الفصل 25 | من 46 فصل

رواية على وطايا الخيل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روايات تثريـب

المشاهدات
15
كلمة
7,599
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

.


الجزء الثالث والعشرين




كانت مستلقية على فراشها ترتّب شعرها وهي تستعد للنوم
كانت ستغلق الاضواء لو لا أنه فتح باب غرفتها بدون استئذان

رفعت حاجبها وهي تنظر إليه: أشوف عيبتك السالفة تدخل حجرتي كل يوم لا هود ولا هدا (كناية عن عدم الاستئذان)

قالتها بمرح.. لم يُقابل سوى الجمود من قبله



رمى هاتفه عليها بهدوء قاتل.. يخالف طبيعته مؤخرًا.. قال: صدق هالكلام؟


شاهدته بتوتر.. لا تعلم ما خطبه.. ولكنّه ليس طبيعيًّا
لا تعلم ما يحويه هاتفه، ولكنها بالطبع مصيبة
لا إراديًّا تذكرت ليلة زفافهم.. كان هذا الوجه هو نفسه ذاك الوجه
مدت أصابعها إلى الهاتف تمسكه ببطء وتوتر شديد


تبادت على وجهها ملامح الصدمة.. كان موقفها مع صبحة كاملًا.. مع نواقص من هنا، وبهارات ودراما من هناك.. وكأن الأمر يحتاج ذلك

رفعت عيونها له بخوف

علّق عيونه بعيونها لبرهة من الزمن.. ثم أخذ هاتفه وخرج


لحقت به بارتياع: حياااب.. تعال.. هذي چذابة والله.. اسمعني.. هي اللي استفزتني أنا ما اقصد هالكلام


حياب: قلتيه ولا لا؟


قالت باندفاع: أنت قلت ما ندخل حد بيننا



شافها بنفس الهدوء ونفس النظرة: صح إني كنت خايس وياج.. وما كنت أبغيج.. بس عمري ما تكلمت عنج بهالأسلوب جدام حد.. حتى أمي

قال وهو يبتلع غصته، ويغصب حروفه على الخروج وبخيبة كبيرة: أنا تقولين عني طز فيه وما أباه؟ أنا تفرّيني عليها وتقولين اشبعي به؟ أنا يا صغيرة؟ أنا؟



قالت بصوت ضعيف ومحاولة أخيرة للتبرير: دوم تقوللي طز فيج لا تنكر



صرخ في وجهها: أقولها في ويهج.. أقولها مزح.. عمري ما سرت عند حد وقلت هالكلام.. لا تحورين المواضيع وتجلبينها علي
انا اللي انغصبت عليج، انا اللي ذلفت اخر الدنيا عشان اشرد عنج لكنج لحقتيني مثل العظمة في البلعوم
تحملت غبائج وتحملت سخافتج ودلعج ومصاختج قلت بعدل حياتنا بكمل وياها.. وآخر شي تطلعين تمشين بين الناس تشهرين فيني وتتكلمين عني وأنا مادري وهنيه تستغفليني.. تشوفيني احاول اراضيج واخطط كيف اسعدج؟ أنا تسوين فيني جذي يا صغور؟


صغيرة بقهر: والله عاد انا ماضربتك على ايدك وقلت تحملني.. يوم قلتلي مابغيج قلتلك برايك.. لا تيلس تتمنن علي
مب مهم وايد فحياتي.. لا تتحراني ميتة عليك تيلس تجرّح فيني وبقول لا حيااب دخيلك حبني.. لا يا بابا اذا انته ماتبغيني غيرك يباني ويتمنى اوافق عليه


شعر بغضب شديد.. وكأن الشياطين كلها تتراقص أمامه مع كلمتها
صرخ عليها: تهبين يالكلبة


فزعت من صرخته: لا تسب ترا مثل ما تسبني انا بعد اروم اسبك

سحبها إلى المرآة بعنف: شوفي عمرج.. شوفي شكلج وشوفيني.. انتي شووو جدامي
انتي ولاشيء.. منو يباج؟؟
محد يباج.. اللي يبغيج عشان ابوج مب عشانج انتي
لو ما كنتي بنت محمد حتى انا ما باخذج.. ماتدرين اي طرطور في العايلة بياخذج


صدرت منها ضحكة عالية.. حتى هي صُدمت منها.. لأنها لا تشعر بشيء سوى الرغبة بالبكاء.. وبحرقة
كانت لا تستطيع التوقف عن الضحك.. ودموعها تهطل.. أمسكت ببطنها وهي تضحك وتتمنى لو تستطيع التوقف والبكاء بدلًا عن هذا الضحك
مسحت دموعها وهي تضحك: هههههههههههه انا منو يباني؟ انته اللي منو بيتحملك؟ لا اخلاق ولا اسلوب ولسان قذر زبااالة
أنت أهلك ما يتحملونك.. أمك وأختك وأبوك طول الوقت يذمونك ويسبونك.. محد يطيقك.. إذا كان ناقصني شكل ترا الله عطاك شكل وخذا عنك كل شي


قالت تغيظه، قاصدة ومتعمدة لأنها تعلم مسبقًا بغيرته الجنونية: اصبر علي شوي بس.. بتطلق وبتشوف منو اللي بياخذني.. شيييخك يا حياب


اطبق على رقبتها مباشرة وصرخ بغضب: شو قلتي؟


كانت مخنوقة، وعيونها تصب الدموع صبا: بعد تمد ايدك علي


تركها مباشرة.. أغمض عيونه يحاول السيطرة على غضبه: مستحيل امد ايدي عليج.. قلتلج هالكلام لا تعيدينه لا تقولينه.. ليش تقولينه.. ليش؟


صغيرة بعين قوية، ودامعة: بعيده وانا بنت محمد.. باخذ شيخك يا حياب شييييخك.. وبشوف انته منو بتتحملك


جرحته بقوة.. رغم كل محاولاته للسيطرة على نفسه إلا أنها تُخرج أسوأ ما فيه
قال: محد بياخذج عقبي.. بتتمين معلقة على ذمتي يا صغيرة، وحتى الظهار ما بكفر عنه.. بتتمين مثل ما انتي واللي باخذها فوقج عمتج صبحة
على الاقل زين وشكل ومنطوق
بتخدمينها وتربين عيالها بعد وانتي تضحكين.. واخر الليل اشوفج اتمصخر عليج وانتي تضحكين لي مثل الحمارة


