الجزء الحادي عشرة
وطايا صغيْرة.. الجديدة
.
،
.
في المملكة المتحدة
كانت فيلا بوالخيول عامرة بأهلها.. بعد انقطاع طويل
كانت الفيلا ضخمة جدًّا.. عبارة عن قصر قديم اشتراه أحد أجدادهم وتم ترميمه بما يناسب السكّان الجدد
قُسّمت الفيلا على شكل أقسام داخلية.. وتم تخصيص قسم لكل عائلة.. وفيلا خارجية منفصلة للشبّان العزّاب
الخدم يملؤون المكان.. التحضيرات على قدم وساق.. فإن أهل المنزل قد عادوا!
تجمعن النساء في قسم أم سلطان
كان هذا آخر يوم لصغيْرة وهي عزباء.. كانت وكأنها ملكة في مكانها.. كل النساء حولها يعملن وكأنهن خلية نحل
ففي عُرف بوالخيول.. كل الخلافات تُنسى في الأعراس.. ويتحدن النساء لأجل مهمة واحدة.. وهي تجهيز العروس
هذه ترتيب الحقائب.. وهذه تبخر الملابس.. وكل واحدة لها مهمة
كانت أم غديّر تغلق علب المخمّرية (مزيج عطري) وتدهن ما تبقى في شعر صغيْرة.. تقرأ ماتيسر من القرآن وتنفث عليها، تحصنها
كانت في نفس الوقت تنصحها وتعلّمها عن أساليب التعامل مع الزوج
الجدة: الا وين المعرس؟ ماشوفه ياني يسلم.. ولا بعده منزوي في شقة غديّر تقول "كأنه" غراب؟
أم حياب لم يعجبها الكلام عن ابنها: لا فديته يانا هني بس أنتي انشغلتي فوق.. هو حليله بعده على كرسي مايروم يتحرك وايد
الجدة: ماعليه.. قوليله يبات هني.. إن شرد بزواله (تهديد بالزوال)
التفتت على أم سلطان: أم سلطان أنتي بعد خبري سلطان يبات هني.. أبا عيال بوالخيول كلهم هني.. مخلين البيت خلي (خالي) طول الوقت مب زين!
هزت أم سلطان راسها: ان شاءالله عموه بخبره
الجدة وهي تنظر إلى صغيْرة: أبغي الكل هني يشاركنا الحفلة.. بنفرح بالغالية بنت الغوالي.. وسميّة يدتها (جدتها)
يعلنا ما نخلى منها ولا من بسمتها العذبة
ابتسمت صغيرة بحب لهذه الجدة التي لطالما امتد حنانها إليهم
الجميع كان يقول بأنها متحيّزة لجانب ابناء محمد أكثر من غيرهم.. ولكن الواقع أنهم هم اللذين يحبونها ويخدمونها حتى بأعينهم.. ووالدتهم كذلك
لم تُبعدهم عنها يومًا.. لا بالكلام ولا بالأفعال بل كانت دائمًا ما تُقرّبهم من هذه الحنونة
وكل ذلك أدّى إلى تكوّن هذه العلاقة المميزة
.
