الفصل 26 | من 46 فصل

رواية على وطايا الخيل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم روايات تثريـب

المشاهدات
17
كلمة
6,947
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

.



الجزء الرابع والعشرين

[ مقاديـر ]



.


كان متكئًا على الباب وهو يراها تضع ملابسها في حقيبة السفر بغضب شديد

كان يشاهدها وهو سارحٌ بافكاره
مالذي عليه فعله؟ أهذا هو التصرّف الصحيح؟

قلبه يخبره بل يمارس عليه ضغطًا شديدًا بأن يذهب ويحتضنها ويمسح كل تلك الدموع ويطيّب خاطرها

ولكن عقله يخبره بالعكس.. لقد جرّب هذا الأسلوب مرات عديدة ولم يزدها سوى عنادًا

ليست لديه تلك الخبرة مع النساء.. وخصوصًا النوعية الصعبة كزوجته.. ولذلك سيعتمد على التجربة

الآن هو يجرّب أسلوبًا جديدًا معها.. بما أن أساليب النصح والارشاد لم تنفع أبدًا
قرر أن يجرب القسوة والتجاهل

لا يعلم إلى أين ستقوده هذه الأفكار.. ولكنّه يدعو الله أن يهديه إلى ما هو خير.. فهو بالفعل يحبّها من كل قلبه ويرغب بها.. ولكن لديها سلوكيات تحتاج بعض التقويم


ذهب إلى باب الشقة، اقفله.. وأخذ المفاتيح.. وفعّل خاصية التأمين العالي.. ثم عاد ليبدّل ملابسه وينام


رآها وهي تسحب حقيبتها الكبيرة جدًّا.. مخالفةً حجمها الأنثوي.. كتم ابتسامته.. ومثّل عدم الاهتمام وأغلق الاضواء لينام


قالت: شو بك ما تشوفني ارتب اغراضي؟

غديّر استلقى على الجانب الآخر: وراي دوام.. ابا ارقد

ريّان قالت بصوت يُنذر على البكاء: تشوفني بدي اروح وانت رايح تنام؟

غديّر: شسوي لازم انش من وقت



ريّان صعدت على السرير وجلست مستندة علي ركبها.. لا ترى سوى ظهره.. تشعر برغبة بالبكاء.. هل يُعقل بأنه ملَّ منها بهذه السرعة؟

كيف يستطيع التسلّح بكل هذا البرود والنوم بينما يراها تكاد هي تخرج من منزله؟
للأمانة هي ليست جادّة بفعلها.. وكانت تنتظره أن يعيق عملية التوضيب هذه ويرضيها.. ولكنه لم يفعل
فليس لديها مكانٌ تذهب إليه من الأساس.. لا تستطيع الذهاب إلى شقيقتها في هذا الوقت.. خصوصًا وأن زوجها موجود


شعرت بغصة عظيمة.. تشعر بشعور سيء جدًّا.. حرفيًا ليس لديها مكان تذهب إليه
شعرت بحزن شديد.. هذه هي الحياة بلا أب وأم.. ضياع.. واجبار.. وانعدام للأمان


كانت تظن غديّر سيكون بديلًا عن والدتها.. لطالما كان حنونًا معها.. ولكنّها بدأت ترى وجهًا آخر له
وجهًا صارمًا جدًّا.. يعاملها وكأنها طالبةٌ لديه.. يعاملها بالمسطرة والقلم
هل يعقل بأن فرحة الحب الأولى اختفت؟ هل يعقل بأن حبه برد؟ أم أنه بدأ يكتشف جوانبها المظلمة ولا يعتقد بأنها تناسبه؟


قالت بصوت متحشرج: انت ما عدت تحبني صح؟

طفر غديّر: يا لييييل.. وأنتي ما عندج الا هالسالفة؟

ريّان بكت: أنا شو سويتلك عشان ما تحبني.. ليش متغير علي؟ ليكون لقيت لك وحدة ثانية تحبها؟

غديّر: ما دورت وحدة غيرج.. ولا ابغي احب وحدة غيرج.. احبج أنتي وهالشي ما يتغير مهما سويتي.. أنتي حرمتي وبس

ريّان: أنت تبغي تغيرني.. ما بتحبني مثل ما أنا

غديّر: بالعكس.. أنا احبج مثل ما انتي وانتي بعد لازم تحبيني مثل ما أنا.. هذا طبعي شو أسوي بعد

ريان: لا أنت ما كنت قاسي

غديّر: امبلى امبوني (من زمان) قاسي بس انتي ما كنتي عايشة وياي.. هالأطباع تبين مع العشرة



نهضت عنه.. تشعر بأنه يستهزئ بها وبمشاعرها.. سحبت حقيبتها بعيدًا.. لن تجلس معه.. رغم دموعها وبكائها وتهديدها بالرحيل إلا وأنه لا يكترث
وكرامتها لا تسمح لها بأن تبقى أكثر


خرجت إلى صالة الشقة ولم تستطع فتح الباب.. حاولت بكل الطرق ولا تستطيع ذلك لأنه أمّن المخارج وتحتاج رقمًا سريًّا


عادت إليه بنفس الغضب: افتح الباب

غديّر مثّل النوم.. شعر بها تقترب.. وتهز عضده: افتح الباب بعرف إنك مو نايم

غديّر نظر إليها بعيون ناعسة: ما بفتح البيبان.. وخليني ارقد قلتلج عندي دوام

صرخت عليه: شوو بدك تحبسني.. وين عايشين احنا؟

غديّر: ما احبسج.. الصبح بفتح الباب.. الحين ليل وأهل بيتي ما يطلعون آخر الليل

ريّان: انا مو اهل بيتك

غديّر: انزين.. خليني ارقد الحين


ابتعدت عنه.. تشعر بقهر شديد.. ذهبت إلى صالة الشقة وهي تبكي بزعل وتتذمر

وهو يستمع إلى كل شيء.. تنهّد بتعب.. لم لا يكون الأمر أسهل عن هذا؟ لم لا يستطيع احتضانها والنوم بين طياتها وحسب؟



