحت روما عينيها ببطء وهي تنظر حولها، قبل أن تتذكر وجودها بين ذراعيّ انطونيو .
مالت برأسها على كتفه وهي تردد بتعب :
" اشتقت لك انطونيو "
ابتسم انطونيو على حديثها، وكأنها للتو رأته، رغم أنها قضت وقت لا بأس به بين ذراعيه منذ قليل، قبّل رأسها بحب :
" وأنا أيضًا اشتقت لرؤياكِ روما "
" لقد كنت أشعر بانقباضات عنيفة في معدتي، وآدم رفض أن يخرج الطفل"
أسر انطونيو ضحكاته بصعوبة مربتًا على رأسها :
" لا بأس سوف اقتل ذلك الادم اللئيم لأجلك "
صمتت قليلًا قبل أن تقول بنعاس شديد بسبب تلك الأدوية التي تسري في دمائها :
" ليس آدم فقط، بل الجميع كان يتحامل عليّ، حتى جدي لم يأمر آدم أن يخرج الطفل بل استمر في المراقبة بصمت وهو يراهم جميعًا يتحدون ضدي مستغلين غيابك "
ضحك انطونيو بصخب :
" حسنًا لا بأس سنسامح جدي، ونعاقب الباقيين، فأنا لا قِبل لي بجدي "
هزت روما رأسها وهي تشعر بأنها على وشك السقوط في النوم مرة اخرى، ليحل الهدوء على الغرفة ويتخذ الاثنان الصمت شعارًا، ثواني واغمضت روما عينيها مستسلمة للنوم بكل راحة، وكذلك فعل انطونيو ولحق بها مستغلًا تلك السكينة التي تحوم حوله، فهو في أكثر لحظاته استرخاءً الآن ..
___________________
وبينما الجميع على قدم وساق لإيجاد الصغير، كان هو يجلس فوق سطح المشفى منذ عاد مع زوجته، يحمل بين يديه حقيبة بلاستيكية سوداء كتلك المعروفة في المحلات المصرية الأصيلة، بينما عين رفقة تكاد تخرج، تود لو تقفز داخل تلك الحقيبة لترى المفاجئات التي أخبرها جاكيري عنها .
وجاكيري كان يستمتع وهو يثير فضول رفقة بكل ما اشتراه بمجرد أن ذهب لمصر وقبل رؤية هالفيتي حتى، فبمجرد خروجه من المطار اشترى بعض الاشياء التي اعجبته لأجل زوجته، وللاسف لم يستطع شراء المزيد قبل العودة بسبب ما حدث .
" إذن رفكة هل أنتِ مستعدة لرؤية ما أحضرته لكِ صاحبة الشعر المجعد ؟!"
اتسعت بسمة رفقة أكثر وهي تغمز له أثناء جلوسها براحة على أرضية السطح جوار جاكيري :
" هيا يا رجل اعطني ما لديك، يكاد قلبي يقفز من الحماس خارج صدري "
غمز لها جاكيري ببسمة جانبية واثقة :
" صدقيني ما أنت على وشك رؤيته يستحق كل ذلك الحماس وأكثر "
هزت رفقة رأسها وعينها مازالت مُثبتة على الحقيبة، ثواني حتى رأت جاكيري يدس يده داخل الحقيبة، لتتابع تحركها ببطء يخرج منها شيئًا جعل رفقة تفتح فمها ببسمة تراقب ما يخرج، واخيرًا أخرج جاكيري يده وهو يمد بما يحمله لرفقة التي أمسكت ذلك الشيء بين يديها ولم تختفي بسمتها بل بهتت بصدمة وهي تشير لما في يدها :
" ايه دي ؟!"
رمقها جاكيري بعدم فهم لتتحدث بكلمات مرتابة :
" ما هذا جاكيري ؟!"
" اه هذه بعض رابطات الشعر لأجل صغاري "
رمقت رفقة ذلك الكيس البلاستيكي الشفاف الصغير والذي يحتوي على رابطات شعر صغيرة ملونة، كانت تبتاعه لها والدتها أثناء الطفولة لتصنع لها جدائل كثيرة وتسير بها في الطريق كقوس قزح بكل تلك الألوان المتنوعة .
" كيس توَك (رابطة شعر )؟! جايبلي كيس توك ؟؟ حد قالك عليا منكوشة ؟؟"
نظر لها جاكيري بتعجب :
" ماذا ألم تعجبك ؟؟ لقد دفعت فيها ثلاث دولارات ظنًا أنك قد تحبين شيئًا كهذا "
قلبتها رفقة بين يديها قبل أن تستوعب حديثه :
" لا اعجبتني أنا كنت احبها و......نعــــــــم ؟! قولت كام ؟! دفعت فيها كام ؟!"
تراجع جاكيري للخلف وهو يخشى من ردة فعلها تلك :
" هل هذه صرخة متحمسة ام ماذا؟! أنا لا افهم شيء منكِ"
" متحمسة ؟! دي صرخة مقهورة، دي صرخات حسرة، دفعت ٣ دولار في كيس توك مدفعش فيه تلاتة جنيه ؟؟ طبعًا ما طول ما أنت ماشي بمنظرك ده لازم ينصبوا عليك "
نظر لها جاكيري يلوي شفتيه باستهجان مرددًا بإيطالية منمقة :
" رفكة إما أن تتحدثي بلغة افهمها أو أنهض الأن ولن اكمل باقي الاشياء "
" هو لسه فيه باقي ؟! ايه ناوي على جلطة انهاردة ؟؟"
نفخ جاكيري وهو يعتدل في جلسته، ثم ضم الحقيبة البلاستيكية السوداء لصدره مرددًا بجدية :
" تريدين رؤية الباقي أم أرحل ؟!"
" لا ارني ما أحضرت "
أخرج جاكيري مجسم صغير للهرم وهو يلوح به في الهواء :
" انظري أحضرت هذا لنضعه في غرفتنا حتى تذكرك دائمًا بالوطن "
نظرت له رفقة بريبة وهي تدرك جيدًا اسعار تلك المجسمات الغالية، ورغم قلقها من معرفة سعره، إلا أنها سألت :
" كم سعره ؟!"
تحدث جاكيري ببساطة وهو يحركه أمام عينيه في الهواء :
" خمسون دولار "
" كـــــــام ؟!"
وبسبب صرخة رفقة اختلت يد جاكيري التي كانت تحمل المجسم، وكاد يسقطه ارضًا لولا أن تلقفه بين أحضانه وهو يرمق رفقة بغيظ :
" ما بكِ رفقة كدت احطمه بسبب صراخك"
لكن رفقة لم تهتم بشيء بل اخذت تهذي بجنون :
" خمسين دولار ؟! ده لو اخدت الهرم الحقيقي ايجار جديد مش هيبقى بخمسين دولار، ده أنت مش بيتنصب عليك زي السياح العاديين عشان من برة البلد، لا ده أنت بيتنصب عليك ولا كأنك كائن فضائي من برة الكوكب كله "
رمقها جاكيري ثواني لا يفهم سبب صراخها، لكنه قال ببساطة وهو يحركه بين يديه:
" لم يعجبك المجسم ؟! لقد احضرته لاجلك"
وعند هذه الكلمة تجاهلت رفقة كل ذلك الخداع الذي تعرض له زوجها وقالت بسعادة كبيرة استطاعت رسمها ببساطة :
" بل أنا اصرخ سعادة جاكيري، تلك الأشياء الرائعة التي احضرتها لأجلي تشعرني بالفرحة حبيبتي"
وبسبب تلك الكلمات، ابتسم جاكيري وهو ينظر في الحقيبة يقلب بها حتى أمسك بشيء وابتسم بسعادة وحماس كبير وهو يخرجه بسرعة ملوحًا به في الهواء :
" انظري هذه، لقد اخبرني البائع أن اضعها في المياه وستيضاعف حجمها "
نظرت رفقة لتلك الالعاب البلاستيكية التي تتضخم بفعل المياه والتي كانت تحب اقتنائها في طفولتها أو مراهقتها لا تتذكر، لكنها كانت تحبها؛ لذلك أخذتها منه ببسمة واسعة وهي تشكره بسعادة:
" أحببتها كثيرًا، لقد كانت المفضلة لدي"
ازدادت سعادة جاكيري بسبب تلك البسمة التي ارتسمت على وجه رفقة؛ لذلك أفرغ الحقيبة كلها ارضًا وهو يشير لكل تلك الأشياء الصغيرة اللطيفة التي اقتناها بحب لأجلها :
" كل شيء لأجلك لم احضر لي سوى تلك الحلوى فقط "
انتهى من حديثه مشيرًا للحلوى الطويلة " عسلية "
بينما رفقة شعرت بالدموع تتلألأ في عينيها، لم تهتم بسعر ولم تهتم بشيء، غير تلك الكلمة التي اخرجها جاكيري منه فمه " لأجلك"، ورغم بساطة كل شيء، بغض النظر عن سعرها الذي دفعه جاكيري، إلا أن تلك الأشياء مثلت لرفقة كنزًا .
تركت رفقة ما بيدها وهي تنهض جالسة على ركبتيها تحتضن وجه جاكيري بين يديها مقتربة منه بحب تقبل وجنته هامسة :
" هذه افضل واروع هدية حصلت عليها يومًا، هذا سيصبح كنزي الثمين جاكيري "
تأثر جاكيري من حديثها :
" حقًا أعجبتك !!"
" بل سلبت قلبي، احببت كل ما احضرته حقًا، يكفي أنها منك، جاكيري حتى إن أحضرت لي بعض الرمال ساراها أثمن شيء في هذه الحياة طالما كانت منك، وهذه الأشياء رائعة للغاية لم احصل عليها منذ طفولتي "
اتسعت بسمة جاكيري وقد نال الأن أكبر مكافأة، تلك اللحظات التي تحمّل فيها تذمرات انطونيو وفبريانو لأجل شراء كل هذا، تنقله بين البائعين في ذلك السوق الصغير لم يكن هباءً، سعيد أنها اعجبتها وبشدة .
وقد كانت، فرفقة لم تخدعه حينما أخبرته أنها أحبت تلك الهدايا، ولم تبالغ حينما وصفتها بأنها كنزها، فهي كذلك بالفعل، جاكيري أجاد انتقاء اشياء من الصعب أن تجدها هنا، كما أنها ستصبح رابطًا مهمًا بينها وبين طفولتها ووطنها ..
" أحسنت جاكيري أنت افضل من يحضر هدايا عزيزي، أنت أجمل جاكيري في هذا العالم كله، كم أنا محظوظة بك!"
اعتدل جاكيري في جلسته جاذبًا إياها لاحضانه بحب هامسًا بينما يده تمر على شعرها، واصابعه تتخلخل خصلاتها براحة وكأن ذلك مكانها الطبيعي :
" وذلك الجاكيري محظوظ بكِ رفكة، محظوظ أن نالك بعد سنوات عجاف، محظوظ منذ ذلك اليوم الذي طاردني به بعض الحمقى ليقودوني نحو مصيري واراكِ، ذلك اليوم حينما أبصرت شلالات شعرك التي مازلتُ وحتى هذه اللحظة اعافر للخروج من بين امواجها، لكنها تستطيع وبكل سهولة أن تجذبني مجددًا "
________________________
سحب اليخاندرو هالفيتي لأحد المقاعد معانقًا إياها بحب بينما الأخيرة كانت ترتعش باكية بين أحضانه، مشفقة على صغيرها، تجلد نفسها بقوة لأجل نسيانها صغيرها بهذه الطريقة .
" ازاي نسيته ؟! ازاي غفلت عنه ؟! "
كانت تهذي ببكاء بينما اليخاندرو ورغم أنه لم يفهم مقصدها من تلك الهمهمات إلا أن يده لم تتوقف عن التربيت بحنان ولطف :
" اهدأي صغيرتي، سوف نجد طفلك، اعدك لن يبتعد والاوغاد أحفادي لن يعودوا بدونه، أنا أثق بهم، فأنا لم أوكل لهم يومًا مهمة وفشلوا بها "
رمقته هالفيتي بجهل، ليبتسم اليخاندرو بسبب نجاحة في تشتيت انتباهها حول طفلها، لذلك استرسل في الحديث رغم إدراكه أنها لا تفهمه :
" إذن حفيدي الصغير يُسمى فتحي ؟!"
انتبهت هالفيتي لاسم صغيرها الذي خرج مضحكًا بعض الشيء من فم جدها، بعدما تحول من ( فتحي ) لـ ( فتهي )، لا يكفي أنه ينطق ذلك الاسم الذي تمقته، وايضًا نطقه بشكل خاطئ :
" اسمه قاسم يا جدو قاسم "
" قاسم ؟! يبدو جميلًا رغم أنني لا افهم ما معناه، إذن كيف يبدو حفيدي، وكيف لم اعلم أنني امتلك حفيدًا، لقد ...لقد كنت اموت شوقًا لاحمل طفلًا منكم، لقد حققتي حلمي "
صمت قليلًا ثم قال بتأثر :
" أعلم أنكِ لا تدركين ما اقول، لكنني يا ابنتي لا اطيق الانتظار لتلك اللحظة التي اضم فيها حفيدي الصغير بين أحضاني، أن استنشق رائحته الطفولية اللطيفة "
كانت أعين اليخاندرو تلتمع بالفرحة وهو يصف مشاعره، ورغم أن كلماته تلك لم تستطع بلورة كل مشاعره الداخلية، إلا أنه اكتفى بقول :
" أنا اشتاقه رغم أنني لم أره، أكاد أموت شوقًا لرؤية قاسم"
نظرت له هالفيتي وهي تقترب منه مقبلة وجنته بحب :
" مش فاهمة بتقول ايه بس انا بحبك اوي يا جدو، ولما قاسم يشوفك اكيد هيحبك اوي برضو "
ابتسم لها اليخاندرو بحب ...
وعلى بُعد صغير منهم كانت تقف أمام مرحاض الرجال في انتظار أن ينتهي الصغير مما يفعل، ثواني ورأت الباب يُفتح ورجل يدفع الصغير للخارج وهو يتحدث بالايطالية بكلمات غير مفهومة، لترمق الصغير تنتظر منه أن يفهم كلمات ذلك الرجل باعتبار أنه ايطالي مثله، هي تنظر لقاسم وقاسم ينظر للرجل والرجل ينظر لهما في انتظار رد .
ولا أحد يتحدث بكلمة، بدى الأمر كما لو أنهم في مسابقة تحديق واول من يحرك جفنه خاسر .
ثواني واقترب منها قاسم بعدما ملّ من كل ذلك، يجذب طرف الفستان الخاص بها :
" حمام .."
رفعت روبين حاجبها وهي تنحني نحوه مرددة ببلاهة :
" حمام ؟! معلش هو أنت منين ؟!"
نفخ الرجل وتركهما عائدًا المرحاض مجددًا، بينما روبين نظرت له ثواني بغيظ :
" ما أنت كنت في الحمام، اعمل ايه انا دلوقتي ؟!"
نظر لها قاسم بعيون طفولية بريئة وهو يردد :
" حمام "
حملته روبين بغيظ متحركة صوب حمام النساء بعدما قررت أن تساعده هي بنفسها، وضعته في الداخل أعلى المرحاض تاركة إياه ثم خرجت لتجيب هاتفها :
" الو "
" روبين أين أنتِ "
وضعت روبين الهاتف ما بين كتفها ورأسها مرددة بجدية أثناء مراقبتها لقاسم :
" في الحمام"
" مجددًا ؟! هل حدث أمر آخر ؟!"
" لا أنا فقط أساعد أحد المشردين "
توقف فبريانو في سيره وهو يردد بنبرة مرعبة بعدما تخلف عن أبناء عمومته تاركًا اياهم يكملون البحث عن قاسم :
" عفواً، أي نوع من المساعدات تلك التي قد تقدمينها لمتشرد في المرحاض روبين ؟؟"
" ماذا برأيك قد يفعل الإنسان في المرحاض فبريانو "
وما زادت جملتها فبريانو سوى اشتعالًا فوق اشتعاله، وقد بدأت عروقه تنفر بغضب من غباء زوجته التي يتخيل أي نوع من المصائب قد القاها غبائها فيها ..
" تبًا لكِ، هل تريدين أن انفجر غضبًا الآن ؟!"
شعرت روبين بالباب يُجذب من الداخل، لتتركه بعدما كانت تمسك بمقبضه وهي تقتحم المرحاض على قاسم مرددة :
" خلصت ؟!"
تحدث فبريانو بتعجب :
" خلصت ايه ؟!"
" لا مش أنت أنا بكلم المتشرد اللي قدامي "
هنا وجُنّ جنون فبريانو وهو يصرخ :
" أيتها الحمقاء أين أنتِ ؟!"
كانت روبين تنظر للمرحاض الذي عاث فيه الصغير فسادًا برشاش المياه:
" تصدق إني مغلطتش لما قولت عليك متشرد، ايه اللي عملته ده ؟! ينفع كده ؟!"
" روبين بحق الله اجبيني في أي مرحاض أنتِ ؟!"
أجابت روبين بعدنا تنهدت بتعب :
" الحمام اللي جنب المطعم "
اغلق فبريانو الهاتف وهو يركض وخياله الجامح أخذ يُصوّر له استغلال أحد المتشردين لغباء زوجته، حتى تساعده ثم يخدعها ....
توقف فبريانو أمام المرحاض الخاص بالرجال وهو يفكر لثواني، هل هي هنا ام في مرحاض النساء، ولأن عقله رفض الاعتراف بتلك الفكرة قرر أن يقتحم مرحاض النساء للمرة الثانية في نفس اليوم ....
وكما حدث المرة السابقة دفع الباب بعنف سالبًا شهقات النساء جميعهن، لكنه لم يهتم باحثًا بعينه عن روبين التي كانت في ذلك الوقت تتحدث من داخل أحد المراحيض مع شخصٍ ما ..
توجه صوب الصوت وهو يقول بغيظ :
" سوف تكون نهايتي على يديكِ روبين "
وقبل أن يفتح الباب رنّ هاتفه ليجيب دون أن ينظر في هوية المتصل، سمع صوت مارتن يصل له في اللحظة التي اقتحم فيها المرحاض وهو يردد :
" فبريانو ذلك الصغير مع روبين ..."
نظر فبريانو لروبين التي كانت تمسك بنطال الصغير لتلبسه إياه، لكن مع اقتحامه اخذت تحدق به في بلاهة هي والصغير وفبريانو الذي قال لأخيه :
" لقد وجدته مارتن ..."
اغلق فبريانو الهاتف وهو ينظر لزوجته بحنق ليصدح صوت الصغير هاتفًا بسعادة بعدما تعرف عقله الصغير على وجه أخيرًا بين كل تلك الوجوه الغريبة عليه :
" فربي...."
رفعت روبين حاجبها وهي تقول بريبة وشك :
" فربي ؟!"
انحنى فبريانو يجلس القرفصاء، يداعب خصلات الصغير وهو يساعده على هندمة ثيابه بينما روبين تراقب كل ذلك وقد بدأت بعض الهواجس الغبية تتلاعب بعقلها ..
" كويس أنك لقتيه لاحسن الكل خايف عليه "
تحدثت روبين بتحفز :
" هو مين ده ؟!"
" قاسم "
" قاسم ؟! وعارف اسمه كمان ؟! وانا اقول الواد قمر طالع لمين "
صمتت ثم قالت بسخرية لاذعة :
" اكيد لابوه القمر اللطيف "
رفع فبريانو عينه لها بشر هامسًا وقد بدأت ملامحه تحتظ بشكل مخيف :
" ابوه ؟! وأنتِ تعرفي أبوه منين ؟!"
ضربت روبين قدمها في الأرض صارخة :
" اعرفه؟! ده انا اعرفه عز المعرفة يا ابو قاسم، بس شكل الولد شبه أمه أكثر "
نهض فبريانو تاركًا الصغير ينظر ببلاهة لهما وهو يقف بينهما، بينما فبريانو اقترب من روبين ضاربًا باصبعيه جانب رأسها :
" أي والد هذا أيتها الحمقاء ؟! هل تعتقدين أن هذا الصغير طفلي ؟!"
" نعم، إذن كيف تعرف عليك وتعرفت عليه إن لم تكن كذلك "
صرخ فبريانو بحنق :
" أنا يمكن أن اكون أي شيء ويوجد العديد من الاحتمالات المبررة لمعرفتنا ببعضنا البعض عدا ذلك الاحتمال الغبي، بحق الله ذلك الطفل عمره عامين تقريبًا، كيف يمكن أن أكون والده وأنا في ذلك الوقت لم أكن مهتمًا بالنساء حتى "
سقطت دمعة من عين روبين وهي تتراجع للخلف قائلة بحزن :
" متزعقش طيب، أنا معرفش هو مين، بس هو ازاي عارفك ؟!"
زفر فبريانو بحنق وهو يردد :
" يمكن عشان ابن هالفيتي، وعرفنا بعض لما روحنا عشان نجبها؟!"
" بنت عمتك ؟؟"
هز فبريانو رأسه بالايجاب فتحدثت روبين ببلاهة :
" هي متجوزة ؟! "
انحنى فبريانو حاملًا الصغير وهو يردد بسخرية :
" لا جابت قاسم بالانقسام الميوزي "
" انقسام ميوزي؟! أنت كنت علمي علوم؟! شكلك علمي رياضة"
نظرت روبين لظهره تراه يغسل للصبي يده ووجهه، وجميع النساء قد تجمعن أمام المرحاض لمشاهدة الشجار رغم عدم فهمه لبعض الجمل، خرجت روبين لتنظر إلى فبريانو الصغير وهي تردد بإدراك :
" عشان كده كان فاهمني، عشان هو مصري ؟!"
ابتسم فبريانو باستنكار لعدم اكتشافها الأمر حتى الآن، وهو يهز رأسه بنعم، ثم حمل الصغير بعدما جفف يده، مد يده الحرة لروبين التي تعلقت بها، ليتحرك فبريانو بهما خارج المرحاض وهو يقبل رأسها :
" جيد أنكِ وجدته، لقد بحثنا عنه في كل مكان "
فركت روبين رأسها بغباء :
" أنا كنت مفكراه عيل متشرد رغم إن لبسه نضيف وحلو، بس ده سرق مني الشوكولاتة بتاعتي وهددني اني اشتري ليه شنطة الحلويات دي كلها وإلا هيأذيني، فأنا اضطريت اشتري حلويات ليه من فلوسك "
رفع فبريانو حاجبه مشيرًا للصغير الذي انتزع حقيبة الحلوى من يد روبين، وفبريانو يردد باستنكار :
" الصغير فعل هذا ؟!"
هزت روبين رأسها بنعم وهي تنظر لقاسم بتذمر لتتعالى ضحكات فبريانو بقوة ضاممًا إياها لصدره :
" اوووه ذلك القاسم الشرير فعل هذا بكِ، لا بأس ارنبي الوردي سأحضر لكِ حلوى كثيرة "
نظر بعينه لقاسم الذي بدأ يخرج الحلوى من الحقيبة بشكل فوضوي ويبدأ في تناولها :
" وللصغير كذلك ...."
__________________________
توقف أدهم عن السير يرمق مايك بتعب شاعرًا بالعجز، دار بعينه في المكان حوله وقد كانت الحديقة التي تمتلء بالصغار، يأمل أن يصطدم بوجهه صغيره الحبيب بينهم وملامح البؤس ترتسم على وجهه بشكل جعل مايك يربت على كتفه مؤازرًا :
" لا تقلق سنجده"
نظر له أدهم بضعف يكبت دموعه بصعوبة فهذه المرة الأولى التي يبتعد بها صغيره عنه، وايضًا في مكان لا يعرفه أو يفهم من به، سقطت دمعة من عينه بضعف وهو يهمس :
" هو لا يستطيع التحدث جيدًا مازالت حروفه متعثرة، لا ينطق سوى كلمات قليلة، وبالعربية أيضًا، أخشى أن يحدث له شيء دون أن أكون جواره، أشعر بقلبي يأن وجعًا عليه، صغيري برئ لا يفقه شيئًا "
تأثر مايك من كلماته ليجذب أدهم لاحضانه يربت على ظهره بحنان شديد، ورغم عدم حديث مايك لادهم سابقًا إلا أنه همس بلطف :
" لا تقلق، لن يسمح جدي بحدوث شيء للصغير، صدقني إن اضطر لقلب تلك البلاد رأسًا على عقب ليجد الصغير، سيفعل دون تردد، فقط تماسك "
سقطت دموع ادهم وهو يستقبل كلمات مايك بلهفة، وكأنه ينتظر في تلك اللحظة أي كلمة قد تطمأنه على صغيره، يحتاج أن يخبره أحدهم أن كل شيء بخير ..
ثواني وابتعد عنه مايك يشير للاطفال :
" تعال لربما كان يمرح هنا او هناك "
حرّك أدهم رأسه لأعلى وأسفل موافقًا وقبل أن يتحرك مع مايك، توقف الأخير مخرجًا هاتفًا يقرأ الرسالة التي أرسلها مارتن لهم جميعًا والتي كان محتواها ( فبريانو وجد الصغير ) .
_____________
في ممرات المشفى انتفض جسد اليخاندرو عندما وقعت عينه على كلمات مارتن، اتسع فمه ببسمة واسعة وهو ينظر بسعادة لهالفيتي مرددًا :
" لقد وجدوا قاسم، فبريانو وجد حفيدي "
ورغم أنها لم تفهم شيئًا، إلا أنها استشفت من السعادة المرتسمة على فمه أنهم علموا شيئًا عن صغيرها، أمسكت بذراعيّ جدها مرددة بلهفة :
" قاسم ؟؟ لقيتوا قاسم ؟!"
وقبل أن يجيبها اليخاندرو سمع الاثنان صرخة طفولية عالية تهتف بلهفة وسعادة :
" مــــــــــــــامـــــــــا "
استدارت هالفيتي بعنف صوب مصدر الصوت، ثواني لتلمح فبريانو الذي كان يحمل صغيرها بحنان، ودون تردد ثانية ركضت نحوه بسرعة كبيرة .
وضع فبريانو الصغير ارضًا، ليبتسم بفمه الملطخ بالحلوى، يفتح ذراعيه في حركة معتادة وهو يقابل والدته بسعادة، وفي ثواني كان الصغير بين احضان والدته التي انكبت عليه بالتقبيل والبكاء :
" حبيب قلب ماما، كنت فين يا قاسم؟! كده تسيبني وتمشي ؟؟"
ابتسم لها الصغير وهو يربت على خدها بحنان مستخدمًا يده الملطخة بالحلوى، لكن هالفيتي لم تهتم وهي تقبله بقوة تحمد الله في قلبها أن وجدته .
هي ثوانٍ فقط غاب عن ناظريها لتشعر أنها سنوات طويلة، هذا الصغير الذي بيده مقاليد قلبها يحركها كيفما يشاء، يستطيع أن يزرع سعادة العالم كله بقلب والدته بمجرد بسمة واحدة فقط، وبإمكانه أن يجعلها أتعس انسان وبدمعة وحيدة فقط، ذلك الصغير الذي سلب لُبها منذ أول صرخة بكاء بعد انجابه، من سلب قلبها بعد اول ضمه له .
كانت هالفيتي تستشعر وجوده بين أحضانه وهي تبكي، تلك الدقائق كانت قصيرة عليها، طويلة على عقلها الذي أخذ يجلدها بسياط الندم، صغيرها المسكين الذي لا يستطيع حتى نطق جملة كاملة بشكل صحيح، كيف سيتصرف في عالم مجهول له مع اشخاص لن يفهمهم...
ومن بين كل تلك المشاعر انبثق صوت اليخاندرو الذي كان ممتلئ بمشاعر لم يستطع السيطرة عليها، يردد حروف اسم الصغير بكل الحنان والحب الساكن في نابضه :
" قــاســم "
عاد الجميع في ذلك الوقت، حتى جاكيري والذي رأى رسالة مارتن ولم يفهم منها شيء، أي صغير هذا الذي وجده فبريانو ؟! لذلك أمسك بزوجته ونهض ليرى ما يحدث دون علمه .
تجمع الكل حول اليخاندرو يشاهدون تلك الحالة الغريبة على جدهم وهو ينحني على ركبتيه يناظر الصغير الذي يختبئ في اقدام هالي، يمد يديه له بشوق استبد بقلبه ..
" قاسم "
كان هذا اقصى ما استطاع اليخاندرو نطقه وهو يرى الصغير ينظر له بفضول، كانت هالفيتي منحنية بجوار الصغير وهي تردد بحنان :
" قاسم ده جدو .."
نظر لها الصغير مرددًا بطفولية وحروف متعثرة :
" جدو عوض ؟؟"
ابتسمت له هالفيتي تربت على خصلات شعره الناعمة، ثم قبلت وجنته بحب :
" لا ده جدو تاني غير جدو عوض، مش هتروح تحضنه حضن كبير ؟! هو بيحب قاسم اوي "
نظر الصغير لاليخاندرو ومازالت يده تضم حقيبة الحلوى التي احضرتها له روبين، قبل أن يتحرك ببطء صوب اليخاندرو الذي كان قلبه ينتفض شوقًا في إنتظار أن يلمس الصغير ويحتضنه له حتى يهدأ خافقه ...
توقف قاسم أمام اليخاندرو يمد يده بفضول ليتحسس تلك اللحية التي يتخللها شعر ابيض كثيف، وقد دفعه فضوله لاكتشافها، ورغم أن يده كانت ملطخة ببواقي حلوى إلا أن تلك الحركة البسيطة كانت أقوى مما استطاع اليخاندرو احتماله، لتسقط دموعه يضم الصغير له بقوة، وقد عادت ذاكرته لسنين سابقة وهو يضم اول طفل له من زوجته الحبيبة، ثم اول حفيد له، والآن ابن حفيدته الاول بين أحضانه، لم يتخيل أن تنصفه الحياة لهذه الدرجة، كان يضم الصغير بين أحضانه وهو يبكي بتأثر لتلك اللحظة، لا يصدق أنه يضم اول طفل من أحفاده الآن، كان ذلك أكثر من قوة تحمله .
كل ذلك كان تحت أنظار الجميع الذين لم يتعجبوا بكاء اليخاندرو أو تأثره، فالجميع هنا يدرك ذلك الجزء الهش داخل جدهم والذي يبرز مع أفراد عائلته فقط، فما بالكم بالطفل الاول من أحفاده، اليخاندرو الذي ضم بين أحضانه تلك ابناءه ثم احفاده، ها هو الآن يضم اول الواصلين من الجيل الثالث، مدلل العائلة الاول .
كانت روبين تبكي بتأثر وهي تشاهد ما يحدث وكذلك كانت جميع الفتيات، بينما الشباب ابتسموا بسعادة وفرحة لرؤية اول طفل في العائلة والذي بمجرد أن خرج من احضان اليخاندرو حتى تسابقوا جميعًا له وهم يصيحون به أن يأتي إليهم .
كان قاسم لا يستوعب شيء سوى أنه يتنقل بين أيدي رجال كثيرين، الجميع يحمله ويقبله بقوة والبعض يضمه بحنان والآخر يقذفه في الهواء فرحًا .
بينما النساء يشاهدن ما يحدث بتأثر، فها هو ذلك الصغير يكشف وجه آخر من أزواجهن لم يبصرنه بعد ...
استكانت روبين لأحضان فبريانو مرددة بدموع وتأثر :
" حبيبي عسول اوي، كويس إني مأخدتهوش للملجأ وإلا كان جدو زعل اوي"
نظر لها فبريانو بصدمة مما تفوهت به :
" ملجأ ؟!"
مسحت روبين دموعها وهي تقول بجدية :
" أنا فكرته عيل ضايع أو واحد من الأطفال المساكين اللي في الشارع، فكنت هاخده ملجأ بدل ما يفضل في الشارع"
ضم فبريانو رأسها لصدره بقوة مانعًا إياها من إكمال الحديث :
" اششش متقوليش لحد الأفكار دي، بدل ما جدي يرمينا كلنا في ملجأ "
سمع الجميع صوت أدهم الراكض في بداية الممر يهتف باسم صغيره بلهفة وسعادة كبيرة وخلفه يركض مايك ليرى صغير هالفيتي...
في تلك اللحظة كان قاسم يقبع بين احضان جايك الذي كان يمطره بالقبلات التي كانت تثير ضحكات الصغير لتعلو قهقهاته بشدة ...
توقف جايك عن تقبيل الصغير وهو يرى زوج هالفيتي يجذبه من بين يديه بقوة، التوت ملامحه بحنق وهو يصرخ :
" هيييه لقد أخذته للتو، هذا دوري أنا "
لكن أدهم لم يكن يستمع لشيء وهو يضم الصغير بين أحضانه:
" حبيب بابا، قلبي كان هيقف من الرعب عليك، كنت فين ؟!"
تمتم الصغير بصوت طفولي :
" شوكولاتة "
" شوكولاتة ؟! سبتنا عشان تدور على شوكولاتة ؟!"
هز الصغير رأسه بنعم مبتسمًا، ليحذره ادهم بلطف بعض الشيء :
" كده غلط يا فتحي، لما تحتاج شوكولاتة تاني تقول ليا أو لماما ماشي ؟؟"
صمت الصغير ثواني وكأنه يزن الكلمات في رأسه :
" ماشي "
ابتسم ادهم مجددًا وهو يضمه مقبلًا وجنته بحب، ليشعر باقتراب هالفيتي منهم والتي ربتت على خصلات شعر الصغير بحنان، رمقها أدهم بحب يحرر أحد يديه يضم بها زوجه بحب، يشكر الله على وجودهم جواره، ثواني فقط من اختفاء الصغير كانت كافية لتشعره أن عالمه على وشك الانهيار تمامًا .
سمع صوت يتنحنح جواره وهو يقول بجدية :
" حسنًا بما أننا رحبنا بالصغير، حان وقت الترحيب بابنة العمة الغالية "
هكذا أردف ماركوس الذي اتسعت بسمة وهو يفتح ذراعيه مرحبًا بهالفيتي :
" مرحبًا بزهرتنا الغالية، انرتي العائلة اميرتنا "
وما كادت يده تجتذب هالفيتي من بين أحضان أدهم، حتى سارع الاخير بالوقوف بينهما يرمق الجميع الذين بدأوا التجمع حوله بغضب :
" لا يقترب أحدكم من زوجتي، لا عناق لا سلام ولا لمسة واحدة حتى، هيا ابتعدوا عنها "
كان يتحدث وهو يحرك يديه في الهواء، بينما هالفيتي خلفه تعيش اسعد لحظات حياتها حفنة من قطع الحلوى المستوردة تتهافت على احتضانها، حسنًا ليس هذا ما يسعدها فهي لن توافق على أية حال، بل يسعدها وبشدة وقوف أدهم أمامها بهذا الشكل ومدافعته عن حقه فيها وحده، وأن لا أحد في هذا العالم يحق له لمسها غيره هو فقط، وهذا ما جعلها تنتشي سعادة .
في تلك اللحظة خرج انطونيو من الغرفة بعدما استيقظ على صوت صياح الاوغاد أبناء عمه، يصرخ بغضب وحنق :
" أنتم أيها الحمقى ألا تدركون أننا في مشفى هنا ؟!"
نظر له الجميع وعم هدوء طويل بيهم قبل أن يندفعوا فجأة في الحديث مع بعضهم البعض مشيرون نحو أدهم وكلٌ يتحدث بحنق، البعض يتذمر لأنه أخذ منهم الصغير والبعض الآخر حانق لأنه لا يسمح لهم بالترحيب باميرتهم الحبيبة، كل ذلك وادهم يربع يديه أمام صدره بكل برود :
" والله لو جبتولي بعثة من الأمم المتحدة تتوسطلكم ما هخلي واحد منكم يلمسها لمسة واحدة بس "
اتسعت بسمة هالفيتي بقوة وهي تردد :
" ما بلاش الغيرة دي يا ابو قاسم، دول مهما كان اخواتي "
التفت لها أدهم ينظر بشر ولم يكد يتحدث حتى قاطع الجميع صوت انثوي يردد :
" هذه هي الزهرة إذن ؟؟ اريد أن اتعرف عليها "
وكان ذلك الصوت هو صوت جولي التي تجمعت هي والفتيات حول هالفيتي والجميع ينظر لها بنظرات تقييمية لمعرفة هوية تلك الزهرة المدللة في عائلة اليخاندرو ..
وهكذا تداخلت الصيحات وعلت الاصوات بشكل جعل انطونيو يكاد يخرج سلاحه ليبيد هؤلاء الحمقى، والفتيات يحمن حول هالفيتي....
لكن كل ذلك توقف على صرخة اليخاندرو ...
_____________________
يجلس الجميع في غرفة روما بهدوء شديد، لا أحد يجرأ على أن ينبث ببنت شفة، الكل ينظر لبعضهم البعض بريبة، فمنذ دقائق أتى بعض الأطباء يحذرونهم من تلك الضوضاء التي احدثوها، ليرمقهم اليخاندرو بنظرة قاتلة، ولولا وجود قاسم في الجوار لكانت ردة فعله أعنف من كل هذا .
تنحنح انطونيو وهو يشير لروما التي كانت تحدق في الجميع بحنق لأجل إفساد وقتها مع انطونيو :
" هالفيتي هذه زوجتي روما "
ترجم ادهم لهالفيتي ما قاله انطونيو لتبتسم له هالفيتي وهي ترحب بروما :
" اهلا يا حبيبتي بيرسيليو قالي أنك حامل وتعبانة، ربنا يقومك على خير يارب، هو أول عيل كده بيتعب، أنا في قاسم كنت مش بقدر اتحرك من مكاني وخليت ادهم يشوف الويل معايا"
كانت تتحدث بانسجام في الحديث والجميع يحدق بها، لتتحدث روما رغم عدم فهمها لشيء :
" شكرًا لكِ هالفيتي، أنا أيضًا تشرفت بلقائك، لقد اخبرني انطونيو عنكِ الكثير "
بادلتها هالفيتي البسمة بأخرى لطيفة، قبل أن ترى فتاة تنتفض من مكانها متحدثة ببضع كلمات غير مفهومة، ثم توجهت لها تتحدث بحماس كبير :
" مرحبًا أنا جولي، زوجة مارتن، سعيدة لرؤيتك، أنتِ تبدين جميلة حقًا "
همس ادهم في أذن هالفيتي بكل ما قالته جولي، لتقرر هالفيتي النهوض وجذب جولي لاحضانها مرددة بسعادة :
" يا ختي أنتِ اللي قمر وزي حتة الطوفي كده، ماشاء الله هما كلهم حلوين كده هنا ؟! دول لو متفصلين بالطلب مش هيكونوا كده سبحان الله"
ردد ادهم ساخرًا على حديثها وكأنها رأت للتو كائن خرافي :
" ويخلق ما لا تعلمون "
ابتسمت جولي تبادل هالفيتي الاحتضان قبل أن تسمع صوت هايز تتحدث بخجل :
" هل يمكنني الترحيب بها أيضًا ؟!"
ابتعدت جولي لتستدير هالفيتي لهايز التي أشارت لادم متحدثة :
" أنا هايز زوجة آدم "
صاحت هالفيتي بترحيب وفرحة :
" مرات آدم الغلطة، ايه القمر ده كتكوتة اوي، طب والله جوزك ده اكتر واحد بستريح ليه، حتى تلاقيه اسمه كده سهل ومش معقد، خفيف على القلب كده "
رفع فبريانو حاجبه مرددًا بجهل :
" الغلطة ؟؟ "
اقتربت راسيل ترحب بهالفيتي كذلك :
" مرحبًا أنا راسيل زوجة مارسيلو "
حيتها هالفيتي بلطف :
" مساحيق غسيل في بعضيكم، مخرجتوش برة "
أطلق فبريانو ضحكة عالية لم تفهم هالفيتي سببها لكنها ابتسمت له بغباء قبل أن تتحرك فيور جهتها :
" مرحبًا تتذكريني، أنا فيور "
لم تفهم هالفيتي سوا اسم فيور لتسارع بالحديث :
" ايوة مرات الموكوس، فكراكِ طبعًا "
انتبهت هالفيتي لفتاة ذات شعر احمر مبهر تجلس بهدوء حوار أحد أبناء خالها، ترمق الجميع ببسمة هادئة صافية لتشير لها متحدثة :
" شوف يا ادهم البت دي شبه بطلة المسلسل التركي"
حرّك أدهم رأسه لينظر حيث تشير زوجته، لكنها وقفت أمامه بغيظ :
" أنت هتعمل ايه ؟!"
" هعمل ايه ؟؟ مش قولتيلي اشوف البنت اللي شبه البطلة ؟؟"
لوت هالفيتي شفتيها بحنق شديد :
" ده تعبير مجازي مش بجد، بعدين هو أي حد يقولك شوف تشوف؟! افرض حاجة وحشة؟!"
رفع ادهم حاجبه من ذلك الهجوم الشديد لأجل ما فعل :
" بت أنت متخلفة؟!"
" لا أنت اللي بصباص وبتاع بنات والعيشة معاك مبقتش تنفع، مش كل شوية الاقيكِ بتبص على واحدة، أنا ميعجبنيش الحال المايل ده "
اشار ادهم على نفسه بصدمة كبيرة ولسان حاله يصرخ ( أنا ؟؟؟)
لكن هالفيتي لم تكد تضيف كلمة حتى وجدت " بطلة المسلسل التركي" تقترب منها متحدثة برقة :
" أنا روز زوجة جايك "
ابتسمت هالفيتي بسعادة تضمها بقوة :
" روز !! اسمك جميل خالص، ما فيه اسماء حلوة اهي عندهم "
ثواني ورأت هالفيتي فتاة اخرى تقترب منها وهي تمد يدها متحدثة ببسمة واسعة :
" اهلا يا هالي أنا رفقة مرات جاكيري، اتشرفت بمعرفتك، واتمنى تقضي اجازة سعيدة عندنا "
في تلك اللحظة ارتسمت صدمة كبيرة على وجه هالفيتي، صاحبتها شهقة عالية، جعلت رفقة ترتعب وهي تتراجع للخلف بريبة، بينما هالي أشارت لها مرددة بصدمة ودموع :
" مصرية ؟! دي بتتكلم زينا يا ادهم الحق "
ابتسمت رفقة بريبة وهي تهز رأسها بنعم :
" ايوة أنا مصرية و...."
ولم تكد تكمل كلمتها حتى سحبتها هالفيتي لاحضانها بقوة وهي تردد وكأنها قابلت أحد أفراد شعب بلدها في بلد خارجية بعد غربة دامت لعقود، وليس لساعات فقط .
" ياااه، تحيا مصر "
أطلقت رفقة ضحكة وهي تبادل هالفيتي العناق بقوة، تتأكد أن تلك الفتاة القابعة بين أحضانها هي أكثر الفتيات بساطة ولطفًا، بسيطة بشكل يجعلك تشعر كما لو أنها رفيقة قديمة، صاحبة وجه مألوف وملامح مريحة ...
اقتربت روبين في تلك اللحظة بمشاكسة تضيف :
" وانا كمان مصرية، أنا اللي لقيت قاسم على فكرة واخدت بالي منه "
ردد فبريانو بصوت هامس ساخر :
" وكنتِ هترميه في ملجأ "
ابتعدت هالفيتي رفقة وفمها مفتوح بصدمة :
" الاه ؟! أنتِ كمان مصرية ؟! طب ما المحلي شغال اهو والتصدير مفتوح والدنيا زي الفل اهي"
صمتت ثم اردفت بصدق :
" شكرًا أنك اخدتي بالك من ابني، جميلك مش هنساه العمر كله "
ضحكت روبين بقوة تحتضن هالي مرحبة بها، بينما جميع الفتيات ينظرن لهن ببسمة واسعة وقد نشرت هالفيتي بمزاحها البهجة في المكان ورسمت ببساطتها وبسمتها الضحكات على الوجوه .
نظرت هالفيتي للفتاة الأخيرة وهي تقول ببسمة واسعة ممازحة:
" متقوليش أنك أنتِ كمان مصرية ؟!"
