الجزء التاسـع
آخر وطايا حمـدان
.
*
.
*
الماضي
المكان: مقناص كازاخستان
الوقت: ليلًا
كان ابناء العم متدثرين بقطع قماشية ثقيلة عند النار.. لعلّها تقيهم شرَّ البرد القارص
قال سلطان باستغراب: حمدان.. وين ساير؟ تعال بتموت برد
حمدان: أحس إني مصحصح خلني بطالع المكان شوي
سلطان بتحذير: حمدان ودر "اترك" عنك هالمغامرات وتعال ايلس عندنا.. بعدنا ما نعرف المنطقة عدل
مطر بمزح: هذا صدق عمره انه ولي أمرنا؟ نحن ماصدقنا نطلع طلعة شبابية بدون الشياب وقوانينهم.. طلع لنا سلطان
سلطان: موصّيني عليكم
حمدان: بسألك أنته ليش ماترقد من وقت؟ يالس تقول رادار علينا ا(رادار=مراقب)
سلطان ارتشف من شايه الساخن.. والهواء البارد يداعب وجهه
تجاهل كلام حمدان الساخر.. فهو يقبل المزح في أي أمر إلا هذا
قال: حمدان.. شو رايك تشل لنا شلة
جلس حمدان: تم.. في خاطركم تسمعون شي؟
سالم: جن ليلي
التفت عليه غديّر: وأنت بعدك؟ مب باقي شي على عرسك وبعدك تحرس طيوف؟
سالم تنهد: الوقت مايبري عوق القلب ياخوي
قال غديّر ببساطة: كلكم تعرفون إن مالكم نصيب برع العايلة مادري ليش تنفدون قلوبكم (تنفدون=تُلقونها في الهاوية)
سالم ضحك بسخرية: ماعليه.. بنشوفك يوم متولّع وبذكرك حزتها.. يالله حمدان قول بسم الله
تنحنح حمدان قبل أن يبدأ بشل الشلة.. والشلة هي تلحين القصيدة بدون أي موسيقى
جن ليلي وطرفي ما أمسى
يوم كلّن جاوب نعاسه
والخواطر شِرّد وعمسى
مستلمها غم هوجاسه
جنح ليله داجي ودمسى
والهوا يراعي توجّاسه
ما يبدد وحشة الهمسة
غير فوح الضيق بأنفاسه
ضاربٍ للخمسة بالخمسة
يوم حظه اعلن افلاسه
للوصال الصعب ملتمسى
في خشوفٍ بارد احساسه
من جبينه مطلع الشمسى
سولعي دار الظبي ساسه
السما من دونهم طمسى
حال بُعد الدرب من ناسه
وذكرياته ماضي الامسى
تسرقه من بين جلاسه
لا تلومه لو سهر ما امسى
مر طيف وبات حراسه
وسلمتوا
،
تنهد سالم وأعاد الأبيات: وذكرياته ماضي الأمسَ.. تسرقه من بين جلّاسه
لا تلومه لو سهر مامسى.. مر طيف وبات حرّاسه.. هيه والله
قال حمدان: ما منك طب.. ماقول غير الله يعينك.. تبون شي ثاني؟
غديّر: مانسينا لو تناسينا.. دام بدينا حزن نكملها تقطيع قلب لين الفجر
تمتّح (تمدد) سلطان: صح لسانك حمدان.. أنا مرررة مقفّل.. بحط راسي برقد.. وبواعيكم حق الصلاة واللي ما ينش ياويله.. وأنصحكم بعد ترقدون عشان ننش من وقت ندعي الطيور.. وعن الخبال الزايد
نهض من مكانه وهو يفرك كفّيه ببعض طالبًا الدفئ.. ألقى نظرة سريعة على المكان حولهم ثم دخل خيمته لينام.. وغط في نومٍ عميق كان يحتاجه بعد هذه الرحلة الطويلة.. نوم لم يقطعه سوى صراخ عالٍ
فز من نومه وخرج من الخيمة: شو مستوي!