لم يكمل تذمراته.. استغفر ربه.. وحمده على هذه النعم

تذكّر حاله السابق وهو يعاني الشوق والحب بعيدًا عنها

وتفكيره اليومي كل ليلة بأهله وتعقيداتهم.. والحلول الممكنة للحفاظ على هذا الزواج

عليه ألّا يجحد تدبير الله العظيم، وكل هذه النعم بسبب مشكلة بسيطة كهذه.. فمنذ أشهر كان يتمنى القرب هذا وكان يظنه مستحيلًا أمام مشاكل أهله

همس لنفسه: مقادير.. والحمدلله عليها


لم يستطع النوم بالطبع.. مرت ساعة أو اثنتان وهو يتقلب في مكانه.. ولم يسمع لها صوتًا بالخارج.. رمى غطاء السرير واتجه إليها


كانت نائمة على شالها الصوفي على الأرض.. بوجنتين متورّدة من برودة الأرضية

كان يودّ الضحك عليها

نائمة بشكل محزن وكأنها بائعة الكبريت.. ويعلم بأنها فعلتها متعمدة لتُشعره بالذنب.. فلقد تعوّد على هذه الدراما


حملها بذراعيه وهو يود دفنها داخل ضلوعه
قبّلها عدة مرات.. يحبّها.. بل يعشقها
ورغم دلالها ومشاكلها.. إلا أنه لم يندم ولو للحظة أنه اختار المضي بحياته معها




.
،





استلقت بجانبه وهي تعاني مع أفكارها.. فكرةٌ تأخذها وفكرةٌ تعيدها.. لا تستطيع النوم.. تقلبت كثيرًا.. سرق حياب النوم من عيونها

لم تظن يومًا بأنه سيشغل بالها بهذه الطريقة.. لا تعلم إن كان حاله مؤلم لهذه الدرجة.. أم أنها هي التي تغيرت، ورقّ قلبها؟

المُحزن بأنها تجهله تمامًا.. لا تعلم كيف تستطيع التحاور معه، ولا تعلم كيف تسحب الكلام منه.. فلم يسبق لها خوض أي حوار مشابه معه

محزنٌ جدًّا.. أن تكونا اثنين فقط.. في منزل واحد.. ومن أم وأب مشتركين.. وتكونا بهذا البُعد

أخذتها أفكارها بعيدًا جدًّا.. كم من مرةٍ يا ترى احتاج لمسةً أنثوية منها ولم يجد؟
كم مرةٍ احتاج أن يتكلم، يفضفض.. إلى شخص يقاربه في العمر ويختلف عنه في الجنس ولم يجد؟


تتذكر أحاديث قرواش عن شقيقاته، أحاديث شقيقات غديّر عنه رغم عيشه بعيدًا، شقيقات سلطان وذكرياتهن معه.. كل ابناء عمومتهم.. عن مقالبهم وضحكهم وشجاراتهم المتكررة


هي سعيدة من أجلهم.. ولكنها حزينة جدًّا على شقيقها الذي لم يجد منها أي شيء يُثبت أخوّتهم.. سوى الاسم والدم.. وقليلًا من الملامح


مسحت دمعة سقطت من عينها بطرف إصبعها.. كل الأخوات يكنَّ لأخوتهن ملاذ.. وإن طال بينهم الشجار
إلّاها هي وشقيقها.. كانت بينهم مسافات وسنين ضوئية


قال قرواش: ما بنرقد اليوم؟

قالت وهي تكتم غصتها: افكر به.. مب قادرة ارقد

قرواش تنهّد وهو يعتدل: ما قالج شي؟

سوادة: ما سألته.. وهو ما قال.. ماعرف كيف آخذ علومه.. أنت ربيعه اسأله

قرواش: لا تحاتين باجر ان شاءالله بيلس وياه وبشوف موضوعه

سوادة: أحس الموضوع يخص حرمته.. مادري

قرواش: أي حرمة.. ماظني حرمة تسوي بحياب جي.. يمكن مسوي له مصيبة او ذابح له حد.. صدقيني كل الاحتمالات اقرب من انها تكون حرمة

غضبت منه: لا تتمصخر فهالمواضيع

ضحك قرواش: هههههههههه صدق.. بتعلميني في حياب.. هذا معاشرنه أكثر عنكم كلكم.. عمره ما عطا الحريم هذا القدر.. مستحيل يكون الموضوع يخص حرمته

سوادة: ما تدري الريال غير ويا حرمته.. أنا بكلمها بعد بشوفها مول مالها حس.. والله قرواش انته ماشفت اللي شفته.. قطع قلبي.. حسيته مب اخوي.. عمري ما شفته جذي

تنهّد: يعينه الله




.
،



صباحـًا

كان يوضّب حقيبة كتف صغيرة ليسافر بها.. بينما كانت ترتدي ملابس العمل
قال: شلي وياج أغراض.. بتباتين اليوم في الفيلا.. أنا رمست أم حسام.. هذي حرمة عودة تشتغل عندنا من سنيين
بتطرش الدريول دوامج وحد وياه من العاملات.. مابغيج تسيرين بروحج لأن الدرب طويل وأنتي حامل أخاف عليج تتعبين أو شي


وضعت رأسها على صدره براحة: وليش كل هالعبالة؟ (التعب) إلا هو يوم واحد حبيبي لا تستوي موسوس


سلطان: ماقدر.. ما بتطمن الا وأنتي هناك.. أما بروحج والله إني أخاف عليج سبحان الله تتعبين أو شي.. محد وياج


نظرت إليه وهي تفكر: شو أروم أقولك؟ أنت تفصّل وأنا ألبس


سلطان: آسف.. والله مابغي اتحكم فيج لكني ماقدر أسافر وأخليج هني.. الود ودي اشلج وياي لكن دوامج المشكلة

مستحيل أتم متطمن وأنتي هني بروحج.. هناك عيال عمي موجودين
وحرمة ولد عمي موجودة اظني تعرفينها.. وأم حسام بعد واثق فيها ثقة عميا.. بتساعدج في اي شي تبينه.. انزين حبيبي؟