ضحكت لورا ضحكة جميلة سلبت لب مايك الذي هام بها وهي تقترب من هالفيتي غامزة لها بمرح :
" لا مو مصرية، بس عربية "
صمتت تمد يدها ببسمة لطيفة :
" أنا سورية، اسمي لورا زوجته لمايك "
ارتسم الانبهار على وجه هالفيتي وهي تدفع ادهم في كتفه :
" ادهم بص دي سورية وبتتكلم زي المسلسلات التركي "
ابعد ادهم وجهه للجانب الآخر يجيبها بعناد وسخرية :
" لا شكرًا مش عايز اشوف حاجة، لاحسن الاقي نفس بعد شوية خاين وبتاع بنات ومش متربي "
ضحكت هالفيتي بقوة وهي تنحني عليه تضم رأسه بحب :
" متقولش عن نفسك كده أنت قمر "
ابتسم لها أدهم وهو يهمس بخفوت :
" لولا أننا قدام عيلتك كنت قولتلك مين القمر هنا "
أنهى حديثه بغمزة تسببت في خجل هالفيتي التي ابتعدت وهي تردد بسعادة :
" أنا فرحانة اوي اني شوفتكم، أي نعم اتصدمت أن كلهم اتجوزوا، مش فاهمة ده حصل ازاي وانا آخر مرة قابلتهم كلهم كانوا كلهم بائسين مفيش حد معبرهم، مرة واحدة كلهم بقوا ازواج "
نهض اليخاندرو وعلى كتفه يغفو قاسم بارهاق بعد ذلك اليوم الطويل، يضمه جده إلى صدره بحنان ويده ماتزال تتحرك بلطف على ظهره.
" حسنًا والآن وقد تعرف الجميع، استمعوا لي "
نظر لانطونيو وهو يردد بهدوء :
" انطونيو روما بخير، فقط بسبب ارهاقها في الفترة الأخيرة وسفرها بالطائرة والاضطرابات الجوية، هي كل ما سبب لها تلك الانقباضات العنيفة، إلى جانب أن الطبيبة أخبرتني أنها لا تتغذى جيدًا "
وسريعًا تحركت عين انطونيو لروما التي ابتسمت بغباء ليقاطع اليخاندرو تلك النظرات قائلًا بجدية :
" لقد تحدثت مع المشفى ليتم نقلها في سيارة إسعاف حتى المزرعة وحتى نتأكد أنها لن تتعرض لأي مخاطر أثناء الطريق، باعتبار أن جاكيري هو من سيقود الحافلة، بمجرد الوصول للمزرعة لن أسمح لأحد أن ينعزل عن الباقيين وتلك الهواتف القمئة سيتم مصادرتها من الجميع "
نظر الجميع الصامت قبل أن ترتسم بسمة متحمسة على وجهه :
" إذن انتم جاهزون لبدء الرحلة ؟!"
صمت الجميع ولم يتحدث أحدهم بكلمة ليرفع اليخاندرو حاجبه بترقب، جعل هالفيتي تقترب من ادهم هامسة :
" هو كله سكت ليه ؟! هو جدو قالهم ايه !!"
كاد أدهم يجيب لولا صوت اليخاندرو الذي قال بصوت متحفز :
" لم اسمع ردًا ..."
أجابه الجميع بفرحة كبيرة البعض اصطنعها والبعض الآخر كانت صادقة :
" نعم جدي، نحن جاهزون وبشدة "
كانت الفتيات تصرخ بسعادة لتصفق هالفيتي بغباء معهم دون أن تفهم شيء.
قبّل اليخاندرو الصغير وهو يقول بتوعد خبيث غامض يخفي خلفه الكثير والكثير :
" هذا جيد، اعدكم برحلة لا مثيل لها احبائي.."
وما كاد أحدهم يتحدث بكلمة حتى فُتح الباب فجأة واقتحمه شخصين تحدث أحدهما بثقة كبيرة وبسمة واسعة :
" يلا أنا جبت الملاية والرنجة وجهزت العوامة بتاعتي "
تحدث الشخص الآخر والذي كان امرأة عجوز تستند على عكازها :
" أنتم أيها الاوغاد عديمي الأدب، كيف تتركونني في المنزل وحدي وترحلون؟! أردتم الهرب والذهاب للمزرعة بدوني؟! هكذا أنتم لن تتغيروا، أصحاب قلوب سوداء لا فائدة ترجى منكم "
ابتسم اليخاندرو بسمة واسعة وهو يهمس :
" حسنًا الآن اكتملنا احبائي، إلى الحافلة لنبدأ الرحلة ...."
_____________________________
وكما قال اليخاندرو ( لنبدأ الرحلة .......)
فاستعدوا لعيش حياة مختلفة رفقتهم، مع رحلة مليئة بالجنون .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل
إهداء لتلك البائعة التي كانت تفتح محلًا صغيرًا جوار منزل جدي، والتي كانت دائمًا ما تشهق فزعًا في طفولتي حينما تعلم هوية والدتي، مرددة بحسرة وتعجب (كيف لوالدتي صاحبة البشرة البيضاء الصافية، أن تحضر فتاة مثلي ببشرة قمحية؟! ) لكم وودت وقتها أن اعطيها ردًا آخر غير تلك البسمة الطفولية السخيفة وردي المعتاد على تلك الجملة وهي ( أنا أشبه جدتي من والدي يا خالة)، هذا فقط كل ما كنت استطيع قوله لها، عقلي الصغير لم يستطع أن يخبرها ( أن ذلك خلق الله ) لم يستطع أن يشرح لها أن الجميع جميل، وأن الاختلاف غالبًا ما يكون جميلًا، أن اختلافي عن عائلتي ليس بالشيء السييء، بل هي ميزة اعطاها لي الله، وددت لو رددت على مسامعها الآية التي يقول فيها سبحانه وتعالى ( تبارك الله احسن الخالقين ) وددت و وددت أردت اخبارها الكثير والكثير، أخبرها أن ذلك الحديث الذي تتبعه غالبًا بضحكة عالية رفقة من معها من النساء ليس مضحكًا وليس أمرًا جيدًا، لكن الموت كان اسرع مني، ذهبت الخالة وتلاشت ذكراها، ولم يتبقى لها أثر في هذه الحياة سوى كلماتها التي لن انساها طالما حييت .....
لذلك انتبه فأنت لا تود أن يكون كل ما يتذكره الناس عنك بعد وفاتك هو ما اتذكره أنا عن الخالة....
أترك اثرًا طيبًا، ازرع ورودًا بدل من غرس الأشواك، كن طيب الحديث، لطيف المعشر.....
صلوا على من تطيب القلوب بذكره .....
قراءة ممتعة .
___________________
شقت الحافلة طريقها بسرعة مخيفة، وقد كان قرار اليخاندرو بنقل روما عبر سيارة إسعاف قرارًا صائبًا، فلو كانت في تلك اللحظة معهم لكانت خسرت حملها بسبب قيادة جاكيري الذي لا يهم أي نوع وسائل المواصلات يقود، طالما أن لها عجلات تتحرك إذن سيقود كما يشاء ويحب .
كان الجميع يتمسك بمقعده في رعب شديد والسباب تتراشق حول أذنيّ جاكيري الذي لم يكن يهتم حتى بهم ...
وفي وسط كل تلك الصراخات من الجميع والشتائم المتقاذفة، والغضب الذي كان يحوم في الحافلة، شخص واحد فقط هو من كان يعيش افضل لحظات حياته، ولم يكن سوى الوافد الجديد على العائلة " قاسم "
تحرك قاسم من بين يدي هالفيتي يسير في الممر الذي يتوسط الحافلة وهو يتضاحك بقوة على الهواء البارد الذي يصطدم في وجهه وعلى السرعة التي تتحرك بها الأرض أسفل قدمه _ كما يعتقد_، ورغم أنه كلما سار خطوة سقط على وجهه، إلا أنه لم يبكي بل كانت ضحكاته ترتفع أكثر وأكثر .
استمر قاسم في ذلك حتى أصبح بالقرب من جاكيري ومقعد السائق ليبتسم باتساع وعينه تراقب المناظر الطبيعية من الزجاج الأمامي للسيارة، صفق بسعادة وصوت تمتماته تصل للجميع .
ارتفع صوت مارتن بغضب :
" ايها الغبي انتبه فلدينا طفل في السيارة، قد يُصاب بالفزع "
نظر له جاكيري لثواني وكاد يبطئ القيادة لولا سماعه لصوت تصفيق الصغير خلفه، نظر له نظرة سريعة قبل أن ينحني بجسده يحمل قاسم أعلى قدمه، ولأول مرة يضع حزام الامان عليه، لكنه فعل ذلك ليضمن عدم اندفاع جسد الصغير عبر الزجاج الأمامي، ثم منحه قبلة وهو يهمس له :
" إذن سيد قاسم هل أنت مستعد لسماع المزيد من السباب "
لم يفهم قاسم حديثه، لكنه كان سعيدًا ظنًا أن كل ذلك لعبة، لتتسع بسمة جاكيري وهو يغمز له قائلًا :
" سأعتبر هذه موافقة "
وبهذه الجملة ازدادت سرعة الحافلة تزامنًا مع ارتفاع صيحات قاسم السعيدة، وصيحات الباقيين المتذمرة ......
ثواني فقط حتى توقفت الحافلة فجأة بشكل قوي وعم الصمت بين الجميع ظنًا أنهم وصلوا لوجهتهم، عدّل ماركوس من ثيابه بحنق ناهضًا من مقعده متحركًا صوب باب الحافلة، لكن وبسبب حركة الحافلة المفاجئة والقوية سقط الاخير على وجهه بقوة وتعالت صيحاته في المكان بأكمله ....
بينما الجميع كان يشاهد ما حدث بأعين مفتوحة وجاكيري لا يهتم، فقط ينظر للنافذة بجواره يراقب حافلة رحلات أخرى تسير على نفس الطريق ...
ازدادت سرعة جاكيري ليسابق تلك الحافلة رافضًا أن يتفوق أحدهم عليه في القيادة :
" انظر يا صغير المسألة الآن مسألة شخصية، ذلك السائق يتحداني أنا، هل تظن أنه عليّ أن انقاد خلف ذلك التحدي ؟! "
وبمجرد انتهاء كلماته صاح قاسم بسعادة وهو يشير للحافلة المجاورة لهم :
" عربية "
هز جاكيري رأسه وهو يهمس :
" هذا رأيك إذن ؟؟ لا بأس فقط لأنك طلبت "
وبعد هذه الكلمات ازدادت سرعته أكثر وأكثر حتى شعر الجميع أن اطارات الحافلة لا تلمس الأرض، مما جعل الصرخات تعلو أكثر وأكثر .
وجاكيري يردد بجدية :
" ارادوها حربًا ...فلتكن "
أخرج وجهه من النافذة وهو يصرخ في سائق الحافلة المجاورة مشيرًا لعينه باصبعيه :
" راقب هذا يا خاسر "
ثم اندفع الحافلة بقوة كبيرة مبتعدًا عن الحافلة الاخرى تحت نظرات السائق المتعجب مما يحدث ولا يفهم ما يفعل جاكيري الذي يعيش داخل رأسه تحديًا مع الحافلة التي لا يدرك قائدها وجوده حتى ...
دقائق فقط هي ما استغرقها جاكيري حتى توقفت السيارة أمام مزرعة كبيرة ذات بوابة حديدية اكبر، فتح الحارسان البوابة ليتحرك جاكيري نحو الداخل بالحافلة، ثم توقف أمام المنزل الذي يتوسط المزرعة، مستديرًا بجسده يقول مبتسمًا بسعادة :
" لقد وصلنا ..."
لكن كل ما ابصره هو بعض الأجساد الساقطة فوق بعضها البعض، والحقائب التي تساقطت فوق رؤوس البعض الآخر .
تمتم جاكيري بتعجب ساخر :
" عجبًا هل ضربت الحافلة عاصفة ما ؟؟"
_______________________
بعد ساعة من وصول الجميع للمزرعة وبعدما أخذ كلٌ غرفة تناسبه بدأوا يفرغون الحقائب لأجل التجهز لقضاء عطلة عائلية لطيفة هادئة...
وكالعادة انتقى فبريانو الغرفة التي تجاورها شجرة، رغم أن الأشجار هنا كانت اقصر من المتعارف عليه، لكن لا بأس سوف يتدبر أمره إن احتاج استخدام الشجرة .
بينما انطونيو فضّل اختيار غرفة في نهاية المنزل بعيدًا عن الجميع وضوضائهم المزعجة.
واليخاندرو منح هالفيتي اكبر الغرف الموجودة باعتبارهم ثلاث أفراد لا اثنين كالجميع، رغم اخباره الجميع أن قاسم سيبيت لياليه بين أحضانه هو، لكن لا بأس إن دلل حفيدته الجميلة على حساب الاوغاد الباقيين .
في بهو المنزل كان جاكيري ينقل بعض الاشياء رفقة جايك ومايك، يجهزون لسهرة اليوم حتى ينتهي العمال في المنزل من تحضير الطعام ..
ترك جاكيري وجايك ذلك الشيء العملاق في الأرض يتنفسان بتعب، ابتعد جاكيري للخلف ينظر لذلك الشيء قائلًا :
" يا ويلي، يبدو عملاقًا "
ضرب مايك الشيء بقدمه مرددًا بتخمين :
" وكذلك معطلًا، أحضروا ماركوس لتصليحه "
ابتسم جاكيري باتساع وهو يركض للطابق العلوي :
" حسنًا أنا سأحضر ماركوس، أنتما جهزا الجلسة وكل ما سنحتاجه "
انتهى من حديثه وهو يسير في الممر الخاص بالغرف، يحاول تخمين اين تقع غرفة ماركوس، بالطبع هو لن يضطر للطرق على جميع تلك الأبواب للبحث عنه، لذلك صرخ بصوت عالي ومزاح غبي:
" ماركــــــوس زوجتـك تغـرق في البحيرة الخلفية "
ثواني حتى وجد أحد الابواب تُفتح بقوة وجسد ماركوس يندفع منه بملابسه التحتية فقط، يصرخ باسم زوجته في جنون، في نفس الوقت الذي فُتحت فيه باقي الابواب واجتمع الجميع بخوف ...
وقبل أن يتحدث جاكيري بكلمة سمع سباب يوجه صوب ماركوس الذي خرج بهذه الثياب الغير محتشمة في المنزل رغم علمه بوجود نساء معهم .
القاه مارتن بنظرة غاضبة صارخًا :
" أيها الوقح الحقير، أذهب وارتدي شيئًا بحق الله "
لم يهتم به ماركوس وهو يحاول أن يفلت من بين ذراعي جاكيري الذي امسكه وهو يجيب مارتن :
" اهدئ يا مارتن الرجل زوجته تغرق وأنت الآن توبخه لأجل ثيابه ؟؟ أي نوع من الأشخاص أنت ؟؟"
رفع مارتن حاجبه بسخرية ليشعر بجسد يندفع من الخلف وصوت جولي يصل له واضحًا :
" ماذا حدث مارتن، ماذا حدث ؟! أين هي فيور ؟!"
لكن وقبل أن تخطو لخارج الغرفة كان مارتن يدفعها بقوة مغلقًا الباب عليها مانعًا إياها من رؤية ابن عمه بثيابه تلك، في نفس اللحظة الذي خرج بها أدهم مع هالفيتي ليروا ما يحدث وسبب تلك الضوضاء .
لكن بمجرد أن خطت هالفيتي للخارج حتى أطلقت صرخة عالية جعلت الجميع يلتفت لها، بينما أدهم وقف أمامها يفرد ذراعيه وهو يصرخ :
" ادخلي جوا "
لكن هالفيتي كانت تصرخ بفزع من تلك الهيئة التي يحتجز بها جاكيري ماركوس بين ذراعيه :
" استغفر الله العظيم، ده ممسوك اداب ولا ايه، ما تلفوه في ملاية ولا تستروه بدل ما هو سايبها على الله كده "
سمع الجميع صوت روبين التي كانت تقف خلف فبريانو والذي يمنع بجسده الرؤية :
" بيفكرني بواحد كده كان بينط على بيوت الجيران وهو سايبها على الله برضو "
أنهت حديثها وهي تطلق ضحكات مرتفعة، جعلت فبريانو يدفع وجهها للداخل متحدثًا بغيظ :
" أنتِ مش بتستري أبدًا"
لكن روبين لم تتوقف عن الضحكات بينما الجميع يشاهد ما يحدث، تنحنح جاكيري وهو يلفت انتباه الجميع :
" حسنًا يا رفاق ليعد كلٌ لغرفته فقد انتهى العرض، والآن سآخذ ذلك المسكين لينقذ زوجته "
أطلق جايك صوتًا مستنكرًا اتبعه بضحكة عالية :
" أي زوجة تلك ؟! بعد كل ذلك تتذكر أن هناك زوجة تحتاج للإنقاذ ؟؟ ربما روحها الآن في طريقها للسماء "
كان جايك يتحدث بمزاح ليتضاحك الجميع بصخب على كلماته بينما ماركوس يحاول الإفلات بصعوبة من بين قبضتي جاكيري الذي كان يمنعه من التحرك صارخًا بجنون :
" أنتم تمزحون ؟! زوجتي تغرق وأنتم تمزحون ؟! هل جننتم ؟؟ تبًا لكم جميعًا "
أجابه آدم بجدية وهو يبتسم بسخرية :
" لا يا عزيزي نحن لا نمزح، بل جاكيري هو من خدعك، فزوجتك تقف منذ البداية خلفك "
نظر له ماركوس بعدم فهم يستدير ببطء، ليجد فيور تقف على باب الغرفة وهي تضع منشفة على شعرها رافعة أحد حاجبيها :
" حقًا ماركوس ؟! هل كنت ستنتظر كل ذلك وانا أغرق ؟!"
فتح ماركوس فمه ببلاهة لا يفهم شيء :
" فيور ؟! هذه أنتِ حقًا ؟! كيف ...كيف لقد اخبرني أنكِ تغرقين"
تحدث وهو يشير صوب جاكيري الذي كان يبتسم بغباء، ليعلو صوت فيور الحانق :
"نعم بالفعل كنت اغرق لكنني مللت من الغرق فاتيت لاجفف شعري قبل أن يفسد وارتدي ملابس جافة، ثم أعود واكمل ما كنت أفعل "
صمتت قبل أن تعلو صرخاتها بتذمر :
" هل تمزح معي ماركوس ؟! ألم أخبرك منذ قليل أنني سأستحم ؟؟"
حدق فيها ماركوس ثواني قبل أن يفتح فمه ببلاهة مرددًا :
" نعم صحيح، لقد كانت تستحم، إذن من تلك التي تغرق ؟!"
جذبه جاكيري أسفل يديه وهو يردد ببسمة :
" لا أحد أنا فقط أردتك أن تخرج، نحن نحتاج مساعدتك في الأسفل، هيا اذهب وارتدي ثيابك ثم الحق بنا "
رمقه ماركوس بنظرات مخيفة جعلت جاكيري يتراجع للخلف ضاحكًا :
" حسنًا لا تتأخر سوف نكون في انتظارك "
تحرك جاكيري للاسفل، ليركض ماركوس صوب غرفته يرتدي ثيابه بسرعة خرافية، وبعدها حمل مسدسه وهو يلحق بجاكيري صارخًا :
" سأقتله....سأقتله "
كانت هالفيتي تتابع كل ما يحدث من خلف ظهر ادهم وهي تردد :
" اتمنى متاخدش فكرة سيئة عن عيلتي يا ادهم، ده جدو مأكد عليا أنهم محترمين ومتربيين احسن تربية "
سمع الجميع صوت طلقات نارية تأتي من الاسفل وصرخات تتعالى لينظر أدهم لهالفيتي بحنق، فمنحته بسمة وهي تردد :
" يعني معظمهم مش كلهم ..."
______________________
بعد ساعات قصيرة، وبعدما بدأ الجميع ينتهي من تجهيز ذاته والاستقرار في غرفته، سمعت هالفيتي صوت طرق قوي على الباب، نظرت لادهم الذي كان يُسطح جسد قاسم على الفراش ليبدل له ثيابه .
" يابني اثبت مش عارف البسك"
تحرك قاسم وهو يحاول الإفلات من ادهم ليهبط حيث عائلة روبين، يبدو أن الصغير آلف الأجواء الصاخبة هنا واحب صُحبته الجديدة، فالجميع في الاسفل يعامله كما لو كان الحفيد العاشر وأحد أفراد العصابة الخاصة بهم .
تقدمت هالفيتي من الباب وهي تردد :
" متنساش يا ادهم تسرح شعره كويس عشان بينكشه كل شوية "
بمجرد انتهاء حديثها حتى فتحت الباب لتقابل جولي وروبين ورفقة ...
تحدثت روبين ببسمة وهي ترفع يدها تحيي هالفيتي :
" اهلا، البنات متجمعين عند روما كالعادة ومستنيينك "
أشارت هالفيتي لنفسها بتعجب :
" مستنيين مين ؟! أنا ؟!"
حركت رفقة رأسها بإيجاب :
" اكيد طبعًا، مش حابين نبدأ من غيرك "
" نبدأ ايه مش فاهمة ؟! هو فيه ماتش ولا ايه ؟!"
نظرت لها روبين ببلاهة :
" ماتش ايه ؟! لا ده اجتماع نسوي طبيعي بيحصل بشكل روتيني عشان نعرف نمشي امورنا مع الرجالة "
اقتربت من هالفيتي أكثر وهي تضيف :
" اصل دول صنف محدش يآمن ليهم، خاصة العيلة دي كلهم مش محترمين، وعندهم كل شيء مباح والدنيا مفتوحة على البحري "
صمتت وهي تنظر لرفقة بريبة ثم همست بصوت منخفض :
" ما عدا فبريانو "
" وأنتِ بتوشوشي ( تهمسي) ليه ؟؟"
ابتلعت روبين ريقها وهي تردد بغباء :
" اصل مش عايزة رفقة تسمع اني بشكر في فبريانو وبذم في الباقيين هتفضل تقولي اني عامية ومش بفهم، بس والله هي اللي عامية ومش بتفهم، أنتِ شوفتي بنفسك يا هالي فبريانو عامل ازاي، بزمتك ده واحد مش لطيف وحنين ؟! "
وبمجرد انتهاء كلماتها سمع الجميع صوت رصاصة أخرى يتبعها صرخات عالية :
" فبريانو ايها الغبي كدت تصيب رأسي "
أشارت هالفيتي لجهة الصرخات والأصوات:
" ايه الصوت ده ؟!"
ابتسمت روبين بغباء شاكرة أنها لا تفهم حديث الجميع :
" مفيش اصل هو يعني بيهزروا سوا، هما هزارهم غبي شوية كده "
تحدثت رفقة بسخرية لاذعة :
" قصدك جوزك اللي هزاره غبي "
نفخت روبين بحنق وهي تعتدل في وقفتها تخرج سماعة الترجمة الخاصة بفبريانو من اذنها تضيف :
" البسي دي عشان تفهمي الكل، أنا ظبطها ليكِ، وهقول للكل يتكلم انجليزي عشان نفهم كلنا، ورفقة عطت سماعة جوزها لفيور عشان هي مش بتفهم انجليزي، وبكدة كلنا نفهم بعض "
ابتسم هالفيتي وهي تحرك السماعة الصغيرة بين يديها، ثم نظرت للغرفة تراقب أدهم الذي كان يجلس قاسم بين قدميه يمشط له خصلات شعره بحنان :
" ادهم حبيبي انا رايحة مع البنات نشوف هنطين عيشتكم ازاي، خلص أنت وقاسم وانزل مع الرجالة تحت "
هز ادهم رأسه بموافقة دون اهتمام، بينما سارت هالفيتي مع الفتيات بحماس كبير، لمشاركتهم ذلك التجمع النسوي الذي تحدثت عنه روبين، وفي اللحظة التي فتحت فيها جولي الباب تدعوهم الدخول، فتحت هالفيتي عينها بانبهار بثياب الفتيات وزينتهن وهي تردد مذهولة مما ترى :
" ايه كل النسوان الحلوة دي ؟؟ أنا حاسة نفسي وقعت في مسلسل اجنبي "
ضحكت روبين وهي تدفعها برفق لتشارك الجميع فراش روما التي كانت تجلس بعدما استراحت بشكل كافي تنظر للجميع، وهي تشير لهم أن ينتبهوا :
" جيد أن الجميع هنا، استمعوا لآخر الأخبار التي حصلت عليها من انطونيو "
انتبهت لها جميع الأعين وهالفيتي ما تزال مزهولة من ذلك العالم الغريب، رفقة كل الجميلات من حولها .
رددت روما بجدية وصوت منخفض بعض الشيء وكأن الجدران تتلصص عليهن :
" اخبرني انطونيو أن سكان المزرعة المجاورة دعونا على العشاء اليوم ولحضور حفلة عيد ميلاد حفيدتهم "
أطلقت جولي صيحة سعيدة وهي تقول :
" ياللروعة سنحضر حفلة عيد ميلاد ؟! هذا رائع حقًا "
صرخت روما بغضب جعل جولي تتراجع للخلف وهي تضع يدها أعلى وجهها بتحفز :
" ليس رائعًا، أخبركم حفل عيد ميلاد حفيدتهم ألا تفهمون ؟! حفيدتهم صاحبة السبعة وعشرين عامًا يا حمقى "
شهقت جولي بقوة مما جعل جميع الأنظار تتوجه لها وهي تضع يدها على فمها :
"يا ويلي، نحن لم نحضر لها هدية "
أمسكت روما الوسادة لتلقيها أعلى وجه تلك الغبية صارخة :
" أعتقد أن مارتن سيكون أفضل هدية لها، خاصة أنهم رفاق منذ الطفولة يا عزيزتي "
رفعت جولي حاجبها وقد بدأت كلمات روما تثير ريبتها مرددة :
" من ؟! رفيقة من ؟! وما علاقة تلك الفتاة بزوجي ؟!
" الجميع، هي رفيقة للجميع، عائلتها هم أقارب سيلين وقد كانت تلك الفتاة منذ مولدها صديقة للجميع حسب حديث انطونيو فهي في وقت من الاوقات كانت تقفز لهم في البيت طوال الوقت قبل أن يسافر كل حفيد لأجل دراسته، والآن حان وقت لم الشمل بعد عودتهم كبارًا"
صمتت ثم أضافت :
" لذلك حينما قرر جدي شراء مزرعة اختار أن يشتريها جوار مزرعة جد الفتاة وبطلب من سيلين حتى تكون قريبة من أقاربها "
تمتمت راسيل بشر :
" تلك العجوز، لقد صدق مارسيلو حينما وصفها بالكارثة التي أُلقيت أعلى رؤوسهم جميعًا "
قالت هايز بقلق :
" هذا يعني أنها قد تختطف زوجي مني ؟! هو في الأساس منحرف، يكفي أن تهز خصرها لينفذ كل ما تطلبه "
تحدثت روبين بتعجب من وصف هايز لابن خالها :
" الاه ؟! هو صبي رقاصة ولا ايه ؟!"
أطلقت روبين ضحكة عالية قوية على حديث هالفيتي والتي كانت تتحدث بجدية ولا تمزح في الأمر، رمقتها روما ببسمة جانبية وهي تردد :
" نعم أنتِ الوحيدة من يحق لها الضحك هنا، فلا خطر على زوجك، هي لن تنظر له على أية حال"
رفعت روبين حاجبها بعدم فهم :
" ماذا ؟! هالي هي من اضحكتني، ثم من أخبرك أن لا خطر على زوجي، بالعكس زوجي هو اوسم الرجال هنا، بالطبع سوف تترك الجميع وتركض خلفه، حبيبي وسيم جذاب "
نظرت لها جميع الفتيات بحنق وتشدقت لورا بعدم إدراك لما تقول روبين :
" عفواً هل أنتِ حزينة لأن الفتاة لن تسرق زوجك ؟! بل وتجادلين أنها ستركض خلفه ؟؟ "
هزت روبين رأسها بلا :
" لا أنا فقط ادافع عن زوجي، فحديث روما به اتهام أن فبريانو ليس وسيمًا، لكنني أثق بزوجي وأدرك جيدًا أنه لن يسمح لها بالاقتراب "
ابتسمت روما بسخرية :
" هي في الأساس لن تقترب منه، انطونيو اخبرني أنها ترتعب من صوت زوجك، بسبب حادثة أثناء الطفولة لا اعلم عنها سوى أن فبريانو منذ ذلك الوقت يُمثل كابوسًا للفتاة"
رمقت هالفيتي روبين وهي تهمس بسخرية :
" لا فعلا واضح اللطف، ده عمل فوبيا للبنت "
ربعت روبين ذارعيها لصدرها:
" احسن اهي خفت من على قلبي، اول مرة افرح أنه بيخوف "
نظرت رفقة لهم وهي تفكر فيما سيحدث :
" طب أنا أعمل ايه ؟! اخلي جاكيري يلزق لفبريانو طيب ؟؟ يمكن تخاف تقرب منه لما تشوفه واقف معاه ؟!"
اغتاظت روبين من حديث رفقة :
" ليه حد قالك أنه فزاعة ؟!"
نظرت لها روز بجدية وقالت بعد صمت طويل لا تفهم الحوار بين روبين ورفقة :
" إذن علينا أن ندع جميع الرجال يلتفون حول فبريانو ؟!"
ابتسمت رفقة وهي تشير على روز :
" ها انظري لست وحدي من فكر بالأمر "
تحدثت روبين بسخرية :
" دلوقتي بقى فبريانو حلو؟! مش ده المجنون المختل اللي مش عاجب حد ؟! دلوقتي بقى بسكر عايزين الكل يلزق فيه؟! "
قالت جولي بجدية :
" لا هذا ليس حلًا، نحتاج لشيء قاطع، ما رأيكم بقتلها "
مالت فيور على روما وهي تهمس :
" هل اتوهم أم أن جولي أضحت تشبه فبريانو ؟!"
كتمت روما بسمتها وهي تنظر للجميع بما فيهم هالفيتي :
" حسنًا لن نقتلها، رغم أن هذا الحل يروق لي، لكن لا نحن فقط سنستمر في المراقبة، من يعلم قد تكون الآن نسيت كل ذلك وتتعامل معهم بحيادية، وكل ذلك الحديث اوهام منا فقط "
نظرت لهالفيتي:
" لم تقولي شيئًا هالي"
حركت هالي يديها وهي تقول بجدية :
" اقول ايه يعني وانا مالي، هي عمرها ما هتبص لادهم عشان هو اساسا مش منهم ومتعرفوش، يعني فهو بعيد عن كل ده وفي الأمان، وانا واثقة أنها معلقة مع واحد من أزواجكم وهتطلع أصيلة ومش هتسيبه وتبص لجوزي اللي طلعت بيه من الدنيا "
نظرت جميع الفتيات صوبها بجهل لتبدأ رفقة الترجمة وتقول بكل اختصار :
" تخبركم أن الفتاة لا تعرف زوجها، وهو ليس من ضمن اصدقائها، لذلك من المستحيل أن تنظر إليه حتى "
هزت روما راسها باقتناع وهي تردد :
" إذن لنحدد الآمنين من الرجال حتى الآن، فبريانو فهي تخاف منه، وانطونيو لأنهها تعلم اشمئزازه من النساء، وزوج هالفيتي لأنه غير معروف لها، من أيضًا ؟!"
نظرت جميع الفتيات لبعضهن البعض لتقول راسيل وهي ترفع يديها :
" يمكننا إضافة مارسيلو للقائمة فهو أكسل من أن يدخل في علاقة جديدة مع إحداهن "
تحدثت جولي بتخمين :
" حسنًا ربما لن ينظر لها مارتن إن لم تكن عينيها بنية، فهو يحب العيون البنية "
رفعت روما حاجبها ثم نظرت للباقيات، ليعم الصمت وكل واحدة تفكر في احتمالية أن تحوم تلك الفتاة حول زوجها لتتحدث روما ببسمة :
" حسنًا نحن حددنا الآمنيين، وسوف نجعل أعيننا على الباقيين، من تلمح تلك الفتاة تنظر لأحد الرجال تتواصل مع الباقيات و.."
صاحت جولي بلهفة :
" نقتلها"
" لا جولي، نمنعها من الاقتراب أكثر، لكن ربما نضطر لتنفيذ حلك "
نظرت روما للفتيات وهي تردد :
" إذن هل اتفقنا ؟؟"
ابتسمت جميع الفتيات وهن بصحن بحماس شديد :
" اتفقنا
________________________
استعد الجميع للحفلة وتوجهوا صوب المزرعة المجاورة، واليخاندرو يحمل حفيده الحبيب بين ذراعيه، يرفض رفضًا قاطعًا أن يأخذه أي شخص منه.
يراقب تلك الثياب المنمقة الجميلة والتي يرتديها الصغير ليقبله بحنان :
" انظروا لذلك الوسيم الصغير، هناك من سيخطف الاضواء من جميع الرجال اليوم "
ابتسم قاسم بسعادة، يتحسس ثيابه التي يشير لها اليخاندرو مرددًا رغم عدم فهمه لكلام جده :
" بدلة "
قبله اليخاندرو بحب وهو يهمس له :
" دعنا نبقى سويًا حتى لا تختطفك إحدى الفتيات في الداخل عزيزي "
ضحك قاسم بصوت عالي بسبب دغدغة لحية اليخاندرو له، تحرك جميع الرجال خلف اليخاندرو كلٌ يمسك يد زوجته، تأنق الجميع في ثياب شبابية تليق على تلك الأجواء، حتى انطونيو الذي قرر التخلي عن تلك الثياب الرسمية وارتداء أخرى شبابية كأبناء عمومته واخوته، ليتألق في اللون السماوي الذي يقترب من الابيض .
بينما فبريانو قرر التغيير وارتداء لون جديد عليه، فاختار اللون الاسود مع بعض النقوش باللون الابيض في ثيابه ...
والباقيين ارتدوا كعادتهم نفس الالوان، بينما ادهم كان يتأنق مرتديًا ثياب صوفية باللون الابيض جعلته فاتنًا يشبه كثيرًا ثوب قاسم .
دخل الجميع للحفل حيث كانت تُقام في الحديقة التي تقبع أمام منزل جيرانهم والموسيقى تعلو في الإرجاء، وبمجرد أن خطى الجميع للحديقة حتى سمعوا صوت صرخات فتاة نافس صوت الموسيقى صخبًا وهي تركض صوبهم فاتحة ذراعيها .
" يا اللهي انتم هنا حقًا ..."
فتحت رفقة عينها وتدفع جاكيري صوب إحدى الجهات صارخة بصخب وحماس مصطنع :
" يا اللهي انظر جاكيري هناك حلبة رقص هناك، لنذهب ونشعل الأجواء يا عزيزي "
نظر لها جاكيري بتعجب مستسلمًا لدفعها بينما رفقة تنظر خلفها لتلك الفتاة بشر، شاكرة ولأول مرة حب جاكيري للرقص ...
توقف الجميع في منتصف المكان واعينهم على تلك الفتاة التي ركضت صوبهم وهي تصرخ بسعادة لرؤيتهم، فجأة توقفت الفتاة وهي تصيح بصوت مرتفع حتى يسمعها الباقيين :
" يا رفاق لقد أتيتم، لا اصدق حقًا، عندما اخبرني جدي أنكم هنا لم اصدق، جيد أنني أقمت عيد ميلادي في المزرعة هنا، هذا من حسن حظي "
تمتمت لورا بحنق وغيظ :
" بل من سوء حظنا جميعًا "
نظر لها مايك :
" هل قلتِ شيئًا لورا ؟؟"
" لا، فقط أتساءل إن سبق لك ورأيت وشمي "
" وشم ؟! أي وشم هذا؟! أنتِ لا تمتلكين واحدًا"
جذبت لورا يده بعيدًا عن الجميع وهي تردد :
" حسنًا لنذهب ونقرر بعيدًا إن كنت أفعل أم لا، ها انظر لذلك الركن البعيد الخالي من أي فتاة متطفلة مزعجة، يبدو مناسبًا لمناقشة أمر مصيري كهذا "
نظر لها مايك بعدم فهم مشيرًا صوب الجميع :
" حسنًا، لكن دعيني أرحب بـ"
وقبل أن يكمل كلمته كانت لورا تستدير له قائلة بعنف وشر :
" لا، لن نرحب بأحد، نحن أشخاص وقحون وعديمي الذوق ولن نرحب بأحد"
" حسنًا نحن عديمي الذوق حبيبتي، ووقحون ايضًا؛ لذلك إن قبلتك هنا لن تعترضي صحيح ؟!"
فتحت لورا عينها بصدمة، بينما اتسعت بسمة مايك بخبث وهو ينحني لها غامزًا :
" لا يجب أن تقتحمي مجالًا لا تفقهي فيه شيئًا، فلا أحد هنا يستطيع أن يهزمني في الوقاحة عزيزتي "
أنهى كلماته وهو يجذب لورا له بمشاكسة ...
بينما عند اليخاندرو أخذ يرحب باقارب سيلين والذين كانوا جيرانه قديمًا كذلك، لكن علاقتهم سطحية بعض الشيء، وعلى ذراعه يقبع قاسم الذي كان يحرك يديه في الهواء راقصًا يردد :
" فرح "
وعند والد قاسم كان الأمر مختلفًا فقد انتبهت له صاحبة العيد ميلاد لتشرد في وجهه مرددة بانبهار كبير :
" من هذا الوسيم الجديد؟! هل هو حفيد آخر اكتشفتموه حديثًا ؟!"
رددت هالفيتي والتي كانت ترتدي سماعة روبين :
" حفيد ايه اللي اكتشفناه يا كَسر انتِ؟! هو حقل بترول ؟!"
نظرت لروبين وهي تردد بثقة وحدة :
" قولي للكسر دي، إني كلمة كمان وهقلبلها الحفلة دي كلها مولد، وهحسر جدها اللي شبه رياض الخولي في سلسال الدم عليها "
تنحنح ادهم والذي كان منتبهًا لحديث الفتاة التي نست الجميع واندمجت معه منجذبة لملامحه المميزة عن الباقيين :
" مرحبًا أنا ليزا، هل تقابلنا سابقًا ؟!"
بادلها ادهم البسمة بأخرى رسمية :
" لا اعتقد فهذه أول مرة لي بإيطاليا "
" اوووه أنت اجنبي إذن ؟!"
" نعم مصري ذو أصول تركية "
شهقت الفتاة بإعجاب لتردد روما وهي تلمح ما يحدث :
" يبدو أن تصنيفنا لزوجك بأنه آمن كان متسرعًا هالي "
راقبت هالفيتي ما يحدث بحسرة وهي تردد :
" آمن ايه ؟! ده بقى حقل ألغام "
انتبه الجميع لصوت الجد ينادي حفيدته بحب :
" هيا ليزا وقت إطفاء الشمع "
نظرت ليزا لادهم ببسمة وهي تردد :
" هل ستأتي ؟! تعال معي "
امتصت هالفيتي شفتيها بتأثر :
" يا حبيبتي عارفة الطريق وحش من هنا لغاية التورتة، روح يا ادهم يا حبيبي وصلها لاحسن البنية تتوه كده ولا كده "
نظر لها أدهم يحاول كبت ضحكاته عليها، لكن ليزا التفت لها وهي تردد بتعجب :
" عفواً من أنتِ ؟!"
لم تكد هالفيتي تفتح فمها للإجابة حتى سمع الجميع صوت الجد يتعجل ليزا مجددًا لأجل أطفاء الشمع، لذلك سارعت هالفيتي قائلة :
" روحي يا ليزا كلمي جدو رياض الخولي عشان تطفي الشمع، بدل ما اطفي أنا انوار حياتك كلها "
تجاهلتها ليزا وهي تنظر لادهم ببسمة :
" سأنتظرك عند الكعكة، ألحق بي "
أنهت حديثها بغمزة وهي ركض صوب الكعكة الخاصة بها وهناك بسمة خجولة ترتسم على فمها، بينما هالفيتي لوحت بيدها وهي تقول ببسمة واسعة سمجة :
" لا إله إلا الله يا حبيبتي هنستناكِ باذن الله عند التورتة جنب الكريمة كدة من على اليمين، متتأخريش لاحسن راكنين الكريزة صف تاني "
انطلقت ضحكات ادهم بصخب وبشكل جعل غضب هالفيتي يزداد أكثر تمد يدها ضاربة إياه بحنق:
" بتضحك ؟! أنت عايز تشلني"
ازدادت ضحكات ادهم بقوة وهو يضم هالفيتي له بحب يحاول التحكم في قهقهاته :
" ايه يا أم فتحي البنت عايزانا نشاركها فرحة عيد ميلادها"
" عيد ميلادها ايه اللي نشاركها فرحته ؟! هو عيد الفطر يا ادهم، بعدين احنا نعرفها منين اساسًا ؟؟"
ابتسم ادهم وهو يتحرك بها صوب التجمع عند الكعكة :
" بس عيلتك تعرفها واحنا مش هينفع نعمل مشاكل ماشي؟!"
هزت هالي رأسها بعدم اقتناع وعينها مصوبة على تلك الفتاة التي تقف أمام كعكة عملاقة وجوارها يقف رجل ببذلة مهندمة وسيدة تقف تبتسم للجميع وعلى الطرف الآخر يقف الجد ( رياض الخولي ) يجاوره سلين واليخاندرو الذي كان يحمل قاسم ..
حاولت أن تتجاهل النظرات الموجهة لها بشكل مريب وهي تتحرك معهم.
كان قاسم يكاد يقفز في الكعكة وهو يصفق بيده سعيدًا، لكنه لم يُصدر أي تصرفات مشاكسة لوجود العديد من الوجوه الغريبة حوله، لذلك اكتفي بالتصفيق والغناء معهم رغم عدم فهمه لشيء، إلا أنه كان يتمتم تمتمات غير مفهومة مع الجميع ...
ثواني واطفأت ليزا الشموع وهي تعتدل في وقفتها تبتسم للجميع، ثم بدأت تستقبل الهدايا منهم، ترك اليخاندرو الصغير جوار قدمه ليخرج العلبة التي تحتوي خاتمًا راقيًا من جيبه، لكن الصغير لم يتحمل أن يبقى ثواني دون أن يتحرك هنا وهناك، لذلك ركض في المكان يمسك بالبالونات الملونة بسعادة كبيرة، حتى وجد نفسه يصطدم بقدم أحدهم رفع رأسه لينظر له، لكن ذلك الاحدهم انحنى ليحمل قاسم وقد كان مارسيلو الذي قال بمزاح :
" أيها الشقي ما الذي تفعله هنا ؟! هل تريد أن يفجر جدي رؤوس الجميع هنا إن حدث لك شيء ؟!"
ضحك قاسم بصخب بسبب يد مارسيلو التي كانت تدغدغه أثناء حديثه، ابتسم مارسيلو وهو يقبل الصغير بحب ليسمع صوت اليخاندرو جواره يهمس براحة :
" ها أنت يا صغيري، لماذا تحركت من جواري ها !!"
لاعب مارسيلو خصلات قاسم وهو يقبله مرة أخيرة قبل أن يحمله اليخاندرو من بين يديه يردد :
" هيا سأحضر لك حلوى "
ابتسم مارسيل يراقب ما يحدث، قبل أن يشعر بمن يندس بين احضانه بالقوة ثم يغلق يديه عليه، نظر للاسفل ليلمح راسيل وهي تنظر بأعين ضبابية أمامها، وشفتيها منحنية للاسفل ليدرك أنها على وشك أن تدخل في موجة بكاء معروفة بسبب شيءٍ ما .
اغلق مارسيلو يديه حولها، يدير رأسها ملصقًا إياها في صدره مرددًا :
" ما بال سيلا حزينة ؟؟"
شعر مارسيلو بدموع راسيل تبلل ثيابه ليغمض عينه بوجع، ثم أبعدها قليلًا يمسك ذراعيها يضع قبلات صغيرة عليهما، يردد بلطف :
" هل ازددتٌ جمالًا أم أنني نمت طويلًا منذ آخر مرة رأيتك فيها ؟؟"
ضحكت راسيل من بين دموعها وهي تلقي برأسها على صدره مرددة بحزن :
" لقد نظرت احداهن لي بشفقة واشمئزاز مارسيلو، أشعر بالوجع، لقد..."
صمتت وهي تبكي بصوت خافت بكاء هادئ، رغم صخب قلبها، بكاء صامت رغم صراخ روحها .