صرخت عليه بقهر.. لا تستطيع الصمود أكثر.. لا تستطيع مجاراته أكثر.. دائمًا يفوز بالحقارة واللسان اللاذع
بكت بصوت عالي: تخسسسي والله تخسي يعلك الموت انته وياها يعلكم ماتتهنون

حياب: لا تدعين عليها

كانت تشهق من البكاء: حقير .. سافل.. اكرهك يا حياب اكرررهك واكره اليوم اللي شفتك فيه .. قصيت علي واوهمتني بس انته حقير وسافل اكرررهك

ابتسم بسخرية: لا تصدقين كل شي تسمعينه.. شوفي بعيونج.. شو بحب فيج؟ غير شعرج بس.. حلو الله حق.. اما غيره ولاشي


كان جسمها الصغير يرتجف.. تشعر بأنها ستسقط في مكانها.. جرت إلى غرفتها وهي تشعر بدمها يفور في العروق.. وعيونها لا تتوقف عن ذرف الدموع.. كانت تشهق وتبكي بصوت عالي

تتخيل صبحة وهي تسمعه وتضحك بشماتة عليها.. تتخيل صبحة وهي تأمرها وهي كالخادمة لديها.. تتخيل شماتة النساء بها

تشعر بقهر شديد لا ينطفئ.. أخذت المقص بجنون وبدأت بقص شعرها من رقبتها وهي تشهق من البكاء.. حسرةً على وجع قلبها.. وحسرة على شعرها


مشت إليه بخطوات سريعة.. ودموعها تتطاير على خدها.. كان واقفًا في نفس المكان.. يبدو سارحًا ويفكر

قال: سمعي صغور


لا تريد سماع شيء كانت تبكي ورمت شعرها في وجهه.. وتناثر ليلها في صالة الجناح


فتح حياب عيونه بفجعة.. يرى تطاير شعرها في كل مكان.. خصلاتها الطويلة والكثيفة غطت الأرض.. وصغيْرة.. بشعر قصير وعشوائي

كان مفجوعًا من المنظر.. ينظر إليها.. وإلى شعرها.. ألجمته شدة الموقف.. ما من كلمة قد تصفه.. ما من حرف قد يجرؤ على الخروف من شفتيه


جلست في مكانها تبكي.. تبكي بحسرة شديدة وهي ترى شعرها الغالي جدًّا على قلبها متفرق ومتناثر لأول مرة
قالت وهي ترجف: قلت الشي الوحيد اللي تحبه فيني شعري صح؟
انا مابغيك تحب اي شي فيني.. حتى الشعر اللي تحبه هااااااه خذه.. مابغيه


لا زال تحت وقع الصدمة.. وهول المنظر
قال: أنتي مينونة؟؟؟؟ شو سويتي! ليش تقصين شعرج!!!


صغيرة صرخت: ما يخصك


يشعر بغضب عارم.. كيف تفعل هذا بنفسها
قال: تعاقبين عمرج ليش.. غبية انتي؟؟؟؟ تقصين شعرج؟ اللي تحبينه؟؟ تقولين عز البنت ودلالها اخر شي چذي تسوين؟؟؟؟ "صرخ" انتي غبية


صغيرة صرخت عليه: ماااالك خص.. اكررررهك.. يالكريه.. يالحيوان.. يالكلب.. الحقير.. اكرهك.. والله ما ايلس عندك.. مالت عليك


يشعر بأن أعصابه تلفت.. ما كل هذا الجنون.. كيف وصلوا إلى هذا المنحنى.. رص على فكه.. الغضب.. أعوذ بالله منك يا شيطان
اقترب منها يحاول السيطرة على أعصابه: صغور.. سمعي.. نحن غلطنا.. ما يسوى الموضوع كل هذا


صغيرة تدزه بعنف: قووووم عني مالك خص فيني.. من اليوم تنسى اسمي مابغيك تقوله حتى على لسانك


تنهد: لا حول ولا قوة الا بالله.. صغور اعقلي شو فيج.. أنا بطلع الحين.. لين نهدى وبرد لج عقب بنتكلم


صغيرة وضعت يديها على اذنها: اسكت.. مابا اسمع صوتك.. اكرهك واكره صوتك اسككت.. مابغي اتكلم وياك


هربت منه.. جرت إلى غرفتها.. التقطت الهاتف وبدأت بالنقر على رقمه.. أتاها صوته: حي الله

صغيرة ببكاء عالي: سلطااان.. تعال خذني.. مابا ايلس عنده خلاص.. تعال خذني

فز سلطان: بسم الله الرحمن الرحيم.. شو ياج صغور؟ فيج شي؟ حياب فيه شي؟

صرخت بغضب: الله ياخذ حياب.. تعال خذني عنه مابغيه

عقد سلطان حواجبه باستغراب: يالله دقايق وبي عندج



كان واقفًا بالقرب من بابها.. يسمعها ويراها.. كان يود ضرب نفسه.. كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ لقد تمادى الاثنان.. لقد تماديا كثيرًا


كان سيخرج ليفكر بهدوء ولكنها اتصلت بسلطان.. لم يكن عليها إدخال طرف جديد في الموضوع.. كيف سيقابله الآن؟


لطالما احترمه.. لطالما قدّره.. وبادله سلطان متناسيًا ما عرفه عنه أول زواجه

تنهّد وهو يعود إلى الصالة.. يتمنى لو يستطيع الخروج واستنشاق بعض الهواء.. ولكنه يخشى أن يعود ولا يجدها

لا يريد منها الرحيل.. خصوصًا في هذه المرحلة.. زواجهم من الأساس كان صعبًا وحسّاسًا.. تعبت كثيرًا لأجله.. ويقدّر لها كل ذلك
ولذلك لا يريد أن يخسرها.. بغض النظر عن كل شيء قالته.. سيحاسبها عليه نعم.. ولكنه لا يريد أن يخسرها

تنهد وهو يقول: الله يغربلج يا صبحة




.
،




شاهدته وهو ينهض من الفراش بسرعة

وديمة: بسم الله شو فيك؟ شي بلاها صغور؟

سلطان: مادري.. شكلهم متضاربين.. بسير أشوف شو فيهم

عقدت حواجبها وكأنها تقول.. وشو المشكلة إذا تضاربوا؟


قال: شكله موضوع كبير.. ماعليه حبيبي بتعبج شوي.. بس رتبيلها الحجرة الثانية افرشيلها فراش يمكن تبات عندنا


وديمة: خيبة لهالدرجة؟

سلطان: والله مادري.. بحاول أشوف شو الموضوع بس انتي رتبي لها المكان احتياط.. يالله يزاج الله خير