هزت رأسها بإيجاب

احتضنها وقبّلها: استودعتج الله الذي لا تضيع ودائعه.. طمنيني عنج من توصلين الفيلا انزين؟

وديمة: من عيوني


نهض خارجًا إلى غرفة صغيرة، ومن ثم إلى المطار



.
،




ربطت حزام الأمان استعدادًا للإقلاع.. كانت ستسترخي.. لو لا أن وصلتها رسالة فتحت هاتفها مباشرة.. ظنّتها رسالةً منه
كانت تنتظر شيئًا منه.. اعتذارًا.. أو أي شيء يبرد ما بداخلها

ولكنّها لم تجد أي شيء

صحيح بأنها كانت ستؤنبه وربما تحظره.. ولكنها كانت تنتظره


كانت الرسالة من سوادة.. قرأت: أنتي وين؟ مالج حس

صورت نافذة الطائرة وأرسلتها

كتبت سوادة: ويييين!! ما خبرتيني؟ درب السلامة حبيبتي

صغيرة: رادة البلاد ويا سلطان أخوي.. و الله يسلمج.. بنقلع عقب شوي برمسج عقب


أغلقت هاتفها وهي تنظر إلى الخارج.. بينما أغلق سلطان عيونه بجانبها.. وكان يحرك شفتيه.. يبدو كمن يقرأ دعاء السفر.. أو قرآن.. لا تعلم

ولكنها قلّدته

تشعر بمشاعر غريبة.. برود غريب.. وحزن يخيم على صدرها.. تشعر بالوحشة في قلبها
تشعر بأنها تركت قلبها تحت إطارات هذه الطائرة
تركت قلبها هنا في هذه البلاد الغريبة.. والتي، رغم اختلافها الكبير عن طباعها وما تربّت عليه.. إلا وأنها تبدو شديدة الألفة.. خصوصًا وأن فيها "ذاك"


أول حبٍّ لها.. أول من استباح النظر إليها، واحتضانها، وتقبيلها


تشعر بأنها تركت كل شيء هنا ورحلت.. غصة عظيمة في حلقها
ولكن عليها ابتلاعها
لأجلها.. عليها التفكير بنفسها وحسب.. لا به

صحيح بأن منظره المكسور، والمستجدي لا يفارق خيالها

ولكنها تريد التفكير بنفسها.. بمستقبلها

هو سيسعد بوجودها.. ولكنها ستعيش الظلمات معه
تريد التفكير بواقعية.. الدنيا لا تمشي بالعواطف
وكما قالت مسبقًا.. البُعد عن حياب مؤلم.. ولكنه بالطبع لن يكون أكثر إيلامًا من العيش معه




.
،





كان يمشي معه في ممرات الجامعة

قال: أنت شو سالفتك؟

عقد حياب حواجبه: شو سالفتي؟

قرواش: شو بلاك؟ حزين ومجروح؟

نظر إليه حياب باستنكار: شو هالكلام بعد؟

قرواش: ها كله عشان العروس؟ الا هي حديد لا تبالغ

حياب: لا حديد ولا غيره.. مب مفتكر بالمرة

قرواش: عيل بلاك مويّم (مكشر/مهموم) طول الوقت وسرحان تقول فاقد لك حبيب

حياب: وأنت بلاك غادي فوزية الدريع تراقبني حزين ولا مجروح؟

قرواش همس له: إذا ذابح لك حد خبرني بفزع لك

حياب قهقه: لا تحاتي لو ذابح حد مستحيل ما أوهقك وياي



كتب لها قرواش: ما بيرمس.. يمكن عشان حرمته.. رمسيه أنتي



أغمضت عيونها بضياع.. مالذي سيحصل الآن؟ تحتاج أحدًا تستشيره
في حيرة شديدة من أمرها.. كيف تحادثه؟ وبأمر خاصٍّ كهذا؟
هل يجب عليها تركه؟ ليهدأ بنفسه؟

نفضت الفكرة من عقله.. عليها محاولة المساعدة وإن رفض ستتركه.. ولكن يجب عليها مد يد العون.. وإخباره بأنها هنا إن احتاجها
هي شبه متأكدة من الأمر.. خصوصًا وأن صغيرة رحلت بدون أي تواصل



أخبرت قرواش بأن يتأخر قليلًا في العودة.. وسجلت رقم حياب في هاتفها
فتحت المحادثة بتوتّر شديد وهي تكتب: مرحبا حياب.. أنا سوادة.. سويتلك فطور تعال افطر عندنا

رد عليها باختصار: بي عقب الصلاة


كانت تشعر بأنها على أعصابها.. بالأمس خفف قرواش عنهم الكثير.. وحمل أغلب الضغط على عاتقه
أما اليوم.. فهما هنا لوحدهما.. وفي فمها كلام في أمر خاص.. ولا تعلم بعد كيف تفتح الموضوع



بدأت بالغرف له.. وهي تقول بتردد شديد: صغور مسافرة اليوم

قالتها بتركيز عليه.. تود دراسة رد فعله.. وأعطاها خير رد وخير دليل
فتح عيونه بصدمة: سافرت!

قالت: هي.. الصبح.. ما تدري؟

تنهد وهز رأسه بالنفي: لا.. الله يحفظها



عضت شفتيها.. ما من شيء يُبكي.. ولكنها تريد البكاء.. حياب لا يقول الكثير.. ولكن كل شيء فيه يصرخ وجعًا


قالت بتردد أكبر.. وهي تحاول أن تستجمع صوتها: ليش سارت؟

قال باختصار: تبا تتطلق

شهقت بصدمة: تتطلق مرة وحدة!