ربت مارسيلو على شعرها مرددًا بهدوء :
" راسيل يا من أخذتِ من اسمي جزءًا، ومن قلبي كله، ألا يشعر قلبك بمدى الحالة المزرية التي وصلت لها في عشقك ؟! ألا يعينكِ أنني لا أرى في الوجوه سواكِ، ولا اهتم بأي نساء عداكِ"
علت شهقات راسيل وهي تردد من بين شهقاتها وقد نزفت جروحها المتقيحة مجددًا :
" أشعر بالتعاسة مارسيلو، الأمر ليس سهلًا مهما ادعيت عكس ذلك، اقسم أن الأمر خارج عن إرادتي، أشعر بانوثتي منتقصة مع كل نظرة تُوجه لي "
ربت عليها مارسيلو بلطف وهو يتحدث في موضوع اخر غير ذلك الذي تتحدث به :
" هل تريدين أن أغني لكِ ؟!"
رفعت راسيل عينيها الدامعة له بتعجب، ليكرر مارسيلو عرضه المغري الغريب مرة أخرى :
" يمكنني الغناء لك إن أردتِ !!"
" لكن...لكنك لم تغني سابقًا، أنا حتى لا أدرك أنك تستطيع الغناء، اعلم فقط أنك جيد في عزف الفلوت "
ابتسم مارسيلو :
" هذا صحيح فأنا من الاساس لا استطيع الغناء، لكنني قد افعلها لأجلك "
تأثرت راسيل بما يقول لتضع رأسها على صدره مرددة بهدوء ودموعها مازالت تتسابق على وجنتيها :
" شكرًا لك مارسيلو، هذا يعني لي الكثير، أنا آسفة لأنني دائمًا ما أفسد اوقاتك السعيدة "
ضمها مارسيلو بحنان كبير وهو يهتف بجدية :
" أي سعيدة تلك إن لم تكن جوارك سيلا ؟؟ أي اوقات بعيدًا عنك، هي مجرد دقائق وساعات تمر، لا يمكن وصفها بالسعيدة بأي شكل من الأشكال "
ابتسمت راسيل تحرك وجهها في سترته لتمحو دموعها، بينما قلبها يرفرف سعادة تحاول تناسي نظرات تلك السيدة التي قابلتها للتو حينما كانت تتحدث مع هايز، ابتلعت ريقها وهي تتشدق بجدية :
" النوم يخفي مواهبك في الغزل مارسيلو، أنت حقًا تقتل موهبتك بذلك النوم الكثير "
انحنى مارسيلو قليلًا يستند بذقنه على رأسها وعينه شاردة في السماء أمامه :
" إذن ما رأيك أن اتخلى عن وقتي المفضل اليوم ونسهر طوال الليل سويًا، واسمعك من الغزل احلاه ؟!"
" عرض مغري لا استطيع رفضه بالطبع مارسي الحبيب "
________________________
بدأت الموسيقى تصدح في المكان بأكمله مما جعل الأجساد تتراقص هنا وهناك، حتى أن اليخاندرو كان يجلس مع الكبار الذين يشاهدون ما يحدث ببسمة واسعة، لكن هو فقط كان يشاهد قاسم الذي يرقص ويقفز في الأرض بسعادة بالموسيقى، كان يتجاهل كل ما يحدث، ويجلس فقط ليشاهد حفيده الحبيب، وقد كان جمهوره الوحيد .
وعلى أحد المقاعد يجلس انطونيو يراقب الجموع بأعين باردة لا يهتم بشيء، زوجته جواره وبخير، عدا ذلك لا شيء قد يحرك اصبعًا منه.
فجأة لمح روما وهي تنهض، لكنه أوقفها وهو يتحدث بريبة :
" إلى أين روما ؟؟"
نظرت له روما بتوتر وهي تنظر حولها تحاول إيجاد حجة للهروب منه والذهاب للفتيات :
" سوف ..أنا فقط كنت أود الذهاب للمرحاض "
حرّك انطونيو رأسه وهو ينهض من مكانه يرفع اكمامه قليلًا :
" حسنًا هيا بنا "
" إلى أين ؟!"
رفع انطونيو حاجبه :
" المرحاض "
ابتلعت روما ريقها بتوتر :
" لا، ارجوك ارتح لن اتأخر، سوف اذهب واعود سريعًا "
وما كادت تتحرك حتى شعرت بمن يجذبها للخلف مجددًا وقد كان أنطونيو الذي مد لها يده، زفرت روما بضيق وحنق وملل وهي تمسك يديه متحركة معه مرغمة تهمس في داخلها:
" ليت ليزا لاحقتك، على الأقل كانت ستخلصني من مراقبتك لبعض الوقت "
استمع لها انطونيو وهو يضحك بخفوت يميل كثيرًا ليصل لاذنها :
" أعلم أنكِ تريدين الهرب للرقص، لقد رأيت إشارة العجوز لكِ "
نظرت له روما هامسة:
" أنت لئيم "
تحدث انطونيو وهو يجذبها حوار منصة الرقص حيث احتلها اخويه وزوجاتهم :
" شكرًا لكِ"
نظرت روما بحنق للمنصة، تشعر بيد انطونيو تجذبها نحو صدره، ثم ضم يديه حول خصره كما لو كان يعتقل مجرمًا خطيرًا، يراقب بعينه رقصات جاكيري وجايك أعلى المنصة وتشجيع رفقة لزوجها للمرة الأولى بعدما كان رد فعلها الوحيد على رقص أخيه هو التذمر ...
كان جاكيري يرقص بسعادة وهو يتحرك هنا وهناك، ليجد فجأة توفيق يقفز للمنصة، يصرخ بسعادة يحرك جسده ببعض الصعوبة بسبب وجع عظامه الذي أصبح مصاحبًا له في الفترة الأخيرة .
ومعه تصفق رفقة وتصفر لهم، وبسبب ذلك تحرك لها جاكيري وهو يمد يده لها في دعوة صامتة للانضمام إليهم، ودون تردد وضعت رفقة يدها بين كف زوجها بكل ترحاب، لكن ما كادت يدها تستقر بين كفيه حتى وجدت جاكيري جذب جسدها بسرعة مخيفة وهو يدور بها في جنون يردد كلمات الأغنية بسعادة غامزًا لها، لتنطلق ضحكات عالية من فم رفقة وهي تنغمس معه في الرقصة، وفجأة وجدت جاكيري يمسك يدها، ثم يجبرها على الدوران حول نفسها بقوة حتى شعرت أنها كادت تسقط ارضًا، وكذلك حدث لكن مع تغيير طفيف أنها سقطت بين احضان جاكيري والذي مال بها غامزًا بحب يردد كلمات الأغنية لأجلها .
وعلى نفس المنصة كانت هالفيتي تصفق بسعادة جوار ادهم الذي ضحك عليها بقوة وعلى حركاتها وهي تشجع الجميع كما لو كانوا في مسابقة ....
_________________
على بُعد صغير كان يقف يراقب ما يحدث ببسمة صغيرة، يود المشاركة في الرقص، لكنه لن يفعل ذلك بالطبع أمام الجميع، لذلك تحركت عينيه في المكان بحثًا عن ركن نائي خفي عن الأعين .
وأثناء ذلك انتبه لاصطدام أحدهم به بقوة وسقط كوب من العصير عليه ملوثًا ثيابه ووجهه .
اغمض عينه بغضب يحاول الهدوء، رفع وجهه ببطء شديد يتحدث مبعدًا السترة عنه حتى يتفادى برودة السائل أعلى جسده :
" حسنًا هذا ليس جيدًا أبدًا "
نظرت الفتاة التي أمامه لما فعلت بخجل وهي تهتف :
" اووه اعتذر يا سيد هناك حمقاء دفعتني و...."
لم تكمل كلمتها بسبب الشهقة التي أطلقتها بعنف متراجعة للخلف وكأنها للتو أبصرت وحشًا، تردد بفزع مراقبة هوية الشخص الذي اصطدمت به :
" تبًا، أنا ... أنا لم اقصد اقسم لك، لم افعل فبريانو "
رفع فبريانو حاجبه يراقب رعب ليزا منه وكأنها رأت وحشًا للتو مشيرًا لثيابه :
" هذه السترة هدية من زوجتي لي "
نظرت له ليزا بخوف وهي تهتف أثناء تجول عينها في المحيط بحثًا عن والدها أو جدها :
" أنا...أنا آسفة لم اقصد ذلك اقسم لم أقصده "
كانت تتحدث بدموع مرتعشة من نظرات فبريانو التي كانت مخيفة _ بالنسبة لها_ وباردة عادية بالنسبة لأي شخص آخر، في ذلك الوقت عادت روبين وهي تقول بسعادة :
" فبريانو تعالى شوف ابن هالي وهو بيرقص ده بيـ..."
صمتت وهي تنظر لملامح الاثنين الغريبة والمريبة والنظرات المتبادلة بينهما :
" ماذا يحدث هنا ؟!"
نظرت لها ليزا بخوف وهي تشير لسترة فبريانو :
" اقسم لم اقصد، لقد دفعتني فتاة حمقاء واسقطت العصير عليه، أخبريه أنني لم اقصد "
تعجبت روبين من خوف تلك الفتاة من زوجها بهذه الطريقة، هو مخيف نعم، لكن ليس لهذه الدرجة، هل الفتاة تبالغ في خوفها منه، أم أن زوجها فعل معها ما يستحق كل ذلك الفزع الذي يملء ملامحها ؟!
" لا بأس لم يحدث شيء، اهدأي ما بكِ "
هزت ليزا رأسها وهي تنظر لفبريانو الذي كان صامتًا يرمقها بنظرات حانقة ضجرة، لكنها لم تنتظر لتفسر نظراته أكثر وهي تستأذن من الاثنين بكلمات غير واضحة راكضة بعيدًا عنهما، أو تحديدًا عنه هو .
نظرت روبين لأثر الفتاة وهي تهمس بانشداه :
" هو أنت عملت ايه بالضبط عشان تترعب منه كده ؟! البنت كأنها شافت عفريت "
زفر فبريانو وهو ينظر لاثرها بسخرية جاذبًا يد روبين :
" دعكِ من تلك الحمقاء، تعالي لتساعديني في تنظيف السترة، في الداخل حيث لا أحد ولا أعين تراقبنا"
رفعت روبين حاجبها بتعجب من جملته، لكنه لم يسمح لها بالتفكير أكثر جاذبًا يدها صوب الداخل حيث لا أحد يراه وهو يراقصها كما يحب، بينما روبين ملء الفضول قلبها حول سبب رعب تلك الفتاة من زوجها بهذا الشكل، أتُراها تبالغ كأي فتاة درامية، أم أنها ردة فعل طبيعية لشيء بشع فعله فبريانو بها ؟!
__________________
كانت سيلين تجلس على المقعد الخاص بها تستند على عكازها وهي تراقب تراقُص توفيق بسخرية وتهكم مرددة :
" ذلك العجوز يظن نفسه شابًا، انظر إليه يتحرك كما لو أن عظامه من البسكوت ويخشى أن تُكسر "
ضحك اليخاندرو وهو يراقب قاسم أمامه مصفقًا له :
" انظروا من يتحدث ؟! سيلين أنتِ انضممتِ منذ فترة قصيرة لفرقة باليه عزيزتي "
رفعت سيلين ذقنها بإباء مرددة :
" وهل تقارن ذلك العجوز بي اليخاندرو ؟! أنا وُلدت راقصة بالفطرة، عظامي خُلقت مرنة، أقدامي وجدت لتتراقص، بينما ذلك العجوز يحرك خصره وكتفيه في عشوائية قمئة"
قهقه اليخاندرو وهو ينحني ليحمل قاسم على قدمه حينما لاحظ اكتفاءه من الرقص وبداية نعاسه، يضمه بحب وحنان داخل سترته الثقيلة ليحميه من البرد :
" حسنًا لِمَ لا تعلمينه كيفية الرقص سيلين ؟! أره من هو الراقص هنا ؟!"
التمعت عين سيلين مستحسنة تلك الفكرة وهي ترمق اليخاندرو، قبل أن تنهض تُعدّل من وضعية فستانها الكلاسيكي، ثم استندت على عكازها رافعة رأسها بشموخ:
" اقتراح جيد "
وبهذه الكلمة أعلنت سيلين عن موافقتها الضمنية لتعليم ذلك العجوز درسًا في الرقص ....
_____________________
انطلقت ضحكات مارتن بقوة وهو يلحق بجولي التي كانت تسحب يده خلفها، تتحرك به على ذلك الدرج الخارجي الذي يؤدي لسطح المنزل المقام به الاحتفال، تبتسم بسعادة ولهفة :
" هيا لن تصدق ما وجدته في الاعلى "
ابتسم مارتن يدرك جيدًا أن ذلك الأمر الذي تكاد تطير لتريه إياه، هو مجرد شيء بسيط، لكنه ليس كذلك في عين زوجته التي تنبهر بأي شيء صغير .
فجأة توقفت جولي في مكانها أمام السور الخاص بالمنزل والذي يطل على القرية الريفية التي توجد بها المزرعة تشير صوب أحد الاتجاهات :
" ها انظر لذلك، هل رأيت يومًا ما هو اروع من ذلك ؟؟"
اقترب مارتن من سور المنزل يشرد في تلك المناظر البديعة والتي تدمج ما بين البحيرة التي ينعكس ضوء القمر عليها، وما بين الأرض العشبية الخضراء التي تمتص سواد الليل، والسماء التي تكثر بها النجوم وقد كان ضوئها مبهرًا عكس المدينة .
فتح فمه بانبهار يبتسم لذلك المشهد الجميل، رفع عينه ليتحدث مع جولي مخبرًا إياها أنها كانت محقة، لكن فجأة توقفت جميع الكلمات على باب فمه وهو يقف مفغور الفاه أمام ذلك المشهد الذي تفوق على ما رأى منذ ثواني...
حورية بهية المحيا تقف في وجه الهواء سامحة له بكل كرم أن يتلمس خصلاتها الحريرية، بل ويداعبها بحميمية محركًا إياها، بينما تغمض عينيها معطيًا إياها سببًا آخر ليخر ارضًا معترفًا المرة المائة بعد المليون أنها يهيم بها عشقًا .
كانت جولي تفرد ذراعيها في الهواء بينما خصلات شعرها تتطاير خلفها، وعينها مغلقة، وعلى فمها ترتسم أجمل بسمة رآها مارتن ...
" ساحرة ."
انتبهت جولي لهمسته، فتحت عينها بتعجب :
" ماذا ؟ هل قلت شيئًا ؟؟"
تنهد مارتن بتعب يفرك وجهه بين كفيه :
" أشعر أن الأمر يفوق قوة تحملي، قلبي يأن وجعًا من امواج عشقك التي ترتفع داخله حتى كادت تكسر حواجزه، وتخرج لتغرق المكان بأكمله"
رمشت جولي بصدمة من حديث مارتن الذي لم تتوقعه ابدًا، لكن مارتن لم يهتم وهو يفتح ذراعيه مرددًا بتعب :
" هيا تعالي لاحضاني قبل أن فقد السيطرة على نفسي "
فتحت جولي فمها ببلاهة وهي تطلق ضحكات عالية، تندس بين أحضان مارتن دون حتى أن تفهم مقصده من كل ما يقوله أو يفعله، هو طلب وهي لبت بكل بساطة...
" أنت غريب مارتن، ما هذا المزاج الرومانسي ؟؟"
ضمها مارتن بقوة وهو يردد بجدية :
" أنا غريب طوال الوقت، منذ ذلك اليوم الذي رأيتك به توبخين رجلًا أعلى المسرح فقط لأنه تأفف من غنائك"
ضحك وهو يقول :
" وقتها شعرت بالغرابة، فكانت تلك المرة الأولى التي أرى بها مطربة توبخ المستمعين وتجبرهم على سماعها، وعندما كدت أرحل، التقطت آذاني ترنيمة سحرية قيدتني باغلال عشقك، ومنذ ذلك الوقت الذي استمتعت فيه لغنائك وأنا أسير صوتك "
كانت جولي تستمع لما يقصه عليها بانبهار شديد، تكتشف لأول مرة طريقة معرفة مارتن لها :
" إذن إن كنت تذمرت ذلك الوقت ورفضت الغناء كما كنت أفعل غالبًا، لم أكن لأصبح بين أحضانك الآن ؟!"
نظر لها مارتن ثواني يفكر في ذلك الاحتمال، هو كان سيرحل متجاهلًا كل شيء لولا أن أسره صوتها :
" نعم اعتقد ذلك، ما جذبني لكِ في البداية هو صوتك، ثم بعدها عندما تقربت منكِ وقعت صريعًا لعشقك"
رددت جولي بشرود :
" أنا عندما كنت اتشاجر مع هؤلاء السكارى كنت ألقي مكبر الصوت ارضًا واغادر المكان، لا أتخيل أنني كان من الممكن ألا اعرفك، ماذا كان يمكن أن يحدث إن لم تكن معي وجواري، أين يمكن أن أكون إن لم تكن أحضانك مارتن "
انحنى مارتن يتسند بخده على خاصتها :
" كنتِ ستكونين بين أحضاني كذلك، فهذا هو مصيرك بنية العينين، فإن لم تكن عينيكِ، فأين كنت سأجد سلامي ؟!"
تنفس ببطء وهو يقبل وجنتها :
" هذا قدرك بنية العينين، أن تكوني لي، وملكي، خُلقتِ لأجلي، وخُلقتُ لأكون جوارك .."
___________
كانت تتحرك في ممرات المنزل حاملة أعلى كتفها الصغير وقد أفسد ملابسه حينما أسقط الحلوى أثناء نومه على وجهه وثيابه بأكملها.
ابتسمت هالفيتي وهي تحرك من المرحاض مرددة بمشاكسة :
" يعني هو لازم تنام وانت حاضن حتة الجاتوه، شوف بوظت البلوفر الابيض ازاي ؟؟"
نظر لها قاسم بعيون ناعسة يريح رأسه على كتفها مبتسمًا، لترد له هالفيتي البسمة بأخرى أكثر حنانًا، تربت عليه وهي تتحرك صوب الحديقة حيث الجميع والحفلة، لكن فجأة توقفت في مكانها بصدمة وهي ترى أمامها إثنان يتبادلان القبل بشكل فج ودون مراعاة لأحد في منتصف البهو الداخلي، دفنت هالفيتي وجه ابنها في كتفها تسرع من خطواتها نحو الخارج بينما وجهها كان يزداد احمرارًا مما رأت ....
لكن أثناء خروجها وصل لمسامعها جملة جعلت أقدامها تتوقف في مكانها وقلبها يقرع بقوة، وفي هذه اللحظة بالتحديد تمنت لو لم ترتدي السماعة الخاصة بالترجمة، لو لم تفهم ما قيل، فكم يريح الجهل احيانًا ...
" هيييه احضري لنا مشروبًا باردًا، واخبري السيدة ليزا أننا بالداخل "
ضيقت هالفيتي ما بين حاجبيها بتعجب ليعلو صوت الشاب حانقًا :
" هل اصبتِ بالصمم ؟! أتفهمين ما اقول حتى، أم أنكِ لا تجيدين غير الأفريقية ؟!"
رددت الفتاة بصوت حانق متهكم :
" لا أدري حقًا ما المميز في هؤلاء السود ليجلبهم والد ليزا للخدمة هنا، اعتقد أن ذلك الرجل مهووس باقتناء العبيد ولا يدرك حقًا ما يتسبب به هؤلاء المرتزقة في البلاد من مشاكل وجرائم "
ابتسم لها الشاب وهو ينظر لظهر هالفيتي هاتفًا :
" امممم يبدو أن ذلك العجوز لم يتعلم من خطأه مع آخر خادمة، حينما سرقت كل ما يمتلك من أموال "
ابت هالفيتي أن تستدير وهي تتحرك صوب الخارج دون كلمة تود الرحيل من هنا بسرعة، لتقابل أثناء ذلك ليزا التي دخلت البهو تهتف بحنق :
" ها أنتم أيها الحمقى، لقد بحثت عنكم في المزرعة بأكملها و....هذه أنتِ مجددًا؟! حسنًا من أنتِ يا فتاة ؟"
تحدثت ليزا بتعجب وهي ترمق هالفيتي التي رمقتها في بداية الحفل جوار ذلك الوسيم ولم تعلم حتى من هما وما علاقتهما بعائلة اليخاندرو فهم جاءوا معهما .
نظرت لها هالفيتي بتوتر تخشى أن تحدث أي مشكلة فهي جاءت هنا بناءً على عرض جد الفتاة الذي ارشدها للمرحاض واخبرها أن تتصرف كأنها في منزلها .
ابتلعت ريقها تحاول تجميع بعض الكلمات التي سبق وعلمها لها أدهم بالإنجليزية :
" جدي ...هو .....جدي "
رفعت ليزا حاجبها بتعجب لتسمع صوت رفيقتها التي صاحت في الخلف وقد كانت مخمورة قليلًا :
" مهلًا أليست تلك الخادمة الجديدة؟!"
" لا نحن لم نحضر خادمة منذ رحيل تلك اللصة الأخيرة "
ضحك الشاب والذي كان يريح جسده على الأريكة بهدوء شديد :
" ظننت انكم لم تتعلموا الدرس واحضرتم أفريقية أخرى، حسنًا حري بكِ تفتيش تلك الفتاة لقد خرجت من الممر الذي يحوي مكتب جدك "
نظرت ليزا لهالفيتي من أعلى لاسفل تقترب منها مرددة :
" هل كنتِ حقًا هناك ؟؟ من أين احضرتي تلك الجرأة التي دفعتك لدخول منزلنا ؟؟ ماذا أخذتِ ها ؟؟ هل سرقتي أموال أم قطع أثرية عتيقة ؟؟"
" أنا.. أنا.. لم أفعل"
أشارت ليزا لقاسم الذي كان يرمقها بتعجب :
" ربما تخفين ذلك داخل ذلك الطفل، لقد فعلت خادمتنا السابقة نفس الشيء، هل أنتِ قريبتها ؟! هل جئتِ لإكمال ما فعلت تلك الحقيرة ؟؟"
سقطت دموع هالفيتي بقوة وهي تهز رأسها بلا، وإن كانت حتى ضليعة في اللغة فإن الموقف كان لينسيها التحدث، وقبل أن تتحدث بكلمة وجدت ليزا تختطف قاسم من بين يديها تحت صيحات الاخير الحانقة تفحص ثيابه بقوة بينما الصغير يتحرك في يديها بضيق وتأفف يشير لهالفيتي أن تأخذه بينما الأخيرة تفتح عينها بصدمة مما يحدث يحدث معها ومن تلك الإهانة التي لم تتوقع يومًا أن تتعرض لها، ثواني وافاقت مما يحدث لتجذب صغيرها بقوة من بين يدي ليزا تعيده لاحضانها وقلبها يقرع بقوة وقد بدأت نظراتها تتحول للشر، بينما كانت ليزا تنظر لها من أعلى لاسفل بشكل مهين:
" اخرجي من هنا ولا تدعيني اراكِ وإلا أبلغت الشرطة عنكِ"
تحركت اقدام هالفيتي ببطء صوب الخارج تضم ابنها بقوة تحاول أن تستمد القليل من القوة منه، هي ليست سوداء لهذه الدرجة، ثم حتى وإن كانت ما هو العيب في أن تمتلك بشرة سوداء، هل اصبح لون البشرة دليلًا على هويتك؟!
هي لم تسمع هكذا حديث عنها منذ كانت تعيش لدى عمها، حينما كانت تستمر زوجة عمها في اهانتها باستمرار ..
ارتفع صوت الشاب ظنًا منه انها لا تفهمه :
" هل سمعتِ عن مقتل ذلك النيجيري منذ أيام في السوق الشعبي؟! يقولون أن أحد المواطنين قتله بعد شجار عنيف معه، أراهن أنه حاول سرقته فهؤلاء الأشخاص عنيفين ومجرمين "
سقطت دمعة من عين هالفيتي مبتسمة بوجع، تتحرك صوب الخارج ويدها ترتجف، تخشى أن تلتفت لهم، تخشى أن تواجههم، لا تريد أن ترى انعاكسها في اعينهم، فبالتأكيد ستكون قبيحة، لا تريد أن ترى نفسها من خلال منظارهم..
فقط لأنها تختلف عنهم في لون البشرة يحكمون عليها بكافة الاحكام، فقط لأنها مختلفة، هكذا نحن ننظر لأي شخص مختلف بازدراء، لا نتفهم أننا جميعًا غير متشابهين، لا نقدر الاختلاف بل ننبذه.
سمعت هالفيتي سابقًا الكثير والكثير عن التصرفات العنصرية في الغرب تجاه السود والمسلمين وكل من يخالف طباعهم، لكنها لم تتخيل أن تكون هي واحدة من هؤلاء الذين كانت تنظر لهم ذات يوم بشفقة، هل هي تشبههم حقًا، هل هي أحد المهمشين ؟؟ أهي أحد المنبوذين؟؟
سقطت دموعها تسير بلا هدى، لا تشعر بما يحدث حولها وكأن جميع الاصوات حولها اختفت، حتى صوت الموسيقى الصاخبة تلاشى، شعرت في لحظة أنها تريد العودة الآن لبلادها، أصبح هواء تلك البلاد خانقًا .
كانت تحاول كتم شهقاتها حتى لا يشعر بها قاسم، لكن الصغير شعر بها وبانتفاضة جسدها، رمقها بعدم فهم يسحب وجه والدته له وهو يردد بحزن ويده الصغيرة تتحرك على وجنتيها بحنان :
" ماما .."
ومع نطقه لتلك الكلمة انفجرت هالفيتي في البكاء، انفجرت في بكاء مخيف لم تستطع اصوات الموسيقى أن تخفيه، نظرت حولها كانت جميع الوجوه ضبابية، تبحث عن وجه واحد بين جميع الوجوه، تبحث عن فارسها الوحيد من تستطيع الارتماء أعلى صدره وتفرغ ما بقلبها باكية، لكنّ لم تلمحه ...
على مقربة من هالفيتي كان انطونيو يقف وهو يكتف روما بقوة مانعًا إياها من الحراك، والأخيرة مستمرة في التذمر تقلب عينيها يمينًا ويسارًا بغيظ :
" انطونيو أخبرتك الطبيبة أن تعتني بي لا أن تقيدني"
لم يهتم انطونيو وهو يقبل وجنتها بحب :
" هذه هي العناية التي استطيع تقديمها لكِ، وهذا تعريف الاهتمام عـ...."
قاطع كلمات انطونيو صوت آدم الذي كان يجلس على طاولة مجاورة له، ينظر باتجاه معين بضيق عينيه :
" مهلًا هل هذه هالفيتي التي تبكي هناك؟!"
ارتفعت رأس انطونيو بحدة مخيفة صوب الاتجاه الذي أشار له آدم ليجد هالفيتي تقف في منتصف الحديقة تضم الصغير بين أحضانها باكية، ابتعد سريعًا عن روما، يركض صوبها بجنون، بينما انتفض آدم من مقعده راكضًا بسرعة مخيفة أثارت انتباه جاكيري وجايك اللذان كانا على المنصة جوارها لينتبها لما يحدث ويركضا صوب هالفيتي...
في نفس اللحظة التي انتبهت لورا لهالفيتي بعدما كانت تحضر مشروبًا لتركض سريعًا صوب مايك لاخباره...
كان فبريانو ما يزال مختليًا بزوجته في أحد الأركان، قبل أن يشعر برنين هاتفه، أخرجه ليرى اسم آدم ينير شاشته، أجاب بحنق :
" ماذا آدم ؟؟"
" فبريانو أين أنت ؟؟"
اعتدل فبريانو في جلسته بعدما كان يتكأ على إحدى الأشجار وبين أحضانه تقبع روبين :
" ماذا حدث ؟!"
" لا نعرف لقد وجدنا هالفيتي منهارة في الحديقة، تبكي دون توقف ولا يعلم أحد ما حدث وكذلك الصغير يبكي "
انتفض فبريانو بقوة وهو ينظر لروبين ثواني ثم قال :
" حسنًا أنا قادم "
نظرت روبين له بخوف وهي تردد :
" لقد سمعت اسم هالفيتي، هل حدث لها شيئًا ؟!"
تحسس فبريانو سلاحه وهو يركض بقوة صوب الحديقة وروبين خلفه :
" لا أعلم..."
ومن فوق المبنى لمح مارتن حركة غريبة في الحفل، دقق النظر ليرى ابناء عمومته واخوته يركضون بشكل مثير للريبة صوب أحد الاتجاهات، ودون حتى أي تفكير، جذب جولي بسرعة :
" لنهبط جولي"
كانت هالفيتي تبكي بعنف، لا لأجل تلك الكلمات التي استمعت لها، بل لأجل تلك الذكريات المهينة التي جلبتها تلك الكلمات، لأجل تلك الجروح التي ضغطت عليها حديثهم ......
ثواني، هي ثواني فقط حتى وجدت هالفيتي نفسها محاطة بالتسع رجال والجميع يحدق بها في شكل مرعب يتحدثون مع بعضهم البعض في نفس الوقت ..
نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن يصدح صوت انطونيو بنبرة متحفزة مخيفة :
" هل فعل لكِ أحدهم شيئًا ؟!"
كان الجميع ينظرون لها برفق وخوف عليها، الكل يحيط بها يحاولون معرفة ما حدث، تحدث مارتن بحنان شديد :
" هيييه هالفيتي انظري لي عزيزتي أخبريني، هل هناك ما احزنك، فقط اخبرينا ونحن سنتولى الأمر اعدك "
ازدادت شهقات هالفيتي أكثر حتى على صوت بكائها وهي تضم الصغير لها قائلة بجزع وقهر :
" ادهم، أنا عايزة أدهم"
ابتلع الجميع ريقهم وفكرة واحدة تضرب رؤوسهم، وهي إن وصل ما حدث لاليخاندرو قبل حله، فسيضمنون بذلك أن يقيم جدهم جحيمًا فوق رؤوس الجميع هنا، هذا إن لم يفعلوا هم ذلك قبلًا .
نظر لها فبريانو بشكل مرعب ليهمس بطريقة اخافتها :
" لا أود معرفة ما حدث، أود معرفة المتسبب في بكائك فقط، سمي شخصًا، أو اشيري له لا يهمني، هل تستطيعين هالي ؟! "
بكت هالفيتي بقوة وهي تهز رأسها لا تود الحديث في هذا الأمر رعب لن تخبرهم ما سمعت، لن تخبر أحدًا عدا زوجها فقط.
وبسبب حالتها تلك غفلت عن الصغير الذي كان يتمسك بقدمها باكيًا، حتى لمح بعينه اليخاندرو الذي كان يقف رفقة والده، ليركض لهم بخطوات متعثرة باكيًا.
في الوقت الذي كان ادهم يحاول ايجاد زوجته التي اختفت فجأة :
" لا أعلم أخبرتني أنها تحتاج لشيء يرطب حلقها، لذلك ذهبت أنا لإحضار شراب غير كحولي خوفًا أن تخطأ وتحضر آخر كحولي، لكنني عدت لاجدها اختفت"
تحدث اليخاندرو مطمئنًا :
" لقد أسقط قاسم الحلوى على ثيابه وذهبت لتنظيفها، ثواني وستكون هنا "
قلب أدهم عينه بملل :
" اسمه فتحي وليس قا...."
" بــــــــابــــا "
كانت تلك الصرخة الباكية الصادرة من فم الصغير كشرارة ألهبت حواس ادهم الذي التفت كالرصاصة لابنه ملتقطًا إياه من الأرض، يمسح وجهه برعب بسبب بكاءه العنيف :
" حبيبي مالك ؟! حد زعلك، مالك يا قلب بابا بتعيط ليه كده ؟!"
" ماما "
نظر له ادهم بعدم فهم :
" ماما ؟! مالها ماما ؟! فين ماما يا فتحي ؟!"
بكى قاسم بقوة وهو يضع رأسه على كتف والده وكأنه للتو أتم مهمته والقاها على عاتق والده، أشار بيده باكيًا :
" ماما "
نظر أدهم حيث ينظر، في اللحظة التي كان اليخاندرو ينظر للصغير بجنون وترقب لمعرفة ما يحدث، لكن مع إشارة الصغير لأحد الاتجاهات وبكاءه بكلمة ماما، استقام جسد اليخاندرو وقد بدأت عينه تضيق بشكل مخيف يلمح تجمع أحفاده جميعهم حول شيء، تحرك بخطوات قوية مرعبة صوب ذلك التجمع، عكس ادهم الذي ضم صغيره وهو يركض برعب صوب التجمع، قلبه يقرع بفزع أن تكون هالفيتي قد تأذت، لا ليس هي، ليس هي ....
جُنّ جنون الكل بسبب ازدياد بكاء هالفيتي، لتشتعل النيران بأعين التسعة ويهمس أنطونيو بصوت مرعب وبنظرات مخيفة :
" أغلقوا باب تلك المزرعة ولا تسمحوا لأي وغد بالمغادرة ....."
________________________
ربما هي كلمة فقط ...لكنها تمثل للبعض رصاصًا؛ لذلك قبل فتح فمك تعلم انتقاء الفاظك.
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثامن 8 - بقلم رحمة نبيل
الفصل اهداء للجميلة مُروج، اتمنى لكِ حياة سعيدة مليئة بالخير جميلتي ❤️
____________
لكي لاتصاب بالجنون أو الاكتئاب من هذه الأحداث الغريبة المتصاعدة حافظ على أورادك وصلواتك ومناجاتك وثقتك بربك.
د/سلمان العودة
#افتح_مصحفك
صلي على النبي
___________________
بدأت شحنات الغضب تملؤ الهواء حتى أصبحت تنافس الأكسجين على السيادة، النظرات المرعبة تتطاير والانفاس الحانقة تتراشق في كل مكان .
الجميع ينتظر همسة واحدة منها، همسة باسم من فعل كل هذا بزهرتهم الغالية، الأمر يقف على همسة منها فقط، همسة قد يُقام على غرارها جحيم يطيح بالجميع في هذا المكان .
لكن كانت تلك الهمسة مستحيلة، فهي لن تستطيع أن تخبرهم ما حدث، كانت كل ما يمكنها فعله هو البكاء بينهم والجميع يحيط بها جاعلين إياها مركز الدائرة، بينما هي وكأن قوتها شحبت، لتشعر بجسدها يتهاوى حزنًا، يكسرها ما سمعت، ويقتلها عدم قدرتها على الرد وهي من لم تصمت يومًا أمام كلمة ...
وما كاد جسد هالفيتي يسقط ارضًا حتى سارع مايك يلتقطها بقوة بين احضانه، يشدها وهو يحاول أن يوقفها مجددًا، ولم يكن لهالفيتي من الوعي ما يجعلها تنتبه أين هي أو بأحضان من تسكن، لم تكن تشعر بقدمها، أيعقل أن مجرد كلمات تفعل بها هذا، وهي من ظنت نفسها اقوى من أي شيء .
ضمها مايك وجسده يرتعش غضبًا من انهيارها، لطالما كان أكثر ما يؤلمه هو حزن الفتيات، يؤلمه أن يرى ألمهن، مايك ذلك الشاب الذي كان اقربهم لوالدته من عاش معها وتعلم منها كيف يحترم المرأة كيف يُقدر ما تفعله، وكيف يحنو عليها وقت ضعفها، من كان التعامل مع النساء اسهل عنده من التنفس، ها هو يقف عاجزًا أمام حزن شقيقته الحبيبة .
" هالفيتي، حبيبتي لا بأس فقط اخبرينا ما يحزنك، فقط قولي ما تريدينه ولا تحملي همًا "
بكت هالفيتي تغطي وجهها هامسة بوجع :
" عايزة ارجع بيتي، عايزة أدهم، مشوني من هنا "
نظر مايك لها بعجز ولم يفهم كلمة منها ليشعر باقتراب فبريانو الذي مسح أعلى حجابها بحنان :
" هالفيتي قولي عايزة ايه وانا هنفذه ليكِ، عهد عليا هعملك أي شيء يسعدك "
رفعت هالفيتي يدها عينها له متحدثة بوجع :
" عايزة أدهم "
كان طلبًا بسيطًا، لكنه لم يكن ما ينتظره فبريانو، كانت ينتظر منها أن تخبره أنها تود قتل من ابكاها، لكم كان سيسعد لتنفيذ رغبتها!
ثواني وشعر مايك بهالفيتي تُنتزع من أحضانه بقوة مفزعة، التفتت عينه للفاعل، ليجد أنه ادهم الذي ترك الصغير ارضًا يلتقف جسد زوجته وهو ينتفض فزعًا، يفحصها بهلع وكأن روحه كادت تفارقه :
" أنتِ كويسة؟! أنتِ بخير صح يا هالي، أنتِ بخير مفيش حاجة بتوجعك؟! "
نظرت هالفيتي له ثواني قبل أن تبكي مجددًا، ترمي جسدها بين أحضانه صارخة بوجع :
" أنا مش بخير يا ادهم، أنا هموت من الوجع "
تأوه أدهم يستشعر انتفاضة جسدها بين يديه، جُنّ جنونه وهو يفكر فيما يمكن أن يتسبب بكل ذلك الوجع الذي يسكن روحها، ضمها بقوة بين أحضانه هامسًا :
" مالك يا هالي، مالك قوليلي مالك ؟!"
" عايزة ارجع البيت، روحني بيتنا مش عايزة افضل هنا، مش عايزة افضل هنا "
كانت تتحدث من بين شهقاتها بصعوبة وادهم لا يفهم شيئًا، رفع عينه للجميع وقد ازدادت نظراته توحشًا :
" حد منهم زعلك ؟! حد عملك حاجة ؟!"
هزت هالفيتي رأسها بلا وهي تهمس من بين شهقاتها :
" مشيني من هنا، مش عايزة افضل في المكان "
ما كاد أدهم يجيبها حتى استمع الجميع لصوت اليخاندرو يصدح بشكل مخيف وهو يلتقط جسد الصغير بين أحضانه يهدهده بحنان عكس نبرته المرعبة :
" هلّا اخبرني أحدكم ما حدث هنا وتسبب في بكاء حفيدتي وطفلها ؟؟ "
نظر الجميع لبعضهم البعض بخوف ولكم تمنوا أن ينتهوا من الأمر قبل أن يصل للجد، كال الصمت ولا احد يعلم سبب ما حدث، ليصدح صوت اليخاندرو هذه المرة مجددًا، لكن بنبرة جعلتهم يتذكرون جدهم أثناء الاجتماعات الهامة التي غالبًا ما تنتهي بقتال ...
" انطونيو .."
كانت كلمة واحدة جعلت انطونيو يلتفت لجده وهو يقول بجدية وحدة :
" لا نعلم جدي، هي لا تخبرنا بشيء، لكن ..."
صمت وهو ينظر لباب المنزل الذي يتوسط المزرعة :
" مارتن يتولى الأمر جدي لا تقلق سنعلم ما حدث، فقط دقائق قصيرة وسينتهي الأمر "
ضم أدهم جسد هالفيتي بين ذراعيه وهو يتحدث بنبرة مخيفة :
" رجاءً نريد العودة للمنزل "
نظر له اليخاندرو والجميع دون أن يصدر أحدهم ردًا عليه.
تحركت أنظار اليخاندرو للصغير الذي كان يفرك عينه بنعاس وتعب من كثرة البكاء، ربت على شعره، ينظر بطرف عينه للنساء اللواتي اقتربن بسرعة كبيرة، وقبل أن تنطق احداهن كلمة واحدة تحدث اليخاندرو بأمر :
" روز ابنتي خذي الصغير وعودي مع جميع النساء للمزرعة، لن يكون من الجيد أن يشاهد أحدكم ما سيحدث"
عم الصمت المكان وقد أصبح الرعب سيد الموقف، اليخاندرو لن يتحدث بهكذا كلمات إلا إن كان يعنيها .
اقتربت روز بطاعة منه تأخذ الصغير الذي تمسك بجده يرفض تركه، لتنظر روز لروبين وهي تتحدث :
" روبين تعالى وساعديني هو لن يفهمني "
اقتربت روبين من الصغيرة وهي تتلاعب بخصلات شعره في حنان كبير تستخدم نقطة ضعفه :
" قاسم حبيبي تحب اجبلك حلويات وشوكولاتة ؟!'
هز الصغير كتفه برفض وتذمر، بينما بدأت شفتيه تلتوي في إشارة واضحة لعودته للبكاء مجددًا، نظرت له روبين بعجز ثم قالت :
" طب تحب نروح ونلعب؟! مش عايز تشوف الحصان ؟!"
نظر لها الصغير بفضول لتبتسم روبين بعدما جذبت اهتمامه :
" فيه حصان ابيض كبير اوي، تيجي نروح نشوفه ؟!وكمان فيه حيوانات كتير اوي "
رفع الصغير نظره ينظر لادهم يطلب اذنًا، لكن نظرات أدهم الزائغة لم تعطه أي إشارة ليقبل بالعرض المغري من روبين .
ادهم الذي كان يضغط على جسد زوجته بشكل مخيف؛ اخافها هي نفسها، وكل أفكاره تتخذ منحني مخيف عما قد يكون حدث لها في المكان لترتعب بهذا الشكل، أيعقل أن أحدهم حاول التعدي عليها ؟!
افاق من شروده على صوت اليخاندرو :
" أدهم أخبر طفلك أن يذهب مع روبين"
نظر له أدهم بعدم فهم ليتلقط نظرات صغيرة التي تطلب إذن الرحيل بخجل، ليبتسم له بسمة لم تصل لعينه وهو يهز رأسه :
" روح معاها يا حبيبي وانا هاجي وراك أنا وماما "
ابتسم قاسم يبعد يديه عن رقبة جده يقفز لأحضان روبين التي قبلته بحب وهي تشير للفتيات ليلحقن بها، تحركت جميع الفتيات وفقًا لأوامر الجد عدا جولي التي كانت ما تزال تنظر لهالفيتي بدموع رغم عدم معرفتها لما حدث .
سمعت صوت انطونيو يهتف بجدية :
" أنتِ أيضًا جولي، غادري معهن "
نظرت له جولي بدموع ثم هتفت برجاء :
" هل يمكنني البقاء مع هالفيتي، هي لا تبدو بخير دعني ابقى معها "
كاد انطونيو يتحدث ليلمح بطرف عينه روما التي كانت ماتزال تقف جواره :
" روما خذي جولي وارحلي رجاءً"
هزت روما رأسها برفض :
" لا، لن ارحل قبل أن أعلم ما حدث للفتاة انطونيو، هذا بسببي ما كان عليّ أن أغفل عنها هنا رغم معرفتي أنها لا تعلم أحدًا سوانا "
زفر انطونيو بتعب قبل أن يسمع الجميع صوت مارتن الذي عاد من داخل المنزل بعدما استأذن صاحب المزرعة لفحص كاميرات المراقبة التي يراقب بها أملاكه الشاسعة الممتدة، وقد كان وجه مارتن لا يُفسر.
رأت جولي زوجها للمرة الأولى بملامح مخيفة مسودة غضبًا، لأول مرة لا تراه لطيفًا حنونًا، كان مخيفًا وناقمًا، وكل ما نطق به بعد توقفه هو :
" لنتحدث جانبًا "
نظر له اليخاندرو بهدوء قبل أن يشير بعينه لاحفاده أن يتبعوه، ليجتمع بهم بعيدًا عن هالفيتي وزوجها، لكن ما كادوا يبتعدون حتى انتفض ادهم وهو يصرخ :
" مهلًا إلى أين ؟! أنا أيضًا اريد معرفة ما حدث لزوجتي "
توقف الجميع ونظروا له ثواني قبل أن يقول جايك بغموض كبير وهدوء :
" فقط اعتني بزوجتك ونحن سنتولى الأمر لا تقلق "
ترك ادهم هالفيتي وهو يتحرك له بقوة يقف في وجه جايك قائلًا بأعين جامدة :
" لا يا سيد أنت مخطأ، لا أحد هنا سيتولى الأمر سواي، هذه زوجتي أنا وهذا الأمر يعنيني أكثر منكم جميعًا هنا، والآن أخبروني ما الذي حدث هنا ؟!"