،





الآن يرى سلطان أمامه.. جالسًا بصمت شديد.. ولا يعلم بمَ يُفكر.. لا يستطيع قراءة أي شيء على وجهه
يتذكّر ملامح الفجعة على وجهه حين رأى شعر صغيْرة يغطي الأرض.. وبرر له الأمر بأنها من قصّته بغضب


كان سلطان يستمع إلى صغيرة الباكية والتي تشتم حياب بلا أي حدود.. كانت تنزلق الشتائم من فمها وكأنها تربّت عليها
ابتسم بسخرية.. تعلّمتها كلها منه.. يعلم بذلك.. كانت صغيرة طفلة مؤدبة وهو من أفسدها


مسحت دموعها برجاء: اليوم بس خلني عندك.. بتصل بأبويه وهو بياخذني من هني

فتح عيونه بصدمة.. إذًا لن يقف الموضوع على سلطان وحسب
حياب: صغيرة اذكري الله.. ما له داعي تدخلين خالي وتكبرين الموضوع زيادة.. بنتفاهم نحن


صرخت: قلتلك لا تيب اسمي علي لسانك


سلطان زجرها: بنت.. خلاص.. من الصبح تغلطين على الريال وهو ساكت


صغيرة: هي ساكت جدامك بس.. ما تعرفه هذا كيف شيطان.. شيطااااان هذا مب انسان.. انا مابغيه ما ابغي اشوف حتى ويهه


تنهد سلطان: لا حول ولا قوة الا بالله


قال وهو خائف من فقدانها: بو مايد خلها عندي.. ماتسوى تطلع من بيتها.. ما بتنحل


صرخت عليه: ماااالك خص.. قلتلك مالك خص فيني.. مستحيل أيلس عندك ولا دقيقة


قال سلطان: صغور اسمعي من ريلج.. صدقه عمره الفراق ما يحل المشاكل.. يلسي في حجرتج واقفلي على عمرج ويوم تشبعين اطلعي واسمعي منه يمكن عنده شي يقوله ويقنعج.. وانا موجود وتلفوني مفتوح اي وقت تبيني اتصلي وبييج


صغيرة بحدة: مابغي اسمع منه ولا شي زيادة
كل يوم اسمع منه ولا يقول كلمة زينة.. مابغي ايلس عنده مول.. اذا ما تبا تشلني عادي بسير ايلس عند ام حسام لين ايي ابوي ياخذني


تنهد سلطان: لا حول ولا قوة الا بالله.. شو هالرمسة بعد بيلس عند أم حسام.. يالله تعالي.. تبين اساعدج في شي؟


صغيرة كانت تشهق شهقات خفيفة: مجهزة كل اغراضي


نهض سلطان: وين حاطة أغراضج؟ يالله توكلنا على الله



رآها وهي ترحل بكل بساطة أمامه.. وهو مكتوف اليدين.. لم تأخذ الكثير.. حقيبة كبيرة وأخرى صغيرة


شعر بوجع في قلبه.. تألم لرؤية هذا الوجه البشع، والمتوجّع جدًا من صغيرة.. وأنه هو السبب الأساسي في كل ذلك

مشى خلفهم إلى أن وصلوا إلى سيارة سلطان.. ركبت وأغلقت الباب بقوة.. وكأنها تُثبت له غضبها

ابتسم رغم ألمه.. طفلة!


كان يستمع إلى سلطان الذي يخبره بأنه سيبقيها عنده بضعة أيام لعلها تهدأ وينصحه بالتريّث والتعقل.. لم يكن يستمع إلى شيء بالفعل
كان يفكر فيها.. هل رحيلها هذا هو النهاية؟
هل يمكن بأن يكون بالفعل لا يُطاق؟ ولا يستطيع أحد تحمّله؟
هل يمكن أن تكون هي أسعد بعيدًا عنه؟

كان يراها والحيرة والوجع يغلّفانه تمامًا.. يحبها.. يريدها.. ولكنّه ضائع.. تائه.. لم تمر سوى ثوانٍ منذ أن غابت.. ولكن.. لم يشعر بكل هذا الفراغ؟




عاد إلى قسمه.. كان المكان صامتًا تمامًا.. وكأنها "بسم الله عليها" توفّيت

شعرها لا زال على الأرض.. أكوابها الكرتونية معلّقة في المطبخ.. ولكن غرفتها خالية تمامًا
دخل إلى الحمام.. لا يوجد شيء.. ابتسم وهو يفكّر متى استطاعت جمع كل ذلك؟

فتح الخزانة.. وهو يتوقع الفراغ.. والصدمة بأنها كانت ممتلئة تمامًا.. كلها ملابس جديدة.. زهاب عروس


يبدو بأنها لم تأخذ سوى ملابسها اليومية.. وكأنها تود، وعن سابق إصرار وترصّد.. حرمانه من ذكرياتها

حرّك يده داخل الخزانة.. مخاوير.. فساتين.. قمصان نوم.. كان يحرّك عينيه على كل شيء وهو يتخيل بأنها قد اشترت كل هذا لأجله


شعر بالعذاب.. أسواط من العذاب على قلبه.. عقله يعمل بطريقة سريعة ومؤلمة

محالٌ أن يستطيع النوم هكذا.. خرج من القسم مرة أخرى.. متوجّهًا إلى اسطبل الخيول الصغير في الفيلا


لطالما كان الخيل مؤنسًا.. مُذهبًا للحزن
هذه عادته منذ صغره.. إن ضاقت يتجه للاسطبل ويركب الخيل.. فيعود كل شيء كما كان.. أو على الاقل يضمد جرحه ويخف النزيف قليلًا

لبس خوذة مخصصة للرحلات الليلية.. بها إنارة
وركب على خيلها المفضل "طوكيو".. واتجه بعيدًا


شعر بعد فترة بألم فضيع في ظهره.. عزّاه لانقطاعه عن الخيل فترة بعد العملية.. لابد بأنها قلة لياقة.. حاول إكمال دربه ولكنه لم يستطع.. فعاد أدراجه

لا بأس.. يبدو بأن لا مهرب من الألم اليوم.. سيعود إلى غرفتها.. حيث سيُغرق نفسه في رائحتها وليتلذذ بالعذاب هذه المرة


