رواية عروس الرمال الفصل الثامن 8 والاخير بقلم الضوء- ادم -بشير
وقفت مكاني وأنا بعاين للبنية الواقفة عند الباب، ما قدرت أتحرك، ولا حتى أتكلم. الإحساس الجاني وقتها ما كان خوف ساكت، كان إحساس أثقل من الخوف ذاته، كأنو وجودها في المكان ساحب كل القوة من جسمي.
الغرفة بقت أبرد بصورة واضحة، حتى نفسي بدأ يطلع تقيل.
يوسف، الغريب، ما اتخلع زيي، بالعكس... أول ما سمع صوتها، ملامحو هدت شوية، كأنو زول أخيراً شاف الحاجة البتطمنو.
البنية دخلت خطوة لقدام ببطء.
فستانها الأسود كان طويل لدرجة يجر فوق الأرض المغبرة، وشعرها نازل يغطي جزء كبير من وشها.
لكن رغم الضلمة، كنت شايف ابتسامتها الخفيفة.
ابتسامة ما عرفت إذا كانت بريئة ولا مخيفة، لكنها خلت قلبي ينقبض بدون سبب واضح.
يوسف وقف تلقائياً ومشى ناحيتها خطوة، وأنا بدون شعور مسكت يدو بسرعة وقلت ليه: يوسف أوعى!
وقف مكانه، لكن البنية رفعت رأسها ناحيتي ببطء.
وفي اللحظة دي تحديداً، حسّيت إنو الغرفة كلها سكتت.
حتى صوت الشارع برا اختفى تماماً.
ما قدرت أشوف ملامحها كاملة، لكن عيونها...
عيونها كانت غريبة بصورة ما طبيعية، سوداء بشكل كامل تقريباً، لكن فيها لمعة خفيفة كأنها جمر تحت الرماد.
قالت بصوت ناعم جداً:
ـ أخوك خايف مني ليه؟
الصوت كان هادي بصورة تخوف،، ما فيه عصبية، لا صراخ، لا تهديد، لكن كل كلمة كانت داخلة جواي بطريقة باردة.
بلعت ريقي بصعوبة وقلت: إنتِ منو؟ ابتسمت
بخفة، والتفتت ليوسف قبل ما تجاوب: قول ليهو أنا منو.
يوسف نزل رأسه كأنه طفل مذنب، وبعدها قال بصوت متردد:
ـ دي... رَمَّادة.
أول ما الاسم اتقال، حسّيت بهوا بارد مرّ في الغرفة، والشمعة الصغيرة في الركن طفت براها.
الضلام غطى نص المكان، وما بقي واضح غير ملامحها الباهتة وهي واقفة ساكته.
قلت بعصبية وأنا بحاول أتماسك:
شنو يعني رَمَّادة؟ شنو إنتِ أصلاً؟
سكتت شوية، وبعدها مشت ببطء ناحية الكرسي الصغير، وقعدت فوقو بنفس الطريقة الهادية.
حركاتها كانت ناعمة بصورة غريبة، كأنها ما بتمشي فعلاً، بس بتنزلق فوق الأرض.
قالت بدون ما تعاين لي: زمان... قبل سنين طويلة، كانوا بسمونا بأسماء كتيرة،، ناس يقولوا جن، ناس يقولوا أرواح، وناس يقولوا لعنة
لكن نحنا كنا عايشين بعيد عن البشر، لحدي ما البشر نفسهم بدوا يفتشوا عننا.!
أنا بقيت ساكت أسمع رغم إني المفروض أهرب من المكان كله،، لكن الفضول ساعات بربط الزول في مكانه أكتر من الخوف. هي رفعت يدها ببطء، وكانت أصابعها بيضاء بصورة مخيفة، وقالت: البيت ده ما اتحـ.ـرق صدفة.
أنا ويوسف اتلفتنا ليها بنفس اللحظة.
قالت: في زول حاول يحرقني.
قلبي دق بقوة، وقلت بسرعة: لكن الناس كلها قالت في طفلة ماتت هنا!
