سم الله نبدأ …
في البدايـة حابة أقدم الإهداء ده لأدمن جروب كوكبي اللي تعبوا معايا جدًا خصوصا الفترة اللي فاتت … هدى، وئام، هبة، تقى، سماح، شيري، لمياء .. كل الحب والكلام الحلو مش هيوفيكم حقكم والله 🩷❤🥳🫂👏😍
وإهداء خاص لأول مشتركة معانا على جروب الواتس “المدفوع” الجميلة حبيبة قلبي Nagwan saleh.🥳🩷👏
____________________
كانت ليلة باردة في أواخر أيام ديسمبر، وفي قلب هذا الصقيع، دُفعت طفلةٌ في ربيعها السابع خارج عتبة منزل متواضع يقع على طريق شبه مهجور، كانت تلك الدفعة من يدٍ قاسية لرجل غليظ الملامح، متجهم الوجه، والذي زمجر بغضب وهتف بوجه زوجته:
_ هو أنا هصرف عليها ولا هصرف على عيالي؟ البت دي مش هتبات في البيت النهاردة!.
بكت “سيدة” زوجته، وقالت له بتوسل وقلب منفطر:
_ دي يتيمة ومالهاش غيرنا، حرام عليك يا محروس هوديها فين السعادي؟ سيبها تتربى وسط العيال، دي أمها سيباها أمانة في رقبتي قبل ما تموت وتحصّل جوزها الله يرحمه.
اشتد بكاء “سيدة” عندما تذكرت جارتها الراحلة ووصيتها الأخيرة المختصرة حول تلك الصغيرة المسكينة، فصاح “محروس” غير مكترث لشيء، وقلبه لم يلين للأمانة التي وضعت بين يديه، وصمم بغطرسة:
_ أنا مالي بأمها وزفت! لو رجعت البيت ولقيتها ماتلومنيش على اللي هعمله، وإلا هرميكم كلكم في الشارع.
قال ذلك ثم رماها هي والصغيرة بنظرة ازدراء قاسية، وصفق الباب خلفه بقوةٍ هزت أركان المنزل الصغير، غمرت “سيدة” الصغيرة بضمة حنون وقالت بقلة حيلة:
_دبرني يا رب .. أعمل إيه بس في الغلبانة دي وأوديها فين؟ ربنا يهديك يا محروس ويحنن قلبك عليها.
كانت الصغيرة تلوذ بالصمت وهي تضع إصبعها في فمها ببراءة، ثم تمسكت بذراع سيدة وقالت بدموع رقيقة:
_ خليني معاكي يا خالتي سيدة، أنا بخاف من الشارع والضلمة.
ضمتها “سيدة” أكثر، وعذبتها كلمات الصغيرة العفوية فتمتمت بانكسار:
_والله يا بنتي هعمل كل اللي أقدر عليه عشانك.
مرت الدقائق والساعات حتى خيّم السكون التام وغط الجميع في نومٍ عميق، وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تسلل “محروس” كاللص نحو المساحة الضيقة من الشقة التي تغفو فيها “رقية” مع صغاره، وقف ناظرًا بعينين مظلمتين للصغيرة الممددة على أطراف الفراش بنظرات لا تنذر بالخير أبدًا، وبحركة غادرة سحبها مكممًا فمها براحة يده حتى لا تصرخ وتوقظ النائمين، فتلوت الصغيرة بين يديه كالطير الذبيح، وجسدها الذي لا يزال يحتفظ بدفء الفراش أضحى يرتجف بعنف، وبخطوات سريعة خرج بها “محروس”من المنزل، ثم وضعها في غرارة”شوال” بعدما وضع على فمها لاصقة سميكة، وأشار لها بنظرة شيطانية محذرًا بتهديد:
_لو سمعت حسك هرميكي في أي بير وأخلص من زنك .. اكتمي خالص يا بت!.
نظرت له رقية بعينين مرتعبتين غارقتين بالدموع، وأومأت برأسها في طاعة منكسرة، فحملها “محروس” على دراجته التقليدية القديمة، وقيد “الغرارة” بالأحبال جيدًا، وسار بالطريق بسرعة عالية مستغلًا خلوه من السيارات.
وظل بالطريق مبتعدًا عن منزله مسافة كبيرة تضمن عدم عودة الصغيرة لمنزله، وبعد مضي ساعة ونصف تقريبًا في ذلك الطريق الوعر، انتبه لأصوات صراخ صادرة من مخزن كبير على بُعد أمتار قريبة، فأوقف دراجته بقلق، وحمد أنه لم ينتبه إليه أحدهم وتمتم بحنق:
_وبعدين بقى في الليلة الكحلي دي؟!.
تعمّد إيقاف الدراجة خلف سياجٍ من “البوص” الذي يشبه جريد النخل في تراصه، وراقب ما يحدث من بعيد؛ خشية أن يعرض نفسه للخطر إذا كان هناك شيء يحدث خارج عن القانون، وتمتم بخوف عندما رأى ثلاثة رجال يبدو عليهم الإجرام، يجرون رجلًا وفتى مراهقًا وطفلةً صغيرة داخل المخزن، ويحملون أسلحة بإشارات تهديد للمقيدين .. فقال بنبرة خافتة ممزوجة بالخوف:
_ أنا هرمي البت دي هنا وأنفد بجلدي، الليلة دي شكلها مليانة نوش!.
