الفصل 1 | من 3 فصل

رواية عالمان الفصل الأول 1 - بقلم حنان أحمد ماهر

المشاهدات
8
كلمة
2,356
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

كانت السماء تلك الليلة غريبة…
القمر أكبر من المعتاد، والنجوم تلمع كأنها تهمس بسرّ لا يعرفه أحد.
وفي غرفة صغيرة مليانة بالكتب والروايات متكومة فوق بعضها، كانت “ليان” جالسة على الأرض، تضم ركبتيها وتقرأ آخر صفحات رواية خيالية عن العوالم الموازية.
ليان لم تكن مثل باقي الفتيات.
كانت تهرب من الواقع إلى الكتب…
في إيدها رواية تقيلة، وعينيها بتلمع كأنها لقت كنز مفقود.
كانت عايشة جو الرواية لدرجة إنها كل شوية تهمس: “لا يا بطلي… ما تعملش كده… هتموت!”
وفجأة…
اتفتح باب الغرفة بقوة.
“لييياااان!”
اتخضّت لدرجة إن الرواية وقعت منها على وشها: “آه يا عيني!”
دخلت أمها وهي حطه إيدها على وسطها وبنظرة غضب”: “إنتِ لسه صاحية لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على نص الليل!”
ليان بسرعة مسكت الرواية كأنها ماسكة دليل براءة: “بس يا ماما ده فصل مهم جدًا… البطل دلوقتي هيدخل القصر وهيقابل الأميرة—”
أمها قاطعتها وهي بتبص للرواية: “وأنا كمان هقابل الدكتور بكرة بسببك ارحميني يابنتى بكره عنك جامعه بدرى.”
حاولت ليان تتظاهر بالجدية: “خمس دقايق بس خليني أعرف النهاية!”
أمها سحبت منها الرواية برفق لكن بحزم: “النهاية إنك هتنامي دلوقتي على شان منزلش بالشبشب على قفاكى .”
ليان شهقت: “بس لسه البطل ما اعترفش بحبه على شان خطرى ياماما!”
أمها رفعت حاجبها: “بت انتى مطلعيش عفريتى عليكى.”
وبسرعة غطتها بالملاية: “نامي.”خرجت الام من الغرفة
اتقفلت الباب.
ساد الصمت.
ليان فتحت عين واحدة وبصت للكتاب
فكلما ضاقت بها الدنيا، فتحت رواية، وعاشت حياة أخرى.
تنهدت وهي تغلق الكتاب ببطء وهمست: “يا ريت في عالم تاني أقدر أعيش فيه فعلًا…”
وفجأة…
اهتز الضوء داخل غرفتها.
رفعت رأسها بسرعة، وقلبها دق بعنف.
ومن خلف نافذتها المفتوحة، شقت السماء شعلة وردية مذهلة، تسقط بسرعة هائلة وكأن نجمة انفجرت فوق الأرض.
ليان شهقت وهي تجري ناحية الشباك.
لكن الشيء الغريب…
أن تلك الشعلة لم تختفِ بعيدًا…
بل سقطت في الحديقة القديمة خلف منزلهم.
ترددت للحظة… ثم نزلت مسرعة.
الهواء كان باردًا بشكل غريب، والأشجار تتحرك وكأنها خائفة.
ومع كل خطوة كانت تشعر أن شيئًا ما ينتظرها هناك.
حتى وصلت.
وسط الحديقة…
كانت توجد حفرة صغيرة ينبعث منها نور زهري ساحر.
اقتربت ببطء، وعيناها متسعتان بدهشة.
داخل الحفرة…
كانت هناك جوهرة.
جوهرة زهرية شفافة، تدور ببطء وكأن بداخلها مجرة كاملة.
همست ليان: “إيه الجمال ده…؟”
وما إن لمستها…
تجمد العالم.
الهواء توقف.
الأصوات اختفت.
حتى نبض قلبها شعرت أنه سكن للحظة.
ثم انفجر الضوء حولها بعنف.
صرخت ليان وهي تشعر بالأرض تختفي من تحتها…
وفجأة…
سقطت.
لكن ليس على الأرض.
بل فوق حقل هائل من الزهور الفضية تحت سماء وردية غريبة.
فتحت عينيها ببطء، وأنفاسها متقطعة.
“أنا… فين؟”
رفعت رأسها… فتجمدت.
هناك ثلاث شموس صغيرة بعيدة في السماء.
وقصور ضخمة تطفو بين السحب.
وطيور شفافة تطير وكأنها مصنوعة من الضوء.
ثم سمعت صوتًا عميقًا خلفها يقول:
“أخيرًا وصلتِ… يا حاملة الجوهرة.”