قال غديّر بهلع شديد: حمدان طاح في الوادي
أخذ سلطان اقرب كشاف وسلاح وذهب إلى مكان تجمع الشباب.. كان يسمع صراخ حمدان مع كل خطوة.. كان يمشي وهو مرتاع مما سيرى.. صراخ حمدان كان يعكس ألمًا فضيع.. ألم رجلٍ يُنهش جسمه
سلّط الضوء إلى الأسفل.. كان حمدان متمسّكًا بصخرة.. ورجله تُقضم وتسحب من قبل الذئاب المتجمعة تحته.. وزع بصره.. كانوا عشرات الذئاب
سلطان صرخ: ثَوروا فيهم (أطلقوا عليهم) شو تتريون؟؟ صوبوا عدل لحد يصيب حمدان يا شباب
بدأ الشباب بإطلاق النار على الذئاب.. كانت الذئاب تتفرق قليلًا وتعود بعدد أكبر
أقبل مطر مسرعًا وبيده أغصان مشتعلة.. بدأ يرميها للأسفل.. ولكنها كانت تنطفأ قبل أن تصل إليهم
صرخ مطر بقهر: الله يلعـ ـكم
شملان لم يستطع تحمّل المنظر.. بكى: أنا بنزل له
سلطان أمسكه وصرخ بتحذير: لاا.. خلك محلك.. مينون (مجنون) انته بتنزل وكيف بتصعد؟
شملان ودموعه تتساقط على خده: أخوي يا سلطان
سلطان كان يحاول التفكير بحل: اصبر.. خلني افكر.. حبال.. خلونا نفر له حبل ونسحبه
وما أن ختم الجملة حتى أُتيَ بالحبال وتم إلقاؤها.. ولكن في كل مرة يلتقط ذئبٌ الحبل بدل حمدان.. وكثرة القفزات هذه زادت الوضع سوءًا.. استطاع الذئاب سحب حمدان إلى الأسفل أكثر
بدأت عيون حمدان تجحظ من الألم.. كان ينظر إليهم ويصرخ بألم: خلااص لحد يفر شي.. ماشي أمل.. اذبحوني.. ريحوني من هالعذاب.. ألم فضيع.. والله مب قادر اتحمل دخيلكم طلقوووووا علي دخيلكم "بكى" طلقوا علي طلبتكم.. سلطان.. شملان.. دخيلكم
كان يبكي بشدة.. كالطفل.. رجل تسلخ من كل رجولته واستسلم للألم: سلطان اطلق علي دخيلك.. محد بيسويها غيرك.. دخيلك ياخوي.. دخيلك
كانوا يجربون أي حل منطقي أو غير منطقي.. سيصابون بالجنون.. حمدان على بُعد شعرة من الموت.. ليس هنالك أمل بالفعل كما قال.. الذئاب جائعة.. وحمدان سقط إليهم كوجبةٍ من السماء
كان الجميع ينظر إليه بلا حيلة.. يودّ أحدهم لو يريحه من العذاب.. ولكنهم أجبن من ذلك
امعاؤه تُنهش أمام أعينهم مباشرةً.. تتدلدل من جسمه وهو حي.. يصرخ من أعماقه.. يناديهم.. كان يعيش العذاب كل ثانية.. بل حتى جزء الثانية كان يمرُّ عليه بصعوبة قاتلة
خُتم الصراخ بطلقة نارية من سلطان.. ومع تلك الطلقة.. صمت حمدان للأبد.. ونزلت دموع الشباب حدادًا على ابن عمهم صاحب الصوت الشجي
.
*
.
*
الحاضـر
كان في المطار جالسًا بانتظار موعد الطائرة.. عندما رن هاتفه برسالة "نود تذكيركم بموعد سلطان محمد بوالخيول في مستشفى الغد المشرق - العيادة الخارجية مع د. وديمة الجالبوت في يوم..... الخ"
ابتسم مع الرسالة.. كان شبه واثق بجوابها.. فكما قال لها.. هو ماهرٌ بقراءة البشر
دخل بحقيبته قسم الدرجة الأولى وهو يتأمل كل شيء حوله.. مضى زمنٌ طويل منذ وطأت قدمه الطائرة.. منذ أن عاش الحياة بشكل طبيعي
بفضل سنينه الماضية.. أصبح متأملًا بالدرجة الأولى.. يركّز في كل ما حوله.... يقارن ما بين ذكرياته، وما يراه أمامه
العالم تغيّر كثيرًا.. يبدو وكأن الدنيا قفزت في هذه السنين القليلة
لم يستطع النوم خلال ساعاته السبع في الطائرة.. قضى الوقت غارقًا في هواجسه.. إلى أن سمع نداءً عزيزًا افتقده.. "اعزائي الركاب سيتم الهبوط في مطار أبوظبي الدولي بعد دقائق قليلة يرجى البقاء في مقاعدكم وربط احزمة الأمان"
ربط الحزام بأطراف تتراعد.. أخيرًا هو على الأرض الطيبة.. على دار زايد رحمه الله.. بعد كل هذه السنين
نزل من الطائرة ناسيًا كونه شخصية معروفة في المجتمع.. ما أن توقف عند ختم الجوازات حتى بدأت أول قطرات الترحيب.. استقبله الجميع بحفاوة بالغة
تساورهم بعض الشكوك بسبب طول الغياب.. يراهم ينظرون إلى وجهه نظرة أولى فيرتابوا.. وما أن يقرؤوا الاسم على الجواز يأتيهم اليقين
سلطان بوالخيول.. بعد كل هذه السنين!
