الفصل 20 | من 46 فصل

رواية على وطايا الخيل الفصل العشرون 20 - بقلم روايات تثريـب

المشاهدات
22
كلمة
9,827
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

.
،



الجزء الثامن عشرة


كان متوتّرًا طوال الوقت.. يسمع أحاديثها وتعليقاتها على ما تراه في هاتفها.. وهو لا يفكر بشيء سوى الخبر الصادم الذي يحبسه في صدره

يُفكر كيف عليه إلقاء الخبر بشكل لطيف.. أهنالك طريقة لطيفة لنقل خبر كهذا من الأساس؟

كيف ستعيش بعدها؟ كيف سيُدبّر الأمر.. عليه هو تحمّل هذه المسؤولية.. وكأن رب العالمين كتب لها الظهور في حياته في هذا الوقت محدّدًا لسبب أساسي.. وهو أن يحمل المسؤولية التي فرضها الله عليه كزوج

كان يفكر ويفكر.. يجاملها بالردود.. ولكن عقله مشغول بالأفكار.. شقته، شقيقه الذي يشاركه المكان، جدته، أعمامه، والدته.. عليه مواجهة كل هذا لأجلها.. لا يستطيع التخلي عنها.. الأمر الآن صار أكبر من اختيار ورغبة.. الأمر الآن مسؤولية عظمى

قالت بانزعاج: ليش تسلّك لي!

قال بحنان: ما اقصد يا عمري.. بس في موضوع شاغل بالي

ريان: شو هو طيب.. شاركني.. بعطيك رايي

غديّر: افكر بالحياة.. كيف إن رب العالمين يجعل كل شيء لسبب.. يعني أنتي حرمتي من سنيييين طويلة.. لكن فجأة طلعتي.. ليش؟ أكيد في حكمة عند رب العالمين نحن ما نعرفها

ريان: ايواا هلأ بتتكلم عن الجوازه صح

ابتسم: لا.. بس بشكل عام.. كل شي في الدنيا يحدث لسبب عند الله

هزت راسها بتأييد: اممم صح كلامك.. اذا بتفكر فيها حتى إن اخترت ناديكم وانت دكتوري.. غريب بصراحة.. سبحان الله

غديّر: رب العالمين يدبّر كل الأمور بطريقة مستحيل نحن نفكر بها.. أمور نحسها بسيطة واختيارات صغيرة لكن فيها حكمة عظيمة ما نفهمها الا بعد فترة.. مثل اختيارج لهالشعبة واختيارج لهالنادي مثلًا
الله يبتلينا في أمور، ويعطينا نعم أخرى.. هذي هي الحياة

ريان: صاير فيلسوف اليوم

غديّر تجاهلها وأردف باندماج: اتذكر ابوي الله يرحمه.. تعب وايد آخر ايامه.. مع انه ما كان كبير في العمر لكن المرض تعبه وكبره.. الله يرحمه يارب.. ما في شي في هالدنيا ممكن يعوضني عنه.. ولليوم ساعات احتاجه وأدري إن أخواني بعد يحتاجونه.. لكن قضاء وقدر.. الحمدلله على كل حال

ركن السيارة في موقف من مواقف المستشفى.. بينما سلطت هي نظرها عليه بصمت تام.. يبدو كمن يريد الفضفضة.. ولذلك أعطته المجال


غديّر: في البداية كنت أحس إني بموت.. مب قادر اتحمل فكرة انه يموت.. كييف؟ أمي واخواني وخواتي الصغار.. ودراستي ومستقبلي.. كيف اقدر ادبر كل هذا.. حسيت الدنيا كلها تسكرت في ويهي
حتى إني كنت بوقف دراسة لكن أمي حلفت علي اكمل وعمومتي ما قصروا وياي

كنت اعاني بصمت.. ماقدر اشتكي.. اشتكي لمنو؟
ماقدر اشتكي لأمي وأزيدها هم

كنت كل ما أواجه مشكلة اتخيل لو أبوي موجود كيف بيحلها.. وعقب استغفر الله واتذكر إن كلنا في النهاية راحلين.. والله يا ريان.. كان قلبي يعورني.. أحس إن هالألم ما بيخف.. كنت أقول مستحيل أنسى أبوي.. لكن مرت الايام.. ما نسيته لكن خف الألم.. كأنه ركن على زاوية معيّنة في قلبي
أنتي ما عرفتي أبوي الله يرحمه كان إنسان طيب وخلوق.. أطيب أخوانه.. كان غير عن الكل.. لكن رب العالمين اختاره.. الحمدلله على كل حال

تأثرت كثيرًا لفضفضته.. تشعر بأنه كلام قد دُفن في قلبه سنين طويلة.. اقتربت منه واحتضنته: يا عمري أنت.. هالكثر كنت تعاني؟ ليتني كنت معاك

غديّر ضحك: كنتي في المدرسة حبيبتي اكبر همج واجب النسخ.. شو بتسوين معاي؟

ريان: اص.. "مسحت على ظهره بحب" أنا معاك دوم.. الله يصبر قلبك يارب

غديّر: ربج ياخذ ويعطي.. بدون حساب.. يالله تعالي ننزل


أمسك بيدها.. كان المخطّط أن يُخبرها عن والده وكيفية تجاوز الأمر بإيجاز.. لم يتوقّع أن يُسهب لهذه الدرجة.. وكأنه استغل الأمر ليفرّغ عمّا بجوفه

كان يمشي معها وكأنه يسندها قبل أن يصلها الخبر.. لا زال حتى الآن لا يعرف كيف يبلغها بالأمر.. أعليه انتظار الخبر من الطبيب؟ أم إبلاغها بنفسه
سبقته إلى الممرضة تسأل عن رقم غرفتها.. قالت لها بأن الطبيب يود رؤيتهم

كان على غير عادته.. سامحًا لها بتولّي مهمة الاستفسار.. بينما يغرق هو أكثر في افكاره

عادت إليه ريان بقلق: الممرضة تقول إن الدكتور يبغي يشوفنا

غديّر: نسير نشوفه

ريان: يمكن صارلها شي

غديّر: مادري


دخلا إلى غرفة الطبيب.. وكانت ملامحه تشرح كل شيء

جلست ريّان وهي تشعر بقلبها يرتعش

قال الطبيب: لقد تمت العملية بنجاح.. كما اخبرناكم بالأمس.. استئصلنا الدودة ونظفنا المعدة.. وكانت المريضة بخير في غرفة الإفاقة
إلى أن بدأنا نلاحظ عليها أعراض مشكلة أخرى.. المريضة كانت تعاني من الدوالي وبسبب عدم العلاج وكونها دخلت في جراحة عامة تسببت لها بمضاعفات وانتقلت التجلطات الصغيرة من الرجلين إلى الرئة وسببت لها انسدادًا وتوقفًا القلب.. حاولنا انعاشها مرات كثيرة لكن للأسف وبسبب العملية الأخيرة كان جسمها ضعيفًا جدًا.. ولم نستطع إنقاذها

كان غديّر كاتمًا نفسه.. يرتقب ردة فعلٍ منها ولكنها كانت تنظر إلى اللاشيء.. بصمت تام
مد يده إلى الطبيب.. سلم عليه وشكره على مجهوده.. ثم التفت عليها.. تبدو هادئة وجامدة، ويعلم بأنه هدوء لحظي، وخارجي فقط
أمسك بيدها وألصقها بجنبه يحيط بها بذراعه وأخرجها
جلس معها على اقرب كرسي ثم أخفض نفسه لها

قبّل رأسها وقال: عظم الله أجركم.. لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شي عنده بأجل مسمّى

رفعت عيونها له.. ترمش والدمعة معلّقة بها وكأنها غير مصدقة
كانت تشعر ببرود غريب.. كأن الخبر غير متعلّق بها.. باستثناء الحرقة الشديدة في معدتها.. كان الجو باردًا
كانت تسأل نفسها أحقًّا توفّيت والدتها؟ هل ستغيب عن عالمها للأبد؟ هل يمكن ألّا تسمع صوتها أبدًا مرة أخرى؟ أساسًا.. هل يمكن للحياة أن تستمر بدونها؟


شعرت بيده الرجولية على فخذها: عندج رقم ريل أختج؟

مدت له الهاتف.. وبحث بنفسه عن الرقم.. لم يجده فقرر الاتصال بأختها: هم ما طلعوا من البلاد صح؟ نفسه الرقم