استدارت بسرعة.
وشهقت.
كان شابًا طويلًا، يرتدي ملابس سوداء مطرزة بخيوط فضية، وعيناه… بنفسجيتان بشكل مخيف وجميل في نفس الوقت.
شعره الأسود يتحرك مع الريح، وهيبته جعلت قلبها يرتجف دون سبب.
نظر إليها طويلًا وكأنه يعرفها منذ سنوات.
ثم اقترب خطوة وقال بهدوء:
“كنتُ أنتظرك.”
ابتلعت ليان ريقها بتوتر: “أنا… أنا مينفعش أكون هنا… أكيد ده حلم.”
لكن الشاب ابتسم ابتسامة خفيفة مؤلمة وقال: “لو كان حلمًا… لما استطاعت الجوهرة اختيارك.”
سكتت للحظة قبل أن تسأله: “إنت مين؟”
انخفضت عيناه قليلًا، ثم قال:
“أنا الأمير سِيران… وريث مملكة الزهرة.”
ارتعش قلبها دون أن تفهم لماذا…
لكنها لم تكن تعرف بعد…
أن تلك الجوهرة ليست مجرد حجر سماوي.
بل مفتاح بين عالمين.
وأن وصولها إلى هذا العالم سيوقظ حربًا قديمة…
وحبًا كُتب قبل ولادتها بسنوات طويلة.
وفي مكان مظلم داخل القصر…
كانت امرأة ترتدي تاجًا أسود تراقب السماء بعينين مشتعلتين.
وهمست بغضب:
“الجوهرة استيقظت… إذًا الفتاة البشرية وصلت.”
ثم ابتسمت ابتسامة مخيفة:
“اقتلوها… قبل أن يتذكر الأمير الحقيقة.”
الارتطام كان عنيفًا لدرجة أن ليان فقدت أنفاسها للحظات…
الأغصان تحطمت فوقهم، والتراب تناثر في الهواء، وصوت الحصان المجنح اختفى فجأة وسط الظلام.
فتحت عينيها ببطء وهي تتألم.
كل جسدها كان يؤلمها، ورأسها يدور بعنف.
حولها… غابة غريبة جدًا.
الأشجار سوداء طويلة بشكل مرعب، وجذوعها ملتوية كأنها مخلوقات متجمدة.
أما أوراقها فكانت تضيء بلون أزرق خافت، وكأن النجوم عالقة فوق الفروع.
جلست بصعوبة وهي تهمس: “سيران…؟”
لا رد.
شعرت بالخوف فورًا.
بدأت تنظر حولها بسرعة حتى وجدته على بعد خطوات، مستلقيًا فوق الأرض بلا حركة.
شهقت وركضت نحوه: “سيران!”
ركعت بجانبه ويديها ترتجفان.
كان جرح كتفه ينزف بشدة، ووجهه شاحب بشكل أخافها.
هزته بخوف: “افتح عينيك… بالله عليك.”
ظل ساكنًا للحظات طويلة جعلت قلبها ينهار…
ثم فتح عينيه ببطء وهو يتألم: “أنتِ… بخير؟”
ضحكت ليان بدموع رغم خوفها: “إنت مجنون؟ أنا اللي أسألك السؤال ده!”
حاول الجلوس لكنه تأوه بقوة.
اقتربت منه بسرعة تساعده، وفجأة تجمدت عندما رأت الدم البنفسجي على يدها.
اللون كان غريبًا جدًا…
كأنه ضوء سائل.
همست: “دمك…”
نظر لها سيران بهدوء متعب: “أهل الزهرة دمهم مختلف.”
سكتت للحظة، ثم قالت بعناد: “طيب لازم أوقف النزيف.”
مزقت جزءًا من كم قميصها ولفته حول جرحه بحذر.
كان يراقبها بصمت.
ثم قال فجأة: “ليه بتساعديني؟”
رفعت حاجبها باستغراب: “يعني أسيبك تموت؟”
ابتسم لأول مرة ابتسامة صغيرة حقيقية، جعلت قلبها يضطرب دون سبب واضح.
لكن قبل أن تتكلم…
سمعوا صوتًا بين الأشجار.
صوت خطوات بطيئة.
تجمد الاثنان فورًا.
ليان همست بخوف: “دول الحرس؟”
سيران أمسك سيفه بصعوبة وهو ينهض أمامها رغم إصابته.
اقترب الصوت أكثر…
ثم خرج من الظلام مخلوق صغير غريب.
كان بطول طفل، له أذنان طويلتان وعيون ذهبية واسعة، ويرتدي ملابس خضراء قديمة ويحمل مصباحًا صغيرًا.