يعترف بأنه اشتاق لكل شيء.. حتى هذه الأحاديث الجانبية بلهجته المحلية المفضلة لديه
ركب سيارة أجرة.. وانطلق إلى الدانة.. كان معلّقًا نظره على النافذة.. يرى زينة المطار.. والنخيل والاشجار.. ويرى دار الظبي.. أزهى مما يتذكر
ولم ينفك يهمس لنفسه:
هي جنة الأرض رب العرش سواها
من ضاق صدره تونّس في أراضيها
.
،
كانت تجلس بعادة يومية.. مع زوجها كل عصر.. تقطع له الفواكه وتصب له القهوة.. بينما يشاهد هو مقاطع الاخبار في هاتفه.. بصمت تام مابينهما
حينها فُتح الباب.. ودخل منه شبيه هذا الرجل.. ولكن بهيئة شابة
شعرت بقلبها يسقط مع أول نظرة.. هو نفسه.. هو أمامها
أفي القلب متسع لهذه الفرحة؟ أفيه قوة للإمساك به ولمسه مرة أخرى
سقط منها الفنجان واحترقت.. لكنها لم تبالي.. وهرعت إليه تهلل وتكبّر
كانت دموعها تتزحلق علي وجناتها.. وسرعتها تتحدى قوة ركبها وهي ترنو إليه: سلطان.. يا قلب أمك.. "تسأل نفسها" سلطان ولدي؟ "ثم تجيب" هي والله انه سلطان
زاد بسرعته يختصر المسافة.. وفتح يديه لها بخضوع تام
كان قد بيّت خططًا عديدة لهذه العائلة.. ولكنه لم يستطع مقاومة أن تأتي هذه المرأة وترمي نفسها في حضنه
حاوطها بيديه.. ووضع شفتيه على رأسها يقبله.. عشر، عشرين، وثلاثين قبلة، بل وتزيد
تدرّب كثيرًا على المسرحية التي سيؤديها أمامها.. ولكن هذه اللحظات كانت صادقة.. هو بالفعل مشتاق إليها.. وهو رغمًا عنه يحتاج إلى هذا الحضن.. فطرته تجذبه وتجبره على ذلك
أما هي فكانت بوضع مختلف تمامًا.. كانت منهارة في حضنه.. متعلّقةً بصدره.. تبكي بكاء أم ثكلى.. وتردد كلمات غير مفهومة.. كانت أمًّا جريحة.. وعلاجها أمامها مباشرة
قطع شاعرية المكان.. صوت بارد وجاف: أنته شو يابك؟ (جابك)
رفع سلطان نظره إليه.. تبادلا نظرة متطابقة.. ما بين الأب والابن
قال: يابني رب العالمين.. وبرّاني من سابع سما.. يا بو سلطان
بو سلطان بعين لم ترمش: رد مكان ما ييت.. مالك مكان بيننا
أبعد أمه بلطف.. والتفت إليه: لي حق في المكان.. مثل ما لكم حق يالغالي
اقترب منه وقبّله على رأسه مجاملة: الله يسلمك.. الحمدلله بخير ربي يعافيك
قال بو سلطان: تتمصخر حضرتك؟
سلطان بابتسامة ساخرة: مب هذا الرد اللي المفروض أقوله؟
بو سلطان: لا تستانس وايد.. اللي طلعك بيردك.. أنا رفعت عليهم قضية
سلطان جلس على اقرب كرسي وبدأ يعبث بالأواني: أدري.. أنت بترفع قضية عليهم وأنا بدافع عنهم.. بنتلاقى في المحكمة يا بو سلطان
بو سلطان بغضب: بتوقف ضد أبوك يالهرم؟
استنكر سلطان السبة.. سقطت في خاطره.. لم يتلقى أي شتيمة من والده طوال عمره
سلطان: إذا أبوي يبا يرد يسجنني مضطر إني أدافع عن نفسي.. والا شورايك؟
مب انته علمتني ان اللي يعض لك كتف شل مصارينه كاملة؟
إذا تخاف من الفضيحة سكر القضية وخل الناس على عماها تتحراني ساير أدرس برع وأجابل الحلال
إذا دخلنا في هالقضية الكل بيعرف إن عيال بوالخيول ضارين (نشؤوا) على المستشفيات النفسية.. وعاد أنته كيفك
صمت بو سلطان.. لقد ألجمه هذا الوقح
رباه على الجلادة.. وعلّمه بدقة من أين تؤكل الكتف.. ولكنه لم يتوقع أن يكون لكتفه نصيب
أم سلطان تحاول تهدئة الوضع: تعال حبيبي سلطان تغديت؟ أحط لك غدا؟ ولا تباني اسويلك عشا؟ آمرني حبيبي؟
سلطان: كلت في الطيارة
تحفظت على رده الجامد.. ولكنها غصبت نفسها على الابتسامة: ليش ماخبرتني انك بتوصل الحين؟ جان طرشت حد يستقبلك من المطار.. الدانة بعيدة عن بوظبي
سلطان: أعرف ادبر عمري لا تحاتين
.