.
،





عادت إلى جانبه وهي مهمومة من هول ما رأته عند صغيرة

رفع عينه لها وكأنه ينتظر خبرًا

حركت حواجبها وهي تنفي: ذبحت عمرها من الصياح.. ماقدرت أسوي شي ولا آخذ منها لا حق ولا باطل.. أعصابها مشدودة على الأخير.. أول مرة أشوفها چي.. حتى شعرها حاولت ارتبه لها ما طاعت ألمسه مول.. مادري شو مستوي بس البنت مب طبيعية مول



سلطان ومنظر شعرها المتناثر لا يغادر عقله: ما تتخيلين اللي شفته.. شي فضيع.. مادري شو اللي استوا بينهم.. بس الله يعينهم ويهديهم


وديمة: ما كلمت ريلها؟


سلطان: رمسته بسرعة ونحن عند الباب.. لكن برد ارمسه ان شاءالله.. بس تبين الصراحة.. اللي شفته بينهم ما يقول إن في درب ردة

وديمة بزعل: لااا لا تقول.. حرام.. صغور بعدها صغيرة وشكلها تحبه

سلطان: والله مادري.. من أولها كان زواجهم بكبره غريب.. الله يعينهم الاثنين

وديمة: أنا بحاول وياها باجر بعد.. لأن اليوم مول ما حصلت مجال أقول شي.. مب طايقة كلمة مني


سلطان: هذا وأنتي دكتورة نفسية

ابتسمت وديمة: صعبة.. مثل أخوها





.
،






كانت ترتدي أحد قمصانه التي تصل إلى منتصف فخذها عندما اقتربت واختبئت عنده.. انتبه على باقي آثار البكاء على وجهها ولكنه لم يعقّب

يعلم بأنها لا زالت تبكي بالخفاء على والدتها.. ولكنها تحتاج هذه العزلة لتُخرج هذا الألم.. أما هو فكان يراقبها الأمور من بعيد.. ليتدخل إن احتاج الأمر


قال بلطف: عيبتج السالفة أشوف كل يوم تفتحين كبتي وتلبسين ثيابي.. وأنا شو ألبس؟


ريّان: اشتريلك زيادة.. مريحين بصراحة قطن والكواليتي يجنن

ابتسم لها: أنتي أي شي مشخلع تحبينه

تثائبت ريان: أحلى وأريح.. متعودة هيك

قال بتعجب: كنتي تلبسين چذيه وتدورين في البيت؟

ريّان: ايوا

غديّر باستنكار: لا والله؟.. يبالج ضرب أنتي

ريّان: خلاص ماتصير غيور بزيادة

غديّر: يعني عادي عندج ألبس شورت بس وأحوط في البيت جدام أهلي؟

ريّان: ايوا عادي.. مو قدام حد غريب

دزها بخفة عنه: مافيج ذرة غيرة

ريّان بفضول: بس شو وضعنا الحين بالجامعة؟ بتقول إنك زوجي وتطلع معاي وهيك ولا

غديّر: بنحاول نضبط جداولنا مع بعض السمسترات الياية عشان تسيرين وتردين وياي.. مب سر يعني بس بعد مب لازم حد يعرف

ريّان تربعت أمامه: وليش ان شاءالله!

غديّر: لأنه شي خاص.. وهذا مكان عمل.. ما في أي هدف من نشر الخبر

ريّان: لا في فايدة.. عشان اذا شفت وحدة في مكتبك اكسر اللابتوب على راسها

غديّر ضحك: هههههههههههه خلاص يا بنت.. اعقلي.. ولا تسوين هالحركات وتفضحينا.. أصلًا مكتبي لا تمرّينه الا إذا تبين شي

ريّان باستنكار: ايوا عشان تاخذ راحتك

غديّر حضنها بحب: لو أبغي اسوي شي غلط ماحتاي اسويه في الجامعة يا ذكية.. بس أنا مب مهتم بغيرج، وما له داعي تحرقين أعصابج على الفاضي.. أنا دكتور وأكيد ايوني بنات يسألن وچي


احتدّت نظرتها.. لم يعجبها الكلام: ايه طيب


غديّر: مب معناته إني بسمح لهن يتمادن.. لكن لا تزعلين عمرج بدون سبب.. قلتلج أنا مب مهتم بغيرج





.

،

.

،




بعد أيام


طرق عليها الباب: صغور.. افتحي شوي


نهضت من سريرها وهي تشعر بأنها قد فقدت نفسها.. تشعر بضعف شديد.. لا تشتهي الطعام ولا أن تمارس أي شيء طبيعي في هذه الحياة


نظر إليها بتعاطف شديد.. وجهها شاحب ومصفر.. وعيونها دامعة.. كالتي لم تتوقف عن البكاء أبدًا

صغيْرة بالفعل صغيرة جدًّا على كل هذه الهموم.. خصوصًا بهذه الملامح التي تعطيها عمرًا أصغر من عمرها

يودّ لو كانت علاقته بها أكثر قربًا.. ليحتضنها ويخفف قليلًا مما فيها

وضع يده على شعرها الفوضوي يمسحه بحنان: شحالج اليوم؟


لم ترد.. أومأت له بأنها بخير


قال: بسير الاسطبل.. تعالي وياي.. ادري إن مالج بارض لكن عندي شغلة مهمة ماقدر اخليها

قالت تغصب الحروف: عادي.. سير.. مب لازم تتم وياي

سلطان: ماقدر اخليج بروحج.. وديمة مداومة وبعدها مطولة

قالت بصوت هامس، ينبئ بالبكاء: هو موجود؟

سلطان: لا.. ماعتقد.. الحين بعدنا الصبح أصلًا عنده دوام في الجامعة

هزت رأسها وهمست: بي




.
،






دخلت مكتبه بغضبٍ شديد.. وزعل أشد

نظر إليها بحاجب مرفوع.. وقال برسمية وبالانجليزية: مرحبا ريان.. أهنالك أمر ما؟

ريّان: لا والله عم تمزح معي ولا شو قصتك؟؟؟

همس لها: ريان.. اعقلي.. قلتلج سوالف البيت خليها في البيت

صرخت بغضب: لااا ما حزرت.. ما راح اخلي شي في البيت



شعر بإحراج شديد.. كان مكتبه في مكتب متوسط مشترك مع عدة مدرّسين.. والجميع ينظر إلى الطالبة التي تصرخ على المدرّس

نهض بسرعة وسحبها خارجًا.. ليس تصرّفًا مهذّبًا ويعلم بأنه سيثير الكلام.. ولكنه سئم من كل هذا