لم ينتظر ردًّا منها.. واتصل

سمعته يتحدث: السلام عليكم.. مرحبا أختي شحالكم.. وياج غديّر بوالخيول نسيبكم.. ما عليج أمر ممكن تعطيني ريلج.. أبغيه بحاية.. ما عليه بتعرفين عقب.. خير بإذن الله
السلام عليكم.. مرحبا وسهلا.. حياك الله.. الله يسلمك.. بخير ربي يسلمك علومك انت.. الله يسلمك.. يا أخوي أنا عندي خبر.. شو بقولك.. لو تطلع شوي عن الحرمة أحسن بعد.. الله يهون علينا ويصبرنا يارب.. أم الحرمة توفت.. هي والله.. أمس مسوية عملية بسيطة دودة زايدة وكانت بخير.. لكن استوت لها مضاعفات وتوفت اليوم.. الله يرحمها يارب.. الله يصبرهم ويرحمهم برحمته.. ان شاءالله.. على خير.. هذا رقمي من توصلون رمسني.. ربي يحفظكم


قبّل رأسها مرة أخرى وقال بحنان: حبيبي أنا بسير أشوف شو الاجراءات لين يوصلون اختج وريلها وتحددون تبونها هني والا تندفن في البلاد أحسن.. ان شاءالله ما بطول.. انتي لا تتحركين من هني


كانت تنظر إليه.. وهو يمشي مبتعدًا.. بدأت دموعها تنزل ما أن ابتعد.. وكأنه ضمادة، ما أن مشى حتى تفجرت الدموع

بدأت البكاء.. لا تستطيع تخيّل أنها قد رحلت.. لم تتخيل هذا يومًا.. لم تتخيل أنه أمر قابل للحدوث
تسمع بالموت كل يوم.. لكنّها لم تتخيل بأنه يُصيب والدتها

"أغمضت عيونها وهي تشهق" مالذي سيحل بها الآن؟ كيف ستعيش بدون والدتها؟ هل ستضطر لأن تعيش معه؟ هل سيقبل بها هكذا؟ وفجأة؟

"وضعت يدها على فمها تحاول كتم صوتها" كيف ستعيش؟ .. بكت وهي تتذكر والدتها وآخر توصياتها.. بكت.. حين تذكرت منظرها وهي مستلقية على الأرض.. وحين ودّعتها عند باب غرفة العمليات.. بكت كثيرًا.. كانت شهقاتها تتعالى.. كيف ستعيش بدونها؟ كيف؟
أمها كانت كل شيء بالنسبة لهن.. هي وشقيقتها.. كانت الأم والأب والصديقة والعم والعمة.. قامت بكل الأدوار دفعة واحدة.. ورغم كل عنادهن وصعوبة تربيتهن كانت متفهمة.. كانت صديقة كبرى.. لم تجبرها على أي شيء قط.. ولم تشتكي من أي حملٍ قط
كانت تشهق، وترتجف من البكاء.. حين شعرت بيدين رجوليتين تسحبها من مكانها.. وتحتضنها بحنان شديد تحتاجه
زاد بكاؤها ما أن استقرت على صدره: أمي ماتت.. غديّر.. أمي ماتت.. ماتت خلاص

غديّر بتأثر شديد: لا حول ولا قوة الا بالله.. قولي إنّا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون

كانت ترتجف.. بصوت متقطع رددتها: إنا لله وإنا إليه راجعون

غديّر: ماتبين تشوفينها؟

هزت راسها بالنفي: لا.. اخاف.. مابغي.. مابغي بنتظر ريهام

هز رأسه بتفهم: تعالي نرد الفندق.. أنا خلصت كل شي هني

ريّان: كيف نخليها؟

تنهد غديّر: خلاص حبيبي.. توفت وربي يرحمها.. نحن لا ننفع ولا نضر.. هي عند رب العالمين.. وتحت رحمته.. ادعيلها يا حياتي.. ما في شي ثاني تحتاجه




.
،
*
.





أمسك بيدها وهو يمشي بقربها في اسطبلات الخيول

سوادة: الاسطبل يجنن تبارك الرحمن.. وايد تغير عن آخر مرة ييته

ضرب صدره بفخر: ترتيبي هذا شو رايج؟

سوادة بعدم تصديق: اونك

قرواش: هي والله.. حتى اللوحة اللي برع بالعربي أنا معلقنها افا عليج بس

سوادة: فنان طلعت

قرواش: بعدها عندي مواهب واااايدة ما شفتيها

سوادة ابتسمت: شو ورانا؟ بنشوفها اذا الله عطانا عمر

رن هاتفه.. كان حياب.. استطاعت قراءة الاسم.. الذي كتم أنفاسها
قرواش: هلااا مرررحب بو شويخ (شيخة والدة حياب)
هههههههههه عادي تراها عمتي
لا لا عاد غنّوي (غنية والدة قرواش) ماتستوي عمتك احترم نفسك.. ههههههههه خلاص يا ريال.. شو فيك انته جي چبريت مب زين بتموت بسرعة ترا.. هاه.. أنا موجود
"غمز لها" مشغول شوي
لا برايكم انتوا.. هيييه صدقه غديّر يوم يقول عنكم رغود.. والله مادريبه ماشفته في الجامعة.. برمسه عقب ان شاءالله.. يالله عيل.. فمان الله


سألته: شحاله حياب؟

قرواش: ماشاءالله يمشي على زنده التيس

سوادة: وريوله؟ بعدها؟

قرواش: الحين بعكاز.. لكن الدكتور متأمل خير ان شاءالله قريب يمشي بدونه

سوادة تنهدت: ان شاءالله يارب


كان لديها فضول كبير تجاه علاقتهم ببعض بعد أن دخلت هي بينهم.. ولكنّها حمدت الله أنها لم تتأثر
صحيح بأن علاقتها بحياب لم تكن بذاك التوافق.. ربّما لكونهما بشخصيات متشابهة، والاشباه بطبيعة الحال تتنافر
ولكنه يبقى شقيقها الوحيد.. يُجبرها قلبها على حبه مهما كانت المشاكل بينهما إلا أن هذه حقيقة لا يمكن تغطيتها بغربال
ولذلك لا تتمنى له إلا كل خير.. سواء معها أو بعيدًا عنها




.
،




عاد إلى المنزل مساءً وجلس بجانبها.. كانت تشاهد الأنمي كالعادة
قال: وين وصلتي

صغيْرة: بعدني باقي وااااايد حشى يهالأنمي شطوله

حياب: مب أنتي تبين حلقات يديدة؟ استمتعي "مد رجله على الطاولة ثم نطق بألم" آآآآه


شعرت بقلق طفيف.. ما به.. ايتوجع فعلًا؟ أم هي أحد ألاعيبه ويمثل عليها كالعادة؟ محالٌ أن تأمن هذا الثعلب المكّار
قالت محاولة عدم إظهار اهتمامها: بلاك؟

أسند ظهره على الكرسي: ريولي ورمت

صغيرة: من كثر ما تهيت (تصيع)

حياب: كله منج يالمجرمة وأنتي تلحقيني بالمدخن تبين تحرقيني.. الحين الله يعلم شو بيستوي بي

صغيرة بقلق تحاول تخفيه: لا تفلّم علي

حياب بدراما: الدكتور قاللي بتقدر تمشي بدون عكّاز إذا اهتميت بريولك وما ضغطت عليها "هز رأسه بيأس" بس شكلها راحت علي.. يالله الحمدلله على كل حال

صغيْرة بتوتر: چذاب.. تقص علي.. ما فيك شي

طوى بنطاله من الاسفل إلى الأعلى: شوفي

شهقت: خييبة كيف ورمت.. اويه حياب أنا آسفة.. والله ما كنت اقصد احرقك "أتت برأسها أمام وجهه وقالت بقلق" تبا نسير المستشفى؟ اكلم أم حسام تطرش لنا الدريول؟



حياب تأثر لاهتمامها.. لم يخطط لأن يثير قلقها أبدًا.. ولكنها دائمًا ما تبدأ السيناريوهات الدرامية.. ويأبى هو أن يُعيدها للواقع مباشرة.. بصراحة، لا يستطيع مقاومة رؤيتها مُثارة عاطفيًّا