نظر له اليخاندرو قبل أن يسحبه جانبًا معهم تاركين هالفيتي تنظر لاثرهم دون اهتمام، ومعها جولي وروما .
_________________________
" تبًا لك مارتن تحدث، قل ما عندك، قبل أن اقتلك أنت"
كانت تلك صرخة فبريانو التي أطلقها في وجه مارتن والذي منذ نأى بهم جانبًا لم ينطق كلمة، مما زاد حالة الجميع سوءً .
نظر مارتن ليد فبريانو التي يجذب بها ثيابه حتى كاد يخنقه :
" حسنًا فقط إن تركت ثيابي، سوف أخبرك كل ما تريد، لكن دعني اتنفس قبلًا يا حقير "
لم يحرك فبريانو يده بعيدًا بل زاد جذب ثياب أخيه أكثر وأكثر حتى شعر مارتن أنه على وشك الموت وهو يصيح باختناق :
" اللعنة عليك وعلى جميع أفراد عائلتك يا وغد، تبًا لك، لقد تعرضت ليزا وأصدقائها واصفين إياها بالخادمة بعدما سخروا من لون بشرتها "
ومع انتهاء كلماته التي قالها بصعوبة، تركه فبريانو وشأنه ليتنفس مارتن بقوة وكأنه خرج للتو من أسفل المياه بعد ساعات طويلة من الغوص، رفع عينه للجميع ليرى نظراتهم أصبحت مخيفة أكثر وأكثر من ذي قبل، أكثر من قبل معرفة السبب .
لم يكد أحدهم يتحدث بكلمة، حتى ارتفع سؤال ادهم يشق السكون بشكل مريب :
" ليزا هذه هي صاحبة عيد الميلاد نفسها ؟!"
بصق ماركوس كلماته باشمئزاز :
" نعم هي تلك الحقيرة ا...."
وقبل أن يكمل كلماته كان جسد ادهم يندفع يشكل جنوني بحثًا عن تلك الـ ليزا التي تخطت كامل حدودها ..
رمق الجميع أندفاع أدهم بعيون جاحظة جعلت جاكيري يصيح بفزع :
" أمسكوا به قبل أن يقتل الفتاة وحده "
ركض فبريانو بسرعة كبيرة خلف ادهم وهو يهمس بشر :
" هذه المرة سأقتلها بيدي هاتين، اقسم أنني سأفعل"
رمق ادهم الذي كان يركض أمامه :
" أنت توقف لن يقتلها غيري "
في هذه اللحظة كانت ليزا تحتل منصة رفقة أصدقائها تتقافز معهم وترقص بكل حماس مشعلة الليلة، تتنقل من يد هذا لذاك، تهز خصرها هنا وهناك، لا تعبء بشيء ولِمَ تفعل واليوم يوم مولدها ؟!
فجأة لمحت بطرف عينها ذلك الوسيم المصري يقترب عليها اتسعت بسمتها ملوحة له بيدها :
" هنا يا وسيم "
اقترب رفيق ليزا منها غامزًا بخبث :
" هل هذه لعبتك الجديدة ؟؟"
ضحكت ليزا بصخب ترد له غمزته :
" هذه المرة تختلف يا عزيزي "
انتهت من حديثها ترى أن ادهم بالفعل جاء صوبها، لتتسع بسمتها تركض صوبه تقابله في منتصف المنصة وهي تقول ببسمة واسعة :
" شاركني الرقــ ..."
وقبل أن تكمل كلمتها كان صوت الصفعة التي أعطاها لها أدهم يرنّ صداه في المكان كله...
ولم يعطها الفرصة لتستوعب ما حدث حتى عاجلها بالثانية، وقد بدأ الجميع يشهق برعب لما حدث، نظر له الكل بصدمة كبيرة لا يدري ما حدث أو سبب ضربه لليزا..
تحرك جد ليزا بعدما أبصر ما حدث يصرخ بذهول :
" أنت أيها الحقير كيف تتجرأ و..."
وقبل أن يكمل جملته كان سلاح مارسيلو يوجه له وهو يهتف بنبرة مخيفة :
" للخلف يا عجوز، قبل أن تفترش الأرض بجثتك"
انتشر الذهول بين الجميع وتعالت الهمسات ما بين معترض ومتعجب، وقد بدأ بعض الرجال يتحدثون متسائلين عما يحدث، بدأ الهرج يعم المكان حتى أخرج انطونيو سلاحه يضرب رصاصة في الفراغ صارخًا بصوت جهوري مُفزع:
" اطفئوا تلك الموسيقى، فنحن على وشك عزف موسيقانا الخاصة "
وبالفعل توقفت الموسيقى وحل في المكان صمت مخيف جعل الجميع يترقبون القادم .
بينما جاكيري لوى فمه بانزعاج :
" دائمًا ما يفسد انطونيو متعتي "
نظر انطونيو للجميع بأعين ملتهبة ثم صرخ :
" من منكم تجرأ واقترب من شقيقتنا ؟!"
ولم يبدو أن أحدهم قد فهم لما يشير له، لتتسع بسمة انطونيو أكثر هامسًا :
" أنتم تصعبون الأمر على انفسكم، يمكننا قضاء الليلة بأكملها هنا لا نفعل شيء سوى معرفة من فعل، وصدقوني لن تعجبكم الطريقة التي سنعرف بها "
في الوقت نفسه سمع انطونيو صوت صرخات رجولية تصدر من أحد الاتجاهات، التفت بسرعة ليرى مارتن قد انقض على شابٍ ما بالضرب المبرح ..
بينما مايك أمسك ذراع فتاة أخرى غير ليزا جاذبًا إياها إليه بشر هامسًا :
" لننظر للجانب الإيجابي، ستكونين أول امرأة اضربها يا جميلة، لا ليس جميلة حتى هذا اللقب لا يليق ببشاعة وجهك "
نظر جد ليزا لما يحدث وقد بدأ يرتاب مما يفعل احفاد اليخاندرو، دار بعينه بين الحضور بحثًا عن اليخاندرو نفسه، ليبصره يقف في أحد الأركان يشاهد ما يحدث دون ردة فعل فقط يكتف ذراعيه لصدره، اتجه له وهو يقول بجدية :
" اليخاندرو، أخبر احفادك أن يتوقفوا عن إفساد عيد ميلاد حفيدتي "
نظر له اليخاندرو لفترة قصيرة قبل أن يمنحه بسمة صغيرة، ثم عاد بنظره لما يفعل احفاده :
" دع الاولاد يمرحون ولا تتدخل، فهم لا يحبون أن يقاطع أحدهم متعتهم هذا يغضبهم "
فتح الرجل قمه بصدمة مما سمع :
" هل جننت ؟! أي لعبة تلك ؟! ذلك الرجل الحقير صفع حفيدتي للتو أمام الجميع، وأحفادك يفسدون يوم مولدها"
" امممم هذا سيء حقًا، لا بأس سأخبرهم ألا يتمادوا فيما يفعلون فقط لأجلك، ثم لا تقلق أي أضرار في المزرعة سأتكفل باصلاحها، عدا حفيدتك لن استطيع أن اصلح بها شيئًا "
عند هالفيتي كانت تقف جوار روما وجولي بجمود ترفض الحديث بكلمة عما حدث، تتجاهل كل ما حولها في انتظار أن يعود ادهم وترحل معه، لكن فجأة سمعت صرخة عالية تخرج من فم جولي وهي تقول :
" اوووه يا ويلي، كانت تلك الصفعة رائـ.....صفعها مجددًا، لقد صفع زوجك تلك الفتاة انظري "
رفعت هالفيتي عينها لها بتعجب قبل أن تحركها حيث تشير جولي لتفتح عينها بصدمة تراقب الصفعة الثالثة التي حطت على وجنة ليزا .
تحدثت روما بتخمين وهي ترى ما يحدث :
" هالي هل تلك الفتاة هي من تسببت في بكائك ؟؟"
لم تجب هالفيتي وهي تراقب ما يحدث بأعين مفتوحة بصدمة، قبل أن تتحرك بأقدام بطيئة تراقب ما يفعله الجميع أعلى المنصة .
أمسك جاكيري مكبر الصوت وهو يطرق عليه يختبره، ثم قال بصوت مرح مبتهج وكأنه على وشك اعلان فائز في مسابقة ما :
" مرحبًا سيداتي وسادتي، جاكيري فوستاريكي يتمنى لكم مشاهدة ممتعة، لا يُنصح بالمشاهدة لأصحاب القلوب الضعيفة ومن هم دون السن القانوني"
كانت ليزا تنظر بصدمة لما فعل ادهم بها وأمام الجميع بهذا الشكل دون حتى أن تقترب منه أو تتسبب له بشيء صرخت بجنون ضاربة باقدامها الأرض أسفلها :
" أنت أيها الحقير، من تظن نفسك ؟! هل تعلم ما فعلت للتو، اقسم أنني سأ..."
قاطعتها صفعة رابعة من ادهم، ثم قال بملامح مشمئزة :
" نعم أعلم ما فعلت، لوثت يدي بلمسك أيتها القذرة"
بصق الكلمات في وجهها ثم نظر لها من أعلى لاسفل وبعدها بصق ارضًا هاتفًا بإهانة واضحة وقد كان ذلك أقصى ما تمكن من فعله بعدما عاش حياته يحترم أي امرأة :
" حقيرة "
أنهى حديثه يتحرك صوب الاسفل، يتحرك صوب هالفيتي التي كانت مصدومة من تصرف زوجها، بينما الجميع يتابع ..
تحدث آدم بتعجب :
" هذا فقط ؟! ألن يقتلها ؟!"
همس له فبريانو بحنق :
" اششش لا تلفت انتباهه للأمر، اريد أن أفعل أنا ذلك"
لكن أدهم لم يكن قد انتهى بعد مما يفعل، حيث وصل لهالفيتي وسحبها من يدها صوب المسرح تحت نظرات الجميع المترقبة....
وحينما توقف معها أمام ليزا التي نظرت لها بصدمة، تبتلع ريقها وقد بدأ عقلها يعمل سريعًا يربط بين غضب ذلك الرجل ووجوده مع هالفيتي.
تحدث ادهم بجدية وشر :
" اضربيها "
راقب جميع الاحفاد بترقب ردة فعل هالفيتي، متمنيين أن ترفع يدها وتهبط بها على وجنة تلك الحقيرة ليزا، لكن كل ما فعلته هالفيتي هي أنها دفنت وجهها في كتف زوجها بانكسار تبكي مقهورة ترفض فعل شيء، ويبدو أن تلك الفتاة اجادت تحطيمها، حطمتها حتى أصبحت هالفيتي تستحي أن تلملم شتاتها أمام الجميع .
كانت ليزا تراقب ما يحدث بشر قبل أن تتحدث بصوت مرتفع رنّ صداه في المكان بأكمله:
" من تلك التي ستضربني ؟! هل جننت؟؟ من تظنون أنفسكم، أين جدي ايـ "
وقبل أن تكمل كلمتها وجدت قبضة تُحكم حول رقبتها بعنف شديد، جعلها تفتح عينها بصدمة تحدق بوجه اسوء كوابيسها وقد بدأ جسدها ينتفض رعبًا، وفبريانو أمامها يردد بشر مشددًا يده حول رقبتها :
" صدقيني أن تضربك هي، سيكون نعيمًا مقارنة بما افكر به الآن لأجلك"
ارتعشت ليزا تحاول ابعاد يده عن عنقها :
" أنا ... أنا لا افهم شيئًا، ما علاقتك بها، دعني وشأني"
ولم تكد تنتهي من كلمتها حتى وجدت نفسها محاطة بالتسعة احفاد والجميع يرمقها بشكل مرعب جعلها تبكي صارخة :
" جدي ..."
تأتأ مارتن بشفقة مصطنعة :
" ليس هكذا يا رجال لا تتجمعوا فجأة حولها بهذا الشكل، الفتاة خائفة"
أضاف ماركوس ينظر لحالة ليزا :
" نعم أنا اوافق مارتن، هي في النهاية رفيقتنا القديمة، لذلك لا يجوز لنا ارهابها بهذا الشكل "
حك آدم ذقنه بتفكير :
" وماذا نفعل في هذا ؟؟"
أجابه جاكيري بكل بساطة :
" يمكننا قتلها ونريحها كل ذلك الترقب والخوف "
لكن جاء الرفض من جهة انطونيو الذي ابتسم بسمة صغيرة يشعر بالاستمتاع بسبب لعبة الأعصاب التي ينتهجها إخوته، فالاسوء من لحظة قتل الفريسة هو ذلك الخوف أثناء انتظار الموت :
" لا لا، لا يعجبني هذا الأمر، ما رأيكم أن نتركها لفبريانو ؟!"
سقطت دموع ليزا ترتجف خوفًا تشعر بقلبها يكاد يتوقف من قوة خفقانه، تحدق في بسمة فبريانو الجانبية التي اتسعت بشكل مخيف وكأنهم للتو أعلنوا عن فوزه في إحدى المسابقات وقد كان في تلك اللحظة يبدو مختلًا بحق، وهذا لم يكن ابدًا شيئًا جيدًا.
لكن اعترض جايك على ذلك الأمر :
" هكذا ستموت أيضًا انطونيو "
" لا، لا تقلق سوف نتأكد ألا يفعل فبريانو، ثم فبريانو لن يقتل فتاة صحيح فبريانو ؟؟"
اتسعت بسمة فبريانو أكثر بشكل مختل، يستمتع بكل ذلك الخوف الظاهر على وجه ليزا، مد يديه يخرج سلاحيه يحركهما بين يديه بتلاعب :
" لا لا تقلق، فقط سنستمتع أنا وليزا و..."
توقف عن الحديث يدعي التفكير :
" صحيح أين الوغدين الآخرين اللذين سخرا من ابنة عمتي معكِ، ام أنكِ تريدين المتعة كلها لكِ وحدكِ "
شهقت ليزا متراجعة للخلف صارخة برعب كبير من حديثه وتلك الصدمة التي ضربت رأسها جعلتها ترتجف أكثر كورقة في الخريف :
" أنا لم أعلم اقسم أنني لم اعلم، لو كنت أعلم ما اقتربت منها، أنتم تعرفونني، أنا... "
قاطعها فبريانو بملل:
" نعم نعم، والآن أي وغدين هما ؟!"
هزت ليزا عينها تبكي بقوة صارخة :
" اقسم لكما أنني لم أكن اعلم، اقسم أنني ظننتها خادمــ.."
أشار لها انطونيو أن تصمت ونظرته قد أضحت مظلمة أكثر :
" اشششش أنتِ بهذا الحديث تزيدين الوضع سوءًا ليزا "
بكت ليزا تنظر حولها بخوف، ثم ركضت برعب صوب هالفيتي تمسك يدها باكية مترجية :
" اقسم أنني لم أكن أعلم، أنا آسفة اقسم ظننتك لصة، أنا لم أكن اعلم هويتك صدقيني"
بكت تترجاها، بينما هالفيتي تبعد يدها عنها ترفض النظر، بينما دموعها تهبط بقوة، تفكر بسخرية أن ليزا تعتذر فقط لأنها حفيدة اليخاندرو، ليس لأنها إنسانة مثلها، تعتذر لأنها خافت اولاد خالها، خافت مما قد يحدث لها، ليس لأنها شعرت بالندم، بكت خوفًا وليس ندمًا وهذا اسوء مما حدث، أن تحكم على الأشخاص حسب مكانتهم.
شعرت ليزا بالرعب بعدما وقعت عينيها بالخطأ على وجه أدهم، لتتراجع بعيدًا عنه تبتلع ريقها محاولة أن تتحدث وتحسن من صورتها أمام الجميع ..
" أنا آسفة اقسم لم أكن أعلم، هي ...هي لم تخبرني هي فقط استمرت بالصمت، كان بإمكانها أن تصرخ في وجههي وتخبرني أنها ليست خادمة أو لصة، لكنها لم تفعل "
ازداد ضغط يد هالفيتي على ظهر أدهم ينتفض جسدها مما سمعت، هي محقة كان من الممكن أن تصرخ بوجهها مخبرة إياها أنها ليست خادمة كانت تستطيع صفعها ببساطة لوصفها بذلك هي ومن معها .
لكن ماذا فعلت ؟! بكت دافنة وجهها أسفل قدمها كالنعام، سقطت دموعها أكثر تستشعر ضعفها.
في تلك اللحظة كانت تشعر أنها في عالم آخر بعيد عنهم، شعرت نفسها مكبلة وأحدهم يجلدها، لم تستطع أن تنطق كلمة، كَتّفها العجز، خافت أن تتحدث كلمة فتزيد الفتاة وأصدقائها من لذاعة كلماتهم، خافت أن تستمع للمزيد، خشيت أن ترى نفسها من خلالهم فتكتشف قبحها كما يزعمون .
ومن بين كل تلك الأفكار لم تشعر هالفيتي بأن صوت بكائها ارتفع بقوة حتى كاد يصم الأذان لتساهم بهذا الشكل في أشعال الاحفاد أكثر .
ارتفع صوت انطونيو بحدّة :
" حسنًا يكفينا لعبًا، أحضروا الثلاثة لحظيرة المزرعة والحقو بي "
أنهى حديثه يتحرك خارج المزرعة بخطوات غاضبة، بينما هالفيتي ما تزال تبكي بين احضان زوجها الذي شعر لأول مرة في حياتي بمثل هذا الغضب، شعر بشر مخيف يندفع بين اوردته، ورغبة في القتل تحوم حول رأسه ...
قبل أن يمسك مارسيلو يد ليزا ساحبًا إياها وجد جولي تندفع لها مسقطة إياها ارضًا، ثم انكبت عليها تضربها بكل حقد وكره صارخة فيها ودموعها تهبط بقوة ..
" تبًا لكِ ولامثالك، أنتِ بشعة، بشعة "
كانت تضرب ليزا بقوة وجنون، تحرك صوبها مارسيلو ليمنعها، لكن روما منعته وهي تشاهد ما يحدث بملامح قاسية :
" انتظر يا مارسيلو دع جولي تنتهي، ثم يأتي دوركم"
أثناء ذلك كان آدم قد احضر الفتاة والشاب الآخر بعدما انتهى منهم مارتن ومايك، كانت الفتاة مخمورة بشكل مثير للاشمئزاز لا تشعر بشيء، والشاب يحاول المقاومة .
دقائق مرت قبل أن تنهض جولي تاركة الفتاة تتسطح ارضًا تصرخ وجعًا وقد ملئت جولي جسدها جروحًا، رمقها مارتن باشمئزاز ط، يشير لجولي صوب الفتاة الأخرى :
" وهذه أيضًا جولي"
استدارت جولي بعنف صوب الفتاة، وما كادت تتحرك حتى وجدت روما تسبقها مرددة :
" هذا دوري أنا "
ابتسم مارتن يراقب ما يحدث براحة هم على أية حال لم يكونوا سيفعلون الكثير بالفتيات، لذلك لا بأس أن يدع الفتيات يتولين الأمر، هم نساء في النهاية .
في ذلك الوقت سحب ادهم زوجته صوب المزرعة ومازال صامتًا بشكل مخيف، دخل بها من الباب الخلفي لتجنب مقابلة أحدهم، تحرك مع زوجته لغرفتهم واضعًا إياها على الفراش .
وما كاد يتحدث بكلمة حتى ابتعدت هالفيتي عنه لأقصى ركن في الفراش تضم جسدها أسفل الغطاء بضعف وقهر.
راقبها بحسرة ووجع على وجعها، يفكر بحيرة هل يذهب ويقتلهم بيديه ليفرغ بهم غضبه؟! أم يبقى جوار زوجته؟!
نظر للباب بعجز ليقرر أخيرًا أن البقاء جوارها وترميم جروحها الآن اهم من أي شيء، هو لن يتركها تلعق جروحها وحدها لأجل أن يخفف غضبه هو....
خلع حذاءه، ثم تحرك صوب الجهة التي احتلتها هالفيتي، ساعدها في خلع حذائها، ثم اقترب منها يفك لها حجابها بلطف بينما هي تدفن وجهها في الوسادة أسفلها رافضة أن ترفع رأسها له .
انتهى ادهم من مساعدتها لتتحرر بعض الشيء، ثم قفز على الفراش جوارها يجذب جسدها له بكل بساطة، يتنفس بهدوء ويده تمر على ظهرها، ليشعر بها تدفن وجهها في كتفه ..
شرد ادهم في السقف لدقائق طويلة، لم يسمع بهن سوى انفاس زوجته السريعة التي تدل على بكائها، ليقول فجأة بجدية :
" حكتلك قبل كده عن الست اللي كانت جاية تطعم ابنها تطعيم الشلل ايام التكليف بتاعي؟؟"
لم تتحدث هالفيتي بكلمة وهي مازالت شاردة في عالمها بعيدًا عنه، ليبتسم أدهم بسمة صغيرًا :
" جاتلي في يوم نبطشية بليل وحيل الله تطعم ابنها، وانا اقولها يا حاجة التطعيم كان من يومين، تقولي ما أنا سرحت ونسيت يابني اعمل ايه، المهم كلمة مني على كلمة منها قولتلها تمام يا حاجة هاتي الطفل وانا هطعمه ليكِ ولا يهمك، بس بعد كده متتأخريش على معاد التطعيم "
صمت يلاحظ عين هالفيتي تنظر له بذبول ليكمل في جدية كبيرة :
" المهم يا ستي خرجت الحاجة عشان تجيب الطفل اللي هطعمه، وقتها لما شوفته عرفت أن الحاجة مش سرحت ونسيت التطعيم اللي كان من يومين لا دي دخلت في دوامة تقريبا"
رمقته هالفيتي بترقب ليهتف ادهم بجدية :
" الطفل كان عنده ٢١ سنة، وأمه فجأة افتكرت أنه ما اخدتش تطعيم الشلل وهو صغير "
انفلتت ضحكة صغيرة من فم هالفيتي ليشاركها ادهم الضحك بصخب يتجنب التطرق لذلك الأمر في هذه اللحظة :
" لا وايه حيل الله ياخده د، اقولها يا حاجة خلاص تطعيم شلل ايه اللي ياخده شاب عنده ٢١ سنة ؟! تقولي والله ابني لو اتشل ليكون بسببك أنت، روح حسبي الله فيك وفي امثالك، عايز توفر تطعيمات عشان تبيعها لحسابكم، ده أنتم كلاب فلوس "
ضحكت هالفيتي ضحكة أعلى من تلك التي سبقتها لتتسع بسمة ادهم وهو يضمها له أكثر قائلًا :
" طب والله انا اللي عشته في المستشفيات الحكومي يتألف منه كتاب كبير ونسميه عجائب وغرائب في الطب، اصبري هحكيلك عن الراجل اللي كان جاي عشان ...."
وهكذا اندمج أدهم في حكاياته القديمة والتي هربت بها هالفيتي من ألامها تنغمس بين طيات كلماته وكأنها تعيش معه تلك الفترة، تبتسم تارة وتعبس أخرى، وادهم لم يتوقف عن الحديث، ولم تتوقف يده عن التحرك بحنان أعلى ظهرها .
_______________________
كان الجميع يراقب ما يحدث بهدوء بعدما انتهوا من الشاب والآن تركوا فبريانو يلعب لعبته المفضلة ويخيف ليزا التي تكاد تتبول خوفًا كلما سمعت سعاله فقط، فما بالكم برؤيته يوجه كل تلك النظرات لها خصيصًا ؟!
تحدث جايك بتفكير :
" هل نتدخل و ننقذ الفتاة من يده ؟!"
نفخ آدم باستهزاء :
" لا دعه يستمتع قليلًا، الرجل يعاني منذ فترة طويلة، انظر إليه وإلى سعادته "
نظر الجميع إلى فبريانو الذي كان يجلس على مقعد أمام ليزا يتلاعب بالسلاح فقط وكان هذا أكثر من كافيًا ليرعبها .
صرخت ليزا وعينها تتحرك على وجه فبريانو الذي كان لها الآن اكبر كوابيسها :
" أنا آسفة اقسم أنني آسفة، لن افعلها مجددًا، فبريانو ارجوك دعني أرحل، أنا آسفة اقسم "
" ليس لأنني تركتك تحيين حتى الآن، تظنيني طيب القلب، لا عزيزتي أنا حقير"
بكت ليزا ترتعش وفي رأسها تتمنى مجئ جدها بسرعة :
" لم أكن أعلم، اقسم لو أنني علمت أنها قريبتك لما نظرت حتى لوجهها، أنا آسفة، دعني ارحل ولن تراني مرة أخرى"
هز الكل رؤوسهم باقتناع وهم يرون ما يحدث، ليتحرك جايك من مقعده يردد بجدية :
" حسنًا بما أن الأمر أصبح الآن بين يدي فبريانو فسوف اذهب لأتفقد الصغير والجميع في المنزل وأنتم انتهوا من هذا واتبعوني لنرى هالفيتي"
نهض انطونيو من مكانه يشمر عن كم ثيابه :
" حسنًا هذا دوري جاكيري ابتعد عن الفتى "
تحرك جايك صوب المنزل يدخل من الباب الخلفي الذي يطل على الأراضي الزراعية، يخمن وجود زوجته هناك، وقد صدق تخمينه فبمجرد دخوله لمحها تقف أمام طاولة تقوم بالعجن وعلى الطاولة يجلس قاسم يغرز يده في العجين بسعادة معها وقد استطاعت روز أن تُنسي الصغير ما رأى بكل مهارة .
تنفس جايك بحب، يراقب تلك الملاك التي تزوجها، يتأمل خصلاتها النارية التي تسقط أعلى عينيها لتنفخها بعجز بسبب امتلاء يديها بالعجين، بينما الصغير يتضاحك لها وهي تصنع له اشكالًا بالعجين..
" اوه زهرتي الحبيبة، سوف تكونين امًا رائعة أنا أكاد أجزم بهذا "
همس جايك في نفسه يراقب حركات روز التي تصنعها بوجهها لتلاعب الصغير، بينما الاخير يقلدها وهو يضحك بصخب .
تحدثت روز بعجز وهي ترفع يدها عن العجين :
" يبدو أننا فشلنا فشلًا ذريعًا يا صغير، انظر لذلك الشيء الذي صنعناه، لا يشبه الحصان بأي شكل من الأشكال، هذا اقرب لمسخ "
ضحك جايك بخفة عليها قبل أن يتحرك صوبها على أطراف أصابعه، يلتف حولها بهدوء مستغلًا انشغالها مع الصغير، ودون أي مقدمات كانت يده تلتف حول خصرها وذقنه تستند على كتفها من الخلف .
" يمكنني مساعدتكما لصنع الحصان وفي المقابل احصل على قبلة، ما رأيك زهرتي ؟!"
شهقت روز بفزع تستدير برأسها صوب جايك هاتفة بتوبيخ :
" جايك ألن تتوقف عن ذلك ؟! كدت تُوقف قلبي يا رجل "
انحنى جايك يطبع قبلة لطيفة على كتفها هامسًا :
" آسف فقط أردت مفاجئتك أنتِ والصغير "
ابتسمت روز وهي تحرك عينها صوب قاسم الذي كان يعيش اجمل لحظات حياته يلعب بالعجين أثناء ارتداؤه قفزات الطبخ .
" ذلك الصغير كالملاك، جايك لقد سرق قلبي ببساطة"
ابتسم جايك يرمق الصغير بحب :
"نعم هو لطيف للغاية، ورائع أيضًا "
صمت ثواني قبل أن يهمس في اذنها بحب :
" ما رأيك أن نحضر طفلًا لطيفًا مثله ؟! "
" حقًا هل تظن أن طفلنا سيكون لطيفًا مثله !!"
" وكيف لا يكون وأنتِ والدته روز ؟!"
ضحكت روز بخفة ترفع يديها تحاول بها ابعاد خصلات شعرها عن وجهها مرددة بمزاح :
" ربما لأنك والده جايك "
أبعد جايك تلك الخصلة عن عينه متحدثًا بحنق :
" وماذا في ذلك، روز عزيزتي أنتِ الوحيدة التي لا يحق لها التذمر أو القلق بشأن مستقبل طفلها، فوالد طفلك هو أكثر رجال العائلة مثالية، فإن ورثني طفلنا سيكون محظوظًا "
رفعت روز حاجبها مبتسمة :
" حقًا، ما هذا الغرور جايك ؟!"
بادلها جايك البسمة بأخرى عاشقة، ينحني بعض الشيء ليصل لطولها هامسًا :
" ليس غرورًا حبيبتي، بل ثقة أن طفلنا سيكون الاروع وأكثر لطافة وجمالًا بين الجميع، وكلي أمل أن يرث خصلاتك النارية وجمالك الفاتن هذا "
ابتسمت روز بخجل، ثم استدارت تعطيه ظهرها طالبة منه بهدوء :
" ساعدني جايك لالملم خصلات شعري، حتى نكمل صنع الحصان "
ابتسم جايك يمد يده لسحب خصلات روز للخلف، ثم لفهم معًا باحترافية اكتسبها لكثرة تعامله مع خصلاتها طوال الوقت، ثم شمر عن اكمامه، يتحرك ليقف جوار روز يراقب تلك العجين المسكينة التي حولتها روز لكائن بلا ملامح :
" حسنًا سأريكِ كيفية صناعة الحصان بالعجين "
ابتسمت روز تراقب شغف جايك الكبير بما يفعل، لينغمس جايك فيما يفعل مستخدمًا أنامله الدقيقة والمحترفة، لكن الصغير لم يدعه يفعل شيء فكلما انتهى جايك من جزء أفسده قاسم ظنًا منه أنها لعبة، واستمر الأمر حتى صرخ جايك بحنق :
" حسنًا طفح الكيل يا صغير، تعال هنا "
لمح قاسم ركض جايك صوبه ليدرك أنه أغضبه؛ لذلك حاول أن ينزل من أعلى الطاولة للهرب، ليجد يد روز تساعده وتنزله للاسفل صارخة :
" اركض قاسم "
رغم أنه لم يفهم حديثها إلا أن الصغير انطلق يعدو في المنزل بجسده الصغير الذي كان أشبه بالكرة، يتعثر في الخطوات وهو ينظر خلفه يراقب جايك الذي انطلق خلفه ببطء نسبي ليدع لقاسم فرصة للهرب ..
تعالت في المكان أصوات ضحكات قاسم الصاخبة الذي كان ينظر خلفه لجايك الذي يضحك مفتعلًا وجهًا غاضبًا :
" سأمسكك يا صغير، تعال هنا "
انطلقت ضحكات قاسم وهو يزيد من سرعة اقدامه الصغيرة، بينما روز خرجت من المطبخ تراقب ما يحدث ببسمة واسعة وقلبها يقفز تأثرًا بذلك المشهد الرائع؛ لذلك أخرجت هاتفها تسجل تلك اللحظات لزوجها بكل حب .
وأثناء تلك المطاردة كان جايك يقتطف قبلات متفرقة من وجنتها كلما مر بها، ثم يعود لمطاردة الصغير، بعدها يلتقط قبله ويكمل المطاردة...
________________________
انتهى الجميع من الثلاثة وعادوا مجددًا للمنزل تحت تذمرات فبريانو الذي كان يرفض أن يدعوهم يرحلوا هكذا بكل بساطة :
" أنتم كيف تفكرون ؟؟ لقد تركتوهم هكذا بكل بساطة ؟!"
نظر انطونيو له بحنق :
" أي بساطة تلك التي تتحدث عنها ؟! لقد تناوبنا عليهم باستمرار لساعتين تقريبًا، ذلك الغبي مايك كسر للشاب اضلعه ومارتن كسر ذراعه بينما تسببت أنت في إصابة الفتاتين بجميع الأمراض النفسية التي عرفها العالم، وتتحدث عن البساطة ؟! لا أظن أنهم سيرفعون أعينهم مجددًا في وجه أحدهم، وهذا المطلوب "
توقف الجميع في منتصف بهو المنزل ليروا جميع النساء مجتمعات، وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة سارع انطونيو بالتساءل:
" أين هالي والصغير ؟!"
تحدثت روز بهدوء وهي تنظر لغرفتها مشيرة لها :
" الصغير نائم الأن، بينما لا نعرف أين هي هالفيتي ألم تكن معكم ؟!"
ضيق انطونيو ما بين حاجبيه وقد بدأ القلق يتسرب لقلبه :
" لقد سبقتنا مع زوجها للمنزل، كيف لم تصل ؟؟"
بدأ الجميع ينظر حولهم بخوف، لتتحدث رفقة بتساؤل:
" ألا يملك أحدكم رقم زوجها ؟!"
وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة كان اليخاندرو يخرج من مكتبه متحدثًا بكل جدية وهدوء :
" هالي الآن مع زوجها في غرفتها، لا اعتقد أنها في حالة تسمح لها بالحديث مع أحد و..."
لكن لم يستمع أحد له فقد سارع انطونيو يركض للأعلى خلفه الثمانية الباقيين يرابطون أمام غرفتها، يريدون الاطمئنان عليها وقد ملء الحزن قلوب الجميع عليها، مازال صوت شهقاتها يرنّ بأذانهم .
توقف انطونيو رفقة الباقيين أمام الباب ينظرون لبعضهم البعض لا يعلمون ما يجب فعله، لكن تطوع مايك ليتقدم يطرق الباب وهو يردد بحنان :
" هالفيتي، حبيبتي هل أنتِ بالداخل ؟!"
نفخ ماركوس بغيظ شديد يزيح مايك جانبًا :
" أنت أيها الاحمق ما هذه حبيبتي، هل تريد أن يغار زوجها ويصرخ بنا جميعًا، هو به ما يكفيه الآن "
اقترب ماركوس من الباب يطرق بلطف :
" هالفيتي جميلتي هذا أنا ماركوس "
رمقه مايك بسخرية يضرب كتف اخيه بعنف مزيحًا إياه بعيدًا عن الباب :
" وهل عندما تناديها جميلتي سيخرج زوجها ويقبلك ؟! "
" وما المشكلة بجميلتي ؟! هذه صفة لطيفة "
أزاح جاكيري الاثنين جانبًا بغيظ :
" ابتعدا أيها الاحمقان "
طرق الباب للمرة الثالثة بقوة أكبر من المرتين السابقتين وهو يتحدث بشكل ظنه لطيفًا :
" هيييه هالفيتي لقد صورت لكِ تلك الحمقاء حينما كان فبريانو يخيفها، هيا ستحبين ذلك لقد كسرنا لأجلك اضلع ذلك الاحمق "
مسح انطونيو وجهه بتهكم مما يسمع :
" أنتم أيها الحمقى بحق الله ألا تعلمون كيف تسعدون فتاة؟! تبًا لكم حفنة من الاوغاد، ابتعدوا عن ذلك الباب اللعين "
كان يتحدث وهو يزيح جاكيري جانبًا بقوة ليسقط في احضان فبريانو الذي تلقفه قبل أن يسقط، استند جاكيري برأسه على كتف فبريانو مرددًا بمزاح :
" انظر فبريانو القدر يصر على أن تكون نهايتي بين أحضانك طوال الوقت "
رفع فبريانو حاجبه قبل أن يرفع يده متسببًا في سقوط جاكيري بعنف ليصرخ بغضب :
" تبًا لك يا حقير، اقسم لولا أنك بكيت عليّ ذلك اليوم لكنت قتلتك، لكنني سأحترم مشاعرك المرهفة واسامحك "
ضربه فبريانو في معدته بقدمه لتنطلق ضحكات جاكيري أكثر عليه غامزًا إياه :
" مهما فعلت سأسامحك لأجل بكائك ذلك اليوم "
غضب فبريانو أكثر ليلقي جسده أعلى جاكيري بقوة صارخًا :
" اقسم أنني سأقتلك أيها الحقير "
تعالت ضحكات جاكيري بقوة في الممر وقد التفت له الجميع، البعض يشجع وانطونيو يصرخ عليهما بحنق :
" أنتما ايها الغبيين، هل نحن هنا لنتشاجر أم لنطمئن على شقيقتنا ؟؟ أنتما الاثنان سبب تعكير صفو حياتي "
دفع جاكيري فبريانو من فوقه بقوة متسببًا في سقوطه ارضًا، ثم تمسك بقدم مارسيلو الذي كان يستند جواره على الحائط لينهض، ليسمع صراخ مارسيلو :
" أنت ايها الغبي، سوف تتسبب في خلع بنطالي"
جذب انطونيو خصلاته بغيظ :
" سوف تكون نهايتي على ايديكم، حفنة من الحمقى "
زفر بقوة يحاول أن يهدأ، ثم التفت للجميع يحذرهم بعينه أن يصمتوا، وبعدها وجّه جسده لباب غرفة هالي، رفع يده ليطرق الباب، لكن ما كادت تصل للباب حتى وجد ادهم يفتح الباب وهو يخرج لهم مغلقًا الباب خلفه ببطء متحدثًا بحنق :
" ما كل هذه الضوضاء ؟!"
لم يهتم به أحدهم وهم ينظرون للباب بلهفة يحاولون معرفة حالة هالفيتي والقلق يستوطن وجوههم، فتحدث مايك بخوف :
" هل هي بخير ؟؟ هل بكت مجددًا ؟؟"
نظر الجميع لادهم بلهفة ينتظرون إجابته، ليتنفس الأخير بتعب يهز رأسه بإيجاب :
" لقد سقطت في النوم بصعوبة بعد بكاء طويل، حاولت أن أخفف الأمر عليها، ورغم أنها ابتسمت وضحكت، لكنني أدرك جيدًا أنها تتألم، كما أنها ..."
صمت قليلًا ليحثه جايك على التحدث :
" ماذا ؟! هل اذاها هؤلاء الاوغاد شيئًا ؟!"
هز ادهم رأسه بلا :
" هي تريد مغادرة البلاد والعودة للوطن "
تعالت شهقات الجميع بقوة وقد بدأت الصدمة تحتل وجوههم، وانطونيو لا يصدق أن هؤلاء الحمقى تسببوا لها في جرح جعلها حتى لا تطيق البقاء هنا :
" لكن ..لكن نحن لم ...نحن لم نجلس معها ولم نتحدث سويًا، ولم نقضي وقت سويًا كما خططنا "
نظر لهم ادهم بشفقة كبيرة :
" لا أدري الحقيقة هي حزينة ولا اعلم ماذا افعل "
نظر الجميع له وفكرة واحدة تدور في رؤوسهم، كيف يمحون حزن ابنة عمتهم، ويجعلونها تبتسم مجددًا .
أشار انطونيو للجميع بالرحيل وهو يقول لادهم برجاء :
" اعتني بها رجاءً، نحن سوف نحاول إقناعها بالبقاء "
وما كادوا يرحلون حتى سارع ادهم في السؤال :
" طفلي ؟! أين هو ؟!"
استدار له جايك متحدثًا ببسمة باهتة قليلًا :
" لقد جعلته زوجتي ينام في غرفتنا، لا تقلق هي تعتني به جيدًا، فقط اهتم بهالي الآن "
هز ادهم رأسه يشكره، ثم عاد للغرفة مجددًا بينما رمقه الجميع وقد امتلئت قلوبهم بالحزن لأجل زهرة العائلة التي عانوا الويل لأجل حمايتها من أي أذى وحزن، والآن عانت الكثير والأدهى أن كل ذلك حدث لها وهي بينهم وفي يومها الأول معهم ....
هبط الجميع للاسفل لتسارع الفتيات لهم تتحدث روما بلهفة :
" هل هي بخير ؟! هل توقفت عن البكاء ؟!"
هز انطونيو رأسه بشرود بلا، ليسمع الجميع صوت جولي الحزين :
" هل مازالت حزينة ؟؟ تلك المسكينة لا تستحق كل هذا، هي لطيفة للغاية، هؤلاء الاوغاد اقسم أنني اود العودة وإخراج احشائهم بين أصابعي "
اقترحت راسيل بحزن :
" نستطيع الجلوس معها ومحاولة التخفيف عنها ؟!"
هز مارسيلو رأسه بلا وهو يضمها بحنان :
" لقد سقطت في النوم بعد بكاء عنيف "
بكت روبين بحزن تخفي وجهها في صدر فبريانو :
" يارتني كنت معاها وانا كنت قلعت اللي في رجلي ونزلت بيه على دماغهم "
ضحك فبريانو بخفوت يزيد من ضمها لصدره :
" مظنش، كنتِ هتقعدي تعيطي جنبهم "
بكت روبين أكثر :
" صعبانة عليا اوي، عياطها كسر قلبي "
تحدث آدم وهو ينظر الجميع بيأس :
" والاسوء أنها تريد الرحيل ومغادرة البلاد بأكملها"
شهقت جميع الفتيات لتهتف هايز بلهفة :
" أنتم لن تسمحوا لها صحيح ؟!"
هز آدم كتفه بعجز :
" وماذا نفعل حيال الأمر ؟؟"
تحدث جايك بعد صمت طويل نسبيًا يستمع للجميع، يدرس جميع الأمور في رأسه:
" ربما لا نستطيع أن نمحو حزنها، لكننا بالطبع نستطيع رسم سعادتها "
نظر له الجميع بانتباه، ليضم جايك روز له غامزًا بمشاكسة :
" لدي فكرة جيدة لاسعادها، بمساعدة روز والجميع كذلك، الكل سيكون له دور في الأمر "
انتبه له الجميع لترتسم بسمة غامضة على فم جايك قبل أن يشرع في سرد ما يفكر به لأجل إسعاد هالفيتي ...
_______________________________
اغلق باب الغرفة خلفه بعدما دلف لها رفقة زوجته، يتنهد بتعب كبير بعد هذا اليوم المشحون، لم يكن من المخطط أن تنقلب الأمور رأسًا على عقب بهذا الشكل.
انتبه لزوجته التي كانت تقف شاردة، تحركت صوب النافذة تجلس جوارها تشرد بعيدًا عنه في عالم آخر، تعجب آدم ما يبدو على وجه هايز من التفكير ليردد بريية :
" هايز، هل أنتِ بخير ؟!"
ابتسمت له بسمة صغيرة، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن مكنونات صدرها، لا تصف ما تشعر به في هذه اللحظة وقد جددت حادثة هالفيتي ما عاشته سابقًا، لكن هي لم تتعرض للعنصرية بسبب شيء في مظهرها، بل تعرضت للظلم بسبب ضعفها فقط وجُبنها، سقطت دمعة صغيرة اخفتها سريعًا عن أعين آدم الذي اقترب منها يتحدث بحزن :
" هايز، لِمَ البكاء حبيبتي ؟؟"
نظرت له هايز تجاهد لرسم بسمة :
" لا لستُ حزينة، أنا فقط أشعر بالوجع لأجل هالي، تلك الفتاة لا تستحق ما تعرضت له اليوم "
جلس آدم جوارها يرفع يده ليربت على رأسها، لكن ما كادت يده تحط أعلاها، حتى وجدها تندفع له بقوة باكية أعلى صدره، تفاجئ بها آدم يضمها بحنان له :
" هيييه حبيبتي ما بكِ ؟!"
" أنا اكرههم هايز، اكره هؤلاء الذين يعطون لأنفسهم حق أذية غيرهم سواء بكلمة أو فعل، اكره كل من يقتات على وجع الاخرين، امقتهم لا أريد أن اقابلهم أو أن أتحدث لأحدهم "
أدرك آدم جيدًا أنها تذكرت ما حدث لها، انحنى برأسه يقبل خاصتها بلطف :
" لا أحد يحب هؤلاء الأشخاص هايز، لكن كرهنا لهم لا ينفي وجودهم، تجاهلنا لهم لا يمحي أفعالهم، التصرف الوحيد الصحيح هو أن نقف أمامهم وننتزع حقوقنا من بين مخالبهم، هذه الحياة بها الجيد والسيء، أمر طبيعي، لكن الغير طبيعي هو أن يخشى الجيد مواجهة السيء، أن ينسحب الخير من ساحة الحرب مشهرًا رايته البيضاء معلنًا استسلامه أمام الشر "
نظرت له هايز باكية :
" الأمر ليس سهلًا كما تصفه آدم، المواجهة تستلزم قوة لا يمتلكها الجميع، الأمر صعب "
" بل هي قوة لم يكتشفها الجميع هايز، هذا هو التعبير الصحيح "
صمتت هايز تفكر في حديثه لتشعر فجأة بجسدها يرتفع في الهواء، نظرت بفزع لادم الذي حملها بحنان كبير مقبلًا عينيها بحب :
" هيا للنوم وكفي عن التفكير في كل تلك الأمور المحزنة، نحن نريد طاقة إيجابية لإسعاد هالفيتي، لذلك ابتسمي واستدعي بعضًا من طاقتك الإيجابية لأجلها ولاجلي "
نظرت له هايز تراه يضعها على الفراش يردد بجدية كبيرة أثناء تحركه صوب الخزانة يخرج حقيبته التي لم ينتهي بعد من افراغها، يخرج منها حقيبة بلاستيكية، ثم تحرك صوبها غامزًا :
" ولأجل استعادة طاقتك الإيجابية، إليكِ اسهل الطرق لذلك "
انتهى من حديثه مخرجًا فستان قصير لامع به العديد من الثقوب والفتحات التي جعلت أعين هايز تتسع بصدمة :
" هذا...هذا ...ما هذا الشيء ؟؟ كيف احضرته ومن أين فعلت ؟!"