سحبها إلى أن وصل خارجًا: أنتي وبعدين وياج؟ قلتلج دوام.. في الجامعة لا اعرفج ولا تعرفيني.. شو مشكلتج؟؟؟

ريّان: ليش تروح عني؟؟؟ تخليني اتشنطط بالتكاسي؟؟؟ مو أنت تقول الرجال مسؤول عن مرته.. هيك تخليني؟؟؟ في رجال يعمل هيك بمرته؟؟؟ كله منك راح علي الامتحان وراح أعيد المادة


قال وهو يرص على حروفه: تستاهلين.. كل يوم تأخريني.. كل يوم ادخل على طلّابي متأخر
قلتلج ما بتطلعين بروّح عنج وأنتي مصرة تعاندين.. خلاص تحملي عواقب افعالج

ريان بغضب: انا مرتك مب طالبة عندك

غديّر: حرمتي ولا طالبة عني ما تفرق وايد.. بتغلطين نبهتج مرة مرتين وثلاث لكن انتي مصرة على نفس الاخطاء.. خلاص تحمليها عيل


وراح عنها


شعرت بقهر شديد ولحقته: غدييييير

تجاهلها تجاهلًا تام فبدأت تبكي.. لم يستمع هذه المرة إلى بكائها.. هذه الفتاة تحتاج تأديبًا مكثّف
شديدة الدلال.. وتستخدم دموعها لترقيق مشاعره دائمًا
ودائمًا ما يحنّ عليها.. ويعزّي جهلها لصغر سنها والفارق الكبير ما بينهما
ولكنها تتمرد في كل مرة
يؤلمه أن يتجاهلها وهي تبكي.. ويؤلمه أنه تركها صباحًا وهو يعلم بأنها ستتورط.. ولكن عليها التعلم من اخطائها
نصحها كثيرًا.. وزجرها أيضًا كثيرًا.. ولكن يبدو الأمر كما قالت والدته.. بعض الأشخاص لا يتعلمون إلا بالتجارب السيئة




.
،





كان يمشي معها وهو يحادثها بلطف
قال: عندي خيل تعبان شوي في هالبوكسات.. بشوف شو وضعه وبرد لج.. أنتي سيري يلسي في استراحة الحريم.. ان شاءالله ما بطوّل

قالت: عادي اركب؟

سلطان نظر إليها: عندج ثياب زينة؟

صغيرة: هي.. عندنا غرف هني فيها كل شي

قال وهو يمسح بيده على خدها: ترومين؟ فيج حيل؟ أشوف ويهج تعبان

صغيرة: هي أروم

سلطان: كلي لج شي خفيف قبل لا تركبين.. سيري مكتبي بتحصلين كم قطعة كاكاو وحلاوة اخليهم احتياط.. كلي شي يعطيج طاقة مب زين جي.. روحج يابسة

ابتسمت له شاكرة وممتنة على هالاهتمام.. خصوصًا من شخص يعجبها جدًا.. كسلطان
قالت: ان شاءالله بسير



وذهب هو لإكمال عمله

ما أن وصلتها رائحة الخيل حتى شعرت بتغير سريع في كيمياء دماغها.. شعرت بحنين شديد.. تشعر بأنها أكملت سنين طويلة بعيدًا عن الخيل.. الأمر بالنسبة لها كالإدمان.. تعتقد بأنك تستطيع الابتعاد عنه ولكن ما أن تداعبك الرائحة حتى لا تستطيع مقاومتهم أبدًا


فعلت كما طلب سلطان.. أكلت حلوى لتزودها بطاقة سريعة.. وبدّلت ملابسها إلى لباس آخر ساتر، ولكنه أكثر عملية


صعدت على الخيل وبدت بالمشي به ثم هرولت وأخيرًا بدأت تجري بسعادة عارمة.. تشعر بأنها تطير.. تركت العنان وفتحت يديها تسمح باحتضان الهواء
كانت تحتاج إلى جرعة الادرينالين هذه



،




كان جالسًا على كرسيه ينظر إلى اللاشيء

استأذن اليوم من حصصه الجامعية للذهاب إلى المستشفى.. فقد زاد عليه الألم.. وجاءه الخبر الصادم

قال له الطبيب بأن إصابة ظهره مزمنة.. ولن يستطيع ركوب الخيل مرةً أخرى.. أو على الاقل لن يكون ركوبه أكثر من ركوب خفيف جدًّا


يتذكر ذلك اليوم جيّدًا.. كان يعلم بأن التحدي خطيرٌ جدًّا.. ولكنّه يهوى الخطر.. كان يشعر برهبة وخوف.. ولكن غروره كان أكبر

لم يكن يعلم مالذي سيحدث، ولكنّه لم يأبه بشيء.. المهم ألّا يستسلم.. هكذا تعوّد منذ صغره

يشعر بأنه فقد كل شيء مرة واحدة.. أغلى الاشياء على قلبه.. هي، والخيل

ارتباطه بالخيل، كحال بقية ابناء بوالخيول ليس ارتباطًا عاديًّا أبدًا

يشعر بحزن هادئ متجذّر في قلبه.. وكأنه سلّم أمر فقدانها مع فقدان شغفه الأول، الخيل


سمع صوت جري خيول على مسافة قريبة.. غالبًا ما يكون الاسطبل هادئًا في هذا الوقت

رفع رأسه.. كان طيفًا صغيرًا.. لا يتضح وجهه.. ولكنه يرتدي لباسًا يطير خلفه وهو على الخيل

كان منظرًا غير معتاد في الاسطبل.. لديهم متدرّبات كثر.. ولكن ما من واحدة منهن تركب الخيل بهيئة كهذه

اقترب.. انتبه على أعين كثيرة حوله.. تشاركه الفضول والاستغراب

والذي تحوّل مباشرة إلى غيرة شديدة، تملّك، ورغبة عارمة بسحبها بعنف من ظهر الخيل



ذهب إليها وقال بصوت جهوري: شو عندج راكبة الخيل عند العمال؟



شعرت برجفة شديدة.. وتوتر.. هل يعقل بأنها تتخيل صوته؟ تسمعه ولكنها لا تراه.. ولا تريد الالتفات حتى للتأكد

لا تنكر بأن في قلبها امنية صغيرة بأن تراه.. فلقد مرّت أيام بدونه وبدون صوته.. ولكن غضبها كان يحاول كتم هذه الامنية ودفنها