،
ما أن رأته حتى بدأت باحتضانه وتقبيل أكتافه ووجهه.. بينما ضحك هو بإحراج
قرواش: امايه بس.. خليني أنا احبّج (اقبلكِ)
أم مطر: فديت قلبك حبيبي.. شحالك وشحال دراستك؟
قرواش: الحمدلله رب العالمين
قالت بعتاب: ليش ما تيلس هنيه وضاك (راص/مضيّق) عمرك في شقة ولد عمك وعايش على خيره؟
بس حبيبي ترا خير يدك وأهلك وايد ماله داعي تيلس على حساب حد ثاني
قرواش: فديت قلبج امي نحن اخوان وما بيننا هالسوالف
أم مطر: حتى ولو.. الواحد بيكرمكم يوم يومين مب هالكثر عاد
قرواش: يصير خير.. وينها وضحوه الدبة من زمان عنها
أم مطر: ياية قلتلها تنزل تسلم "لم تنهي جملتها الا بقدوم وضحى"
قرواش من شافها حضنها: هلا هلااااا بالدبة.. وييين اللي بتسوي رجيم ماشوف شي تغير؟
وضحى: الدبة هي اللي بتاخذها مب انا
ضحك قرواش وهمس: حلالها.. دبة وحلوة على الاقل مب شراتج
وضحى شعرت بغصة لأنها تعلم بمشاعر المقصودة تجاهه
قرواش: خلاص لا تزعلين حتى أنتي حلوة.. وإذا ما تصدقيني اسألي حامد
وضحى: وععع الله يخس هالطاري
ضحك عليها: ههههههههه والله إنج ما تستحين على ويهج شو سوالج الريال؟
غيرت الموضوع بملل: خبرني شو مسوي في الجامعة كم مرة رسبت
قرواش: تهبين.. أنا قرواش ارسب؟
وضحى: انا مادري كيف دخلوك هالجامعة وانت اسمك قرواش.. قرواش هذا اخليه يشتغل في العزبة.. ما اخليه مبتعث في بريطانيا
قرواش باستهزاء: هيييه شدراج انتي بعلوم العرب؟
وضحى: الابو قرواش والأم سوادة صدق الله يعين عيالكم مادري شو بتسمونهم؟ أكيد أسامي من العصر الحجري
قرواش: طبعًا.. عيالي بدو ظهر وبطن وبكل فخر.. اكيد مابسمي بنتي مايا وولدي رامي
وضحى: ههههههههه وععع مايا ورامي ويطلعون يشبهونك؟ يا شين السرج ع البقر
قرواش: الحمدلله أنا متصالح مع الحقيقة
.
،
على بعد أمتار ليست بالقليلة
خرج إلى مكان خالٍ في فناء المنزل يحادثها بصوت منخفض
ريّان: وينك اليوم ماشفتك رحت الشقة؟
غديّر: وأنتي تراقبيني يا صبية؟ مب عيب
ريّان ابتسمت: بالعكس ضروري اراقبك اتأكد إن الطير ما طار
غديّر: يقولج مايطير طير وراعيه قناص
ريان: يييييه بدينا حكي البدو
غديّر رفع حاجبه باستنكار: هاه شو بلاهم البدو؟؟
ريان: ما بلاهم شي.. بس ما افهم حكيكم صعب كثير
قهقه غدير: ماعليه بتتعلمين.. المهم اسمعي.. الله يسلمج يا طويلة العمر والسلامة بوالخيول من كبيرهم لصغيرهم هني.. ودام كبيرهم هني يعني غصبًا علينا كلنا نبات في فلتهم
ريّان: انتوا كأنكم هذول اللي نشوفهم في الافلام.. أحس عندكم كثير قوانين
غديّر: بالضبط.. ولو تشوفين الفيلا بتحسين عمرج صدق في فلم تاريخي
ريّان: حماااس.. عندكم مدبرة منزل وطباخين وهيك
غديّر: هيه عندنا مديرة الخدم اسمها أم حسام.. من أصل عربي وعندنا من زماااان.. نعاملها جنها خالتنا أو وحدة من العايلة مب بس موظفة.. بتتعرفين عليها عقب ان شاءالله
ريان: شو بتوديني فيلتكون؟
غديّر: ليش ما تبين اتين؟
ريّان ضحكت: اكيد بدي اجي.. عشان لا يطير الطير.. بس صاير كتير تتكلم عن المستقبل غريبة؟
غديّر: اعطيج تصور بس عن مستقبلنا بإذن الله
ريان: هممممم... طيب.. شو بيعملوا عندكم الخدم ليكون بيوقفوا هيك على العشا؟؟
غدير: هالدلع عند الحريم بس
ريان: وأنتوا؟
غديّر: نحن عادي.. يحطولنا عشا الخدم الرياييل.. ويسيرون.. حتى عشانا سادة ماشي دلع نفس الحريم
ريّان: هههههه يييه مساكين جد.. بس والله حبيت.. حلو نظامكم.. طيب ليش ماتتمون هناك؟ وضالين في شقة!
غديّر: أريح الشقة وعملية أكثر وقريبة من المدينة.. الفيلا جنج عايشة في متحف
ضحكت ريان: معقولة!
غديّر: هي والله.. المهم يا ريانة العود.. لازم اسكر الحين.. وبكلمج وقت ثاني انزين؟
ريان: طيب
غديّر: بحبك
ابتسمت ريان: وأنا كمان
.