أشار آدم لما بيده مبتسمًا بسمة واسعة يغمز أنا أثناء عض شفتيه متحدثًا بتنهيدة عالية :
" هذا ...هذا كان آخر تذكار حصلت عليه من تلك راقصة مثيرة أثناء مراهقتي، كانت رائعة وكريمة كثيرًا"
انتفضت هايز من الفراش تحت أنظار آدم الذي كان يكتم بسمته بصعوبة يحاول رسم الجدية على وجهه فهذا هو الموضوع الوحيد الذي يستخرج هايز الشرسة من داخل تلك الضعيفة البائسة، لكن هايز لم تصمت هذه المرة تنقض عليه بالضربات أعلى كتفه صارخة :
" وتتباهى بذلك امامي ؟! أيها المنحرف أين كان والديك أثناء تربيتك ؟!"
لوى آدم فمه بحزن مصطنع :
" أنا يتيم هايز تتذكرين؟! لم أجد من يعلمني أساسيات الحياة سوى نرجس "
" نرجس ؟! من هذه نرجس "
ابتسم آدم وهو يقول بسعادة :
" كانت صاحبة الملهى الذي قضيت به ليالي المراهقة، تلك النرجس كانت رائعة بحق "
كان آدم يتحدث بحنين أطاح بعقل هايز التي ضربت الأرض بقدمها صارخة بجنون :
" اقسم أنني سأخبر جدي، ولن أجلس معك في تلك الغرفة أيها الحقير المنحرف، تبًا لك ولتلك النرجس "
اعترض آدم على حديثها :
" لا هايز، نرجس لا علاقة لها بمشاكلنا "
صرخت هايز في وجهه، تبكي بقوة راكضة خارج الغرفة لتزداد ضحكات آدم بقوة على غباء تلك الفتاة، لكن فجأة سمع صوت صرخاتها في الخارج وهي تقول بصوت يقسم أنه اسمع الاموات في قبورهم :
" جدي لقد احضر لي آدم ثياب راقصة ..."
صاح آدم بصدمة وهو يلقي ما بيده راكضًا للخارج :
" تبًا "
ركض آدم لخارج الغرفة وهو يصرخ بجنون :
" هايز تعالي هنا، سوف تتسببين لي في فضيحة، لقد كنت احاول المزاح لاخرجك من حالتك المزاجية السيئة "
لكن هايز لم تستمع له وهي تبكي راكضة صوب مكتب اليخاندرو تنادي باسمه، وقبل أن تصل له شعرت بمن يحملها على كتفه راكضًا بها :
" اششش اصمتي أيتها الحمقاء كنت امزح معك، اقسم أنني لن اخبرك شيئًا آخر هايز "
نظرت له هايز بحنق وهي تصرخ به :
" تمزح ؟! هل هذا مزاح أيها الغبي، انزلني آدم"
دخل آدم بها الغرفة وهو يهتف بحنق :
" أقسم إن سمعت كلمة أخرى منك، سوف ألقي بكِ من النافذة هايز، أنتِ يا فتاة صاحبة عقل صغير، لندعي الرب ألا يرث صغاري عقلك الصغير ....."
____________
صباح اليوم التالي كانت المزرعة مقلوبة رأسًا على عقب، لمحاولة تنفيذ ما اتفقوا عليه مساء الأمس بأسرع وقت وقد كان أكثر من عانى لأجل هذا الأمر هو جايك الذي كان يبدو كقنبلة موقوتة، لا يرغب أن يقترب منه أحد وإن فعل تلقى منه ما لا يسره .
بينما جاكيري انشغل مع مارتن في تجهيز أمور أخرى، ومايك غادر المزرعة مع آدم لإحضار بعض الاشياء، وانطونيو تولى التنظيم رفقة ماركوس، بينما مارسيلو لاول مرة لا يكون نائمًا، بل أوقعه حظه العصر ليعمل تحت يد فبريانو الذي كان لا يفعل شيئًا سوى إصدار الأوامر .
تأفف فبريانو بحنق كبير :
" أنت أيها الكسول ما الذي فعلته؟؟ انظر إلى تلك الفوضى، هل تسمي هذا عملًا بحق الله حتى أنا يمكنني فعل ما هو افضل "
هبط مارسيلو عن السلم الخشبي يتمتم بغيظ وضيق صارخًا يدفع كتف فبريانو صوب الدرج :
" حسنًا هيا اصعد وانتهي أنت منها بشكل جيد، دعك من هذا الكسول وانتهي منها بنفسك سيد فبريانو "
نظر فبريانو لكتفه الذي كان كان مارسيلو يدفعه بغيظ وقد اعماه غضبه لدرجة أنه نسي أمام من هو، وقبل أن يستوعب مارسيلو ما يفعل صرخ بغضب يضرب السلم بقدمه :
" تبًا لك، لا تنظر لي هكذا أنا لا اخافك "
وما كاد ينتهي من حديثه حتى وجد الدرج يهوي بقوة ساقطًا على كتف انطونيو، فتح مارسيلو عينه بصدمة شاهقًا :
" يا ويلي "
استدار انطونيو ببطء بث الرعب في قلب مارسيلو الذي تراجع للخلف مبتلعًا ريقه :
" لم اقصد، اقسم لك لم اقصد لـ"
لكن توقف عن الحديث وهو يستشعر ذلك الجسد الذس اصطدم به، استدار بريبة ليجد وجه فبريانو مقابله، فزع من ملامح الشر التي سكنته، والآن هو بين نارين، ويله فبريانو وويله انطونيو الذي كان يمسك كتفه متأوهًا وملامح وجهه لا تنذر بالخير .
رمقهم مارسيلو ثواني قبل أن يختفي من بينهم راكضًا وهو يصرخ يكاد يبكي :
" النجــــدة، جــــــدي "
لكن لم يجد أحد ينقذه في المكان أو يحميه من هؤلاء الوحوش غير شخص واحد فقط، ركض مارسيلو بأقدام متلهفة صوب قاسم الذي كان يتلاعب بالألوان التي أعطاها له جايك، وفي ثواني كان يلتقط جسده عن الأرض يرفعه أمام الاثنين صارخًا :
" أنتما لن تحبا أن يرى الصغير مقدار اجرامكما، جدي سيقتلكما إن حدث ذلك "
كان يتحدث متخذًا من قاسم درعًا، بينما ابتسم قاسم لانطونيو وفبريانو بلطف جاعلًا الاثنين يتراجعان بهدوء، اتسعت بسمة مارسيلو يضم الصغير له أكثر وكأنه رهينة تضمن خروجه حيًا من تحت أيديهم، لكن فجأة انتفض بسبب الصفعة التي سقطت على وجهه، فتح مارسيلو عينه بصدمة رامقًا الصغير بعدم تصديق :
" أنت يا قاسم ؟! لقد اعطيتك ثقتي "
ضحك قاسم بقوة وهو يصفع مارسيلو مجددًا متتبعًا إشارات فبريانو، تعالت ضحكات الجميع على ما حدث ...
وفي الداخل كانت الفتيات منقسمات لمجموعتين، مجموعة تتولى تحضيرات المفاجأة مع روز والباقيات ذهبن إلى غرفة هالفيتي لضمان بقائها هناك، دون أن ترى ما يحدث في الخارج ....
في الغرفة حيث هالفيتي كان أدهم يقفز أمامها يحرك كتفه يمينًا ويسارًا يحاول تقليد تلك الرقصة التي احبتها في أحد الأفلام التي تُدمن مشاهدتها، أعاد خصلاته للخلف بشكل مثير، ثم منحها بسمة واسعة، يتخذ وضعًا معينًا غامزًا :
" ودلوقتي مش شبهه ؟!"
" أنت احسن منه بكتير "
فتح أدهم فمه بصدمة مرددًا بانبهار و مزاح :
" ده من قلبك بجد ؟؟ اول مرة تقولي إني اجمل من حد، ايه نفسك موعت من الحلويات و جابتك على الجبنة القديمة ؟!"
ابتسمت هالفيتي بسمة باهتة بعض الشيء هامسة تتلاعب باصابعها أثناء جلوسها على طرف الفراش :
" بس دي الحقيقة يا ادهم أنت جميل اوي، جميل جدًا لدرجة أني احيانًا بحسك كتير اوي عليا "
" مين قالك كده ؟؟"
رفعت هالفيتي رأسها بجهل ليكرر أدهم جملته مرة أخرى مقتربًا منها :
" مين قالك إني كتير عليكِ، قِستي الحوار ده فين ؟! ضربتي طولي في وزني وطلعت اكتر منك ولا ايه ؟!"
ضكت هالي ضحكة خافتة تخفي خلفها تلال من المرارة، تحاول أن تدّعي انشغالها في اصابعها التي تتلاعب بها، تبعد خصلات شعرها للخلف هامسة بصوت به غصة بكاء مكتومة :
" هو أنت مش بتشوف نفسك في المرايا يا ادهم ؟؟"
انحنى أدهم على ركبتيه أمامها، يبعد يديها عن بعضهما البعض يتحدث بجدية تكاد تصل للحدة:
" لا أنا شايف نفسي، أنتِ اللي مش شايفة نفسك "
هبطت دمعة من عين هالفيتي لتستقر على يد أدهم التي كانت تضم يدها بحنان، تحاول ألا تنهار باكية أمامه يكفي ضعفًا، يكفي حتى الآن ما رآه منها، يكفيها أن تظهر له بشكل مزري .
لكن أدهم لم يسمح لها بالغوص في بحار يأسها، يجبرها على النهوض معه، رغم رفضها في البداية، إلا أنه لم يستمع لها جاذبًا إياها صوب المرآة التي تتوسط الجدار جوار باب الغرفة، يجبرها أن ترى نفسها فيها، بينما هالفيتي كانت تبكي مغمضة عينيها، تخشى أن تواجه حقيقة ما سمعت البارحة منهم، أصبحت تكره النظر لوجهها..
لكن ودون سابق إنذار شعرت باصابع باردة لطيفة تتحرك على وجهها وصوت أدهم يهمس لها بصوت خافت عاشق :
" طالما مش حابة تفتحي عينك هكون أنا عيونك، شوفي نفسك بعيوني هتعرفي أنك اجمل انسانة في الكون ده كله، اجمل شخص شوفته "
صمت يتحسس ملامحها برقة :
" كل حاجة فيكِ جميلة عيونك بشرتك وكل شيء فيكِ جميل يا هالي، مش هقولك كلنا حلوين والمفروض تحبي نفسك والكلام ده، لا هو مش كلنا حلوين فعلًا، أنتِ بس اللي حلوة "
فلتت ضحكة من بين شفتي هالفيتي التي استدارت له تضم رقبته بين ذراعيها، رافعة نفسها لتصل إلى كتفه هامسة :
" أنت احلى راجل في العالم سواء من جوا أو من برا"
" وأنتِ جميلة يا هالي، يكفي أننا خلق الله سبحانه وتعالى عشان نكون حلوين، حاشاه إنه يخلق إنسان أو شيء وحش، ربك احسن الخالقين ياقلبي، خليكِ واثقة أنك جميلة واجمل من أي حد ممكن يبص ليكِ بصة وحشة "
صمت يرى نظرتها الضبابية بعدما عادت عينيها لتمتلأ دموعًا :
" ربنا سبحانه خلقنا مختلفين، مش عشان نتفاخر أن فيه حد اجمل من حد، لا خالص، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "
نظر بعينيها يمحي كل الدموع العالقة بين رموشها :
" ثم على أي أساس بنقول الشخص ده حلو ولا وحش ؟! يعني هل فيه مقياس لتصنيف الناس على حسب الأشكال؟! مين اللي قال إن الابيض حلو وصاحب البشرة السمراء وحش؟؟ مش يمكن العكس واحنا اللي كلنا متخلفين ؟! ولا بناخدها بالأغلبية ؟؟ أنا مش فاهمة وجهة النظر الحقيقة، لأن لو هتسأليني على رأيي هقولك إني بحب السمر والقمحاويين وكل الناس القمر دي "
أنهى حديثه بغمزة لها جعلت هالفيتي تبتسم بسمة واسعة، وهي تحاول أن تزن كلامه برأسها، لكن فجأة سمعت صوت طرق على باب الغرفة، استدارت للباب لتسمع صوت رفقة يتحدث بهدوء :
" هالي ممكن ندخل ؟؟"
نظرت هالفيتي لادهم بتردد شديد، تأبى أن تقابل أحد الآن، تمسكت في يده ترمقه برجاء :
" مش عايزة اشوف حد، مش هقدر ارجوك يا ادهم "
ربت أدهم على رأسها بلطف يتفهم شعورها ورغبتها تلك، هي الآن ترفض مقابلتهم لا لأنها لا تود رؤيتهم، بل لأنها تخجل من رؤيتهم وهي مازالت بتلك الحالة المتخبطة، لذلك ابتسم وهو يردد :
" هخرج اعتذر منهم وهروح اشوف قاسم لأني مشوفتوش من امبارح وأنتِ ارتاحي شوية ونامي، شوية وهرجعلك "
وبهذه الكلمات تحرك ادهم صوب الباب تاركًا زوجته تنظر له بامتنان، فرغم أنها لم ترتح بشكل كامل، إلا أن حديث ادهم أزاح جبال يأس وحزن عن قلبها، تنفست براحة تحاول استعادة توانها، الأمر ليس بالهين أن تفقد الثقة بنفسك، أن تخشى حتى رؤية انعاكس وجهك، فتبصر ذلك القبح الذي تحدث عنه الجميع، كل ذلك ليس بالهين، لكن وجود ادهم جوارها ساهم كثيرًا في تحسين نفسيتها، جلست أعلى الفراش تدفن وجهها بين كفيها، تستغفر ربها، نهضت مجددًا بعد ثواني تتجه للمرحاض عازمة الصلاة فلا راحة لها سوى جوار ربها، ولا سلام يوازي السلام الذي تستشعره بعد نطقها ( الله أكبر)، تلك الكلمة التي تخبرها أن ربها اقوى وأكبر من كل شيء وهو القادر على تخفيف جميع أحزانها ...
في الخارج وبعدما أخبر أدهم الجميع أنها نائمة هبط الدرج بحثًا عن قاسم، لكنه فجأة أبصر فبريانو يخرج كالقذيمة من المنزل وبين أصابعه يحتضن سلاحه وملامحه تبدو مرعبة صارخًا بجنون :
" حسنًا طفح الكيل، سوف اقتلها"
ركض مارتن خلفه يتبعه جاكيري الذي صرخ :
" فبريانو توقف هنا، خذني معك لن أسمح لك بقتلها وحدك"
تحدث ادهم مبتلعًا ريقه لما يراه :
" ما الذي يحدث هنا ؟!"
تحدث انطونيو الذي كان جالسًا على الأريكة واضعًا قدمًا أعلى الأخرى يردف بكل برود ودون اهتمام أثناء تفحصه لهاتفه :
" فبريانو ذهب ليقتل ليزا بعدما علم أنها عاملت صغيرنا قاسم بشكل سييء، وهو الآن غاضب جدًا، اعتقد أنه سيقتلها هذه المرة، وهذا أمر جيد إن سألتني عن رأيي "
كانت طريقة حديثة الباردة تشعر أدهم بالصدمة منهم، هل القتل أمر هين عندهم، أهو قديم الطراز أم أن القتل لديهم كالموضة العصرية، لكن مهلًا هل قال قاسم ؟!
" قاسم ؟؟ طفلي ؟! هل أساءت تلك الفتاة القذرة لصغيري أيضًا ؟؟"
رفع انطونيو عينه له مجيبًا بروتينية:
" هذا ما أخبرنا إياه مارتن دون أن يشعر، فقد حاول إخفاء الأمر حتى لا نقتل الفتاة "
اشتد غضب أدهم ليشعر أنه الوقت المناسب لإكمال ثأره من الفتاة، لذلك اسرع راكضًا للخارج صارخ :
" بنت الـ...والله لاوريها الزبالة "
وما كاد يخرج حتى اصطدم بقوة في أحد الأجساد الذي صاح بحنق :
" جرا ايه يا اعمى أنت مش شايفني "
تراجع ادهم للخلف بسرعة كبيرة يردد معتذرًا :
" أنا آسف بجد، كنت طالع ومشوفتكش "
رفع توفيق حاجبه يحاول تذكر ذلك الوجه :
" هو أنت جوز البنت اللي اسمها طويل دي ؟؟"
حدق به أدهم ثواني يحاول معرفة مقصده، قبل أن يسمع صوت ذلك العجوز يتحدث بجدية كبيرة وهو يمسك بعض الحبال الملونة :
" أمسك الحبل ده ساعدني خليني اخلص، ما هو أنا لو معملتش الحاجة بنفسي مش هتخلص"
أمسك ادهم الحبل دون فهم يحاول التحدث للرحيل خلف فبريانو :
" أنا بس مستعجل و..."
" اششش خليني اركز، قولتلي اسمك احمد ؟!"
" ادهم "
" أحمد احسن على فكرة "
زفر أدهم بملل :
" معلش ابويا وقتها كان بخيل واسترخص فطلب أدهم"
همهم توفيق بانشغال فيما يفعل فقد كان يقطع الحبال الملونة قطع صغيرة لصنع اشكال بها ويعطيها لجايك:
" امممم وأمك ؟!"
تشنج ادهم هاتفًا بغيظ :
" نعم ؟؟"
تحدث توفيق بجدية :
" أمك كان رأيها إيه في الحوار ده ؟؟"
تظاهر ادهم بالاندماج معه في الحديث متناسيًا كل شيء :
" لا أنا أمي كانت عايزة تسميني أمير اساسا، لكن جدي اللي هو أبو امي رفض اتسمى امير على اسمه، اصل كان هو والوالدة عندهم خلاف بسيط كده "
رفع توفيق عينه بفضول :
" خلاف ايه ده ؟!"
" لا مفيش امي لسعت لجدي القميص وهي بتكويه، فحلف عليها ما هي داخلة البيت تاني "
كوّر توفيق فمه مصدرًا صوتًا مبهورًا بتلك القصة :
" يا ستار يارب وامك عملت ايه ؟! اشترت ليه قميص جديد ؟!"
" لا يا عم قميص جديد ايه اللي تشتريه هي مكانش معاها فلوس تكمل، هي يا دوبك بالكام قرش اللي معاها جابت تذكرة لمصر وسافرت وسابتله البلد باللي فيها "
هز توفيق رأسه بتفهم :
" وجدك عمل ايه لما عرف كده ؟!"
اجابه ادهم ببساطة يحاول الوصول مع ذلك العجوز للنهاية :
" بقى يبعت القمصان بتاعته للمكوجي"
ابتسم أدهم بسخرية على ذلك الرجل وما كاد يتركه ويرحل، حتى أبصر سيدة عجوز اخرى تقترب منهم رافعة رأسها لأعلى وكأنها سيدة القصر أتت لتشرف على الخدم والحاشية الخاصة بها :
" هل انتهيت أيها العجوز؟؟ لا أراك أنجزت شيئًا "
رفع توفيق إحدى الرابطات الملونة التي صنعها مبتسمًا بسعادة وفخر :
" لا ازاي، بصي عملت ليكِ فيونكة زي القمر عشان احطها على كفنك "
رفعت سيلين حاجبها بعدم فهم :
" ماذا قلت يا هذا ؟! تحدث بلغة افهمها "
فتح توفيق فمه ليجيبها بحنق وسخرية اججت نيران سيلين، لتبدأ معركة أخرى لهما، وكانت هذه فرصة ادهم ليركض بعيدًا عنهما بسرعة خارج المنزل، وبمجرد أن خطى الحديقة وقبل أن يتحرك خطوة إضافية أبصر عودة فبريانو والذي كان يبتسم بسعادة ويبدو أنه بالفعل تخلص من الفتاة، فتح ادهم فمه للتساؤل، لكن توقفت الكلمات في حلقة وهو يبتلع ريقه بصدمة مما رأى، تدور عينه في الحديقة لا يصدق ما يرى...
" ما هذا الذي يحدث هنا ؟؟؟؟؟"
____________________________
رأيكم في الفصل ...
اطول فصل منذ بداية النوفيلا ❤️
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
يقول الشافعي :
" اصعب الحرام اوله ، ثم يسهل ، ثم يُستساغ ، ثم يُؤلف ، ثم يحلو ، ثم يُطبع في القلب ، ثم يبحث القلب عن حرام اخر "
اللهم اعصمنا من الحرام و اجعله ابغض الاشياء إلى قلوبنا .
صلوا على نبي الرحمة
_______________
كانت صدمة ادهم بعدما أبصر ما يحدث في الحديقة كبيرة لدرجة أن الجميع استدار صوبه، يتعجبون كل تلك الصدمة التي تعلو وجهه، كانت عيناه تمر على جميع الأشياء التي قام بها الكل في الحديقة .
تحرك جاكيري صوبه وهو ينظر حيث ثبت أدهم نظره، قائلًا بفخر يحاول أن يُعدّل من وضعية ثيابه التي خربت بعدما حطم المزرعة فوق رؤوس عائلة ليزا بقيادة فبريانو تحت صراخ مارتن أن يتوقفوا ويكفي هذا .
" الأمر رائع ها ؟! كانت هذه فكرتي، أو فكرة جايك لا يهم، نحاول أن نقنع زهرتنا بالبقاء هنا لقضاء العطلة معنا، لقد صورت لها فيديو رائع أثناء صراخ ليزا تريد أن تراه "
استدار له أدهم ينظر للبسمة التي تعلو وجهه أثناء الحديث فكان يبدو كمختلٍ حقًا، يتحدث عن شيء كصراخ الفتاة بكل سعادة .
نظر بعدها للحديقة يهمس بينه وبين نفسه ظنًا أن لا أحد سيسمعه :
" عاملين كل ده عشان تقضي الإجازة بس معاكم ؟؟ دي لو شافت اللي عملتوه هتحلف ميت يمين تكمل حياتها معاكم "
أردف فبريانو وهو يدفع ادهم للداخل بجدية :
" احرص على ألا تقترب هالفيتي من الحديقة حتى ننتهي نحن مما نفعل "
فتح أدهم فمه ليجيبه، لكن فجأة ارتفعت موسيقى عربية صاخبة تبعها كلمات الأغنية بصوت أحد المطربين العرب، ليلمح فجأة ذلك العجوز يرقص في منتصف الحديقة وأمامه قاسم الذي كان يقفز كالقرد في الهواء ظنًا أن ذلك يُسمى رقصًا .
ابتسم بعدم تصديق وما كاد يقترب من طفله، حتى سمع صوت زوجته ينادي عليه حيث كان يقف هو جوار الباب، فتح عينه بصدمة ينظر خلفه ليجدها وعلى عكس توقعه تركت الغرفة وهبطت بعدما ظن أنها لن تفعل قبل أن يجبرها :
" ادهم تليفونك بيرن، مكالمة من مصر تقريبًا شا ...."
وقبل أن تصل له كان أدهم يركض صوبها بسرعة يغلق عليها الرؤية لما خلفه، بينما هي تنظر له بصدمة مما فعل :
" هو فيه ايه ؟!"
ومن خلف ادهم أشار انطونيو للجميع أن يغلقوا الموسيقى وفي ثواني فقط كان الجميع يسحب كل شيء تم وضعه، يخفونه جانبًا .
بينما هالي ما تزال ترمق زوجها بعدم فهم، وجهها ما زال يحمل بقايا حزن أبى هجران قلبها، عيناها الذابلة ما تزال تحتفظ بآثار بكاء ليلة أمس، لكنها لم تهتم كثيرًا وهي تضع بين يديه مرددة :
" رن على شاكر"
هز أدهم رأسه دون كلمة لتشعر هي بالريبة :
" هو فيه ايه ؟؟"
حرّك أدهم رأسه للجانبين يتحدث ببسمة :
" مفيش، مفيش.. بس كنت بتشمس "
نظرت هالفيتي للمنطقة التي كان يقف بها والتي لم يكن شعاع شمس واحد يصل لها :
" بتتشمس قدام الباب في الضل ؟! ما تروح تقف في نص الجنينة وتـ"
كانت تتحدث وهي تدفعه جانبًا لتُخرجه الى الحديقة، لكنه صرخ بصوت عالي :
" لا لا، الدكتور قالي اتشمس في حتة ضل "
" دكتور قالك تتشمس في حتة ضل؟! دكتور مين الاهبل ده ؟؟"
أجابها ادهم بسرعة ودون تفكير :
" سليم "
رفعت هالفيتي حاجبها تتأكد الآن أنه يخفي شيئًا وهذا الشيء يخفيه عنها هي تحديدًا، لذلك عادت للخلف تتظاهر بعدم الاهتمام والرحيل :
" طيب انا تعبانة هطلع استريح فوق شوية و..."
وقبل أن تكمل كلمتها وتستدير بشكل كامل كانت تندفع صوب الحديقة بقوة صارخة :
" مخبي نسوان وراك ولا ايه ؟؟!"
اتسعت مقلتاه بصدمة وارتسمت معالم المفاجأة أعلى وجهه مرددًا ببلاهة وهناك بسمة غير مصدقة تشق وجهه :
" نـ ايه يا ختي ؟؟ نسوان ؟؟ وده منين إن شاء الله ؟!
هزت هالي رأسها بقوة وتناست بؤسها لثواني حتى تنتهي مما يخفي زوجها تصيح بذكاء فطري :
" منين ايه وهو أنتم بتغلبوا، بعدين الراجل مش بيخبي عن مراته غير حاجتين، المرتب الشهري وعلاقاته النسائية، وبما أن اكيد مش هتخبي المرتب في الجنينة، فأكيد دي نسوان "
انتهت من كلماته لتباغت ادهم بشكل غير متوقع تتخطاه بسهولة وعيونها تطلق شرار، لكن لم تر شيئًا في الحديقة، بل لم تر حتى الحديقة نفسها
فقد وجدت جدار صخري عالي يسد عليها الرؤية مانعًا عنها أشعة الشمس، ولولا أنها في ايطاليا لظنته سور الصين العظيم..
رفعت هالي عينها عاليًا حتى تصل لرأس انطونيو الذي منحها بسمة حنونة لطيفة :
" مرحبًا هالفيتي، كيف حالك اليوم أميرتي ؟؟"
نظرت له هالفيتي بتعجب ليبدأ قلقها في التزايد، وقبل أن تتحدث وجدت برج آخر يستقر جوار الاول وقد كان جايك الذي تلوث وجهه وثيابه بالألوان متحدثًا ببسمة :
" انرتي الحديقة جميلتي "
ولم تكن هالفيتي ترتدي سماعة الترجمة لذلك لم تفهم شيء منهم، هزت رأسها ببطء تحاول أن تختلس النظر لما يخفونه لكن الاثنين كانوا طوال القامة بحق، إن صح وصفهم بطوال القامة لا العمالقة .
تنهدت بتعب تستلسم تعود لغرفتها :
" تمام شكلك مش لوحدك، فده أمان اكيد مش هيسبوك تجيب ستات وتخون بنت عمتهم قدامهم، أنا هطلع اكمل نوم "
نظر أدهم لاثرها بحنق كبير :
" ستات مين ؟! أنتِ هتجبيلي بلوة ؟!"
لكن هالفيتي كانت قد اختفت في غرفتها مجددًا ليس لترتاح كما ادعت في الاسفل، بل لرغبتها في الاختفاء عن الأعين فحينما هبطت لادهم حرصت على ألا تقابل أحدهم، ومشهد انهيارها المزري أمس يتكرر أمام عينيها، ترفض رؤية شفقة في أعينهم .
ارتمت على الفراش تغمض عينها ببطء تتمتم بتعب كبير :
" استغفرك ربي و اتوب اليك"
وفي الاسفل تنهد انطونيو بحزن لأجل تلك النظرة التي علت وجهها، لكنه رغم ذلك استدار وأشار للجميع قائلًا بجدية :
" حسنًا كما كنتم، لننتهي من هذا "
______________________
انقضى باقي اليوم دون أي تغيير، هالفيتي مازالت تسجن نفسها في غرفتها وكأنها بذلك تتلاشى نظرات الشفقة أو الازدراء من أي شخص.
اليخاندرو رفض الضغط عليها ومحادثتها في هذا الوقت، مقررًا أن ينتظر حتى تُلملم شتات نفسها، ثم يجلس معها ويطبب جروحها .
بينما باقي الاحفاد بمساعدة ادهم شرعوا في إكمال خطتهم، وبحلول المساء كان كل شيء قد انتهى وتجهزت الحديقة لاستقبال هالفيتي، بعدما امتلئت بالاضواء عن آخرها..
تحرك مايك في ممرات المنزل يحمل بين يديه ما عكف على شراء طوال اليوم، ابتسم وهو يقترب من غرفة ادهم يطرق الباب بلطف كبير .
ثواني حتى طل عليه ادهم الذي قال أثناء تعديله من وضع كُم الكنزة الصوفية الخاصة به يتحدث بجدية :
" لقد أوشكت على الانتهاء، سوف احضر هالي واهبط"
قاطعه مايك يمد يديه بحقيبة ملابس :
" لقد أحضرت ثوب لطيف لهالي، كنت اتمنى لو صممته لها بنفسي، لكن أنت تعلم أن الوقت لا يسمح بذلك، لكن لا تقلق لقد اخترته على ذوقي الخاص "
رفع ادهم حاجبه يلتقط الحقيبة منه :
" على ذوقك الخاص ؟! ربنا يستر "
" ماذا ؟؟ هل قلت شيئًا "
هز أدهم رأسه بلا ينظر للحقيبة بريبة وكأن بها وحشًا سيداهمه إن غفل عنه ثانية :
" لا، لا شيء سوف اعطيه لها ونهبط"
" حسنًا فقط انتظر حتى اتصل بك واخبرك أن تأتي، لقد أوشكت الجميع على الانتهاء من التجهيزات في الأسفل"
حرك أدهم رأسه يدخل لغرفته بعدما رحل مايك، يتقدم من الفراش ليجد أن هالفيتي ما تزال تتسطح عليه دون أن تبدي أي نية للمجئ معه :
" ام فتحي، بتعملي ايه مش قولتلك تفوقي كده عشان ننزل تحت نتمشى شوية في الجنينة ؟؟"
رفعت رأسها عن الوسادة بحنق :
" تتمشى في الجنينة باللبس ده ؟! ده يوم فرحنا مكنتش لابس كده "
صمتت ثم قالت بهدوء :
" معلش أنا مش حابة انزل، محتاجة اقعد مع نفسي شوية"
" لغاية امتى ؟؟ أنتِ مش ملاحظة أنك طولتي شوية في الاوضة ؟؟"
دمعت عين هالفيتي من حديثه، لكنها حاولت اخفاء كل ذلك، ما زال جرحها لم يبرأ بعد، كلما تذكرت ما حدث لها أمام مرأى ومسمع الجميع تحطم داخلها شيء اضافي :
" مش قادرة يا ادهم ارجوك متضغطش عليا، أنا لما احس نفسي كويسة هنزل "
تنهد ادهم بتعب يجلس جوار رأسها قائلًا بهدوء :
"حبيبتي انعزالك وهروبك من حزنك عمره ما كان حل، لازم توجهي زعلك "
تحدثت ببسمة باهتة ممازحة :
" كفاية أنت واجهت يا ادهم، ده أنت كفك زغرط على وش البنت "
مسح ادهم وجهه لتذكره الامر يتحدث بهدوء شديد رغم الشر الذي سكن مقلتيه فجأة، نبرته خرجت مخيفة وكأن ليزا قابعة أمامه :
" ده اقل واجب، أنا لو رجع بيا الزمن كنت طاوعت شيطاني وخنقتها بايدي"
رمقته هالي بتعجب تعتدل في جلستها :
" ادهم، أنت عمرك ما كنت كده، من امتى وأنت بتعامل الستات بالشكل ده؟! ده انا اخترتك عشان حنيتك على الكل، ام احمد وشادية وأم اشرقت وأي ست في حياتك، عمرك ما زعلت حد منك "
نظر لها بملامح جامدة :
" بس دي مش ست، دي زبالة، ورغم أني مش بحب ارفع أيدي على حد، بس لو رجع بيا الزمن هعمل نفس الشيء، أنا مش مثالي ولا ملاك عشان اتحكم في غضبي في موقف زي ده، أنتِ متعرفيش النار اللي كانت في قلبي وقتها، أنا حسيت إني ممكن في اللحظة دي اقتل أي حد يقف في وشي "
كان يتحدث وعروقه تبرز بغضب في شكل أخاف منه هالفيتي، ترى ذلك الجانب به للمرة الأولى، ادهم المشاكس الممازح اللطيف، اللامبالي والهادئ والحنون، كل هؤلاء تلاشوا فجأة ليحل محلهم شخص غاضب مخيف .
رأى ادهم نظراتها الخائفة ليمنحها بسمة مطمئنة عاشقة :
" قومي يلا البسي عشان ننزل "
تراجعت هالفيتي للخلف بخوف اكبر من تحوله بهذا الشكل :
" أنا بقيت اخاف منك "
اقترب منها ادهم لتتراجع أكثر للخلف، لكنه لم يسمح لها بالتراجع وهو يجذب رأسها له بمزاح، ثم طبع قبل أعلى وجنتها بقوة شديد ليشاكسها :
" لا متخافيش أنا دلوقتي ادهم الطيب، التاني أخد إجازة طويلة شوية، بعدين ده انتِ ام ابني برضو وعشرة عمر ولو هخرج ادهم التاني معاكِ كان من باب أولى يخرج وقت ما كنتِ أنتِ وابنك مطلعين عين اللي خلفوني، صح ؟!"
أنهى حديثه يسحب الحقيبة يعطيها لهالفيتي قائلًا بلطف :
" خدي الفستان ده البسيه هيبقى حلو عليكِ "
نظرت للحقيبة في تعجب كبير، من أين احضر ذلك الفستان ومتى فعل من الأساس ؟؟ هو لم يتركها سوى دقائق معدودة في الصباح، هناك شيء مريب يحدث في هذا المكان، حتى أنها لم تلمح النساء منذ البارحة ....
لكن ودون أي كلمة أمسكت الحقيبة من بين يديه :
" ماشي هدخل ألبسه جوا "
انتهت من حديثها حاملة الحقيبة راكضة للداخل، بينما ادهم راقب طيفها يختفي خلف الباب، ليتنهد بتعب ينظر لنفسه في المرآة، يعز عليه أن يتحول لهذا الشخص المخيف متناسيًا كل ما تربى عليه، لكن هو كان في حالة لا تسمح له بالتفكير، كل ما كان يفكر به وقتها أن يطفئ نيران قلبه وهذا ما هداه له عقله وقتها، قبل أن يتجه لشيء اكبر ...
دفن وجهه بين يديه يتنهد بتعب يحاول تناسي ما حدث ليس لأجله فقط، بل لأجل زوجته أيضًا ..
افاق من شروده على صوت زوجته التي قالت بتعجب :
" ادهم أنت جبت الفستان ده منين ؟!"
رفع ادهم عينه ببطء لها، ليفغر فاهه بصدمة وكأنه سُحر للتو، ذلك الفستان الأسود الذي لا يظهر من جسدها شيئًا مع بعض القطع الفضية اللامعة على الصدر، فتح فمه بانبهار مرددًا :
" ام فتحي ؟؟؟ ايه الحلاوة دي ؟!"
___________________________
فيور حبيبتي أين قميصي الاسود لقد وضعته على الفراش منذ دقيــ"
كان ماركوس يتحدث وهو يبعد غطاء الفراش يلقيه ارضًا بحثًا عن قميصه الذي أخرجه قبل أن يدخل المرحاض للتجهز، انحنى ارضًا على ركبتيه لربما سقط أسفل الفراش يتحدث بجملته السابقة والتي قطعها رؤيته لفيور تجلس أمام المرآة تضعه أعلى رأسها تلف به شعرها المبتل.
نهض من الأرض بجذعه العاري يحاول استيعاب ما يحدث :
" مهلًا ما الذي تفعلينه ؟!"
نظرت له فيور ببسمة صغيرة لطيفة :
" أنا اتزين لأجل الحفل، انظر ماركوس لقد أحضرت احمر شفاه جديد، يبدو رائعًا عليّ صحيح، جولي أخبرتني ذلك"
اقترب منها ماركوس بصدمة يشير لرأسها:
" ما هذا فيور ؟!"
رمقته فيور بريبة لثواني لتحاول أن تصرف انتباهه عما يرنو إليه من خلال تشتيته بالمزاح :
" هذه رأسي "
صرخ ماركوس بشكل مخيف جعلها تنتفض عن مقعدها برعب :
" تبــا لـــكِ وهل أخبرتك أنها حبة بطاطا ؟! اعلم انها رأسك ما هذا الذي تضعينه على رأسك ؟!"
" هيييه اهدأ يا ماركوس ما بك ؟! هذا قميصك الاسود لقد وجدته أعلى الفراش "
اقترب منها ماركوس بسرعة غريبة :
" نعم ما سبب وضعك له أعلى شعرك ؟! هل تستخدمينه كمنشفة ؟!"
" لا، أنا فقط وجدت المنشفة صغيرة لا تغطي شعري بأكمله؛ لذلك اخذت قميصك فهو أكثر طولًا "
رفع ماركوس حاجبه، ثم انتزع القميص من على رأسها بقوة وبعدها أمسك خصلات شعرها بين يديه مرددًا بسخرية لاذعة :
" المنشفة لم تصل لطول شعرك؟؟ أي طول هذا فيور؛ شعرك بحجم كفي، بحق الله لو كنتِ وضعتي محرمة صغيرة أعلى رأسك لكانت غطت شعرك بأكمله "
جذبت فيور خصلاتها من بين يديه والتي كانت تصل لكتفها بالكاد :
" مهلًا مهلًا هل اشتم رائحة سخرية بين كلماتك ماركوس ؟! ثم كل هذا لأجل قميص وأنت تمتلك العديد منهم، لم اعهدك بخيلًا "
ختمت حديثها تكتف يديها إلى صدرها والتذمر يعلو وجهها تحاول استخدام سياسة قلب الطاولة، لكن ماركوس لم يأبه بها، بل سحبها من ثيابها صوبه هامسًا بشر :
" أيتها القصيرة الحمقاء كان هذا القميص المفضل لدي، اياكِ والاقتراب من ثيابي مرة أخرى فيور "
رفعت فيور نظرها له تجيبه بتحدي :
" حسنًا ماركوس الأمر ذاته ينطبق عليك، إياك أن تقترب من ثيابي مجددًا ماركوس "
أطلق ماركوس صوتًا متهكمًا من حنجرته :
" عفواً وماذا قد افعل بثيابك سيدة فيور ؟؟"
أشارت ليده التي تتمسك بسترتها بتلميح لشكل الاقتراب الذي تقصده :
" هذا ما أقصده، يا ويلك يا ماركوس إن امسكتني كالجرذ هكذا مرة أخرى، هيا خذ قميصك الاحمق هو سيء في امتصاص المياه على أية حال، لن اقترب من ثيابك، ولن انظر له وإن كنت سأموت بردًا وهو من سيدفئني فلن اقترب منه ماركوس، انتهينا "
انتهت حديثها تلقي بالقميص ارضًا وهي تتنفس بعنف ونظراتها تخبره مقدار استياءها، ثم تحركت صوب الخزانة لتتجهز، وماركوس يرمقها بتعجب لأجل غضبها بهذا الشكل الذي يدفعها لأخذ عهد كهذا على نفسها، زفر بضيق وهو يكاد يتحدث ليخبرها أنه لا يقصد، لكن فجأة انتبه لجوربه الطويل الذي ترتديه، والذي كان سيرتديه اليوم كذلك، جزّ على أسنانه صارخًا :
" أيتها اللصة القصيرة...."
________________________
كان يقف أمام المرآة ينتهي من تصفيف شعره وهو يصفر باستمتاع، يخلل أصابعه في خصلاته ليجعل مظهرها عشوائي بعض الشيء .
لكن وأثناء كل ذلك أبصر خروجها من المرحاض ترتدي المعطف القصير الذي جعله يقطع صفارته في منتصفها ويده تتوقف عما كانت تفعل .
بلل مايك شفتيه وعينه تدور على لورا التي انتبهت لوقوفه لتمنحه بسمة واسعة تردد :
" هل مازلت هنا ؟! ظننتك في الاسفل منذ فترة "
ابتلع مايك ريقه بعشق :
" نعم، أنا الآن في الاسفل، قلبي هوى بين قدميّ"
رمقته لورا بتعجب مبتسمة، تقترب من الخزانة لتخرج لها فستان من ضمن مجموعة الفساتين التي صنعها لها مايك خصيصًا، لكن فجأة توقفت يدها في الهواء تستمع لصوت مايك :
" لقد أحضرت لكِ ثوب جديد أميرتي"
استدارت له لورا ببسمة :
" حقًا متى فعلت هذا مايك ؟!"
اقترب منها مايك يحاصرها بينه وبين الخزانة، بينما لورا تنظر لعينه بترقب تراه يميل عليها هامسًا بكل :
" اليوم حينما خرجت لإحضار فستان خاص لهالي، رأيت ذلك الثوب وفكرت أنه لن يليق بسواكِ أميرتي الجميلة، فاحضرته دون تفكير وكلي أمل أن تمُني عليّ برؤيتك به"
" هذا الدلال كثير عليّ مايك، انتبه فقد اعتاد الأمر بعد سنوات طويلة من الحرمان"
ورغم أن حديثها قد يظهر للبعض مزاحًا، إلا أن مايك والذي يعلم جيدًا ما تكبدته لورا أثناء حياتها، يدرك أن الأمر ليس مزاحًا بأي شكل من الأشكال...
ارتفع كفه يتحسس وجنتها بحنان ولطف، بينما مال ليقبل الأخرى مرددًا بصوت خافت خرج محملًا بكافة مشاعره، أو بما استطاع حمله من مشاعره الكثيرة داخلة في هذه اللحظة :
" لورا، أميرتي الحبيبة الدلال كله خُلق لأجلك، تدللي كيفما شئتِ فما أحب على قلبي من دلالك، ثم إن لم يكن الدلال لكِ، فبمن يليق ؟!"
سقطت دمعة متأثرة من عين لورا، بعدما حاولت بشتى الطرق منعها حتى لا تفقد جملتها السابقة مرحها المزعوم، فهي لورا التي تُخرج أحزانها على هيئة نكات تكون هي أول الضاحكين عليها، وقد كانت تلك طريقة مثلى للتعبير عما بجوفها دون الظهور بشكل مثير للشفقة، وبعدما تنتهي من الضحك على أحزانها، تذهب لأول مرحاض يقابلها وتنهار بالبكاء داخله بشكل مزري .
لورا التي كانت توصف بالكئيبة ذات الطاقة السلبية والمدللة، كانت توصف بكل شيء عدا أنها مريضة، لم تر حتى مجرد شفقة في الأعين، بل كل ما كانت تراه هو ملل وسأم من دلالها المفرط وكلمات متراشقة عن كم هي بكاءة، ذات مزاح سوداوي، تصنع من السعادة بؤسًا، وقد كان ذلك صحيحًا، لكن هل كان بيدها الأمر ؟؟؟
" مايك "
وكان هذا اقصى ما استطاعت لورا اخراجه في هذه الحالة، ومازالت حالتها التي عانت بسببها سابقًا لم تنتهي بعد، ما زالت تخصع للعلاج، لا تستطيع الأنكار أنها قطت شوطًا طويلًا وقد اختصر وجود مايك عليها سنوات وسنوات من العلاج، فهي كان علاجها يتمثل في كلمة واحدة ( الاحتواء ) احتاجت لم يحتويها ويضمها بين ذراعيه مخبرًا إياها أن تبكي كما تريد، ألا تخاف فهو معها، تحتاج لمن يطمئنها، يخبرها أن ذلك الحزن بداخلها لن يقتات على حياتها بعد الآن، يكفي ما فقدت من عمرها في البكاء والعويل والاكتئاب ...