راقبهم “محروس” من بعيد بحرص؛ حتى دخلوا المخزن وأغلقوا الباب الجرار الّا مسافةً صغيرة بالكاد تمرر قطة أو جرو، فألقى محروس “الغرارة” خلف أحراش البوص، وفر هاربًا بدراجته قبل أن ينتبه إليه أحد ويقتفي أثره، أما الصغيرة فكانت ترتجف رعبًا وهي تبكي في عجز وقلّة حيلة وسط غياهب هذه الظلمة الموحشة، وأصوات البراري ونقيق الضفادع التي تكاد تخلع قلبها البرئ خوفًا وذعرًا.
_________________________________
وبداخل المخزن المجهول..
توسّل “شاهين” وهو مُقيّد بالأحبال داخل المخزن، عاجزًا تمامًا بالدفاع عن أبنائه، وقال بخوف للرجال الثلاثة:
_ خلوني أقابل الباشا وأحكيله اللي حصل .. أنا مخونتهوش، أنا كنت في عزا مراتي لما اتقبض على الرجالة امبارح .. مش أنا اللي بلغت والله العظيم!.
نظر له “مرزوق” بشماتة وهو يقلّب مسدسه بين يديه كأنه يتلاعب بأعصاب المُقيّد ويعذبه أولًا:
_ مش حذرتك وقولتلك ماتقفش قدامي وتتذاكى عليا؟ أهو أنت دلوقتي تحت إيدي، الباشا سلّمك ليا تسليم أهالي يا شاهين بعد ما وصله إنك بتنتقم لمراتك منه، وبعد ما كنت غرقان في خيره ونقلك من الفقر للشقق الفخمة والعربيات.
واستطرد “مرزوق” بحقد وغل يقطر من نظراته نحو شاهين الذي كان الرجل الأهم بين رجال “الباشا” :
_ عمل معاك اللي ما عملهوش مع حد، حتى أنا دراعه اليمين خلاني درجة تانية بسببك!.. كنت فاكر نفسك أذكى مني؟ أهو أنت دلوقتي هتموت موتة الكلاب تحت إيدي وتبقى عبرة لأي حد يفكر يعلى على مرزوق.
نظر الفتى ذو التسعة عشر عامًا لوالده بدموع نازفة، وعتاب شديد وصدمة، فلم يكن يعلم أن تلك الثروة المفاجئة التي هبطت عليهم كان خلفها أفعال إجرامية إلا عقب وفاة أمه في حادث مدبر، وهتف الفتى غاضبًا:
_ اللي هيقرب لأبويا أو أختي هموته!.
تعالت الضحكات الساخرة من أفواه الرجال الثلاثة، وقال مرزوق باستخفاف لعينان الفتى التي تنطق بالتحد رغم قيده:
_ إحنا هناخد أبوك في رحلة وراجعين لك يا صغير أنت والقطة اللي معاك، هنشوف هنعمل معاكم إيه، أصل الباشا مجبش سيرتكم خالص، بس ما تقلقوش .. هتحصلوا أبوكم، ما أنا مش مجنون عشان أخلي للكلب ده جدر في الدنيا.
جر الرجال “شاهين” نحو غرفة داخلية للتعذيب، فصرخ الفتى المُقيّد بأعلى صوته بعذاب من ما ينتظر أبيه، ومن عجزه بالدفاع عنه، حتى كادت عروق رقبته تنفجر من الغضب، بينما كانت شقيقته الصغرى “سهر” مُلقاة بجانبه تعاني من ارتفاع شديد في مستوى السكر بجسدها الهزيل الذي يعاني من داء السكري.
وفي هذه الأثناء، استطاعت “رقية” التخلص من “الغرارة” بعدما قرصتها حشرة وصرخت بألم، وتسللت ببطء وهي تبكي بصمت وعجز كأنها تشكو ضعفها للظلمات، وتوجهت نحو المخزن ببراءة طلبًا للنجدة عندما رأت نورًا يتسلل من خلف بابه الأزرق المتهالك، فزحفت من فتحة الباب الصغيرة السفلية، حتى دخلت عقر الشياطين ببراءة الملائكة!.
وحينها رأت فتى يافع يحاول التحرر من قيده بشراسة، والفتاة الصغيرة الملقاة بجواره في شِبه غيبوبة، فنظر إليها الفتى مستنجدًا:
_ تعالي بسرعة، حاولي تفكي الحبل ده من ورا!، بسرعة قبل ما يرجعوا.
أطاعت “رقية” الأمر بخوف وحاولت فك الوثاق بأطراف أصابعها،
ثم بأسنانها لكنّها فشلت، فأشار لها الفتى إلى سكين قريب ملقى بجانب عبوات بنزين ممتلئة، فأتت به رقية سريعا واستطاعت قطع الحبل نظرًا لحدة سن السكين، وتحرر الفتى من قيده، ثم حمل شقيقته وأمسك يد رقية وركض خارج المخزن.
“و على الطريق المُظلم ”
تركهما خلف شجرة بعيدة قائلًا بتحذير وهو يتصبب عرقًا بغزارة:
_ خليكي هنا مع أختي سهر، أنا هرجع لكم بعد شوية .. اوعي تتحركي من هنا، إلا لو اتأخرت ومخرجتش .. ساعتها خديها وأهربي من هنا بسرعة.
أومأت “رقية” رأسها بموافقة بريئة لم تستوعبها وعيناها تفيضان بالدمع، وركض الفتى نحو المخزن مجددًا وتسلل داخله، وراقب ما يحدث لوالده بخفاء، ليجد والده قد فارق الحياة تحت طعناتهم الغادرة التي أحاطت بكامل جسده، وفي تلك اللحظة، انتُزعت البراءة من قلبه وحل مكانها القهر والرغبة في الانتقام.