لم يرد عليها

قالت بعد مدة من الصمت: وأنت تبغي تطلق؟

حياب: لا



سوادة بتعاطف شديد: انزين لا تطلقها إذا تبغيها.. حاول تراضيها.. والله يا حياب إن صغور طيبة وايد.. قلبها نظيف.. أطيب قلب فهالدنيا.. تتذكرني كيف كنت أنا؟ منو يتحملني؟ قوللي؟ منو؟ تحيدني كيف كنت ملسونة وكريهة
هي كانت وايد طيبة وتتجاهل أغلب اللي اقوله وأنا زعلانة ولا تركز.. إذا تبغيها لا تخليها.. مستحيل تحصل وحدة مثلها

قال: لو بيدي ما بطلقها.. بس الحين بتسير عند أهلج.. وبتبدا الأفلام.. الله يعلم شو بيسوون وشو بيقولون

سوادة: كلم أمي صغيرة.. أكيد بتوقف وياك

تنهد: أنا تسدني الأيام اللي عشتها وياها.. مابغي زيادة

دمعت عيونها: لا تقول هالكلام.. تونا صغار يا حياب.. بعده العمر فيه وايد

حياب حرّك راسه باستسلام: ما بترد.. عافتني




هادئ جدًّا.. هادئ.. عيونه على الكأس وهو يقلّبه بين يديه.. ولكن كل شيء فيه ينزف.. حياب ينزف ألمًا


كانت تشاهده بحسرة وألم.. لم تستطع تمالك نفسها
تعالت شهقاتها ورمت بنفسها في حضنه: حبيبي أنته.. لا تقول هالكلام.. خل ظنك بالله أحسن عن جذي.. كل شي بايده ممكن.. لا تيأس


تجمّد مع احتضانها.. لم يتوقعه أبدًا.. ولكنه تأثر كثيرًا.. كان يحتاج شيئًا يخفف عنه.. رص عليها وهو يأخذ قدرًا كبيرًا من الحب والحنان
في لحظات الضعف تحتاج مواساة.. تحتاج مؤازرة.. وهذا ما تفعله سوادة
معه
شعر بتعاطفها.. لعلّه أول احتضان يجمعهما.. ولكنه كتم مشاعره وضحك عليها: ههههههه الحين ليش تصيحين انتي؟ ماحيدج صياحة


تجاهلت ضحكه وهي تحاول كتمان ما تبقى فيها من بكاء: لا تعذب عمرك.. إذا تحبها حاول عشانها.. عشانكم حياب انتوا الاثنين.. صدقني هي بعد ما بتكون بخير.. صغيرة قبل لا تعرفك ومن خطبتها وهي تميل لك وتدافع عنك.. كيف الحين عقب ما عاشرتك؟


مسح شعرها وهو يتنهد: لا تشغلين بالج بهالموضوع.. يعين الله


دخل قرواش وهو عاقد حواجبه.. سحب سوادة من يده: خير يالغالي.. خليتك خمس دقايق ويا حرمتي أشوفك حاضننها


شعر حياب باحراج شديد من قرواش.. رغم أنها شقيقته والموقف كان عاطفيًا
الا وأنه شعر برغبة شديدة بالهرب من الموقف

استرخى على الأريكة وهو يطرد احراجه: هي اللي نقزت علي.. يمكن ما تحملت زيني


رفسه قرواش على ريله: يالله يالله بس.. مصختها تراك

التفت قرواش على زوجته يحادثها عن أمرٍ ما.. حين قاطعهم حياب
قال بذهن شارد: بتسيرون نعتمر؟ مب باقي شي على السمستر.. ناخذلنا عمرة سريعة ونرد البلاد

قرواش: غريبة أول مرة تقول تبا تعتمر

حياب عقد حواجبه بغضب: تشوفني يهودي جدامك يالهرم

قرواش: هههههههههههه لا والله بس مستغرب.. شكلك تبا تسير تدعي تتصلح البوغاتي


صغّر حياب عيونه بتركيز.. يبدو بأن هذا الخبيث يرمي إلى هدف آخر
قال: نسير ندعي تتصلح شو المانع.. الله قال ادعوني استجب لكم


،




هلعت ما أن رأتها بهذا المنظر
جرت إليها وهي تتحسس وجهها بقلق شديد: صغور.. امي.. شو بلاج يا قلب امج؟ بسم الله عليج الرحمن الرحيم.. سلطان شو بلاها اختك؟


قبّل سلطان رأسها بهدوء: بتخبركم هي


قالت صغيرة: امايه بتطلق منه.. مابغيه

وضعت أم سلطان يدها على قلبها بصدمة: شووووو؟؟؟ بتتطلقين؟ تخبلتي انتي؟ ليش انتي شو شفتي من العرس عشان تقولين بتتطلقين؟ توج ماكملتي الا كم يوم

قالت بصوت ضعيف جدًا: امايه مابغيه.. دخيلج

سلطان مسح على رأس صغيرة بحنان.. وهو ملتفت على والدته: خليها شوي ترتاح

هزت أم سلطان رأسها.. وهي تأخذها للداخل: لا حول ولا قوة الا بالله.. الله يهديكم ويصلح بالكم.. تعالي أمي.. تعال سلطان فديتك تقهوى



دخل سلطان خلفهم.. وهو قلق على صغيرة.. رغم علاقته السطحية بها إلا أنه يشعر بها ابنةً له، لا شقيقة وحسب

خصوصًا وأنها الوحيدة من شقيقاته، التي استقبلته بحفاوة عند عودته.. والوحيدة التي لم تتوانى عن ابداء مشاعرها وحبها تجاهه

كما أن مظهرها يعطيها عمرًا صغيرًا.. لا يستطيع الاقتناع بعمرها أبدًا.. تكسر قلبه شفقةً عليها


استلقت على رجل والدتها ودموعها نزلت مباشرة، وبشكل تلقائي.. وكأنها تعوّدت على تجرّع الألم

كانت والدتها تمسح على شعرها الذي ينكشف أكثر مع كل مسحة.. جزعت للمنظر
قالت بصدمة: صغور.. شعرج.. وين سار؟

زادت دموعها وهي تنظر إليها
قالت: قصيته.. مابغيه


نزلت دموع والدتها وهي تمسح عليها: بسم الله عليج الرحمن حبيبتي.. شو فيج.. شو استوا بج.. بسم الله عليج يا بنتي.. شو سوابج حياب