،
.
بعيدًا...
كان قرواش قلقًا على سلطان: غديّر ما وصلك خبر من ولد العم؟ اظني وصل البلاد
غديّر: لا تحاتي سلطان يا قرواش.. سلطان ذييييب ما ينخاف عليه
حياب بتفكير: بوالخيول في حياتهم ماتفقوا على كلمة.. اتفقوا على سلطان مسكين
غديّر يحاول طمأنتهم.. وهو القلِق: قلتلكم سلطان ذيب.. لا تحاتون
حياب: جان سرتوا وياه.. على الاقل حد يوقف وياه
قرواش: لو شافونا وياه بنزيدها عليه وعلينا بيقومن العيايز يحلفن
ضحك حياب: إذا تسكرت في ويوههم البيبان يحلفون.. الحلفة أقرب مخرج
رن هاتف غديّر.. فاستأذن
غديّر: هلا بصبايا سوريا
ضحكت: أهلين غدّورة
غديّر: بتنضربين إن عدتيها
ريّان: ههههههههه كل يوم تقوللي بتنضربين.. ولا تضربني.. شو مابتئدر؟
غديّر: لا والله ماقدر
ريّان باستهبال: ليش ماتقدر؟
غديّر باستنكار: اممف.. أنا غديّر بو الخيول أمد ايدي على حريم؟
ريّان: ههههههه ايه طيب.. صدئت "قالت بدلال" دكتوووور
غديّر: دام قلتي دكتور.. اقول الله يعين
ريّان: ههههههه.. في مجال اسلم البروجكت بكرة؟ والله ماقدر اليوم مامداني اخلص
غديّر: لا طبعًا.. التسليم اليوم 11:59 دقيقة
ريّان: بليز غدورة
غديّر: يعني بتيبين راسي بهالدلع الماصخ؟
ريّان: ايوا وليه لا؟
غديّر: ماشي.. حالج حالهم.. مايجوز
ريّان: طيب مدد للكل
غديّر: بنت.. قلت لا.. خلاص
ريّان: غديّر بليييز.. آخر مرة اطلب.. بليز ماتصير هيك قاسي
تنهد غديّر: نقول الله يعين.. بمدد للكل لين باجر الساعة 10 الصبح.. إن ماسلمتي بحط لج صفر
قالت بفرحة: حاااااضر من عينياا
غديّر: شو المقابل؟
ريّان: اممم شو بدك اعمل لك؟
غديّر: اممم ابا محاشي اللي باللحم تذكرين مرة سويتيها؟؟ وابا بعد كنافة بالجبن امممم وشو بعد؟ مجدرة تعجبني
ريّان: بتعرف إن المجدرة كانت أكل الفقراء في سوريا؟
غديّر: المهم انها لذيذة
ريّان ابتسمت: ايه جد ماما كل ما تعملها تقوللنا القصة
غديّر: خلاص يوم بتسوينها قوليلي القصة.. الحين سكري وخلصي الشغل لأني مابمدد زيادة
ريان: ههههههههه طيب!
.
،
كان يحادث والدته بهدوء شديد من قبله.. وحنان كبير من جهتها.. كانت تلمس وجهه بشكل مستمر.. وكأنها تتأكد من كونه حقيقة
سلطان: على وعدنا عيل بتخطبيلي بنت الجالبوت؟
أم سلطان: بإذن الله
سلطان: وأبوي؟ تعرفينه مابيطيع.. ولا حد في هالعايلة بيطيع
أم سلطان: طز فيهم
سلطان قهقه بصدمة: اماية.. شو هالرمسة
أم سلطان بابتسامة: وأنا صادقة.. محد يهمني يا ولدي غيرك.. أبوك إن ماطاع بعد برايه.. بحاول اقنعه لكن مايهمني شي في هالدنيا غير سعادتك يا ولدي.. ظلمتك وايد.. ومابظلمك زيادة
كلماتها كانت خنجرًا يلعب بجروحه.. هو لم يسامحها.. أبدًا.. حتى تواجده الآن ليس سوى تمثيلية.. لينال مبتغاه.. ويرحل مجدّدًا.. فلِمَ تغمره بكل هذا الحب؟ لم تصرُّ على إفشال مخططاته
قاطعهم دخول شقيقاته.. سلامة ولطيفة الحوامل.. والمتزوجات من اشقاء.. ومعهن صغَيْرة وشقيقهم نهيان
كانت سلامة تخلع نقابها وهي تتأفف: حر حرررر عنبوه حتى في الشتا شمس
لطيفة غطت وجهها بجزع: امايه هذا منو
رفع حاجبه بتعجب وسمع والدته تقول: ويدي لطوف.. نسيتي اخوج؟
لطيفة باستغراب ركزت عينيها في وجهه ثم التفتت على شقيقتها بصدمة
بادلتها سلامة نظرات الصدمة وقالت بصوت متقطع: سلطان؟ صدق رد!