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: الطفلة كانت مجرد شكل.
الشكل البظهر بيه ليكم.
ما قدرت أستوعب الكلام بالكامل، لكن يوسف كان سامع وكأنه عارف كل حاجة من قبل.
قال لي بهدوء: يوم الحر.يق، كانت محبوسة هنا.
التفت ليها بسرعة وقلت: محبوسة بواسطة منو؟
سكتت ثواني طويلة، وبعدها قالت: أبوك.
في اللحظة دي حسّيت الدنيا وقفت حولي.
قلت بعصبية: أبوي؟! إنتِ بتخرفي شنو؟!
لكنها ما اتغيرت ملامحها، بس قالت:
زمان، أبوك كان بعرف الحقيقة كلها.
رجعت خطوة لورا وأنا ما قادر أصدق.
أبوي؟ الزول الهادئ البعرفو طول عمري؟
كيف يكون داخل في حاجة زي دي؟
يوسف قال بصوت واطي: قبل يومين، أنا سمعت أبوي بتكلم مع شيخ في التلفون.
كان بقول ليهو: لو رجعت تاني، المرة دي لازم نخلص منها نهائي.
الكلمات دي نزلت فوقي زي الحجر.
وفجأة بدت حاجات كتيره تركب مع بعضها.
خوف أبوي الغريب، مراقبته ليوسف، توتره كل ما تتجاب سيرة الحر.يق.
عروس الرماد وقفت ببطء، وبعدها مشت ناحيتي خطوة.
أنا رجعت لورا تلقائياً، لكنها قالت بهدوء: ما جيت أأذيكم.
أنا جيت آخد حقي بس.
قلت ليها:حق شنو؟
قالت: وعد.
التفتت ليوسف، ونظرتها اتغيرت تماماً، بقت أهدى وألين بصورة غريبة.
وقالت: هو اختارني بإرادتو.
وعدني يبقى معاي
أنا قربت من يوسف بسرعة وقلت ليه: إنت واعي للكلام ده؟!
لكن يوسف كان سرحان فيها بصورة خوفتني أكتر من وجودها ذاته.
كأنو منوم، أو غرقان في حاجة أكبر منو.
وفجأة...
سمعنا صوت الباب الرئيسي للبيت يتفتح بعنف.
صوت أبوي.
قال بصوت عالي من الممر: يوسف!
هي رفعت رأسها بسرعة، ولأول مرة ملامحها اتغيرت.
الهدوء اختفى، وعيونها بقت أغمق بصورة مرعبة.
يوسف همس بخوف: لا...
بعد ثواني دخل أبوي الغرفة، وكان ماسك في يدو كيس صغير وملامحو متوترة.
أول ما شافها، وقف مكانه كأنو شاف كابوس قديم رجع قدامو.
قال بصوت مخنوق: رجعتي؟...
هي ابتسمت وقالت:
إنت خليتني أرجع.
أنا بقيت أعاين بينهم وأنا ما فاهم أيّ حاجة.
لكن أبوي أخيراً قال الحقيقة.
قبل عشرين سنة، كان في شيخ معروف في المنطقة، الناس بتمشي ليه في الحاجات الغريبة والمسّ والسحر.
الشيخ ده اكتشف إنو البيت القديم كان مسكون بجنية عاشقة، بتظهر للبشر في هيئة طفلة أو امرأة حسب الشخص البتشوفو. وكانت أيّ مرة تتعلق بزول، بتحاول تاخدو معاها.
الشيخ أمر بحبسها داخل البيت باستخدام طلاسم وحـ.ـرق المكان كامل، عشان تنقطع عن العالم البشري.
وأبوي، كان واحد من الناس الحضروا الليلة دي.!
لكن الحاجة الوحيدة العملت المشكلة،
إنو يوسف دخل البيت يوم الحر.يق الأخير وكسر الختم بدون ما يقصد.
عروس الرماد قالت بهدوء: هو حررني، وعشان كده بقى لي.