صغيرة تمسح دموعها وهي تشهق: مابغيه امي

رفعتها إلى صدرها تحتضنها: بسم الله عليج.. بسم الله عليج يا بنتي.. الله يهدي قلبج وخاطرج


كان سلطان ينظر إلى المشهد بحزن.. صغيرة وكأنها في عالم آخر.. لا تردد سوى كلمة واحدة.. مابغيه.. وبس


كانت والدتها تشعر بتأنيب ضمير قوي جدًا.. لأنها وكالعادة لم تعبر عن اعتراضها وتدافع عن ابنائها

لم يرُق لها حياب أبدًا.. كان مدلّلًا منذ طفولته.. وصاحب مشاكل وشجارات طوال مراهقته وشبابه

لم تشعر بالراحة تجاهه.. لم ترى فيه أي سمة من السمات اللي قد تتمناها لابنتها ولكنها رغم ذلك مضت بالزواج

حتى بعد علمها بهروبه.. مضت بالزواج بصمت

كان جلّ تفكيرها ذلك الوقت، سلطان، كيف تكسبه، كيف تزوجه وكيف ترضيه.. وفلتت صغيرة تحتها مع مجرى المياه بلا أي اكتراث منها


نظرت إليها بحسرة.. ظلّت معها طوال الوقت.. إلى أن حان وقت النوم.. وضعت العشاء لابنها الصغير وعادت إلى صغيرة.. ستنام معها اليوم
فزوجها غائب كالعادة.. إما لعمل، وإما لمواجيب، أو مخيمات الرجال.. قلّما تراه في المنزل


كانت تقرأ عليها طوال الليل.. تحتضنها وتمسح عليها.. وتبكي هي معها
والأمرُّ من كل ذلك أنها كانت تشعر بها تبكي حتى في نومها


صغيرة طفلة.. طفلتها الصغرى.. مدللتها.. اقرب بناتها لها وأكثر واحدة تلازمها.. وهي أرق، وألطف، من أن تعاني كل هذه الهموم




،




عاد من الاسطبل إلى المنزل.. رآها تعبث في المطبخ تلصص بالنظر إليها قليلًا.. ثم مضى في طريقه وكأنه لم يرها

لا زال يتّبع خطته بإظهار القسوة واللا مبالاة.. وقرر زيادة الأمر اليوم بالزعل منها



أما هي.. فكانت على اعصابها تنتظره.. تعترف بأنها تهوّرت كثيرًا عندما ذهبت إلى غرفة المدرّسين.. لم يكن عليها ذلك

خصوصًا وهي تتذكر وجوه المدرّسين الفضولية تجاههما.. غديّر لا يستحق ذلك منها أبدًا

تتذكره وهو مدرّس.. لطالما كان غامضًا.. هادئًا.. لا يتكلم عن أي أمرٍ خاص أبدًا
على عكس بقية المدرّسين

كلّما تذكرت الموقف شعرت بإحراج شديد.. كانت غاضبة صحيح.. ولكن لم يكن عليها التعبير عن غضبها بهذه الطريقة

تشعر بأنها مدينة بالاعتذار له.. تعلم بأنها صعبة قليلًا وهو يتحمّلها كثيرًا
ولذلك قررت أن تعتذر هي اليوم.. وليسقط هذا الحطب بينهما



ما أن رأته حتى تركت كل شيء واتجهت إليه.. حسّنت شكلها قليلًا واقتربت منه

قالت بحب: غدوري


كانت تنتظر "عيون غدورج" ولكنه لم يرد عليها.. على غير العادة.. دخل الى الحمام ليغتسل وخرج بتجاهل تام


أعادت مناداته: غديّر بيبي.. بك شي؟

لم يرد

وقفت أمامه بقلق: شو بك؟ متوجع؟ فيك شي؟

أشاح بوجهه وكأنه لا يسمعها

شعرت بخوف عليه.. ماذا دهاه؟ لأول مرة يتجاهلها بهذه الطريقة

اصرت عليه: غدوري شو بك؟؟ زعلان؟

قال غديّر: ليش يهمج زعلي؟ تراج ماتبيني وبتهديني.. لا تمثلين انج مهتمة

شعرت بزعل شديد عليه: الحين انا مابغيك؟؟

غديّر يتبع أسلوبها: هيه.. ماتبيني وتبين تهديني

ريان اقتربت منه: مستحيل اهدك واخليك.. انا اموت فيك.. لا تقول هالكلام

غدير: لو تحبيني ما بتهدديني انج بتخليني كل يوم

شعرت بزعل شديد عليه: غدير لا توجع لي قلبي.. والله اني احبك.. مستحيل اقدر اعيش بدونك.. بليز ما تقول هالكلام

اشر على شنطتها: وهذا شو؟ مب اغراضج لميتيها وبتسيرين؟ انا فتحت الباب الصبح قلت اكيد برد مابحصلها


ريان شعرت باحراج من تصرفاتها
قالت: لا غيرت رأيي مابروح مكان

غدير أشاح بوجهه: غيرتي اليوم.. وباجر بتقررين تخليني مرة ثانية


ريان احتضنته وهي تمد شفتيها بزعل عليه: لا حبيبي بليز ما تقول هيك.. والله اني احبك.. اموت فيك.. مستحيل اتركك.. لا تظن هيك حبيبي انت.. لا تزعلني عليك



كان سيضحك ويحتضنها.. ولكنه فضّل المماطلة أكثر.. أعجبه الوضع
فلتذق قليلًا مما يذوق هو كل يوم

ارتاح في حضنها قليلًا.. أخذ جرعة حنان تعينه على ما تبقى من اليوم
ثم ابتعد بزعل.. وعاد إلى غرفته متجاهلًا كل كلامها




،
.