وولد من بين الرماد وحشأ يتوعد بالثأر، وجحيم بركاني ينتظر الجميع!.
وتخفى خلف صندوق كبير الحجم؛ ووقتذاك خرج الرجال الثلاث يضحكون بشماتة وهم يجرون جثة “شاهين” الغارقة بالدماء، حتى تفاجأ “مرزوق” بأختفاء الفتى المُقيّد وشقيقته الصغرى وكأنهما أصبحا سرابا، فصاح غاضبًا :
_ الواد فك الحبل أزاي وهرب يا مساطيل !! .. ولا في حد هنا كان مراقبنا؟!.
نظر الرجلان بجميع الأرجاء ومسحان المكان بنظراتهما الشيطانية، حتى أمرهما مرزوق أن يخرجان ويبحثان عن الفتى وشقيقته بعجالة!.
فخرح الرجلان للبحث عن الفتى، وبقى “مرزوق” وحده بالداخل، يبحث هنا وهناك عن أي خيط يفسر له ما حدث، فأنقض عليه الفتى من الخلف وضرب رأسه بصندوق خشبي ثقيل أوقعه أرضا مغشيًا عليه في الحال، ثم سحب المسدس من يد “مرزوق “وأطلق ثلاث رصاصات في رأسه مباشرةً بيدٍ مرتجفة وهو يتمتم بتوعد:
_ ورحمة أمي وأبويا لو خرجت من هنا حي ما هرحم حد فيكوا، هدفنكم هنا واحد واحد، هخليه قبر جماعي لشوية كلاب دمروا حياتي وموتوا أهلي.
وعلى إثر صوت الرصاص، عاد الرجلان الآخران مصدومين، وقبل أن يستوعبا المشهد، كانت رصاصات الفتى قد استقرت في صدريهما من مسافةً قريبة استطاع فيها النيل منهما بسهولة ودون خبرة في التصويب، ونظر الفتى الى جثثهم بإشمئزاز، ليس بنظرة طبيب يفحص الجسد ليجد الداء ويداويه كما كان يحلم، فقد كان يستعد لدخول كلية الطب بعد إجتيازه مرحلة الثانوية العامة بتفوق، ولكنّه الآن ينظر إلى جثثهم الهامدة بنظرة قاتل متعمد لن يندم يوما على فعلته!!، وحينما استفاق من تيهته ركض نحو جثة والده بالداخل وحملها بعد صرخة قهر زلزلت أركان المكان.
فقد رحلت بالساعات الماضية أمه أيضاً بحادث سير مدبر من هؤلاء القتلة المجرمون.
وحينما خرج من المخزن، وضع والده في المقعد الخلفي لسيارة كانت رابضة بالخارج، ثم أحضر رقية وشقيقته الصغرى المغشي عليها، وقاد السيارة مسافة كافية قبل أن يتوقف فجأة ويقرر شيء آخير، والقرار كان أنه خرج من السيارة وعاد للمخزن مرةً أخرى بمفرده.
وحينما دخل المخزن سكب عبوات البنزين الممتلئة بجميع الزوايا، وأشعل فيها النيران ليحرق كل أثر لما حدث، وبعدها فر هاربًا بمن معه بين ثنايا عتمة الليل وصوت السيارة الذي شق خرس الظلام، تاركاً خلفه رماد ماضيه وضباب حياة غامضة قادمة، لا يعلم مداها إلّا الله.
________________________________
غرق وجهه بالدموع وهو يقود السيارة بعدم خبرة كافية بالقيادة، وهو من كان قد بدأ التعلم ولا يزال يأخذ دروسا فيها،
وضمت “رقية” الطفلة الصغيرة لصدرها كأنها تحتمي بها من ذلك الرجل الغارق بالدماء والملقى بجانبها في المقعد الخلفي .. وانتبه الفتى لأنينها وذعرها بالمرآة الأمامية، ولاحظ اللاصقة التي تكمم فمها أيضاً وللتو لاحظها … ولكنه لم يكن يملك الوقت كي يتوقف ويزيلها عن فمها ويهدأ من روعها.
وعند أول مشفى وجده على الطريق توقف بالسيارة، وخرج منها سريعا بملابسه الملطخة ببقع الدماء وفتح الباب الخلفى، وبلحظة أزال عن فم الصغيرة تلك اللاصقة اللعينة والتي المت رقية عند أزالتها، وحمل والده وهو يخبرها قائلًا :
_ أوعي تمشي .. خليكي هنا على ما أرجع واخدك أنتي وسهر أختي معايا.
فقالت “رقية” برعب :
_ حاضر .. حاضر.
اندفع الفتى وهو يحمل والده نحو المشفى فربما كان هناك بصيص أمل … واستقبلته طوارئ المشفى بفحص أولي، ثم خرج سريعا للسيارة وأخذ شقيقته الفاقدة للوعي بسبب ارتفاع نسبة السكر بجسدها داخل المشفى، وركضت رقية خلفه بخوف أن تترك بمفردها.
وحينما عاد للطوارئ قال الطبيب بأسف وحدة بعدما تأكد من وفاة الرجل المطعون بأكثر من خمسة عشر طعنة حادة بالصدر والرقبة ومحيط البطن، والمسجى على سرير مسطح بلا حول له ولا قوة:
_ الراجل ده مات للأسف … دي جريمة قتل ولازم نبلغ الشرطة حالا.
