الفصل 3 | من 3 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
59
كلمة
1,022
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية زئير الجزء الثالث 3 بقلم رحاب ابراهيم حسن زئيررواية زئير الحلقة الثالثة وبليالي ديسمبر الباردة .. دقت ساعات المطر.

وتحت صفحة السماء التي تلبدت بغيوم رمادية، سار بخطى ثقيلة، مكبلة بقيود لا تُرى تخنق أنفاسه، وروح مكدودة تستغيث للنجاة من هذه الحياة التي استوحشت فجأة، بقلب يئن خلف الضلوع بصمتً مخيف؛ كأنه فقد مسار النبض به، فقد نفضت الحياة من بين يديه بيومٍ واحد جميع الأحلام وكل ما يملك، وانتقل ربيع عمره لخريف شائك .. فتساقطت أوراقه فيه بلا راجعة.

خائف .. وليس على نفسه، أنه خائف أن يفقد بقاياه بوحشية الأنتقام التي نهشت قلبه بلا رحمة، وأفقدته أتزانه، وأرغمت قدماه بالسير على جمر لا ينطفئ.. بطريق بلا عودة. أن خرج للعالم بهذا المسخ الذي سكنه، فلن يرحم أحدا بعدها. لن يرحم أحدًا أبدًا! أخطر ما يمر على المرء من شعور .. أن يفقد السيطرة على لجام نفسه، وتفقده القسوة أنسانيته ورقة قلبه، وخوفه الوحيد يكون على العالم .. من قلبه الذي سقط بين الجمر المتأجج.

_أنا مش عايز أشــوف الواد ده غير ميت، ماهو عيب لما أكون جمال الرشيدي ومعنديش راجل واحد قادر على حتة عيل في سنة تالتة !! ، ليـه هو فاندام ولا هركليز عشان يعلّم عليكوا أنتوا التلاتة كده بسلاحكم ويهرب!

هتف “جمال الرشيدي” بصوتً يشتعل فيه الغضب وهو يقف أمام أهم رجاله وهو “نصـر” بداخل أحد المخازن، ويتطلع “بنصر” ورجاله المصابين والمُلتفة رؤوسهم بالشاش الأبيض المرقع ببقع الدماء القانية .. ولأول مرة يرى “جمال” مزيج مسموم من الأنكسار وشهوة أنتقام عنيفة بعين “نصر” .. والذي صدم بأن هناك من استطاع التغلّب على هذا العملاق الشرس؛ وهوى بهيبته أمام الجميع، واستطرد “جمال” بغيظ وشيء من السخرية اللاذعة:

_رفعت أبو العزم اكيد وصله اللي حصل كله بالتفصيل، ماهو مستحيل ٣ رجالة كل واحد فيهم قد الجدار يضربوا من عيل ويخرجوا من بيته قدام الناس كلها غرقانين في دمهم وهو مايعرفش! وصرخ فيهم “جمال” بعنف وعينيه الداكنتين تنطق بالشر وتابع: _لا وكمان خرج صاغ سليم ما اتلمسش منه شعرة !!

جاتكوا ستين خيبة رجالة عرة مالهاش لازمة .. ما أشوفش وش واحد فيكوا من النهاردة، وأنا هعرف أجيب رجالة بجد ينفذوا، وأجرة الشاش والمستشفى عليا، غوروا من وشي السعادي، غورواا خرج الـ “دغيدي ” وصاحبه بوجه محتقن يقطر غضبًا، بينما ظلّ “نصر” واقفا أمام سيده، وقال بنظرة نارية مما يحشد في نفسه من غضب : _أنا مش زعلان منك يا باشا ومقدر غضبك، بس اللي حصل ده كان صدفة، نصيبه أنه يهرب مني المرادي، بس مش كل مرة هتسلم الجرة.

وتابع “نصر” بنظرة غاضبة رغم نبرته التي تخفي في طياتها طلبا بالصفح : _بلاش طرد يا باشا .. أنت ما ترضهاش ليا برضه، أنا من رجالتك بقالي سنين ومقصرتش في أيتها مهمة أمرتني بيها، نفذت كل اللي أنت عايزه زي الكتاب ما قال، يبقى ما يكونش جزاتي أني أطرد وأبقى مضحكة لرجالة أبو العزم!

نظر له “جمال ” بنظرة ضيقة ماكرة، والتقط لمحة التهديد المُبطنة بحديث نصر، فأنه يعرف عنه الكثير؛ ولا يراهن على صمته بعدما يطرده ويجعله أضحوكة بأفواه الجميع، فزفر “جمال” بحنق وتحدث بنبرة حادة مهددة: _قدامك فرصة واحدة كمان تثبت فيها أنها كانت صدفة فعلًا، وإلا هيبقى اتعلّم عليك لتاني مرة وده مش هقبله، ولو ده حصل ماتجليش وأمشي بكرامتك .. لأنك لو جيتلي أنا اللي هخلص عليك.