وقف يحدق بهم لثوانٍ…
ثم صرخ فجأة: “يا ساتر السماوات! بشرية!”
اختبأت ليان خلف سيران تلقائيًا: “هو ده إيه؟!”
المخلوق اقترب بحماس وهو يدور حولها: “بشرية حقيقية! عندها شعر أرضي وعينين أرضيتين وكل حاجة!”
صرخت ليان: “متلفش حواليا كده!”
لكن المخلوق تجاهلها تمامًا ثم ركع فجأة أمام سيران: “مولاي الأمير!”
تنهد سيران بإرهاق: “إزيك يا فارو.”
رفع المخلوق رأسه بصدمة: “إزيي؟! المملكة كلها مقلوبة عليك! الملك بيبحث عنك، والساحرة ميرافيل أعلنت أنك خائن!”
ليان همست: “خائن؟”
سيران لم يرد.
بل نظر حوله بحذر ثم قال: “لازم نتحرك قبل ما يوصلوا هنا.”
لكن فارو نظر إلى ليان بتوتر واضح: “هي… هي فعلاً؟”
ساد الصمت.
ثم قال سيران بهدوء: “أيوه.”
اتسعت عينا فارو بشكل مرعب: “الأميرة رجعت…”
وفجأة ركع أمام ليان

هو الآخر.
ليان تراجعت بخضة: “لا لا بلاش الحركات دي بالله عليكم!”
لكن فارو قال بانبهار: “أخيرًا… بعد كل السنين.”
شعرت ليان بالتوتر يزداد داخلها.
كلهم يتصرفون وكأنها شخص آخر.
أميرة.
نبوءة.
قوة غامضة.
لكنها لا تتذكر أي شيء.
قالت بعصبية: “حد يفهمني! أنا مين أصلًا؟!”
نظر سيران إليها طويلًا…
ثم قال: “الحقيقة الكاملة موجودة في القصر البلوري.”
“طيب نروح هناك.”
“مستحيل.”
“ليه؟”
أغمض عينيه للحظة ثم قال: “لأن اللي يحكم القصر الآن… هو الرجل اللي حاول يقتلك وأنتِ طفلة.”
تجمد الدم في عروقها.
“إيه…؟”
لكن قبل أن يكمل—
ارتجفت الأرض فجأة.
الأشجار بدأت تهتز بعنف.
وفجأة انطلقت صفارات غريبة في الغابة.
وجه فارو شحب فورًا: “لا… لا…”
سيران قبض على سيفه: “إيه اللي حصل؟”
فارو همس بخوف: “صيادي الظلال.”
وفجأة…
ظهرت عشرات العيون الحمراء بين الأشجار.
تجمدت ليان مكانها…
العيون الحمراء كانت تتحرك بين الأشجار ببطء مرعب، تظهر وتختفي وسط الضباب الأزرق كأن الغابة نفسها تراقبهم.
صوت تنفس خشن خرج من الظلام.
ثم آخر…
ثم عشرات الأصوات.
ليان شعرت أن قلبها سيتوقف: “إيه دول…؟”
فارو ابتلع ريقه بخوف: “صيادو الظلال… أسوأ مخلوقات الغابة السوداء.”
اقترب أكثر من سيران وهمس: “هما مش بيسيبوا أي حد يخرج حي.”
سيران شد قبضته على سيفه رغم التعب الواضح على وجهه.
كان بالكاد واقفًا بسبب إصابته.
لكن عينيه بقيتا ثابتتين على الظلام.
ثم قال بهدوء: “اسمعوا كويس… لو حصل أي حاجة، فارو ياخد ليان ويهرب.”
ليان التفتت له فورًا: “لا! وأنا هسيبك؟”
نظر لها للحظة قصيرة.
وفي عينيه ظهر شيء غريب… دفء خافت وسط كل هذا الرعب.
وقال بهدوء: “لو مسكوكِ… الحرب هتبدأ.”
قبل أن ترد—
خرج أول صياد من بين الأشجار.
ليان شهقت دون إرادة.
كان مخلوقًا ضخمًا بجسد نحيل طويل جدًا، وجلده أسود لامع كالقار، وله أربعة أذرع ومخالب معدنية طويلة.
أما وجهه…
فلم يكن له ملامح.
مجرد فراغ أسود تتوهج بداخله عينان حمراوان.
ثم بدأ يزحف نحوهم ببطء.
واحد… ثم اثنان… ثم عشرات.
فارو صرخ: “اركضوا!”
وانطلقت المخلوقات فجأة بسرعة جنونية.
سيران اندفع للأمام بسيفه.