ابتسم ابتسامة جانبية ووقف عندما اقتربن منه يسلّمن
سلّمن عليه سلامًا هادئًا.. يغْلُب عليه التوتر مما ستؤول إليه الأمور.. بينما تقدّمت إليه تلك الصغيرة باستحياء
هي.. ونهيان.. اقلّهن ذكرى لديه
كان ينظر إليها بصمت.. هذه العروس إذًا
رفعت نفسها على أطراف أصابعها تقبل رأسه.. وثم لفّت يديها حول رقبته.. وهمست: الحمدلله على السلامة
تصلّب سلطان.. هذا ما لم يحسب حسابه.. فهو لا يريد مشاعرًا من أحد.. لا يريد حبًّا من أي أحد
يريد أن ينال مبتغاه ويذهب.. يتمنى لو يستطيع أن ينطق رجائه.. ارجوكم ابتعدوا عني.. اتركوني.. لنعش كما كنا.. بعيدين عن بعض.. جسمًا وروحًا!
كانت الجلسة ثقيلة جدًّا عليه.. مؤلم أن يرى سلامة، الأصغر منه مباشرة بهذا النفور.. تلك الشقيقة الحنونة التي كانت تأنس به ويأنس بها
أما لطيفة فكانت هادئة كعادتها.. تتحدث قليلًا.. تسأله عن أحواله بمجاملة واضحة
والصغرى.. صغيْرة كانت تتودد إليه، وتخدمه، وتنظر إليه بانبهار شديد كأنه اعظم رجل في العالم
وأخيرًا نهيان.. الذي كان يسترق النظر.. ثم يعيده إلى حضن أمه.. استنكر هذا الدلال.. ولكن لعلّه حظي به لكونه الذكر الوحيد ((الباقي)) بين ثلاثة إناث
كان يشعر بالغربة.. ليس هذا البيت الذي وُلد وتربى فيه.. وليسوا هؤلاء من كانوا تحت جناحه.. يستشيرونه في الكبيرة والصغيرة.. يغذّون رجولته وشعور الأخ الكبير فيه ورجل المنزل
لم يستطع التحمل أكثر.. يبدو بأن عبئ لقاء العائلة سيكون أصعب مما توقع.. استأذن وذهب إلى الاسطبل.. سيرى جانبًا آخر خاصًّا وحميميًا من ماضيه.. ويتمنى أن يكون مرضيًا.. على الأقل أكثر من منزله
.
*
.
*
في المملكة المتحدة
كان حياب مستلقيًا على كرسيه المتحرك في شقة غديّر.. وبقربه طاولة صغيرة للطعام، ولكنهم استخدموها للعب
رمى هزاع آخر ورقة بحماس: استلم يا حمااااار
رمى قرواش اوراقه بقهر: شششت والله إني كنت بفوز
ضحك حياب: يالله خلك قد التحدي اشوف البس وزارك وانزل الكوفي جدام العرب
قرواش نهض بلا مبالاة: عادي تتحرون (تعتقدون) عماركم بتغلبوني يوم تنزلوني بوزار وفانيلة؟
هزاع بشماتة: لا ترمس وايد انزل ولا تنسى تتصور هناك
قرواش خلع جلابيته (ثوب المنزل): بلبس جاكيت برد
حياب: عادي.. اهم شي مب بالطو طويل "غمز له" ابا ستايلك واضح
نزل قرواش بقهر شديد منهم.. لقد كان واثقًا من فوزه.. وتحدّاهم اشد أنواع التحديات كعادته وتوعّدهم بأشد العقوبات.. ولكن الخسارة جعلت منه أضحوكة
دخل إلى المقهى.. كان مزدحمًا بعض الشيء.. واجه نظراتٍ كثيرة أشعرته بالاحراج قليلًا.. ولكنه قوّى نفسه ومثّل التجاهل
رأى شابّة مألوفة الوجه.. ابتسمت له فرد لها الابتسامة وجلس على أحد الطاولات.. طلب قهوة ورفع هاتفه بتردد يوثّق اللحظة لابني عمومته
ما أن انزل عيونه حتى رأى كثيرًا من النظرات.. والبعض بدأ بالتقاط الصور له بغير علم أو استئذان
كان منظرًا عجيبًا بعض الشيء.. فالعالم الغربي لا يعرف الإزار.. ومن النظرة الأولى قد يعتقدون بأنه لباس أنثوي.. وأن يروا شابًّا عربيًّا يرتدي لباسًا "يرونه" نسائيًا.. لهو أمر مثير للاهتمام بالفعل
تحت ناظريها.. كانت جالسة مع شقيقتها ترتشفان القهوة ويتبادلان أحاديث متفرقة.. قالت ريهام باستغراب: مين هاد اللي ابتسملك ليش هيك لابس.. بتعرفيه؟