سمعته يقول: استويتي صمخة؟

قالت: هيه

حياب: وقفي.. ماتشوفين العمال يطالعونج؟

قالت بوقاحة: خل يطالعون


دخل إلى المساحة الرملية ووقف أمامها وأوقف الخيل رغمًا عنها


قالت بغضب: سلطان قال عادي! شو يخصك أنته؟

حياب: بس أنا ماقلت عادي.. انزلي

نزلت بغضب شديد لأنها لا تريد الجدال معه.. كان غضبها مثير بالنسبة له.. كأنه ارتوى وتلذذ قليلًا



فاجأته بالركض إلى سلطان وبدأ باللحاق بها: تعالي.. ايييه.. هذي اللي بتفضحنا



كانت تناديه بصوت عالي: سلطاااان


كان سلطان يعلق المغذي على العمود المعدني.. التفت إليها بهدوء: شو بلاج؟ روعتي الخيول


صغيرة بتذمر: حياب مايخليني اركب الخيل.. نزلني غصب يقول شي عمال


نقل سلطان نظره مابينهما.. كان حياب واقفًا عند باب غرفة الخيل باحراج شديد


قال ببساطة: اسمعي كلام ريلج

صغيرة: ماله خص فيني

قال حياب بسرعة: تعالي بنتفاهم دام انج هديتي

صغيرة تكتفت: ما هديت ولا أبغي اتفاهم وياك

سلطان أمرها: صغيرة.. سيري تفاهمي ويا ريلج



لا تستطيع أن تكسر أمر سلطان.. ولكنها لا تريد الحديث معه.. هو ثعلب متلوّي.. لا تثق به أبدًا
لا تعلم مالذي قد يقوله وكيف يستطيع الكذب عليها.. والاهم من كل ذلك بأنها لا تأمن قلبها معه

اتخذت قرار الانفصال عنه بشكل نهائي خلال هذه الأيام.. بعد أن دعت كثيرًا، واستخارت أيضًا كثيرًا.. قررت الانفصال وبتعقّل تام بدون الاستماع إلى قلبها

هو صعب المعشر.. وإن كانت تحبّه فإن العيش معه صعب جدًّا
سيأكل من روحها ودمها.. وليست مستعدة لذلك، ولا تعلم إن كانت ستستطيع تحمله طوال عمرها.. ولذلك يعتبر الانفصال الآن ارحم
حمدت الله على هذه الاقدار وإن كانت صعبة
لابد وأن فيها الخير الكثير



مشى بها إلى مكان معزول نسبيًا.. ووقف ينظر إليها


قال: أنا آسف.. غلطت بكلامي وايد.. كنت معصب وقلت اشياء ما أعنيها.. أنا ابغيج أنتي بس.. لا صبحة ولا غيرها.. مابغي غيرج.. وبكمل صيامي عشانج أنتي بس.. لأني أبغي أظفر بج.. ابا اكمل حياتي وياج

قلتيها محد بيتحملني غيرج.. ولا في حد يملى عيوني أنا غيرج انتي.. أنتي عايبتني.. واحبج أنتي.. صح إني دوم اتمصخر عليج بس والله إن كل شي فيج عايبني.. والله إني مابغيج تغيرين شي
لو ابا هذيل جان خذتهن من زمان.. بس انا محد يعيبني.. غيرج انتي

"قال برجاء" وعرسنا اللي مخطط له بعد شهرين ابغيه يتم صغور.. دخيلج

أدري إني غلطت وايد وتماديت.. والله مب قادر اعتذر حتى.. ماعرف شو أقول وممكن يكفّر عن اللي قلته وسويته فيج
أنا دوم كنت غلطان.. اعترف.. بس فهالموقف أنا وأنتي كنا معصبين وغلطنا على بعض.. الموضوع ما كان المفروض يوصل لهالحد.. أنا آسف.. سامحيني




ما ردت عليه.. وصمت هو أيضًا.. يفكر وينتظر



قال بعد مدة ليستحثها على الكلام: أنتي ليش ماتغطين ويهج؟

صغيرة: وليش اغطي ويهي؟ الحمدلله ويهي زين ويتشاهد

حياب ابتسم ابتسامة جانبية.. لأنها تحدّثت أخيرًا.. يعلم مفاتيحها جيّدًا
قال بتركيز تام على وجهها: لأنه زين ويتشاهد مابغي الرياييل يشوفونه.. أغار


انتبهت على ابتسامته.. شعرت بقهر شديد.. وكأنه يسخر منها
قالت: مب شغلك.. مالك سلطة علي


قال بحدة: طول ما انج على ذمتي.. لي سلطة عليج تسمعين ولا لا؟ "ثم وعى على نفسه وقال فجأة" آسف.. والله مابغي اكلمج بهالأسلوب.. مب هاين علي.. آسف


ابتسمت هي هذه المرة بسخرية.. وهي تقول لنفسها إنها لو طوّلتها وياه أكثر الله أعلم شو بيقول.. مستحيل يتغير هالإنسان


قال: سرت أراجع اليوم.. ظهري كان يعورني من يومين.. قاللي الدكتور مابتقدر تركب خيل مرة ثانية

كان سيكمل حديثه ويسترسل.. ولكنها قاطعته بكلمة واحدة
قالت: أحسن

قال بصوت ضعيف: صغور

صغيرة: تقول محد بيتحملك غيري؟
بس السموحة حتى انا مب مستعدة اتحملك.. انت إنسان مب زين يا حياب.. مابغي اضيع عمري وياك



ومشت عنه.. ركضت بعيدًا إلى قسم النساء وأقفلت الباب.. لا تريد الحديث معه.. لا تريد الاستماع إليه.. ضربت قلبها بخفة.. ما باله.. ما به ينبض هكذا.. ما به مستأنسٌ بتغزّلاته التي جاءت متأخرةً جدًّا؟ ما به يتألم عليه؟
وإن لم يستطع الركوب مرة أخرى؟ بم يضرك يا قلب؟ لم كل هذا التوجع عليه؟

بكت وعيونها التي اعتادت البكاء آخر الأيام.. لا تصدقينه.. هذا جذاب.. مستحيل يقول كلمة صدق
لا تصدقينه.. صح إنه يبين صادق.. ونبرته وعيونه.. آه يا حياب
أكرهك


،




شاهدها بهدوء وهي تغيب عنه معلنة نهاية القصة
يعلم بفداحة فعله وفداحة قوله وخطأه عليها
والأمرُّ من كل ذلك، بأن ماضيه لا يشفع له عندها أبدًا.. ليس لديه سوى الكلام والوعود
على عكسها.. كل ماضيها معه يشفع لأي شيء قد تقوله