اصطدم الضوء البنفسجي بالمخالب السوداء فانفجر الشرر حولهم.
لكن عددهم كان ضخمًا جدًا.
ليان أمسكت حجرًا من الأرض وضربت أحد المخلوقات بخوف وهي تصرخ: “ابعددد!”
المخلوق التفت لها ببطء…
ثم ابتسم.
أو على الأقل… شعرت أنه ابتسم رغم أن لا وجه له.
صرخت ليان وتراجعت.
وفجأة قفز عليها.
لكن قبل أن يصل—
اندفع سيران أمامها وطعنه بسيفه مباشرة.
صرخ المخلوق بصوت حاد واختفى كالدخان.
لكن في نفس اللحظة، هاجمه اثنان آخران.
تراجع سيران بصعوبة.
إصابته كانت تضعفه بسرعة.
وفجأة…
أحد الصيادين ضربه بقوة في صدره.
سقط سيران على الأرض بعنف.
ليان صرخت: “سيرااان!”
المخلوقات بدأت تقترب منه ببطء، كأنها تستمتع بخوفها.
وفارو كان يحاول سحب ليان: “لازم نهرب دلوقتي!”
لكنها دفعت يده بعنف: “مش هسيبه!”
ركضت نحو سيران دون تفكير.
وفي اللحظة التي وصلت إليه فيها—
أحد صيادي الظلال أمسك ذراعها.
البرودة التي خرجت من يده كانت مرعبة.
شعرت وكأن روحها تتجمد.
صرخت بألم…
وفجأة—
بدأت الجوهرة حول عنقها تتوهج بعنف.
الضوء الوردي انفجر حولها مجددًا.
لكن هذه المرة…
لم يكن مجرد ضوء.
بل ظهرت رموز غريبة تدور في الهواء، وارتفعت الرياح بعنف حتى بدأت الأشجار تنحني.
صيادو الظلال تراجعوا فجأة بخوف.
أما ليان…
فشعرت بحرارة هائلة داخل جسدها.
ثم سمعت صوتًا داخل عقلها.
صوت امرأة ناعم وحزين:
“استيقظي… يا ابنتي.”
اتسعت عيناها.
“مين؟!”
لكن الصوت اختفى.
وفجأة ارتفع جسد ليان عن الأرض.
شعرها تحرك مع العاصفة، وعيناها بدأتا تتوهجان بلون وردي ساطع.
سيران رفع رأسه بصعوبة وهو ينظر إليها بذهول حقيقي.
ثم همس: “القوة بدأت تستيقظ…”
ليان لم تعد تشعر بالغابة حولها.
ولا بالخوف.
ولا حتى بنفسها.
رأت صورًا سريعة داخل عقلها…
قصر أبيض ضخم.
امرأة جميلة تضع تاجًا من الكريستال وتبتسم لها.
طفلة صغيرة تركض في حدائق مضيئة.
ثم نار…
صرخات…
ودماء على الأرض.
ورجل يحملها ويهرب بها عبر بوابة من الضوء بينما القصر ينهار خلفه.
ثم—
صوت مرعب يهتف:
“اقتلو الوريثة قبل أن تكبر!”
فتحت ليان عينيها فجأة وهي تلهث.
وانفجر الضوء من حولها بقوة هائلة…
فطارت كل المخلوقات بعيدًا وسط صرخات مخيفة.
ساد الصمت.
الأشجار توقفت عن الاهتزاز.
والضوء اختفى تدريجيًا.
ثم سقطت ليان على الأرض فاقدة الوعي.
آخر شيء شعرت به…
هو ذراعا سيران يلتقطانها قبل أن ترتطم بالأرض.
وآخر شيء سمعته…
صوته وهو يهمس بقلق لأول مرة:
“ليان… افتحي عينيك.”
الظلام كان يحيط بليان بالكامل…
لكن وسط هذا الظلام، كانت تشعر بشيء دافئ.
كأن أحدهم يحتضنها ويحاول حمايتها من العالم كله.
سمعت صوتًا بعيدًا… مشوشًا…
“ليان…”
الصوت كان مليئًا بالقلق بطريقة لم تسمعها من سيران من قبل.
حاولت فتح عينيها، لكن جسدها كان ثقيلًا جدًا.
ثم شعرت بيده على خدها برفق.
“أرجوكِ… افتحي عينيك.”
ارتجفت أنفاسها قليلًا قبل أن تنجح أخيرًا في فتح عينيها ببطء.
أول شيء رأته…
كان وجه سيران.
شعره الأسود مبعثر، وملامحه المتعبة قريبة جدًا منها، وعيناه البنفسجيتان مليئتان بشيء غريب…
خوف.