ابتسمت ريان باحراج: هاد ابن عم غديّر اللي شفناه في احتفال السفارة ماتتذكري؟
ريهام: ايواااا صح.. بس ليش هيك لابس.. يفشل
ضحكت ريان: هههههههههه هم بدو
ريهام بتقزز: يع كتييير بدو
طلبن الفاتورة فقيل لهن بأنها مدفوعة
ريهام: ليكون هاد البدوي دفعها؟
ريان: شكله هيك مفكر حاله رجالنا
ريهام ضحكت: والله غريب
نهضن وبادرن بالخروج وكان هو خلفهن بمصادفة
التفتت عليه ريّان وحيته: مرحبا قرواش
قرواش: حي الله حرمة اخوي
ريان ابتسمت بخجل: ليش دفعت عنا؟؟ ماكان له داعي
قرواش تورّط: الواجب.. يالله انا استأذن
وابتعد بسرعة.. كأنه يهرب من النقاش وسط أنظار ريهام المستغربة وريان الضاحكة
ريهام بصوت متشكك: ليش هيك قالك؟
ريان احمرّت: شو عرفني.. هاد مجنون
ريهام هزت راسها بعدم تصديق: آه طيب
*
.
*
.
*
في الدانـة
هوّد بصوته الرجولي: هووووود (هود= اعلان وصول/ استئذان)
عدّلت برقعها بطريقة معتادة: هدا.. حياك ولدي
استغرب قليلًا.. ألم تنسى صوته؟
سبقته والدته.. وشقيقته صغيْرة.. محبوبة الجدة
وصله صوتها: وينه ولد محمد
سلطان قبّل رأسها بحب: موجود طال عمرج
تهلل وجهها برؤيته: حي الله هالطاري.. يا مرحبا والله.. الحمدلله على السلامة
ابتسم سلطان: الله يحييج ويبقيج يالغالية.. حي الله صغيْرة بنت مصبّح
حاولت أن تصلب عودها وتقف.. هرع إليها يعينها.. ويعيد تقبيل رأسها.. لف يديه حولها يحتضنها حضنًا مطوّلًا.. يعكس الحب والشوق.. للوحيدة التي دافعت عنه حين توجهت إليه أصابع الاتهام.. والأحكام.. والظلم
حين كان الجميع ضده.. ومنهم فئة قليلة صمتت بحياد منهم والدته
يومها وقفت هي بشموخ.. واثبتت بأن حبها له أقوى من أي أمر آخر
كانت تحتضنه وتبكي على كل السنين الماضية.. وحسرتها المتجددة عليه
سلطان حفيدها الأكبر.. والذي قضيَ أغلب طفولته وبعض مراهقته عندها وعند جده.. إلى أن بدأ الأمر يتسبب بالحرج لبنات عمه والنساء اللواتي لا يخلو منهن منزل الجدة
انهالت عليه اسئلة الجدة.. عن حاله.. وعن طريقة خروجه.. وكل التفاصيل.. وجاوب هو بصدق وصدر رحب.. وكل هذا الحب مرَّ وسط نظرات غابطة.. من والدته.. التي لم تتلقى كل هذه الحفاوة
قال لها: امايه أنا ابغي اخطب
علّقت الجدة نظرها به.. محال أن يقولها رغبةً بالسلام
استحثّته على الإكمال.. فقال: بنت الجالبوت
نظرت إليه الجدة بتركيز: شو فيهن بناتنا عشان ترفضهن؟
سلطان: مافيهن الا العافية.. لكن منو بترضى بي؟ ومنو بيزوج بنته ذباح ولد عمه؟ وبايت في مستشفى الميانين سنين؟
كانت الجدة صامتة.. تتأمله وتفكر بكلامه
سلطان: د. وديمة الجالبوت هي الدكتورة اللي تابعت حالتي آخر فترة.. وكانت ضمن اللجنة اللي برَّتني من المرض
الجدة بصدق: ونعم فيهم قوم الجالبوت.. عرب حشام ونسبهم يشرف.. بس يا ولدي تعرف عاداتنا كيف
أكمل سلطان متجاهلًا آخر كلامها: وأنا يا أمي ابغيها.. البنت محترمة وحشيم.. وفوق هذا تعرف كل شي عني
تحدثت الجدة بحذر شديد.. فهي لا تعلم ما فعلته السنين بسلطان
قالت: يعني مصر.. تبغي تطلع عن سنّتنا (عاداتنا) يا سلطان؟
سلطان: تبين الصدق ولا ولد عمه يا أم محمد؟
الجدة طالعته بصمت