ابتلع الفتى مرارة وقهرا، ثم وضع شقيقته للفحص الطبي، وعندما أخبر الطبيب أنها مصابة بالسكرى أختبر سريعا نسبة السكر بالجهاز الطبي .. ودهش الطبيب عندما وجد النسبة في منطقة الخطر الشديدة المهددة للحياة.
فأعد سريعا الانسولين ودس سن الأبرة الطبية بذراعها عله يستطيع أن ينقذها باللحظات الأخيرة، وقال بعصبية :
_ البنت دي مخدتش علاجها ليه من بدري .. أزاي تتساب كده!.
لم يجد الفتى إجابة يرد بها، فقد افصحت دموعه عن شدة الحزن والعجز الذي يمر بهما، فأشفق عليه الطبيب وقال :
_ البنت حالتها خطيرة وواضح أنها بقالها فترة كبيرة في غيبوبة السكر، بس هنحاول نعمل اللي نقدر عليه.
أهتز قلبه رعبًا، هل سترحل صغيرته أيضاً وتتركه وحيدًا بهذه الحياة؟!
ذهب للغرفة التي نقلت لها شقيقته، وأنهار على المقعد المعدني بالممر، حتى أتت أحدى الممرضات وقالت له بنظرات شفقة :
_ لو سمحت عايزينك في الاستقبال تحت عشان التقرير الطبي اللي هيتعمل لما الشرطة توصل.
نظر لها الفتى بنظرة شاردة، فأن أتت الشرطة سيتم القبض عليه إثر تحريهم عن الواقعة واكتشاف ما حدث بالكامل، فقال لها كاذبًا :
_ هنزل حالًا.
وبعدما دخلت الممرضة الغرفة الطبية، أسرع الفتى بالخطوات هاربًا، وفي طريقه تذكر تلك الفتاة الصغيرة التي أنقذته تقريبًا، والتي أن تركها بالمشفى فربما تخبر الشرطة بكل شيء وتصبح شاهدًا ضده بعدما كانت ملاكه الصغير المنقذ.
ذهب سريعاً للطوارئ، وتخفى عن الأنظار، وبحث عنها بنظرة شاملة للمكان، حتى شعر بيدٍ رقيقة تلمس أصابعه فجأة، فدهش ونظر للأسفل، حتى وجد تلك الصغيرة قد أتت اليه من الخلف دون أن يشعر، وتمسكّت بأصابعه في دموع وبراءة قائلة وهي تشد رأسها للأعلى لتنظر إليه وتمتم بخفوت:
_ أنا خايفة أوي.
نظر لها نظرة طويلة؛ فقد شعر بمسؤولية شديدة نحو تلك الصغيرة وكأنها اصبحت شقيقته الأخرى، فضم أصابعها الرقيقة بقوة، ثم خرج بها بخطوات واسعة من هذا المشفى هاربان!.
_________________________________
وفي الطريق .. وعلى بُعد مسافة كبيرة من المشفى.
أخرج هاتفه الذي كان بجيب معطفه الداخلي، وحمد أنه لم يتأثر بالعنف الذي رافق الساعات الماضية .. وأجرى أتصال على رقم جاره العجوز .. وبعدما رد العجوز قال له الفتى بقهر وعينيه مترقرقة من الدموع:
_ أبويا مات ياعم توفيق .. قتلوه زي ما قتلوا أمي.
من الكلمات المتقطعة بصوت العجوز ظهرت صدمته، ثم قال بحدة :
_ حصل
ايه يابني فهمني .. وأنت فين دلوقتي؟
روى له الفتى كل شيء، فذهل الرجل وقال :
_ طب أنا هتصرف وأجي .. ما تقلقش من حاجة، أختك في رقبتي .. وهقوملك أكبر محامي، أنت كنت بتدافع عن نفسك.
غارت نظرة الفتى وامتلأت بالأنتقام وقال :
_ أنا مش هسلم نفسي غير لما أوصل للباشا بتاعهم .. هو ده السبب في كل شيء، وهو ده اللي حقي عنده، الباقي كلهم صبيانه، وبينفذوا أوامره.
اعترض الرجل ورفض قائلًا بضيق :
_ ما تضيعش نفسك يابني أنت مش قد الناس دي، ما تدخلش بنفسك عش الدبابير برجلك!..
وكانت الجملة الأخيرة الذي قالها قبل أن يغلق هاتفه تمامًا:
_ وأنا مش هسيب اللي حرمني من أبويا وأمي يفضل عايش.
أغلق الهاتف تمامًا، وقبلها قد حفظ رقم العجوز جيدًا قبل أن يلقي بالهاتف ببئر عميق، حتى لا تستطيع الشرطة تتبعه.. وفي سكون الليل تشبثت الصغيرة بثنايا بنطاله الچينز في خوف عندما سمعت نباح الكلاب .. فنظر لها الفتى بعينيه السوداء العميقة وتساءل :
_ أنتي اسمك ايه وأهلك فين؟
أجابت رقية بدموع وأسى :
_ اسمي رقية، وبابا وماما ماتوا .. أنا معنديش أهل خالص ولوحدي.
ربت الفتى بيده الجريحة على رأسها بنظرة عطف وشفقة، ثم قال بكل صدق:
_ لو بإيدي كنت خليتك معايا على طول وأربيكي مع سهر أختي يا رقية.. ملاكي الصغير اللي أنقذني أنا وأختي من الموت، بس للأسف .. مضطر أسيبك، ماينفعش تفضلي معايا .. لكن ليكي دين في رقبتي، يمكن الأيام تجمعنا في يوم وأقدر أردهولك .. ده لو فضلت عايش لحد ما نتقابل.