خوف حقيقي عليها.
وحين رآها تستيقظ، أغمض عينيه للحظة وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الوقت.
همست ليان بصوت ضعيف: “أنا… حصلي إيه؟”
تنهد سيران ببطء، ثم ساعدها على الجلوس بحذر: “فقدتِ السيطرة على قوتك.”
نظرت حولها بتشوش.
كانوا داخل كهف صغير مضاء بأحجار زرقاء لامعة، وصوت المطر بالخارج يتردد بهدوء.
أما فارو فكان نائمًا قرب المدخل وهو يحتضن حقيبة مليئة بالأعشاب.
ليان ضمت ذراعيها لنفسها بتوتر.
ما رأته قبل أن تفقد الوعي لم يكن مجرد حلم.
كان ذكرى.
ذكرى حقيقية.
همست وهي تنظر للأرض: “القصر… النار… المرأة اللي كانت بتناديني…”
رفع سيران رأسه فورًا: “شفتيها؟”
هزت رأسها ببطء: “كانت… جميلة جدًا.”
صمت للحظة قبل أن يقول بهدوء: “الملكة أوريانا.”
رفعت عينيها نحوه.
كان الحزن ظاهرًا في ملامحه بشكل موجع.
ثم أكمل بصوت منخفض: “والدتك.”
شعرت ليان بوخزة قوية في قلبها.
الكلمة وحدها جعلتها ترتجف.
والدتك.
هي دائمًا كانت تشعر أنها مختلفة…
تشعر أن هناك شيئًا ناقصًا داخلها دون أن تفهم ما هو.
لكن الآن…
كل شيء أصبح حقيقيًا بطريقة مخيفة.
قالت بصوت مهتز: “يعني… الناس اللي ربوني…”
“كانوا يحمونك.”
سكتت قليلًا، ثم سألت بصعوبة: “وأمي الحقيقية… ماتت؟”
لم يجب فورًا.
لكن الصمت وحده كان كافيًا.
شعرت بعينيها تمتلئان بالدموع دون إرادة.
الغريب أنها لا تتذكر الملكة أوريانا فعلًا…
لكن قلبها يؤلمها وكأنه فقدها بالأمس فقط.
لاحظ سيران دموعها، فتردد للحظة وكأنه يقاوم شيئًا داخله.
ثم اقترب منها بهدوء.
وببطء شديد…
رفع يده ومسح دمعة هربت من عينها.
تجمدت ليان مكانها.
أنفاسها ارتبكت فورًا.
لأن لمسته كانت مختلفة…
حنونة بشكل جعل قلبها يرتجف.
أما هو، فبدا

وكأنه أدرك فجأة ما فعله، فتراجع قليلًا وهو يشيح بنظره بعيدًا.
لكن ليان لاحظت شيئًا لأول مرة…
الأمير البارد دائمًا…
كان يتوتر مثلها تمامًا.
سادت لحظة صمت طويلة.
فقط صوت المطر بالخارج.
ثم قالت ليان بخفوت: “ليه بتحميني؟”
نظر إليها سيران ببطء.
وفي عينيه ظهر صراع مؤلم.
كأنه يخفي كلمات كثيرة لا يستطيع قولها.
ثم قال بابتسامة حزينة: “لأني فشلت أحميكِ مرة قبل كده.”
اتسعت عيناها: “إيه؟”
لكنه نهض بسرعة وكأنه هرب من السؤال.
“لازم ترتاحي.”
راقبته ليان وهو يبتعد نحو مدخل الكهف.
شعرت بغصة غريبة داخلها.
هي بالكاد تعرفه…
لكن كلما اقترب منها، تشعر بالأمان.
وكلما ابتعد…
تشعر بالخوف.
جلست تراقبه بصمت.
كان واقفًا عند مدخل الكهف ينظر للمطر، وملامحه متعبة بشكل لم تره من قبل.
كتفه المصاب ما زال ينزف قليلًا، لكنه يتجاهل ألمه تمامًا.
وكأن كل ما يشغله الآن…
هو هي.
وفجأة سمعوا صوت رعد هائل بالخارج.
ثم اهتزت الأرض بخفة.
استدار سيران فورًا، وعيناه ضاقتا بحذر.
أما فارو فاستيقظ مفزوعًا: “لا تقولي إنهم وصلوا!”
خرج ضوء أحمر مخيف من بين الأشجار خارج الكهف.
ثم…
صوت نسائي بارد تردد وسط العاصفة:
“أعرف أنك هنا يا أمير الزهرة.”
تجمدت ليان فورًا.
ميرافيل …

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...