سلطان: لا أنا ابغي بوالخيول.. ولا هم يبوني.. وأنتي عايشة بينهم وأكيد تعرفين كيف ماكلين لحمي.. ولا هموني.. لكن لا تغصبيني آخذ من بناتهم
الجدة: اللي يشوفك ما يقول إنك واحد نقدر نغصبه يا سلطان
سلطان بخبث مبطن: أنتي تدرين.. يمكن لو واحد ثاني في وضعي سار عرّس ولا رد لأهله.. لكن تعرفين بغلاج عندي.. ولا ييت هني الا عشانج
ابتسمت الجدة: لو إني ماعرفك زييين.. جان ماسمعت تكملة كلامك.. المصيبة إني أعرفك يا ولدي.. خلني افكر بالموضوع وعقب خير ان شاءالله الحين عطني علومك
تهللت أسارير سلطان.. كونها لم ترفض مباشرةً فهي اشارة ايجابية.. والجدة هي رأس العائلة.. وكلامها مسموع.. ولها فرصة جيدة في التأثير
قبّل يدها بامتنان: يعلني مانحرم منج قولي آمين
كانت أم سلطان تراقب الموقف بحسرة تامّة.. كانت تظن بأن سلطان قد سامحها على خذلانها وتخليها عنه
كانت تظن بأن احتضانه قد محى كل ما قبله.. ولكن ما أن رأت الود ما بينه وبين جدته.. وسلاسة الحوار بينهما.. تأكدت بأن شيئًا لم يتغير
سلطان الذي كان يرفض اتصالاتها.. هو نفسه سلطان الذي أمامها.. ولعلّ أول موقفٍ بينهما كان هدنة ومستراح
.
،
ألقت نظرها عليه.. كان مستلقيًا على الفراش، بيده هاتفه.. وبالتأكيد هو يلعب الورقة.. عليه أن تستجمع قواها لأجل سلطان
تريد أن تستعيده.. سيكون صعبًا نعم ولكن لن يكون مستحيلًا أبدًا
قالت بهدوء: بو سلطان
رد بـ: هممم
أم سلطان: سلطان ولدنا.. يبا يخطب
بو سلطان: تخطبيله وتوهقين بنات الناس؟
أم سلطان: بس هم قالوا إنه بخير وما فيه شي
بو سلطان: أخوه قالوا عنه بخير وذبح له آدمي
غمضت عيونها بألم.. كيف يستمر بذكر الحادثة وابنه الميت بهالبرود؟
قالت: بس سلطان غير يا بو سلطان.. سلطان قالوا إنه مب مريض مب مثل مايد الله يرحمه
بو سلطان: حتى ولو كان مب مريض.. سلطان ولدج مكروه.. منو بيرضى يزوجه؟
أم سلطان: هو ما يبا من بنات بو الخيول
قال بو سلطان بغضب: شوووو
أم سلطان: هذا كلامه.. قاللي مايبا من العايلة.. وأنت بعد تقول محد بيرضى يزوجه.. الموضوع يناسب الكل
بو سلطان: يهبي.. محد بيزوجه الحين يعني يتم كم سنة لين يصلح حاله ويبيض ويهه وبيوافقون عليه.. لكن زواج من برع ماشي
أم سلطان: يبا من الجالبوت.. عربنا ونعرفهم
بو سلطان: لو يبا من ناس دمي مخلوط بدمهم.. بعد يحلم.. غير بنت بوالخيول مابيشوف
أم سلطان حاولت تمسك أعصابها: بس أنا وعدته اخطب له!
بو سلطان: مشكلتج.. ليش توعدين؟
أم سلطان بإصرار: محمد.. أنا بخطب له اياها
رمى بو سلطان هاتفه والتفت عليها: استويت محمد عيل
أم سلطان نزلت من فراشها برعب وهزت راسها باصرار: كل الدنيا تعرف بمعزة سلطان وغلاه عندك.. نحن يا بو سلطان خسرنا ولدنا مرة.. وكسرناه مرة.. دام له خاطر ببنت الجالبوت خلنا نخطبها له
بو سلطان اقترب منها بتهديد: عذروه.. أنتي تعانديني؟
كانت تشعر بأوصالها تتراعد.. لأول مرة تسمح لنفسها بمعارضته.. لأول مرة
رمشت بخوف.. عليها الصمود لأجله
قالت بصوت يرتجف: والله ماودي.. ولا يهون علي أعاندك وأنته بو عيالي.. لكن ماقدر أرد ولدي.. سامحني
قاطعتها صفعة حادة: انثبري مكانج.. زواج من برع العايلة ماشي وان عدتي هالكلام بتردين بيت اهلج
.
*
.