بكت الصغيرة بقوة وقد أصبح يرعبها الترك! .. وأن تظل وحيدة خصيصا بهذا الظلام، وهكذا تخيّلت ببراءة، فمرر الفتى يده بحنان على رأسها مجددًا وقال:
_ متعيطيش .. وقوليلي عنوان أي حد من قرايبك ممكن أوصلك ليه.
ظهرت كلماتها متقطعة وأنين وشهقات وهي تجيب ببطء:
_ مافيش .. غير جارتنا، وجوزها رماني في الضلمة بعيد عن البيت، ما ترجعنيش هناك تاني .. هيموتني لو رجعت.
وأضافت ببكاء ينفطر له القلب :
_ كان .. كان بيضربني بالعصاية .. عشان أمشي ..
و دون أن يشعر ضمّ رأسها لصدره العريض، وقال وهو يقسم بصدق :
_ اقسم بالله لولا اللي حصل ما كنت سيبتك أبدًا، أنا مش عارف مصيري هيبقى إيه، وإيه اللي ممكن يحصل .. أنا هحاول أدور على مكان أمان تفضلي فيه لحد ما ..
تنهد الفتى بغمضة عين عصرت دموعه، فهو منذ الآن ملاحق من الشرطة وهؤلاء المجرمون أيضاً، لن يستطيع أن يقطع وعدًا غالبًا لن يفي به، فنظر لعينيها البريئتين وقال بألم :
_ أتمنى بعد ما أنتقم وأخد طاري أفضل عايش وأرجع أخدك أنتي وسهر أختي .. لو ده حصل أوعدك هتبقي أختي التانية وهتفضلي مسؤولة مني لآخر نفس فيا .. اللي عملتيه ببراءة أنقذ أتنين من موت اكيد.
لم تستوعب رقية كلماته ببراءة عمرها الطفولي، ولكن كل ما كان يشغلها أن لا تظل وحيدة بالطرقات والشوارع، فباتت ترعبها مجرد الفكرة.
______________________________________
وبقصر “جمال الرشيدي” … ملك سوق العقارات مثلما يطلقون عليه.
دخل مكتبه أبنه “مراد” بوجه محتقن، وتحدث بعصبية أمام والده :
_ أزاي تنسى حق حفيدتك اللي اتقتلت على ايدين رجالة أبو العزم وتروح تشاركه في مشروع جديد؟!، للدرجة دي دم بنتي رخيص عندك ؟! .. مش همك وجعي على بنتي ومراتي اللي دخلت المستشفى بأنهيار عصبي واكتئاب حاد بسبب موت بنتنا الوحيدة ولسه خارجة امبارح! …أزاي تعمل فيا كده يا بابا ؟!
نفث “جمال” من سيجاره الفاخر دخان رسم هالة ضبابية ورمادية حول وجهه وعينيه الداكنتين الحادتين، ثم قال بهدوء مستفز :
_ رد الضربة مش لازم يا عبيط يبقى في وقتها، أعرف عدوك كويس وأدرسه، عشان لما تردله الضربه يبقى في مقتل .. أنا لو عملت اللي في دماغك وخدت الدم بالدم هندخل في دايرة هتقضي على الكل، وأنا مش مستغني عن كل اللي بنيته السنين اللي فاتت .. مش هضحي بثروة بكبرها بقالي أربعين سنة عشان طفلة صغيرة مكملتش ٦ سنين!.
دهش “مراد” من هذا المنطق الذي يتحدث به والده و رد بأنزعاج شديد ورفض :
_ كنت متخيل أن بنتي الوحيدة دمها عندك أغلى من كده، رفعت أبو العزم لو حد لمس ضفر حد من أحفاده أو ولاده هيهد المعبد على الكل ومش هيفكر في فلوس وثروة!، وأنت ضحيت بدم حفيدتك اللي ملكش غيرها! … أنا مراتي مش هينفع تخلف تاني لو ناسي!.
أحمرت عينان والده بالغضب مما سمعه، ثم هتف به بحنق :
_ أنا مش غبي زيك عشان أفكر تحت رجلي .. أنا عارف كويس أوي هنتقم أمتى وأزاي .. رفعت دلوقتي واقف قصادي الند بالند بعد ما كان من صبياني !!، شراكتي معاه مش صداقة !! .. شراكتي معاه حرب باردة، وبدماغي عارف هقضي عليه أزاي بس بهداوة .. أما بقا بالنسبة لمراتك فأنا مش فاهمك بصراحة!.
نفث والده الدخان من جديد بحدة وتابع بثبات ونظرة ثعبانية كأنه يعقد صفقة تجارية:
_ أنت ممكن يبقى عندك دستة ولاد لو حبيت .. أنت اللي متمسك بشعارات فارغة .. حاجة غبية كده اسمها حب ومشاعر ومش عارف ايه !! .. دي “نيروز” بنت السيوفي لو شاورتلها بس هتتجوزك من الصبح، فكر يا مراد .. البت بتحبك من زمان واتطلقت مرتين بسببك!.
اعترض “مراد” بنبرة ساخطة رافضة لمَ قيل:
_ يعني تبقى مراتي مقهورة على بنتها وأنا أروح اقهرها أكتر وأتجوز عليها؟! .. ولا أنت يا بابا عشان أصلا الجوازة دي مكنتش موافق عليها ولا كان عاجبك “راندا” مراتي، في أي ولاد منها هيبقوا رخاص عندك! .. أنما لو من نيروز كان الأمر اختلف مش كده؟!.