قال: أسولف ما فيني شي.. ورمت شوي وبتخف

وضعت يدها على يده: لا.. لازم نسير

قال يحاول إبعاد تأثره: يا بنت الحلال فكينا.. قلت ما فيني شي

وكأنها استوعبت الوضع للتو.. صرخت وغطت عيونها بإيدينها: اييييه غط ركبك

أعاد ستر رجليه: اراويج الانتفاخ بس

صغيرة بانفعال: استح على ويهك.. إذا تبا تكون أخوي ترا أخواني ما يكشفون كراعينهم چذي

تضايق من ذكر الموضوع: الحين شو يخص هالسالفة

صغيرة: اذكرك عشان ما تتمادى

حياب: مصختيها.. انطبي خلاص

صغيرة: مابا

حياب: طز فيج.. ما بيلس وياج

صغيرة بغياظ: وأنا ما بسويلك عشا.. سير خبر أمك

كان يمشي عائدًا إلى غرفته لينام.. ولكنه ابتسم قليلًا على كلامها الذي أعاد الذكرى الصباحية
كانت صباحاته في شقة غديّر مع الشباب غالبًا ما تكون بهذه الضجة.. ما بين الشجار على الملابس.. من ارتدى لباس من.. ومن أفسد لباس من.. وعلى الحذاء.. والحمام.. والمقالب وغيرها من الأمور

تنهّد.. هذه الحياة.. عليك أن تتمتع بلحظاتك.. لأنها ستمضي ومحال أن تتكرر بذات المتعة
حتى وإن عاد إلى الشقة.. لن يعود أي شيء كما كان.. فقرواش هنا.. مع تلك.. وغديّر الذي يظن بأن أمره مخفي.. إلا أن الشقة ومن فيها يعلم بأن علاقته لا زالت قائمة مع زوجته السرية.. وهزاع مشغول مع اصدقائه الجدد.. لا شيء كما كان


استحم.. وفتح حاسوبه لينهي بعض الأمور العالقة الخاصة بالجامعة.. ثم عاد لينام.. شعر ببرد شديد أكثر من المعتاد.. حاول تجاهل الأمر والنوم.. ولكن البرد كان أشد من أن يستطيع تجاهله
نهض ليتأكد من التدفئة.. ولكنها لم تكن تعمل
تأفف.. بحث عن غطاء ثانٍ ليساعده على النوم.. وعاد مجددًا إلى الفراش
يشعر بأن أذنيه قد تجمدت.. غطى وجهه.. فشعر بكتمة بسبب الغطاء على وجهه
رمى الغطاء بغضب ونهض



دخل إلى الغرفة المجاورة.. ولم تكن تدفئتها تعمل أيضًا.. ذهب إلى الأخرى.. ولم تعمل أيضًا.. يبدو بأن التدفئة معطلة في الجناح كاملًا
فكّر بالذهاب إلى أي جناح آخر.. فالفيلا شبه فارغة.. ولكنه تذكرها.. لا يستطيع تركها هنا لوحدها.. بالاضافة إلى أن تدفئتها قد تكون معطلة وهي لا تعلم

تأفف واتجه إليها.. يريد النوم.. وليس به أي طاقة لثرثتها واعتراضاتها الطفولية ولكن ليس لديه خيار آخر سواها

ذهب إليها وطرق الباب.. لم ترد عليه.. طرق مرة أخرى.. واستمرت بصمتها.. حاول فتحه.. كان مُقفلًا ولم تجب هي.. شعر بهاتفه يرن في جيبه

ضغط على زر الرد فوصله صوتها
قالت بهمس: حياب.. في حد يحاول يقتحم حجرتي.. يمكن حرامي تعاال بسرعة

كان متعبًا.. لكنه شعر برغبة بالضحك.. اشتغل شيطانه وشعر برغبة كبيرة بإخافتها أكثر.. ترك الاتصال قائمًا بلا رد وكأنه قد أجاب وهو نائم

حاول اختلاق ضجة عند الباب وكأنه يريد كسر الباب

أما هي ففزعت.. كانت تشعر بخوف شديد.. الفيلا ضخمة وخالية تقريبًا.. ويبدو بأن حياب نائم

لم تعرف مالذي عليها فعل.. اغلقت الاتصال وأعادته مرة ومرتين وثلاث ولم يرد.. فلتت منها دعوة بغير قصد: الله ياخذك وقتك الحين

قال: سمعتج يالبقرة.. افتحي

شعرت وكأن ماءً دافئًا قد صُبّ عليها.. ركضت إلى الباب: ححياااب

ابعدها بيده: هي حياب.. منو هالحرامي اللي بيوصل هني.. قومي بس


كان وجهه مبيضًّا من شدة البرد.. يمشي وغطاؤه فوق رأسه.. شعرت بالشفقة عليه
أفسحت له الطريق وهي تنظر إليه بتساؤل: شو فيك؟

حياب: أبا ارقد.. الدفاية ماتشتغل عندي

عقدت حواجبها.. كانت تود قول "ويعني ما تشتغل أنا شو يخصني؟" ولكنها صمتت.. وعادت إلى فراشها تراقبه مقبلًا عليها

قالت: وين ياي؟

شافها بقلة صبر: الشبرية.. برقد.. وين تبيني ارقد؟

قالت بعبط: تبا افرش لك على الارض؟

حياب بقلة صبر: صغيرة والله العظيم اني مب متفيج لغبائج الزايد.. انطبّي وارقدي وخليني ارقد

نفضت شعرها الطويل عن جسمها ووضعت رأسها على الوسادة تراقبه بتوتر شديد.. رفع الغطاء ونام على جنبه الأيسر ليتجنب رؤيتها


كان يشعر بتخبّط في نبضاته.. يحاول مقاومة هذا الشعور والاستسلام للنوم ولكنه لم يستطع
لأول مرةٍ ينام بقرب امرأة.. مهما كانت تسمياته لها.. طفلة/ بريئة/ ساذجة هي في النهاية امرأة تامة البلوغ.. والنوم في الليل والذي هو بطبيعة الحال وقت سكينة وبهذا القرب ليس أمرًا هيّنًا على أي رجل

ابتسم عندما تذكر شكلها.. كانت ترتدي ثوبًا قطنيًا بلون أبيض يصل إلى ركبتها وشعر أسود طويل
كان كالليل إذا ساد.. تذكر تموجاته في الهواء وهي تركض.. وما أن تستقر حتى يغطي جنبها كاملًا

قطعت أفكاره وتخيلاته بهمساتها: حياب.. تعشيت؟ ما كنت اقصد أزعلك وأنت تعبان

ابتسم بدون أن يلتفت: لا مالي خاطر عشا

صغيرة: إذا يوعان عادي بسويلك شي خفيف

حياب: أبغي ارقد بس

صمتت.. وحاول النوم مرة أخرى.. حاول مقاومة كل هواجسه عنها لينام فلديه امتحان مهم بالغد
ولكنها قطعت افكاره مرة أخرى: حياب

صد عليها بنرفزة: وعلة تعل حياب.. شو تبين بعد؟

قالت بصوت مخنوق: شعري.. انته منسدح على شعري.. ويعورني!