*
في المملكة المتحدة
ردت بصوت ناعس: الو
غديّر: افاااا.. رقدتي؟
ريان تثاوبت: شفتك طولت قلت يمكن مابدك أو مشغول
غديّر بخيبة أمل: افا بس افاا.. الحين أنا ما بدي؟
ضحكت ريان: خلص ماتتدلل
غديّر: تبين الصدق مشغول وايد.. احصر الدرجات واصحح البروجكتات عشان تنزل الدرجات الصبح.. هيه الطلاب انتوا اجزتوا ونحن بعدنا ننكرف
ريان: وأنا كم جبت؟
غديّر: شو تتوقعين؟
ريان: أكيد A
غديّر: شمعنى؟
ريان بكسل: لأني تاركة نومي وعم حاكيك هلأ
غديّر: يعني واسطة؟ بعدج ماعرفتيني عيل
ريان قهقهت: امزح.. بس صدق كم جبت؟
غديّر: A مثل ما قلتي.. مبروك
ريّان: الله يبارك فيك.. خلاص يعني الكورس الجاي مابتدرسني؟
غديّر: الا اذا بتتخصصين في البزنس
ريان تمازحه: امممم بفكر وأشوف
ابتسم غديّر: خاز الرقاد ولا بعده؟
ريّان: راح خلاص.. اتخيل اليوم شفت مين
غديّر: شفتي منو؟
ريان: شفت قرواش ولد عمك.. بس ليش هيك طالع بملابس داخلية؟
غديّر بصدمة: ملابس داخلية؟ شو لابس؟
ريّان: مابعرف هاد هيك متل التنورة اظن وزار تسموه وتيشيرت نوم أبيض
ضحك غدير: اوووه وزار وفانيلة.. شو تنورة بعد أنتي.. فضحتينا!
قالت بتوجس: ليكون انت بعد تطلع هيك؟
ضحك: هههههههه قلنا بدوي بس تراني مب همجي.. هذيل عيال عمي أنا متبري منهم.. ميانين مادري شو يسوون
ريان بإحراج: بس اتخيل شو قاللي قدام أختي؟ قال مرحبا حرمة أخوي.. فضحنا شو هاد
غديّر بصدمة: قال حرمة اخوي؟ هذا تخبل شو
ريان بوزت: ايوا والله.. ريهام أختي استغربت قلتلها يمكن يمزح
غديّر بتوتر: أكيد يمزح
أغلق الهاتف والنغزات في قلبه لم تتوقف.. هذه الفتاة تتكاثر في قلبه بسهولة بالغة.. دلالها وعفويتها وانطلاقها في الكلام بلا توقف.. أمور تجبره أن يحبها
ولكنه متخوّف من أهله.. يعلم باستحالة الأمر ما بينهما.. وليس هو بالرجل الذي يحدث المشاكل كسلطان وحياب.. عليه أن يجد حلًّا سلميًّا
هو هادئ ويحب السلام.. ولكن اختياره لهذه المرأة سيوقعه في المشاكل لا محالة
عليه أن يخبرها بالحقيقة.. بأنها حلاله.. عليه أن يطلعها بالأمر كله
من النذالة أن يعلم بالواقع ويعيشها في وهم.. وهو ليس برجل نذل
.
،
.
كانت تشاهد المقطع بصدمة: مستحيل.. شو هذا.. الحين أنا آخذ هذا.. مستحيل والله أموت ارحم
وضحى ميتة ضحك: والله مب صاحي قرواشوه شو هذا!!!! ههههههههه أنا أدري به أخوي خبلة بس ماتوقعت لهالدرجة
سوادة ضربتها: تستهبلين انتي يالسة تضحكين على خفة دم اخوج.. المقطع منتشر في تكتوك تعرفين شو معنى هالشي؟؟؟؟ يعني مستحيل ينحذف.. خلاص فضيحة الريال اللي يسمونه خطيبي بتم للأبد
وضحى: انزين عادي الا هو وزار وفانيلة مب لابس لبس بنات
سوادة: شوفي هذي شو كاتبة! الترند اليديد عند العرب يلبسون تنانير!!! والله ابو الفضيحة بعد شو ها؟ يوم بيستخف خله يستخف في الدانة هني بين عربه وأهله مب عند الاجانب
وضحى: خلاص انزين انتشر المقطع شو نسوي؟ يومين وينسون السالفة
سوادة: يارب يارب يااارب احصل فرصة واشرد.. والله الموت أهون لي من هالزواج حشى كابوس
صمتت وضحى.. فهي تحب قرواش صاحب الدم الخفيف والأخ المفضل والمقرّب لديها.. ولا يعجبها كلام سوادة عنه.. ولكنّها تفهمها.. لأنها تشاركها نفس المشاعر بالضبط.. فهي أيضًا بانتظار زواج من رجلٍ لا تريده.. ولا تعلم عنه شيئًا من الأساس
نهاية الجزء التاسع
.
.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!