نظر له والده بنفاد صبر، وأجاب بعصبية كي ينهي هذا الجدال العقيم الذي لا فائدة منه:
_ آه بالضبط كده .. وأنا المرادي اللي هقرر يا مراد، وجوازك من نيروز مسألة وقت، وسيبني دلوقتي عشان مستني مكالمة مهمة.
زفر “مراد” بحدة وخرج من مكتب والده وعلامات الاستياء والغضب مرتسمة على صفحة وجهه بحدة.
_________________________________
وبفيلا “السيوفي” …
وقفت تلك المرأة الشقراء الفاتنة أمام مرآة غرفتها الفاخرة، تطلع لأنوثتها الصارخة بزهوٍ وغرور، مدللة عائلة الـ “السيوفي” .. الفاتنة “نيروز”
وأكثر امرأة بالعائلة جمالًا وفتنة، يغار منها الكثيرات من الأقارب والمعارف، ورغم شدة جمالها وأعداد الرجال الذين يتهافتون على نظرة منها ريثما بعد طلاقها بعد أكثر من زيجة .. فأن الرجل الوحيد الذي أحبته لم يلتفت لها ولو بنظرة اهتمام واحدة! .. تنهدت “نيروز” بضيق حينما مر بخاطرها هذا العنيد الوسيم سليل عائلة “الرشيدي” وهمست بمكر كأنها تتوعد بأن تفوز به تلك المرة:
_ مش هتفلت من إيدي يا مراد مهما عملت، والله لو متجوز عشرة هتجوزك برضه .. أدخل برجلي بس حياتك وعيلتك وأنا هخليك خاتم في صباعي.
وحينما كانت تنظر للأسوارة الماسية بيدها في نظرة فخر وثقة، انتبهت لطرق مريب على باب غرفتها، وقبل أن تسمح بالدخول للطارق؛ دخلت أمها “نادية” بخطوات سريعة وهرولة؛ وعلى وجهها صدمة ممزوجة بالقلق الشديد، ثم القت بالخبر الصادم:
_ صلاح طليقك موّت نفسه يا نيروز .. الدنيا مقلوبة من الفجر على اللي
حصل.
ظهرت الدهشة بعينان” نيروز ” لوهلةً، ولم تأخذ الصدمة معها لأكثر من وهلة وبعدها ظهر عدم الاكتراث، وعبّرت ببساطة عن أهمية الخبر بالنسبة لها:
_ في داهية .. خد الشر وراح، ده كان لازقة واتطلقت منه بطلوع الروح.
هتفت “نادية” بعصبية بوجه أبنتها الغير مدركة لخطورة الموقف :
_ أنتي غبية !! .. بقولك موّت نفسه! ، يعني نفذ تهديده اللي كان بيهدد بيه من يومين لو مرجعتلوش وأنتي طردتيه من هنا! … أنتي عارفة ايه اللي هيحصل لو الحكاية دي اتعرفت!.
تطلعت “نيروز” بأمها في عصبية وصاحت بغيظ :
_ هيحصل ايه يعني! .. هيتقبض عليا ولا ايه مش فاهمة؟! .. والتهمة بقا أني رفضت أرجعله؟! .. أنتي بتهزري يا ماما مش كده؟!.
استشاطت نادية منها غضبا وصاحت بأنفعال وغيظ لنبرة الاستهزاء بصوت أبنتها المغترة بنفوذ عائلتها:
_ لا مابهزرش .. ومحدش هيقبض عليكي ولا حاجة، بس سُمعتك هتبقى في الأرض .. ما تنسيش أن الكل عارف أنك اتطلقتي مرتين بسبب مراد الرشيدي وحبك ليه، أبقي شوفي مين هيفكر بس يتقدملك تاني!.
ضحكت “نيروز” ضحكةً عالية ساخرة مما سمعته؛ كأن ما وقع على مسمعها أشياء قد أكل عليها الزمان وشرب!، ثم قالت باستخفاف غير مهتمة لمَ تشير إليه أمها بالحديث:
_ قديمة أوي أنتي يا مامي، طب اتحداكي أنا بقا أن العرسان هتزيد أكتر .. يا حبيبتي ده أنا كرفت لألف راجل ورفضت اكتر وكلهم بيحفوا ورايا كل مرة اكتر من اللي قبلها .. والمرة الوحيدة اللي جريت فيها ورا راجل هرب مني ومحبنيش!! … الرجالة عايزة الست اللي تبقى صعبة عليهم صدقيني.
يأست “نادية” من الحديث مع أبنتها الذي أصبح يرهقها وتخرج منه بلا فائدة :
_ ربنا يهديكي يابنتي ويحميكي من نفسك .. وأنا هعمل اللي اقدر عليه عشان الصحافة والمواقع ما تخلكيش قصتها الفترة الجاية .. لو أنتي مش همك سمعتك أنا هاممني يابنتي ..
وخرجت ” نادية” من غرفة أبنتها وقد قررت أن تجد حلًا يقطع ألسنة الجميع ويحفظ لهم ماء الوجه أمام الآخرين، بينما أنزوى جانب فم “نيروز” بسخرية، وعادت بمنتهى البساطة تتأكد من هندامها أمام المرآة.
_________________________________
وعند الساعة الثانية مساءً بعد ظهر اليوم، وعند مدخل مساحة كبيرة مخصصة لدفن الموتى “المقابر” ..