فتح الدش الساخن على جسمه.. وهو يستشعر الشعور المُرضي بمرور الماء الساخن على عضلات جسمه بعد التمرين القاسي

كان يحتاج هذا الشعور.. يحتاج جرعة الادرينالين هذه بعد سيل الهموم في قلبه

فبعد الخيل، لم يكن هنالك من شيء يخفف ما به.. سوى الرياضة

يود تقبيل رأس قرواش الذي أعطاه هذه الفكرة، وإن كانت طريقة تهكمية الا وأنها أعجبته.. فلم يفكر بها مُسبقًا ولكنها فادته كثيرًا في وضعه الحالي


ارتدى ملابسه واتجه مباشرةً إلى غرفتها.. فتح الباب بالمفتاح الذي يحتفظ به ليمنع أي شخص من الدخول


استلقى على فراشها ودفن رأسه في وسادتها يستنشق رائحتها.. اشتاق إليها.. وهذه الطريقة الوحيدة التي تهوّن عليه هذا الشوق


كانت الرائحة خفيفة جدًّا.. شبه مختفية.. دفن أنفه أكثر بين طيات الوسادة.. وكأنه يبحث عن بقايا ذاك العبير


ولم يجد شيئًا.. شعر بغصة في حلقه.. كانت رائحتها هنا تخفف وحشته.. وتُشعره بأنها كانت هنا يومًا.. وليست حلمًا راوده على عجل


استلقى على ظهره وهو يفكر.. يحاول تذكّر عطرها.. حوّل بصره على تسريحتها يحاول تصوّر شكل العطور

ولم يجد شيئًا

قال لنفسه: البخيلة ما خلت ولا عطر


نهض من فراشه مباشرة متجهًا إلى شقيقته.. لابد وأن لديها خبرًا.. أو تستطيع سؤالها على الاقل




،




التقطت هاتفها مباشرة لتتصل بصغيرة.. فقد انشغلت كثيرًا عنها وكلما قررت التواصل معها استجد عندها جديد


ردت تلك بصوت مرهق: الو

سوادة: صغور؟ بلاج بسم الله.. راقدة؟

صغيرة: لا

سوادة: عيل؟ قومي بسولف وياج.. تولهت عليج

صغيرة: مالي بارض الحين

سوادة: شو مالي بارض.. يلا قومي.. بفتح فيديو كول نشي.. بس خليني اغير مكاني اخاف ريلي يدخل




انصاعت لها تلك بغير رغبة.. ولكنه ضغط سوادة الطبيعي.. والذي يشابه ضغط شقيقها ولا تستطيع الرفض هنا



عقدت سوادة حواجبها وهي تراها: بسم الله الرحمن الرحيم.. شو هذا؟ بلاج؟ چنه ميت لج حد بسم الله


صغيرة: سوادة خليني في حالي


سوادة: شو بلاج حياتي؟ "ثم رفعت رأسها" دقيقة صغور.. هلا حياب حبيبي تعال



ذهب إليها يمثّل السرعة والانشغال: اقولج سوادة تعرفين صغور كانت تستعمل أي عطر؟ عطرها اليومي يعني

عقدت سوادة حواجبها باستغراب: عطر؟ اممم مادري والله.. يمكن مسك؟ احيدها تحبه

حياب: لا امي تحط مسك.. ريحة صغور غير.. أخف

سوادة: اممم هي تستخدم مسك نوعه غير.. بطرشلك صورته.. بس غريبة شو تباه؟

حياب: عيبني

استغربت أكثر: عيبك؟ مب ذوقك!

حياب: تغير ذوقي.. المهم طرشيلي اياه.. بحصله هني ولا لازم حد اييبلي اياه من البلاد؟

سوادة: يمكن تحصله في **** سير اطالع

حياب: اوكي.. شكرا

وخرج بسرعة.. وسط استغرابها من تصرفات شقيقها الغريبة جدًا


عادت إلى الشاشة.. وهي ترى حالة صغيرة حالة أخرى
كانت شديدة الاضطراب.. عيونها دامعة.. وأنفاسها محبوسة

همست: هذا حياب؟

سوادة: هيه

صغيرة بصدمة: كيف؟.. شو استوا؟

سوادة ابتسمت: تصالحنا.. الحمدلله

صغيرة: مستحيل.. كيف.. أنتي وحياب؟


ضحكت سوادة: ايه اذكري الله علينا.. تونا نتذكر إننا أخوان بعد كل هالسنين.. الحمدلله
حبيبي.. كان تعبان هاك اليوم.. ماعرف شو بلاه

مدت شفتيها بزعل وهي تتذكره.. كانت تتحدث وكأنها تراه
قالت: كان منهار.. وبروحه ما عنده حد.. قطع قلبي.. ولو إني قلت ما بسير له.. اخاف منه.. بس انجبرت.. غصبًا عني سرت أواسيه
الحمدلله.. مقادير كاتبنها ربي


صغيرة: سوادة اللي اعرفها بتقول يستاهل اكيد مسوي مصيبة


ابتسمت سوادة: هالويه حتى سوادة اللي تعرفينها ما شافته.. صح إني كنت دوم اضاربه لكنه يبقى اخوي.. أساسًا سوادة اللي تعرفينها مب موجودة
"مسحت على بطنها" مادري كيف اوصف لج.. لكن الحياة وايد غيرتني.. التجارب اللي مريت بها.. الوحدة والضيم
خلوني اعيد حساباتي في كل شي.. الناس والحياة
والله مافي شي يسوى.. هاللي اكتشفته
"ثم أردفت وهي تنظر إليها" ماعلينا من هالسوالف.. علومج أنتي؟ ليش ويهج غادي هالشكل؟


صغيرة: سوايا اخوج


تأثرت سوادة لنبرتها.. لا تستطيع التماس العذر له.. أو التبرير.. تعلم أنه هو الآخر ليس بالهيّن


صغيرة: شو يبا يدور عطري؟

سوادة: يمكن يبا شي يذكره فيج


شعرت صغيرة بلسعة في قلبها: چذاب.. مستحيل

سوادة: ليش هالثقة؟ ليش صغور أنتي في حد يعاشرج وما يقدر يحبج؟

صغيرة: كل الناس الا اخوج.. لأنه مب إنسان.. هذا شيطان على شكل إنسان

تنهّدت سوادة.. لا تستطيع الدفاع عنه
قالت: الله يربط على قلوبكم يارب


صغيرة: عرس وضحى هالاجازة.. يقولون بيسوونه صغير بس بين بوالخيول

قالت سوادة بتأثر: الله يسعدها يارب

صغيرة: لا تزعلين حبيبتي.. صدقيني فترة وبترد مثل اول.. نحن خوات.. أكيد هي خايفة من ريلها