،
في اليوم التالي
لم يظن سلطان بأن مسؤولية الشقيق الأكبر ستعود إليه يومًا.. فها هو الآن يمسك بعقد زواج أصغر شقيقاته.. لتوقّع عليه وتودّع العزوبية نهائيًا
اخذ إليها العقد.. عندما سمع جدته تقول: يالله عقبالك غناة روحي وقلبي أفرح بك وأسويلك عرس ما شهده حد من بوالخيول
ابتسم سلطان وقبل رأسها: آمين فديت قلبج
التفتت إلى حفيدتها المفضلة واحتضنتها.. كانت صغيْرة صامتة بخجل
الجدة: يالله.. أغلى اثنين عندي بيعرسون ورا بعض.. ياربي فرحتني بهم اليوم.. فرحني بهم دوم
قبّل سلطان رأس صغيْرة وهو يبارك لها بصدق: الله يبارك لج صغيرة ويسعدج في حياتج
احتضنته بامتنان: آمين.. وعقبالك يارب
امّن سلطان.. عندما تمسكت به والدته وهي تحتضنه وتدعو له.. بادلها الاحتضان ببرود تام.. حاول إبعادها ولكنّها أصرّت عليه
وعندها تعالى صوت الزغاريط إعلانًا بعقد القران
كانت مراسم العرس الصغير مخططةً على أتم وجه.. بأوامر صارمة من أم سلطان ومتابعة أم غديّر خالة العروس وأخوات العروس سلامة ولطيفة
الزينة والاضواء في كل مكان.. والكعك والحلويات والأكل.. والذبائح على الطريقة الخليجية بالطبع، على أتم وجه
حتى أن صغيرة ارتدت فستانًا أبيضًا هادئ.. رغم أن العريس رفض الزفة لكونه لا زال مقعدًا
ولكن النساء لم يتوانين عن إبهاج صغيْرة.. بالرقص والتصفيق.. والاحتفالات التي دامت قرابة الفجر
.
،
لا زال رافضًا.. يودّ لو يستطيع الهروب كما هرب سابقًا.. ولكن ما من رِجْلٍ تسعفه
يشعر بالعجز التام.. عجز في رجله وعجز في نفسه
كان تلقّي التهاني والتبريكات من كل رجال العائلة.. على أمرٍ أنت نفسك ترفضه.. صعبًا جدًّا
هو لا يرغب بالزواج.. يود لو يستطيع الصراخ بذلك.. لا يريد المسؤولية.. ليس مستعدًّا لذلك
يريد أن يلهو ويلعب بلا قيود.. لا يريد أن يستقبل عتابًا نسائيًا.. ولا يريد تحمّل مسؤولية أي طفل.. لا يستطيع ذلك حاليًا
كلّما تذكر أو استوعب حجم المسؤولية التي تنتظره.. شعر برغبة بنتف شعره
أُجبر على الجلوس معها في جناحه اليوم.. ولكن الأمر لن يطول.. بمجرد أن ترحل عائلة بوالخيول بعد أيام سينتقل إلى غرفة أخرى.. هذا كان مخططه
أما هي.. فكانت جالسةً بفستانها الأبيض بتوتّر تام.. لم تعلم مالذي عليها فعله
كانت تراقبه.. يبدو كالغارق في أفكاره
تلقّت وصايا عديدة منذُ أن تمَّ تحديد زفافها.. الجميع كان يوصيها على حياب.. حياب مسكين.. حياب عاجز.. حياب يحتاج إلى دعم.. حياب وحياب وحياب.. لقد حفظت الدرس تمامًا
اقتربت منه بخجل حاولت التغلب عليه كثيرًا.. فكما أوصينها النساء.. بأن زوجها في فترة حرجة وقد يشعر بالحرج من طلب المساعدة
اقتربت منه كثيرًا وهي تشعر بحرارة الاحراج في جسمها
رفع عينه بحدة: شو تبين؟
بلعت ريجها: بساعدك
حياب بغضب: تشوفيني مشلول؟
ارتبكت صغيْرة: لا.. بس.. امم.. بساعدك
دز ايدينها: ما احتاي مساعدة