كان مسلّمًا بأمر رحيلها.. لم يكن لديه سوى ورقة أخيرة يستخدمها معها.. ورقة الألم والمرض

دائمًا ما كانت رقيقة القلب لا تقوى على رؤيته يتألم.. مهما كان خبيثًا معها.. كانت تنسى كل شيء إن رأته يتألم وتُشفق عليه


يتذكر كل المرات والمواقف التي فاتت.. منذ كان على الكرسي المتحرك، ومع عكازه، إلى أن شُفي تمامًا.. يتذكر تلك الأيام.. وكأن عقدًا مضى معها.. ليست شهورًا وحسب


كان يفكر بصمت.. إن لم تنفع هذه الورقة.. فلم ينفع أي شيء


خرج من المكان كلّه.. بحزن ضخم يخيّم على صدره.. يتمنى لو يستطيع البكاء مثلها

يتمنى لو كان يستطيع على الاقل استخدام حضنها الصغير مؤقتًا.. ليرتاح قليلًا.. ولكن ما من شيء يسعفه أبدًا


ركب سيارته ليعود إلى المنزل.. يشعر بأنه يحمل أثقالًا في رجله.. كان يجرّها جرًّا
قاد سيارته بلا مبالاة تامّة وهو أحرص الناس عليها.. كانت نسخة محدودة في العالم حرص أن يحصل عليها.. لم يكن أمر الحصول عليها مرتبط بالمال وحسب.. بل بالعلاقات أيضًا

لم يكترث بها.. أغلق الباب بأقوى ما لديه.. ليس لديه ما يخسره.. ليس لديه مايخسره أبدًا




دخل فناء المنزل الضخم بسرعة كبيرة.. وتوقف فجأة.. بطريقة استعراضية.. لم يكن الغرض منها الاستعراض أبدًا

أصدرت المكابح والاطارات صوت احتكاكٍ عالٍ.. لم تستطع المكابح إيقاف السيارة حتى بالشكل المطلوب

توقّفت السيارة بشكل مزعج جدًا انتهى باصطدامها بأحد المزهريات الضخمة عند الباب.. وانتهى المشهد بصوت تكسّر الفخار.. وتناثر الورد على الأرض


لم يبالي بشيء.. نزل ورضخ الباب بطريقة أرعبت كل من في الفيلا

المُزارع والحارس والخادمة والسائق.. كلهم توقّفوا عن العمل.. واكتفوا برؤية ابن بوالخيول المجروح بشكل واضحٍ جدًّا أمامهم


كانت هي أيضًا على شرفة جناحها.. سمعت الصوت واقتربت فرأته.. كانت تنظر إلى شقيقها الوحيد.. بوجه لم تره مُسبقًا


رأت الوجه الغاضب، والساخر، والمُشمئز، واللا مبالي.. ولكنها أبدًا لم ترى الوجه المجروح منه


شعرت بقلبها يتقطع على منظره.. تريد الذهاب إليها ولكنها مرتعبة.. تشعر بخوفٍ شديد منه.. وضعت يدها على بطنها.. لو لاهم لذهبت بدون تفكير.. ولكنها تخشى عليهم، أن يصل الضرر إليهم



دخل إلى الفيلا.. حيثُ كان المشهد متوقّفًا
كلهم ينظرون إليه وكأنه وحشٌ قد خرج من قفصه

صرخ عليهم: شو تشوفون؟ مسرحية؟ سينما؟؟؟ اذلفوووا عن ويهي



لم يفهم أغلبهم ما قال.. ولكن نبرته قالت كل شيء.. توزّع الجميع.. وهربوا حتى من أعمالهم.. المهم ألّا يمسّهم بعضٌ من الشرر


استند على الجدار بوهنٍ شديد.. الصراخ لا يُطفئ شيئًا.. ولا حرق الاطارات يُطفؤها.. ما من شيء ينفعه.. هو هالك.. يشعر بانهيار في داخله.. يشعر بالوحدة.. بالضياع.. يريد البكاء.. ولكن ما من دموع



وصله صوت لم يسمعه منذ مدة طويلة.. كانت النبرة منخفضة.. بطريقة لا تناسب صاحبتها أبدًا.. كان صوتًا خائفًا.. كان اسمه

همست: حياب


رفع عيونه إليها.. كانت ترتدي مخوّرة وشيلة عريضة
لفت نظره بروز صغير في بطنها

أعاد عينيه بصدمة إلى ذات العيون الواسعة.. العيون التي لطالما تحدّته.. وكانت اليوم محمرّة.. ومليئة بالدموع عليه


قال بصوت متحشرج: أنتي حامل؟


زمت شفتيها تمنع البكاء.. وهزت رأسها بالايجاب


قال بصوت متحشرج: مبروك

اقتربت منه.. وأمسكت بيده.. بنفس الرجفة: تعال



كانت عين الماء بعد العطش.. يدها كانت النجدة وقت الغرق.. كانت الأُنس وقت الضياع والوحدة.. هذا ما شعر به باختصار



أبعد ظهره عن الجدار.. ومشى معها يُفكّر أين تلك النار التي كانت بصدره؟ أين تلك الوعود التي قطعها لنفسه بأنه سيقتلها إن رآها؟

تبخّر كل شيء.. يشعر بصدره كاتم وداكن.. وكأنه غابة.. قد انطفأت نيرانها


لا يعلم لمَ تبعها.. ولا يعلم ما تبعات هذا التصرّف ولكنه مرهق من التفكير



دخل جناحها.. المختلف تمامًا عن جناحه وبقيّة الفيلا.. كان مفصّلًا على ذوقها الذي يتذكره

استكنّ على رائحة العود.. تذكّر موقفًا.. ليس سيئًا ولكنه مؤلم الآن

حين كانت تبخّر الستائر وشعرها بدلال عفوي وتتمايل بمزاجٍ عالٍ.. ويزعجها هو كالعادة.. تعقد حواجبها بغضب وتريد الانتقام منه وحرقه.. وهو غارق في ضحكه عليها