" مايك، أنا ..."
توقفت عن الحديث بعدما شعرت بالاختناق ليلبي مايك ندائها الصامت، ويسحبها برفق وحنان بين أحضانه، مبعدًا كل تلك الأحداث السوداء عن رأسها، يدرك حالتها جيدًا ويدرك معنى أن تكون سعيدًا، ثم وفي ثواني تنقلب حالتك للنقيض بعدما تتكالب عليك مشاعرك السلبية مذكرة اياك بأي شيء من شأنه دفعك للانتحار .
" أنا اتفهمك حبيبتي، اتفهمك دون الحاجة للحديث "
بكت لورا بين أحضانه وشعور أنها تظلمه في علاقتهم يقتلها :
" أنا آسفة مايك، آسفة "
" لا تأسفي حبيبتي، كلي لكِ "
لم تجبه لورا بل استكانت بين أحضانه ترتشف حنانه بنهم عَطِش أبصر الغيث بعد سنوات من الجفاف، ذلك الرجل الذي مثّل حنان بحرًا لا ينضب، تعشقه و تكتفي به عالمًا، وبعدما كان يمثل لها في البداية احتواء وحنان، أصبح الآن مايك، ومايك فقط، من لأجله قد تفعل أي شيء حتى وإن تخلت عن كل ذلك الحنان الذي يفيض منه، يكفيها وجوده جوارها ..
ضمها مايك أكثر يقبل رأسها بحنان، يدرك جيدًا تقلباتها ومحاولة مشاعرها السلبية التحكم بها، يدرك حالتها التي تتأرجح ما بين السعادة والبؤس، يقدر كل ذلك ويتفهمه، بل ويتقبله بصدر رحب ...
ابتسم هامسًا :
" إذن أما تريدين تجربة الفستان الجديد أميرتي ؟!"
____________________________
بعد ساعة :
امتلأت الحديقة بالاضواء وتم وضع مسرح مضئ في منتصفها، بينما ارتصت سماعات صوت ضخمة في أحد الأركان، وعلى طاولة كبيرة أعدت روز بمساعدة الفتيات وليمة لأجل اليوم، كما أعدت رفقة بعض الأطعمة المصرية لأجل هالي .
ثواني وهبط انطونيو المكان يرتدي قميص رمادي مع بنطال من خامة الجينز يمسك بيد روما يسير بها في رفق وحذر كبير حتى لا تنتكس حالتها .
نظر حوله ليجد الجميع وصل مع زوجاتهم، ابتسم وهو يخرج هاتفه ليتحدث إلى ادهم ويخبره أن يهبط ويحضر معه هالفيتي.
بعدها أشار للجميع بالاختفاء، ركضت روبين تحمل قاسم بين احضانها والذي كان يصفق بسعادة لكل تلك البالونات والأضواء، لكنها أشارت له بالصمت .
" اششش أهدى شوية يا قاسم عشان ماما بتدور علينا "
نظر لها قاسم ثواني ليقول وكأنه تذكر الأمر يردد اسم والدته المعروف لاذنه :
" ماما ؟! فتحي "
ابتسمت له روبين تهز رأسها أثناء اختبائها خلف الشجرة تضم رأس الصغير لكتفها بلطف حتى لا يتحدث، ثم نظرت لترى إن كانت هالي قد وصلت ام لأ، لكنها تفاجئت بفبريانو يقف في منتصف الحديقة وحده بعدما اختبأ الجميع، حيث كان فبريانو يدور بجسده بحثًا عن الجميع لا يدرك كيف اصبح في ثواني وحده هكذا .
" فبريانو، تعالى بسرعة قبل ما هالي تنزل "
نظر لها فبريانو بتعجب قائلًا :
" هو فيه ايه ؟؟ انتم خايفين منها ولا ايه ؟!"
تركت روبين الصغير ارضًا، ثم تحركت وهي تقول بشفقة مصطنعة :
" اه يا عيني ما أنت متعرفش الحاجات المستحدثة في المشاعر دي، حبيبي دي مفاجأة يعني لازم نستخبى وبعدين تخرج كلنا فجأة اول ما توصل "
أنهت حديثها تسحبه خلفها صوب الشجرة بينما فبريانو يرفض :
" مهلًا مهلًا، لماذا علينا الاختباء هذا سخيف حقًا "
جذبته بقوة واضعة إياه خلف الشجرة تتلو عليه التعليمات لأجل خروج تلك المفاجأة بشكل يليق بكل ما جهزوه البارحة، همست بصوت منخفض :
" بص يا حبيبي اول ما هالي تيجي كلنا هنخرج من مكانا ونقول بصوت عالي واحنا بنرفع ايدنا في الهوا ( مفاجأة)، فهمتني ؟؟"
نظر لها فبريانو ثواني قبل أن ينفخ باستهزاء :
" أنا لن افعل هذا "
" بل ستفعل فبريانو، وإلا اقسم أن اغضب منك "
رفع فبريانو حاجبه بحنق ولم يكد يتحدث حتى سمع الجميع صوت هالفيتي يأتي من منتصف الحديقة تتحدث بعدم فهم :
" هو فيه ايه ؟! الدنيا ضلمة ليه هنا ؟؟ هما مدفعوش فاتورة الكهربا ولا ايه ؟؟"
ضحك ادهم بصوت هادئ يردد أثناء دفعها من كتفها صوب منتصف الحديقة تحديدًا، حيث أخبره جايك صباحًا :
" لا، بس اقفي هنا شوية "
نظرت له هالفيتي بتعجب غير منطوق تنتظر أن ترى ما يريده منها، توسطت الحديقة حيث أشار أدهم، لكن فجأة شعرت بادهم ينسحب من حولها تاركًا إياها تقف وحدها، فتحت عينها بصدمة :
" ادهم رايح فين وسايبني في الضلمة دي ؟!"
" اصبري راجع ليكِ "
ارتابت هالي من الأمر بينما تحرك عينيها حولها :
" هو فيه ايه هنا ؟؟"
لم يصل لها رد من ادهم، صمتت ثواني تحاول أن تعرف ما يحدث، لكن انتصر خوفها على فضولها لتهمس أثناء تحركها من المكان :
" ادهم تعالى هنا عشان أنا خـ ..."
وقبل أن تكمل جملتها أُضيئت الحديقة فجأة بأنوار بديعة لتشهق هالفيتي وهي ترى ما حدث بها فقد كانت الأرضية كلها مغطاة بالبالونات الملونة واللامعة وفروع الإضاءة تستقر في الهواء وأعلى الأشجار بشكل جميل، ابتلعت ريقها بعدم تصديق تدور حول نفسها تحاول معرفة ما يحدث، لكن فجأة ظهر الجميع من العدم وهم يصرخون في صوت واحد ببسمة واسعة :
" مفاجــــــــــــأة "
وبمجرد انتهاء صراخ الجميع بالكلمة قال فبريانو وحده وقد فوّت الجميع يدعي الحماس رافعًا يده في الهواء تبعًا لتعليمات روبين :
" مفاجأة "
وضعت هالي يدها أعلى فمها بصدمة تحرّك عينيها على الجميع، بداية من جدها وحتى قاسم الصغير الذي ركض لها وهو يكرر الكلمة التي عكفت رفقة على تحفيظها له طوال النهار، لكنها خرجت منه بشكل غريب مضحك .
ضم الصغير قدم والدته بحب، لتنحني هالفيتي تضمه بحب وتأثر لما ترى، والجميع حولها يرمقها ببسمة، حملت الصغير تحاول أن تمنع دموعها من الهبوط، هذه هي المرة الأولى التي يصنع أحدهم مفاجأة كتلك لأجلها .
لكن يبدو أن مفاجآت اليوم لم تنتهي فبعد ثواني فقط ارتفع في المكان صوت موسيقى ودون مقدمات وجدت روبين جميع أبناء خالها يتحركون بتناغم صوب المسرح يتراقصون على تلك الأغنية والتي لسوء الحظ لم تفهم منها كلمة لتشعر برفقة تقترب منها تتحدث لها مخبرة إياها بمعنى الكلمات .
ثواني فقط ورأت هالفيتي جدها يصعد للمسرح يتوسط الجميع ليتوقف التسعة عن الرقص، ثم بدأ اليخاندرو يشاركهم الرقص بكل مرونة لا تتناسب مع سنوات عمره، ليندمج الجميع في الرقص معه .
بينما هالي تفتح فمها بانبهار مما تراه، الجميع بلا استثناء يرقص لأجلها بل ويغني البعض منهم، شعرت بطفلها يتململ بين يديها لتتركه ارضًا تراه يركض صوبهم يشاركهم الرقص دون حتى أن يدرك ما يفعل .
ابتسم جميع الاحفاد ليلتفوا فجأة حول قاسم يحركون أيديهم في الهواء بينما الصغير يعيش اسعد لحظات حياته وهو يقفز مصفقًا بين عائلته الجديدة التي لم يصبح فقط أحد أفرادها، بل أضحى نقطة ضعفها كذلك..
دمعت عين هالي لتشعر بمن يضمها من كتفها مقربًا إياها منه، ثم بقبلة رقيقة تحط على وجنتها وصوت فارسها الحبيب يهمس لها بحب :
" كله إلا حزنك يا ام فتحي "
بكت هالي بتأثر وعينها تتحرك من المسرح حيث أبناء خالها، ثم تستقر على زوجها، حتى وجدت فجأة الجميع يتحرك صوب الاسفل وفي ثواني كانوا يلتفون حولها، يمسكون بايدي بعضهم البعض وبعدها أكملوا رقصتهم يدورون حولها ..
بدأ جاكيري يغني اغنية تعبر عن الطفولة والعائلة بكل حب وهو يوجه كل كلمة لها، وتبعه انطونيو الذي ما ظنت هالفيتي يومًا أنها قد تراه يغني ابدًا، ثم تفجرت القنبلة الاقوى في وجهها وهي ترى فبريانو يغمز لها ببسمة ساحرة يكمل غناء رفقة الجميع .
تقدم اليخاندرو من الجميع لتنفص الدائرة ويعبر داخلها تزامنًا مع انتهاء تلك الأغنية وارتفاع موسيقى عربية تدركها هالفيتي جيدًا، ليجذبها اليخاندرو له بقوة بين أحضانه ممسكًا بيديها يدور بها يشاركها الرقص كما لو كانت حبيبة له ...
• الحياه دى حكايه عشتها بحكايه
• والحياه قدامى ليه أبص ورايا
• طول ماقلبى معايا والحنين جوايا
• كل شئ بيغنى يلا غنوا معايا
• ولانحزن ليله... ليله ياحبيبى... ياحبيبى وكفايه اللى راح ننساه
وقد كانت تلك الأغنية من اختيار رفقة وروبين بمساعدة منظم الاغاني الاول بالطبع العم توفيق والذي كان يقف أعلى منصة تنظيم الاغاني يحرك جسده بسعادة كبيرة على نغمات الغنية المحمسة، وكلمات الاغنية تصدح في المكان ...
• هات أيدك فى أيديه
• هات عينيك فى عينيه
• نرقص رقصه جديده
• أو أو أو أو رقصه لآحلى حياه
كان توفيق يحرك يديه في الهواء يغني بكل كيانه محركًا خصره في تناغم مع الموسيقى :
" اوه اوه اوه "
ليسمع صوت حانق متذمر جواره يهتف بسخرية لاذعة :
" ما هذا اوه اوه اوه، هل تقود مجموعة من القردة يا عجوز ؟؟"
لكن توفيق لم يهتم لها وهو يحرك كتفه ويديه عاليًا يردد كلمات الأغنية بكل حماس وسعادة بصوتٍ أعلى من السابق وكأنه يتخذ هذا اسلوبًا لاستفزازها ..
" موتي بغيظك يا انثى الشامبنزي أنتِ "
وعند اليخاندرو وهالفيتي كانت تدور بين يديّ جدها تبتسم باتساع تردد الأغنية بحماس كبير بينما اليخاندرو يجذبها تارة لصده يتحرك بها في سعادة، وتارة أخرى يبعدها عنها جاعلًا إياها تدور حول نفسها، بينما ادهم يحمل قاسم وهو يدور به ممسكًا يده يراقصه والأحفاد جميعهم يدورون حول اليخاندرو يصفقون بأيديهم والنساء بعيدًا يصفقن بسعادة كبيرة، والكل يراقب تلك الفرحة التي ارتسمت على وجه هالفيتي، لتكون نلك أكبر مكافأة لهم ...
بدأ آدم يطلق صفيرًا عاليًا في المكان تزامنًا مع انطلاق زغاريد من فم رفقة وقد انقلب الأمر ليصبح أشبه بحفلة زفاف شعبية في إحدى الحارات المصرية .
ترك ادهم قاسم ارضًا ليدخل إلى الدائرة التي صنعها الاحفاد يجذب كف زوجته، غامزًا لها :
" دوري بقى "
ارتفعت ضحكات هالي وقد كان رقصها عبارة عن تحريك يديها بين يدي زوجها وقد نست للحظات ما حدث معها ترى حب الجميع لها في أعينهم، بينما الاحفاد جميعًا يمسكون ايدي بعضهم البعض وهم يدورون حولها يشجعوها، كما لو أنهم ينتظرون دورهم لمشاركتها الرقصة ...
وبمجرد انتهاء الرقصة ارتفعت أصوات الصفير والتصفيق في المكان ..
ثم جذب الاحفاد هالي صوب أحد أركان الحديقة وهم ينظرون لها بسعادة كبيرة وحماس أكبر لعرض المفاجأة الأكبر.
صدح صوت جايك عاليًا يقول وهو يشير لشيء ضخم يصل لطول شجرة صغيرة بعض الشيء :
" والآن هالي العزيزة دعيني اريكِ ناتج تعبي لليلة كاملة ونصف يوم تقريبًا "
نظرت له هالفيتي بجهل قبل أن ينحني ادهم هامسًا لها بما يريده جايك، ارتسمت بسمة فضولية على وجه هالفيتي تحاول معرفة ما يقصد، وفي ثواني نزع جايك الغطاء عن تلك اللوحة التي عكف على صنعها منذ مساء أمس مستخدمًا يديه والفرشاة وكل ما يعلم من أساليب للرسم لتخرج بهذا الشكل وهذه السرعة ..
انطلقت شهقات متتالية من فم هالفيتي التي تراجعت للخلف منبهرة وبشدة بكل تراه، لا تصدق ما تبصره عيناها، نظرت صوب ادهم بعدم فهم وكأنها تطلب منه المعونة، لكنه فقط منحها بسمة حنونة .
تحركت اقدام هالفيتي صوب تلك اللوحة التي كانت تضم صورة لها عملاقة، لكنها لم تكن صورتها وحدها، بل كانت تضم أيضًا والدتها وجدتها اللواتي كن يشبهنا بشكل مخيف، استطاع جايك بكل ذكاء أن يجمع ثلاث اجيال في تلك اللوحة حيث اصطفت الوجوه جوار بعضها البعض بشكل عبقري، كما لو كان تتابع زمني لنفس الشخص في مراحل عمرية مختلفة .
تحسست هالفيتي الرسمة تبكي بصدمة لرؤيتها صورة تجمعها مع والدتها، اهتز قلبها بقوة لتجهش بالبكاء دون شعور تحاول أن تضم اللوحة وكل ما استطاعت الهمس به كان :
" ماما ..."
نظرت للوحة تتأمل كيف كانت والدتها جميلة، كانت رائعة بكل بساطة، وتلك المرأة التي بدت كبيرة في العمر قليلًا لا تدرك من هي لكنها خمنت أنها جدتها فكان جدها قد أخبرها كم تشبهها ...
بكت أكثر تتذكر تلك اللحظات القليلة التي منّت عليها ذاكرتها بها، والدتها التي تركتها منذ كانت طفلة هي ووالدها، الآن تقبع جوارها متبسمة بشكل سلب لبها، بكت والبسمة تزين ثغرها في مشهد مؤثر للجميع .
شعرت بتوقف أحد جوارها، وبعدها يد تُمد لها بالسماعة التي كانت ترتديها بالامس، رفعت هالفيتي عينها لادهم قائلة بدموع :
" ماما يا ادهم، بص جميلة ازاي ؟!"
ابتسم لها أدهم يقف أمامها يساعدها في وضع السماعة وهو يهمس لها :
" بالضبط هي جميلة، ولأنك ورثتيها في الشكل فبالتالي أنتِ كمان جميلة "
نظرت له هالفيتي بتأثر قبل أن تشعر بمن يضمها من الخلف يجذبها لصدره بحنان ولم يكن سوى جدها الذي همس بحب :
" هذه جدتك وحبيبة قلبي الاولى هالي، وبالطبع تعلمين والدتك التي ورثت جدتك في كل شيء، ثم أتيتِ أنتِ لتخلدي ذكراهم وكأنهم أبوا الرحيل دون توثيق جمالهم "
نظرت له هالفيتي بدموع قائلة :
" مش مصدقة اني شيفاهم جنبي حتى لو في صورة "
ابتسم اليخاندرو والذي كان يرتدي بدوره السماعة الثانية لأجل هذه اللحظة من التواصل مع حفيدته :
" أخبريني حبيبتي كيف ترين جدتك ووالدتك ؟!"
استدارت هالي صوب اللوحة لتبكي مجددًا هامسة بإعجاب كبير تتأمل ما تبصره عيناها :
" حلوين، حلوين اوي اوي، شبه الملايكة"
" إذن كيف ترين نفسك سيئة ؟! حبيبتي ألا ترين مقدار الشبه بينكم جميعًا، كيف ترين جمالهم ولا تبصرين جمالك الخاص ؟؟"
نظرت له هالفيتي بعدم فهم، ليس لأجل لغته، بل لأنها لا تفهم مقصده، ربت اليخاندرو أعلى رأسها هامسًا بحب:
" عيب الانسان الاكبر، أنه يتصيد الأخطاء لنفسه، يتصيد العيوب في ذاته، فمثلًا إن التقطنا جميعًا صورة عائلية الآن، سوف تشعرين أنكِ الوحيدة التي بها عيوب وليست جميلة كما الجميع، رغم أنه قد يكون غيرك غير مرتب وظهر بشكل اسوء في الصورة، هكذا نحن نتحين الفرصة لنرى القبح في انفسنا، ولو رأينا شبيه لنا لظننا به الجمال "
سقطت دموع هالفيتي لتغمض عينيها مرددة بأمل:
" يعني أنا جميلة يا جدو ؟! "
" أجمل امرأة في نظر جدك حبيبتي، تحملين نفس الجمال الذي جعلني أسقط صريعًا لجدتك، كيف تعتقدين أنني تركت جميع نساء بلادي وأحببت جدتك، تلك الفتاة التي جاءت لبلادي مغتربة، لقد خطفتني من ذاتي بنظرة واحدة من عينيها الواسعة التي تشبه خاصتك، تلك المرأة كانت ساحرة، مثلك تمامًا ومثل والدتك، أنتم الثلاثة مثلتم لي مثلث الخطر في حياتي، اختصرتم بين أضلاع ذلك المثلث جمال الكون "
اتسعت بسمة هالفيتي لتبكي دون شعور وهي تضم جدها بقوة وسعادة :
" أنا بحبك اوي يا جدو، بحبك اوي، وانا محظوظة لأني شبه تيتة، كانت جميلة اوي زي ماما بالضبط "
ابتسم اليخاندرو وهو ينظر لتلك اللوحة يتأمل بسمة زوجته، ليكتم تأوه كاد ينفلت من فمه، شوقه بدأ يطفو على سطح وجهه، انحنى كثيرًا ليصل إلى طولها هامسًا بحب :
" وجدك يحبك حبيبتي، لا يكفي أنكِ الحفيدة الفتاة الوحيدة، بل تشهبين جدتك أيضًا، هل تنتوين أن اتبرأ من جميع احفادي لاجلك أم ماذا ؟؟"
صاح جاكيري من الخلف بتذمر :
" ماذا جدي ؟! الآن ستتبرأ منا لأن حفيدتك الحبيبة عادت ؟! هذه خيانة "
ضحك اليخاندرو بقوة وشاركته في ذلك هالفيتي التي ابتسمت له، وقبل أن تستوعب وجدت التسعة احفاد يهجمون على جدها بالعناق واليخاندرو يبعدها للجانب الآخر حتى لا يتسبب هؤلاء الحمقى في طحنها بأجسادهم الضخمة، وضحكات اليخاندرو تتعالى بقوة يضم هالفيتي بيد واليد الأخرى يتصارع عليها الباقيين .
بينما أدهم يراقب كل ذلك من بعيد والبسمة ترتسم على وجهه بحب كبير، قبل أن يبصر ذلك الهجوم، ليتحرك صوبهم حتى يقف حائلًا بينهم وبين زوجته ..
تعالت ضحكات الفتيات على ما يحدث بين الجميع ليعم المكان بهجة كبيرة، وأصبحت الضحكات هي اللغة المشتركة بين الجميع، حتى من لا يبستم عادة، قام باستثناء صغير لهذه المناسبة وخطت البسمة وجهه ..
بدأ كل حفيد يتحرك صوب زوجته يضموهن بحب كبير بعدما نجحوا في هدفهم لإسعاد زهرتهم..
لكن فجأة قاطع تلك اللحظات صوت هالفيتي والتي أعلنت عن انتهاء لحظات الحب تلك وبدء لحظات الحركة والإثارة، وكأن تلك العائلة غير مُقدر لها أن تنعم بحفلة أو مناسبة حتى النهاية بسعادة ...
" لحظة واحدة، فين قاسم ؟؟؟"
_________________________
كعادته استغل الصغير فرصة أن لا أحد انتبه له ولا أحد رآه في وسط غمرة المشاعر التي فاضت على الجميع منذ ثواني ليتحرك بعيدًا يبحث عما يريد، كان يسير في المزرعة بكل يُسر بفضل تلك الاضواء التي تنير له الطريق، يسير صوب مكان يعرفه خير المعرفة حيث ذهب له مرتين خلال هذين اليومين ( اسطبل الخيل )
ابتسم قاسم حينما وصل أمام ذلك الاسطبل والذي يقع مباشرة خلف المنزل من جهة الغرب، ولحسن حظه كان الباب الخشبي الكبير مفتوح وذلك لأن لا خطر منهم، فكل خيل يقبع في مقصورته .
دخل للاسطبل يتحرك بصعوبة بسبب القش المتناثر ارضًا، أقدامه القصيرة لا تساعد في هذا ابدًا، لكنه حفيد اليخاندرو وأحد أفراد عائلة فوستاريكي الذين ما اعترفوا يومًا بالاستسلام، تحرك الطفل بكل عزم وقوة صوب أول مقصورة قابلته، رمق الحصان الذي كان يقف به والذي كان اسود اللون .
عاد قاسم للخلف قليلًا يحاول البحث عن طريقة لتحرير ذلك الحصان ويصعد على ظهره كما يفعل بطله المفضل في افلام الكرتون .
لكن لم يجد شيء يخرجه به، تحرك بصعوبة صوب الباب الخشبي القصير يطرقه بقوة تناسب عمره، ظنًا أن الحصان سيخرج هكذا، لكن كل ما فعله الحصان هو أنه صهل بصوت مرتفع وكأنه يجيب طرقه، ذلك الحصان الأسود الذي يخص فبريانو والذي روضه منذ سنوات قليلة بعدما حصل عليه ...
" حصان "
اخذت طرقات قاسم على باب المقصورة التي يقبع بها حصان فبريانو، وأثناء طرقه ودفعه للباب اختل ذلك المقبض المعدني الذي يغلق المقصورة، وبسبب الطرق المزعج جُنّ جنون الحصان ليعود للخلف على قائمين يصهل بقوة ليهبط مجددًا ضاربًا بقدميه الباب ما أخاف قاسم جاعلًا إياه يتراجع عن تحقيق حلمه بالصعود على ظهر الحصان اليوم، مكتفيًا بإثارة غضبه..
عاد الصغير للخلف وقد قرر الخروج بعدما ارتعب من صوت الحصان العالي، وبهذا تحرك مجددًا خارج الاسطبل متجهًا صوب الحفلة مرة الأخرى والتي كان مكانها واضحًا بسبب كثرة الاضواء به ..
وبمجرد أن وصل هناك وخطى لمكان الحفل حتى ركضت صوبه هالفيتي التي رمقته بغيظ وغضب رغم رعبها عليه، والجميع خلفها يطمأن على مدلل العائلة الأحب والاقرب لقلوبهم ..
ردد انطونيو بحنان وهو يدلك خصلات الصغير :
" أيها الصغير ألن تتوقف عن ارعاب الجميع هنا، هل تريد لجدي أن يقتلنا ويحرق المزرعة بمن فيها ؟!"
نظر له قاسم بخوف لا يدري ما يقوله بينما هالفيتي تهمس له بحنق :
" يابني أنت مش بتفضل في مكان هادي، لازم توجع قلبي عليك يا قاسم ؟؟"
ربت عليها ادهم بحنان :
" خلاص يا ام فتحي من كويس وده اهم حاجة "
نظرت له هالي بحنق :
" طب هو كان فين وبيعمل ايه؟! مش هينفع كده يا أدهم كل شوية ما يصدق نغفل عنه ويسرح مع نفسه "
قبّل أدهم وجنة الصغير الذي كان يضع إصبعه في فمه يستشعر غضب والدته عليه، ليفك يديه ويلفها حول رقبتها هامسًا بحب يحاول أن يسترضيها:
" حصان كبير "
تعجبت هالفيتي من همسته تلك وما كادت تستفسر حتى وجدت الجميع ينتزع الصغير من بين يديها يطمئنون عليه بكل حب، ليبتسم قاسم والذي آلف الوجوه هنا بل أنه أضحى يميز بينهم .
تعالت ضحكات قاسم وهو يتنقل من يد هذا لذاك، بينما هالفيتي ترمقه يتذمر :
" أيوة بوظوه بوظوه "
ضحك أدهم يضم كتفها له :
" مالك بس يا ام فتحي ما الولد زي الفل اهو الحمدلله وشكله اساسا مبعدش "
" معرفش راح فين ده، بيقولي حصان كبير "
انكمشت ملامح ادهم بتفكير :
" حصان كبير ؟! هو فيه اسطبل هنا ؟؟"
وقبل أن يسمع الجواب من هالفيتي سمع الجميع صراخ قوي صاحب قادم من أحد أركان الحديقة وصوت أحد الاحفاد يصيح بقوة :
" فبريــــــانو لقــد فُكـــت قيــود حِصــانـــكَ "
تحركت أعين الجميع صوب الجهة التي أشار لها قاسم وهو يصرخ بفرحة عكس خوفه الذي كان به منذ قليل:
" حصان كبير "
ابتلعت هالفيتي ريقها ترى اندفاع الحصان بشكل غريب في المكان :
" هو كبير فعلًا يا قاسم، برافو عليك يا حبيب ماما ..."
__________________________
يعني مكنش ينفع نستنى لغاية ما الحفلة تخلص ؟!"
هكذا اردفت روبين أثناء جلوسها على طاولة تقبع في مطبخ المزرعة، تراقب فبريانو يتناول بعض الطعام بنهم، ينظر لها بتعجب :
" لقد كنت جائعًا روبين، ثم لقد انتهينا والجميع سيبدأ في تناول الطعام بالفعل "
ابتسمت روبين على ملامحه، لتقترب منه بالمقعد الخاص بها، تمد يدها تداعب وجنته بشكل جعل الطعام يقف في حلقه مصدومًا مما تفعل، لكن روبين لم تهتم بنظراته وهي تداعب وجنته باصعبها كما لو كانت تدلل طفلها، ثم انحنت قليلًا تقبله على وجنته تلك :
" أنا آسفة "
ضيّق فبريانو ما بين حاجبيه معبرًا عن تعجبه مما تشدقت به للتو، لماذا الاعتذار هو من أخذ طعامها ليأكله وهي من تعتذر ؟!
ابتلع ما توقف في حلقه :
" على ماذا ؟! لماذا تعتذر ارنبي الوردي ؟! هل تسببتي في كارثة ما تريدين مني حلها؟؟"
ابتسمت روبين تحرك رأسها للجانبين برفض :
" لا، بس الفترة اللي فاتت اهملتك كتير وانشغلت مع البنات، حتى أكلك مكنتش بتاكل وروز قالتلي أنك طول الوقت كنت بترفض تاكل وتقولها هتاكل معايا ومكنش بيحصل "
اطمأن فبريانو أنها لم تفتعل كارثة :
" اه هذا إذن، لا باس عندما يشتد بي الجوع سأحضرك واجبرك على مشاركتي الطعام، الأمر سهل روبين "
اقتربت روبين منه أكثر تستند برأسها على قدمه، لتتحرك يد فبريانو بتلقائية يداعب خصلاتها بحب :
" ما هذا المزاج الرومانسي روبين ؟؟ هل تريدين الصعود وقضاء ليلة جميلة أعلى الشجرة ؟؟"
ضحكت روبين بخفوت :
" مش همانع ابدا، بالعكس ده أكثر وقت مفضل عندي، وبيرجع ليا ذكريات كتير اوي وقت ما كنت ببيت لولو "
ابتسم لها فبريانو بحنان :
" تلك العجوز، اشتقت لها حقًا، واشتقت لتلك اللحظات كثيرًا، رغم أنني يمكنني فعل ذلك الآن، لكن صعود الشجرة ذلك الوقت والتسلل خوفًا أن يرانا والدك كان يمثل متعة خاصة لي "
ابتسمت روبين له بحب كبير :
" عارفة أنك مش بتحب كده، بس أنت لطيف اوي، وصعب مقولش كده، أي نعم بتخوف ساعات والبعض ساعات بيقول عليك وحش، بس "
صمتت تشرد في عينيه :
" فبريانو أنت الالطف على الاطلاق "
وعكس ما توقعت ارتسمت بسمة صغيرة أعلى فم فبريانو الذي انحنى قليلًا يتحسس وجنتها بأنفه في حركات دغدغتها لتعلو ضحكاتها:
" لا بأس، أنتِ الشخص الوحيد في هذه الحياة المُصرح له بقول تلك الكلمة، بل أنتِ الشخص الوحيد الذي مُحيت لأجله جميع قواعدي "
امسكت روبين رأسه بحب، ثم صمتت ثواني قبل أن تقول :
" فبريانو "
همهم فبريانو وهو ما يزال ينظر لعينها لترفع رأسها تعتدل في جلستها حتى تصبح مواجهة له :
" امممم"
" ايه اللي حصل مع ليزا زمان خلاها تترعب منك بالشكل ده ؟!"
تجمدت أنظار فبريانو على وجهه ثواني قبل أن يبتعد عنها يعود لتناول الطعام بكل هدوء ولا مبالاة :
" حاولت قتلها "
شهقت روبين بصدمة :
" وهي شابة ؟!"
" لا بل طفلة "
اتسعت عينها بصدمة لتستشعر في تلك اللحظة أن زوجها بالفعل ليس لطيفًا كما كانت تردد منذ قليل، كيف لطفل أن يحاول القتل بحق الله؟! أي طفل هذا من يفكر في هكذا أمور ؟؟
اكمل فبريانو حديثه بلا اهتمام :
" كان ذلك بعدما خُطفت مع جاكيري، عدت بعدها شخص آخر عانيت من بعض الكوابيس وبعض التصرفات الغريبة وايضًا أصبحت ردات فعلي عنيفة، ليتم عرضي على طبيب نفسي في ذلك الوقت، وأثناء فترة علاجي ومحاولة إعادة ذلك الفبريانو الـ ( لطيف ) جاءت ليزا "
تألم قلب روبين مما تسمع، تدرك جيدًا أي طفولة بائسة حزينة حظى بها زوجها، تدرك أي معاناة واجه في طفولته ..
اكمل فبريانو بكل جدية أثناء تقليبه في الطعام أمامه دون أن يكمله :
" في إحدى المرات أثناء انعزالي في غرفتي رافضًا اللعب مع أحد عدا جاكيري الذي كان وقتها يخضع لعلاج نفسي مكثف في أحد المصحات بعدما فقد صوته لفترة، عادت ليزا مع عائلتها من السفر لتصر على مقابلتي "
نظر لها بأعين جامدة يتحدث محاولًا إيصال ما حدث بابسط الاشكال :
" حاولت دفعي للخروج، لكنني صرخت في وجهها رافضًا الأمر، لكنها لم تستمع لي بل أصرت على ذلك ولأجل اجباري على الخروج حملت العابي والقت بها من النافذة لأجل أن أخرج واحضرها، ومن ضمن تلك الألعاب كانت السيارة المفضلة لجاكيري والتي كنت قد اخذتها منه قبل الحادث بعد شجار كبير ليعود هو ويهديها لي يؤكد عليّ أن احافظ عليها"
ترك الملعقة أعلى الطبق :
" حينما رأيت ما فعلت بالسيارة صدر مني تصرف خارج عن إرادة عقلي لاحاول وقتها أن القيها من النافذة بدفع جسدها على سور الشرفة، ولولا اصوات بكاءها العالية وأصوات صراخي الاعلى ومجئ عمي وانقاذها لكانت تلك الحقيرة ماتت منذ تلك اللحظة، وعندما كان عمي يسحبها للخارج صرخت بها ألا تقترب مني مجددًا وإلا قتلتها، وأعتقد أن هذا ما يخيفها "
ختم حديثه بنبرة عادية وكأن الأمر لا يعنيه :
" في الحقيقة بعد ذلك الأمر تم حجزي في مصح نفسي لأيام قليلة، قبل أن يخرجني أبي مجددًا، كان الأمر وقتها خارج عن إرادتي، لم أكن اتحكم في نفسي، ولكم تمنيت أن افعل، لكنت ألقيت بها بدلًا من الاكتفاء بتهديدها "
وبينما كانت روبين متأثرة بما قص عليها، كانت ستبكي وتنهار على ما مر به زوجها منذ الطفولة، لكن مع جملته الأخيرة فتحت عينيها بصدمة :
" أنت... أنت... أنت لن تتغير أبدًا فبريانو "
ابتسم لها فبريانو بسمة مستفزة يقول :
" لا، لا أظن أنني سأفعل"
نهضت روبين من مكانها تتجه لمقعده تقف جواره دون كلمة، ليرمقها فبريانو بترقب، لكن روبين لم تمنحه فرصة الحديث حيث جذبت رأسه لها بحب كبير مرددة :
" برضو هتفضل الالطف في الدنيا دي يا فابري "
ابتسم فبريانو بسمة واسعة يضم خصرها بحب :
" وأنتِ هتفضلي الاغبى روبين "
ما كادت روبين ترد له جملته حتى انتفض الاثنان بقوة أثر صرخات قادمة من الخارج، صرخات متداخلة لم يفهم منها أحد سوى أن حصان فبريانو المخيف قد تحرر ......
_________________________
في الحديقة الخارجية لمنزل المزرعة كان الثمانية الرجال يركضون بسرعة مخيفة صوب الحصان الذي كان يشرد دون تحكم به، يتحرك هنا وهناك، لكن فجأة توقف وهو يرى ثمان رجال يركضون صوبه من جهات مختلفة .
صهل الحصان بصوت مرتفع يعدو بعيدًا عنهم، ينتوي الإفلات من أيديهم، لكن أثناء ذلك كان يتجه صوب الحفل .
ضمت هالي الطفل بقوة لصدرها تتراجع للخلف وأمامها يقف اليخاندرو يراقب محاولة أحفاده لحصار الحصان وتعجيزه عن أي حركة قد يكون من شأنها أن تسببب في ضرر .
بينما تجمعت باقي النساء خلف طاولة الطعام تراقبن ما يحدث واعينهن تكاد تخرج من الرعب، روز تراقب ما يحدث متمتمة بحسرة :
" إن حدث شيء للطعام سوف اصنع من ذلك الحصان وجبة دسمة للجميع اقسم "
فجأة تأوهت بقوة بسبب شعورها بضربة أعلى كتفها وصوت راسيل يصدح بحنق :
" بحق الله روز أي طعام هذا ؟؟ ذلك الحصان يكاد يدهس الجميع أسفل قوائمه "
فركت روز كتفها باستنكار تشير للرجال :
" أين ؟؟ انظري إليهم هم بخير ولم يمسهم شيء، طعامي فقط هو من سيتعرض للضرر هنا فالمسكين لا يمتلك يدًا ليدافع بها عن نفسه "
نفخت جولي باستهجان لحديث روز :
" نعم نعم، كيف لم نفكر في هذا، هيا سأنادي مارتن والرجال ليحموا طاولة الطعام ولتحترق المزرعة بمن فيها حتى لا تبتأسي سيدة روز "
أنهت حديثها بصوت صاخب حانق، بينما روز لوت فمها وصمتت، تنعي طعامها العزيز بلا كلمة واحدة، لكن فجأة سمع الجميع صوت لورا يتحدث بريبة :
" مهلًا أين روبين وروما؟؟!"
نظرت جميع النساء حولهن فجأة ليبدأ الإدراك في طرق أبواب عقولهن، روما ليست هنا على الرغم من وجود انطونيو بين الرجال الذي يحاصرون الحصان، بينما روبين ...
تحدثت فيور بجدية :
" لقد أبصرت روبين تدخل للمنزل رفقة زوجها منذ وقت ليس بالقصير "
نظرت لهن رفقة وقد بدأت تخاف وهي تهمس ببطء :
" و..روما ؟؟؟"
في تلك اللحظة تحديدًا كان جميع الرجال قد استطاعوا وللمرة الثانية محاصرة الحصان مرة أخرى، يدورون حوله ببطء شديد بينما الحصان يدور حول نفسه محاولًا ايجاد مخرج له، رفع انطونيو يده في الهواء يشير للجميع بالهدوء مرددًا بصوت هادئ دون أن يحرك شفتيه بشكل ملحوظ :
" لا يصدر أحدكم صوتًا ولا حركة حادة ملحوظة، فقط اخدعوه، ثم نغتنم فرصة هدوءه و...."
وقبل أن يتم انطونيو جملته ارتفعت جملة أخرى تشق الهدوء وصوت روما يعلو متساءلًا :
" ما الذي يحدث هنا ؟! هل انتهى الحفل ؟!"
تحركت أعين الرجال فجأة صوب روما، بينما اتسعت عين انطونيو وهو يهمس بقلق :
" هذا ليس جيدًا "
تراجع الحصان للخلف، ثم وفي ثواني كان يخترق الدائرة هاربًا منها، وأثناء ذلك ضرب بقائمه مارتن في صدره بقوة لتتعالى صرخات مارتن ساقطًا ارضًا، اتسعت عين جولي بصدمة صارخة باسم زوجها ودون تفكير ركضت صوبه :
" يا ويلي مارتـــن، مارتـــن "
انكمش جسد مارتن ارضًا يوجع واضعًا يده على صدره الذي شعر به يتحطم أسفل قوائم ذلك الحصان الجامح، ضرب الأرض بقبضته متوجعًا يحاول التحمل يُخرج كلماته بصعوبة من أسفل أسنانه :
" تبًا، لا تقتربي جولي "
لكن جولي لم تهتم له وهي تخرج من مكانها ركضًا صوبهم بشكل آثار حفيظة الحصان ليركض في الاتجاه المعاكس بسرعة كبيرة حيث تقف روما التي جمدتها صدمة ما حدث لمارتن بمكانها .
رأى انطونيو ما على وشك الحدوث ليركض بجنون خلف الحصان، يضع يده على مكان سلاحه المعتاد ليتخلص من ذلك الحصان بشكل نهائي، لكنه تفاجئ أنه لم يحضر سلاحه، لعن تحت أنفاسه وهو يزيد من ركضه خلف الحصان وصوت صرخاته يشق الأجواء :
" ابتعـــدي رومــا، اختبأي بالمطبخ "
كان يصرخ مشيرًا لباب المطبخ الذي يقبع جوار روما، لكن الأخيرة تجمدت من الرعب وحينما استوعبت ما يحدث ما كادت تركض لباب المطبخ حتى وجدت الباب يُفتح بقوة و فبريانو يندفع منه كالرصاصة، يركض في الاتجاه المعاكس للحصان بشكل رآه الجميع مخيف، الحصان يركض في اتجاه وفبريانو يركض صوبه الأمر الذي جعل الجميع يترقب بذهول .
لكن فبريانو ما كاد يصل لنقطة الالتقاء مع الحصان حتى غيّر طريقه وانحرف جانبًا بسرعة كبيرة صوب شجرة كانت تتوسط الطريق بين الحصان وروما، استغل مهاراته المعتادة في التسلق ليصل لأحد أفرع الشجرة في وقت قياسي يتحين اللحظة المناسبة، انحبست انفاس الجميع يراقبون ما يحدث...
روما تحاول الهروب للمطبخ الذي تقف روبين أمام بابه مرتعبة، بينما الحصان يركض في الجهة الخاصة بهم، وفبريانو يقبع أعلى شجرة في منتصف المسافة بينهما، وفي اللحظة المناسبة وحينما أصبح الحصان أسفل الشجرة قفز فبريانو بسرعة كبيرة أعلى ظهره ...
" تبــــًا "
علت صيحة فبريانو المتأوه بعدما كاد يسقط ارضًا ليتماسك في اللحظة الأخيرة وتبدأ مرحلة المحاولة في التحكم بذلك الحصان العنيد ..
كان كل ذلك يحدث تحت أنظار قاسم الذي كان يراقب بانبهار دون أن يتكلم كلمة واحدة حتى، كان كل ذلك خاطفًا لانفاس الصغير الذي كان أكثر شيء مشوق يراه عادة هو قُدرة يوسف( ابن كريم ) العجيبة على القفز من اعلى الأريكة في منزل شادية ...
نظرت هالفيتي لابنها وما يفعله وانبهاره بما يحدث، لتدرك أن الصغير أحب الأمر ولم يخشاه حسب المتوقع، همست لادهم مبتلعة ريقها :
" الظاهر كده يا ابو قاسم، قاسم ابنك عرف هيعمل ايه في مستقبله "
نظر لها أدهم بتعجب لتوضح هالي الأمر ببسمة سخيفة :
" اقدملك قاسم، الفرد العاشر في عصابة بوكساريكي، هيشتغل هجّام معاهم أو يمكن حرامي غسيل، معرفش هما بيعملوا ايه بالضبط، المهم انها حاجة حرام "
تحولت أنظار ادهم صوب الصغير الذي كان يتابع ما يحدث بفم مفتوح في انبهار كبير :
" صحيح الدم بيحن، ابنك ورث عيلتك "
رفعت حاجبها لا تفهم سبب ذلك الاستياء الذي اتضح في نبرته :
" لا معلش بتقولها كده ليه ؟! هو هيورث حد غريب ؟؟ دول عيلتي وجدو يا ادهم "
اعترض ادهم بسخرية على ذلك الفخر الذي يُقطّر من حديثها :
"ايه يابت الفخر اللي في كلامك ده؟! محسساني إن عيلتك شغالة في وكالة ناسا، دول مافيا يا ماما مافيا"
" ودي حاجة اوحش من الهجّامين؟!"
أدّعى أدهم التفكير ليقول بعد ثواني متناسيًا ما يحدث :
" يعني أكبر من حرامي الغسيل بشوية، الرتبة اللي فوق نشالين الاوتبيسات على طول "
ارتفع حاجبها تحاول تجميع ما تعلمه من معلومات عن تلك الكلمة التي لربما سمعتها مرات عديدة في حياتها، لكن لم تصل بعد لمفهوما الجوهري :
" هو مش ده اسم فيلم للفنان احمد السقا ؟!"