أخفض نظره إلى السرير.. بالفعل كان مستلقيًا على خصلاتٍ عريضةٍ من شعرها

حياب: وانتي ليش فاتحة شعرج جي؟ صدقتي أنج نعّاشة؟ اربطيه وفكينا من الصدعة ولا ابا اسمع لج نفس

قالت بزعل: الحين ليش معصب علي؟ انا شو سويت؟ ترا مب انا اللي خربت دفايتك؟ وأحمد ربك بعد خليتك ترقد على شبريتي


شافها بهدوء.. ولسان حاله يقول شو كل هالبراءة يا صغيرة؟
حياب: صح.. انتي ما لج خص بشي.. بس عندي دوام باجر ولازم ارقد.. اسمحيلي

صغيرة مدت بوزها: بلف شعري الصوب الثاني لاني ماعرف ارقد وهو مربوط


لم تلقَ أي رد منه.. لمَ تُعطيه تفاصيل عنها من الأساس؟ هو غير مهتم.. أو من المفترض أنه غير مهتم

كانت تلف شعرها وتتقلب.. طار النوم من عيونها.. فكيف تنام وحياب بهذا القرب منها؟
هي التي لم تذق أي لمسة رجولية في حياتها.. سوى لمساتٍ بعيدةٍ من والدها.. كيف تنام بهدوء وبقربها رجل ينضح رجولة ووسامة
كانت تقول لنفسها: حياب ما يعني لي شي.. حياب ما يعني لي شي.. حياب مثل اخوي.. حياب ما يعني لي.. كانت ترددها وهي تنفض رأسها حتى شعرت بيده على نحرها

حياب: ليش تتحركين هالكثر.. فيج دودة؟

شهقت وهي تبعده: اييييه ليش جي لاصق.. خوز عني (خوز=ابتعد)

رفع حاجبه بنذالة: وإذا ما خزت شو بتسوين؟


صغيرة شعرت بقلبها يهبط إلى بطنها.. بدأت بالتلفّت.. تبحث عن شيء ينقذها منه.. ثم أعادت نظرها إليه.. قالت برجفة: خوز عني.. عيب عليك والله

قال بغموض: عيب؟ .. ليش مب حرمتي أنتي؟

صغيرة رفعت يديها المرتعشتان، تحاول دفعه من صدره: لا مب حرمتك قوم عني.. اطلع برع.. والله بصارخ

كتم ضحكته: صارخي.. بشوف منو بيي ينقذج مني

صغيرة بنفس الرجفة تحاول دفعه: حياب خلاص شو فيك؟.. مصختها

أمسك بيديها الاثنتين.. وثبتهما على صدرها.. وهمس: ما بقوم


أغمضت عينيها بقوة.. حياب اقترب لدرجة حساسة جدًا.. درجة بدأت تؤثر على سير نبضاتها.. تشعر بحرارة في جسمها من الاحراج.. تريد أن تهف على وجهها تخفف من حرارته
ولكنها لا تستطيع.. حياب محكمٌ الخناق عليها.. تشعر به يكتم على صدرها، وأنفاسها
لا تستطيع التنفس.. رغم برودة الجو إلا أنها تشعر بكتمة فضيعة
شدت على عينيها برفض للوضع.. رصّت على فكّها وشفتيها.. حتى سمعت ضحكته الساخرة


،



كان مُتعبًا.. يريد النوم.. ولكنّها استقبلته بذلك الثوب القصير.. والملامح البريئة

أيتحدث عن رائحتها الدافئة التي تملؤ الوسادات؟ أم شعرها.. "كتم تنهيدته" شعرها الحريري الذي لا يُفارق مخيّلته.. شكله وهو يزين أكتافها ويؤطر تفاصيل جسمها من كل اتجاه

المتناثر الآن حوله، وكأنها تريد الكتم على رقبته وخنق صدره؟
كانت لذيذة.. وبريئة.. ولكنه تذّكر الظهار.. فابتعد مُجبرًا

ولكن شكلها الخائف.. وعيونها المغمضة.. وفكّها التي تكاد تكسره.. أثاروا ضحكه.. ضحك مطوّلًا وهو يبتعد عنها.. بينما كانت تهف على وجهها بيدها تحاول تخفيف حرارته.. كان يراها وهو يقول في قلبه: هذه الطفلة لن تكبر أبدًا

ابتعد عنها وهو يحاول تهدئة قلبه.. حين قالت هي: برقد على الغنفة

رد هو: انا برقد هناك.. انتي ارتاحي في شبريتج

قامت صغيرة: لا انته طويل الغنفة ما تسدك!

شاف جسمه وعقب حوّل عينه عليها: لا تسولفين وايد.. ييبيلي لحاف وراي نشة من الصبح.. حطي منبه الساعة 7 اذا ماشفتيني قمت واعيني عندي امتحان وايد مهم


.
،





أغلق باب غرفتها وخرج يتنفّس الصعداء.. لا يعلم كيف نامت.. لقد كان يومًا صعبًا.. يومًا عصيبًا
هو يعلم بمكانته في قلبها.. ولكن يومًا كهذا.. يحتاج شخصًا من عائلتها يشاركها المشاعر.. كانت عمته رحمها الله سيدةً لطيفة وبشوشة وخفيفة طينة ولكن علاقتها به كانت سطحيةً جدًّا

ترحّم عليها وجلس في الصالة يعبث بهاتفه.. كان سيتصل مباشرة.. لو لا أنه تذكّر وضع المقصود الجديد
ارسل له: واعي

رد مباشرة: آمر

كتب له: بغيتك بموضوع.. يوم تحصل وقت كلمني

اتصل الآخر مباشرة
سلطان: مرحبا غديّر.. حي الله

غديّر: مرحبتين سلطان.. كيف الحال

سلطان: طيبين ابشرك.. علومك انته

غديّر: الحال طيب.. لكن العلوم ما تسر

سلطان: افا يا ولد العم.. اللي تامر به.. افا عليك بس

غديّر تنهد: والله يا أخوي.. مادري شو أقولك.. أم الحرمة توفت.. الله يرحمها يارب

سلطان: لا حول ولا قوة الا بالله.. عظم الله أجوركم وغفر لميتكم

غديّر: يزاك الله خير.. "خرج من الشقة خشيَة أن تسمعه"
قال: مادري شو أسوي.. أحس إني ضايع.. تعرف وضع أهل أبوها الله يرحمه.. ماعنده اخوان وأهله من بعيد وما فيه تواصل بينه وبينهم من يوم توفى

سلطان: صحيح

غديّر: والحرمة ما لها الا أخت وحدة ومعرسة.. ماقدر أخليها في بيت ريل أختها

سلطان: صحيح

غديّر مسح وجهه بيده بقلق: شو الحل

صمت سلطان يفكر: قال الحل تستلم مسؤوليتك يا غديّر.. مافي غيرها

غديّر: والله إني مب متهرّب ولا إني بشكّاي منها.. لكن الأهل.. كيف؟.. كل ما افكر بالموضوع ما ألقى له حل.. كيف بيتدبر.. كيف؟

سلطان: اذكر الله يا بو سيف.. كلها تدابير من ربك مب مني ولا منك.. خل إيمانك بالله قوي.. ماحيدك جي

غديّر: استغفر الله العظيم وأتوب إليه

سلطان: وين بتدفنونها؟ هني ولا في البلاد؟

غديّر: والله اتريا نسيبهم يوصل بالسلامة وبيقررون.. بس أشوف أنا في البلاد أحسن.. هذي ديار غرب.. بلادنا تعزنا ونزورها إن الله كتب لنا عمر
افكر إذا سرنا ندفنها هناك اودي الحرمة عند أمي ولا أمي صغيرة.. بس أخاف ما يعاملونها زين.. وهي ما تزداد في هالوضع

سلطان: ونعم الشور.. بس اخبرك قبل لا تودي البنت كلمهم.. لا تفاجأهم بشوفتها مرة وحدة يمكن ما تكون ردة فعلهم زينة
لكن ابشرك أمي صغيرة الحين مب هي الأوليّة (القديمة).. خبرها بوضعك بتقدر تقنعها برايك.. وخالتي أم غديّر بعد أنت أدرى بها

"تنهد ثم أردف".. أما أبوي.. نسير له رباعة (معًا) أحسن أنا وأنت.. وييب وياك عقد الزواج.. دام الموضوع فيه عمي سيف الله يرحمه تراه بيسهل بإذن الله.. بتحصل كم هزبة على كم كلمة تسم الخاطر.. بس ما عليه.. تهون.. اهم شي تحصل اللي تبغيه.. أبوي ما بيرضى تتم البنت بليّا (بدون) ريال خصوصًا إنها على ذمتك
وصدقني إذا أبويه وأمي صغيْرة طاعوا، الباقي يهون


أعاد غديّر رأسه إلى الخلف وهو يفكر: الله ييسر الأمور يارب

سلطان: أم مايد موجودة في الخدمة إذا بغيت حد يكون ويا حرمك

غديّر: ما تقصر سلطان

سلطان: مادري شو وضعكم وإذا بيسوون عزا.. بس نحن في الخدمة مررة لا تستحي من أخوانك

غديّر: الشاهد الله إنك ما تقصر يا بو مايد.. وتدري بي ما استحي منك.. الله ييسر كل ما فيه خير يارب



.
،
*




كان يسمع صوتها وهي تنادي: حياب.. حياب
فتح عينيه.. لم تكن الرؤية واضحة.. ركز قليلًا.. كانت أمامه.. بصوتها الرقيق وملامحها الناعمة.. كان يتأملها وكأنها أحد الفتيات في الانميات التي يشاهدها.. خصوصًا الآن والشمس تداعب وجناتها برقة