سوادة: الله يسعدها.. ما ألومها

صغيرة: بتحضرين؟

سوادة: وضحى أخت قرواش.. أكيد هو بيحضر.. أما أنا مادري.. على حسب اللي بيقوله هو

ابتسمت صغيرة: والله تغيرنا يا سوادة


.
،





دخل من باب المنزل الرئيسي وهو يكتم أنفاسه القوية، وكأنه بكتمها.. يكتم كل الذكريات التي تدافعت إلى ذهنه

طفولته، مراهقته، شبابه.. كلّه في هذه الفيلا التي لم تتغير أبدًا.. على عكس منازل الدانة التي تتغير باستمرار

كانت العائلة تقضي أغلب الإجازات هنا.. هنا لعبوا.. هنا تقاتلوا.. هنا كان يجلس جده سلطان رحمه الله.. هنا اجتمع اعمامه.. هنا كان حفل تخريجه
ذكريات كثيرة جدًا.. محال أن يحصيها


التقى بأم حسام عند الباب والتي رحّبت به ترحيبًا حارًّا.. لم تتوانى فيه عن ذرف الدموع

قال وهو يبتسم: اذكري الله يا أم حسام ليش كل هالدموع

أم حسام: كأنك حلم يبني.. والله حلم.. خبروني إنك طلعت لكن ما صدئت الا لما شفتك الحين.. سبحانك ربي

سلطان: الحمدلله رب العالمين.. مقادير.. كاتبنها ربي يا أم حسام.. كل شي مكتوب ومقدّر بأجل

أم حسام: الحمدلله يابني.. الحمدلله.. جوزتك في قسمك.. ماشاءالله بنت زي العسل أمورة وطيوبة ما عذبتنا أبدًا.. ربنا يخليها لك

سلطان: تسلمين.. بسير أشوفها عيل أنا استأذن


،


طرق الباب عدة مرات.. وانتظر كثيرًا إلى أن وصله صوتها المتوجس: منو؟

قهقه: يالخوافة.. منو بيكون يعني.. افتحي.. مشتاق

سمعت صوته وانشرحت ملامحها.. فتحت الباب بابتسامة، وفتحت بعد الباب، يدها له
قالت: تعال

حملها مباشرة وهو يقبّلها ويحتضنها بشدة

قالت وهي تقهقه بحب: سلطاااان.. تحمل.. أنا حامل لا تنسى

قال: لا تحاتين منتبه.. والله مشتاق لج حبيبي.. مشتاق وايد.. كيف الواحد يشتاق لشخص ما غاب عنه الا يوم؟ والله عجيب هذا الحب

وديمة غمزت له: تعويذة هذي أنا مسويتنها لك

سلطان باسها: احبج.. لا تخليني.. يا ويلج والله لو تفكرين تخليني في يوم.. لأني ما اتخيل حياتي بدونج.. ولا اظن بقدر اعيش بدونج

عقدت وديمة حواجبها: شو هالكلام الحين؟

سلطان: دوم يخطر ببالي.. يوم اتخيل كمية الحب فقلبي لج، أحسه حب كبير.. عظيم.. ماتتخيلينه
أعرف إني ما اتكلم وايد ويمكن ماعرف اسوي سوالف الشباب الرومانسية
لكن والله إن حبي لج عظيم.. كبير وايد
ويوم افكر فيه على طول اقول فخاطري شو بيستوي بي لو اعيش بدونها؟

وديمة: بسم الله عليك حبيبي.. وعلينا.. لا تفكر بهالأفكار.. الحب جميل والله رزقني اياه بالحلال ومن أحسن ريال.. الحمدلله

احتضنها بهدوء وهو يحمد الله

قالت وديمة بتحذير: لكن ترا التعلق المرضي غلط.. انتبه

سلطان: دكتورة.. مب وقتج ترا.. يالله تعالي نرد بيتنا مابا ايلس هنيه

استغربت وديمة: ليش؟ تبا تطلعنا فهالليل؟ درب

سلطان: بس.. مب مرتاح هني.. ذكريات وايدة.. ما اتحمل

مررت أصابعها على لحيته: شو المشكلة؟ أكيد مب كلها خايسة ذكريات زينة وشينة

سلطان: ودوم خلاص.. قلت مابغي ومب مرتاح

كشرت في ويهه: انزين



ابتسم وهو يراها.. يحبها.. يحب شخصيتها الخاصة جدًّا معه.. والتي لا يراها بحضور شخص آخر مهما كان الشخص

أو ربّما أنه رآها لأول مرة بشخصية متكلفة قليلًا.. برداء أبيض وفي مكان شديد الرسمية كالمستشفى

ولذلك يذوب عندما يرى دلالها وعفويتها أمامه.. وديمة أنثى بحق
محال أن يجتمعا في مكان بدون أن تلمس جزءًا من جسمه.. يده.. ذراعه.. عضده.. ظهره

دائمًا ما تمرر كامل أنوثتها على رجولته.. لمساتها العفوية هذه.. إدمان بالنسبة له




كان يقود سيارته وهي بجانبه.. تبادله الأحاديث المختلفة.. عن العمل، الأسرة، اخبار العالم.. وغيرها من الأمور
كانت مسلّية جدًّا.. يستطيع الحديث معها عن أي شيء كان.. وإن كانت تجهله فهي مستمعة جيّدة ولديها مهارة ممتازة تبادل أطراف الحديث

وقف بجانب أحد المساجد على الطريق.. استغربت قليلًا.. ولكنها لم تسأل


قال: شوفي المسيد هذا


أنزلت النافذة وهي تنظر إلى المسجد الضخم، بتصميم فريدٍ من نوعه والاضاءة المميزة
فالمساجد هنا غالبًا ما تكون عادية وبسيطة وعملية