ظهر الفتى وبيده الصغيرة ووقف بعيدًا بمسافة مناسبة عن المقبرة الذي دفن فيها جده منذ سنوات طويلة، وبجانبها مقبرة أخرى لأمه التي رحلت غدرًا منذ ساعات فارقة، وقال بعينان منتفختان من الدموع والقهر:
_ مكنتش احلم حتى في كوابيسي أن ده ممكن يحصل، أمي وبعديها بكام ساعة أبويا! .. في لحظة الأتنين راحوا وبقيت لوحدي أنا وأختي .. ويا عالم أختي سهر كمان أخبارها ايه!.
وخارت قواه من شدة الحزن وجلس على الأرض وظهره للسور وبكا بقهر شديد، بكاء جعله يكاد يسمع صوت قلبه وهو ينكسر ويصبح فتات، فاقتربت منه “رقية” وجلست أمامه ثم شاركته البكاء ويدها الصغيرة تربت على يده برقة متناهية، وحينما أشتد بكائه وجسده الذي ينتفض بحزن، فببراءة مدت ذراعها ومسحت عينيه بكفها الصغير؛ هامسةً بنبرة ضعيفة كالهرة الرضيعة التي تحاول المُواء حديثًا :
_ معلش ما تعيطش ..
وتماسك الفتى وهو يمسح عينيه التي احتقنت بعد الدموع لغليل الانتقام، وتوّعد لأحدهم وهو ينطق اسمه بغضب مخيف:
_ جمال الرشيدي .. طال الزمن أو قصر، هاخد طاري منه .. مش هسيبه!.
وتنفس بغضب شديد، حتى انتبه لوفود عدد من أفراد الشرطة مع بعض الاشخاص ومن بينهم جاره العجوز “توفيق” وهم يحملون نعشا، فأدرك الفتى أن ذلك النعش يحمل والده الراحل … فكاد الفتى أن يذهب حتى حدجه العجوز توفيق بنظرة حادة من بعيد بأن لا يقترب .. فتخشب جسد الفتى للحظة، ثم انتبه لبعض أفراد الشرطة الحاضرين .. فتخفى خلف أخد المقابر سريعاً قبل أن ينتبهون له ويشكون بأمره …
وظل يراقب من بعيد مراسم الدفن بعينان تنزف الدموع، ودفن قلبه مع اللحظات الأخيرة بعد أغلاق القبر بإحكام عقب انتهاء الدفن .. وتم دفن والده ولم يستطع حتى القاء نظرة الوداع الأخيرة عليه .. فأرتجف جسده وهو يشهق بالبكاء متخفيًا وعاجزا عن فعل شيء .. فلمست الصغيرة يده وشاركته البكاء من جديد وهي لا تعي شيء غير مواساته بهذا الحزن ..
وبعد انتهاء كل شيء وذهاب الجميع، وقف الفتى أمام قبر والده باكيًا وأقسم :
_ مش هسيبه .. والله ما هسيبه يعيش بعد ما حرمني منكوا ..
وظل هكذا لبعض الوقت، وبعدها عاد العجوز “توفيق” وهو يحمل “مصحف” وقال للفتى بصوت هافت وهو يلتفت يمنى ويسرة بقلق شديد وترقب :
_ البوليس بيدور عليك بعد ما أختفيت من المستشفى .. والرشيدي وصله اللي عملته في رجالته وهو كمان قالب عليك الدنيا يابني ، ولسوء الحظ أن المخزن اللي قصاده قدامه كاميرا وصورتك والرشيدي عرف كل حاجة وناويلك على نية .. أنا عرفت كل حاجة من الواد حدوته صبي المخازن بتاعت الرشيدي .. اصله كان صاحب أبوك الله يرحمه وهو اللي قالي أحذرك، الرشيدي مبلغش عنك عشان يخلص عليك في المداري زي أبوك.
وكان رد الفتى بعدما التهبت عينيه بنيران كالجحيم :
_ الرشيدي عارف أني لو طولته هموته .. أنا خلاص مابقتش باقي على حاجة، كل اللي بطلبه منك دلوقتي تخلي بالك من أختي يا عم توفيق .. هسيبها أمانة في رقبتك، هي دلوقتي يتيمة ومالهاش حد غيرك بعد ربنا.
ظهر الكثير من القلق بعين العجوز ثم تحدث بتوجس :
_ أختك في المستشفى والدكتور كلامه مايطمنش .. بس اوعدك أني هعمل اللي عليا كله.
ولم يكن متسع من الوقت كي يتحدثان أكثر من ذلك .. فأستدار الفتى للصغيرة وتعجب للحظة عندما وجدها ترفع يديها بالدعاء وتدعوا لوالده وللأموات مثلما علّمتها جارتها الطيبة “سيدة” عقب رحيل أمها وكلما أتت لزياراتها بالمقابر .. مرر الفتى يده برفق على رأسها ذو الجديلة السوداء الطويلة جدًا، كأنه يشكرها على لفتتها البريئة تلك .. ثم أخذها من ذراعها وغادر منطقة المقابر بخطوات واسعة كأن يلاحقهما وحشا مُخيف.
___________________________________
“وبالمشفى الطبي ”
قد عاد العجوز “توفيق” ليطمئن على حالة الصغيرة “سهر”، ومع أول ممرضة صادفته أوقفها بتوجس :
_ البنت الصغيرة عاملة ايه دلوقتي؟
طمئنته الممرضة وقالت بلطف :
_ الحمد لله لحقناها في آخر لحظة واتحسنت كتير.
تنفس العجوز الصعداء، ورفع يده بالدعاء قائلًا :
_ الحمد لله .. الحمد لله.