تذكر الامتحان وفز فجأة.. مسح وجهه بيديه: الساعة كم؟

صغيرة: 7 وربع

فر اللحاف وركض للحمام: خيييييبة الامتحان.. صغور دخيلج حطي اغراضي واللاب توب في الشنطة لين اتلبّس بسرعة

لحقته: احط كل شي؟؟

حياب: حطي كل اللي على الطاولة

صغيرة: اسويلك سندويجة أو شي سريع؟

حياب بعجلة: ماشي وقت صغور دخيلج عقب


تعلم بأنها إن زادت بحرفٍ واحد، ستواجه سبّة أو صراخ.. لذلك انسحبت ونفّذت ما طلب.. وبأسرع ما لديها اتجهت للمطبخ الصغير في الجناح.. حضرت له شطيرة خفيفة وغلفتها
أشفقت عليه.. لم يأكل بالأمس بسببها، ولا يجب أن يدخل امتحانه بدون طاقة
تذكرت سيارته.. غالبًا ستكون في المواقف البعيدة

اتصلت مباشرةً بأم حسام: أم حسام.. خبريهم اييبون سيارة حياب عند الباب

رأته يخرج برداء شتوي مسرعًا وشعره رطب.. تودّ أن تنبهه ولكنها حقًّا تخشى لسانه اللاذع
كان سيضع قلنسوة الرأس الصوفية
قالت بحذر: شعرك خرسان.. اتريا عليه شوي.. شغل الدفاية في السيارة بينشف
"رأته يخفضها فمدت له الحقيبة والطعام" وتريق

حياب بقلق: دعواتج امتحاني وايد صعب

قالت بعجلة: ان شاءالله

ورحلت بعيدًا.. تريد التواري عنه.. كلّما رأت وجهه تذكرت ليلة الأمس.. وشعرت بحرائق في وجناتها وأذنها

لم ترَ منه أي شيء يدلّها على مشاعره تجاه الأمر.. عللت الأمر بانشغاله بالامتحان؟ لا تعلم بعد



أخذت هاتفها لتحادث والدتها كروتين يومي.. ولكنها انتبهت على اضافة غريبة
من: سـوادة


شعرت بخوف شديد.. ورعشة.. ما بين حبّها لابنة عمها وشوقها إليها.. وخوفها من حياب
تركت الهاتف.. لن تفعل شيئًا.. عليها التفكير قليلًا
لا تريد بكسر خاطرها.. خصوصًا وهي تعلم بصعوبة الوحدة، والتي تعيشها هي حاليًا، ولكنها على الأقل تتواصل مع أهلها.. ولديها جمع هائل من المحبّين
على عكس سوادة.. الوحيدة تمامًا.. ولا تعلم بعد بوضعها مع قرواش

عادت لنيّتها الأولى وهي الاتصال بوالدتها وجدتها وتبادل الأخبار كعادتها اليومية




.
،




تنفّس الصعداء ما أنه أنهى امتحانه.. كان الأمر "ركض ومراكض" كما يُقال.. ابتداءً بسرعةِ خروجه من الفيلا البعيدة عن الجامعة وبحثه عن موقف وثم الركض إلى قاعة الامتحان


شعر بقرصات جوعٍ فضيعة.. بالأصح ليست قرصات.. كانت تقلّصات حادة وكأن امعائه تتلوى على بعضها.. لم يتعشى بالأمس ولم يفطر اليوم
تذكّر مشهدًا مرّ سريعًا.. عندما ناولته شطيرة مغلّفة

جلس على أحد الكراسي وفتح حقيبته.. كانت الشطيرة بوضعية جيّدة.. حمد الله أنها لم تُدمّر بالحاسوب
فتح التغليف البسيط وأكل.. كان فطورًا بسيطًا جدًا.. شطيرة محشية بالجبن والعسل
ولكنّها كانت لذيذة جدًّا.. أو ربما دفء الموقف، والجوع، جعلوها بهذه اللذة

ابتسم.. بالرغم من محاولاتها مجاراته بالحقارة، إلا أنّ طبيعتها الطيبة تطغى دائمًا.. وتظهر في هذه المواقف بالذات

تذكّر موقف الأمس وسرح به.. حتى أنه شعر بالشبع.. يتذكّر رائحتها وشعرها الحاني تحت جسمه.. خوفها منه ويدها الدافئة
كلّما وصل إلى نقطة معيّنة أعاد الذكرى من البداية.. وكأنه يريد أن يستشعر كل ثانية فيها



.
،




عُدن من ثلاجة الموتى وهي تشعر برخاوة شديدة في ركبها.. لا تستطيع إسناد نفسها.. كانت تبكي بانهيار.. يبدو الأمر غير طبيعي أبدًا.. بتلك الملامح الهادئة والصامتة تمامًا.. تبدو غارقة في السلام
حتى نومها لا يكون بهذا الكمال.. كانت تشعر بها وكأنها جثة حقيقية.. كانت جثة..

بكت بصوت عالٍ على هذه الفكرة: ماما كأنها جثة!

كان هو على بعد مسافة ليست بالبعيدة.. يود الاقتراب.. يود انتشالها وإسنادها ولكن أختها كانت ممسكة بها
يشعر بقلبه يتقطع.. كونه يرى محبوبته الوحيدة بهذا القدر الهائل من الألم.. وهو لا يستطيع مساعدتها أبدًا.. أمر صعب.. قلة حيلة عظيمة


لا يريد حتى الالتفات وتركها تبتعد عن عيونه.. ولكنّهن دخلن إلى غرفة الانتظار.. فأُجبر على العودة إلى نسيبه
قال وهو يتنهد: خلاص ندفنها في البلاد ان شاءالله.. أهلك ردوا عليك؟

محمد (زوج ريهام): هيه ان شاءالله

غديّر: خلاص خل الموضوع كله علي.. بخلص الاجراءات وبدور اقرب حجز عشان نسير بأسرع وقت ان شاءالله

محمد: على خير يارب


تواصل مع السفارة، وبعضًا من المعارف الذين قد يُسرّعون بالأمر.. وبالفعل تمت كل الاجراءات بسرعةٍ هائلة.. يعود نصف الفضل فيها لاسم بوالخيول العريق



،


في الطائرة


كانت جالسة بجانبه.. انزل الحاجز ما بينهما ومد ملعقته باتجاهها
غدير: رياني.. كلي هذا.. بطاط.. ماشد بوتيتو.. جربته حلو وخفيف

نظرت إليه بعيونٍ مُتعبة: مالي نفس آكل

غديّر: أدري إن مالج نفس تاكلين.. بس لازم.. عشان خاطري كلي كم لقمة بس

شاهدته بصمت.. وبادلها النظر برجاء

اقتربت منه وبدأت بالأكل من يده.. بضع معالق واكتفت
مد العصير: اشربي شوي

لم تمانع.. أخذت الكأس من يده وارتشفت بضع رشفات وأعادته إليه

وضع يده على خدها: بالعافية حبيبة قلبي.. ارقدي الحين ارتاحي

بدأت ترمش بسرعة، وصوت مرتجف: ما اقدر أنام

ابتسم يلطف الجو: ليتني حاجز على الاقتصادية جان حضنتج ورقدتي

أمسكت بيده بأطراف أصابعها: حبيبي أنت.. ماتقصر




.
،





نشر غديّر خبر الوفاة في مجموعة بني عمه في الإمارات وبريطانيا.. والجميع استلم الخبر والمسؤولية والواجب


في شقة سلطان ووديمة

كان يجهز حقيبته وهي بجانبه تساعده
قال: أساسًا من باجر البلاد كلها إجازة عشان احتفالات الملك ومع الويكندين هذي 10 ايام إجازة

وديمة: بس نحن المستشفيات ما نأجز في الاحتفالات الرسمية لا تنسى.. بس بيعوضونا عقب

زفر بحيرة: استغفر الله العظيم.. الحين شو أسوي؟ ماروم اخليج هني.. ما يستوي يعطونج اياهن الحين؟