قالت: ماشاءالله وايد حلو ومميز.. عكس باقي المسايد هني.. شكله مال واحد تاجر

ابتسم على فكرتها: هذا مسيد أخوي مايد الله يرحمه

تعجبت: صدق! ماشاءالله.. وايد حلو.. الله يكتب أجره

سلطان: آمين يارب.. بنيناه أنا وعيال عمي.. خلّص وأنا في المصحة.. لكني طلعت اشوفه في وحدة من الاجازات.. لو كان وقت صلاة چان نزلتج نصلي فيه

قالت: مرة ثانية ان شاءالله.. شكله جميل يباله زيارة.. بس ليش ما خبرتني عنه من قبل؟

قال بتفكير: مادري.. ما خطر ببالي.. الله يكتب له أجره

أمّنت وديمة.. وهي تستمع إليه

قال بسرحان: ساعات ينقبض قلبي.. أخاف يكون يتعذب.. أخوي مات منتحر.. تعرفين هالشي صح؟


أومأت وديمة بإيجاب


سلطان: اخاف عليه.. ولو إني أدري إنه كان تعبان نفسيًا وقتها.. لكن مادري.. في النهاية هذا انتحار.. سألت وايد.. محد يعطيني جواب.. يقولون الحكم عند الله سبحانه

قال وهو ينظر إلى عينيها: أخاف الله يكتب لي ادخل الجنة ما ألقاه


صمتت وهي تنظر إليه بتعاطف شديد


سلطان: عشان جي بنيت له مسيد على طول.. مب بس هنيه.. هذي أعمال بيني وبين الله مادري ليش أقولج عنها
أحاول أسوي له أعمال خير كثر ما اقدر.. مادري.. يارب إنها تشفع له عند الله

قالت بصوت متحشرج: ان شاءالله بتشفع له.. الله ربي رحييم.. أرحم من كل عباده يا سلطان.. صحيح إن محد يعرف أمره
لكن نظن بالله خير ونقول إنه بيرحمه ويجمعكم في الجنة بإذن الله
لا تشوف كبر ذنبه.. شوف رحمة ربي
كل رحمته اللي نشوفها في هالدنيا جزء من 99 رحمة جعلها عنده

تتوقع إن مايد ما بيكون له نصيب؟ ان شاءالله له نصيب منها.. بس أحسن الظن بالله





**ملاحظة:
جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جُزءٍ ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا ، وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلقُ حتى ترفعَ الفرسُ حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تُصيبَه
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 3095 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | التخريج : أخرجه البخاري (6000) واللفظ له، ومسلم (2752)

.
،




سمع طرقًا على الباب.. استغرب.. لمَ قد تطرق باب غرفتهم؟
لم يرد عليها فأعادت الطرق.. خاف هذه المرة.. ونهض بقلب متوجّس


فتحه فكانت الصدمة.. وقف مذهولًا من المنظر

كانت ترتدي لباسًا مصريًّا شعبي.. وقد ربطت رأسها بمنديل.. وتحمل صينية دائرية مستندة على خصرها

كانت كأنها ممثلة في مسلسل مصري.. ولكنّها كانت أيضًا شديدة الجمال.. وردة.. كأنها بالضبط، وردة ندية

بياضها الناصع، شعرها البني الفاتح، أحمر شفتيها، وخدودها المتوردة

تبدو خجلة، وتحاول السيطرة على خجلها بتقمص هذه الشخصية الشعبية


قالت بحاجب مرفوع وبمصرية ركيكة: فيه ايه يا استاز غدورة.. مش عاوزنا تاني؟ خلااص؟


تكتّف محاولًا كتم ابتسامته، وهو يراقب العرض المسرحي أمامه بصمت وحاجب مرفوع


دخلت الغرفة ووضعت الصينية على الطاولة وهي تنقل الاطباق
قالت: المنيو اليوم، حواوشي، فراخ، ماعملتش ملوخية لأني مابحبهاش

عاوز تتعشى ولا خلاص حتى أكلنا مابدك اياه؟


ضحك هذه المرة: المسلسل مصري ولا سوري ما عرفنا؟

قالت: هو مصري.. لكن محتاجين نزبط اللهجة شوية

غديّر: خلاص عيل تدربي وردي مرة ثانية

بوّزت وهي تشوفه: مش عاوز ترضى علينا؟ ماعجبك شكلي؟


نظر إليها نظرة مطوّلة.. وجهها البريء.. شفتيها الممدودتان بزعل.. ويديها التي تمسك بيديه

قال بصدق: ودي أقسى زيادة.. بس القلب ما يسمح.. متولّع بج من زمان

ريّان: قسيت كفاية.. بس.. خلينا نتصالح.. ماقدر اعيش جي

غديّر: عيل لا تزعليني.. تتحريني مرتاح يعني وأنا زعلان عن حبيبتي وحارم نفسي منها؟

احتضنته: آسفة.. عرفت غلطي والله.. سامحني.. من أمس وانا حاسة بذنب كبييير لأني رحت مكتبك

غمض غديّر عيونه: لا تذكريني.. لأني بذبحج

شدت باحتضانه أكثر: لا تذبحني.. آسفة.. مادري كيف عملت هيك

غديّر: قلتلج لا تيين مكتبي خير شر

رفعت نفسها على أطراف أصابعها.. تقبّل رأسه: حاضر.. من عيوني الثنتين.. كم غدورة أنا عندي؟ تؤبر ألبي.. اذا مابدك روح مكتبك ابدااا مابروح.. ولا بأرّب حتى.. ولا بتأخر الصبح بس خلص ما تزعل.. طيب حبيبي؟



لم يستطع مقاومتها هذه المرة.. لقد بذل مجهودًا كبيرًا في تجاهل قلبه المرات الفائتة.. ولكنه لا يستطيع المقاومة أكثر من ذلك
احضتنها من قلبه
قال: ياويلج إن طريتي الفراق أو فكرتي فيه مجرد تفكير






نهاية الجزء الرابع والعشرين

.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...