قبل “نصر” هذا التحدي الذي أهان كرامته، فبالأخير خصمه ليس سوى فتى مراهق تمكنّ من كسر أنفه أمام الجميع! ، وصمة عار لا يمحوها إلّا الدم، غادر “جمال الرشيدي” المخزن بخطوات كالريح العاصفة. فهتف “نصر” بغضب مخيف على أحد رجاله، وحينما أتى الرجل ووقف أمامه قال له بنبرة شرسة :

_مافيش مكان ممكن يروحه الواد ده ومايبقاش لينا حد فيه، حتى مدفن أبوه يتراقب .. اللي حصل ده مش هيمحيه غير أني أخلص عليه بطريقة تخليه عبرة ودرس لأي حد يفكر يقف قصادي تاني. اومأ الرجل بموافقة : _تأمر يا كبير .. هوزع الرجالة على بيت شاهين وأي حد يعرفه .. مش هخلي مكان غير وهو تحت عنينا.

فأشار له “نصر” بشراسة أن يذهب .. وحينما انصرف الرجل من أمامه، كاد أن يسحق أسنانه ببعضهما من شدة الغضب والغيظ، فقد كان يضرب به المثل في السطوة والشراسة .. حتى أن جمال الرشيدي ذاته كان يغدقه بالأموال ليظل مواليًا له وذراعه الأيمن ويده الغاشمة .. ولكن الآن اصبح مثاراً للسخرية والشماتة، ومن السهولة الأستغناء عنه، فأقسم في نفسه أن تلك المهزلة لن تستمر مهما كلّفه الأمر.

_وعند الساعة التاسعة صباحاً.. وبمكتب فخم مُهيب بأكبر فرع لشركات “رفعت أبو العزم ” أطلق ضحكات متتالية وساخرة وهو جالسًا ويوالي ظهره بالمقعد لذراعه الأيمن ” منـصور ” بعدما روى له ما حدث بساعات الليل مع أهم رجال “جمال الرشيدي” .. ثم لف “رفعت” بمقعده لينظر إليـه في نظرة مليئة بالأنتصار الذي أتى له على طبقاً من ذهب :

_عفارم عليك يا منصور، كان عندك حق لما خططت أنك توقع ما بين جمال الرشيدي وشاهين، أهو شاهين ده أكتر واحد كان مخلص ليه، بس الجديد بقا الواد العفريت أبنه ده .. الواد ده أنا عايزه .. لو أستغلينا عداوته للرشيدي هنبقى ضربنا مليون عصفور بحجر واحد. ابتسم “منصور” لسيده ابتسامة ثعلبيه، وقال بنظرة تنّم أنه فكر بذات الشيء:

_وهو ده اللي نويت عليه بالفعل يا باشا، بعت رجالتي وراه .. أصل الرشيدي بعد اللي حصل امبارح بليل ده هيدور عليه تحت الأرض لحد ما يلاقيه ويخلص عليه، والواد ده خلاص بقا بتاعنا .. نظر ” رفعت ” بنظرة بها دهشة وهو يولي أعجابه بالفتى ويقول: _عملها أزاي الواد ده؟! … قدر على مرزوق ونصر حتة واحدة!! ، يابن اللعيبة!! وتابع بضحكة ماكرة ثعبانية: _أنت عارف ده معناه إيه وهو لسه ولد صغير يا دوب مخلص ثانوية عامة؟!

.. معناه أنه لو كبر هيبقى غول ومحدش هيقدر يقف قصاده، ولو بقا معانا هنكسب كتير أوي من ورا كرهه للرشيدي .. أنا مش هبقى مضطر اخطط وارتب، هو من نفسه هيخلصني من الرشيدي وقرفه. رفع “منصور” يده ووضعها على صدره بإشارة تعهد وقال بثقة : _المهمة دي تبعي يا باشا .. هجيبهولك لحد عندك. حذره “رفعت” بلهجة حادة: _خلي بالك يا منصور .. أنا عايزه حي، لو الرشيدي موته هزعل منك أوي، وأنت عارف زعلي! ابتسم “منصور” بثقة ومكر وأفصح عن شيء:

_الواد تحت عنينا من امبارح يا باشا، من ساعة ما هرب من شقته، أومال الفضيحة اللي حصلت لنصر ورجالته مين اللي عملها أصلًا. ضيّق رفعت” عينيه بنظرة خبيثة، ثم ضحك بقوة مرةً أخرى لعلمه الآن بهذا الشيء، وقال بإطراء : _لعيب يا منصور طول عمرك .. وده اللي بيعجبني فيك، بتشتغل بدماغي، كسرت مناخير نصر قدام الكل، واكيد دلوقتي الرشيدي ماسح بكرامته الأسفلت، ده لو مكنش طرده، وده برضه في مصلحتنا. 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مدونة كامومنذ 3 أيام 0 19 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...