حرك كرسيه باستخدام الجهاز المثبت على يد الكرسي.. اتجه إلى السرير وكأنه يثبت لها صدق كلامه.. ثبّته.. وحرّك وسطه من الكرسي إلى أن جلس على السرير.. رفع رجليه بمساعدة يده.. وسحب نفسه إلى أن استلقى بشكل كامل.. ونظر إليها وهو يلهث: الحمدلله.. مب عاجز
ابتسمت صغيْرة: ماشاءالله.. اممم.. تبا عشا؟ تعشيت؟
شعر حياب باختناق.. لمَ تتصرف وكأنها والدته؟ تريد أن تعينه على الحركة والآن تغذّيه
قال: متعشي.. إذا يوعانة سيري سويلج عشا.. أنا برقد سكري الليتات ولا تسوين حشرة
نفذت أوامره ثم جلست على الكرسي
لقد تلقّت وابلًا من التوصيات والتعليمات المحرجة.. ولكن لم يخبرها أحد بالذي عليها فعله في هذا الموقف وهذه اللحظة.. جميعهم علّموها ردات الفعل.. ولكن ماذا لو كانت هي أساس الفعل؟
أيجب عليها أن تجلس بانتظاره إلى أن ينهض؟ أم تستلقي بجانبه؟ أيجب عليها تبديل ملابسها؟ لا تعلم حقًّا مالذي عليها فعله.. جلست هكذا.. تنتظر.. إلى أن أشرقت الشمس ونهض حياب
فتح عينيه.. نظر إلى سقف الغرفة.. وتعرّف عليه فورًا.. الزخارف الفكتورية العتيقة ليست سوى لفيلا بوالخيول
عاد إليه نفس الكابوس.. هو رافضٌ للزواج من البداية.. فما بالكم بتزويجه وهو بهذه الحالة المزرية
يشفق على نفسه.. ويشفق على تلك الطفلة التي ابتلت به.. ولكن مالذي عليه فعله؟ هؤلاء بوالخيول.. وهذا فعلهم
رفع بدنه للأعلى فرآها جالسة في نفس مكانها
قال: انتي ليش يالسة هني للحين؟
ثبتت شعرها خلف أذنها بتوتر: اممم.. عيل وين أسير؟
عقد حاجبيه باستغراب: أنتي تستهبلين؟ شو بعد وين أسير؟ جان ييتي رقدتي؟
صغيرة فتحت عيونها: أي عدالك؟
حياب شعر بضغطه يرتفع: انتي غبية؟ والا تتغابين علي؟ "شعر بنرفزة غير طبيعية" أنا مزوجيني آدمية والا حمارة؟
سكتت.. لم ترد على وقاحته.. لا تعلم لمَ غضب منها ولكنها صمتت.. كما علمنها النساء.. المرأة السنعة لا ترادد زوجها
نهضت بهدوء: بسير اطّالع قوم امايه.. اييبلك الريوق هني ولا بتينا هناك؟
حياب بغيظ من برودها الشديد: مابغي منج شي.. سيري ولا تردين
،
تركته صغيرة وتوجهت لدورة المياه.. استحمت وتزيّنت.. ولبست أحسن اللباس والحلي.. كما تعلّمت.. صباحية العروس مهمة بقدر ليلة الزفاف
توجهت إلى حيث يتجمعن النساء بالعادة
ما أن دخلت حتى استقبلتها الزغاريط التي أحرجتها
شعرت بسخونة عالية في وجناتها.. وكل النساء مقبلاتٌ عليها يحتضننها.. ها هي صغيْرة.. أصغر بنات محمد بوالخيول.. عروس!
جلست مع بنات عمها اللذين بدأن بالتحقيق معها.. وصدمهن فعلها
سوادة: لا لا أنا إذا شردت ضروري أشردج وياي.. والله أنتي مسكينة وعلى نياتج.. الحين طول الليل يالسة تتريين الشيخ ينش؟
والله حرام على بوالخيول وحدة مثلج
صغيْرة برفض: لا حبيبتي أنا خليني ويا أهلي.. بزينهم وشينهم أحبهم ولا اصبر عنهم.. أنتي نفدي عمرج
قاطعهم صوت الجدة حين وجهت كلامها للجميع: لا تنسون تزهبون أغراضكم ترانا هالمرة مابنطول.. بنرد هاليومين ورانا بعد تجهيزات عرس سلطان ان شاءالله
يتبع...
،
.
،
.
*
،
.