حاول إبعادها عن ذهنه.. يكفيه من الألم ما لديه حاليًا


صبّت له من القهوة العربية.. ومدّت الفنجان: تفضل

اراد الضحك بسخرية.. لم يسمع هذه الكلمة منها قط
قال: دام فضلج.. بس صايم

رفعت حاجبيها بتعجّب: صايم؟

حياب أومأ: بإذن الله

قالت بتوتّر تحاول إخفاءه: تقبّل الله.. مب باقي شي على الفطور بشوف شو اقدر أسويلك

ابتسم بسخرية: شو تعرفين تسوين؟

سوادة: أعرف.. شوي

حياب: ما يحتاي.. إذا عندج تمر ولبن زين


هزت رأسها بإيجاب وهي تنهض هاربة منه.. تشعر بهيبته محكمةٌ على حلقها وكأنه يخنقها


جاءت به إلى هنا تريد التخفيف عنه، ولكنّها لا تعلم مالذي عليها قوله أو فعله
في الحالات العادية ستحتضن أي أختٍ أخاها وتطيّب خاطره بالكلمات.. ولكنها لا تستطيع فعل شيء


علاقتهم لا تسمح لها بذلك.. الحواجز بينهم كثيرة منذ زمنٍ بعيد.. والحادثة الأخيرة زادتها


تشعر برعب شديد منه.. رعب السجين إن واجه الجلّاد.. استندت على جدار مطبخها وهي تحاول التقاط أنفاسها

كانت يدها مستمرّة بالارتعاش.. أمسكت يمناها بيدها اليسرى.. تحاول تخفيف الرجفة ولم تستطع

بدأت تبحث عن التمر في كل مكان.. تفتح باب الثلاجة عدّة مرات بدون هدف.. تمشي هنا وهناك

لا تعلم مالذي عليها فعله.. لا تعلم




،




عاد وهو يتمدد بتعب.. يريد أن يمر الوقت بسرعة ليتعشى وينام.. الدوام هذا الفصل مرهقٌ جدًّا ويستمر إلى آخر ساعات النهار


فتح باب الجناح وهو يتثائب.. ولكن المنظر ألجمه.. فتح عينيه بصدمة

ركض مسرعًا إلى الداخل وهو ينادي بخوف عليها: سواااادة.. سوااااادة

خرجت تلك مرتعبة من صراخه: هاه قرواش.. بسم الله شو فيك


نقل قرواش نظرته الجازعة ما بينها وبين شقيقها.. همس: أنتي بخير؟


حركت راسها بإيجاب، وبصمت، ونظرات متوترة


قال قرواش يحادثه، وبصوت منخفض: شو تسوي هني؟

حياب نظر اليه نظرة مطولة.. ثم أزاح بصره
قال: والله الود ودي اقوم عقب هالطردة.. بس مافيني حيل.. إذا تروم تشلني بتسوي فيني خير.. بس لا تخاف على حرمتك ما سويت فيها شي.. روحها زايغة (خايفة)


قهقه قراش بتمثيل، رغم توتّره.. وقال يحاول تلطيف الجو المشحون: والله ما ألومها هذا ويه تجابل (تقابل) به الخلق
أعوذ بالله بلاك.. ليش ما داومت اليوم؟


حياب: مراجع في المستشفى.. عشان ظهري

جلس قرواش على الأريكة التي تجاوره: شو قالولك؟

حياب: قالولي سلم على الخيل.. إصابة مزمنة


زم قرواش شفتيه: قدر الله وما شاء فعل.. لعلّه خير

حياب: ولا جنك أنت السبب.. مسوي فيها العاقل جدام حرمتك؟

ضحك قرواش: والله عاد أنا ما غصبتك.. روحك ركبت ونقزت.. الا صدق تعال بلاها العروس (يقصد سيارته).. سلامات اشوف خشمها مدقوق

حياب: حادث بسيط

قرواش: هيييه خلاص راحت عيل

حياب: تهبي.. بعدّلها ان شاءالله وبتغدي (تصبح) أحلى عن اول

قرواش : من عيني هذا

حياب: عنبوه يهالعين اللي ماتبرد.. تشوفني تكسرت وتبهدلت وبعدها عينك في السيارة

قرواش ضحك: عيل أنا ادورها فكل مكان باقي اسير اشحت عند الوكيل واترجى مطر ياخذلي اياها.. تقوم انت تاخذها قبلي

حياب: اللي له حيلة، يحتال.. لازم تكون دبلوماسي ولوتي شوي.. أنا خذتها لأنها عايبتني وlimited edition مب لأنها داخلة خاطرك

التفت قرواش على سوادة: تعالي يلسي ليش واقفة.. لا تخافين منه أنا موجود بحميج

ضحك حياب لا إرادي: يا ريال شو تحميها مني.. ليش أنت تروم علي يالبريعصي؟ (الوزغ)

قرواش: بريعصي عشان السباقات لكني مب مكرش شراتك، سير الجم خف وزنك شوي

مد حياب يده إلى بطنه يضيق ملابسه: وين الكرشة والله انك تغار إني الحمدلله آكل ولا يزيد وزني.. بس والله شورك طيب يبالي اسير الجم اعضل شوي اطلع طاقتي وعشان ادفنك صدق

قرواش: انته من الله ثقيل طينة عادة بتسير تعضل الله يعلم شو بتستوي "التفت على سوادة وهو عاقد حواجبه وكرر النداء" سوادة تعالي بلاج


قهقهت سوادة وهي تود البكاء، لم تتخيل يومًا بأنها ستحضر موقفًا كهذا

تود احتضان قرواش من قلبها.. قرواش المنقذ دائمًا.. قرواش السحابة التي تغطّي الشمس وتظلل المكان.. قرواش نعمة عظيمة جدًا جدًا تستوجب الشكر



قالت: ادور السح

عقد قرواش حواجبه وهو يؤشر على الطاولة: وهذا شو؟

انصدمت سوادة: هي والله.. كيف ما شفناه؟

قرواش: الله يعلم شو سوا بج هذا السّكني (الجني).. أعوذ بالله من شره

حياب: والله أنت اللي مادري شو سويت بها.. أحيدها طير حر.. جرناس (صقر).. أشوفها غدت حمامة

غمز له قرواش: مب أنت مروّض الافراس.. أنا مروض الحريم

ضحك حياب: يا رياااال


ابتسم قرواش وهو يمد يده للدلة بيقهويه.. قالت سوادة: صايم

قال قرواش باستغراب: هذا من كم يوم أشوفه صايم شو ياينه؟ ليكون ذابح آدمي ويصوم كفّارة؟


استرخى حياب على الأريكة وهو يضحك على قرواش
أغمض عينيه بصمت.. وهو يستمع إلى أحاديث قرواش واستفزازاته ودفاع سوادة عنه.. تنهد براحة.. على الاقل هذه الثرثرة تُشغله عن افكار عقله السوداوية



نهاية الجزء الثالث والعشرين

.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...