وديمة: والله مادري.. بس أنا من كم شهر بروحي هني.. ما يت على هالكم يوم

سلطان رفع حاجبه: هذا قبل لا تتزوجيني.. جهزي شنطتج مستحيل تيلسين فهالبلاد بروحج

عقدت حواجبها: يالدكتاتوري.. برمّس د. شيبرد بشوف شو بيقول.. بقوله عندي حالة وفاة وباخذ الباقي من إجازتي

سلطان: عطيني اياه أنا بقنعه

وديمة ضحكت: لا والله.. اييب ولي أمري يكلم مديري؟؟

سلطان: مب ولي أمرج، د. شيبرد صديقي

وديمة: لا.. بروحي بكلمه وان شاءالله يطيع.. هو متفهّم

سلطان: انزين.. قوليله يقولك سلطان إذا ما طعت تعطيني اجازة تراك ما بتشوف ويهي

وديمة ضحكت عليه: بسسس يالتهديدات




.
،




أما في فيلا بوالخيول، وتحديدًا في جناح قرواش وسوادة


كانت سوادة متربّعة أمام حقيبته.. هو يُخرج الملابس من الخزانة وهي ترتّبها بالداخل
كانت مصعوقة من الخبر: غديّر ولد عمي سيف معرس! معقولة

قرواش: إن فتحتي حلجج (فمك) يا ويلج.. سر هذا.. ما تطرينه حتى بينج وبين نفسج.. هو بيرمس روحه يوم يبا

سوادة بتعجّب: والله طلع مب هين وفي الدانة الكل يتمدح فيه

قرواش رفع عيونه لها بتحذير: سوادوه.. تحمّلي (انتبهي).. كله ولا ولد عمي غديّر مارضى عليه.. عنده عذره وعنده سببه.. بس أنا ما ابغي ارمس عنه بروحه يوم يبا بيرمس

بوزت: وأنت ليش تعطيني نص العلم

قرواش: أنا الغلطان.. حد يخبر الحريم شي؟

ضحكت: ههههههه خلااااص.. لا تزعل.. كم بنيلس هناك؟

قرواش: عشرة أيام ان شاءالله

شعرت بكتمة في صدرها: ان شاءالله

شعر بتغيّر نبرتها.. نزل إلى جانبها: لا تخافين حبيبي.. أنا وياج.. أنتي حرمتي الحين.. لا بنت سعيد ولا اخت حياب.. انتي حرمة قرواش قبل كل شي.. تسمعين؟


هزّت رأسها وحاولت زرع ابتسامةٍ على وجهها.. ليست مطمئنة أبدًا.. تشعر بخوف شديد.. ورهبة
تتذكر جيّدًا كيف تبرأ منها والدها بدون أن ترمش عينه، كيف رفض دخولها المنزل حتى
تتذكر سماع صوت والدتها واختفائه خلف الباب.. تذكرت جحيم خالها بو سلطان
عادت إليها كل ذكريات الدانة.. ولكن هذا الهروب لابد أن ينتهي.. عليها أن تعود خصوصًا وهي تعلم بتعلّق قرواش الشديد بأهله




.
،





أما في جناح حياب وصغيرة


كانت صغيرة تتحرطم: يعني كيف تباني أسير المِعشرة (المقبرة) وما تخبرني عزا منو!

حياب: ما يخصج.. كم مرة أقول ما يخصج.. عربي.. ماتفهمينه؟

رمت ملابسه: أنا ما افهم؟ اوكي.. عيل بروحك رتب أغراضك

تأفف: يا ليييل هالمذلة.. تراج مستوية وغدة.. تذلينا على كل خدمة.. الله يعز أم حسام الحين بتصل بها تطرشلي بشاكيرها الغاويات (خادماتها الجميلات) يرتبن شنطتي
على الاقل شقار وعيون ملوّنات.. هب شراتج انتي يالقطوة

نظرت إليه باحتقار: الشقرا تبا أشقر.. ما تباك أنت يالبديوي المعفن

حياب: الفلوس اتييب كل شي.. الشقرا والحمرا والبلجا

نظرت إليه نظرة نارية: نععععم؟؟؟

حياب زاغ: أعوذ بالله.. تعرفين أم الدُّويس؟ أحسها أنتي.. والله نفس المواصفات.. وحدة حلوة وبيضا وشعرها أسود طويل وعيونها وساع وسود

(ملاحظة: أم الدويس هي من الخرافات في المجتمع الإماراتي، عن جنية فائقة الجمال وطيّبة الرائحة ويقال بأنها تلاحق الرجال حتى يُفتتنون بها ثم تقتلهم وتأكلهم)


نظرت إليه بحقد.. منذ البداية كان جالسًا على كرسيه ويتأمّر كأنه أحد الملوك.. حتى الآن كان مندمجًا بحديثه الحقير وهو يراقبها تنهض.. وقفت أمامه بنظرات إجرامية.. تودّ صفعه أو رفسه.. أي شيء قد يبرّد ما بداخلها

ابتسم بسخرية ووقف هو الآخر.. يبيّن فارق الطول ما بينهما

ضربها بإصبعه على جبهتها: يوم بتيين جدامي تهدديني، البسي كعب على الاقل

قفزت عليه: والله أراوييييك يالهرم


توقّع حياب كل شيء إلا هذا الأمر.. اختلّ توازنه مباشرة
حاول نزعها منه ولم يستطع
كانت تعضه.. وتشد شعره وشعر شنبه ولحيته.. كان يصرخ تارةً من الألم.. ويضحك أكثر الوقت بشدة.. متعجّبًا.. ما كل هذا الجنون!


حياب: آآآآآخ هدي شنبي يالسبالة ههههههههههه اييييييه يالخبلة.. ما چذبت يوم قلت عنج قطوة.. وأم الدويس.. عنبوه إنسانة تتعلق چذي چنها سبالة.. آآآخ صغور قسم بالله بجرم فيج إن ما نزلتي.. قومي شوهتيني


كانت متشبثة به برجليها.. كلما حاول فكّ رجليها من خلفه، شدت بيديها على رقبته.. من الأساس لم يكن بكامل قوّته.. لأن ضحكه كان أكثر من محاولاته.. استنزف كل الحلول.. ولم يتبقى أمامه حل آخر.. أمسك بوجهها وقبّلها


توقّفت حركتها تمامًا.. تجمدت
قال بابتسامة: بس.. عرفت دواج


كادت تسقط منه ولكنّه أمسك بها وأنزلها برفق.. شعرت بهبوط حاد في ضغطها من جرأته.. احمرّ وجهها.. ثم تذكرت الظهار.. وصرخت عليه بغضب: ما يجوز

حياب: بسأل الشيخ.. بقوله كنت مضطر.. دفاع عن النفس والا بتذبحني

صغيرة: يا ويلك من الله.. ياااويلك

حياب خاف شوي: استغفر الله.. أنتي بلاج؟ .. بعدين أنتي اللي ياية تتحرشين فيني

فتحت عيونها بصدمة: أنا!

حياب: هي.. ياية تحضنيني وماتبين تنزلين بعد.. وأنا الصراحة ريال مسكين.. شو متوقعة أسوي؟

كانت تود الرد عليه، ولكن رجفة قلبها منعتها.. حتى رجفة يديها
كانت ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها.. اضطرت للهروب.. لا تستطيع ملاسنته الآن.. اتجهت مباشرةً إلى غرفتها وهي تشتمه: فوق كل حقارتك أنت إنسان وقح وقليل أدب


أغلقت باب الغرفة، واحتضنت نفسها بيديها.. تشعر ببرودة غريبة.. وضعت يدها على قلبها.. تشعر ببرودة حتى في قلبها.. مالذي فعله هذا المعتوه؟
مالذي فعله.. أغمضت عيونها بقوة.. ورمت بنفسها على السرير

راجعت الموقف من البداية.. اضطرت للتوقف عند نقطة معينة.. عندما تغزّل بها بعفوية.. قال هي مثل أم الدّويس.. حلوة وبيضا وشعرها اسود وعيونها وساع

قال حلوة.. وضعت يديها على وجهها تمررها ببطء.. هل يراها حلوة بالفعل؟ أم هي كلمة عفوية خرجت بدون أن يحسب حسابها؟
ثم.. تنهدت.. آه منك.. يا حقير.. كيف من الممكن أن يكون الشخص حقيرًا.. وساحرًا إلى هذه الدرجة؟.