فأضافت الممرضة بتوضيح :
_ ممكن لو حضرتك من قرايبها تستلمها وتمضي على ورق الخروج ..
شعر العجوز” توفيق” بالاضطراب والريبة من الأمر فقال بمراوغة :
_ لأ أنا مش من قرايبهم ماينفعش أخدها، هحاول الاقي حد من عيلة أبوها يجي ياخدها.
هزت الممرضة رأسها بتفهم ثم غادرت لعملها، وحينما دخل العجوز لغرفة تضم عدة أسرّة للمرضى، وجد الصغيرة مسجى على أحدهم ونائمة في سلام، فربت على رأسها بحنان، وكاد أن يقول شيء حتى وجد صوت من خلفه يهمس بنبرة خطرة :
_ الواد فيــن ؟!
استدار العجوز توفيق بذعر، واتسع بؤبؤ عينيه في رعب حينما وجد أحد رجال الرشيدي أمامه مباشرةً، وعاد الرحل يسأل العجوز بحدة :
_ هتقول الواد فين ولا نطيرلك رقبتك أنت والـ…
ونظر ” نصر” وهو أشرس رجال الرشيدي في تلك المهام للصغيرة وتابع بسخرية :
_ أنت
والكتكوتة! …هي مش دي بنت شاهين برضه ؟!.
حاول العجوز أن ينكر رعبًا على نفسه من بطش هؤلاء القتلة، ورعبًا على تلك الصغيرة اليتيمة:
_ لا .. لا ، مش هي.
جرّه “نصر” من ياقته بنظرة شيطانية مخيفة وقال بصوت خافت وتهديد صريح:
_ طالما بتنكر يبقى تعرف مكان الواد اللي خلص على مرزوق ورجالته، ما هو يأما هو يموت .. يأما أنت والبت دي!.
توّسل العجوز بهلع :
_ والله العظيم ما أعرف مكانه، هو اتصل بيا عشان أجي هنا وأبقى جنب أخته الصغيرة، لكن هو هربان والبوليس بيدور عليه.
نظر له “نظر” بتفكير ثم أشار له بسلاح أبيض أخرجه للتو من جيبه :
_ هات البت دي وتعالى معايا ..
حاول العجوز أن يرد بأي عذر، ولكن “نصر” دفعه بعنف في كتفه وتلك الدفعة القوية كانت تهديد صريح بما هو قادم أن حاول الأعتراض .. فرغمًا حمل الصغيرة والتهبت عينيه بالدموع أنكسارًا على نكث عهده مع الفتى !.
_______________________________________
“وبمبنى مهجور “. … يحيط بثناياه الظلام إلا بصيص نور ضعيف منبعث من شقوق النوافذ المتكسرة.
عاد الفتى إلى هذا المكان بعدما ترك “رقية” .. عاد وكان يحمل لفافة ورقية بداخلها أطعمة سريعة، ولكنّه دهش عندما وجد المكان خالٍ وقد أختفت رقية تمامًا!.
انفرجت عينيه بصدمة؛ ووضع الطعام على كومة أخشاب، ثم هرع يبحث عنها … لينتبه لأنين صادرًا من خلف صندوق خشبي قديم وكبير الحجم .. فـضيّق عينيه وهو يقترب لذلك الأنين بخطوات بطيئة .. حتى وجد الصغيرة متكومة على نفسها مثل الهرة النائمة، وتبك وتئن في صمت وكأنها فزعت من شيء !.. فتنهد ببعض الراحة وتمتم :
_ الحمد لله أنك هنا … كنت لسه هخرج أدور عليكي.
وحينما رأته الصغيرة انتفضت وركضت نحوهه بلجوء وببكاء وذعر :
_ أنا بخاف من الضلمة أوي.
أشفق على حالتها كثيرًا، وحاول أن يبث بقلبها بعض الطمأنينة وقال :
_ متخافيش أنا هنا .. تعالي جبتلك أكل، اكيد أنتي جعانة.
أخذها حيث ترك الطعام منذ قليل، وبدأ يحرر اللفافة الورقية ويضع بيدها الـ “السندوتشات” وحسها لتاكل :
_ كلي لحد ما تشبعي.
مسحت الصغيرة عينيها، وبدأت تتناول الطعام بشهية عالية، فقد كانت تضور جوعاً بالفعل، ثم قال الفتى بعدما أنتهيا من الطعام :
_ أنا عارف مكان دار رعاية، هوديكي هناك وادخلي وقوليلهم حالتك .. للأسف يا رقية مش هقدر أخليكي معايا أكتر من كده.
بدأت عينان الصغيرة تلتمعان بالخوف والدموع وهي تتمتم بصوت غير مسموع، فخلع الفتى قلادة فضية كانت حول رقبته، وعلقها سريعا برقبتها الصغيرة وهو ينظر لآية الكرسي المكتوبة عليها :
_ السلسلة الفضة دي بتاعت أمي الله يرحمها، غالية عندي أوي، ومن يوم وفاتها وهي معايا .. خليها معاكي وأحتفظي بيها، أنا مش عارف ممكن أشوفك تاني ولا مش هيكون لينا نصيب نتقابل .. بس خليكي محافظة عليها، وافتكري دايمًا أنك أنقذتي واحد من الموت هو وأخته، وحاول يهاديكي بشي غالي عنده .. أنا يا رقية … فارس.
رددت الصغيرة اسمه ونطقته ببطء :
_ فــ….ارس؟!
وأكد الفتى :
_ أيوة .. اسمي فارس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!