كانت تجلس مع أحد النساء في قسم الحالات الحادة - نساء
كانت متعاطفة مع المريضة الباكية والتي تترجاها بأن تكتب لها الخروج من المستشفى
المريضة: ارجوك دكتورة.. طفلي لا يستطيع تدبّر أمره بدوني.. مأكله، مشربه، وملبسه وكل أمره يتم تحت ناظري.. أما الآن فهو وحيد وليس لديه من يعتني به
د. وديمة: بإذن الله ما أن يتحسّن حالك ستخرجين إلى أطفالك وعائلتك
اتفهم بأنها فترة حرجة على الجميع.. ولكنّها ستمضي بإذن الله.. لا تقلقي.. وتأكدي بأن علاجك هنا وتعافيك كله في مصلحة أسرتك.. ستكونين بإذن الله بنفسية افضل وستكون أعصابك أهدأ
أنزلت رأسها: لقد كُنت عصبية جدًّا في الفترة الماضية
د. وديمة: لا بأس.. تعلمين بأنها لستِ أنتِ صحيح؟
هذه ليست طبيعتك.. انتكاسات المرض قد تؤثر على تصرفاتك ولكنك ستتخطين هذه المرحلة بإذن الله
أمسكت المريضة بيديها بامتنان: شكرًا لك.. مضى وقت منذ أن التقيت شخصًا طيبًا مثلك
ربّتت وديمة على يدها: هذا واجبي
مشت وديمة متجهة إلى خارج القسم.. حين قابلتها الممرضة المسؤولة: اوه مرحبا د. وديمة أنتِ بالداخل.. إذًا ما يشاع عن عنادك صحيح
وديمة بابتسامة: أي شيء في مصلحة مرضاي
الممرضة: لقد كنتِ أنت الطبيب المباشر لسلطان بوالخيول قبل خروجه صحيح؟
وديمة كتمت توتّرها: صحيح
الممرضة: أليس هنالك أي خبر جديد عنه؟
وديمة: عدم توفّر الأخبار يعتبر إشارة جيدة أليس كذلك؟
الممرضة: بالطبع
كانت الممرضة تتأمل المرضى من الزجاج الفاصل وكأنها تفضفض: صحيح بأنني انتقلت من قسم الرجال منذ مدة طويلة.. لكن الفراغ الذي تركه سلطان واضح للجميع
وديمة تهز راسها بتأييد: صحيح.. لقد اخبرني بذلك الكثير من المرضى.. لقد كان مؤنسًا لهم ويساعد في ضبط الأمور والنظام هنا بعض الشيء
الممرضة: المهم بأنه بخير "ثم قالت بتساؤل" أتعتقدين حقًّا بأنه بخير؟
ابتسمت وديمة: ان شاءالله.. سلطان ليس بشخص هيّن وبإذن الله سيستطيع تدبّر أموره!
حاولت وديمة التهرّب من الحديث عنه.. تشعر بأنها مفضوحة.. تشعر بأن الجميع يعلم بأمر خطوبتهم
خصوصًا الآن وهي تعلم بأنه هنا مع أهله.. بعد أن أبلغتها والدتها بذلك مع وصايا متكررة وتهديدات شديدة اللهجة بعدم لقائه أو أي أحد من عائلته أبدًا.. فليس ذلك من سلكهم ومذهبهم كما قالت لها
لطالما كانت حياتها الشخصية مفصولةً تمامًا عن عملها
ولكن الأمر الآن مع سلطان شديد الغرابة.. والاحراج.. سيظن الجميع بأنها كانت على علاقة به اثناء العمل.. وهذا ليس بصحيح
فرغم تحاورهما المستمر، والمثري.. إلا أنه كان حوارًا محترمًا قلّما يخرج عن صلب العمل
وردها اتصال من والدتها.. ابتسمت وردّت: يا مرحبا وسهلا بالغالية أم الغالين
أم أحمد: حي الله بنيتي الدختورة
وديمة: امايه ليش متصلة على حسابج خليني اوصل البيت ان شاءالله وبنتصل فيديو كول احسن وأشوفكم بعد بالمرة
أم أحمد: خليني ارمسج الحين.. عقب ماعندي فچة (فرصة)
وديمة: آمريني يالغالية
أم أحمد: وديمة حبيبتي.. أنا ابغيج تفكرين بموضوع ولد بوالخيول عدل.. لا يغرج الاسم وتوافقين بدون تفكير
قالت وديمة بشك: أمي أنتي سامعة شي؟ والا تبين تخبريني عن شي؟
أم أحمد: لا والله يا بنتي.. لكن حسيته كلام في خاطري ولازم أقوله
أبوج لو عرف إني قلتلج هالكلام بيزعل
لكن هذا الصدق والواقع.. هذيل ناس والنعم فيهم وماشفنا عليهم عيب.. رغم الخير اللي عندهم تبارك الرحمن الا إنهم عرب كرام يعرفون الواجب والسنع وبعدهم على العادات
لكن أنتي بتدخلين عليهم غريبة.. كلهم عيال عم ومتواخذين
وديمة: انزين أمي شو المشكلة لو كانوا كلهم عيال عم وأنا غريبة
أم أحمد: ودوم عيوني أنتي ماشاءالله عليج مب ياهل.. وعاقلة.. تعرفين إن البنت ما تتزوج الريال بس.. تعيش ويا أهله كلهم ولازم يكونون يناسبونها
وديمة: امي حبيبتي شو رايج تكونين صريحة وياي.. أنتي تشوفينهم ما يناسبوني؟ عندج شي ثاني خاشتنه عني؟
أم أحمد: لا والله حشى.. عيال بوالخيول فيهم الخير وما شفنا منهم إلا كل خير.. وقت اللين والشدة.. ونسبهم يشرّف.. لكن مادري.. والله خايفة عليج يا بنتي.. أنتي طيبة ولينة مادريبج بترومين تعيشين بينهم ولا لا
وديمة: ما تبيني أوافق
أم أحمد: أعوذ بالله.. وهذا عرسي ولا عرسج؟ أنا ما شفت عيب عشان ارفض ولا عشان اطلب منج ترفضين
أنا بس ابغيج تفكرين بالموضوع من كل صوب.. لا تغترين بالاسم بس وأن المعرس سلطان بوالخيول
ارتاحت وديمة لكلامها.. ظنت بأن الأمر أكبر من ذلك: كله خير بإذن الله.. بنتهم ولا غريبة عنهم اللي كاتبنه ربي بيستوي وأكيد فيه الخير.. أنا بتشاور وبستخير وان شاءالله خير
.
،
اتصلت به ولم يرد عليها.. ارسل لها رسالة كتابية: عند أهلي
ردت عليه: خلاص نسيتنا ولك غدووورة
ابتسم.. يعلم بأنها تتعمد مناداته بهذا الاسم لتغيظه.. ارسل: بعيد عن العين بعيد عن القلب
ريّان: طيب.. ماتجي بعدين تدور علي وتعصب على كابتن جون المسكين اذا عدل ركابي
غديّر: هي عشان أقص ايدينه
ضحكت في الواقع.. وطبعت ضحكاتها على الكيبورد: هههههههه يا مجرم
غديّر: اللي يلمس حلالي يتحمل اجرامي
ريّان: إذا ما بدك حد يلمس حلالك عيل تعال دربني.. طولت ترا
غديّر: من عيوني ان شاءالله يوم بيردون أهلي.. تعرفين إني عايش بعيد ومتغرب عنهم ولا اشوفهم.. كم يوم تحمليهم ان شاءالله وبرد للشغل
ريّان: وأنا ما اتدرب يعني؟
غديّر: ليش هالحماس كله عندج بطولة؟
ريّان ضحكت: ههههههه لا.. بس اشتقت للخيل
غديّر: تحملي الشوق هاليومين.. ماشي سيرات بدوني
ريّان: طيييب
.
،
.
،
يوم العودة للبـلاد
تعمدت أن تريهم وجهها بشكل مستمر.. تأتي وتغيب.. تأخذ شيئًا من هذه.. وتطلب مساعدة تلك لكيلا يفتقدوا وجهها
أثارت الفوضى في المكان.. أضاعت بعض الاشياء.. أبكت بعض الأطفال.. لينشغلوا بكل هذا ويمر الوقت ويتأخروا على الطائرة.. وبذلك يكون تركيزهم قليل جدًّا جدًّا اثناء السفر
ذهبت إلى أمها وأبلغتها بأنها ستكون مع زوجة عمها كالعادة، وذهبت إلى جدّتها وأخبرتها بأنها ستكون مع والدتها
وفعلت ذلك مع الكثير.. اخترعت الكثير من الكذبات.. باختصار كانت تريد أن تسبب لهم صداعًا.. أكثر من صداع الرحلة
خصوصًا وهم بهذا العدد وبصحبة ابنائهم المزعجين
كان الجميع "مرتبش" كما يُقال بالعامية.. لم يهدأ بال أحد حتى استقرّت الطائرة في السماء.. حينها نام الأغلب وبقي البعض يشاهد الافلام المعروضة في تلفاز الطائرة
رفعت وضحى جسمها باستغراب.. هذي وين؟ ما أحيدها (اذكرها) تحب اليلسة مع العايلة.. من يوم كنا في المطار ماشفتها.. هذا كان حديثها مع نفسها
عادت مرة أخرى إلى كرسيها.. لا تشعر بطاقة كافية للسؤال والبحث.. ستنام الآن وتلتقي بها في المطار
نزلوا إلى مطار أبوظبي الدولي.. وتكررت الفوضى مرة أخرى.. الكثير من الأشخاص، والكثير من الحقائب.. أكثر من 40 حقيبة
كان الرجال على وشك الانهيار.. الجميع يتمنى أن ينتهي هذا الكابوس ويعود كل شخصٍ إلى منزله بسلام
قالت أم حياب وهي تمشي بجانب زوجها: الا سوادة وين؟ أحيدها لاصقة في بيت أم سلطان الحينه صغّور ربي يحفظها مب موجودة.. هالمرة لصّقت عمرها في منو؟
بو حياب: تلقينها ويا أم مطر وبنتها.. أو ويا اختها يزوي أختها بالرضاعة
أم حياب: فضيحة انزين بو حياب خلنا نشوفها وين.. الجماعة بيسيرون بيتهم يريحون هذي وين تلصق فيهم
بو حياب: برايج سيري اطالعيها.. أنا بترياج عند الباب لين يحمّل الدريول هالشنط "اكمل باستنكار" عنباكن من حريم مسافرة يومين شالة وياج هالكثر شنط ليش؟
صمتت أم حياب واتجهت إلى أم مطر والتي لم تعطها الجواب.. ثم إلي أم سلطان.. ثم بقية النساء.. وبقي أملها الوحيد.. الجدة.. ذهبت إليها وهي تشعر بمغص شديد في بطنها.. وتدعو الله أن تكون ابنتها الوحيدة معها
الجدة باستغراب: ويدي.. الحين تدورين بنيتج عند الباب.. وينج من زمان عنها؟
أم حياب بخوف: امايه هي تكون بالعادة ويا أم سلطان وصغيرة من جي ما شغلت بالي بس مررة ماسمعت لها حس
الجدة التفتت على سلطان: ابويه سلطان.. سوادة بنت عمتك ماندري وينها اطالعها يمكن سارت الحمام والا شي وروّحنا عنها
كان يعلم بأنها ستطلب منه ذلك.. منذ أن أتت عمته.. تنهد وبلعها في جوفه.. لأجل عين جدّته.. والتي هي بالنسبة له أغلى من روحه.. أليست هي من وقفت معه حين تخلّى عنه الجميع؟
هز سلطان رأسه بإيجاب: ان شاءالله.. انتي يلسي هني استريحي.. ولا ردي ويا الشباب أحسن وأنا بسير اطّالعها ويوم بحصلها بسوي لكم تلفون
أم حياب بامتنان: بارك الله فيك يا ولدي.. عاد أنا ما الله عطاني الا حياب.. الله يشفيه.. ماعندي ولد اعتمد عليه بتعبك وياي
نظر إليها بهدوء.. ثم أزاح نظره.. لم يرد عليها حتى
وعاد للخلف باحثًا عن ابنة عمته.. بحث عنها في الأماكن المتوقعة ولم يجدها
خطرت بباله فكرة.. تمنى ألّا تكون صحيحة.. ولكن عليه التأكد وقطع الشك باليقين
ذهب إلى مأمور الجوازات وبدأ يستفسر.. وللأسف الشديد بعد التأكد مرات عديدة... ومراجعة الأمر تيقنوا بأن جواز سفرها لم يختم بختم الدخول من الأساس!
أغمض عينيه بتعب.. إذًا لا بد وأنهم غفلوا عنها هناك.. وبالطبع ستكون مهمة البحث عنها مهمته هو
ليس من اللذين يشاركون أهلهم كل الاخبار.. يحب أن يحل المشكلة ويأتيهم بالحل على طبق من فضة.. هذه عادته منذ أن كان شابًّا.. ولكنّه مجبر هذه المرة
عاد إليها.. وهي تنتظره في نفس المكان
كن يستطيع تمهيد الأمر.. ولكن لمَ يُكلّف نفسه عناء الأمر؟ قال بجلافة: سوادة نسيناها في بريطانيا
شعرت بدوار.. كادت تسقط صرخت عليه: شوو؟؟؟؟ بنتي سوادة نسيتها في بلاد وأنا في بلاد!
قال ببرود: هي
أم حياب تعلقت في يده: لا تقولها دخيلك.. لا تقولها.. ياويلي عليج يا بنتي.. كيف نسيتها هناك وخليتها كييف!
كان صامتًا.. يستمع إلى عمته وهي تشتم نفسها وتلطم
أم حياب: سلطان دخيلك سير ييبها.. أنا ماعندي عيال غير حياب.. دخيلك ما لي غيرك يا سلطان
نظر إليها نظرة مطوّلة.. ثم قال: ان شاءالله
احتضنته بارتجافة.. وشهقت بحسرة على كل مرةٍ أكلت فيها لحمه
صحيح بأنها لم تكن كزوجات أخوتها ونساء العائلة.. ولكنها لم تتوانى عن المشاركة في النميمة ولم تدافع عنه يومًا رغم أنها عمته شقيقة والده
أما هو.. فكان أفضل منها بمراحل.. تبيّن معدنه في أول موقف.. فقد مضت السنون ولكن سلطان لا يزال حاضرًا في هذا الجسم المختلف.. وهذه النظرة الجديدة
رغم كل البرود والجلادة التي تلبّسها.. إلا أنه لا يزال سلطان.. تستطيع التماس هذا
قالت وهي تمسح دموعها: سامحني ولدي.. سامحني يوم اجحفت حقك ولا عرفت قدرك.. سامحني
شعر ببرود في أطرافه: بالحل
وأبعدها عنه.. لا يعلم لمَ تحمّل هذه المسؤولية.. ألم يعِد نفسه مسبقًا بأنه سينفصل عنهم تمامًا؟ ألم يقل بأنه لن يُشغل باله بأي أمرٍ يخصهم؟
فلم يتكبد كل هذا العناء الآن؟ يود لو يستطيع الوقوف حالًا وجلد نفسه مئة جلدة.. لمَ يساعدهم؟
لمَ يبحث عن اقرب حجز لبريطانيا متجاهلًا كل آلامه التي صرخت بسببهم؟
بسبب كل فردٍ فيهم.. آلام أشعلوها وتركوها للزمن.. لم يحاول أحدٌ منهم حتى تطبيبها
فلم لا يزال يتحمل مسؤوليتهم؟
رغم حالته السيئة وقتها.. الا أنه يتذكّر جيّدًا طلبهم من والده بشكل مستمر إرساله إلى مستشفى المجانين.. يتذكر قمعهم ويتذكر شماتتهم به.. يتذكر كل شيء
مشكلته الأساسية أن عقله يعمل بشكل مستمر.. لا يتوقف.. لكم يتمنى أن يذوق الصمت.. ولكن هذا العقل لا يهدأ أبدًا
كان يجلد ذاته.. وهو ساعٍ في خدمتهم والبحث عن ابنتهم.. ولكنه عاهد نفسه بأنها ستكون آخر خدمة يقدمها لهم
كان جالسًا على كراسي الانتظار.. إلى أن تحين رحلته القادمة.. والتي ستطول كما يبدو.. قرر أن يخرج قليلًا ولكنه لن يعود إلى المنزل.. فليس مستعدًّا لاسئلة العائلة التي لن تتوقف
اتصل بغديّر بسرعة وأبلغه بالأمر.. وهرع الآخر إلى المطار برفقة هزاع وقرواش.. بدون أن يُعلموا حياب مراعاةً لوضعه
اتبع الشباب أوامر سلطان بالضبط وذهبوا لتتبع جوازها.. والصدمة بأن جواز سفرها قد خُتم بالخروج.. ولكن ليس إلى الإمارات.. بل إلى فرنسا
نهاية الجزء الحادي عشرة
آرائكم وردودكم تسعدني
،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!