،




في دولة الإمارات العربية المتحدة

تحديدًا: أحد مقابر إمارة أبوظبي


لم تكن غرفة غسيل الموتى القريبة من الباب، ممتلئة تمامًا.. كنَّ النساء معدودات
ريان وريهام، صغيرة، وديمة، سوادة، وبعض شقيقات محمد زوج ريهام

كانت ريّان متمسكة بجسد والدتها وتبكي بحرقة: بشتاق لج.. كيف بتروحين وتخليني؟ حبيبة قلبي.. يا عيوني وحياتي.. كيف راح أعيش بدون صوتج؟ كيف؟ كيف؟

كانت ريهام تحاول تهدئتها.. ولكّنها تفشل في كل مرة، وتبكي بإسراف معها

كان الجميع متأثرًا لمنظرها.. لا سلوى.. ولا كلمة قد تخفف هذا الوجع

كانت وديمة تمسح دموعها وهي تحتضن ريّان من الخلف: حياتي ريان.. خلاص.. خليها.. تأخرنا وايد لازم يصلون عليها

أجهشت بالبكاء: ماقدر اخليها.. والله ماقدر.. ارحموني

أبعدتها وديمة رغمًا عنها: أنا آسفة.. بس لازم ياخذونها.. استودعيها الله.. وادعيلها.. ادعيلها ما تحتاج الا دعواتج

جلست ريّان على الأرض تغطي وجهها: يارب انك ترحمها.. وتخفف عنها وحشة القبر.. يا عمري يا ماما.. يارب ارحمها.. يارب كون معاها.. وهوّن عليها.. يارب

كان المشهد مؤثرًا لكل الموجودين.. هذه المكلومة فقدت والدها بسنٍّ صغير.. والآن والدتها.. والمكان فارغٌ تمامًا.. وهذا الفراغ يُخبر الجميع بأنها لا تمتلك أحدًا آخر قد يعوّض ولو جزء بسيط من فقد هذه الأم


حُملت أم ريان إلى داخل المقبرة.. وخرجن هن من غرفة تغسيل الموتى لرؤية الرجال وهم يحملونها من بعيد.. كان العدد هائلًا.. لا يُعد.. ومعظمهم من رجال بوالخيول ومعارف غديّر
أغلب الرجال لا يعلمون من هي.. ولكن يكفي أنها سيدة مسلمة تُوفيّت وليس لها أقارب كُثر.. خصوصًا وأن ابن عمهم طلب منهم الحضور.. ففي هذا الحال لا سؤال ولا إجابة.. إنما تلبية الواجب وحسب


قالت صغيرة: ماشاءالله.. بوالخيول كلهم هني

سوادة بحق: مايقصرون بالواجب

وديمة شاركتهم النظر: يا حظهم بالأجر.. الله يرحمها ويغفر لها يارب

أعادت صغيرة النظر إلى سوادة، ثم أخفضت نظرها.. انشغلت بكثيرٍ من الأمور.. ونسيَت أمر الاضافة
تحدثت سوادة بصوت منخفض: اتفهم إنج ما تقدرين

صغيرة: لا والله.. لكني انشغلت

ابتسمت سوادة: ولا يهمج.. لا تفكرين بالموضوع.. عادي.. يلا أنا بطلع قرواش يترياني.. مع السلامة

تنهّدت وهي تراها تخرج.. لم تتخذ أي قرارٍ بعد.. ولكن.. اوجعتها نبرة سوادة هذه.. ليست هذه سوادة أبدًا

عادت مع وديمة وسلطان، بتجاهل تام لحياب الذي استشاط غضبًا ما أن وصله الخبر


جلست مع جدتها.. تتبادل الأخبار مع سلطان ووديمة

الجدة: وحي الله بنت الجالبوت.. أسفرت وأنورت والله الدانة

ابتسمت لها وديمة بعذوبة: الله يحييج.. الدانة منورة بوجود شيختها

الجدة: يعلنا فدوة هالمنطوق.. شحالك ابويه سلطان؟

سلطان: الحمدلله بأحسن حال

الجدة: الله يجعله من هالحال واحسن ياربي.. يعلني ماشوف فيك إلا ما يسرني "لفّت على وديمة" يعلها أمطار وسمية.. بنيّتي.. بخبرج.. سلطان ولدي ماشفت الراحة هذي على ويهه الا وياج.. ما يخفى عليج إننا ما نيوّز (نزوج) من برع.. لكن والله ونعم الاختيار

قبّلت رأسها باحترام: ما عليج زود أمايه


استأذن سلطان ووديمة للراحة.. بينما جلست الجدة تراقب صغيْرة
الجدة: أما أنتي عندج علوم

صغيْرة ابتسمت لجدتها بتوتّر: امايه أنا مافي شي يخوفني في هالدنيا كثر نظرتج هذي

الجدة: نظرتي هذي ما تخافين منها الا وأنتي مسوية بلا "ضربت الأرض بعصاها" شو مسوية بولدي اعترفي يلا

صغيرة فتحت عيونها: الحين أنا شو مسويتبّه!!! هو اللي شو مسوي بي.. اسأليه.. لا تسأليني

الجدة: ماعليه.. بييني.. "لم تكمل كلامها الا بصوت حياب يهوّد وردت عليه الجدة" هدااا.. هاذوووه وصل.. ولد حلال.. اقرب حياب

نهضت صغيرة بجزع.. وأجلستها الجدة بضربة على رجلها
حكّت صغيرة رجلها: آآآححح امايه عورتيني

حياب: السلام عليكم "قبل رأس جدته" امايه زيديها طلبتج

صغيرة: الا زيديه هو

فتح حياب ثوبه الكويتي والذي لم يرتديه الا لاخفاء إجرام صغيرة
قرب رقبته من جدته: اطالعي.. شوفي شو مسوية بنتج اللي زوجتوني اياها تقولون مسكينة وبريئة.. البريئة جي تسوي؟؟؟ تقولين متضارب ويا قطوة

صغيرة: إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب

ضحك حياب: امايه دخيلج هذي سكروا عنها التلفزيون.. مادري من وين اتييب هالكلام وتقوللي اياه


نظرت إليهم الجدة بانتقاص: لعنباا هالويوه اللي لكم.. امممف عليكم.. أنت ريال لحيتك تارسة ويهك.. وانتي يعريّة شكبرج، اللي فعمرج عندهم عيال.. يالسين تتضاربون جدامي چنكم يهال

استند حياب على الجلسة العربية: يِعريّة وأم لسان وفوق كل هذا شاردة مني وچاذبة على سلطان انها مستأذنة.. هذي تربيتج يا امي

ضربت الجدة الأرض بقوة: تسنّع.. لا أمرغك (اضربك) بهالعصا

كتمت صغيرة ضحكتها: دخيييلج امايه

سمعوا صوت رجالي آخر: هووود

اشّر لها حياب بحاجبيه: داخل

طريقة أمره هذه مستفزة.. وكأنه يستغل كونه رجل ليلقي عليها الأوامر.. لم ترغب باتباع أوامره.. ولكّنها مجبرة هذه المرة.. نهضت بسرعة متجهة إلى داخل المنزل

قام حياب: اقرب ولد العم

سلّم عليه وهو يرى وجهه المُتعب وبجانبه والدته.. يظن بأنه عرف مبتغاه من هذه الزيارة.. استأذن سريعًا وترك المكان لهم


قبّل رأسها وجلس بجانبها.. استند على الجلسة الأرضية، وأعاد رأسه إلى الجدار بهمّ بادٍ على ملامحه

لم يسبق لها أن رأته هكذا أبدًا.. لطالما حمل المسؤولية منذ صغره بصمت.. لم يشتكي إليهم أبدًا أبدًا.. وأن يأتيها الآن.. كمن يطلب النجوى وبهذا الشكل.. بالتأكيد إنه أمر جلل

قالت الجدة بقلق: غديّر فديتك شو بلاك؟ أم غديّر شو مستوي؟

أم غديّر بحسرة: والله ماعندي خبر عموه.. غديّر سحبني من بيتي ووقف قلبي.. ولا رمس.. مب طايع ينطق يقول بتعرفين كل شي عند أمي صغيرة

الجدة: ويدي غديّر.. شو بلاك؟

غديّر: المعونة يا أمي

الجدة: چفيت المهونة.. آمرني يالغالي
(چفيت المهونة أي كُفيت الإهانة، تقال ردًّا على كلمة المعونة والتي تعني طلب العون)