قلب أدهم عينه ينفخ بحنق هامسًا :
" يا الله يا ولي الصابرين "
عاد بعينه صوب فبريانو والذي كان قد تمكن من ترويض ذلك الخيل بعد معاناة كبيرة، ثم قاده صوب الاسطبل تحت نظرات الجميع الذين تنفسوا الصعداء، ما كاد أدهم يخرج زفرة مرتاحة من فمه، لينتفض فجأة بعيدًا عن زوجته بسبب فزعه من تلك الزغاريد التي انطلقت من فمها تحية لفبريانو تصيح بسعادة كبيرة :
" برافو عليك يا كرستيانو، بسم الله ماشاء الله عليك ولا كرستيانو بتاع الكورة "
كانت تتحدث وهي تحاول التصفيق رغم حملها للصغير، بينما الصغير نفسه كان يقلد والدته وهو يصفق بسعادة كبيرة والبسمة ترتسم واسعة على فمه، ليردد ادهم بين نفسه ببسمة غير مصدقة لما يرى :
" متخافش من الهبلة خاف من خلفتها "
ركض انطونيو صوب روما بلهفة شديد ينظر لها من أعلى لاسفل يهمس لها برعب كبير :
" حبيبتي أنتِ بخير صحيح ؟!"
هزت روما رأسها بنعم ومازال وجهها شاحب بقوة، ليمنحها انطونيو بسمة حنونة جاذبًا إياها لصدره وصوته يردد :
" تريدين الصعود لغرفته والراحة ؟!"
استقرت روما برأسها أعلى صدره هامسة:
" يمكنك حملي انطونيو ؟! لا أشعر بقدمي "
انحنى انطونيو دون كلمة واحدة يحملها بلطف، ليشعر بيد روما تلتف حول رقبته، تحرك بها صوب المنزل غامزًا بلطف مرددًا جملته المعهودة في مثل هذه المواقف :
" في قلبي إن أردتِ روما "
بينما في أحد الجوانب ارضًا كان مارتن مازال مسطحًا يتأوه بتعب من ذلك الاصطدام الذي تعرض له في صدره منذ ثواني، بينما جولي فقط تبكي جواره وادم يحاول معرفة ما حدث، فجأة انضم فبريانو لهم بخوف هامسًا :
" أنت بخير مارتن ؟!"
حاول مارتن أن يدعي الثبات لأجل جولي التي كانت تتمتم ببكاء جواره :
" نعم نعم، أنا بخير لا تقلقوا جميعًا "
سمع الجميع صوت هالي التي كانت قد اقتربت منهم تهمس وهي تنظر لما حدث :
" معلش يا مارتن تعيش وتاخد غيرها يا خويا، دي عين وصابتكم والله، لسه البت روبين كانت بتقولي انكم يا حبة عيني عمر ما فيه مناسبة خلصت معاكم على خير، اكيد ده حسد ولا ده من اعمالكم ولا ايه ؟!"
نظر لها فبريانو ببلاهة، ثم نظر لأخيه يتحسس صدره بلطف لتنطلق صرخة عالية من فم مارتن يسبّ أخاه بحنق، بينما فبريانو لوى فمه بتفكير :
" ربما كُسر صدره، لا أدري حقًا، نحتاج لطبيب "
نظرت له هالفيتي والتي فهمت حديثه بسبب السماعة التي ارتدها منذ بداية الحفل تتحدث بتعجب :
" هو مش اخوك اللي قاعد ده دكتور برضو ولا هو مدرس دراسات اجتماعية ولا ايه بالضبط ؟؟"
رفع ادم عينه لها يقول بحنق بعدما فهم حديثها بكل سهولة ويسر :
" أخبريهم هالفيتي فالجميع هنا يتناسى دوري "
امتصت شفتيها بتأثر ولم تكد تتحدث ليعلو صوت ادهم الذي كان يقف جوارها متشنج الملامح يرى ما تفعل زوجته، مشيرًا لنفسه :
" ده على اساس أنك متجوزة بياع عرق سوس ؟؟ يعني افتكرتي أن ابن خالك اللي عرفاه من كام يوم دكتور، وجوزك اللي معاكِ من ايام ما كنتِ بالمريلة نسيتيه؟!"
شهقت هالفيتي بصدمة وكأنها للتو تذكرت فقط :
" أيوة صح، أنت دكتور يا ادهم "
وضع أدهم كف على الاخر مستندًا بهما لصدره في حركة ساخرة مرددًا :
" شوفتي"
صمتت هالي ثواني قبل أن تُخرج اغبى جملة قد يخرجها فمها، هي فقط أخرجت كل ما فكرت به في هذه اللحظة وما فكر به عقلها الصغير :
" أيوة بس أنت دكتور مصري وهو ايطالي يا ادهم "
ارتفع طرف شفتي أدهم، وكذلك حاجبه في تزامن ساخر وصوته خرج غير مصدقًا لما تفوهت به :
" يعني ايه مش فاهم ؟! احنا في مصر بنكشف من اليمين للشمال، وهما هنا بيكشفوا من الشمال لليمين ولا ايه ؟!"
رمقته هالفيتي ببلاهة تستوعب فجأة منطقية حديثه، قبل أن تشعر بادهم يزيحها جانبًا، ثم جلس القرفصاء جوار مارتن الذي كان يضع رأسه بين احضان جولي يحاول طمئنتها، نظر أدهم لزوجته بجدية :
" بصي الناحية التانية "
" ليه أنا عايزة اتفرج "
اغتاظ ادهم يصيح بجنون :
" تتفرجي ايه ؟! هو أنا بصور فيلم، بصي الناحية التانية بقولك عشان هقلعه القميص "
تمتمت هالفيتي بتذمر وهي تستدير :
" كنت عايزة اشوفك وأنت دكتور "
حرّك أدهم رأسه في يأس يفك ازرار قميص مارتن ليسمع صوت فبريانو الحانق والمحذر :
" لا تصرخ بها بهذا الشكل مجددًا "
رفع ادهم عينه لفبريانو يرمقه لثواني دون رد، قبل أن يقول ببسمة باردة :
" هذه زوجتي يا سيد وأنا اعلم جيدًا كيف اتعامل معها "
" وهذه ابنة عمتي ويحق لي التدخل وقتلك إن صرخت بوجهها مرة ثانية أو تحدثت لها بشكل لا يروق ليه "
امتصت هالفيتي شفتيها بتأثر:
" اللهي تكسب وتربح يا كرستيانو، اصيل والله، دايما اقول مليش غير كرستيانو في العيلة "
راقب مارتن النظرات المتبادلة بين ادهم وفبريانو بتحدي ليعلو صوته بحنق وصراخ :
" حسنًا إن لم أكن اقاطع شيئًا مهمًا، هلّا انتهيتما مني اولًا ثم عودا لمسابقة التحديق هذه "
ضمت جولي رأس مارتن باكية :
" أخبرتك أن تدعك من هؤلاء الحمقى مارتن ولنذهب للمشفى، هناك سنجد أطباء حقيقين"
نفخ أدهم بسخرية بعدما انتهى من فك ازرار قميص مارتن:
" ده على اساس أننا دكاترة بلاستيك يعني ولا ايه ؟؟"
ختم أدهم حديثه أثناء فحصه لصدر مارتن بجدية وعملية كبيرة، يحاول معرفة إن كان قد أُصيب بكسر في القفص الصدري ام مجرد ردود وكدمات فقط، لكنه وضع يده على ذقنه متحدثًا بجدية وتفكير :
" اعتقد أننا نحتاج طبيب ....."
__________________
اتمنى يكون الفصل نال اعجابكم ...
ويعتذر مقدمًا لو حصل مني أي تقصير في الفصول القادمة، سواء كان الفصل اصغر بعض الشيء، أو تم تأجيله، وده لأن والدي هيخضع لعملية وهكون مشغولة كتير، فأرجو منكم تدعوله يقوم على خير وشكرًا لكم مقدمًا ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل العاشر 10 - بقلم رحمة نبيل
بعتذر عن التأخير بسبب بعض الظروف عندي ...
وشكرًا لكل شخص سأل على والدي هو الحمدلله عمل العملية انهاردة وبخير حال، بشكركم جدا جدا وبعتذر لو مشوفتش رسائل البعض أو غيره بس حقيقي الفترة دي مضغوطة شوية ..
.
قراءة ممتعة
_____________
إذا كنتَ في قومٍ فصاحب خيَارَهُم
ولا تصحب الأردى فتردى معَ الردي
عن المرءِ لا تسأل، وسل عن قرينهِ
فكلّ قرينٍ بالمُقارَنِ يقتدي
إن كنتَ في كربٍ وضاقَ بكَ الفضا
فٱلجأْ لذِكرِ المُصطَفى تَتَعافى! ﷺ
_______________________
صوت ساخر مكتوم خرج من تلك التي تعطي ظهرها للجميع، حالما سمعت جملة زوجها التي أفصح عنها بعد فحص صغير لمارتن الذي كان يتمنى لو أنه يستطيع تحريك جسده وينهض ليتخلص من الجميع ...
ربتت جولي أعلى رأسه بحب وهي تقول بخوف :
" ماذا قال ذلك الطبيب، هل سيموت زوجي !!"
رمقها مارتن بتذمر :
" حبيبتي انا لم اتلقى رصاصة في صدري، هذه مجرد ضربة من حصان، بحق الله خلصوني من كل تلك الترهات "
استدارت هالي تنظر للجميع ضاربة بأمر زوجها عرض الحائط وصوتها الساخر يشق الأجواء :
" ايه يا دكتور مسمعتش يعني اي كلمة مفيدة ولا الف سلامة حتى، فالح بس تتقمص لما انسى أنك دكتور، ما هو من حقي انسى، ده أنا مش بشوفك بتعمل حاجة طبية ولا حتى بشوفك ماسك سرنجة "
حدق بها أدهم مغتاظًا من حديثها وتشكيكها به وبمهنته التي يمارسها منذ سنوات عديدة، حتى أنه حقق بها نجاحًا غير مسبوق فيها، فعدا تلك المرات العشرين التي تشاجر بها مع بعض المرضى، كان دائمًا ما ينال الثناء من جميع الحالات التي عالجها بفضل الله ...
" اولًا أنا مش دكتور عظام، والاستاذ عايز دكتور متخصص وده مش تخصصي والله، شوفي بقى الغلطة ابن خالك لو تخصصه عظام يعالجه "
أنهى حديثه يشير لادم الذي كان يتابع ما يحدث بينهم متناسيًا مارتن الذي كان يتأوه بين الثانية والأخرى ...
" لا أنا لست تخصص عظام أنا تخصص نساء و ولادة، لكن لا بأس يمكنني المحاولة "
أنهى آدم حديثه يقترب من مارتن ممسكًا بقدمه ليعلو صراخ مارتن بجنون :
" أيها الحقير تجرب ماذا ؟! دع قدمي "
كان يتحدث وهو يحاول دفع جسد آدم بعيدًا، لكن الأخير عاند معه وهو يتمسك بقدمه مرددًا :
" هيا يا اخي لا تتصرف كالاطفال، ربما أعلم ما حدث معك، هيا سأعتبرك سيدة على وشك الولادة تعاني من انقباضات في الرحم "
ارتفع صوت مارتن الذي ضرب قدمه في معدة :
" اقسم إن لم تتوقف سأنهض واريك من تلك التي تلد "
زفر فبريانو بحنق ضاغطًا بيده على صدر مارتن ليهدأ، لكن على عكس رغبته ارتفعت صرخات مارتن أكثر وهو يضرب يد أخيه بغضب :
" تبًا لك أيها المختل المريض "
لوى فبريانو فمه بحنق :
" توقف عن المبالغة هي لا تؤلم "
" وما ادراك أنت ايها الغبي هل هو صدري ام صدرك ؟!"
صمت وهو يستمع لصوت بكاء جولي التي صرخت في وجه الجميع :
" أيها الحمقى ستقتلون زوجي، هل أنتم اغبياء ليُحدّث ايًا منكم طبيب، هو يتألم ألا قلب لديكم ؟!"
كانت تتحدث وهي تضم رأسه مارتن لها ودموعها تهبط أكثر، بينما مارتن يحاول كتم تأوهاته لئلا يزيد من خوف جولي، يكفي انتفاضة جسدها التي يستشعرها أسفله ...
نظر الجميع لبعضهم البعض وكأن الأمر معقد، أخذ ادهم يتحدث مع آدم بجدية :
" تفتكر نعمل ايه يا دكتور ادم؟! نديله مسكن ونسيبه مكانه شوية، ولا نعمله ايه ؟!"
أجابه آدم وهو يرمق أخاه بطرف عينه، ثم عاد لادهم يردد بجدية :
" لا اعلم أظن أنه يحتاج للخضوع إلى فحص متخصص مع وجود أشعة على الصدر "
هز أدهم رأسه موافقًا يقول بهدوء وجدية :
" نعم أنت محق، رغم أنني أعتقد أن هذه مجرد كدمة قوية ليس إلا من فحصي المبدأي له، لكن لا بأس لنتحدث مع طبيب متخصص بتلك الحالات "
انتهى الاثنان من الحديث قبل أن يخرج آدم هاتفه ونهض مبتعدًا يُحدث طبيب، بينما بقي الجميع جوار مارتن، وجولي تتحدث بعدم فهم :
" هل سيفحصه الطبيب هنا ؟! لننقله إلى غرفتنا "
رفض ادهم بسرعة ما اقترحته :
" بالطبع لا نستطيع، فأي حركة خاطئة قد تزيد الأمور سوءً، نحن لم نعلم بعد إلى أي مدى وصل الضرر "
" لكن ..لكن أنت قلت منذ قليل أنه ربما مجرد كدمة"
اجاب ادهم بهدوء وعملية :
" هذا مجرد احتمال لن نتأكد إلى بعد خضوعه
لأشعة "
أطلقت هالفيتي زغرودة عالية جعلت ادهم يفزع ساقطًا أعلى صدر مارتن بعدما كان يجلس القرفصاء، ليعلو صراخ مارتن الذي كان يضرب الأرض بيده، بينما هالفيتي لم تنتبه لذلك :
" والله دكتور وسيد الدكاترة ايه الكلام الكبير ده يا ادهم طلعت بتتكلم زي الدكاترة اهو والله "
دفع مارتن ادهم بقوة ليسقط الاخير على ظهره وصوت مارتن يعلو سابًا الجميع ويلعن الظروف التي جعلته أحد أفراد تلك العائلة يهتف باستجداء :
" النجدة، لينقذني أحدكم، أنا اتعرض لموجة غباء ساحقة، النجدة "
وعلى صراخ مارتن ركض مايك صوب الجميع وهو يردد بخوف :
" ماذا ؟! ماذا حدث "
صمت وهو يرى وضع مارتن الذي يظهر الالم على وجهه جليًا :
" اوه مارتن ما الذي حدث، ما الذي تفعله ارضًا؟!"
أجابه مارتن بسخرية :
" أردت تجربة فوائد الاستلقاء ارضًا مايك"
انضم جاكيري للجميع وهو يحمل بين يديه قطعة دجاج يتناولها بنهم مشيرًا لمارتن :
" ها أنت ذا مارتن، لقد بحثت عنك في كل مكان، هناك تطبيق لتعليم الرقص لكنني لا استطيع تحميله على هاتفي، يخبرني أنه هناك خطأ، هل يمكنك تحميله لاجلي "
أنهى جاكيري حديثه يعطي مايك قطعة الدجاج ليمسكها، ثم أخرج محرمة يمسح بها يده وبعدها حمل هاتفه جالسًا القرفصاء جوار رأس مارتن يقول بجدية بينما يشير لشاشة هاتفه :
" ها هو، هل تعلم ما المشكلة ؟! ربما أغير الهاتف، أم أن هناك حل آخر يمكنك فعله لأجلي"
زفر فبريانو بحنق يوبخ جاكيري :
" جاكيري عزيزي توقف عن أفعالك تلك، ألا يمكنك الاهتمام بشيء في هذه الحياة سوى الرقص، بحق الله ألا ترى ما نحن به؟! "
رفع نظره لمايك الذي كان يتناول قطعة الدجاج الخاصة بجاكيري :
" ثم متى افتتحتم طاولة الطعام، وكيف تفعلون ذلك دون انتظاري ؟!"
تجاهله جاكيري وهو يُقرب الهاتف أكثر من وجه مارتن الذي كان يغلق عينه بقوة يحاول تحمل كل ذلك :
" هييه مارتن ألن تساعدني في تحميل ذلك التطبيق ؟؟"
" أنت أيها الاحمق لم تجيبني، هل تتجاهلني جاكيري؟! "
اقترب ماركوس من التجمع يتحدث بجدية :
" هييه هل رأى أحدكم فيور، تلك القصيرة تختفي كما الزئبق، لا أدري أين ذهبت "
تحدث ادهم وهو ينظر الجميع يصفق بيده لينتبهوا :
" ارجوكم ابتعدوا قليلًا دعوا المريض يتنفس "
لكن الاصوات تداخلت، هذا يتذمر وهذا يتشاجر من ذاك وهذا يصرخ وذاك يمزح، كل هذا فوق رأس مارتن الذي كان في هذه اللحظة يتمنى لو أن ذلك الحصان قتله
صرخ مارتن بجنون وقد اكتفي مما يحدث :
" توقفوا جميعًا، توقفوا، يا ليت ذلك الحصان عبر على جثتي، هييه فبريانو أخرج سلاحك وافرغه برأسي ارجوك، يا جــدي انقذني، لينقذني أحدكم"
ضمته جولي وهي ما تزال ترمق الجميع بشراسة وصوتها يدمدم بشر :
" عارٌ عليكم جميعًا، ألا قلب لديكم ؟؟"
تجمعت الأنظار على مارتن والكل يتعجب صراخه بهذا الشكل، لطالما عانوا جروحًا أكثر خطرًا من هذه، ثواني وسمع الجميع صوت صفارة تشبه صوت سيارة الشرطة يدوي في المكان ليفتح الجميع أعينهم بصدمة وفبريانو يخرج سلاحه مرددًا :
" تبًا ها ابلغ أحدهم عنا ؟!"
لطمت هالفيتي وجنتيها برعب تتمسك بذراع زوجها :
أنا معملتش حاجة يا ادهم، معملتش حاجة"
تحدث أدهم بحنق من حديثها :
" وادهم ماله هو أنا وكيل نيابة ؟!"
بدأ الجميع يتحفز والانظار تتوجه صوب باب المزرعة وقد تحرك البعض لإحضار الأسلحة لولا صوت آدم الذي خرج متعجبًا :
" ألا تستطيعون التفرقة بين صوت سيارة الشرطة وصوت سيارة الإسعاف ؟! أنتم مثيرون للشفقة"
نظر الجميع لبعضهم البعض ثواني قبل أن تقاطع جولي تلك النظرات وهي تقول بشراسة وغضب مخيف :
" هيا ساعدوا زوجي وإلا جعلتكم تسمعون صوت سيارة الشرطة بعدما ابلغ عنكم جميعًا ...."
_______________
وضعها على الفراش بكل حنان يمتلكه، ثم منحها قبلة صغيرة قبل أن ينسحب ببساطة صوب المرحاض الملحق بالغرفة .
اختفى به أنطونيو دقائق قبل أن يعود ويحمل روما مجددًا، تحرك بها مجددًا حيث كان بهدوء كبير، يتركها على مقدمة حوض الاستحمام يساعدها في خلع حذائها :
" متأكدة أنكِ لا تحتاجين الذهاب لرؤية طبيبة ؟!"
هزت روما رأسها بلا تداعب فروة شعره الحريرية بلطف وامتنان :
" لا انطونيو أنا بخير لا تقلق، فقط أريد الراحة قليلًا "
انتهى انطونيو مما يفعل رافعًا رأسه لها بحب مقبلًا وجنتها بحنان ولطف كبيرين :
" لكِ ذلك جميلة الجميلات، سأتركك تنعمين بحمامك، وعندما تنتهين فقط ناديني، أنا في الخارج أنتظرك"
هز روما رأسها له تمنحه بسمة ممتنة، قبل أن يتركها انطونيو ويتحرك للخارج، بدأت تتنفس ببطء محاولة أن تقاوم تلك التشنجات التي أخفت ألمها بصعوبة كبيرة عن انطونيو، تحاملت على وجهها أثناء ضغطها على شفتيها، تحركت صوب حوض الاستحمام تتأكد من جاهزية المياه ...
وفي الخارج كان انطونيو يقف في الشرفة يحمل هاتفه متحدثًا به مع جاكيري بجدية كبيرة :
" إذن الأمر ليس خطرًا؟! جاكيري لا تمزح معي وأخبرني عن وضع مارتن بكل تفصيل "
وصل له دمدمة جاكيري الحانقة من الطرف الآخر :
" أخبرتك أنه بخير انطونيو اقسم لك، نحن الآن في طريقنا للمشفى "
ضيق انطونيو ما بين حاجبيه يتوقف عن كلمة أخيه التي نطقها دون شعور :
" أنتم من ؟؟ هل ذهب الجميع معه ؟!"
نظر جاكيري حوله لسيارة الإسعاف التي تم حشر بها جميع الأجساد بصعوبة، ثم ردد بحنق :
" ماذا ؟! هل تريد منا ترك شقيقنا وحده؟!"
نفخ انطونيو بحنق يتوقع في رأسه كارثة قادمة لا محالة، فما اجتمع هؤلاء الحمقى قط في مكانٍ ما إلا ونشبت معركة هناك، أو حدثت مصيبة :
" من ذهب تحديدًا جاكيري ؟! اريد شخص يفكر بعقله معكم رجاءً، فالوحيد الذي كنت أستطيع أن اطمئن بوجوده مسطح الآن على الفراش أمامكم، والآن ماذا من يمكنني أن اوصيه عليكم ؟! "
سمع انطونيو صوت أخيه يأتيه عبر سماعة الهاتف يردد بحنق وضيق كبير :
" مهلًا مهلًا ألا يطمأنك وجودي معهم؟! انطونيو أنت تستخف بي وهذا ليس شيئًا جيدًا، ثم هل كنت تطمأن لوجود مارتن معنا وليس لوجودي أنا ؟؟ تبًا لك أنا الأكبر في غيابك "
كان يتحدث بحنق وغضب والجميع يتابعه بعدم فهم، عدا مايك الذي استقل سيارة مستقلة ليقود بالنساء بعدما رفض رفضًا تامًا أن يذهبن وحدهن ..
ورغم كل تلك الثورة التي نشبت من الجانب الآخر لم يكن من انطونيو سوى أن قال بتعب :
" على الاقل طمأن قلبي وأخبرني أن ماركوس معكم "
خرج صوتًا مستنكرًا من فم جاكيري وهو ينظر لماركوس الذي كان يجلس بكل هدوء جواره، ليضربه بعنف كبير على رأسه صارخًا :
" ماركوس ؟! حقًا ؟! تبًا لك هل تريد أن تُسيّد ماركوس علينا !!"
نظر له ماركوس بفزع لا يفهم ما يحدث :
" ماذا فعلت أنا الآن ؟! ما دخل ماركوس بمشاكلكم ؟؟"
تحدث انطونيو من الجهة الأخرى غير آبهًا بصراخ أخيه :
" على الاقل هو الوحيد الذي لا يفكر بذراعه جاكيري، بحق الله إن حدثت كارثة فلا اضمن ايًا منكم، اعطي الهاتف لماركوس اريد التحدث معه "
نظر جاكيري بشر لماركوس الذي تراجع للخلف هاتفًا بعدم فهم :
" ماذا يخبرك انطونيو لتنظر لي هكذا ؟؟"
لم يجبه جاكيري وهو يردد قبل أن يغلق المكالمة في وجه أخيه :
" عفواً ماركوس ليس متاح الآن"
أنهى الحديث يغلق الهاتف في وجهه وهو يتمتم بغضب والجميع يرمقه بعدم فهم، لا أحد يعلم ما حدث خلال المكالمة جاعلًا جاكيري بهذا الحنق، لكن جاكيري لم يدع لهم فرصة للتفكير في الأمر وهو يشير لهم بتحذير :
" أنتم أيها الاوغاد أنا الكبير هنا، وأنا من له الكلمة، اياكم وافتعال المشاكل في وجودي سمعتم ؟؟"
________________________
في المنزل بقيت هالفيتي رفقة زوجها بعدما شعرت أن وجودها ليس مهمًا فالجميع معه، بالإضافة إلى وجود قاسم معها وهذا ما جعلها تفضل البقاء تحسبًا لأي مشاكل قد تحدث بسبب طفلها الذي أصبح مشاغبًا بشكل غريب منذ جاء لهنا ..
كانت تجلس على طاولة تتوسط الحديقة وهي تنظر حولها للحديقة وما فعله لأجلها أبناء خالها، ارتسمت بسمة واسعة محبة على فمها :
" أنا مش مصدقة إن ليا عيلة عملت عشاني أنا كل ده يا ادهم، أنا اساسا لسه مش مصدقة إن أنا عندي عيلة كبيرة كده وكلهم بيحبوني "
ابتسم ادهم بسعادة لأجلها ممسكًا بيده يراقب طفله بطرف عينه والذي كان يلعب بالبالونات الملونة، ثم عاد لزوجته مرددًا بحب :
" ده ببساطة لأنك تستحقي كل الحب وكل السعادة يا هالي، لو مش أنتِ بقلبك ونقائك وبساطتك دي يبقى عندك ناس بتحبك اوي كده، امال مين اللي يكون عنده ؟؟"
تأثرت هالي من حديثه، وارتسمت بسمة واسعة على فمها تقترب بمقعدها منه منحنية على يده مقبلة إياها بحنان كبير جعل ادهم يتعجب، لكن هالفيتي لم تترك له الفرصة وهي تندفع بالحديث عن ذلك الأمر الذي تجنبت طويلًا الحديث به :
" أنت يا أدهم، أنت كمان عندك عيلة كبيرة بتحبك اوي "
ابتسم ادهم بسمة حنونة يقول بحنين لهم :
" اممم أي نعم بيطلعوا عيني بعمايلهم، بس هيفضلوا أجمل عيلة واقرب أشخاص لقلبي "
" أدهم أنا مش قصدي على شادية وشاكر وعيلتنا اللي في العمارة "
انكمشت ملامح ادهم بتعجب لا يفهم ما ترنو له زوجته :
" امال مين ؟! قصدك عيلتك يعني ؟؟ دول اسود من شادية وشــ "
" أدهم أنا أقصد باباك وأخواتك "
وبمجرد انتهاء كلماتها فزعت هالي من انتزاع أدهم ليده من بين كفيها بقوة اخافتها، وقد انقلبت ملامحه بشكل جعلها تندم أشد الندم بسبب التطرق لتلك النقطة الشائكة، النقطة التي مازال أدهم يأبى التحديق بها، لم ينس بعد ما فعل والده بوالدته ولا ما كابده أثناء طفولته، الأمر الوحيد الذي لا يصفو قلب أدهم له ..
" أيوة بس أنا يتيم ولا نسيتي ؟؟"
تألمت هالفيتي من كلمته بقوة وصمتت لا تدرك ما تقول، هي تعلم جيدًا ما عاشه معهم، أن تحيا طفولتك خادمًا لعائلتك، نفس ما عاشته سابقًا هي، لكن الفرق أنها تعرضت لذلك من عمها وزوجته وإن لم يشارك عمها بالفعل واكتفى بتجاهلها، لكن أدهم ....كان والده هو من يعامله كما الخادم له ولاخوته، تتذكر بكاء ادهم بين أحضانها ذات يوم يصف لها ما عاناه معهم وشعوره حينما كان يعامله والده معاملة العبد ..
ابتلعت ريقها تجلد نفسها داخليًا لما سببته له من ألم، لكن هي تحاول أن تخلق لصغيرها بيئة خالية من أي صراعات، لن تكون سعيدة حينما ينضج صغيرها ويدرك ما يحدث بين جده ووالده، لكن للجحيم كل ذلك إن كان ما ستناله هو تلك النظرة الحزينة من عين ادهم...
نهضت من مكانها تقترب منه تضم رأسه لها بحنان كبير وحب لا ينضب، ذلك الرجل بين أحضانها ليس مجرد زوج رُزقت به، بل هو حياة، مثّل لها العائلة في وقت كانت تعاني به من الوحدة، أصبح لها عالمًا حينما لفظها عالمها، وهي ستكون كذلك له، حتى وإن تخلت عن فكرة الجمع بينه وبين عائلته، وكلها أمل أن يساهم الزمن في تطبيب جراحه [ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ] .
ضم ادهم خصرها دافنًا رأسه بها، يدرك جيدًا أنها محقة، يعلم أنه يجب أن يهيأ لطفله بيئة خالية من أي صراعات أو خلافات، لكن هو لا يستطيع يقسم أنه حاول لكن كلما حاول سماع مبررات والده ضربته ذكرى والدته وهي تعاني في الطرقات وحدها، ذكراها وهي تبكي كل ليلة على ما اضاعته، يسامحه ويشهد الله أنه لا يحمل له في قلبه كره فهو يبقى والده تحت أي ظرف، لكنه لا يستطيع أن يسمح له بالتواجد في حياته، لا يستطيع، هو سامحه وكان ذلك أقصى ما استطاع تقديمه...
وفي النافذة كان انطونيو يشاهد ما يحدث ببسمة، سعيد أن شقيقته الحبيبة وجدت من يتفهمها وتتفهمه، اطمأن لوجودها مع ذلك الشاب، هو يومًا لم يكن ليجد من يناسبها بمقدار ادهم ...
خرج من شروده على صوت طرقات خفيفى لطيفة على الباب، تحرك صوب الباب ليفتحه، لكن لم يجد أحد، رفع حاجبه قبل أن يقع نظره على ما استقر أمام أعتاب غرفته .
ومن داخل المرحاض كانت روما قد انتهت لتنادي انطونيو حتى يحضر لها ثيابها، لكن لاشيء ...
انطونيو لا يجيب، لذا ارتدت روما ذلك الرداء المخصص للمرحاض وهي تخرج منه مندفعة بتعجب :
" انطونيو لِمَ لا تجــ"
وقبل أن تكمل كلماتها توقفت في مكانها تراقب بدهشة انطونيو يجلس ارضًا أمام الفراش وأمامه حقيبة كبيرة من الحلوى وقاسم الذي كان يتناول الحلوى بكل لطف ..
تحركت صوبهم روما ببسمة غير مصدقة لما تراه تسمع صوت انطونيو الذي خرج خافتًا حنونًا :
" حسنًا ستكون هذه هي الاخيرة، وبعدها لن افتح لك المزيد من الحلوى، أنت يا صغير تتناول الكثير والكثير من تلك المأكولات، سأفكر جديًا في اخذك لفحص طبي غدًا والتأكد أن تلك الحلوى لا تسبب لك ضررًا، ما هذا بالطبع تسبب لك الضرر، اراهنك أن جميع اسنانك الصغيرة أصبحت مسوسة"
ابتسم له قاسم دون أن يفهم كلمته، يجلس كما يجلس انطونيو بالضبط وكأنه يحاول تقليده، يتناول من يده قطعة الحلوى مانحًا انطونيو بسمة سلبت الباقية المتبقية من عقله وهو يجذب الصغير بين أحضانه ينكب عليه بالتقبيل:
" يا ويلي ما كل هذه اللطافة، أنت يا صغير ستوقف قلبي من لطافة وجهك "
اتسعت بسمة روما بشدة وهي تراقب ما يحدث تتأكد أن زوجها سيكون اجمل أب في العالم، من كان يتوقع أن ذلك المتسطح ارضًا يتحدث مع طفلٍ صغيرٍ بجدية وكأنه يفهمه، هو نفسه انطونيو التي تهتز له الأبدان خوفًا من نظرة واحدة، هذا الرجل يعاني بالتأكيد انفصامًا ...
فجأة ارتفع صوت الصغير وهو يشير لأحد الجهات مرددًا ببسمة :
" روما "
نظر انطونيو حيث يشير ليجد روما تحدق بهما في حنان كبير، لكن كل ما أثار انتباهه هو أنه نطق اسم روما وتعرف عليها :
" هييه يا صغير تعرف روما أيضًا ولا تعرفني ؟! هيا قل لي ما هو اسمي ؟! هيا قل انطونيو "
ضحك قاسم وهو يداعب وجه انطونيو بمرح لتتعالى ضحكات انطونيو قبل أن يتوقف فجأة يردف بصرامة مصطنعة :
" لا لا يا سيد قاسم لن تخدعني بتلك الحركات اللطيفة، هيا قل طوني، طوني "
وقد كان له ما أراد فاخرج الصغير همسة باسم انطونيو لكن مع تخفيف حرف ( الطاء ) ليخرج منه ( توني) ...
تأوه انطونيو بسعادة وكأنه نال للتو الجائزة الكبرى :
" هييه روما انظري لذلك الصغير لقد نطق اسمي، يا ويلي قلبي سيتوقف من هذا الصغير، أنا لا اعلم كيف سأعيش من بعده، أنا أريد طفل لي يبقى جواري للأبد روما، متى ستأتين لي بصغيري ؟؟"
تحركت روما وجلست جوارهما تأخذ قطعة من الحلوى تقضمها باستمتاع :
" لا ادري حقًا لقد مللت من هذا كله وأريد أن أخرج الصغير، وكدت افعلها لولا ذلك اللئيم آدم"
نظر لها انطونيو ثواني قبل أن تتعالى ضحكاته الصاخبة في المكان بأكمله وشاركه بها الصغير الذي كان يضحك وهو يتناول الحلوى وروما ترمقهما بحب كبير ...
________________
انتهى الطبيب من فحص مارتن تحت نظرات الجميع الذين كانوا متحفزين بشكل مخيف كما لو أنهم ينتظرون إشارة بدء معركة ما، وهذا وضع الطبيب تحت ضغط بعدما خاف وبشدة من اخبارهم أن يُفرغوا لأجله الغرفة حتى يفحص المريض بشكل جيد ..
" حسنًا لا أعتقد أن هناك كسر باضلاعه، لكن من أجل التأكيد سيخضع لأشعة على الصدر، سوف تأتي الممرضة بعد قليل لاصطحابه إلى غرفة الاشعة "
انتهى من حديثه وهو ينظر للجميع الذي كان يبدو عليهم عدم الاقتناع بتلك الكلمات، لكنه لم يقل كلمة أخرى سوى أنه أشار له بافساح الطريق :
" هل يمكنني الخروج ؟! رجاءً"
خرجت آخر كلمة منه خافتة مستجدية ليسمع صوت أحدهم والذي كان فبريانو :
" ماذا أنت لم تعطه أدوية بعد، لقد كان يتألم"
عدّل الطبيب من نظارته وهو يقول بجدية :
" سوف افعل، لكن بعد الأشعة سيدي، هل يمكنني الرحيل ؟!"
أوقفه مارسيلو وهو يقول بتفكير :
" هل يمكنه العودة للمنزل اليوم ؟؟"
" سوف أقرر ذلك بناءً على نتائج الأشعة سيدي "
تركه مارسيلو ليتحرك الطبيب صوب الخارج، لكن فجأة تحدث جايك بجدية كبيرة وهو يشير للطبيب :
" مهلًا هـ"
لكن توقف عن الحديث بسبب، ركض الطبيب بسرعة للخارج وكأنه يهرب من وحشٍ مرعبٍ...
بينما تحدث جايك بتعجب :
" كنت سأسأله عن طريق المرحاض ..."
سمع الجميع صوت تصفيق يعلو في الأجواء تبعه صوت جولي الحانق :
" والآن يا سادة هيا إلى الخارج لينال مارتن قسطًا من الراحة "
نظر الكل لبعضهم البعض ولم يجب أحدهم بكلمة ليعلو غضب جولي وهي تضرب الأرض بقدمها، تتحرك صوب الجميع دافعة إياهم للخارج تحت نظرات البلاهة التي تعلو وجوههم :
" هيا دعوا الرجل يتنفس"
وفي خلال ثواني كانت جولي قد دفعت من دفعت الخارج والباقيين خرجوا بواسطة زوجاتهن اللواتي اشفقن على جولي من المحاولة مع كل هؤلاء .
وها هي واخيرًا الغرفة أصبحت فارغة إلا من جولي ومارتن، تنفست بصوت مرتفع قبل أن تستدير لمارتن تنظر له بحزن لأجل ما يعانيه.
رفع مارتن ذراعيه لها وهو يقول بحب :
" اقتربي بينة العينين اشتقت لضمك"
اقتربت جولي منه ببطء تنظر لصدره بقلق :
" لكن مارتن الطبيب قال ألا..."
" اششش هيا اقتربي ولا تهتمي لشيء "
صعدت جولي للفراش جوار مارتن الذي ضم جسدها بحنان له يدرك جيدًا مقدار خوفها خلال تلك اللحظات السابقة، كان يستمع لنبرتها الباكية التي منعتها بصعوبة خلال حديثها، يدرك قلقها عليه، لذلك تجاهل تمامًا أي وجع به ولم يهتم سوى بوجعها هي :
" مالي اراكِ حزينة جولي ؟! لم أعتد على ضبابية عينيكِ الحبيبة، أعتدت عليها صافية حبيبتي "
نزلت دموع جولي وهي تستند برأسها على ذراعه متجنبة تمامًا صدره :
" لقد كاد قلبي يتمزق حزنًا لسماع تأوهاتك ورؤية ما حدث مارتن، هذا يؤلمني"
" آسف جولي، أنا بخير، وها هو الطبيب أكد لكِ ذلك "
همست جولي بوجع وبقايا خوف مما عانته في الساعات الماضية :
" لكنك كنت تتألم مارتن"
قبّل مارتن خصلات شعرها بحب ويده تتحرك :
" ليس بقدر ألمي الآن وأنتِ تبكين بين ذراعي، حبيبتي هذا الأمر مقارنة بما عانيت سابقًا لا يُعد شيئًا عظيمًا، لقد تعرضت لإصابات أخطر من هذه مئات المرات، إصابات كدت أفارق بها الحياة، لكن ها أنا الآن أضمك بين ذراعي وارتشف حنانك كيفما شئت، ثم اوليست هذه رغبتك أن يكون زوجك رجل مخاطر ومجرم كبيرء وهذا ما يناله المجرمون "
ابتسمت جولي تستكين لهمساته الحنونة التي يرددها على مسامعها وكأنها تهويدة حنونة، ذلك الرجل كتلة جنان لن تر في حياتها من هو بمثل حنانه ولطفه، مارتن صاحب القلب الذهبي:
" إن كان هذا سيتكرر، فلم اعد أريدك أن تصبح مجرمًا، أريدك مارتن فقط "
همست بصوت ناعس تستنشق أنفاسه بحب، ومن بين كل تلك الأفكار لم تشعر جولي بتلك الغيمة التي سحبتها بين طياتها لتسلم للنوم بين ذراعيه...
تنهد مارتن براحة وهو يبتسم مستقبلًا نهاية اليوم بسعادة، نهاية مثالية ليوم كهذا، ورغم ما حدث له، يكفيه أنها بين أحضانه تستكين ...
_____________________
خرجت من المرحاض المتواجد في المشفى حيث يتعالج مارتن، كانت ترفع يديها المبللة في الهواء تبحث بعينها عن زوجها حيث تركته أمام باب المرحاض ...
وبمجرد أن ابصرته مدت يدها أمامه تقول بهدوء :
" اعطني محرمة لاجفف يدي ووجهي، فقد فرغت المناديل من الداخل"
أخرج جاكيري منديل قماشي من جيبه، ثم أمسك يد رفقة يجففها بحنان كبير، ثم بدأ يجفف وجهها بلطف ورفقة تبتسم من أسفل المحرمة حينما بدأ يحيد جاكيري عما يفعل ويداعب وجهها ضاحكًا بلطف، أمسك بطرف أنفها لتنطلق ضحكات رفقة مبعدة يده :
" هيييه توقف عن اللعب ولنعد حيث الجميع "
ابتسم لها جاكيري، ثم سار معها بهدوء شديد يحمل هاتفه وعينه مثبته على شاشته باهتمام شديد جذب انتباه رفقة التي قالت بفضول :
" ماذا تفعل ؟!"
نظر لها بعدم فهم لثواني لتشير رفقة عينها على الهاتف ليرفع جاكيري الهاتف بكل بساطة أمام عينيها مرددًا:
" اطمأن انطونيو على مارتن، فهو قلق ولم يستطع القدوم وترك روما وحدها ."
هزت رفقة رأسها بتفهم، ثم مدت يدها للخلف تلملم خصلات شعرها في رابطة مطاطية من تلك التي أحضرها لها جاكيري سابقًا لتجد صعوبة في الأمر مما جعلها تزفر بحنق تحركت حتى توقفت أمام جاكيري فجأة تمد يدها له بالرابطة المطاطية مرددة بدلال :
" هيا جاكي ساعدني هدفي ربط خصلات شعري تلك "
أمسك جاكيري منها رابطة الشعر ينظر لها ثم لشعرها :
" لكن هذه صغيرة رفكة، لا اعتقد أنها ستلملم خصلاتك كلها "
استدارت له نصف استدارة تتشدق بعدم اهتمام :
" لا هي ستفعل، دائمًا تفعل، هيا هيا "
وضع جاكيري الرابطة بين أسنانه، ثم أخذ يجمع خصلات رفقة بين يديه بحنان شديد وحب، يعيش اسعد لحظاته الآن وهو يغلغل يديه بين شلالتها السوداء الساحرة، ويبدو من حركات يد جاكيري أنه نسى ما كان عليه فعله واندمج في تمشيط خصلاتها بأصابعه، وصوت ضحكات رفقة يتعالى شيئًا فشيئًا تشعر بدغدغة ممتعة ..
لكن قاطع كل ذلك صوت ذكوري؛ صوت لم يكتفي بقطع تلك اللحظات اللطيفة بين الاثنين فقط، بل ساهم في تكدير مزاج جاكيري في ثواني وهو يستمع لاسم زوجته يخرج من فم ذلك الرجل بحنين ونبرة تحبيبة رغم عدم فهمه لكلمة واحدة منه ...
" مش معقولة....رفقة ابراهيم ؟؟"
رفعت رفقة عينها بتعجب صوب ذلك الصوت المألوف لتتعرف على صاحبه الذي بمجرد رؤيته حتى انقلبت ملامحها للنقيض تمامًا مرددة بسخرية :
" غالي ؟! اهلًا "
" مش مصدق بجد الصدف، عاملة ايه والدنيا عاملة معاكِ ايه ؟؟"
نظرت له رفقة ثواني تحاول التحلي بلياقة مقابل ذلك الشاب الحقير الذي كان سابقًا رفيقها أثناء دراستها للايطالية قبل أن يتسبب لها في العديد من المشاكل لكي ينفرد بصدارة القسم، ويحصل على منحة تعليمية، فقد كانت رفقة هي المنافسة الاولى له؛ لذلك فعل المستحيل ليزيحها من طريقة وقد كان ..
" شوف الدنيا يا اخي أوضة وصالة "
" أنتِ بتعملي ايه هنا ؟! أنا جاي مع وفد عربي لحضور مؤتمر طبي في قاعة المستشفى دي، اصل انا بقى بقيت رئيس قسم الترجمة في شركة مـ"
قاطع حديثه جملة رفقة التي شعرت بالحقد يملء قلبها، دون شعور منها شعرت بالغضب، بسبب ذلك المتبجح أمامها بمنصبه الذي ناله بكل خسة :
" مبروك يا غالي، استمر "
وقبل أن تلتف لجاكيري حتى تخبره أن يتحركا، كان جاكيري يجذب شعرها بخفة نحوه حتى أمسك بكتفها معيدًا إياها للخلف مشرفًا على ذلك الـ " غالي " بطوله الكبير مقارنة بالاخير :
" لم نتعرف "
نظر له غالي بحاجب مرفوع قبل أن يتشدق بإيطاليا منمقة بشكل كبير :
" غالي بطرس مترجم مصري "
أمسك جاكيري يده بقوة جعلت رفقة تسمع صوت تحرك عظامه وصوت جاكيري يهتف ببسمة سوداوية :
" جاكيري فوستاريكي قاتل ايطالي "
شعر غالي لثواني أنه سمع بشكل خاطئ، هل يعقل أن خبرته في اللغة خانته :
" تشرفت سيد جاكيري"
تجاهل غالي جاكيري وهو يمد رقبته لرؤية رفقة والتحدث معها ببسمة استفزت كل خلية بخلايا ذلك الوحش الكامن بينهما في محاولة بائسة للسيطرة على غضبه :
" مين الراجل ده يا رفقة ؟! ده واحد من الدكاترة اللي جايين المؤتمر ؟؟ أنتِ اتوظفتي في شركة ترجمة هنا؟! و..."