أبوي قرب خطوة وقال بعصبية وخوف: يوسف ما حـ يمشي معاك، في اللحظة دي الجو كله اتغير. الحيطان بدأت تصدر أصوات طقطقة خفيفة، والهواء بقى ساخن بصورة مفاجئة.
رَمَّادة رفعت رأسها، وشعرها بدأ يتحرك كأنو في عاصفة حولها.
قالت بصوت مختلف تماماً: الوعد ما بينكسر.
فجأة الأنوار القديمة في البيت اشتعلت وطفت بسرعة، والزجاج اتكسر في الغرفة بدون أيّ سبب.. أمي برا البيت بدأت تصرخ باسمنا،، وأنا لأول مرة حسّيت إنو الحاصل ده أكبر من أيّ شي ممكن نسيطر عليه.!
أبوي طلع من الكيس حفنة رماد ورماها ناحية عروس الرماد وهو يقرأ آيات بصوت مرتجف.
أول ما الرماد لمسها، صرخت.
الصرخة كانت مؤلمة بصورة ما طبيعية، لا صوت إنسان لا حيوان، صوت يخلي الدم يتجمد.
الغرفة كلها اهتزت، وأنا وقعت في الأرض من قوة الصوت.
لكن وسط الفوضى دي كلها
يوسف جرى ناحيتها.
صرخت فيه: يوسف ارجع!
لكنه وقف قدامها وقال لأبوي: خلاص كفاية!
كلنا اتجمدنا.
يوسف كان واقف قدامها يحميها.
قال بصوت مكسور:
هي ما أذتني... إنتو الخوفتوني منها.
أبوي قال بعصبية: دي ما بشر يا ولد!
لكن يوسف هزّ رأسه وقال: يمكن،، لكن الوحيدة البقت معاي لمن كنت وحدي كانت هي.
الكلمة دي كسرت فيني حاجة.
لأول مرة فهمت إنو يوسف ما كان بس مسحور أو مخدوع،
كان متعلق بيها فعلاً.
رَمَّادة قربت منو ببطء، ومدت يدها ولمست خده.
وفجأة، كل الفوضى وقفت.
الصوت اختفى، الهواء هدي، حتى الحرارة رجعت طبيعية.
هي ابتسمت ليهو وقالت: لو جيت معاي... كل شي حينتهي.
سكت يوسف ثواني طويلة.
كان واضح إنه بين أهله... وبينها.
بين حياته القديمة، والحاجة الغريبة البقت جزء منو.
بعدها، التفت علينا.
عاين لأمي البتبكي عند الباب.
لأبوي الواقف وعيونو مليانة خوف وندم،، لي أنا أخوه الكبير.
وابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
قال: سامحوني، وفي اللحظة دي،
النور انطفى ثانية واحدة بس، ولمن رجع
يوسف ما كان موجود. ولا حتى الجنية
بس الفستان الأسود كان واقع فوق الأرض،
وحوله رماد كتير.
مرت شهور بعد الليلة دي.
أبوي بقى ساكت أغلب الوقت، وأمي كل ما تتجاب سيرة يوسف تبكي،، أما أنا، فما قدرت أنسى أيّ حاجة حصلت.
حاولت أقنع نفسي مرات إنو كله كان وهم، لكن في حاجات ما قدرت ألقى ليها تفسير، زي إنو أحياناً، آخر الليل، بسمع صوت كباية بتنحط في المطبخ.
ولمن أمشي أعاين
ألقى كبايتين شاي فوق الطاولة.
وأحياناً...في المراية، ألمح يوسف واقف وراي للحظة.
ما بيقول شي.
بس واقف... وجنبو ظل أسود طويل.
"ليست كل الأرواح التي تقترب من الإنسان تؤذيه،
أحياناً تكون أكثر وفاءً من البشر أنفسهم،
لكن المشكلة الحقيقية...
أن بعض الأبواب، حالما تُفتح، لا يعود صاحبها كما كان أبداً."
أنتهت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!