غديّر تنهد بتعب.. ثم قال برجاء: والله إني مابغي أسوّد ويوهكم.. ولا أبغي لكم المشاكل.. عمري ما بغيت المشاكل ولا سرت صوبها.. لكن الظروف يت چذي

الجدة خافت أكثر: بسم الله عليك غديّر.. شو مستوي؟ خبرني؟

غديّر: مافيني حيل حتى أرمس.. والله إني تعبان

دمعت عيون أم غديّر: بسم الله عليك حبيبي من التعب.. خبرنا شو فيك يا حبيبي.. عيوني لك.. والله عيوني وحياتي كلها تفداك يا ولدي.. بس تكلم.. قطعت قلبي

الجدة: لا حول ولا قوة الا بالله.. غديّر انطق

غديّر تنهد: قبل لا أسافر للماجستير.. أبوي الله يرحمه زوجني "شاهد نظرات الصدمة عليهن.. ولكنه أردف بوهن شديد" زوجني بنت ريال كان طايح في مشكلة.. الله يرحمه.. وتحيدون (تذكرون) ابوي الله يرحمه كيف كان يسابق في الخير

المهم على أساس إنها فترة واطلق البنت بدون لا أشوفها ولا تشوفني.. لكن مرض ابوي وانشغلنا وياه.. وعقبه يتنا مشاكل مايد الله يرحمه وسلطان وأنا كملت دراستي واشتغلت معيد ودكتور.. المهم إني ما طلقت البنت

وطلعت طالبة عندي في الجامعة.. والحرمة اللي دفنوها اليوم هي أمها
والبنت الحين عند أختها وريل أختها.. وما لها حد غيرهم.. وغيري أنا.. هذي السالفة كاملة

قالها وأعاد رأسه للخلف.. لا يريد النظر إلى شيء.. لا يستطيع النطق.. ولا يستطيع إقناع أحد بشيء.. يريد الراحة.. ولكنها حلم صعب النوال
عليه حلّ هذه الأمور أولًا

قالت الجدة: لا حول ولا قوة الا بالله.. نرقّع من هني، تطلع لنا مشكلة ثانية

أم غديّر: أمر الله.. استغفر الله العظيم وأتوب إليه "تنهدت" والحل؟ شو بتسوي؟ بتتزوجها؟

غديّر: أنتي قوليلي شو الحل؟ اطلقها؟ وأنا أدري إن مالها محرم غيري؟

الجدة مسحت وجهها بيديها: لا حول ولا قوة الا بالله.. اللهم لا اعتراض


كان غديّر متعبًا حقًّا.. متعبًا تعبًا شديدًا.. كل التماسك الذي ادّعاه أمام ريّان انتهى هنا.. يحاول تقليل كلامه قدر الإمكان.. من المفترض أن تكون جلسة إقناع.. لكن الواقع.. كانت وكأنها جلسة فضفضة.. كان كاليائس في مكانه.. بينما كنَّ يتناقشن هنّ أمامه


قالت الجدة تجزم: خلاص.. ييبها عندنا.. هذا أمر الله.. مقدّر ومكتوب.. ما نقدر نسوي شي يا أم غديّر
نحن ناس نخاف الله.. ما نقدر نفر البنت وهي صغيرة ويتيمة لا أم ولا أبو ولا أخو ولا حتى عم أو خال يشلونها.. هذي مسؤوليتك أنت يا غديّر


غديّر يريد أن يتأكد فقط ليرتاح: وعمومتي؟

الجدة: خلهم علي.. أنا برمس عمك بو سلطان وهو بيتصرف.. ولدي صح إنه شديد لكنّه يخاف الله.. ما بيظلم البنت وهي صغيرة وفِقيرة ما لها سند
وغير چذي هذي سمعتك يا ولدي.. بعد خوفنا من رب العالمين ما نبا الناس تقول ولد بوالخيول طلّق بنت الناس وهي بهالحالة

(ملاحظة: فقيرة بالاماراتية تقال للشخص الضعيف بغض النظر عن حالته المادية)



أم غديّر لم تكن راضية أبدًا.. خصوصًا وأنها لا تعرف شيئًا عن الفتاة، دينها وأخلاقها.. وأنها ابنة امرأة شامية، ليس انتقاصًا بالشوام ولكن تِبيانًا للاختلاف الكبير في أسلوب الحياة
وهي كحال أي أم، تتمنى فتاة تُناسب ابنها ليستقر في حياته، خصوصًا بعد هذا السن
ولكن بالفعل.. ليس هنالك حلٌّ آخر.. يكفيها منظر ابنها هذا.. ستحاول بكل ما تستطيع أن تتجنب رؤيته بهذا الحال مرة أخرى


أما غديّر.. شعر وأنه لفظ جزءًا كبيرًا من الثقل.. لا زال يحمل همّها وهم نفسيتها.. خصوصًا وأنها في منزل أهل محمد زوج ريهام.. ولكن على الاقل الآن يستطيع جلبها إلى منزله.. وصونها عن أي كلمة قد تأتيها وأن تكون عبئًا على أحد




،
.





تكفّلت والدة محمد بفتح منزلها لمراسم العزاء منذ أن تم الدفن.. فرشت المجالس ونصب ابناؤها خيمة خارجية للرجال

أتى غديّر لوحده اليوم.. لأخذها.. كانت رافضة.. تريد الجلوس مع شقيقتها.. وهو يحاول إقناعها بأن الأمر غير لائق أبدًا

ريّان: غديّر دخيلك.. خلني.. أبغي أختي

غديّر: والله ماقدر اخليج.. لو اقدر جان خليتج.. بس ماقدر.. لو إنه بيت أختج جان خليتج.. لكن صعبة تيلسين في بيت أهل ريلها

ريّان: أم محمد قالت عادي

غديّر: أكيد بتقول عادي.. هي حرمة مرحبانية وماعليها قصور.. لكن ماقدر اخليج عند ناس غرب.. أنا ريلج يا ريان لازم تتمين عندي

ريان: وين بنسير؟ أنت ماتقدر تاخذني عند أهلك.. وين بتوديني؟

غديّر: حليت كل الموضوع.. أنا كنت بخيّرج تبين اوديج بيتنا والا فندق؟ اللي يريحج.. الاختيارين موجودين.. بيتنا أحسن أمي وخواتي هناك وبيجابلونج لكن مابغي اجبرج على شي.. اذا مالج خاطر تشوفين حد بنسير فندق

ريان: نروح فندق أحسن

غديّر: يالله.. خليهم يطلعون أغراضج




.
،





كانت تدهن رجليها بالمرطب وهي تحادثه: متى بنسير بيت أهلك؟

سلطان: مشغول الحين بالعزا والسباق.. بنسير عقب

عقدت حواجبها: هاذوه البيت عدّالنا ليش نأخر الموضوع.. مايحتاي عزيمة كبيرة بنسلم بس

شعر بغضب طفيف، حاول كتمه: وديمة.. قلتلج بنسير عقب وخلاص.. تعبان الحين

وديمة استنكرت مناداته لها باسمها: انزين.. على راحتك


أغلق الاضاءات كلها بتجاهل تام لها.. يعلم بأنها لم تنتهي بعد من روتينها المسائي، والذي يحفظه.. ولكنه رغم ذلك اطفأ كل شيء وكأنه يريد إغاظتها فقط
كشّرت باستغراب.. ما به؟ ليست عاداته أبدًا


أما هو.. لا يعلم مالذي عليه فعله.. لم يحسب حساب هذا الأمر أبدًا.. لم يحسب حساب العودة إلى الدانة في ظروف كهذه
كان قد قرّر أمر العيش في مدينة أبوظبي.. بعيدًا عن الدانة وأهله.. ولكن منزله لم يجهز بعد
والمصيبة الكبرى بأن وديمة تكرر موضوع أهله كثيرًا.. وتسأل كثيرًا.. وكأنها لا تعلم بالخلاف الكبير والفجوة الهائلة ما بينهم.. يود مصارحتها بالأمر.. ولكنه لا يريد أن يخلق مشكلة حاليًا.. خصوصًا مع طبيبة نفسية لا تستطيع رؤية مشكلة وتجاوزها بدون حل.. ولذلك فضل الصمت والتجاهل.. إلى أن يكتب الله أمره



نهاية الجزء الثامن عشرة


.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...