وقبل أن يتم جملته صرخ غالي برعب يشعر بجسده يندفع بقوة مجهولة صوب الجدار الأقرب منه، ثم يرتفع عن الأرض بشكل جعل يولول كما النساء، وجاكيري يضغط بيده على جسده :
" إياك وأن توجه كلمة واحدة لها، تلك المرأة هنا زوجتي أنا، أي لا يحق لك حتى أن ترفع عينيك هذه بها، هل فهمت ؟!"
شعر غالي برعب ليحرك قدمه بجنون يحاول الإفلات منه :
" أنت أيها الهمجي دعني، اقسم أنني سأخبر الشرطة عنك إن فعلت لي شيئًا "
ازدادت حدة عين جاكيري لتقرر رفقة التدخل متحسسة ذراع زوجها بحب :
" هيييه جاكي، دعك من هذا الاحمق ولنعد حيث الجميع "
نظر لها جاكيري بشر هامسًا :
" لم تعجبني نظراته لكِ، لقد كانت عينه تمر عليكِ باكملك، تبًا له سأقتله وبيدي هاتين"
" هو احمق اقسم لك دعك منه حبيبي "
نظر لها غالي يتحدث بتعجب :
" هو فيه ايه ؟! هو الجدع ده مجنون ولا ايه ؟؟"
اشتدت أعين رفقة بغضب :
" مجنون ؟! تصدق أنك تستحق اللي بيعمله فيك "
لم يهتم بها غالي الذي ابصر بعينه رجل يقف قريبًا منهم ليصرخ باستنجاد شاعرًا بيد جاكيري تشدد الخناق حوله:
" النجدة سيدي، اطلب الأمن رجاءً هذا الرجل مجنون "
لكن ذلك الرجل لم يُحرّك ساكنًا، بل كان يتناول رقائق البطاطس بكل برود وهو يراقب ما يحدث بملامح جامدة، ولم يكن ذلك الرجل سوى فبريانو الذي ابصر ما يفعل ابن عمه أثناء عودته من المطعم لشراء بعض الطعام لزوجته .
شعر غالي بشيء خاطئ وهو يرمق ذلك الرجل :
" سيدي ساعدني ارجوك سوف يقتلني "
لكن فبريانو لم يتحدث بكلمة أو يفعل شيء سوى استكمال أكله لما في يده، بينما جاكيري اقترب من غالي هامسًا بشر :
" إياك أن أراك تقترب من زوجتي مرة أخرى سمعت، وإلا وقتها لن أضمن لك أن أكون كريمًا لدرجة تركك حي "
هز غالي رأسه برعب قبل أن يشعر بجسده يتحرر من قيود جاكيري وقبل أن يخرج نفس اضافي من أحدهم كانت اقدام غالي تهرول بعيدًا صارخًا برعب ...
" النجدة هناك مختل طليق "
نظر جاكيري لاثره يضم رفقة له بتملك شديد وعينه ما تزال تطلق شرارًا، ورفقة تضم ذراعه مستندة عليه برأسه في حب ...
وفبريانو مازال مستمرًا في تناول الطعام بكل برود قبل أن يعلو رنين هاتفه برسالة من آدم ....
______________________
بعد ساعات قليلة من كل ذلك :
ولج الاثنان لبهو المنزل للبحث عن ذلك الصغير الذي يستغل أي فرصة للاختفاء، كانت هالي تنفخ بغيظ كبير من تصرفات ابنها، بينما ادهم يحاول تهدئتها :
" اهدي يعني هيكون راح فين، هتلاقيه هنا ولا هنا، وهو شاطر وبيرجع لوحده "
إجابته هالفيتي بسخرية كبيرة :
" والله يا أدهم المشكلة مش في أنه هيرجع، المشكلة أنه بيرجع بمصيبة، يعني الحصان اللي طربق الليلة فوق دماغ الكل من شوية ده سببه ابنك اساسا "
رمقها ادهم بعدم تصديق، يعتقد أنها تبالغ، فصغيره اللطيف لا يفتعل أي مشكلات، ذلك البرئ لا يمكن أن يكون المتسبب فيما حدث
" حرام عليكِ يا ام فتحي، أنتِ بتظلمي الولد ليه كده ؟! هو يعني ذنبه ايه الحصان هو اللي خرج لوحده "
عادت هالفيتي حيث يقف زوجها بعدما كانت قد سبقته في السير تقترب منه هامسة:
" حرام عليا ؟! أدهم حبيبي ابنك هو اللي خرج الحصان، ده من قبل ما الحصان يظهر كان عمال يقولي حصان كبير وهو خايف، هيكون عرف منين أنه حصان كبير ضرب الودع ولا شم رائحة الحصان في الجو، اقطع دراعي أما كان هو اللي خرجه "
لم يقتنع ادهم بحديثها ومازال طفله يُمثّل له تلك الصورة البريئة التي عهده عليها، ولم يدرك أنه منذ وطئت اقدام الصغير ذلك المكان وعرف عائلة زوجته وقد وجد المحفز ليخرج ما بداخله مما ورث من تلك العائلة .
كانت هالفيتي تدور حول نفسها، تبحث أسفل الارائك التي تستقر في البهو، وادهم يبحث بعينه كذلك عن صغيره قبل أن ينتفض الاثنان على صوت اغاني عالي قادم من الأعلى، كان الأمر ليكون عاديًا لو كانت تلك الأغنية أي شيء عدا تلك الموسيقى المصرية الصاخبة ( المهرجانات ) ..
الاصوات تزداد صخبًا تزامنًا مع تزايد صوت حركة في الطابق الثاني، وصوت قفزات قوية تكاد تحطم السقف أعلى رؤوسهم .
نظرت هالفيتي لادهم بريبة تهمس أثناء تضييق عينها :
" اقطع دراعي أما كان ابنك هو اللي عامل المولد اللي فوق ده "
زفر أدهم بحنق يتحرك صوب الطابق الثاني :
" هو دراعك ده متعبك في حاجة ؟! اصل كل شوية اقطع دراعي، ياستي اقطعيه ومتاخديش ابني حجة، أنا قولتلك ابني المسكين لا يمكن يعمل حاجة غلط او يكون هــ"
قطع حديثه رؤيته لابنه المسكين يقود ذلك الـ " مولد" وهو يقفز في البهو العلوي الذي يتوسط الطابق، وحوله توفيق الذي كان يحمل سماعة صوت متوسطة الحجم على كتفه يتحرك بها يمينًا ويسارًا وسيلين تصرخ بصوت تلاشى بسبب الصوت العالي ...
وأمام غرفة انطونيو كان يقف مع زوجته ونظراته تتحرك بصدمة على ما يفعل الصغير، واليخاندرو يجلس على الأريكة يتجاهل الجميع لا يهتم سوى لحبيب جده الذي كان يصفق لأجله ..
أشارت هالي صوبه والسخرية تزين كلماتها بوضوح كبير :
" اتفضل روح نقّط ابنك المسكين قبل ما يخلص نمرته، ولا اقولك روح حزمه بأي رباط "
في تلك اللحظات وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث وجدوا فجأة جسد يندفع بقوة لمنتصف الساحة ولم يكن سوى جايك الذي وصل لتوه مع الجميع بعدما طمأنهم الطبيب على مارتن ....
ثواني فقط وأصبح الـ " مولد " مكتظًا بالجميع ويبدو أنهم يكملون احتفالات اليوم، حمل جايك قاسم أعلى كتفه وهو يحرك جسده بسعادة بينما قاسم ازدادت حركات يده بحماس اكبر حينما شعر بكثرة المشجعين .
وادهم يقف جوار زوجته يحرك كتفه بسعادة قبل أن يتناسى ما يحدث وهو يهبط لساحة الرقص يحرك يديه بحركات مصرية شعبية حاول قاسم تقليدها، وهالفيتي تراقب ما يحدث بصمت قبل أن تنطلق ضحكاتها بصوت عالي على حركات زوجها الشبابية وهو ينحني بجسده لأعلى وأسفل بينما قاسم يجاهد لتقليد والده .....
في نفس الوقت دخل جاكيري للمنزل وهو يساعد مارتن على الوصول لغرفته دون أن يتحرك بشكل قد يؤلمه أكثر ومن الجهة الأخرى كان فبريانو يسند أخاه، لكن فجأة وبسماع الجميع لصوت الموسيقى ألقى جاكيري جسد مارتن وهو يصرخ بصدمة :
" هل يحتفلون بدوني ؟؟"
صرخ مارتن وهو يسبُ جاكيري، لكن الأخير لم يهتم وهو يصعد الدرج بسرعة كبيرة وخلفه باقي أفراد العائلة الذين أرادوا استكمال الاحتفالات قبل أن يخربها حصان فبريانو ...
ساعد فبريانو اخاه ليصل إلى الطابق الثاني، ثم وضع جسده على الأريكة جوار اليخاندرو، وبعدها وقف يراقب ما يحدث، الجميع يحتفل ويرقص بسعادة...
ابتسم بسمة صغيرة يشعر بروبين جواره تمسك بيده تجبره على مشاركتها الرقص، لكنه فقط اكتفى بضمها له بحب هامسًا:
" لا ارنبي الوردي يكفي رقصًا لليوم "
نظرت له روبين بحنق، ليقبل رأسها بحنان يراقب ما يحدث ...
بينما جميع أفراد العائلة صنعوا حفلة مصغرة أخرى هنا، حفلة بدأت بتوفيق فقط، ثم الصغير قاسم والآن الجميع ..
كانت سيلين في تلك اللحظة تصرخ وهي تكاد تصاب بأزمة قلبية، تراقب كل تلك الاقدام تتقافز فوق سجادها الوثير الثمين؛ لذلك لم تتحمل وهي تنقض على توفيق جاذبة ذلك المسجل تلقيه ارضًا مغلقة صوت الاغاني صارخة بغضب :
" أيها الحثالة انظروا إلى ما تسببتم به باقدامكم القذرة "
توقف الجميع عما يفعل وعم صوت طويل قبل أن يعلو صراخ توفيق الذي قال :
" أنتِ عارفة الراديو ده من سنة كام؟! يعني لو كان حصله حاجة مكانش هيكفيني فيكِ رقبتك يا حيزبونة أنتِ، ياباي عليكِ قفيلة "
نفخ جاكيري بحنق وهو يتجه صوب رفقة :
" تلك السيلين المزعجة، فقط اتمنى لو تنتهي فترة عمرها الافتراضي ونتخلص من ازعاجها "
نظر آدم لاليخاندرو بحنق :
" انظر لها يا جدي هي من تبدأ، ثم تعود وتخبرك أنك لم تحسن تربيتنا "
نهض اليخاندرو من مكانه ملتقطًا جسد قاسم من أكتاف جايك يضمه بحنان لصدره :
" لا بأس آدم أنا كنت ساوقف تلك الحفلة على أية حال، فهي أصبحت مزعجة منذ أتيتم لتغطوا على صغيري الحبيب، اذهبوا للنوم جميعًا فغدًا ينتظركم نهار طويل لبدأ الإجازة كما خطتت لها "
راقب الجميع تحرك اليخاندرو صوب غرفته وبين أحضانه قاسم ليتعالى صوت مايك :
" هل اتوهم أم أن جدك أصبح يعاملنا بشكل سيء "
ضحك مارتن وهو يشير لجولي حتى تساعده في الذهاب لغرفتهم :
" دع جدك الآن ينال كفايته من الصغير مايك، هو لا يهتم بأحدهم بقدر الصغير، واشكر ربك أنه لم يلقي بنا خارجًا واحتفظ فقط بالصغير "
أضاف جايك بريبة :
" ما الذي عناه جدي بـ إجازتنا ستبدأ غدًا كما خطط هو لها ؟؟ هل كل ذلك ولم نكن قد بدأنا إجازتنا بالفعل ؟!"
ضم انطونيو كتف روما له مرددًا بجدية وبسمة غامضة :
" جدك ينتوي على شيء ليس جيدًا على الاطلاق، هو لن يتحدث هكذا من فراغ "
نظر أدهم لهالفيتي وهو يهمس لها :
" خلينا نروح احنا كمان ننام عشان نصحى بدري نشوف جدك عايزنا ليه "
هزت هالي رأسها رافعة إياها للجميع مرددة كلمة بالإنجليزية وقد كانت من ضمن الكلمات القليلة التي تعلمتها من ادهم :
" تصبحون على خير جميعًا"
ردد الجميع بحب وحنان :
" وأنتِ بخير زهرتي"
" تصبحين على خير جميلتي "
احلامًا سعيدة اميرتنا "
نفخ أدهم بغيظ كبير جاذبًا هالفيتي لاحضانه بتملك كبير واعينه تطلق نيرانًا على الجميع هامسًا :
" يارب الرحلة تخلص على خير قبل ما تخلص عليا، مش عارفين يردوا وخلاص لازم يضيفوا لمستهم"
أنهى حديثه متوجهًا لغرفتهم، بينما تحرك الجميع لغرفته كذلك استعدادً للغد حيث توعد لهم اليخاندرو بإجازة مختلفة، وهذا ما لا يسر ....
________________________
وضع جسده على الفراش ببطء وحنان يخالف تعابير وجهه الحادة الباردة طوال الوقت، في نفس الوقت الذي تحركت فيه جولي للاسفل قائلة أنها ستحضر الطعام لزوجها .
جلس فبريانو على طرف الفراش الخاص بمارتن يربت على خصلات مارتن بحنان كبير :
" أنت بخير صحيح ؟؟ لا تتألم ؟!"
منحه مارتن بسمة مُحبة، يمسك يد أخيه مربتًا عليها باحترام كبير وحب:
" لا تقلق أخي أنا بخير صدقني "
نهض فبريانو من مكانه ينظر حوله، ثم مال على مارتن يرفع جسده بحذر قليلًا واضعًا وسادة مريحة خلف ظهره وهو يتحدث بجدية :
" هذا لكي تستطيع تناول الطعام، وحينما تنتهي يمكنك مهاتفتي للمجيء ومساعدتك على النوم بشكل صحيح "
صمت قليلًا يتأكد من وضعية أخيه :
" ام تريد أن اطعمك أنا ؟؟"
ابتسمت مارتن على خوف فبريانو الذي مهما بنى أمامه من تلال لا مبالاة وبرود لن ينجح في اخفاءه :
" لا تقلق فبريانو أنا بخير، عندما انتهي من الطعام سأطلب من جولي مساعدتي، فقط أرتح أنت يا أخي"
نظر له فبريانو بتردد قبل أن يقترب منه مجددًا يقبل رأسه بحنان شديد :
" ستكون بخير صحيح ؟؟"
التفت يد مارتن حول خصره، يستشعر خوف وحنان ولطف اخيه، اخوه الذي لعب دور الأب والصديق والاخ، كان لهم الحامي والسند طوال الحياة، ومهما حاول ادعاء العكس، إلا أن حنانه معه هو وآدم كان واضحًا للجميع، يتذكر جنونه وهوسه في حمايتهم خلال الطفولة بعد وفاة والدتهم، كان كالدجاجة التي تحمي صغارها، فبريانو الذي يكره أن يوصفه أحدهم باللطيف، لكنه لا يستطيع أن يمنع الجميع من رؤية لطفه .
" أنا بخير أخي، سأكون بخير، وإن شعرت بأي شيء ستكون أول من أحدثه"
ابتعد فبريانو عنه مقبلًا رأسه مرة أخيرة بحنان :
" حقًا ؟!"
هز مارتن رأسه في نفس اللحظة الذي سمع بها صوت آدم يقتحم الغرفة مرددًا بجدية:
" خذ هذا مارتن، هذه مسكنات لك إن شعرت بأي وجع خلال الليل، خذ حبة واحدة فقط وانتظر دقائق وسوف تشعرك بالراحة، حسنًا ؟!"
ضحك مارتن يتناول من يد شقيقه الدواء :
" حسنًا حسنًا، أنا بخير اقسم لكم "
نظر له آدم بحنق :
" لا لست بخير، لقد كاد ذلك الحصان الغبي يكسر ضلوعك اخي "
هز مارتن رأسه بيأس، هو لن يتخلص منهم، وهم لن يصدقوا أنه بخير، لذلك فقط اكتفى بهز رأسه:
" حسنًا آدم لن انسى تناول المسكن "
حذره آدم بلين:
" بعد تناول الطعام "
هز مارتن رأسه تزامنًا مع وصول جولي بصينية مليئة بالطعام قائلة ببسمة واسعة :
" لقد أحضرت لك الطعام مارتن "
نظر فبريانو لأخيه ثواني قبل أن يسحب آدم للخارج مكررًا بجدية :
" لا تنس مارتن حدثني إن أردت شيئًا "
ومع هذه الكلمات اغلق فبريانو الباب، ثم داعب خصلات آدم بمشاكسة يشير بعينه صوب اتجاه غرفته :
" هيا يا صغير اذهب للنوم "
ابعد آدم بد فبريانو بغيظ يُعدّل من خصلاته التي افسدتها يده بحنق شديد :
" هييه لستُ صغيرًا "
ضحك فبريانو وهو يقبل رأس آدم قبله حنون :
" بلى أنت كذلك بالنسبة لي وستظل صغيرًا حتى يشيب رأسك وتتساقط اسنانك، هيا للنوم "
أنهى فبريانو حديثه وهو يتحرك صوب غرفته تاركًا آدم يرمقه بغيظ كبير هاتفًا :
" أنا لستُ صغيرًا فبريانو أنا الآن في السادس والعشرين ..."
ضحك فبريانو وهو يدخل غرفته ليجد روبين تنتظره أعلى النافذة مرتدية ذلك الزي الحبيب والمفضل له " ارنبه الوردي "، رفع فبريانو حاجبه متجهًا لها بريبة :
" لم تنامي بعد ؟!"
ربتت روبين على المكان الفارغ جوارها أعلى النافذة متشدقة بحماس :
" مش أنت قولت أنك حابب نسهر زي زمان في الشباك ؟؟"
ابتسم فبريانو لها يخلع سترته السوداء ملقيًا بها ارضًا، ثم تحرك صوب النافذة يتخذ مكانه مقابلها :
" لم اعتقد أنك ستأخذين الأمر على محمل جدي، بل وارتديتي لي ارنبي الوردي الحبيب "
نهضت روبين من مكانها تقف أمامه مرددة بحب وهي تنحني بعض الشيء كما لو كانت تقف أمام ملكٍ ما :
" نحن طوع أوامر سموك سيد فبريانو "
رفع فبريانو حاجبه بريبة :
" حسنًا أنتِ غريبة اليوم بشكل مخيف، هذا المزاج الرومانسي مريب"
نفخت روبين بعدم اهتمام وهي تتحرك للنافذة مرة أخرى تستقر أمامه قبل أن تربت على قدمها في دعوة صامته منها أن يتمدد أمامها واضعًا رأسه في حجرها .
نظر لها فبريانو لثواني بعدم فهم، ليشعر فجأة بروبين تجذب رأسه بقوة لقدمها، ثم أخذت تتلاعب في خصلات شعره بحنان وحب، وفبريانو رغم أنه لا يدري سبب كل ذلك إلا أنه اغمض عينيه في استمتاع واضح بكل تلك اللحظات ...
بينما روبين كل ما كانت تفكر به هي أن تمنحه الحنان بدون مناسبة، تمنحه كل ما تمتلك من حنان، لكم تود أن تمحي كل ما مر به في طفولته، لقد عانى الكثير والكثير مما لا تستطيع تخيله، فما بالكم بطفل صغير، خُطف من طفولته ليُلقى به في غياهب القسوة .
سمعت روبين انتظام انفاس فبريانو لتبتسم منحنية، تقبل جبهته بحب كبير، وبعدها رفعت يديها عن شعره لتتلمس وجهه بحب، لكنه أمسك بيدها متحدثًا دون فتح عينه حتى :
" لا، استمري فيما تفعلين، ذلك يشعرني أنني حي"
تحسست روبين وجنته بحنان، ثم عادت لتداعب خصلاته متسائلة عن مقدار حظها الذي جعلها تُرزق بزوج كفبريانو، ذلك الرجل الذي ينبض بالحب والحنان، الذي يخفي خلف كل تلك الصلابة والصراخ والتصرفات المخيفة احيانًا، طفلًا صغيرًا مازال يخشى المجهول، فبريانو الصغير مازال مسجونًا في تلك الغرفة العفنة مع الاطفال الصغار بين صرخات المغتالين، مازال ينكمش في ذلك الركن البعيد المظلم، يوم حرروه لم يحرروا الطفل، بل تركوا الطفل ينزوي على نفسه في أحد أركان المكان، آخذين نسخة باهتة مخيفة منه، وهي فقط ستعمل على إخراج ذلك الطفل من ظلامه....
" فبريانو تخيل لو هنجيب طفل تحبه يكون بنت ولا ولد ؟!"
صمت فبريانو ولم يصل منه أي رد حتى ظنت أنه نائم، لكنه تحدث فجأة :
" فكرة أن أحصل على نسخة صغيرة منكِ مؤلمة بقدر روعتها، تخيلي أن يكون لدي أميرة صغيرة يلتف حولها بعض الصبية اللزجين وأنا لا يمكنني قتلهم بحجة أنهم اطفال، أنا أشعر بالغضب منذ الآن؛ لكنني ارغب بها فتاة، ثم اريد صبي ليساعدني في الإحاطة بكما وحمايتكما برفقتي "
ضحكت روبين بصوت مرتفع :
" تمام خلينا نتخيل أنه ولد لأجل قواك العقلية، بلاش بنت دلوقتي "
" لا أنا أريد فتاة صغيرة، ارنب وردي صغير لطيف يشبهك، سوف ادللها كيفما اشاء واقضي حياتي ادفع عنها جميع الرجال واقتلهم واحدًا تلو الآخر"
فتح عينه يكمل ببسمة :
" هذا يبدو ممتعًا بالتفكير في الأمر .."
انحنت روبين تقبل وجنته وهي تردد :
" من دلوقتي وانا مشفقة عليها، الحقيقة مشفقة على أي بنت هتتولد في العيلة دي "
" تشفقين عليها ؟! بحق الله روبين هذه ستصبح أميرتي، حري بكِ أن تشفقي على أي رجل قد يقترب منها "
ضحكت روبين وهي تداعب خصلاته بحب :
" بتفكرني بكلام بابا زمان وانا صغيرة "
لم ينتبه لها وهو يكمل بشرود وتفكير جدي :
" سوف اترك عملي وأحضر اسلحتي والتصق بكما طوال الوقت، وحتى إن كان صبيًا سأفعل نفس الشيء اطفالي لن يختلطوا بأطفال الاوغاد الآخرين ابدًا، لا ينقصني سوى أن يفسدوهم "
" هما برضو اللي هيفسدوا اطفالك ؟!"
اغمض فبريانو عينه باستمتاع وقد راقت له هذه الحياة يتمنى أن يأتي طفله باسرع وقت :
" نعم، والآن أكملي ما كنتِ تفعلينه، لقد أحببته "
أكملت روبين مداعبة خصلاته بحب وهو انغمس معها بالحديث حول أمور مختلفة، لم تهتم روبين أي أمور تلك طالما يشاركها فبريانو الحديث عنها ...
________________________
وعدهم اليخاندرو بإجازة مختلفة وقد كان ...
ففي صباح اليوم التالي انتفض الجميع على صوت رنين جرس مرتفع جعلهم يعتقدون أن هناك حريق، كان أول من فاق هو ادهم الذي صرخ برعب يتحرك بعشوائية على الفراش لدرجة أنه أسقط زوجته بشكل جعلها تستيقظ صارخة :
" فيه ايه !! زلزال ؟!"
تحرك أدهم يرتدي أول شيء قابله وقد كان سترة بيضاء بدون اكمام، وبسبب الفزع ارتداها بشكل عكسي، ثم ركض خارج الغرفة يصرخ :
" معرفش حريقة ولا زلزال ؟! هروح اشوف قاسم وأنتِ بسرعة اجري على برة "
فتحت هالفيتي عينها بصعوبة وهي تتحسس المكان حولها بينما عينها تقاوم الاستيقاظ، ورغم الكارثة التي تحدث حولهم، إلا أن ذلك لم يمنعها من اسناد رأسها على طرف الفراش بكسل لتكمل نوم بتعب شديد بسبب سهرة الأمس..
لكن فجأة انتفضت بعنف اكبر بسبب تكرار صوت ذلك الجرس لتمسك حجابها المُلقى ارضًا تركض للخارج وهي تصرخ :
" فيه ايه يا عيال ؟! البيت بيقع ولا هجوم فضائيين ولا إيه ؟؟"
وفي غرفة ماركوس كان يتحرك بسرعة كبيرة ينظر حوله يحاول ارتداء ملابسه بعدما خرج من المرحاض بفزع بسبب ذلك الصوت الصاخب، ارتدى ثيابه ثم خرج بسرعة كبيرة للخارج ليرى ما يحدث، قبل أن يعود مجددًا بعدما نسى فيور، حملها وهو يزفر بضيق شديد :
" تبًا لكِ فيور، المنزل سيسقط أعلى رؤوس الجميع وأنتِ تسستمرين في النوم .."
خرج ليرى الجميع يقف ببلاهة في البهو العلوي
ولم تبصر هالفيتي سوى انطونيو الذي كان يحمل زوجته بين يديه يركض بها على الدرج بسرعة كبيرة، لحق به مارتن الذي تناسى لثواني علته وهو يضم جولي يتساءل عما يحدث :
" بحق الله ما الذي يحدث هنا، هل هذا جاكيري مجددًا، اقسم أن اقتـ..."
وقبل أن يكمل جملته أبصر جاكيري يخرج من الغرفة يفرك عينه بنعاس شديد مرددًا دون أن يستوعب ما يحدث :
" ماذا هل ستكملون حفلة الامس ؟! "
فتح مارتن فمه يفكر إن لم يكن جاكيري هو من يصنع تلك الضوضاء، فمن هو إذن المتسبب بها ؟!
" حسنًا هذا ليس جيدًا "
خرجت رفقة من خلف جاكيري تتمسك به وهي تستند برأسها على ظهره مرددة بنعاس :
" ليه يا جماعة الدوشة دي من على الصبح ؟! "
استدار جاكيري لها يضمها له بحب وهو يفكر في المتسبب في تلك الضوضاء يحاول أن يرى من يمكن أن يشعل احتفالاً وضوضاء منذ الصباح عدا :
" هل هو جايك ؟!"
لكن بعد ثواني وجد الجميع روز تصرخ برعب وهي تخرج من غرفتها تجذب جايك الذي كان يتمتم بحنق وتذمر :
" مهلًا روز أنا لم احصل على قبلتي الصباحية بعد "
استدارت له روز تصرخ في وجهه بجنون :
" احصل عليها في الحياة الأخرى يا احمق "
لوى جايك فكه بحنق وهو يضمها يحاول أن يراضيها :
" مهلًا لا تغضبي، أنا فقط افكر إن كنا سنموت الآن، أليس من الرائع أن نموت بعدما احصل على قبلتي ونموت سويًا بين احضان بعضنا البعض؟! اوليس هذا رومانسيًا كهؤلاء الذين غرقوا في تايتنك "
رفعت روز حاجبها ترى أن حالمية زوجها قد تخطت حدود العقل لتهمس بغيظ :
" لا سأخبرك باقتراح افضل، ما رأيك أن نُقتل وأنت ترسمني، فكر في الأمر جايك أنا اقف على أنقاض المنزل وأنت تقف أمامي ترسمني أثناء سقوط صخرة أعلى رأسي ورأسك فنموت كتلك الفرقة العازفة أثناء غرق تايتنك "
فتح جايك فمه بانبهار من تلك الفكرة :
" لا أمانع هذا يبدو رائعه أيضًا "
" حسنًا هلّا اخبرني أحدكم ما الذي يحدث هنا عدا أن جايك جُن بالكامل "
كان هذا صوت آدم الذي خرج للتو يحاول معرفة سبب ذلك الرنين الذي لا يتوقف، في نفس اللحظة التي خرج بها فبريانو بحنق وبرود ومعه روبين التي كانت تفرك عينيها تحاول أن تستوعب ما يحدث منذ الصباح، أخرج فبريانو سلاحه وهو يردد :
" ربما هذا هجوم ما، أحضروا اسلحتكم"
وفي الغرفة حيث مارسيلو كانت راسيل تحاول النهوض والركض، لكن مارسيلو يقيد جسدها بقوة رافضًا أن يدعها وشأنها، لا يعي بما يحدث حوله ..
" أنت أيها الكسول إن أردت الموت فافعل وحدك ودعني اهرب أنا "
لكن مارسيلو لم يهتم بما تقول وهو يُشدد يديه حولها مرددًا بصوت ناعس:
" في جميع الأحوال سنموت حبيبتي، لذلك دعينا نكمل النوم، فما افضل أن تموتي وأنتِ نائمة"
في الاسفل حيث وصل الجميع عدا مارسيلو وراسيل وجدوا اليخاندرو يحمل قاسم فوق اكتافه وقد كان يرتدي زي راعي الأبقار، واليخاندرو يقف جوار سماعة الصوت الضخمة التي أحضرها جاكيري سابقًا يردد ببسمة بعدما اوقف الصوت الصاخب :
" حسنًا هذه الآلة الضخمة مفيدة في شيء غير حفلات جاكيري "
كان البعض يرمق اليخاندرو بأعين ناعسة متسائلة والبعض الآخر بأعين متذمرة حانقة ..
تحدث انطونيو ينظر حوله بتعجب :
" جدي ما هذا ؟! لِمَ ايقظتنا بهذا الشكل ؟؟"
نظر اليخاندرو لساعة يده قائلًا بجدية :
" انتظرت أن تستيقظوا وحدكم، لكن يبدو أنكم لن تفعلوا قريبًا، لذلك قررت أن اتطوع أنا وأفعل "
" الساعة السابعة صباحًا ؟! حقًا جدي؟؟"
أردف آدم بغضب حاول لجمه، بينما رأس هايز سقطت على كتفه تمتم بحنق أثناء نومها ..
لكن اليخاندرو تجاهل هذا كله وهو ينظر لقاسم الذي كان يجلس فوق كتف جده سعيدًا، يرمق الجميع من الاعلى :
" حسنًا هذا لأننا اليوم تحديدًا سنبدأ في إجازتنا كعائلة متعاونة، وسوف يتولى كلٌ منكم مهمة تخصه "
حرّك فبريانو عينه بين الجميع ينتظر أن يتحدث أحدهم معترضًا على تلك الكلمة الغريبة التي خرجت من فم جدهم، وقد حدث حينما تحدث توأمه الحبيب بما يدور في خلده :
" متعاونة ؟؟ نحن ؟!"
وافق فبريانو جاكيري الحديث :
" جدي نحن عائلة تعيسة كسولة مخيفة، أي شيء غير متعاونة، انظر إلينا هل رأيتنا يومًا نتفق أو نتعاون على شيء، جدي حتى القتل كنا نتشاجر على من يبدأ اولًا"
لم يهتم بهم اليخاندرو وهو يقول متفحصًا الجميع :
" أين ذلك الكوالا الكسول، ليصعد أحدكم ويوقظه "
فرك مايك خصلات شعره بتعب يراقب لورا التي كادت تسقط أكثر من مرة أثناء وقوفها :
" هل هذه إحدى المهمات التي سنتولاها ؟! إن كانت كذلك فأرجوك دعني خارج الموضوع "
تحدث ماركوس بحنق كبير :
" لا بأس أنا سأذهب لاحضاره، لكن جدي أي نوع من التعاون والمهمات تقصد ؟!"
ابتسم اليخاندرو ينظر للاجساد أمامه البعض منهم يرتدي ثيابه بشكل معكوس والبعض لا يدرك حتى ما ارتدى، والبعض الآخر يملئه الفضول لما سيحدث ..
مر اليخاندرو أمامهم بشكل جعلهم يشعرون كما لو أنهم في الجيش أو ماشابه وهو رئيس الكتيبة الذي يتفحصهم ..
" لقد صرفت جميع الخدم، والمزارعين واعطيتهم إجازة تنتهي بعد رحيلنا عن المزرعة، ولأجل تعزيز الروابط في اسرتنا العزيزة، سوف نصنع كل شيء بأيدينا ومعًا، وأقصد بكل شيء، كل شيء ."
صمت يراقب ملامح التشنج التي علت اوجه البعض وملامح الحنق التي علت اوجه البعض الآخر، ليكمل دون اهتمام :
" انطونيو وماركوس وفبريانو وادهم سوف يهتمون بالحظيرة وبتنظيفها جيدًا، جايك وجاكيري ومايك سوف يتولون حصد الثمار من الاشجار لصنع الطعام، مارتن والاحمق مارسيلو وادم سيتولون اعمال تجديد الملحق الخارجي للمزرعة، بينما النساء سيتولون جميعهن أمور الطهو وما يخص المنزل، أنا ساشرف على الرجال بينما النساء ...."
صمت يشير لإحدى الجهات حيث خرجت سيلين وهي ترتدي ثياب رسمية وكأنها ذاهبة لمقابلة عمل أو ما شابه تسير بكبرياء وقرع عصاها يرن مستغلًا صمت المكان ...
" النساء أنا من سيتولى الاشراف عليهن "
تمتم جاكيري بسخرية لاذعة :
" حسنًا لا بأس على الأقل لن تصبح سيلين مشرفة عليّ"
ابتسم اليخاندرو يشير للجميع بسعادة كبيرة لرؤيته جميع عائلته تحيط به بهذا الشكل :
" حسنًا لنبدأ اولًا بتناول الفطور وبعدها نبدأ العمل "
ابتسم جايك بسعادة وهو يضم روز له :
" نعم لنتناول الفطور اولًا فأنا لا يمكنني العمل على معدة فارغة "
" جيد، اذهبوا إذن لإحضار ما يلزم لصنع الافطار، فأنا تبرعت بكل ما كنا نملكه في ثلاجة المزرعة ونحن الآن لا نمتلك شيئًا صالح للأكل في المزرعة، عدا قاسم "
أنهى حديثه وهو يسحب جسد الصغير من أعلى كتفه يضمه له مقبلًا إياه بقوة جاعلة الصغير يضحك بقوة ..
نظر أدهم بحنق لما يحدث :
" جايبانا من آخر الدنيا عشان اتبهدل يا ام فتحي، دي اخرتها ؟! ابنك يتدلع وانا أخد على قفايا "
ضحكت هالفيتي:
" تعيش وتاخد غيرها يا ابو قاسم "
" متعصبنيش، اسمه فتحي "
ضحكت هالفيتي بصخب متشفي :
" يا خويا يعني فتحي هو اللي هيخفف مرمطتك ؟! كده هتتمرمط وكده هتتبهدل "
كان جميع الاحفاد ينظرون لما يفعل الجد مع قاسم وملامح الحنق والتذمر تملأ الوجوه، ليعلو صوت ماركوس مرددًا بغيظ:
" هل أنا مخطأ أم أن جدك تكبد عناء تلك الرحلة لأجل جعلنا خدم عند الصغير ؟؟"
ربت مايك على كتفه يهمس بسخرية:
" لا تتوهم يا أخي هذا صحيح، يا ليتني كنت طفل صغير لكنت جلست واضعًا قدمًا فوق الأخرى واجعلكم تعملون لدي كما العبيد "
أزاح ماركوس يد أخيه بعنف عن كتفه وهو يسبه سبة نابية بصوت هامس جعلت ضحكات مايك تعلو ..
بينما مارتن نظر لجده بتذمر يشير لصدره:
" وكيف اعمل أنا ؟؟ لقد أمرني الطبيب بالراحة "
فكر اليخاندرو ثواني ثم قال :
" نعم نسيت الأمر، إذن ماركوس سيأخذ مكانك في وأنت استرح ريثما يتم شفاءك "
همس مايك بحسرة :
" يا ليت الحصان ضرب صدري أنا، لكنت جلست واضعًا قدمًا فوق الأخرى واجعلكم تعملون لدي كما العبيد "
وقعت عينه فجأة على سيلين التي كانت تجلس بكل راحة وكبرياء أعلى الأريكة ليدمدم بتذمر :
" ليتني كنت سيلين لكنت جلست واضعًا قدمًا فوق الأخرى واجعلكم تعملون لدي كما العبيد "
دفعه انطونيو بحنق وهو يصرخ في حنق :
" أنت ما مشكلتك بحق الله، اقسم إن لم تتحرك لتتحملن عملي وعملك وانا من سيجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى واجعلك تعمل كما العبيد "
تحركت هالفيتي صوب جدها تستغل دلالها ومكانتها عنده :
" بس انا يا جدو تعبانة، ولسه حزينة ومش قادرة اعمل حاجة لاني out of the mood، تعالى يا ادهم ترجم ليه"
ابتسم أدهم بسمة خبيثة وهو يهز رأسه برفض :
" لا يا حزينة، اتصرفي مع نفسك، عايزة تفلتي وتسيبيني اتعك مع عيلتك ؟؟"
شعر ادهم بيد توضع على كتفه وصوت بارد يردد :
" مالها بقى عيلتها ؟!"
نظر أدهم حيث فبريانو الذي كان يمنحه بسمة مستفزة باردة :
" عيلة مزعجة الحقيقة يعني، ومتزعلش مني نصكم مرضى نفسيين، والنص التاني دماغه تعبانة، يعني مثلا واحد جه يقولي تعالى افرجك على فيديو للبنت وهي بتصرخ من الرعب ؟؟"
ضيق فبريانو حاجبيه بعدم فهم :
" مين اللي قالك كده ؟!"
أشار أدهم صوب جاكيري الذي كان يختلى برفقة جانبًا يتحدث معها :
" الجدع اللي اسمه جاكيري هناك، يرضيك يعني يا اخ أنت حد يتصرف بالشكل الغير آدمي ده ؟! ايه مفيش احساس مفيش دم ؟؟"
استدار فبريانو صوب جاكيري فجأة يقول بحنق وغضب راكضًا نحوه :
" جاكيري أيها الحقير هل صورت تلك الحمقاء ليزا ولم ترسل لي الفيديو ؟!"
فتح ادهم عينه بصدمة وهو يتراجع للخلف وقد تأكد الآن أن تلك العائلة مختلة بالكامل، نظر صوب هالفيتي التي كانت تمسك هاتفها تستمتع لتلك الجملة الإيطالية التي تريد أن تخبر بها اليخاندرو :
" ام فتحي، يلا نروح بيتنا، عيلتك بتاكل بني ادمين"
نظرت له هالفيتي بتعجب :
" بتاكل بني ادمين؟! بطل افورة شوية يا ادهم، ده مفيش في حنيتهم وطيبة قلبهم، والله دول زي الملايكة مشوفتش امبارح عملوا ايه عشاني، بزمتك فيه عيلة طيبة وحنينة كده ؟!"
أنهت حديثها في اللحظة التي أسقط بها فبريانو جاكيري ارضًا بعنف يحاول سلبه هاتفه بالقوة بينما جاكيري يقاوم بعناد :
" قلت لن اعطيك إياه، أنت لا ترسل لي شيئًا "
رفع ادهم حاجبه وهو يرمق زوجته ببسمة متهكمة مستنكرة لما قالت وما رأى لتتسع بسمتها بحنق أكبر:
" هزار رجالة أنت عارف هزار الرجالة غبي، بس والله طيبين و..."
وقبل أن تكمل كلمتها كان جاكيري يلكم فبريانو لكمة عنيفة مسقطًا إياه ارضًا بقوة منتزعًا منه هاتفه :
" تبًا لك لن تحصل عليه إلا على قبري يا احمق "
نهض فبريانو وهو ينظر لجاكيري بشر :
" حسنًا هذا سهل "
وفي ثواني كان الاثنان يركضان للخارج بسرعة كبيرة وفبريانو يحمل أي شيء يقابله ملقيًا به على جاكيري وصوت ضحكات جاكيري يرن في المكان بأكمله ...
نظر أدهم لصغيره الذي كان يتناول قطعة حلوى صغيرة وهو يرمق ما يحدث بانبهار كبير، وكل ما يراه أمامه غير مألوف البتة ..
" بدأت اصدق أن ابنك هيبقى هجّام مع عيلة جدك "
_________________________
في نفس الوقت وفي إحدى الاماكن الزراعية التي تنتشر حول المزارع في تلك المنطقة، كان هناك سيارة تسير على الطريق بسرعة مخيفة وكأن هنا اشباح تطاردها ..
الأنفاس داخل السيارة عالية، وأصوات خفات القلب تكاد تنافس صوت محركات تلك السيارة الصدئة القديمة، بعض التمتمات هي كل ما يمكنك سماعه في السيارة، أربعة رجال يستقرون في مقاعد السيارة والرعب قد احتل ملامحهم ..
همس أحدهم برعب :
" ربما اضعناهم، لا أرى أي أثر لسيارات في الخلف "
خرج تأوه عنيف من ذلك الذي يجاور السائق وهو يحاول تنظيم انفاسه بينما يده تضغط على جرحه بقوة :
" ربما يحاولون خداعنا، اسرع قليلًا "
على صياح قائد السيارة والذي كان أكبرهم من مظهره بينما الباقيين كانوا يبدون في بداية عقدهم الثالث :
" إن لم تصمتوا سوف اقف وألقي بكم أجمعين من السيارة دون أن اهتم، عسى أن تجدكم مجموعة من الذئاب أو يجدكم هؤلاء الاوغاد الذين يلحقون بنا منذ مساء الأمس "
تحدث أحد الشباب في المقعد الخلفي بتذمر ورعب :
" اخبرتكم ألا نفعل كل ذلك، ما كان علينا خداعهم، كان يمكننا أخذ أموالنا والرحيل بسلام، لِمَ أخذنا البضاعة ايضًا، سوف يقطعوننا اربًا ."
تحدث قائد السيارة بخشونة وصوت متوعد :
" أنت أيها الجبان إن لم تصمت سوف أفرع جميع رصاصاتي برأسك الفارغة، هذه ليست المرة الأولى التي نقوم بها بهذا، اخبرتكم ألا نحضر هذا الصغير معنا "
صمت الشاب الذي كان يرتعش ينظر للوجوه حتى وقعت عينه على رفيقه الذي كان قد تلقى رصاصة في ذراعه أثناء محاولة الهرب بعد خداعهم لبعض تجار المخدرات وأخذهم الأموال والبضاعة كذلك ..
" ماذا سنفعل الآن ؟! أخشى أن ينزف جيفون حتى الموت"
أجابه القائد بصلابة يُحسد عليها وكأن من ينزف جواره ليس شقيقه الأصغر :
" لا تقلق سوف نجد أي مكان للاختباء الليلة وبعدها نرى ما يمكننا فعله معه "
ابتلع الشاب ريقه وتوقف عن طرح الأسئلة بعدما رأى ضيق القائد من كثرة أسئلته، لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن الخوف، بل حاول أن يشغل نفسه بأي شيء غير أنهم مطاردون من عصابة مخدارت كبيرة ومرعبة، تلك كانت أول مرة يشترك معهم في هكذا أمر، هو لا يعلم القائد هو فقط رفيق شقيقه وعندما أخبره رفيقه أنه قد يجني ربحًا وفيرًا من العمل معه ومع أشقائه الاثنين، وافق دون سؤال عن ماهية ذلك العمل، هو يحتاج الأموال بغض النظر عن طريقة الحصول عليها ..
ثواني وسمع الجميع صوت القائد يتحدث بغموض :
" انظروا اعتقد أننا وجدنا مأوى لهذه الليلة "
صمت قليلًا ثم أضاف بجدية :
" لننتظر حتى يحل الظلام وبعدها ندخل لذلك المكان ولنرى ما يمكن أن نجد به "
تحركت أعين الثلاثة الآخرين ببطء صوب الإتجاه الذي يحدق به القائد، حتى تستقر لافتة كبيرة خُطت عليها بأحرف ضخمة بارزة
" مزرعة آل فوستاريكي"......
____________________________
رأيكم في الفصل ......
توقعاتكم لللي جاي.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل